الرئيسية  الحكم والأمثال   مكتبة التصاميم تفسير الأحلام فوتوشوب أونلاين أذكار المسلم  القرآن الكريم  اتصل بنا

 

 

العودة   شذرات عربية > مكتبة شذرات الإلكترونية > دراسات وبحوث أدبية ولغوية

 

 

النقد الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد

د. عبدالله أبوهيف النقد الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000م

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 14,121

   11-26-2012

 08:28 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي النقد الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

د. عبدالله أبوهيف
النقد الأدبي العربي الجديد
في القصة والرواية والسرد
منشورات اتحاد الكتاب العرب
2000م



البريد الالكتروني : E-mail: unecriv@net.sy
الإنترنت : Internet: aru@net.sy
موقع اتحاد الكتاب العرب على شبكة الإنترنت
www.awu-dam.com
تصميم الغلاف للفنان: صبحي حليمة

الإهداء
إلى نائلة علي


مقدمة
هذا بحث في الهوية، ويتوسل إلى غايته خلل نقد النقد القصصي والروائي والسردي العربي على وجه العموم، فيما يطرح من أسئلة الاستقلال الفكري والثقافي والنقدي في عصر شاهت فيه الحدود، وآلت فيه الأمور إلى ما يشبه «استعمار العقل Decolonising the Mind: The Politics of ******** in African Literature» (1986)، بتعبير نغوجي واثيونغو Ngugi wa Thiong’o ([1])، وفي ظل شروط تاريخية عربية تصارعت فيه إرادة الحرية والاستقلال مع الاستعمار والتبعية والتجزئة والتخلف مما صار فيها الحفاظ على الخصائص الثقافية الذاتية دونه أهوال وأهوال. وينطلق الكاتب من مقاربة واضحة هي أن النقد الأدبي تعبير شديد الدلالة عن حركة الفكر وانشغالاته بمسألة وعي الذات الراهنة إزاء الآخر الغربي المهيمن، فالناقد يصدر عن رؤية فكرية، وفي نقده تتصادى أصوات وعي الذات من أجل أصالة ثقافية منشودة. وغني عن القول، إن ثمة مناهضين لمثل هذا البحث في الهوية، حتى إن جورج طرابيشي (سورية) سمى البحث في التراث «عصاباً»([2])، فهو أدخل في المرض، وليس دلالة على عافية.
لقد شهدت فنون النثر القصصي في الأدب العربي الحديث تطوراً كبيراً، وتبوأت مكانة عالية بين الأجناس الأدبية، غير أن هذه الفنون ما تزال موضع إشكاليات ومشكلات منذ نهوضها المعتبر في مطلع القرن العشرين، وتتصل هذه الإشكاليات والمشكلات بالمؤثرات الأجنبية والمكونات التراثية على وجه الخصوص، فظهرت آراء تفيد أن القصة العربية الحديثة، ومثلها الرواية لاحقاً، تقليد غربي، أي أنها نضجت وأصبحت قصة فنية أو رواية فنية بتأثير الغرب، ولا ينفي ذلك تطور النثر القصصي إلى أشكال سردية مثل القصة والقصة القصيرة والرواية..الخ. ورافق هذا النهوض نقد تقليدي، أكاديمي تعليمي، مدرسي، اتباعي، أو واقعي، أو رومانسي، أو انطباعي، متأثر بالعلوم الإنسانية أحياناً كعلم النفس أو علم الاجتماع، وكان هذا النقد لاحقاً بالنهضة الواضحة لفنون النثر القصصي، أما نقد النقد القصصي والروائي فهو أقل من ذلك بكثير حتى نهاية السبعينيات، حين آل هذا النقد إلى ما يسمى نقد السرديات.
عرفت الأربعينيات والخسمينيات والستينيات ذروة النتاج التقليدي الذي يقتدي بالغرب، ويقايس النثر القصصي والروائي العربي على مثال صورته في الغرب، كما هو الحال عند رشاد رشدي ويوسف الشاروني وعبد الحميد إبراهيم ويحيى حقي ومحمود أمين العالم ومحمود تيمور وشكري محمد عياد وحسين القباني والطاهر أحمد مكي (مصر)، وسهيل إدريس (لبنان)، وبشير الهاشمي (ليبيا)، وعزيزة مريدن وشاكر مصطفى وجميل سلطان (سورية) ومنصور الحازمي (السعودية)، وأحمد المديني (المغرب)، وعبد الله ركيبي (الجزائر)، وعبد الإله أحمد (العراق)، ومحمد صالح الجابري (تونس)، وإبراهيم الخليل وسليمان الأزرعي (الأردن) وغيرهم، ثم كانت الانعطافة في مسيرة النقد القصصي والروائي مع مطلع السبعينيات استجابة لظروف موضوعية تاريخية في حركة الثقافة العربية واستمراراً لممهدات اتصال النقد بالهوية، ولاسيما اتساع الجهود النقدية، بتأثير وعي الذات القومية، وتصاعد النزوع إلى الأصالة من جهة، والنزوع إلى العالمية من جهة أخرى، فقد خاض الأدب العربي الحديث، ومنه فنون النثر القصصي في التجريب والتحديث إلى منتهاه، وتشكلت مذاهب أدبية في فنون القصة والرواية تتنازعها مؤثرات أجنبية ومكونات تراثية، وأسهمت عوامل كثيرة في تشكل هذه الفنون مثل العلاقة بين الفنون وبروز الأفكار وتعبيراتها الفنية كالأساطير والرموز وميادين العلوم الإنسانية الرحيبة التي اعترف بقيمتها الفنية والفكرية مثل التاريخ والاجتماع وعلم النفس واللغة، وقوة الإعلام وثورة المعلومات، وترافق ذلك كله مع تطور نقد القصة والرواية، ونقد السرد.
ومهدت لهذه المذاهب والكتابات القصصية والروائية ورافقتها تجارب نقدية جانبت النقد التقليدي، وغدت في بعض الأحيان والحالات والنماذج اتجاهات نقدية جديدة لا غنى عن درس نشوئها وتكوينها ومعرفة العوامل المؤثرة فيها، وتحديد أشكالها، وتحليل هذه الاتجاهات ومناقشة أهم قضاياها، ولا سيما منزلتها في خريطة النقد القصصي والروائي العربي الحديث، ومنزلتها بين التبعية والتأصيل بما يسهم في تعضيد الهوية القومية للنقد العربي الحديث.
ويستدعي توضيح مفهوم الاتجاهات الجديدة، أن نشير بإيجاز إلى تطور مسار النقد الأدبي الحديث الذي اكتملت صورته في القرن التاسع عشر، مع الإتباعية الجديدة والرومانسية والواقعية، تساوقاً مع نضوج المذاهب الأدبية، غير أن حركة الحداثة دهمت الفكر والأدب والفن في أعمق موجاتها وأوسعها وأكثرها جذرية في مطلع القرن العشرين، وكان حددها بعض النقاد، في المقالات التي حررها مالكولوم برادبري Malcolm Bradbury وجيمس ماكفرلن James Mcarlane في الفترة ما بين 1890 و 1930 في الكتاب الأشهر في هذا المجال المسمى «الحداثة Modernism 1890-1930» (1976)([3])، حين شملت الحداثة الأجناس الأدبية برمتها: الشعر، القصة، الرواية، المسرحية، بالإضافة إلى الفنون ومظاهر الحياة الأخرى، وتشكلت حركات أدبية حدثية مختلفة مثل التصويرية والمستقبلية والتعبيرية والدادائية والسوريالية والانطباعية والوحشية والانحطاطية والتكعيبية وسواها، ثم خاض النقد الأدبي غمار الحداثة، طليعياً حيناً، ومواكباً حيناً آخر، وتميز نقد القصة والرواية لدى مبدعيه أولاً مثل أ. م. فورستر E.M. forster وهنري جيمس H.James وسومرست موم وفرجينيا وولف، ونقاده ثانياً مثل بيرسي لبوك Percy Lubbock وف. ر. ليفز F.R.Leavis ومارك شورر Mark Schorer، وهؤلاء المبدعون والنقاد وأضرابهم هم الذين أطلقوا ما سمي بالنقد الجديد، تطويراً، للإتباعية الجديدة التي مثلت ذروة التقليد الغربي في النقد. ولعل أهم ما تميز به هؤلاء المبدعون هو فهم القص ومكوناته من الراوي إلى السرد والتحفيز والقصد مما كان أساس النقلة التالية في الغرب في الستينيات من نقد القصة والرواية إلى نقد السرد وعلم السرد. ثم آل المشهد النقدي الحديث، فيما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى بروز اتجاهات نقدية جديدة متأثرة بالعلوم الإنسانية، مثل علم النفس وعلم الاجتماع، وعلم اللغة الذي وسم عمليات التحديث برمتها، فكانت الاتجاهات الجديدة المتصلة بالحداثة وما بعدها، مثل الشكلانية الروسية Formaliste du Russe والمعيارية Normative والبنيوية Structuralism، واللسانية Linguistique، والعلاماتية Sémiologique وسواها. وقد يثار سؤال حول الشكلانية الروسية، على سبيل المثال، وانتشارها بعد الحرب العالمية الثانية، وهي التي ظهرت في العشرينيات والثلاثينيات. ونكتفي في هذه المقدمة بذكر أن اكتشاف تراث الشكلانيين الروس متأخر عند الغربيين أنفسهم إلى مطالع الستينيات حين ترجم تودروف بعض نصوصهم إلى اللغة الفرنسية([4]).
