تذكرني !

 





الشعر التشادى فى مرحلة الانتبـــاه

د. عبد الله حمدنا الله عبد الله بعد أن بلغت مرحلة يقظة الشعر التشادى غايتها فى شعر الشيخ عبد الحق السنوسي ، عاد الشعر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-15-2012, 07:22 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,331
افتراضي الشعر التشادى فى مرحلة الانتبـــاه

د. عبد الله حمدنا الله عبد الله
بعد أن بلغت مرحلة يقظة الشعر التشادى غايتها فى شعر الشيخ عبد الحق السنوسي ، عاد الشعر التشادى إلى الانحطاط بعد مذبحة الكبكب فى أبشى عام (1917م) ، حيث ضعف الشعر، بل يكاد يختفى، بحيث لم تعد له الإنماذج قليلة فى حينها ، فالعلماء - الذين هم الشعراء فى ذات الوقت –إما قتلوا أمثال الشيخ عبد الحق السنوسي ، أو هاجروا إلى السودان فراراً مما أصاب أمثالهم .
وفى السودان تكونت حلقات علمية من هؤلاء العلماء ، أمثال الشيخ عبد الرحيم السنوسي فى الجنينه ، والشيخ عبد الباقى فى الأبيض ، والشيخ كرسى فى النهود ، والعلماء الذين بقوا فى أبشى صمتوا عن قول الشعر ، وإذا نظم أحدهم شعراً لايظهره إلا بعد سنوات من المذبحة حين تبدلت الأحوال شيئاً ما ، وأطمأن الشعراء بعد خوف .
استمرت فترة ضعف الشعر العربى وانحطاطه إلى نهاية الثلاثينات من القرن الماضى ، حيث بدأ الشعر العربى يعود مرة ثانية ، ويجد مكانه بين المتلقين ، وظهر شعراء ينظمون بصورة لا بأس بها ، وأشهر أولئك الشعراء الشيوخ أحمد طبيك ، ومحمد عليش عووضه ، واحمد البرعى ، واحمد عبد الله بركه وآدم محمد الامين ((دين كله)) وغيرهم .
وأسمينا هذه المرحلة مرحلة الانتباه ، لأنها جاءت بعد انحطاط أعقب يقظه ، وفى هذا الانحطاط لم يضعف الشعر وحده ، بل ضعفت الحركة العلمية كلها ، وانصرف الناس عنها ظاهراً بعد الحرب الشرسه من الفرنسيين على الثقافة العربية الإسلامية ، وبدأ كأن تلك الثقافة فى طريقها إلى موات ، ووئيداً بدأ الناس ينتبهون إلى إن تلك الثقافة قصة كيانهم الروحى والحضارى ، وأن الفرنسـية وافدة عارضة يمكنها أن تجاور العربية لكنها لن تحل مكانها ، ومع تلك الانتباهة عادت الحركة العلمية على استحياء ، ثم أخذت تنمو ، ومع عودة الحركة العلمية عاد الشعر ليتطور أيضاً ، ومن ثم أسمينا هذه المرحلة بمرحلة الانتباه .
ولكى نلم بأطراف مرحلة الانتباه ، يلزمنا أن نعطى أولاً نبذة عن أهم شعراء هذه المرحلة ، وأغراض الشعر ، ثم نتحدث عن الخصائص الفنيـة التى تميز بها.





أهم الشعراء :
أهم شـعراء هذه الفترة حسب الترتيب الزمنى هـم :
1- أحمد طبيـك :
من خلال السيرة التى كتبها ابنـه الأكبر زين العابدين أحمد ، فإن اسمـه أحمد بن عبد الكريم بن عبد الله السيوطى المكنى بأبى محمد ، الملقب بطبيك ، ولد بمنطقة أم حجر بمحافظة البطحاء عام 1320هـ الموافق 1903م ، وبعد أن حفظ القرآن الكريم ، وتلقى بعض مبادئ العلوم الأسلامية على يد أبيه ، ذهب الى منطقة البلالة التى تقع على بحيرة الفترى ، ومكث بها عشر سنوات ، ثم ذهب الى منطقة منقـو حاضرة محافظة قيرا ، ومكث بها عامين تلقى فيها على أشراف علماء المنطقة ، ثم عاد فى سنة 1936م وتولى القضاء الشرعى ، ومكث فيه الى أن أحيل على المعاش سنة 1967م ، حيث مكث يدرس العلوم الشرعية والعربية فى منزله الى أن توفى عام 1977م .
ترك الشيخ أحمد طبيك عدداً من المؤلفات بين مفقود ومخطوط ، وتحتفظ أسـرته بمخطوطاته فى شتى أنواع العلوم والفنون ، حيث ألف فى العلوم الشرعية والعربية والفلك ، كما شرح بعض المؤلفات لبعض علماء السلف مثل ابن أبى جمرة والمرزوقى .
كان أحمد طبيك شــاعراً ، لكن يبدو أن شــعره ضاع ضمن ماضاع من مخطوطاته ، ولم يصل إلى أيدينا منه غير قليل من منظومات العلوم ، ومن ذلك منظومته فى النواصب والجوازم ، وذكر انه ألفها فى عشـرة من شوال 1373هـ الموافق يونيـو 1952م ، وتحتوى على ثلاثة وأربعين بيتاً ، منها عشرون بيتاً فى النواصب ، وثلاثـة وعشـرون بيتاً فى الجوازم ، وحقق هذه المنظومه الباحث التشادى عيسى حسن جمعه ، وله منظومه أخرى فى الناسخ والمنسوخ لم أطلع عليها ، ويبدو أن شـعره من نـوع شـعر العلماء (1)
الشيخ محمد عليش عووضـة :
محمد عليش اسـمه ، وكثيراً ما يكتفى بعليش وحدها دون محمد ، ولد بمدينة أبشى من أسرة ذات أصول سودانية ، وتختلف الروايات حول تاريخ ميلاده اختلافاً بيناً ، فبعض الروايات تقول أنه ولد سنة 1905م، غير أن عيسى حسن جمعة يذهب الى أنه ولد سنة 1913م (2) ، وليس تحت أيدينا ما نرجح به تاريخاً على تاريخ .
