تذكرني !

 




شذرات


إشكاليات في الإنتاج المعرفي والدلالي للمصطلح النقدي الأدبي العربي المعاصر

الدكتور وجيه فانوس تأسيس : ليس ثمة من لا يعترف بوجود أزمة مصطلح نقدي أدبي عربي معاصر ، بل ليس بين المهتمين بهذا الأمر ، من لا يسعي لأن يدلي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-20-2012, 09:54 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي إشكاليات في الإنتاج المعرفي والدلالي للمصطلح النقدي الأدبي العربي المعاصر


الدكتور وجيه فانوس
تأسيس :
ليس ثمة من لا يعترف بوجود أزمة مصطلح نقدي أدبي عربي معاصر ، بل ليس بين المهتمين بهذا الأمر ، من لا يسعي لأن يدلي بدلوه في هذا المجال ، ولعل شدة هذا الحماس ، لمناقشة موضوع المصطلاح النقدي الأدبي العربي ، واتساع رقعة هذا النقاش العربية جغرافياً وفكرياً لا ينبعان من اعتبار إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد موجة ثقافية أو أدبية سائدة أو لأن الأمر محاولة للوقوف في وجه تيارات فكر وتعبير وافدة من خارج مجالات ما قد يره بعض الناس ، الصبغة الأدبية والفكرية المحلية أو القومية ، إن في هذا كله ما يؤكد إن الأمر بات حالة أساسية من حالات الثقافة الأدبية العربية المعاصرة وهي حالة استطاعت أن تفرض ذاتها بقوة وإلحاح علي الخريطة الثقافة والفكرية والجغرافية لهذا الوطن ثمة إجماع علي التوقف عند مشكلة المصطلح النقدي الأدبي العربي المعاصر ، وثمة سعي من كل حدب وصوب ، لتحديد جوانب هذا الموضوع ، والعمل ، تالياً علي معالجتها أو معرفة كيفية التعامل معها ، ولعل من أبرز عوامل هذا السعي ، إن المصطلح النقدي الأدبي ، علي ما فيه من إمكانية أو رحابة لما يمكن أن يعرف بالترميز الدلالي أو التشفير لا يمكن له أن يكون أداة توصيل ويتميز المصطلح النقدي الأدبي في هذا التوصيل ، عن ما يمكن أن يكون عليه المصطلح العلمي القائم علي أساسية البعد الترميزي التجريدي ، بأنه توصيل ثقافي أي توصل فاعل في تكوين التفاعل الذاتي والجمعي للإنسان المتعامل معه أو به من خلال موقف هذا الإنسان من الحياة وشؤونها فالمصطلح النقدي الأدبي العربي المعاصر يعاني من عدد من التركيبات التشكيلية والوظيفية المتعارضة فيما بينها ، والتي يمكن أن تكون مصدراً لقيام عدد من الإشكاليات التي تحيط بوجوده ومن أبرز هذه التركيبات والتشكلات الوظيفية
:
  • إن المصطلح النقدي باعتباره مصطلحاً مؤلفاً من ألفاظ محددة ، فهو مقيد من جهة دلالته اللفظية وباعتباره دلالة علي قيمة فكرية قابلة للتفاعل والتغير بحكم الواقع الذي يتعامل معها ، فهو منفتح من جهة دلالاته الاجتماعية والجمالية .
  • إن المصطلح النقدي مؤثر بمضمونه علي الفعل الثقافي في حين إن هذا المضمون ما برح يعاني من لبس وإيهام يحيطان بكثير من جوانبه .
  • إن مادة هذا المصطلح النقدي هي الأدب المحلي أو القومي بكل ما فيها من سمات ومفاهيم وقيم ثقافية وحضارية خاصة بها ، وهو في كثير من تشكلاته نتاج بنايات فكرية من خارج هذا الإطار المحلي أو القومي ، ومن خارج ما يمكن أن يكون فيه من سمات وقيم ثقافية وحضارية .