الاتجاهات والاتجاهات الجديدة:
يؤثر بعض النقاد والباحثين أن يسمي الاتجاهات النقدية بالمدارس أو المذاهب، غير أنني أوثر مصطلح الاتجاهات، لاقترابه من وصف الحال أو المفهوم مراعياً تغيره في الوقت نفسه، فالمذهب أو المدرسة يشير إلى تكون ناجز للمفهوم النقدي وثباته في مرحلة تاريخية معينة واستقراره في النظرية والتطبيق. وينفر النقاد الغربيون من أمثال هذه المصطلحات، لضيقهم من التأطير، ولمراعاتهم لعنصر التغير في المفهوم وممارسته، ولعلنا نتذكر أن شيخين من شيوخ النقد العربي الحديث، هما إحسان عباس ومحمد يوسف نجم (فلسطين) وضعا تسمية مدارس حديثة لبعض الاتجاهات النقدية التي لم تتأصل بعد لدى تعريبهما لكتاب ستانلي هايمن Stanley E. Hayman المعنون The Armed Vision (1955، مظهر الترجمة في عامي 58-1960).
لقد كانت الاتجاهات النقدية التقليدية الراسخة تتمحور حول النقد الإتباعي والنقد الواقعي والنقد الرومانسي، ثم ظهرت أشكال أخرى من النقد الرمزي أو النقد التفسيري أو النقد اللغوي أو النقد الموضوعي أو النقد الجديد، أو النقد النفسي أو النقد الماركسي ضمن حدود نظرية النقد التقليدي، أي المرتهن لتقاليد النظرية الأدبية فعلى سبيل المثال، انطلق النقد الجديد New Criticism مع ا.ا. ريتشاردز واليوت وجون كرو رانسوم John Crowe Ransom وأقرانه في العشرينيات معتنين بالنص من داخله بالدرجة الأولى، حيث الاهتمام بقراءته قراءة يصحبها الفهم العميق لدلالات الألفاظ، والاهتمام بالأثر الأدبي من حيث بنيته وشكله مستقلين عن شخصية مبدعه أو تأثيره في قرائه المختلفين.
ويفيد الاتجاه بهذا المعنى ما يجذب الأذهان نحو فكرة معينة أو تذوق خاص أو إجراءات موصوفة تستند إلى مجموعة مبادئ أو معايير متصلة ومنسقة لمنهج محدد، بمعنى الانضواء تحت لواء مسار ما أو مجال للتطور، ويفيد هذا المعنى المصطلحات الدالة في اللغة الإنكليزية مثل Approach, Current, Doctrine, Trend، وأقربها هو المصطلح الأول Trend إذ ينصرف المعنى إلى تشكل ميل أو اتجاه أو مسار معين، بينما يشير المصطلح الثاني Approach إلى البعد الأفقي للاتجاه، ويحتفظ المصطلح الثالث Current لمعنى اندراج الاتجاه في تيار سائد، أما المصطلح الرابع Doctrine فيتصل بمعنى رسوخ الاتجاه في مجموعة المبادئ والآراء.
ولعلنا نلاحظ لدى عرضنا لتطور النقد الأدبي العربي الحديث، ومنزلة نقد القصة والرواية فيه، أن تأصيل الاتجاهات النقدية التقليدية قد انطلق في الخمسينيات، ليستوي في العقود التالية متنازعاً مع الاتجاهات الجديدة، ما دام النقد ساحة صراع فكري بالدرجة الأولى، بل هو الأكثر تعبيراً عن صراع الأفكار، فعرفت تجربة النقد الأدبي العربي الحديث جهوداً حثيثة لتأصيل النقد والمضي به إلى اتجاهات محددة، مع محمد مندور (مصر) ومحمد روحي الفيصل (سورية) وميخائيل نعيمة (لبنان)، لتترسخ اتجاهات نقدية إتباعية وواقعية وماركسية وموضوعية ولغوية أسلوبية بالدرجة الأولى، وما لبثت أن تلونت هذه الاتجاهات بتلوينات جديدة بتأثير مناهج النقد الأدبي الحديثة، ومن أهم هذه الاتجاهات النقد الاجتماعي Sociocritique، وهو متطور عن علم اجتماع الأدب Sociologie de la Litterature والنقد الواقعي والنقد الماركسي، والنقد النفسي Psychocritique، والنقد البنيوي Structuralisme بتنويعاته المختلفة النصية La Critique ****uelle والشكلانية Foramlism والشعرية La Poetique والتكوينية La critique Genetigue، وثمة الأسلوبية La Stylistique وقرينتها اللسانية Linguistigue، والعلاماتية أو السيميائية Semiologique والتفكيكية Deconstruction وغيرها.
وقد اتصل النقد العربي الحديث بهذه الاتجاهات الجديدة عن طريق «النقد الجديد» حتى نهاية الستينيات، باتصال الروافد العلمية الأكاديمية المباشر، أو بالترجمة، حتى أن كتاب أ. م. فورستر «أركان الرواية الحديثة Aspects of the Novel» (1927) ترجم إلى اللغة العربية مرات([5])، وعن طريق «البنيوية Straucturalism» وما بعدها، منذ مطلع السبعينيات، بتأثير الباحثين الذين تحصلوا على علمهم في الجامعات الفرنسية ومعاهدها، في بلدان المغرب العربي وبلاد الشام، ولا سيما المغرب وتونس ولبنان وسورية، ثم مصر، ثم انتشرت الاتجاهات الجديدة في الثمانينيات في أرجاء الوطن العربي.
الدراسات السابقة:
قليلة هي الدراسات التي عنيت بنقد النقد القصصي والروائي المتأثر بالاتجاهات الجديدة، وربما ظهرت أول مقالة في كتاب عبد الله إبراهيم (العراق) في كتابه «المتخيل السردي: مقاربات نقدية في التناص والرؤى والدلالة» (1990)([6])، وحملت المقالة عنوان «من أجل نظرية معرفة لتحليل الخطاب الروائي العربي»، وهي موجهة للتعريف بكتابي سعيد يقطين (المغرب) «تحليل الخطاب الروائي: الزمن ـ السرد ـ التبئير» (1989)، و«انفتاح النص الروائي: النص ـ السياق» (1989)، وقصد فيها إلى تقديم عرض موسع للمشروع الأبيستمولوجي (المعرفي) الذي طرحه يقطين، الأول معني بمستوى تركيب الخطاب، والثاني معني بوظائف النص، وأعقب العرض تقديم رؤية نقدية للمشروع التحليلي من أجل بلورة نظرية معرفة لتحليل الخطاب الروائي.
رأى عبد الله إبراهيم أن الكتابين يتضافران لتقديم رؤية نقدية، تنهض على الموروث النقدي للسرديات الحديثة، بفرعيها، أو تياريها الرئيسين، وهما: السردية اللسانية التي تعنى بدراسة الخطاب السردي في مستواه البنائي، والعلائق التي تربط الراوي بالمتن الحكائي أو القصة المتخيلة، وقد استفاد هذا التيار كثيراً من البحث اللساني الحديث والمعاصر، ويمثله رولان بارت Rouland Parthes وتودروف Tzvetan Todorov وجيرار جينيت G.Genetie ومن يشتغل على نحو مشابه لهم. والتيار الآخر هو السردية السيميائية، ويعنى هذا التيار بسردية الخطاب، من خلال عنايته بدلالاته، قاصداً الوقوف على البنى العميقة التي تتحكم به، ومتجاوزاً المستوى اللساني المباشر، ويهدف هذا التيار إلى تقديم قواعد وظائفية للسرد، ومن أبرز أقطاب هذا الاتجاه فلاديمير بروب Vladimir Propp وكلود بريمون Claude Bremond ، وغريماس A.J.Creimas.
اعترف إبراهيم بأن مشروع يقطين جاد، وذكر أمرين لابدّ منهما: أولهما البحث في الأصول التي يتصل بها المشروع، إن كان ذلك على مستوى عرض جهود المعنيين بالسرديات، أو على مستوى النتائج التي توصل الكتابات إليها، ونوه إلى أن شبكة اللسانيات والسرديات معقدة، وغايتها صعبة المسالك، لا يمكن ولوجها دون التسلح بمعرفة جهاز المفاهيم التي تتعامل بها، دون عناية كبرى بما تشتغل عليه، ولهذا يتهمها أعداؤها باللاجدوى والعدمية.
ونلاحظ أن إبراهيم أطلق، بادئ ذي بدء، حكماً هو موضع نقاش، حين وجد أن السردية فرع من أصل كبير هو الشعرية Poetics، اعتماداً على رأي لتودروف في كتابه «الأدب والدلالة Litterature et Signification» يقول فيه إن الشعرية هي نظرية الأدب، وقرر إبراهيم أن الجانب النظري يستأثر بالجزء الأكبر من متن الكتاب، ويتضاءل إزاء ذلك الجانب التحليلي. ولكن هذا التقسيم الملموس في الظاهر، لا يغيب حقيقة أساسية، وهي أن التحليل، إنما ينهض على استفاضة ضرورية لتوضيح آلية التحليل ذاته. وعليه فإن النتائج المتماسكة تحتاج دائماً إلى أرضية صلبة ومتماسكة، وتحتاج إلى مقدمات منهجية تسوغ ظهورها، وهو ما عني به في مراجعته النقدية لمشروع يقطين.
وانتقد إبراهيم في سياق عرضه لمشروع يقطين مرجعيته المطلقة للنقد الفرنسي الحداثي وما بعد الحداثي، غافلاً أو متجاهلاً بعض أهم إنجازات النقد العالمي الأخرى مثل النقد الأنجلوسكسوني، حين يكتفي بالإشارة التاريخية العابرة أو العارضة إلى مثل هذه الإنجازات، كما في حديثه عن نموذج أو «طايبولوجيا Typelogie» للصيغ.