وبعد أن حفظ القرآن الكريم ، ودرس على علماء عصره فى أبشى ، سافر الى السودان ومعه أخوه الأكبر الشيخ سليم عووضه الذى أصبح عالماً أيضاً ، والى علمهما يشير الشاعر آدم محمد الامين (دين كله) حيث يقول :
اذكر عليشاً والسليم البشرى * * * فما وجدت مثلهم ياعمرى (3)
وفى السودان التحق بمعهد ام درمان العلمى حيث حصل على الشهادة الأهلية سـنة 1938م ، وبعدها سـافر الى الأزهر الشريف حيث تحصل على الشهادة العالمية من كلية الشريعة عام 1943م ، ثم عاد الى ابشى وأسس معهد أم سـويقو فى منتصف الأربعينات ، واستطاع من خلال هذا المعهد أن يبث

حركة النهضة ، وأن يعيد للعربية سيرتها ، وأن يخرج خيرة العلماء الذين حملوا نور العلم من بعده ، وأن يبث روحاً ثورية جعلت تلامذته فيما بعد من أوائل القائمين على جبهة التحرير الوطنية التشادية (فرولينا ) .
أغضب الفرنسيين ما كان يقوم به من نشاط علمى ثورى ، فعملوا على نفيه من تشاد فى أوائل الخمسينات ، فجاء الى السودان أرض أجداده حيث عمل معلماً فى الشئون الدينية ، وتنقل فى عدد من المعاهد العلمية فى مدن السودان المختلفة ، واستقر أخيراً فى مدينة أم درمان ، وفيها توفى فى يوم الثلاثاء 4 ربيع الثانى عام 1395هـ الموافق 4ابريل 1975م .
ترك الشيخ عليش عدداً من المؤلفات العلمية ، منها كتاب المنحة الأزهريـة فى فقه المالكية ، والأسلوب الجديد فى النحو المفيد ، والموجز فى التوحيد ، وغيرها .
كان شاعراً ، ويبدو أن أكثر شعره قد ضاع ، وليس تحت أيدينا سوى عدد قليل من قصائده ، ومن ذلك قصيدته بمناسبة افتتاح العام الدراسى بالمعهد العلمى فى ام سويقو فى أبشى عام 1947م ، وهى قصيدة تبتدئ بمثل مايبتدئ الجاهليون من الوقوف بديار الأحبة والاطالة فى ذلك الوقوف ، حيث يقول :
صاح عرج على رياض الخزامى * * * قف رويداً وقل ببشر سلاماً
واسأل الوافدين ركب التهانى * * * هل أنا خوا بدار سلمى الهياما
ويثنى بالحديث عن الخمر ، ولكنه خمر صوفى قبل أن يتخلص الى غرضه ، حيث قال :
ياأنيس الفؤاد يانور عقلى * * * ياعديم المثال فيك المراما
شعشع الكأس واسقنيها دهاقا * * * لا تمتها وفض منها الختاما
مسكها فاح زاكياً فى نواحى * * * شهر شوال عطر الكون عاما
ويحث الناس على الوقوف مع المعهد العلمى فى أم سويقو بعد أن يبين فائدته ومكانته .
ورغم أن القصيدة من شعر العلماء مع نفس صوفى ، وأنها من شعر المناسبات ، ويكثر فيها الأسلوب الخطابى والتقريرى واستعمال الأسلوب الإنشائى من أمر ونداء ، الا أن القصيدة مع ذلك فيها روح جديدة فى الشعر التشادى ، ويبدو ذلك فى استعمال بعض المفردات والتعابير الجديدة التى استفادها الشيخ عليش من وجوده فى السودان ومصر ، حيث تخلى الشعر عن تقاليده القديمة فى عصر ضعفه وانحطاطه وأصبح أكثر نضاره ، وفى القصيدة مع ذلك خروج عن البحور الشائعة حينئذٍ في أبشي والتى قلما تتجاوز الطويل والبسيط والكامل (4) .

الشيخ أحمد البرعى :
اسمـه احمد البرعى بن محمد بن عبد الله ، ولد عام 1914م وقيل 1911 م فى ضواحى أبوقدام التابعة لأبشى ، نشأ فى قريته وحفظ القرآن وهو صغير ، وتلقى بعض العلوم الدينية والعربية ، ثم هاجر الى السودان وتلقى فيه أيضاً العلوم العربية والإسلامية ، ومكث فيه مدة ليست بالقصيرة ، وعاد الى تشاد
مشتغلاً بالعلم ونشره ، ومازال حياً حين أمليت هذه المذكرة على طلابى فى الجامعات التشادية ، فى آخر التسعينات،وأثناء إعادة كتابة هذا البحث اتصلت بالشاعر والسياسى التشادى المعروف الشيخ محمد جرمه خاطر وعرفت ان الشيخ أحمد البرعى مازال حياً يرزق الى زمان الناس هذا فى ديسمبر 2006م (5) للشيخ أحمد البرعى عدد من القصائد منها قصيدة من سبعين بيتاً ، عنوانها (بهجة المشتاق فى التوسل باسماء الخلاق ) ، ومطلعها :
بدأت بحمد الله حسبى وذخرى * * * وأثنى بحمد الله مولى البريـة
وقصيدة تتكون من اثنين وسبعين بيتاً ، وعنوانها ( سيف النصر فى كل عصر ) ، وقصيدة من ستة وثلاثين بيتاً ، وعنوانها ( نخلة الأبرار فى قمع الفجار ) ومطلعها :
شرعنا ببسم الله فى اول الذكر * * * وبعد فحمد الله فى العسر واليسر
وله غير ذلك من القصائد فى التوسل والدعاء والاستغاثه والتوحيد ونظم العلوم ، مثل منظومته فى النحو التى أسماها سـرية الطلاب لتعليم الأحباب فى النحو والإعراب ، ومطلعها :
الحمد لله رفيع المنصــب * * * ثم الصلاة للنبى العربــى
فدونكم وجيزة فى النحــو * * * يرجــو بها كل مبتدئ فى النحو
(هكذا فى المخطوطة التى تحت يـــدى)
كما له عدد من القصائد فى تشطير بعض القصائد الدينية والصوفية ، وربما كانت بعض قصائده منحوله مثل قصيدته الجلجلوتية التى تتكون من أربعة وستين بيتاً ويشك فى نسبتها اليه (6) ويبدو أن الشك فى مثل هذا الشعر وأشباهه يعود إلى أن بعض قصائد الشعر التشادى تنسب إلى أكثر من شاعر ، وربما كانت هذه القصيدة من تلك القصائد ، ويعود هذا الالتباس إلى ضعف التدوين والمشافهة .