  • إن هذا المصطلح ما برح وليد جهود فردية شخصية يقوم بها باحثون ونقاد علي مسئولياتهم الخاصة وانطلاقاً من تجاربهم الثقافية الشخصية ، وقلما يأتي نتيجة مسؤولية مؤسساتية ثقافية أو فكرية عامة . ولذا فقد يمكن للمرء أن يقرر عدداً من الإشكاليات الناتجة عن هذا الوضع والتي يمكن له أن يفيد من مناقشتها في إغناء سعيه لبحث موضوع المصطلح النقدي الأدبي العربي المعاصر ولعل من أبرز هذه الأشكاليات :
  • التعبير والتوصيل عبر فاعلية التشفير .
  • المصطلح النقدي الأدبي بين الفعل المعرفي وغربة المفهوم .
  • ضرورة المحافظة علي المحلية أو القومية وحتمية الانفتاح والمؤدي إلي تجاوز كثير من حدود المحليات أو القوميات .
  • الواقع المعرفي العربي المؤدي إلي حتمية الفردية في التجريب والتأسيس وضرورة الانتشار الجمعي للفعل الثقافي الإنساني .
التعبير والتوصيل عبر فاعلية الترميز :
إن ما يمكن أن يطلب توصيله ، في مجال المصطلح النقدي الأدبي بالذات ليس سوي مادة معرفية واسعة الأفق الانفتاحي إنضها ، بحكم وجودها وغائيتها أي بحكم ارتباطها بجوهر النتاج الأدبي وقيمه الاجتماعية والجمالية ، وما يمكن أن يحيط به من رؤي ذاتية وتوجهات فكرية مادة متطورة ومطورة في آن ، وفي الوقت عينه فإن هذه المادة تجنح بحكم تشكلها الترميزي أو التشفيري – إن جاز التعبير – الذي لا يمكنها إلا أن تظهر وجودها من خلاله إلي أن تكون لغة محدودة وذات أفق ضيق إن لم يكن ثابت .
إن المصطلح باعتباره مؤلفاً من ألفاظ يتوقع لها أن تكون ذات دلالة معينة واحد من تمظهرات اللغة ، واللغة إما أن تكون مشتركة بين جمهورها فهي لغة عامة أو أن تكون مثقفاً عليها بين مجموعة أو مجموعات معينة من هذا الجمهور، فهي في هذه الحال إصطلاح .
وكما هو معروة فاللغة ليست مجرد أداة تعبير وتوصيل وحسب إذ هي إضافة إلي هذا دلالة علي نمط تفكير نوعية تفاعل مستخدميها مع الموضوعات المطروحة ومن هنا يمكن النظر إلي اللغة علي اعتبار أنها التشكل الترميذي الدال علي وجود إنساني حقيقي ، متكامل وفاعل في الوقت عينه ،وأهمية اللغة تكمن ها هنا باعتبار إن هذا الإنسان خاصة إذا ما كان صاحب مستوي فكري معين قادر علي تطوير اللغة التي يعتمدها أو تعديلها ، أو حتي رفضها وتغييرها وبالتالي فهو قادر علي تطوير الأنماط الفكرية التي يعتمدها أو يأنس إليها في ممارسة وجوده الإنساني أو تعديلها أو تغييرها .