وخصص حميد لحمداني (المغرب) جهداً أكبر لنقد الاتجاهات النقدية الحديثة في كتابيه «النقد الروائي والأيديولوجيا من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي» (1990)([7]) و«بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي» (1993)([8])، ومما يجدر ذكره أن لحمداني يناقش قضية نقدية أو أدبية، فليس دأبه هو تتبع الأعمال النقدية، ولذلك لا تعدّ كتبه ضمن نقد النقد، وإن تعرضت لهذه الاهتمامات النقدية في سياق معالجتها لهذه القضية النقدية أو الأدبية أو تلك.
وتتصف آراء لحمداني على العموم بأنها قاسية ومتعسفة أحياناً، ولا تراعي السياق التاريخي والمنهجي لظهور البنيوية في حركة النقد القصصي والروائي العربي.
وكان الكتاب الثاني الذي تناول جانباً من الاتجاهات الجديدة هو «النقد البنيوي والنص الروائي ـ نماذج تحليلية من النقد العربي: 1- المنهج البنيوي ـ البنيةـ الشخصية» (جـ1: 1991)([9])، و«النقد البنيوي والنص الروائي ـ نماذج تحليلية من النقد العربي: 2- الزمن ـ الفضاء ـ السرد» (جـ2: 1991)([10])، والكتاب بجزأيه، من تأليف محمد سويرتي (المغرب). وأشار مؤلفه إلى أنه أطروحة جامعية بالأصل، وأراد، شأن سواه ممن تصدوا للنقد المتصل بالاتجاهات الجديدة، بأطروحته أن يعالج تمثل النقاد العرب، موضوع البحث، للثقافة النقدية الغربية عامة، وللمنهج البنيوي وأدواته العملية ومصطلحاته النقدية خاصة؟. وأضاف أسئلة أخرى: إلى أي حدّ استشعر هؤلاء النقاد التحولات التي طرأت على المنهج البنيوي عبر مساره الطويل من الجمالية إلى الشعرية؟ ما هي المقولات النقدية التي يمارس هؤلاء النقاد في هديها عملية النقد الأدبي؟ هل اقتصروا على توظيف المنهج البنيوي أم استنجدوا بمناهج أخرى؟ ولاحظ أن مثل هذه الأسئلة تمكنه من رصد مجموعة من العلائق، وهي:
* علاقة النظرية بالممارسة من داخل البنية النقدية ذاتها.
* علاقة المنهج المتوخى ومصطلحاته النقدية بالعمل الروائي المنقود.
* علاقة المنهج البنيوي بالمنهج النفسي والاجتماعي والإيديولوجي والفلسفي، وكذا علاقته بالشعرية.
* علاقة النقد العربي بالنقد الغربي.
ورصد سويرتي هذه العلائق من خلال المتن الذي يضم الأعمال النقدية التالية:
* «ملامح في الرواية السورية» لسمر روحي الفيصل (سورية) (1979).
* «حركية الإبداع ـ دراسات في الأدب العربي الحديث» لخالدة سعيد (سورية ـ 1979).
* «الألسنية والنقد الأدبي ـ في النظرية والممارسة» لموريس أبي ناضر (لبنان ـ 1979).
* «نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة» لنبيلة إبراهيم سالم (مصر ـ 1980).
* «في معرفة النص» ليمنى العيد (لبنان 1983).
* «بناء الرواية ـ دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ» لسيزا قاسم (مصر 1984).
* «القراءة والتجربة ـ حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب» لسعيد يقطين (المغرب 1985).
* «مدخل إلى نظرية القصة» لسمير المرزوقي وجميل شاكر (تونس ـ 1985).
وهي اختيارات لنصوص مبكرة نسبياً، ونلاحظ أنها لا تتمثل على نحو مطلق أو كلي الاتجاهات الجديدة، وإنما تلوّنها بمناهج سائدة، تقليدية، أو واقعية، أو نهاجيات العلوم الإنسانية. مثلما انحاز سويرتي إلى الممارسة، وحددها بفترة قصيرة لا تتجاوز ست سنوات، والتزم بالخطوات التالية:
- قراءة النص الروائي والنص النقدي.
- تصنيف البنيات النقدية وفق محاور تطرح إشكاليات حول النقد الروائي.
- استنباط المنهج المعتمد من طرف الناقد من خلال تصريحاته وتحليلاته، فضلاً عن المفاهيم الإجرائية قصد التحاور في شأن هذا المنهج ومصطلحاته، والكيفية التي مورس بها في تحليل النص الروائي.
- تقديم الإضافات الضرورية.
- تلخيص كل محور في تركيب مكثف وتسجيل الاستنتاجات الخاصة، ثم تكثيف كلّ الاستنتاجات الخاصة بكل المحاور.
ويلاحظ أن سويرتي يحاكم النقاد العرب على المرجعية الغربية، لا أن يكشف عن ممارستهم من داخلها ووفق مفاهيمها وطرائقها. وفعل ذلك في تركيبه الثاني:
«هكذا ينسى هؤلاء النقاد أو يتناسون أنهم إزاء إنجازات تتوسل المناهج البنيوية باعتباره مناهج علمية وضعية تنطلق من البنية الأساسية اللاواعية التي تحكم كل البنيات الداخلية للخرافة وللنص الروائي. وقد تبدو هذه البنية في شكل بسيط أو معقد»([11]).
وهكذا، يعد حميد لحمداني ومحمد سويرتي من أوائل النقاد الذين نبهوا إلى ظاهرة الاتجاهات الجديدة، ومارسوا عمليتي نقد النقد، في جوانب منها، وضمن فترة محددة هي بداءة تمثل النقد القصصي والروائي العربي لهذه الاتجاهات الجديدة، أو الأخذ بأمشاج منها.
وتعرض عبد الرحيم الكردي لأصداء البنيوية في الدراسات العربية في كتابه «السرد في الرواية المعاصرة: الرجل الذي فقد ظله نموذجاً» (1992)([12])، ورأى أن الدراسات البنيوية الأوروبية أخذت تغزو المجالات النقدية في الوطن العربي في السبعينيات من هذا القرن، بينما كانت هناك مدرسة نقدية مستقرة تقوم أسسها على دراسة المضامين الأدبية، ولا سيما الأيديولوجية والسياسية، بل إن جمهرة النقاد والباحثين لم تستسغ البنيوية، مثالاً للاتجاهات الجديدة، على أنها ثمرة لترف فكري، وأنها تستغرق في النموذج الألسني والنقد اللغوي، ولا تمتلك أدوات للمفاضلة بين الأعمال الأدبية، لوضعيتها التحليلية، ولإهمالها دور الذوق في الحكم على النصوص، وفي إبراز الجوانب الجمالية فيها، وهي حجج طالما رددها النقاد الاجتماعيون والماركسيون مثل محمود أمين العالم في كتابه «ثلاثية الرفض والهزيمة» (1985).
وتوفر عرض الكردي على ثلاثة أبحاث عربية تطبيقية، اتخذت من البنيوية منهجاً لها، وقد اختارها لاتصالها المباشر بالنماذج البنيوية الأوروبية بشكل صريح، فهي تمثل الجناح المستغرب من التيار الثقافي العربي في مجال دراسة النص، وهو الجناح الذي أدخل، برأيه، على الدراسات النصية العربية معايير جديدة، وأدوات لم تتح له من قبل، ووقع عليها الاختيار أيضاً لأنها جميعاً اهتمت بالتطبيق أكثر من اهتمامها بالنظريات، ولأنها تنتمي إلى بيئات عربية متنوعة، وهذه الأبحاث هي:
1- «بناء الرواية: دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ». سيزا قاسم. 1984.
2- «قضايا السرد عند نجيب محفوظ». وليد نجار 1985.
3- «تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي» يمنى العيد 1990.
ويتسم جهد الكردي بالسمات التالية: الإيجاز وإيضاح مصادر النقد الجديد في الكتب التي تعرض لها بالنقد، والميل إلى إطلاق الأحكام. وورد نقد جزئي لحامد أبو أحمد (مصر) في كتابه «نقد الحداثة» (1994)، والنقد موجه لصلاح فضل (مصر) حول كتابه «بلاغة الخطاب وعلم النص» (1992). فقد حوى كتاب أبي أحمد مقالات نقدية للنقاد العرب الذين يسترشدون بالاتجاهات الحديثة، بالإضافة إلى بعض المقالات والمراجعات النقدية لعدد من النصوص الأدبية العربية الحديثة، وإلى مقالتين حول «الشعر الحديث في أسبانيا وأمريكا اللاتينية» و«شعراء السبعينيات في أسبانيا». أما النقاد الذين وجه نقده السلبي إليهم، فهم كمال أبو ديب (سورية) وصلاح فضل (مصر) ومحمد خطابي (المغرب)، بينما حظي عبد الله الغذامي (السعودية) بنقد إيجابي يستحقه. ويعنينا من كتابه نقده لفضل لاشتغاله على النص السردي.
استغرق نقد أبي أحمد لفضل فصلاً كاملاً (15) صفحة من أصل (180 صفحة) توزع إلى مقالتين، وتركز نقده السلبي في إبداء نقمة كاملة على النقاد المتعاملين مع الاتجاهات الحديثة، لأن تعاملهم مع العلوم الجديدة أسير منطلقات ثلاثة:
المنطلق الأول: هو التعامل معها من منظور إطلاقي، انبهاراً، أو إدعاء، أو تسرعاً غير مستوعب للظاهرة أو للعلم الجديد.