الشيخ أحمد عبد الله بركـة :
ولد فى مدينة أبشى ، وليس تحت أيدينا تاريخ ميلاده ، قرأ القرآن على والده ، وتلقى العلم على عدد من علماء أبشى ومن بينهم الشيخ سليم عووضه ، ثم عمل معلماً فى المدارس العربية والفرنسية ، وتوفى عام 2002م بعد أن ترك ذكراً حسناً ، وترك عدداً من تلاميذه فى العلوم الدينية والعربية .
كان شاعراً محسناً ، وترك عدداً من القصائد تندرج تحت الشعر الدينى ، وشعر المناسبات ، وتحت أيدينا قصيدته التى القاها فى مناسبة تنصيب السلطان ابراهيم محمد عراضه سلطاناً فى دار وداى رحمة الله، وفى القصيدة رجعة لماضى أبشى حيث عصر القوة ، مثلما كان يفعل الشعراء المحافظون فى شعر الرجعة فى أوائل القرن العشرين ، ويرى فى أبشى تاريخاً من العلم والورع والتصوف ، وما كان عليه العلماء من أمانة واستقامه ، فيقول :
دم الصحابة معجون بتربتها * * * قد خلدتها على الدنيا الأســانيد
ولاينسى أن يوصى القائمين بأمر أبشى بالأمانة التى القيت عليهم ، وأن يرعوا الماضى فى الحاضر حيث يقول :
أمانة الشعب قد شيدت بعاتقكم * * * فما لغيركم تلقى المقاليــد
سـيروا ولاتهنوا فالشعب يرقبكم * * * وجاهدو ولواء العدل معقود
يا دار أنت على التقوى مؤسسة * * * مبناك بالطهر مرصوص ومنضود
يادار أحمدت أعمال البلاد ففـى * * * أحشائك اليوم أشبال صناديد (7)
موضوعات الشــعر :
تاريخ الشعر التشادى قبل العصر الحديث ظل منحصراً فى الشعر الدينى الصوفى ، بل ما يزال هذا الاتجاه الدينى الصوفى غالباً فى الشعر التشادى الحديث ، صحيح أن بعض الشعراء كانت لهم مشاركاتهم فى الحياة من حولهم مثل بعض قصائد الشيخ عبد الحق السنوسى ، ورثاء الشيخ الرماسى لشهداء الكبكب ، لكن الصحيح أيضاً أن هذا الشعر صيغ على نمط شــعر العلماء ، ولذلك جاءت موضوعات الشعر تبعاً لموضوعات الشعر الدينى والصوفى .
أما الشعر فى المرحلة التى نتحدث عنها فلا يختلف كثيراً عن سـابقـه من حيث الموضوعات، بالرغم من مشاركته فى المناسبات من حوله ، إذ ظل العلماء هم الشـعراء ، وظل الشعر الدينى الصوفى غالباً ، ولم يصب الموضوعات ما أصاب الصياغة الفنية من تطور بفضل تطور الحركة العلمية ذاتها، خاصة بعدأن تولى السلطان محمد عراضة سلطنة دار وداى سنة 1935م ، وتشجيعه الطلاب على الهجرة لتلقى العلم ، وأدت هذه الهجرة الى تطور الحركة العلمية فى وداى نفسها حيث استعادت أبشى مكانتها العلمية التى كانت عليها قبل عصر الانحطاط ، بفضل الروح التى بثها الشيخ محمد عليش عووضه فى معهد أم سـويقو .
وإذا بحثنا عن موضوعات الشعر فى هذا العصر بمستجداته نستطيع أن نرصـدها من خلال الشعر الدينى الصوفى ، وأول ما نلحظه أنه لم يصل الينا شعر كاف من هذه المرحلة ، فمعظم الشعراء – باستثناء الشيخ أحمد البرعى – لم تصل منهم غير قصائد قليلة ، أو منظومات فى العلوم ، وبعضهم لم يصل الينا من شـعرهم شئ ، لكن وردت أسماؤهم من ضمن شعراء هذه الفترة ، ويبدو ان القهر الذى أعقب الكبكب مايزال يفعل فعله ، بالرغم من تجاوز فترة الانحطاط ، ويبدو أيضاً أن الوظيفة التى نالها عدد من العلماء الشعراء لم تتح لهم الحريـة الكافية للانطلاق ، لذلك جاء المحصول الشعرى قليلاً لايكاد يفى بالغرض .
قلة الشعر كان لها أثرها فى قلة موضوعاته ، أو فى قلة النماذج فى كل غرض ، لكن لاننسى أن أهمية هذه المرحلة تأتى من كونها مرحله انتباه بعد انحطاط ، وأنها تمهيد لابد منه لانطلاق الشعر التشـادى فى العصر الحديث .
ومن خلال ما وصل الينا من شـعر نستطيع أن نرصـد موضوعاته وفقاً لمايلي :
1- الشعر الدينى الصوفى :
مايزال الشعر الدينى الصوفى سائداً فى الشعر التشادى ، ومن خلاله تجئ بقية الأغراض الأخرى من فخر ومدح ورثاء وغزل ، وقلما نجد غرضاً مستقلاً عن الشعر الدينى الصوفى ، وينحصر حديثاً هنا عن الشعر الدينى الخالص من توسل ودعاء واستغاثة ونحو ذلك من الموضوعات .