وإذا ما كان الأدب أحد تمظهرات اللغة بل من أبرز تمظهراتها وأكثرها رقياً فهو أيضاً تمظهر وجودي للإنسان الذي يتفاعل معه أو من خلاله ، ومن هنا كان الإقبال علي دراسة النتاج الأدبي عبر الفعل النقدي والأدبي ، ولذا فإن المصطلح النقدي الأدبي يأتي في هذا المجال ، أحد ابرز الوسائل التي يتوقع منها القيام بهذه المهمة وهنا يبرز قصور المصطلح بشكل عام ، عن تأدية وظيفته المتوقعة منه : إنه رغم ما في مضمونه من انفتاح عاجز عن التأثير والتواصل بحكم ما يعانيه من محدودية ترميزية لابد له من المحافظة عليها حتي لا يفقد هويته الإصطلاحية ، فيخرج من نطاق لغة خاصة ذات تميز مضموني ليصبح لغة مشتركة ذات عمومية تكاد تكون مطلقة ، ولذا فقد ينتج عن هذا تولد مصطلحات نقدية جديدة ضمن سياق نقدي متقارب أو متنام تشهد لهذه القابلية الانفتاحية المطلوبة باستمرار ، تظل في الوقت عينه محافظة علي خصوصية الترميز الإصطلاحي وربما كان هذا ما أدي إلي إدراج مصطلحات نقدية أدبية ” جديدة ” تعني بالتعرف علي النص الأدبي ، فكان في التحليل والمناقشة ، والمقاربة ما يمكن أن يؤلف علي سبيل المثال تطويراً أو تنويعاً مضمونياً في فهم فعل التعرف علي النص لكن هذا وإن أدي خدمة للممارسة النقدية بتعبيره عن بعض التوجيهات فيما فإنه أدي بسبب دلالته الترميزية إلي ضعف في توصيله لحقيقة هذا التطوير أو التنويع ،وهذا الأمر يقود إلي واقع يعانيه المصطلح النقدي الأدبي العربي المعاصر ، إذ يواجه هذا المصطلح نوعاً من التناقض بين الفاعلية المعرفية التي يفترض أن تكون فيه وبين غربة المفهوم الذي يسعي تشكله الترميزي إلي تقديمه .
المصطلح النقدي والأدبي بين فاعلية المعرفة وغربة المفهوم :
لم يتخذ المقد الأدبي العربي أبداً منحي واحداً أو تشكلاً واحداً ، أو فهماً واحداً عبر العصور أو المراحل الأدبية المتعاقبة أنه ما برح في هذا كله إما مرتبطاً بكثير من مقومات البيئة التي يمارس فيها ، ومن خلال تشكلات النتاج الأدبي الذي يتعاملا معه ، أو يجنح إلي اقتباس أو استيراد قيم وموضوعات يري أن عليه التعامل معها ومن خلالها للحاق بركب الحضارة العالمية .
فإذا ما اعتبر الأدب فعلاً إعلامياً فإن النقد كان مجالاً للبحث والتعليق علي ما في هذا النتاج من قدرة فاعلة علي التوصيل الواضح لما يحويه من مضامين المعني وتراكيب اللفظ ومن هنا كان نقد عني بصحة التراكيب ووضوح المضامين كما راعي مدح من أجاد من الأدباء في هذا المجال وحاول أن يذم من إساء منهم وإذا ما اعتبر الادب فعل بوح بخفايا الذات وممارسة تسعي إلي تصوير ما في هذا البوح الذاتي من جماليات كان نقد يعني بجمالية معينة انبثقت عن هذا الفهم للأدب ، ويجهد في البحث عن خفايا تكوينها ومناحي تأثيرها علي المتلقي وإذا ما نظر إلي الأدب علي أنه مجال تأدية رسالة فكرية وثقافية وحضارية معينة كان نقد يراقب تأدية هذه الرسالة ، ويعمل علي البحث في حقيقة انتماء مؤديها إلي جوهر ما يدعو إليه . وإذا ما كان الأدب فعل إبداع ، فإن ثمة آخر كان يركز علي القدرات الإبداعية وقابلية تقعيدها وهكذا فإن النقد طالما رافق الفعل الأدبي ، أو لحق به وبالقيم التي كانت تتطلبها المرحلة التي هو فيها منه ، ولطالما كان لهذا النقد مفاهيمه الخاصة ومصطلحاتها المتعلقة بالتوجه الأدبي الذي يعالجه ويعمل علي درسه والتعامل معه .
ولقد مر المصطلح النقدي الأدبي العربي ، في هذا المجال بتجربتين أساسيتين ، كان المصطلح في واحدة منهما وليد نقد هو انبثاق طبيعي من تطور الفعل الأدبي العربي فجاء هذا المصطلح متناغماً مع تطور ناس هذا الأدب والمتفاعلين معه ، وكان من نتاج قابليتهم الفكرية والثقافية والجمالية علي التعامل مع والتأثر من خلاله وكان المصطلح في الثانية منهما ، فعل استعارة من انبثاقات معينة من ثقافات غير محلية أو قومية ، وكانت هذه الثقافات ، في الوقت عينه ، نتاج حضارات غير حميمة – إن جاز التعبير – لدي المتلقي العربي .