والمنطلق الثاني: هو سيادة مفهوم لسان حاله يقول «اكتب كلاماً غير مفهوم ينظر إليك على أنك أكبر العلماء»، وقد شهدت، برأيه، الساحة الثقافية العربية خلال عقد الثمانينات ظهور عدد كبير من الكتب لا يفهمها أحد، من القاريء العادي حتى أكثر الناس ثقافة وتخصصاً.
والمنطلق الثالث: هو قيام الترجمة والتأليف في العلوم الجديدة على العجمة والابتسار أو الإدّعاء بالإسهام في تطوير العلم. واستثنى بعض الجهود النقدية. وذكر أبو أحمد مظاهر كثيرة للعجمة والابتسار، وختم مقاربته في المقالة الأولى بالقول:
«فأي مفهوم علمي، وأي منهجية، وأي ضبط، وأي تجريب في كتابه، لا يربط بينها إلا رابط هش هو فقط مسمى علم النص؟! فضلاً عن أنها ـ كما أسلفنا، فقرات طويلة منتزعة من سياقها انتزاعاً، وموضوعة في سياق جديد، ومن ثم فإنك تقرأ السطور، فتجد حالة من الإبهام بصورة قوية جداً مع طبيعة علم النص»([13]).
ولعلنا نلمس في نقد أبي أحمد قسوة وإسرافاً في الاتهام، فثمة فضائل لكتاب فضل ولجهوده النقدية الأخرى التي لا تنكر، لا تذهب كلها مع السلبيات. وأضاف أبو أحمد في مقالته الثانية انتقادات أخرى لفضل هي التدليس والتلفيق، فهو ينتقل من فقرة إلى فقرة، ومن باحث إلى باحث آخر، ومن فكرة إلى فكرة حتى يصل بعد خمس عشرة صفحة بالتحديد إلى ما يشبه عرضاً غير سليم لجهود الآخرين:
«وتصل طريقته في تهميش الآخرين إلى نوع من «التماهي Identification بينه وبين المؤلف الأصلي الذي نقل عنه، فيظن القارئ أن هذه الفقرة أو تلك من كلام الدكتور فضل مع أنه مجرد ناقل لها»([14]).
وأطلق أبو أحمد صفات سلبية ظالمة على فضل مثل الخلط والتجهيل، وأن هذا هو دأبه في كتبه الأخرى، «فقد كنت دائماً أحس بالتوجس من هذه الكتب الغريبة في مناهجها، والتي يبدو وكأنها ألفت بقصد أن تقيم جداراً يفصل بيننا وبين العلوم الحديثة»([15]).
وقد آثرت الإشارة لبعض تفاصيل نقد أبي حامد، لأنه يعبر عن نموذج غالب على نقد النقد الأدبي العربي، بما هو نقد متسرع يفتقر إلى التسويغ الفكري والفني والرؤية التاريخية والإطار المنهجي لميله إلى إطلاق الأحكام بالدرجة الأولى.
ويستفاد من عرض هذه الدراسات السابقة أمران الأول هو التنبيه إلى ظهور مثل هذه الاتجاهات الجديدة، والثاني هو أنها لا تتجاوز حدود الإشارة لما تمثله في حركة النقد الأدبي العربي الحديث. أما قيمتها النقدية فهي محدودة في بابها.
دواعي البحث:
يستجيب هذا البحث لضواغط فكرية ونقدية على وجداني، لعل أولها هو وطأة الإحساس بالهوية العربية، وما تواجهه من إكراهات شديدة تنعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على الوعي بالذات القومية، وثانيها اتصال هذه الوطأة بالحاجة إلى إعمال نقد النقد في شؤون حياتنا كافة تعضيداً للفكر النقدي، وإثراء للتجربة النقدية العربية في ميدانها الأقرب، أعني النقد الأدبي الذي يختزن في محمولاتها هذا الفكر النقدي، وثالثها اختيار مجال أدبي نقدي مندغم بالتاريخ هو نقد القصة والرواية، ونقد السرديات فيما بعد.
أما الدوافع الأخرى لاختيار هذا البحث عن فترته المحددة، فأوجزها فيما يلي:
الأول هو فقر المكتبة العربية بأبحاث نقد النقد، فثمة كتب لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة تتناول ممارسته في هذا القطر أو ذاك، أو هذا الاتجاه أو ذلك، أو لدى ناقد أو آخر. ولاحظنا مثل ذلك لدى استعراضنا للدراسات السابقة، وهي قليلة جداً.
والثاني هو بروز الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، والتأثر الكبير للنقاد والباحثين العرب بها في أقطار الوطن العربي كله، مما يبين شدة المؤثرات الأجنبية الغربية في تكوين الناقد العربي الأدبي الحديث إلى حدّ الاستلاب التام الذي يغيّب معه التواصل مع موروثه الثقافي، ويحدث قطيعة معرفية مع تقاليده الأدبية والنقدية.
والثالث هو أن هذه الاتجاهات الجديدة ظهرت وتصلب عودها في العقود الثلاثة الأخيرة، فطغت على الممارسة النقدية العربية في الثمانينيات والتسعينيات على وجه الخصوص.
والرابع هو شمول الاتجاهات الجديدة لمجالات النقد القصصي والروائي والسردي جميعها، وقد تجلت بإسهامات واثقة لنقاد وباحثين معتبرين من أجيال مختلفة في نقد الموروث السردي الشعبي والأدبي، والنقد النظري، والنقد التطبيقي.
والخامس هو قابلية هذه الاتجاهات الجديدة، في ممارستها النقدية ودورانها على أقلام هذه الكثرة الكثيرة من النقاد والباحثين العرب، على إثارة قضايا ثقافية وفكرية ونقدية في منتهى الأهمية مثل المنهج والمصطلح والتبعية، والعلاقة بالعلوم الإنسانية والمناهج المعرفية والنقدية الحديثة.
وعلى هذا، فقد توزع بحثي إلى مقدمة وثمانية فصول، وخاتمة، وثبت المصادر والمراجع.
جعلت الفصل الأول منه للتطور التاريخي والفني لنقد القصة والرواية، وقد وجدت أن مرحلة النشأة تمتد إلى عام 1945، ومرحلة التكون تستمر حتى عام 1970، حيث شهدت السبعينيات انطلاقة الاتجاهات الجديدة، ثم بلغت ذروتها في الثمانينيات والتسعينيات. وأشرت بإيجاز إلى ملامح نقد القصة والرواية وتطوراتها، وهي استمرار التأليف في نشأة القصة والرواية وتاريخها، والاهتمام بالجانب الفني أكثر مما كان في المرحلة السابقة، واستمرار النقد التعريفي والنظري التقليدي، واتساع نبرة الحديث عن التجربة القصصية والروائية بفضل نمو وعي القاص والروائي العربي بفنه، وتقصيت ملامح هيمنة دراسات المذهب الواقعي في صعودها في السبعينيات، وأفولها التدريجي في الثمانينات والتسعينيات، وعاينت ظاهرة البحث عن التراث القصصي ووعيه، وتوقفت عند تأصيل النقد القصصي والروائي لدى بعض وجوهه البارزة.
وعالجت في الفصل الثاني العوامل المساعدة على في تكوين الاتجاهات الجديدة، مثل الاتصال المباشر، والترجمة، وتطور العلوم والنهاجيات المعرفية، ووسائل الاتصال وثورة المعلومات، وتنامي أبحاث الهوية في الفكر والأدب والنقد، والتطلع إلى الحديث والرغبة في التحديث. والإقبال على التأليف المعجمي والمصطلحي والموسوعي، والعلاقات بين الفنون، ووفرة أبحاث نظرية الأدب ونظرية القصة والرواية بعد ذلك، والانشغال بنظرية الأدب عربياً، وتنامي البحث عن نظرية نقدية عربية.
وناقشت في الفصل الثالث الاتجاهات النقدية الجديدة المتصلة بالعلوم الإنسانية، ولا سيما التاريخ والأفكار والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، وما تمخض عنها من اتجاهات نقدية.
وبينت في الفصل الرابع انتشار هذه الاتجاهات الجديدة المتصلة بالبنيوية وما بعدها، مثل شعرية السرد، والبنيوية الدلالية، والألسنية، والتفكيكية.
وصرفت جهدي في الفصول الثلاثة التالية، الخامس والسادس والسابع، لنقد الاتجاهات الجديدة في أهم نماذجها، فكان الفصل السادس لنقد الموروث السردي، الشعبي والأدبي، والسابع للنقد النظري، والثامن لنقد النقد التطبيقي بأنماطه الثلاثة؛ وهي الدراسات ذات الميل الأقل إلى الاتجاهات الجديدة، والدراسات الانتقائية، والدراسات ذات الميل الأكبر، في فئاتها الثلاث أيضاً: الاشتغال السردي النصي، قضايا في السرد، التحليل السردي النصي.
وعالجت في الفصل الثامن مكانة الاتجاهات الجديدة إزاء بعض المشكلات النقدية والفكرية، واخترت مشكلتين نقديتين هما الواقعية والحداثة، وعالجتهما في إطار النقد العربي الحديث بعامة، ونقد القصة والرواية بخاصة، ومشكلة فكرية هي التبعية والتأصيل، فأوضحت ظاهرة التبعية الثقافية بوصفها عالمية، وظاهرة التبعية النقدية، وانتقلت إلى تطبيق لها، هو حالة نقد القصة والرواية لدى نموذج نقدي عربي هو عبدالفتاح كيليطو (المغرب) الذي طور المنهج التأويلي الحداثي استناداً إلى التراث النقدي العربي، وأفلح كثيراً في تثمير الاتجاهات الجديدة في تدعيم أبحاث الهوية.
منهج البحث:
التزمت في هذا البحث بمنهج موضوعي يستفيد من علم السرد، فأنا أؤمن بمقولة تعدد الأصوات وتضاد الآراء، «ففي كل نظرية يوجد، صراحة أو ضمناً، الصوت المضاد لمنظور نظري آخر، فما حث المنظر على التفكير، إنما هو تفكير منظر آخر» كما يقول والاس مارتن Wallace Martin في كتابه «نظريات السرد الحديثة Recent Theories Of Narrative» (1986وظهرت ترجمته عام 1997)([16])، ويقوم هذا المنهج على التحليل متسلحاً بمعرفة نقدية بعلم السرد، متجنباً قدر الإمكان، إبداء الأحكام والآراء على جهود الآخرين وأعمالهم، لأن المعرفة نسبية، ووجهات النظر متباينة، كاشفاً في الوقت عن قيمة هذه الجهود النقدية في ذاتها وفي سياقها التاريخي، ولذلك تعمدت الإحاطة النقدية بالكتب النقدية المعنية بنقد الموروث السردي الشعبي والأدبي، والنقد النظري، والإلمام بالكتب النقدية التطبيقية التي استرشدت بالاتجاهات الجديدة، بيد أنني أجازف إلى القول إن معالجتي لنقد النقد التطبيقي تستوعب غالبية الجهود المبذولة، ولما أدى ذلك إلى ضخامة حجم البحث، فقد اختزلت شيئاً كثيراً من نقدي للنقد التطبيقي، دون الإخلال بغايات البحث.
ويلاحظ أنني، اتساقاً مع منهجي الموضوعي، عاملت النصوص النقدية من داخلها، ولم أفرض عليها هذا المنهج، فحللتها، وأظهرت أفضل ما فيها، وأشرت، إلماحاً غالباً، أو تصريحاً أحياناً، إلى بعض الملاحظات للهنات أو التناقضات أو إطلاقية الرأي والمرجعية لدى ممارسي ذلك من النقاد والباحثين. ويفيد ذلك أنني لم أحاكم النصوص النقدية على مطابقتها لهذا المرجع أو ذاك، إنما حللت، وفسرت، بما يسعف على تقييم موضوعي غير متعسف.
وحرصت على التحليل المكثف والتفسير الواضح، على الرغم من التباس الاتجاهات الجديدة، وغموض لغتها غالباً، وولوغها في الشكلانية. وكان دأبي في الإجراءات النقدية أن أعرّف نقدياً بالنصوص النقدية وأصحابها، ولو إشارة، ثم أعالج مكانتها في سياقها الثقافي والتاريخي، وأفصح عن قيمتها النقدية والفنية والمعرفية.
لقد عمدت إلى العرض النقدي لأهم الإسهامات النقدية (الكتب بالدرجة الأولى) المتأثرة بالاتجاهات الجديدة ومناقشتها، حتى غدا كتابي أقرب إلى موسوعة لكتب نقد القصة والرواية والسرديات، وهو مركب صعب ركبته، لاعتقادي أن السهل هو تتبع قضية نقدية والاكتفاء بإشارات لبعض المشتغلين بها ولبعض جهودهم. وثمة أمر سيلاحظه المهتمون هو أنني ناقشت جهود النقاد المتأثرين بالاتجاهات الجديدة حسب المجال النقدي الذي مارسوه، لا عرض جهد كل ناقد على حدة، فالنقاش حول قضايا النقد الأدبي العربي الجديد، وليس حول النقاد الممارسين له، فنوقش على سبيل المثال جهد عبدالفتاح كيليطو المتصل بنقد الموروث السردي في فصله الخاص، مرةً لدى نقاش الموروث السردي الشعبي وأخرى لدى نقاش الموروث السردي الأدبي، مثلما نوقش جهد سعيد يقطين (المغرب) أو عبدالله ابراهيم (العراق)، مثالين آخرين، في أكثر من فصل.
ولما كان البحث متصلاً بمراجع الاتجاهات الجديدة ومصادرها، وهي غربية بلغات أوروبية، إنكليزية وفرنسية وألمانية وروسية وأسبانية، فقد أوردت أسماء الأعلام أو المصطلحات باللغة العربية، وبالحروف اللاتينية، حسب استعمالها بلغتها الأصل، الفرنسية أو الإنجليزية، وحسب ذكرها لدى هذا الباحث أو الناقد. وآثرت أن أذكر تاريخ طبعة الكتب الأجنبية لأول مرة بين قوسين، وأوردت اسم الكتاب ومؤلفه بالحرف اللاتيني، كلما تيسر لي ذلك.
وبالنسبة للنقاد والباحثين العرب، فقد وضعت، بين قوسين، القطر الذي ينتمي إليه لمعرفة انتشار هذه الاتجاهات الجديدة في الأقطار العربية، مثلما وضعت، بين قوسين أيضاً داخل المتن، تاريخ طبعة الكتاب العربية الأولى، محيلاً بقية التوثيق ورقم الصفحات إلى ثبت الهوامش في نهاية كل فصل. وتجنبت إثقال المتن وثبت الهوامش بإحالات كثيرة، ولم أضع في ثبت المراجع والمصادر إلا الكتب التي جرى استخدامها في المتن، وهي كثيرة جاوزت الأربعمائة كتاب. وأغفلت توثيق الدوريات، مكتفياً بذلك في ثبوت الهوامش في نهاية كلّ فصل. ولا شك، أن مكتبة هذا البحث واسعة، مما جعلني أنفر من الشرح المستفيض، وألجأ إلى التحليل والتفسير النقديين، في مواءمة تستقيم مع المنهج الموضوعي، ومع سعة البحث وتشعبه، لأنني لا أسعى إلى التوثيق والإحصاء بالقدر الذي أعد فيه شغلي جدالياً يتلمس ظاهرة جلية في نقدنا العربي الحديث، هي قضية على قدر كبير من الخطورة تسهم، كما أسلفت، في استخلاص نتائج مفيدة في معرفة أدبية ونقدية باتجاه تعضيد الهوية القومية في الأدب العربي الحديث، على أن هذا الاتساع والتشعب ليس سبباً لإغفال نتاج نقدي ذي دلالة في مجال البحث، لذلك اعتمدت على مصادر البحث، وهي:
- الكتب النقدية المتأثرة بالاتجاهات الجديدة، أينما طبعت، وقد فاقت مائة وعشرين كتاباً، لنقاد وباحثين ينتمون إلى مختلف الأقطار العربية، ولاحظت أن بعضها مكتوب بأقلام من موريتانيا واليمن ودول الخليج العربي، مما يؤكد وحدة الثقافة العربية، وسيرورة انتشارها وعمليات إنتاجها.
وينبغي التمييز في هذا المجال بين الكتب التي تعد نقداً للمصادر والمراجع، وهي قليلة جداً كما أشرنا في ذكر الدراسات السابقة، وبين الكتب النقدية المتأثرة بالاتجاهات الجديدة، سواء كانت مخصوصة بالنقد النظري، أو بنقد الموروث السردي، أو بالنقد التطبيقي، وقد تناولت بالنقد والتحليل الكتب المعبرة أكثر من سواها عن تمثلها للاتجاهات الجديدة.
- المقالات الأساسية في الدوريات الثقافية والأدبية العربية، وقد ذكرتها في المتن، وأجملتها في ثبت الفهارس. أما مراجع البحث المؤلفة والمترجمة فهي كثيرة أيضاً، ولم أعمد إلى مقايسة مصادر البحث بمراجعها الأجنبية في لغاتها الأوروبية، فهذا لا يتناسب مع حاجات البحث، بالإضافة إلى أنه ينوء عن طاقة فريق باحثين، فكيف بباحث فرد.
لا شك أن الحصول على غالبية هذه المصادر والمراجع كما فصلت، لم يكن ميسوراً، ولكنني ذللت صعوبات كثيرة بالترحال، إلى أكثر الأقطار العربية، وطلب هذه المصادر والمراجع، أو بالمراسلة بمساعدة أصدقاء كثر من النقاد والباحثين أنفسهم من أقطار عربية عديدة، وينوء المقام عن ذكرهم جميعاً.
وكانت الصعوبة الثانية هو توزع الجهد الترجمي العربي، وما يورثه من تأثيرات سلبية على حركة النقد والأدب، إذ ترجمت نصوص بعينها مرات كثيرة، مثلما اختلف المترجمون في الترجمة، ولاسيما المصطلحات وأسماء الأعلام، مثل ترجمة الحافز Motive الذي يترجم بالوحدة القصصية أو الفاعل أو العامل، وترجمة الإنشائية Poetic التي ترجمت بالشعرية أو بالأدبية. ومثل ترجمة غريماس أو قريماس أو جريماس. غير أنني حاولت مجاوزة هذه المشكلات بإعمال النظر وبالحوارات الثمينة مع الأصدقاء النقاد، وهم كثر أيضاً على امتداد الوطن العربي.
وأود أن أشيد في هذا المجال بالحوارات الثمينة مع الأصدقاء النقاد عبد الفتاح كيليطو (المغرب) ومحمد بنيس (المغرب) وسعيد يقطين (المغرب) ومحمد لطفي اليوسفي (تونس) وصلاح الدين بوجاه (تونس) وعبد الملك مرتاض (الجزائر) وعبد الله إبراهيم (العراق) وصلاح فضل (مصر) وحسام الخطيب (فلسطين) وسعيد السريحي (السعودية) ومنذر عياشي وعبد النبي اصطيف وقاسم المقداد (سورية) الذين أمدوني بالمراجع، وأعانونني كثيراً في مناقشاتنا، وفي فهم كتاباتهم وإسهاماتهم النقدية، مما ساعدني على تجنب بعض مزالق البحث.
وأخص بالشكر الأصدقاء النقاد والأساتذة الدكاترة فؤاد مرعي (سورية) ووجيه فانوس (لبنان) وبسام قطوس (الأردن) ووائل بركات (سورية) الذين استفدت كثيراً من ملاحظاتهم النقدية. وإنني لمدين بالكثير للأستاذ الدكتور فيصل سماق لملاحظاته المنهجية الثمينة، ولفضله العميم عليّ. أما الشكر الأوفى فهو لزوجتي نائلة علي، فقد كان هذا الكتاب بعض دأبها وإخلاصها.