ولهذا النوع من الشعر فى دار وداى أثر فى تزويد النفس بما يعينها على الرياضة الروحية من خلال إنشاده فى حلقات المديح والذكر ، ومن هنا سمى الشاعر مادحاً ، ويكاد الشـعر التشـادى فى كل
مراحلة يكون مدداً حاملاً للتعاليم الإسلامية ، ومن خلاله يستمد الإنسان ثقافته ، ويهذب نفسـه ، ويحافظ على هويته ، ومن ثم جاء الشـعر الدينى الصوفى فى أضربه المختلفة ملبياً لتلك الاشـواق والنوازع .
وإذا تتبعنا موضوعات الشـعر الدينى الصوفى ، فإن التوسل والدعاء تأتى فى مقدمة تلك الموضوعات ، ويكاد يكون أكثر شعر الشيخ أحمد البرعى حول تلك الموضوعات ، وقد يجئ الدعاء والتوسل من خلال قصيدة قائمة بذاتها ، أو فى ثنايا قصيدة تحمل أكثر من غرض ، وأحياناً تكون القصيدة تشطيراً أو تخميساً لقصيدة أخرى مثل قصيدة الشيخ أحمد البرعى المسماه تخميس الجدول ، وتتكون من ثمانية وعشرين بيتاً فى التوسل والدعاء ، ومطلعها :
بدأت ببسم الله مولاى عز وجل * * * تباركت ياذا الملك قهر لمن هزل
وقد يكون التوسل بالله تعالى وأسمائه مثل قصيدته البائية ، أو بالنبى ((ص)) والصحابة مثل قصيدته أسـد الغابة فى التوسل بالصحابة ، وغالباً ما يأتي التوسل مصحوباً بالدعاء أو الاستغاثة أو بهما معاً ، مثل قــولــه :
بدأت ببسم الله حسبى وذخرى * * * وأثنى بحمد الله مولى البريـة
وصليت الفاً والسلام مردداً * * * على المصطفى المختار خير النبوه
الهى توسلنا يأسمائك التى * * * أمرت بها فى الذكر فى غير سورة
وأمرك أدعونى وقلت استجب لكم * * * فها قد دعـونا بالغـدو وعشيــة
وبعد فإنى قد توسلت راجيــاً * * * باسماء رب العرش غفر خطيئتى
يناجيك يارحمن ذو الذنب خاضعاً * * * ويطلب منك العفو عن كل زلـة
وقد يكون التوسل والدعاء مصحوبين بالدعاء على العدو باهلاكه وتدميره ، وهذه ظاهرة لاحظناها فى شـعر العلماء فى تشاد فى مختلف المراحل وأرجعناها الى طبيعة النفس التشاديـة التى تميل الى أخذ حقها عند الشعور بالظلم حقين ، ولعل الشيخ الطاهر بن التلبى فى عصر نهضة الشعر التشادى أوضح دليل على ذلك خاصة فى قصيدته البندقيـة الغدارة ، ومن القصائد المصحوبه بالدعاء لتدمير العدو وإهلاكـه قصيدة الشيخ أحمد البرعى نخلة الأبرار وقمع الفجار ، وقصيدة أسـد الغابة فى التوسل
بالصحابة ، وقد يكون الدعاء بأهلاك أعداء الدين ، وتدمير أعداء ذريـة النبى ((ص)) ، وقد يأتى الدعاء بالرضاء عن الشيخ أحمد التجاني .
شــعر المناسـبات :
عدَ المجددون فى الأدب العربى المعاصر شـعر المناسبات من آفات الشـعر العربى فى عصر ضعفه وانحطاطه ، لعدم وجود انفعال صادق فى كثير من الأحايين ، مما أحال الشعر نظماً بارداً لاعاطفه فيه ولاشعور .
لكن عند النظر الى شعر المناسبات فى الشعر التشادى نجده موضوعاً جديداً وخروجاً عن نمط الشعر الدينى الصوفى المباشر ، على الرغم من ارتباط المناسبة نفسها بظلال الشعر الدينى الصوفى وتحت ايدينا ثلاث قصائد من شعر المناسبات ، اثنتان منهما بمناسبة افتتاح العام الدراسى فى معهد أم سويقو فى أبشى ، نظمتا فى عام 1947م الموافق 1367هـ ، وهما قصيدة الشيخ محمد عليش عووضة شيخ معهد أم سويقو ، ومطلعها :
صاح عرج على رياض الخزامى * * * قف رويداً وقل ببشـر سلاما
والقصيدة الثانية للشيخ أحمد عبد الله بركة فى المناسبة نفسها ، ومطلعها :
أطلَ علينا من سما العلم شـادياً * * * يغرد علماً نافعاً ومعظما
أما القصيدة الثالثة فشاعرها ايضاً الشيخ أحمد عبد الله بركة ، نظمها بمناسبة تنصيب السلطان ابراهيم محمد عراضه سلطاناً على دار وداى ، وليس تحت أيدينا مطلعها ، لكن فى الابيات التى وصلت الينا من القصيدة يتحدث عن أبشى ، وما تحت ترابها من علماء أقاموا منها مركزاً علمياً للثقافة العربية الإسلامية ، ومسجداً للتقوى وصالح الأعمال ، فيقول :
وأمشى الهوينة فى أحشائها أمم * * * وفى جوانحها أسـد محاصيد
دم الصحابة معجون بتربتـها * * * قد خلدتها على الدنيا الأسانيد
ولاينسى أن يذكر أهلها بأمانتها ، وبأن يرعوا ماضيها الطاهر ، ثم يتحدث عن دار السلطنة التى أسست على التقوى حيث يقول :
أمانة الشعب قد شيدت بعاتقكم * * * فما لغيركم تلقى المقاليد
سيروا فلاتهنوا فالشعب يرقبكم * * * وجاهدوا ولواء العدل معقود
يادار أحمدت اعمال البلاد ففى * * * أحشائك اليوم أشبال صناديد
دار ابن احمد فى أبشى يظللها * * * نصر ألا إن نصر الله معقود