لعل أبرز نماذج عن التجربة الأولي ، تكمن في تلك المصطلحات النقدية التي عرفها النقد الأدبي العربي في العصور الأدبية القديمة ، يوم كانت الحضارة العربية أو العربية الإسلامية من المنتجين الأساسيين للثقافة العربية خاصة ، والثقافة الإنسانية عامة ، لقد ظهرت مصطلحات نقدية أدبية مثل ، الجزالة والفحولة والطلاوة وكثرة الماء ، وكانت كلها أبنة تلك الثقافة العربية ، فلم تجد في مفاهيمها ما يعيق فاعليتها المعرفية إذ هذه المفاهيم وليدة ثقافتها النابعة منها ، وهي تاليا مفاهيم لا نعاني الغربة الثقافية مع البيئة التي تتعامل معها .
أما في المراحل الزمنية التالية وخاصة في العصر الحالي ، فإن الحضارة العربية أو الحضارة العربية الإسلامية فقدت كثيراً من مواقعها في إنتاج الثقافة الإنسانية وتقوقعت داخل حدود تكاد تكون شديدة الضيق وكثيرة المحدودية بل أنها باتت مستهلكة لكثير من مناحي الثقافة لتي تنتجها حضارات أخري غير عربية أو غير إسلامية ، ومن الطبيعي أن يكون لهذه الحضارات قيمها الأدبية المختلفة بحكم مواقع مجتمعاتها وناس هذه المجتمعات من التطور عن تلك القيم التي يمارسها المجتمع العربي وإنسانة من خلال الفعل الأدبي وهنا كان لابد من أن يعتمد مصطلح نقدي أدبي وافد ضمن محاولات تطوير الفعل الأدبي العربي عبر النقد الأدبي فكما بات ناس المجتمع العربي مضطرين إلي إستيراد كثير من متطلبات عيشهم فإن من بينهم من رأي ، ولعله محق أنه يمكن استيراد بعض ما يمكن أن يطور الفكر الأدبي وينمي التجربة الحياتية من خلاله ، وكانت النتيجة استيراد مفاهيم نقدية وضعت نتيجة تطور آداب ليست أبنة الثقافة العربية أو الحضارة العربية / الإسلامية ، للتعامل نصوص أدبية عربية وللتأثير أو الفعل في قارئ أو متلق غريب عن تلك الآداب وما أختطته من مفاهيم وقيم وجماليات ومن هذا القبيل فإن النقد الأدبي العربي المعاصر عرف كما هائلاً من المصطلحات المعربة بألفاظها عن لغات أجنبية عن مفاهيم فكرية أجنبية وعن مفاهيم جمالية أجنبية وعن احتياجات أدبية أجنبية فكان ، علي سبيل المثال وليس الحصر النصية واللعب الحر والانزياح والانحرا والتعالق وسطح النص وكسر النظم الخ .
من الواضح إن هذا النوع من المصطلحات النقدية هو من بين أبرز مظاهر كثير من المشكلات التي يعاني منها المصطلح النقدي الأدبي العربي المعاصر : غربة المصطلح في تشكله اللفظي وغربة المصطلح في دلالة مفهومه ومن الواضح أن ما يمكن إدراكه من دلالات يقدمها المصطلح ليس بالأمر الواضح أو المشترك بين ناس الأدب العربي بل تكاد الدلالة المفهومية في هذا المجال أن تكون مدركة من قبل مستقدم ، أو مستورد ، المصطلح لذلك ، فإن الفاعلية الأدبية والثقافية الحقيقية للمصطلح تبقي محدودة بالقادرة علي التواصل مع وبه وحدهم ، ومن جهة ثانية .
فإن هذا المصطلح أتي نتيجة طبيعية أو خاصة بتطور مفاهيم قوم من غير الحضارة العربية / الإسلامية وثقافتها ، إلي آدابهم هم ، وهو بالتالي غريب ، ربما عن المجالات الممكنة للنظر في الأدب العربي وقيمه ، وهذه غربة أخري تقود بدورها إلي تأكيد محدودية فاعلية هذا المصطلح .