الفصل الأول
التطور التاريخي والفني
لنقد القصة والرواية في الوطن العربي
1- نظرة إلى نشأة نقد القصة والرواية:
تُعزّز النظرة إلى نشأة نقد القصة والرواية في الأدب العربي الحديث أن النقد تالٍ للأدب، إذ ظهرت أعمال قصصية وروائية، وكان النقد مقصراً عن بلوغ شأوها الفكري والفني خلال ما اصطلحنا على تسميته المرحلة الأولى، فإذا كانت هذه الفنون شهدت نهوضها باتجاه الحديث والمستحدث في خضم النهضة العربية في القرن التاسع عشر، فإن النقد الأدبي الحديث لم يخرج من مخاضه العسير إلا في النصف الأول من القرن العشرين. ولو أنعمنا النظر في نشأة النقد الأدبي العربي الحديث، لعرفنا أن نقد القصة والرواية كان الأصعب مخاضاً لغلبة نقد الشعر على بدايات النقد ومراحله الأولى. وعلى هذا، فإن نظرتنا إلى نشوء نقد القصة والرواية في الأدب العربي الحديث وأهم ظواهره وقضاياه حتى عام 1970 تتوزع إلى مرحلتين، الأولى منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، والثانية منذ 1945 حتى عام 1970م.
1-1 المرحلة الأولى (حتى عام 1945):
تتسم الأصول الأولى للنقد الحديث باستغراقها في نقد الشعر، ولاحظ أحد نقاد تلك المرحلة، وهو عز الدين الأمين (مصر) في كتابه «نشأة النقد الأدبي الحديث في مصر» (1957)، أن النقاد في الربع الأول من هذا القرن، مثلوا مذهبين، هما:
«1- المدرسة القديمة التي تعنى بالنقد اللغوي، كما كان يفعل نقاد العرب القدماء، فتحفل بالصيغ والألفاظ والنواحي البلاغية، وربما تحمل على المذاهب الجديدة في النقد.
2- المدرسة الحديثة التي تعنى بالتجربة الشعرية والصياغة الفنية، وينصب نقدها على الناحية الموضوعية، وتنهج نهجاً غربياً في نقدها، ولا تهمل العناية بالنقد الفقهي»([17])، أي أننا لا نقع على نقد يتصل بالقصة أو الرواية لدى رواد هذا النقد في هذه المرحلة، وهم ينحصرون، حسب تصنيف عز الدين الأمين، بمصطفى صادق الرافعي، والمستشرق الإيطالي كارلو نلينو (درس في مصر وانتخب عضواً في المجمع اللغوي بمصر، وألف أهم كتبه في مصر)، وعباس محمود العقاد، وإبراهيم المازني، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وزكي مبارك، وأحمد ضيف.
ولا تختلف كثيراً صورة النقد الأدبي الحديث في ربع القرن الثاني، كما يظهره عبد العزيز الدسوقي (مصر) في كتابه «تطور النقد العربي الحديث في مصر» (1977) ، وهو يعالج موضوعه منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى مشارف الحرب العالمية الثانية، ففي حركة الانبعاث نشأ مناخ أدبي جديد، بعثت فيه مقاييس النقد العربي، وكان عبد الله فكري ونجا الأبياري وصالح مجدي ومصطفى جميعي أهم شخصيات حركة هذا الانبعاث، واتجه اهتمامهم إلى النقد اللغوي للشعر، وكشف الدسوقي عن شخصية مجهولة في حركة النقد آنذاك، هو محمد سعيد وكتابه «ارتياد السمر في انتقاد الشعر»، وكان أحمد فارس الشدياق ومحمد عبده وحسين المرصفي الأهم بين نقاد زمنهم. وتطورت الحركة النقدية إلى حركة التجديد، التي عنيت بالنقد النظري والتطبيقي للشعر: الدعوة إلى تطوير شكل القصيدة العربية ـ التمحيص العلمي للنصوص ـ موسيقى الشعر. وبرز تجديد الدراسة الأدبية في كتاب «منهل الوراد في علم الانتقاد» لقسطاكي الحمصي الذي يعد علامة من علامات تطور النقد الأدبي الحديث، ربما بسبب تأثره بالنقد الأوروبي، وقد تميز الكتاب بما يلي:
1.أول كتاب في النقد النظري باللغة العربية، تعرض فيه نظريات النقد الأوروبي واليوناني والروماني على تلك الصورة المرتبة.
2.أول كتاب عربي في مطلع القرن العشرين يرى أن النقد الأدبي علم له أصول وقواعد.
3.العناية بقواعد النقد الأدبي والناقد والاهتمام بالبيئة الزمانية والمكانية.
4.العناية بالنقد التطبيقي، وتقسيم الفنون الأدبية تقسيماً جديداً يهتم بالمسرحية والملحمة والقصة والرواية والمقالة، أي أن جنس القصة والرواية ورد ذكرهما باسمهما الصريح لأول مرة.
5.وقد قرر في الكتاب «أن الشعر التمثيلي باب لم يؤلف به العرب شيئاً، بل لم يكتب به إلا أفراد من المعاصرين كالشيخ خليل اليازجي وأديب إسحاق والشيخ نجيب الحداد، والثلاثة كانوا من نوابغ الكتاب المعاصرين.. وقد نسجوا على منوال الأفرنج».
6.وفي الكتاب عناية بالفنون الجميلة كالرسم والتصوير والحفر وغيرها من الفنون([18]).
ورأى الدسوقي أن تيارات للنقد العربي الحديث قد تكونت في الربع الثاني من القرن، وهي المدرسي والتاريخي (حمزة فتح الله وسيد المرصفي وجرجي زيدان ومصطفى صادق الرافعي)، وتيار التجديد (طه حسين ومحمد حسين هيكل ومصطفى صادق الرافعي)، وتيار الثورة (عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري)، على أن غالبية النقد اتجه إلى الشعر. وتلمس الدسوقي اتجاهات للنقد العربي الحديث، فوجدها التاريخي والنفسي والموضوعي والجمالي والاجتماعي، وقد «أثيرت، منذ وقت مبكر، معظم القضايا الجديدة التي ترددت فيما بعد على ألسنة رواد التيارات والاتجاهات كقضية الوحدة العضوية في الشعر، والصدق الفني، والتعبير عن الكتاب والجوهر، والاهتمام بالتجربة الفنية. كما اهتم كثير من رواد البعث والتجديد بإثارة قضية موسيقى الشعر والتجديد فيها، وأخذ الاهتمام على نحو ما، بالقصة والرواية والمسرح يظهر في ذلك الوقت المبكر»([19]).
وحدد عبد الكريم الأشتر (سورية) المعالم البارزة في النقد العربي الحديث، ووجدها تتمثل في كتب ثلاثة هي: «الديوان» (1921) للعقاد والمازني، و«الغربال» (1957) ليمخائيل نعيمة (المقالات منشورة في العشرينيات)، و«في الميزان الجديد» (1944) لمحمد مندور. أما نقد القصة والرواية فيها، فبدأ يبرز في ثالثها في نقده لبعض أعمال توفيق الحكيم وبشر فارس ومحمود تيمور وطه حسين، فقد تناول فيها «مسألة الأساطير في الأدب واستخدامها في التعبير عن مقاصد النفس البشرية الكبيرة، ومطامحها وأشواقها، حتى يعمق فهمنا لها، وفهمنا لأنفسنا من خلالها... وتناول في نقده لنداء المجهول (لمحمود تيمور) تيار الواقعية في الأدب القصصي ومعانيها في تصوير الشخصيات وسوق الحوار، ومشاكلة الواقع في نقده لدعاء الكروان (لطه حسين)، وضرورتها في خلق الأحداث ووصفها وحوار شخوصها»([20]).