أما القصائد التى قيلت بمناسة العام الجديد فى معهد أم سويقو فأولها قصيدة الشيخ محمد عليش التى مطلعها :
صاح عرج على رياض الخزامى * * * قف رويداً وقل ببشـر سلاما
وهى تبتدئ بدايـة غزلية وفقاً لتقاليد الشعر الجاهلى ، ثم تثنى بالخمر وفقاً لتقاليد الشعر العباسى ولكنه خمر صوفى ، ثم يتخلص تخلصاً رفيقاً الى موضوعه ، وهو الاحتفال بافتتاح العام الدراسى للمعهد العلمى فى أم سويقو ، فيقول :
ياأنيس الفؤاد يانور عقلى * * * ياعديم المثال فيك المراما
شعشع الكأس واسقنيها دهاقا * * * لا تمتها وفض منها الختاما
مسكها فاح زاكياً فى نواحى * * * شهر شوال عطر الكون عاما
ليلة القدر ليلها وضحاهــا * * * يوم عشرين بعد ست تماما
ذاك عيد يقــام فيه احتفال * * * زاهر مشرق رفيع المقامـا
وقديماً حكوا بأن يسعد الظرف * * * بسعد المظروف رب الخياما
كيف لا والذى به يحفل اليوم * * * حرى بأن يلاقى ابتساما
يوم بدء الدروس بالمعهد العلمى * * * وسعد السعود على المقاما
ويتحدث عن المناسبة ، وعن المعهد العلمى وطلابه ، الذين شيدوا المجد ، وأناروا الدجى ، وأزاحوا الظلام ، ورفعوا العلم ، وحفظوا الدين ، وللمره الأولى ترد كلمة الجهاد فى فلسطين فى الشعر التشادى ، حين قرن الرسالة التى يقوم بها طلاب المهعد فى دار صليح (وداى) بأجر من يجاهد فى فلسطين حيث قال :
أيها الواطنون دار صليح * * * إخوتى سـادتى أراكم أمامـا
يابنى المعهد المؤمل فيكم * * * رفع الله عبئكم والآثـامــا
لكم أجر من يجاهد نصراً * * * بفلسطين "" هاجنا "" أو تهامـا
والقصيدة وثيقة لبعض تاريخ المعهد العلمى ، والمجهود الذى قام به الشيخ محمد عليش فى دار وداى ، وهى دالة ايضاً على أن التشاديين تجاوبوا باكراً مع الجهاد فى فلسطين ، وكل ذلك مما أدى فى النهاية الى ابعاد الشيخ محمد عليش من تشاد ونفيه الى السودان ، الذى أقام فيه ناشراً العلم الى أن أدركته الوفاة .
أما القصيدة الثانية للشيخ أحمد عبد الله بركة فيفتتحها بتغنى عجزه عن نظم الشعر فى هذه المناسبة لجلالها ، فيقول :
الىَ بنات الشعر فالشعر خاننى * * * وإنى لأخشى اليوم أن أتلعثما
أعيدى لى العهد الرشيدى واطلقى * * * لسانى عسانى اليوم أن أتكلما
وأنشد من فضل العلوم قصيدة * * * وأنظم عقد الدر فرداً وتوأما
وأتلو عليهم آيـة بعد آيـــة * * * إذا تليت فى قبر ميت تكلمـا
ويعود الى ماضى أبشى مثلما عاد فى قصيدته فى تنصيب السلطان ابراهيم ، وماكان من علماء وداى من نشر العلم ، ومحاربة الجهل ، وإقامة الاحكام ، قبل أن يصل إلى غرضه فى أثر المعهد العلمى الذى ربط الحاضر بالماضى ، وأعاد للعلم وطلابه ماكان للأسلاف من قبل ، ثم يبين مكانه الشيخ فى نفوس طلابه ، ولعله هنا يشير إلى الشيخ محمد عليش ، حيث اختتم قصيدته بقوله :
وشيخى له روحى وجسمى ودونه * * * فؤادى وفيه لايزال متيمـا
ومهما يكن فقد فتحت هذه القصائد باب شـعر المناسبات الذى ولج منه الشعراء فى المرحلة التالية فاتسعت الموضوعات وتنوعت .
الفخــر :
لايميل العلماء عادة الى الفخر ، لأن الله لايحب من كان مختالاً فخورا ، وفى بيئة صوفية مثل تشاد يضعف هذا الغرض ، لأن التصوف يربى النفس على التواضع ، وهضم دواعى الفخر ، لكل ذلك نجد غرض الفخر باهتاً ضعيفاً إلا أن يكون فخراً بالإسـلام والانتماء إليـه ، أو بالرسول والصحابة والأسلاف من العلماء والصالحين .
ومن الشعرا ء الذين أكثروا من مثل هذا الفخر الشيخ أحمد البرعى الذى يمدح الرسول ((ص )) بمثل قولــه :
أحمد الخير والخيار أبـوه * * * نال منه مايشتهـيه ذووه
والشيخ أحمد عبد الله بركة يفتخر بعلماء وداى بأبيات حاول أن يحصى من خلالها فضائلهم التى لاتحصى حيث قال :
فإن بسموا فالكون من حسناتهم * * * وإن عبسوا فالكون صار جهنما
وإن نطقوا دكـوا القلاع بنطقهم * * * وأوموا الى بنيانها فتهــدمـا
شموس سماء العلم أيان اشرقوا * * * بدور الدياجي حيث كانوا وانجما
وانفرد الشيخ أحمد البرعى بقصيدة يفتخر فيها بنسبه الذى ينتهى الى سيدنا على رضى الله عنه ، فيقول :
نسـباً تزف بفخره الأيــام * * * وتزهو ابتهاجاً ذكره الأعـــوام
ويقول أيضــاً :
أردت بهم أفلاك أمرى كما ترى * * * بروجاً ولكن كلها مطلع السعد
هـم حسن ثم الحسين ونجلــه * * * علىٌّ الذى زان العبادة بالزهد
وباقر علم وهـو والد جعفــر * * * أبو الكاظم القرم الهمام بلاجحد
وعلى قلة شـعر الفخر فإنه يأتى غالباً فى ثنايا القصائد ، ومن خلال أغراض أخرى ، وقلما تنفرد قصيدة بالفخر .