المحافظة علي المحلية والقومية وحتمية الانفتاح الإنساني الشامل :
يعاني الواقع العربي إجمالاً والواقع الثقافي فيه بصورة خاصة من تفاعل معين لموضوع الهوية ولعلة بالإمكان النظر إلي هذا التفاعل من خلال مقولة مفادها إن الهوية وجود ذي كيفيتين قد تتكاملان فيما بينهما ، وربما تقودان إلي تناقض مأساوي قاتل ، فأضافة إلي كون الثقافة ، مجال تشكل خاص وتميز وربما تمايز فهي كذلك سلاح دفاعي في سبيل المحافظة علي ذلك التشكل أو ذاك التميز أو هذا التمايز وإذا ما حصل أن تخلت الثقافة عن وجودها باعتبارها مجال تشكل وتميز وتمايز ، واكتفت بأنها سلاح للدفاع عن هذه الأمور التي سبق تحصيلها فإنها تقع في واحد من أكثر المآزق الحياتية خطورة ألا وهو مأزق إمكانية الاندحار أمام حقيقة الهوية بين ما يمكن أن يسمي أصالة وما يمكن أن يدعي تطويراً في هذا المجال .
من المعروف إن الثقافة هوية إن الثقافة هوية مجتمعية ، كما هي هوية فردية وهي تشكل علي المستوي الجمعي هوية أساسية لمتبعيها ولذا فإنها تصبح واحداً من عناصر الأمان الإنساني في المجتمع أنها تضع الفرد اذلي يتبعها ضمن قيم متفق عليها ومعرتف بها من قبل المجموعة التي يعيش بين ظهرانيها وهذا الأمر يبعد عن الفرد الغربة الاجتماعية ، ويشكل في الوقت عينه ، وجود تمايز لهذه الجماعة عن سواها فيكون هذا الوجود شخصيتها التي تتحصن بها وتلوذ إليها إذا ما أرادت ممارسة عيش كيان خاص بها فالتصرفات والمعتقدات لا تأخذ شرعيتها بحق وفاعلية إنسانية عامة إلا عندما تنتظم ضمن وجود ثقافي معين فإذا ما كان لها أن تفقد هذا الانتظام فإنها تفقد هذه الشرعية ولذا فالثقافة وجود تشريعي للقيم والمفاهيم والتصرفات .
والثقافة تتضمن المعرفة والمعتقد ، كما تتضمن الفن والأخلاق والقانون إضافة إلي أي واحدة من القدرات أو العادات التي يمكن للإنسان أن يكتسبها بصفته عضواً في المجتمع واللغة باعتبارها وجود تعبير تشمل الفن الذي غضافة إلي أنه واحد من المستويات الراقية للتعبير ، فإنه يشمل الأدب الذي يعتبر واحداً من أهم مجالات التعبير الفني ويمكن الاستخلاص ، من هذا كله إن الأدب وسيلة فعالة بل أساس في تكوين الثقافة ونقلها وتفعيلها ، وإذا ما كانت الثقافة وجود هوية في الحياة الإنسانية ، وإذا ما كانت اللغة وجود فعل في تشكل الثقافة وتأثيرها ، وإذا ما كان الأدب أحد الأمور الإنسانية المرتبطة باللغة وبالثقافة فإن الأدب بات واحداً من مجالات تمظهر الهوية ، كما بات واحداً من العناصر والعوامل المؤدية إلي تحقيق هذه الهوية ، وما يمكن أن يذكر عن الأدب في هذا المجال ، لابد له من أن يذكر عن المصطلح النقدي الأدبي ، ولذا يمكن القول بأطمئنان أن المصطلح النقدي الأدبي يشكل واحداً من العوامل والمجالات التي تؤدي إلي تحقيق الهوية أو تعبر عنها من خلال ما في هذا المصطلح من فاعلية ثقافية .