ولدى معاينته للنقد الأدبي الحديث في سورية فيما بين 1918و1945، توقف سمر روحي الفيصل (سورية) عند المؤثرات الرئيسة في النقد الأدبي، وهي المجمع العلمي العربي والبحوث العلمية، والصحافة، والتراث العربي، والنقاد والأدباء المصريون، والنقاد الأجانب، وعدد أنواع النقد الأدبي، وهي النقد اللغوي والنقد الانطباعي، والنقد التاريخي، ورأى استمرارية للنقد اللغوي القديم وبحثاً دؤوباً عن نظرية لنقد الشعر، وغلبة للمساجلات النقدية، أي أن نقد القصة والرواية كان نادراً، وأن مواكبة النقد في سورية للنقد المتطور في مصر وفي المهجر لم تكن مرضية، فما «كان في قدرة النقاد السوريين تجنب عيوب المرحلة، من اهتمام بالنظرات الجزئية، وبعد عن النظرية النقدية، وإغراق في النقد الانطباعي، وخلط بين النقد اللغوي والنقد البياني، وانصراف إلى المقالة النقدية دون الدراسة والبحث، واهتمام بالنقد الفرنسي أكثر من النقد العربي القديم، وضمور في الخلفية الفلسفية التي تستجيب لتطلعات الشعب الثقافية»([21]).
وتقصى نبيل سليمان (سورية) واقع النقد الأدبي في سورية خلال الفترة الممهدة للاستقلال (في الفصل الثاني من كتابه)، فرأى صعود فن القصة، إشارة إلى كتاب جميل سلطان «فن القصة والمقامة» (1944)، وكتاب نزيه الحكيم «محمود تيمور رائد القصة العربية» (1944)، والكتابان يتوازيان «من ناحية تحديث أدوات الناقد السوري، لكن لكتاب نزيه الحكيم بعد ذلك ميزات خاصة به. أولى هذه الميزات تتعلق بطبيعة الدراسة نفسها، فهي حقاً كما سجل صاحبها على غلافها الخارجي «دراسة تحليلية»، تتناول علم القصة العربية الأول في حينه. إن دراسة الحكيم، بهذا المعنى تطبيقية، تتصل بالواقع الأدبي الراهن في أدق مفاصله: القصة»([22]).
ولم يقتصر ظهور طلائع النقد القصصي والروائي على سلطان والحكيم، فثمة نقاد أدب اهتموا بهذا النوع مثل عبد الغني العطري وخليل هنداوي ووداد سكاكيني.
ولا يخفى أن الدراسات الكاشفة عن المراحل الأولى من النهضة العربية حتى خمسينيات هذا القرن، ما تزال محدودة توثيقاً إحصائياً، أو تحليلاً نقدياً، فقد كشفت عن ناقد مجهول، يدعى الشيخ راغب العثماني (سورية)، ونشرت بحثي عنه عام 1986 في مجلة «المعرفة» الدمشقية، وفي كتابي «الأدب والتغير الاجتماعي في سورية» (1990)، والشيخ العثماني من أهم نقاد القصة والرواية في فترة ما بين الحربين، من خلال كتابه «القصة والقصصي» المنشور خلال الثلاثينيات، و«لا أعرف كتاباً بكامله في النقد الأدبي العربي عن فن القصة حتى تاريخه بهذا الوعي النقدي والنماء الذوقي والبراعة الأسلوبية»([23]).
ضم كتاب «القصة والقصصي» فصولاً عن الموضوعات التالية: أدب القصة ـ مهمة المؤلف القصصي ـ القصة في الأدب العربي ـ القصة في الأدب الوجداني ـ القصة في الشعر العربي ـ القصة في الأدب الروسي ـ القصة في الآداب الغربية ـ القصة في القرآن الكريم ـ القصة في السير النبوية ـ القصة في تاريخنا القومي ـ القصة في عالم السينما ـ القصة والرواية والتمثيل ـ القصة في العهدين الأموي والعباسي ـ القصة في الأدبين السوري والمصري. ولدى تحقيقي للكتاب ودراسته، وجدت ميزات كتابة الشيخ العثماني في نقده للقصة على النحو التالي:
1.النبرة الذاتية والميل الذوقي.
2.إيثاره لدور المربي في التوجيه الأدبي وتطوير فن القصة.
3.الوعي النقدي بفن القصة وبمصطلحها النقدي.
4.الإيمان بالتطور، وربط الأدب بالمجتمع.
5.نقد واقع القصة العربية.
«ويبدو أن العثماني كان متابعاً لحركة التأليف القصصي العربية، وأن عزوفه عن النقد التطبيقي عائد إلى مستوى الكتابة القصصية التي لم يكن راضياً عنها، فانصرف إلى كتابة مبحث يسهم في التوجيه الأدبي وتقدم فنّ القصة، كتب العثماني: وقد لا نتجنى على أحد إذا قلنا أن القصة في بلادنا ما زالت في أول مراحل تطورها، وإننا إذا استثنينا بعض قصص متناثرة هنا وهناك لما وجدنا قصصاً حقيقية جديرة بالتقدير الأدبي الصحيح»([24]).
إن طلائع نقد القصة والرواية تنتمي إلى فترة ما بين الحربين في مصر وبلاد الشام على وجه الخصوص، وهذا ما تؤكده دراسات نشأة القصة والرواية في الأقطار العربية المختلفة كما سنلاحظ فيما بعد لدى استعراض بعض هذه الدراسات. على أنني توقفت عند نموذج مرجعي واحد في قطر عربي هو المغرب، والنموذج هو كتاب عبد الرحمان طنكول (المغرب) «الأدب المغربي الحديث: ببليوغرافيا شاملة» (1984)، إذ تمتد الفترة التي تغطيها ثبوته من سنة 1960 إلى 1984، وعلل اختياره لهذا التاريخ بأن «الكل يعلم أن بداية الستينيات عرفت تكاثف الصراع السياسي وسط القطاعات المضطهدة من أجل تحقق الديمقراطية المنشودة. كما أنها عرفت ظهور عدد كبير من المجلات الثقافية والنصوص الإبداعية التي لعبت دوراً فعالاً في فرض ما يطلق عليه اليوم اسم الأدب الطلائعي بالمغرب، أي الكتابة الأدبية التي تطمح إلى تحقيق التغيير على المستوى المعرفي والاستتيقي والإيديولوجي. لكن تركيزنا على هذه الفترة لم يمنعنا من محاولة رصد بعض الدراسات التي صدرت في نهاية الخمسينيات، نظراً لأهميتها»([25]).
لا يماري أحد في منزلة مصر وبلاد الشام في الفكر النهضوي العربي، وهذا ما يؤكده أيضاً هاشم ياغي (لبنان) في كتابه «النقد الأدبي الحديث في لبنان» (1968)، وهو يقع في جزأين، الأول «الحركة النقدية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية» والثاني «المدارس النقدية المعاصرة». وقد تتبع ياغي جهود النقاد الممهدين للمدارس في الجزء الأول أمثال خليل مطران وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، على أن المعالجات النقدية الأبرز ظهرت في الثلاثينيات والأربعينيات عند عمر فاخوري وخليل تقي الدين وتوفيق يوسف عواد. أشار فاخوري إلى شأن القصص في الآداب الغربية وإلى شأنه في الآداب العربية، وبيّن الأثر الذي تركه في القصص عندنا عنصرا اللفظية والبعد عن الحياة في أدبنا، وعرض إلى جانب هذه القضايا، لناحية فنية في القصص تتصل بالحوادث والأشخاص والصدق والتجارب، في أضواء هذه العلاقة بين القصة والحياة.