نــظم العلــوم :
لنظم العلوم تاريخ فى القصيدة التشاديـة ، وفى المراحل السابقة وجدنا أكثر من ناظم للعلوم ، من أمثال الشيخ محمد الوالى سليمان الباقر مى الذى نظم فى النحو ، والشيخ عبد الحق السنوسى ، والهدف من المنظومات تعليمى لوقوع تشاد طرفاً فى العالم العربى والإسلامى فكان لابد من النظم لتلقين الطلاب مبادئ العلوم العربية والإسلامية .
ومن منظومات العلوم فى هذه المرحلة منظومة النواصب والجوازم للشيخ أحمد طبيك ، وقد نظمها فى موضوعات بعينها من موضوعات النحو فى العاشر من شوال سنة 1373هـ -يونيو 1952م ، والمنظومة من ثلاثة واربعين بيتاً ، منها عشرون فى النواصب ، وثلاثة وعشرون فى الجوازم ، وقد ركز على المسائل النحوية وشواهدها وقد يتعرض للخلافات النحوية بين البصريين والكوفيين وقد يذكر أحياناً بعض أسماء الكتب .
وللشيخ أحمد البرعى منظومة فى النحو تتجه نفس الاتجاه الذى سار عليه الشيخ أحمد طبيك اسماها سـرية الطلاب لتعليم الأحباب فى النحو والإعراب ، وبين غرضه من نظمها حين قال :
فدونكم وجيزه فى النــحو * * * يرجو بها كل مبتدئ فى النحـو
سـميتها سـرية الطـلاب * * * ومسرجه تضـئ للأحبــاب
تنير قلـب مـن يحصيهـا * * * وتبسـط البذل لمن يعيـــها
الخصائص الفنيـة :
مايزال الشـعر التشادى ضعيفاً من كل وجـه ، حافلاً بالمآخذ الفنية التى كان عليها الشـعر العربى فى عصر ضعفه وهزاله قبل أن يبعثه البارودى ويعيده إلى عصـر قوته فى العصر العباسي .
ولضعف الشعر التشادى أسباب موضوعية ، منها أن الشعر فى مجمله يندرج تحت شـعر العلماء ، وشـعر العلماء أضعف من شعر الشعراء الذين يهيمون فى كل واد .
فالعلماء لطول مداومتهم فى العلوم وأساليبها غلبت عليهم النزعة العقلية الصارمة ، وبدأت هذه النزعة فى أشعارهم التى قلت فيها العاطفة ، وقديماً رد أصحاب البحترى على أصحاب أبى تمام الذين فضلوه على البحترى لأنـه شاعر عالم ، رد اصحاب البحترى بأن شعر العلماء دون شعر الشعراء .
ويعود الضعف فى بعض أسبابه الى موقع تشاد فى الطرف من العالم العربى والاسلامى وبعدها عن المراكز العلمية فى المغرب ومصر والحجاز ، ثم ان العربية لم تتأصل فيها كما تأصلت فى تلك المراكز، أضف الى ذلك أن الثقافة العربية لم تجد اهتماماً فى عصور قوتها ، وإنما بدأ هذا الإهتمام بعد قيام السلطنات ورعايتها للعلم والعلماء ، وجاء هذا الاهتمام فى مرحلة متأخرة فى عصر ضعف الثقافة العربية الاسلامية فى مراكزها العلمية نفسها .


غير أن ضعف هذا الشعر لايعفينا من تتبع خصائصه الفنية ورصدها ، ولا يفوتنا أن نلحظ أن الشعر فى هذه الفترة رغم ضعفه قد كان فى بعض قصائده أقرب الى روح الشــعر .
الأسلوب وبناء القصيدة :
مايزال الأسلوبان الإنشائى والخبرى سائدين فى القصيدة ، ولانكاد نعثر على التعبير بالصورة ، وإن وجدت فتعتمد على المحفوظ من الصور البلاغية المستهلكه .
فمن مظاهر الأسلوب الإنشائى استعمال فعل الأمر بكثرة ملحوظة ،ففى قصيدة الشيخ أحمد عبد الله بركة نجد الفاظ الأمر مثل – انزل بدار بشـة - امش الهوينة – سيروا فلا تهنوا ...الخ
ونجد النداء مع أسلوب التكرار فى مثل قوله : يا دار أنت على التقوى مؤسسة – يا دار أحمدت أعمال البلاد .
ونجد ذات الأسلوب من نداء وأمر فى قصيدة الشيخ محمد عليش عووضة من مثل – صاح عرج –قف رويداً وقل ببشر– أسال الوافدين– يا أنيس الفؤاد– يا عديم المثال– شعشع الكأس– اسقنيها ..الخ غير أن الأسلوب ارتقى من حيث الألفاظ وبناء الجملة ، فالالفاظ فى مجملها فصيحة ، ولا نكاد نجد الفاظاً عامية أو غير عربية ، وإن جاءت بعض الالفاظ فى غير معناها لضرورات الوزن مثل قول الشيخ أحمد البرعى :
بدأت ببسم الله حسبى وذخرى * * * واثنى بحمد الله مولى البريـة
فالبيت من بحر الطويل ، وعجزه لايستقيم الابتسكين الثاء من كلمة اثنى ، ليتحول معناها من أقول ثانياً التى تناسب بدأت فى صدر البيت ، الى الثناء والمدح .
ومن الظواهر ما يطرأ من تغيير فى بنية بعض الألفاظ بسبب الضرورات الشعرية ، خاصة فى قصر الممدود ، مثل قول الشيخ أحمد عبد الله بركة:
أطل علينا من سما العلم شـادياً
فقصر لفظ سما بحذف الهمزة ليستقيم الوزن، ومن هذا النوع أيضاً حذف الهمزة من لفظ السماء فى قوله:
ودكـوا القلاع الشامخات إلى السما
وفى المنظومات نجد مصطلحات العلوم العربية والإسلامية ، مثل مصطلحات النحو لدى الشيخ أحمد طبيك والشيخ أحمد البرعى ، الى جانب أسماء الكتب والمذاهب النحـوية .