من جهة أخري فإن الثقافة فعل تعلم وليست تأثيراً وراثياً ومن هنا فإن طفلاً من أصل صيني علي سبيل المثال يمكن أن ينشأ عربية ويمارس تقاليد الثقافة العربية ويتمسك بالهوية العربية عنواناً لوجوده الإنساني ، من غير أن يكون في ممارسته هذه أي تأثير للثقافة الصينية التي نشأ عليها أسلافه ، فالثقافة سلوك مكتسب لا علاقة له بالموروث الجيني ، وهي كذلك ، فعل تعلم ، ولذا يمكن القول إن الهوية فعل تعلم ، وإن المصطلح النقدي الأدبي واحد من مجالات تعلم الهوية .
إن هذا الكلام يأخذ منحي ذي اتجاهين :
وأحدهما يساعد علي تأمين الانفتاح علي الثقافات القائمة خارج الإطار المحلي أو القومي ، وثانيهما يساعد علي التمسك بالثقافة المحلية أو القومية في وجه أي إنفتاح علي الثقافات الأخري وإذا ما كانت الثقافة كما سبقت الإشارة آنفاً أحد عناصر الأمان الإنساني في المجتمع وتضع الفرد كما المجموعة في وجود تمايز عن الآخرين فإن الثقافة تصبح أحد اسلحة الدفاع عن الناس عبر التمسك بالهوية المحلية أو القومية ، وفيما يعني الشأن العربي ، فإن الثقافة العربية تشكل مجالاً خصباً ورحباً للأمان العربي ولتمايز المجموعة العربية في وجه أي محاولة للتغيير في هويتها وإذا ما كان ثمة إمكان للذوبان الثقافي المحلي أو القومي في ثقافات مختلفة وافدة أو مناقضة فثمة ثلاث ممارسات يمكن إحصاؤها هنا ، فثمة من قد يسعي إلي المحافظة علي الهوية بالتمسك بكثير من العوامل والعناصر الثقافية التي أدت إلي تشكلها ، ولعل قد يقود إلي ما يمكن اعتباره قوقعة ثقافية وتحجر في الوجود عبر محافظة علي هوية ترفض أي تغيير أو تبديل ، وثمة من يسعي إلي إنفتاح علي الوافد أو الغريب ولا يري أن التمسك بالهوية يجب أن يعني إبقاء هذه الهوية علي حالها ، فلابد من تطورها بحكم ما يستجد من تطور ثقافي في بيئتها ومحيطها وبحكم ما يمارسه ناسها من تفاعل مع قضايا هذا المحيط وتلك البيئة ، وقد ينتج عن هذه الممارسة أمور عدة منها :
  • ما قد يكون فعلاً تحديثياً للثقافة إذا ما تمكنت هذه من عبوب حدود ما فيها من محلية أو قومية من غير أذي يلحق بناسها أو يضعف من مكتسباتهم الحضارية والحياتية .
  • كما أنه قد ينشأ وجود ثقافي غير ناضج أو يواجه صعوبة حقيقية في التفاعل الإيجابي المطور للعيش ، ضمن هذه المحاولات ، وهذا ما يمكن تسميته بالتخديج الثقافي .
  • وقد ينشأ تيار جارف يقود إلي تغريب ثقافة هذه المجموعة عن حقيقة هويتهم وحقيقة وجودهم ، ولعل في هذا ما قد يؤدي إما إلي ذوبان في ثقافات /هويات أخري ، أو الوقوع في عبثية تجريبية مخيفة لا ينتج عنها إلا مزيد من التجريب إذ لا استقرار ضمن أي هوية .
ثمة من يري إن كثيراً من مقومات العيش العربي ، وخاصة ما يتعلق من هذه المقومات بواقع الصراع العربي الصهيوني ، تدفع بالعرب إلي التمسك بالهوية القومية سلاحاً دفاعياً في سبيل استمرار الوجود ، وفي سبيل المحافظة علي الحقوق في الأرض والحياة ، وهؤلاء يرون إن الواقع السياسي يفرض التمسك بكل ما في الهوية العربية المبنية علي الثقافات التراثية والمحلية القومية من صفات ، ولذا فإن هؤلاء يرون أن الغريب الوافد علي هذه الثقافات ليس إلا عامل هدم لهذه القوة الدفاعية التي يتمسكون بها ، ولذا فإن ما يمكن أن يكون من غربة للمصطلح النقدي الأدبي العربي ليس سوي عامل تغييب للهوية العربية عن وجودها من خلال تغييب ثقافتها ، وثمة من يري خلاف هذا ، إذ الحياة الثقافية فعل انفتاح حضاري علي كل ما في الركب الإنساني من قاطبة وفعل تناغم مع كل ما يمكن أن يقدمه الازدهار المضطرد لوسائل نقل المعرفة ، ولكل ما يمكن أن ينتج عن هذا التقارب الذي ما فتئ يحصل بين سكان هذا العالم الذي يجنح باستمرار إلي أن يتحول إلي قرية صغيرة لا يمكن لناسها إلا أن يعيشوا في تقارب مستمر ولذا فإن ما في المصطلح النقدي الأدبي العربي لن يعدو كونه مرحلة لابد منها للتأقلم مع واقع ثقافي جديد وطبعاً ، مع هوية ثقافية جديدة .
لئن كانت مصطلحات النقد الأدبي تشكل كما سبقت الإشارة آنفاً تعبيراً عن الوجود الإنساني الذي يتبناها أو يتفاعل مع النص الأدبي من خلالها فإنها ترتبط في هذه التعبيرية بمفهومية هذا الوجود الإنساني للأدب .
وهنا بيت القصيد إذا مفهومية الأدب قد تختلف من ثقافة إلي أخري ومن بيئة إلي سواها ، وعلي هذا الأساس ، فإن المفهومية المتأنية عن دلالة المصطلح النقدي الأدبي قد لا تكون هي عينها لدي الجميع ، ولذا فإن ما قد يفهمه ابن الثقافة العربية من مصطلح نقدي أدبي يمكن أن لا يكون عين الذي يفهمه ابن ثقافة غير عربية .
وهنا تكمن مأساة كثير من مصطلحات النقد الأدبي العربي المعاصر إنها في كثير من أحوالها دلالات لموضوعات لم يشهد لها الأدب العربي بعد ، كما أنها تفهم من قبل كثيرين من المتلقين لها من أبناء الثقافة العربية بخلاف الأصل الذي وضعت له أو أنطلقت منه ، وكثيراً م ايكون هذا الفهم لها تجريبياً أو مزاجياً أو اجتهادياً وهذا كله يقود إلي ثقافة نقدية أدبية خديجة ولا يمكن إلا أن تنتج عنه هوية أدبية ، ومن ثم حضارية ، خديجة .
لعله لن يمكن تصويب مسار هذه الإشكالية إلا بمحاولة رصينة لتحديد المفهوميات التي يقوم عليها الأدب العربي المعاصر ، وهذا أمر لا يمكن أن يحصل إلا بدرس مستمر لنتاج هذا الأدب ولمسارات تطوره وإذا ما كان ثمة تحصيل لوعي شامل وعميق لحقيقة هذه المفهوميات أمكن حينئذ السعي إلي وضع مصطلحات النقد الأدبي المنطلقة منها والمتطورة معها وبها وهذا كله ، يقود إلي أمرين أساسيين :
  • صدق دلالة المصطلح علي جوهر موضوعه .
  • تكوين المصطلح لتطويرات حقيقية أصيلة وقابلة للانفتاح للهوية المحلية أو القومية ، إذ أن تطور مفهومات الأدب متعلقة بتطور تفاعله مع بيئته التي لا يمكن للخارج إلا أن يكون فاعلاً أساسياً فيها ، وخاصة في هذه المرحلة ذات الانفتاح الحضاري العالمي الواسع .