أما الأسلوب فهو فى غالبه مستقيم العبارة ، ويكثر فيه التقديم والتأخير بصورة تؤدى أحياناً الى تعقيد الأسلوب وركاكته مثل قول الشيخ عليش :
أيها المعهد الرســالة بلــغ
فقد قدم المفعول على الفعل الذى يشتمل على ضمير فاعل يعود الى المعهد ، وفصل بينهما بالمفعول .

والبناء الفنى للقصيدة يسير على نمط البناء الفنى للقصيدة الدينية الصوفية فهو يبتدئ غالباً بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبى ((ص)) ، ثم ينتقل الى التوسل ، والمناجاة والدعاء وذكر الصحابة وقد تختم بالصلاة على النبى ((ص)) ، وأحياناً يذكر اسم الشاعر ، كقول الشيخ أحمد البرعى :
أحمد البرعى فاه ذلك ذكرى * * * لالشـئ للعالمين وعبرا
والقصيدة بذلك تفتقد الوحدة العضويـة ، فهى تحتوى على أكثر من غرض ، ولارابط بين تلك الأغراض غير الرابط العام الذى هو دينى فى أساسـه ، وقلما يحسن الشاعر التخلص من غرض الى غرض ، بل نجده يأتى أحيانا بعبارة وبعد التى تعنى الانتقال من موضوع الى موضوع آخر ، مثـل :
وبعد فإنى قد توسلت راجياً * * * باسماء رب العرش غفر خطيئتى
أما فى شعر المناسبات ، فبناء قصيدة الشيخ عليش يبتدئ بدايـة تقليديـة ، حيث يستهلها بالغزل والوقوف على الأطلال ، ثم ينتقل الى الخمريات ، ليتخلص برفق الى الغرض الذى نظم من أجله القصيدة ، وهو احتفال المعهد العلمى ، غير أنـه ينتقل فى جزئيات الغرض من خلال موضوعات متعددة ، مما يفقدها أيضاً الوحدة العضويـة ، وعلى الرغم من قناعتنا بعدم تحقق الوحدة العضوية فى الشـعر الغنائى فإن ذلك لايعنى التفكك المخل ببناء القصيدة بحيث تصبح كالرمل المهيل لا رابط بين أجزائها .
غير أن البدايـة الغزلية والخمرية فى القصيدة ظاهرة قل ورودها فى الشعر التشادى ، بل ربما غابت هذه الظاهرة منذ استشهاد الشيخ عبد الحق السنوسى فى مذبحة الكبكب والذى كانت بداياته الغزلية موفقـه .
أما قصيدة الشيخ أحمد عبد الله بركة فى المناسبة ذاتها ، فإنـه يدخل الى موضوعه دون مقدمات قبل أن يتغنى ذاتـه ويذكر الماضى وماكان فيـه من علم وعلماء قبل أن يعود إلى موضوع المناسبة ، ثم يختمها بحبه لشيخه ، وهى بذلك تختلف فى بنائها عن قصيدة الشيخ عليش من حيث البدايـة والخاتمة ، لكنها تتفق معها فى تناول موضوع المناسبة ، وتتفق معها فى تعدد الموضوعات ، وعدم تحقق الوحدة العضويـة .
الموسـيقى :
التزم الشعر عروض الخليل من حيث الوزن والقافيـة ، مع ورود بعض الأبيات المختلة عروضياً ، ويبدو أن هذا الاختلال عائد إلى الإنشاد والترنم ، حيث نظم الشـعر لاستخدامه فى ليالى الذكر ، وفى مثل هذا النوع من الشعر يتحكم المنشد فى صوته مداً وقصراً لإقامة الوزن ، لكن فى حال قراءته دون إنشاد تظهر العيوب .
وقد يعود الاختلال فى بعض أسبابه إلى روايـة الشعر نفسـه ، حيث انتقل الشعر عن طريق الرواية إلى أن اسـتقرت تلك الروايـة الشفهية من خلال التدوين مما عرضها الى الخلط أو النسيان ، وعرضها إلى العيوب العروضية ، خاصة فى الوزن .
التزمت القصيدة غالباً بوحدة الوزن والقافيـة ، ولم تخرج عن هذا الإلتزام إلا فى التخميس حيث تعددت القوافى ، وفى حال نظم العلوم حيث يتفق كل بيت فى قافيـة الصدر والعجـز .
وأحياناً نجد الخروج على القافـية لا بقصد الخروج لكن لعدم السيطرة على القافيـة نفسها ، إذ سـريعاً ما يعود الشاعر إلى القافيـة التى خرج عنها ، ففى قصيدة الشيخ أحمد عبد الله بركة الميمية التى مطلعها:
أطل علينا من سما العلم شــادياً * * * يغرد علمـاً نافعـاً ومعظمـاً
نجد هذا البيت ذا القافيـة الرائيـة :
موازين قسـط للأنـام نفوسـهم * * * يفـوحون مسـكاً كل وقت وعنبرا
ثم يعود الى القافيـة الميمية ليخرج منها فى بيت آخـر فى قـوله :
إلى أن دعـا صوت الى العلـم ها هنا * * * تراهم سـراعا قد ألبوا المناديا
ومن المآخذ التى تكثر فى الشعر الأقواء ، وهى ظاهرة لاحظنا كثرتها فى المراحل السابقة ،بل واللاحقه ، ومن ذلك :
شموس سمـاء العلم أيان أشـرقوا * * * بدور الدياجى حيث كانوا وانجمـا
فالصواب أن أنجماّ معطوفـة على بدور وكان حقها الرفع ، ويمكن أن تكون الواو إستئنافيه ، والجملة معطوفة على ماقبلها ويكون المعنى كان بدور الدياجى وكانوا انجما .
ومن هذا أيضـاً :
أغاروا عليهم حيث شـادوا حصونـهم * * * ودكـوا القلاع الشامخات الى السمـا
فالبيت فيه الى جانب ارتكاب الضرورة الشعريـة حيث قصر الممدود ، فيه إقـواء ، إذ الصواب الى السماء بالكسـر لاقتران الممنوع من الصرف بأل ، وفى ذلك يقول ابن مالك :
وجَّر بالفتحه مالاينصرف * * * مالم يضف أويك بعد ال ردف .