حتمية الفردية في التجريب والتأسيس وضرورة الانتشار الجمعي :
يقوم معظم الفعل النقدي الأدبي العربي المعاصر علي جهود فردية ، فلما ثبت أن للمؤسسات العامة الرسمية أو الدور الأكاديمية العربية بداً فاعلة بحق في توجيهها وتأطير نشاطاتها والتنسيق بينها وبين نشاطات الجهود الفردية الأخري،والعرب في جهودهم هذه منفتحون علي ثقافات متعددة وتجارب حضارية متنوعة ، هي ثقافات العالم الراهن وحضاراته ، لذا فكل عامل في مجال النقد يقبس من حيث يشاء ، ويأتي بنتائج ما قبسه ليضعه في سلة النقد الأدبي العربي ، أي في سلة الثقافة العربية ، ولاحقاًلا في سلة الهوية العربية المعاصرة .
لقد أدي هذا الأمر إلي إن عالم الدراسات النقدية بات يشبه معرضاً لكثير مما ينتجه دارسو الأدب ونقاده في هذا العالم كما بات حقلاً كثرت فيه البلبلة وتعاظمت حتي كادت تكون طريقة عيش ومنهج حياة ، وطبعاً فلئن كان لهذا الأمر غيجابياته إذ يقدم كل ما يمكن تقديمه من جهود الآخرين في مجال المصطلح النقدي الأدبي فإن له جانبه السلبي أيضاً إذ يدفع بالمتعاملين مع هذه المصطلحات والمتفاعلين مع النص الأدبي من خلالها إلي حالة أو حالات من الإضطراب الموضوعي ، والخلل التقييمي ، والتفاعل المتناقض لا لسبب إلا لأن كل واحد منهم يفهم هذه المصطلحات كما توحي لها تجاربه الذاتية معها أو من خلالها ، أو كما يفهم هو موقعها ضمن المفهوميات الخاصة للنتاج الأدبي العربي .
إن هذا الواقع في مجال المصطلح النقدي الأدبي يمثل كثيراً من سلبيات الفردية في البحث العلمي وإيجابياتها بيد إن حقيقة هذا الموضوع تتجاوز بساطة هذا التصوير فالمصطلح النقدي الأدبي مفتاح لبناء ثقافة معينة ، وهذه الثقافة تشكل واحداً من عوامل قيام الهوية ، وبالمقياس العملي ، فإن البلبلة المصطلحية هذه لابد وأن ينتج عنها بلبلة ثقافية وضياعاً للهوية .
فإذا كان ثمة من ضرورة تمسك العرب بهويتهم في هذه المرحلة من تاريخهم المعاصر فإنه من الضروري أن يكون المصطلح النقدي الأدبي العربي وساه من أدوات الثقافة العربية ، عاملاً موحداً وفعلاً بناء في تكوين الهوية ، وهذا الشرط لن يتحقق إلا من خلال العمل المؤسساتي الجمعي ، وهذا العمل لن يمكن له أن يكون فاعلاً بإيجابية كلية لصالح تشكل الهوية وتأمين الانفتاح الثقافي المضطرد علي ما تعيشه الإنسانية المعاصرة من تطور وتقارب وتنسيق إلا إذ تم تنسيق جهوده علي المستوي العربي الشامل وضمن مقاييس أكاديمية لا ترفض التجريب ولكن يمكنها إلا إقرار ما يتناسب من هذا التجريب مع حقيقة المفهوميات المعاصرة للأدب العربي المعاصر .

المصدر: ملتقى شذرات


Ya;hgdhj td hgYkjh[ hgluvtd ,hg]ghgd gglw'gp hgkr]d hgH]fd hguvfd hgluhwv

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« مراحل تطور الرواية السعودية د. حسن النعمي | قراءة في مذكّرات بيرم التونسي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دراسة بعنوان : نحو مقاربة تسويقية لإدارة الإنتاج مبنية على فلسفة تكنولوجيا الإنتاج الأمثل (opt) Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 1 02-14-2014 04:10 AM
الأمن العربي و إشكاليات التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 04-16-2013 01:30 PM
نحو مقاربة لتفسير إشكالية الغموض في النص النقدي العربي المعاصر Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 11-20-2012 01:37 PM
السيميائية في الدرس النقدي المعاصر عند رولان بارت Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 11-20-2012 01:36 PM
اتجاهات الشعر العربي المعاصر Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 02-02-2012 10:37 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:17 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68