المعانى والأخيلـه :
الظاهرة العامة افتقار هذا الشعر إلى المعانى الشعريـة المبتكرة والعميقة ، فالمعانى فى مجملها مطروقة فى الشعر العربى فقدت بريقها من كثرة تداولها ، وهى متأثرة بالمعانى الدينية فى القرآن الكريم والحديث النبوى والتصوف ، وبالشعر العربى ، ولانكاد نجد أثراً للبيئة التشاديـة من خلال الشـعر.
وقد يصل التأثر إلى حد اقتباس المعنى مثل قول الشيخ محمد عليش :
وقديماً حكوا بأن يسـعد الظرف * * * بسعد المظروف رب الخيامـا
ومن مظاهر التأثر بالقرآن قول الشيخ أحمد عبد الله بركة :
واتلو عليهم آيـة بعد آيـة * * * إذا تليت فى قبر ميت تكلمــا
وقول الشيخ أحمد البرعى :
رميت بالحجر والقافات والمسـد * * * ياسيد الكون ياذخرى وياسندى
والأخيلة فى هذا الشعر قليلة وضعيفة ، وهى على قلتها تعتمد على التشبيه المطروق ، ولانكاد نجد تشبيهات مبتكرة ، بل تقل الصور البلاغية الأخرى من استعارة ومجاز ، فالتعبير الشعرى يعتمد على الأسلوب الخبرى والأسلوب الإنشائى لكن لانعدم بعض الصور مثل تجسيم العلم فى صدر البيت :
شموس ســماء العلم أيان أشـرقوا
فقد جعل للعلم سماء وشموس على سبيل الاستعاره ، وهؤلاء الشموس هم العلماء المتبحرون ، ويمكن أن نستخرج منه تشبيه العلماء بالشموس على سبيل التشبيه .
ومن هذا أيضاً :
فإن بسموا فالكون من حســناتهم * * * وإن عبسوا فالكون صار جهنما
وإن نطقوا دكـوا القلاع بنطقهـم * * * وأوموا إلى بنيانها فتهدمـــا
ومهما يكن من ضعف فإن مرحلة الانتباه كانت مرحلة لازمـة لانطلاق الشعر فى العصر الحديث ، حيث كثر الشعر والشعراء ، وارتفع من حيث المستوى الفنى ، و أصبح يحاول جاهداً اللحاق بالشعر العربى فى مراكزه القويــة .


















الهــوامش :
1- انظر ترجمة الشيخ أحمد طبيك فى : عبد الله حمدنا الله (دكتور) مذكرة فى الآدب التشادى ، أمليت على طلاب الفرقة الرابعة جامعة الملك فيصل والفرقة الثالثة فى جامعة انجمينا وانظر أيضاً : عيسى حسن جمعة ، منظومة النواصب والجوازم للشيخ أحمد طبيك ، دراسة وتحقيق ، بحث منسوخ على الآلة الكاتبة لنيل درجة الدراسات المعمقة للعام الجامعى 98/1999م تحت اشراف د.عبد الله حمدنا الله وأ. عبد المعبود ابراهيم شرارة ، جامعة الملك فيصل بانجمينا ، من ص 49 الى ص68 .
2- نفســه ، ص 55 .
3- روى لى البيت الشاعر نفسه عند لقائى به فى انجمينا فى منزل ابنه محمد طاهر المستشار فى وزارة الخارجية التشاديـة ، وكان فى طريقه الى العمره فى مايو عام 2000م .
4- انظر ترجمة الشيخ محمد عليش فى : عبد الله حمدنا الله (دكتور) مذكره فى الآدب التشادى ، والقصيدة منسوخه بخط اليد ولدى الباحث صورة منها .
5- كان اتصالى بالشيخ محمد جرمه خاطر عن طريق الهاتف أثناء إقامته فى الخرطوم ، وتم الاتصال يوم الثلاثاء 26/12/2006م الساعة التاسعة مساء .
6- انظر : عادل موسى عبد الرحيم ، أحمد البرعى حياته وأدبـه ، بحث لنيل درجة التخرج ، جامعة الملك فيصل تشاد / اشراف د. عبد الله حمدنا الله ، العام الدراسى 95/1996م وانظر أيضاً : عبد الله حمدنا الله (دكتور) مذكرة فى الأدب التشادى .
7- أنظر ، عبد الله حمدنا الله (دكتور ) مذكرة فى الأدب التشادى ، والقصيدة منسوخة بخط يد الشاعر ولدى الباحث نسخة منها .
المصدر: ملتقى شذرات


hgauv hgjah]n tn lvpgm hghkjfJJJhi

__________________
----------
حين يباغت النسيان هياكل الذكريات
المترامية على سفوح الوجدان
تنساب دمعة حزن على مهجة الحروف
ويتدثر الإحساس في صمت الأمكنة
ليداري وجع الفراق >>>>
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« أمّات الأبواب النّحوية | الشرق في الأدب الألمانيّ في القرن التاسع عشر »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
البيئة التعليمية في مرحلة ما قبل المدرسة في الأردن : الواقع والمأمول Eng.Jordan بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 11-05-2012 03:08 PM
رسائل لكل أب وأم (مرحلة الطفولة من يوم حتى 12 سنة ) - نسخة مصورة احمد ادريس بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 3 08-25-2012 01:03 PM
مشعل: مرحلة جديدة بين حماس والأردن يقيني بالله يقيني أخبار عربية وعالمية 0 07-09-2012 12:42 AM
الاقتصاد الإسباني يدخل مرحلة الركود رسميا يقيني بالله يقيني أخبار اقتصادية 0 05-01-2012 02:38 PM
مرحلة التعاقد وتأثيرها على تنفيذ المشروع الانشائي Eng.Jordan المكتبة الهندسية 0 01-10-2012 11:56 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:57 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73