أما خليل تقي الدين فيعنى بقضايا في نقد القصة لعل من أهمها صلة القصة بالحياة أيضاً وميزاتها الاجتماعية، وأهداف القصة والقصاص، والقصة في الأدب العربي، والإشارة إلى منزلة القصة في الأدب الغربي، وبعض أمور فنية في القصة كالحوادث والعقدة، ثم تطور القصة بتطور الإنسانية، بينما لاحظ ياغي اهتمام توفيق يوسف عواد بقضية الصلة بين القصة والحياة، ومكانة القصة وسعتها الآن وطبيعتها، ورأيه في أن الأدب العربي لم يعرف القصة بالمفهوم الحديث، وحكمه في قياس الآداب بالجودة لا بالأنواع، وما رآه من تطور في الأدب، ومن ثم في القصة([26]).
ولدى بحثه عن مصادر نقد الرواية في الأدب العربي الحديث في مصر، وقع أحمد إبراهيم الهواري (مصر) على 930 مادة صحفية، عن الرواية في الدوريات الصادرة بمصر، وكان محرروها غالباً هم الكتاب دون ذكر الأسماء، وظهر لأول مرة اسم كاتب معروف في عام 1910، هو صلاح الدين القاسمي في مقالته «نظرة في النظرات»، ثم توالت مقالات لكتاب على سبيل التقريض أو التعريف مثل محمود كامل (1918)، ومحمود تيمور (اعتباراً من عام 1920)، وعيسى عبيد (اعتباراً من عام 1922)، وحسين فوزي وعباس محمود العقاد (اعتباراً من عام 1925)، وإبراهيم المصري (اعتباراً من عام 1926)، ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى (اعتباراً من عام 1929). غير أن كتب نقد الرواية تأخر ظهورها مثل تطوره، فقد رصد الهواري نماذج من النصوص النقدية حول نظرية الرواية في وحدات ثلاث هي المهمة والطبيعة والنقد التطبيقي، وهي رحلة طويلة حتى بلغ نقد الرواية أشده وقوي ساعده. وقد كانت كلمات الهواري دالة على التطور البطيء لنقد القصة والرواية:
«وما أحوج التنظير النقدي أن يتسلح بالروح العلمية الهادئة في معالجة قضايا نظرية الرواية من حيث مهمتها (الوجه الاجتماعي) وطبيعتها (الوجه الفني). وقد اتخذت من تاريخ ظهور العمل الروائي نواة تدور حولها الرؤى النقدية المتعاقبة، مما يتيح أمام القارئ أن ينظر من خلال الثابت (العمل الروائي) إلى المتغير (النظرة النقدية) بما يشي بالمنحى التاريخي للفكر النقدي»([27]).
هذه هي بدايات النقد القصصي والروائي، ومنها انطلقت الجهود النقدية الواسعة تالياً.
1-2 المرحلة الثانية (1945-1970):
تطورت الكتابة القصصية والروائية في هذه المرحلة، باتجاه تأصيل جنس أدبي هو القصة، كما عبر عن ذلك ناقد معتبر هو شكري محمد عياد (مصر) في كتابه «القصة القصيرة في مصر ـ دراسة في تأصيل جنس أدبي» (1969)، وباتجاه تحول الرواية إلى جنس أدبي مكتمل صارفي نهايات القرن إلى الجنس الأدبي الأول والأهم، والمتوج، بعد ذلك، بفوز نجيب محفوظ جائزة نوبل للآداب عام 1988، وهو اعتراف بقيمة الرواية العربية ورسوخها واندراجها في تقاليد السرد العربي. ويمكننا أن نحدد ملامح نقد القصة والرواية في هذه المرحلة فيما يلي:
1-2-1- التعريف بنشأة القصة والرواية:
مضى النقد إلى التعريف بنشأة القصة أولاً وبالرواية ثانياً وإثبات تاريخيتها، وتحديد نشأتها وخصائصها في كل قطر عربي، كما هو الحال في مؤلفات شاكر مصطفى «محاضرات في القصة في سورية حتى الحرب العالمية الثانية» (1957-1958)، ومحمد يوسف نجم «القصة في الأدب العربي الحديث ـ في لبنان حتى الحرب العظمى» (1952)، ويحيى حقي «فجر القصة المصرية» (1966)، وعباس خضر «القصة القصيرة في مصر منذ نشأتها حتى عام 1930» (1966)، وعبد الله ركيبي «القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر» (1969)، ومحمد زغلول سلام «القصة في الأدب السوداني الحديث» (1970).. الخ.
كان كتاب محمد يوسف نجم (فلسطين) الأسبق في التأليف التعريفي النقدي، ولذلك حمل مواصفات الدراسات الأولى، مما اضطره إلى إجراء تعديلات كبيرة عليه بنفسه في طبعته الثالثة عام 1966، من الحذف إلى الإيجاز إلى أنها لا تمثله اليوم «وإن كنت راضياً كل الرضى عن أكثر ما جاء فيها، وعن الجهد الذي بذلته في إعداد مادتها وتيسيرها للقراء والباحثين»([28]).
واكتفي بذكر بعض الملاحظات التي ما تزال راهنة:
أ- قلق التعليل في تفسير نشأة القصة العربية الحديثة، فهو يرى ظهورها من مدرسة «المقامات» التي تطورت إلى المقالة القصصية، كما في أعمال الشدياق، ثم يجد القصة التاريخية امتداداً للغرب، وليس لعنترة والهلالية، ويعتقد أن النهضة الحقيقية للقصة الغربية في القرن التاسع عشر، وهذا ما جعل طانيوس عبده وأمثاله من أكبر المترجمين، ويتبدى هذا القلق في حكمه على القصص الاجتماعية على سبيل المثال:
«وعيبه الثاني (يقصد قصص سليم البستاني الاجتماعية)، ولعل مرده روح العصر أيضاً، وطبيعة الأدب الذي كان شائعاً في أوروبا والشرق آنذاك، هو خضوعه التام للقيم الرومنطيقية الفنية التي طبعت الأدب بهذه المبالغات التي لم نعد نقرها اليوم، بعد أن نما ذوقنا الأدبي وتهذب بفعل التطور الزمني واختلاف التقاليد والقيم الأدبية. إلا أن تلك القيم كان من الممكن أن تنتج أدباً رائعاً، كما حدث في أوروبا عندما تناولها أدباء عظام مثل هيجو وسكوت»([29]).
ب- يعتمد نجم على التلخيص وإبداء الرأي ومراعاة المستوى الفني في حينه، واقتطف مثالاً من حديثه عن زينب فواز العاملية (1860-1914):
«أما أسلوبها فهو خليط من النثر البسيط والنثر المسجع، وهي تستعين بالسجع، وهو شعر النثر، في تصوير العواطف المتأججة أو الحوادث المثيرة. وتكثر من التمثيل بالأشعار، على طريقة الرومنطيقيين الذين نشأ في ظلهم سليم البستاني، ونشأت هي في ظله. وأسلوبها يشبه أسلوبه من حيث الركاكة وضعف التركيب وانعدام الشاعرية وضآلة الأوصاف الجميلة الملهمة. وهي تمتاز عنه بقلة الحشو والاستطراد والتخلخل»([30]).
ومن الواضح، أن أدوات نجم النقدية أدخل في النقد اللغوي منه إلى معاينة الفن القصصي.
جـ- ارتباك نجم في استخدام المصطلح، ونلمس الحيرة بين التأثير الأجنبي ومقايسة الموروث، ففي حديثه عن جبران خليل جبران، يذكر أنه حاول أن يكتب «رواية»، ويشرح في هامش أنه «يعني بها قصة Novel ويعني بالقصة، أقصوصة Short Story»([31]).
وتكاد تكون مثل هذه الملاحظات ملازمة لنقد القصة والرواية في هذه المرحلة، وأولها الإلحاح على تعبير القصة الفنية، والقصة «غير الفنية» للكتابات القصصية التي لا تحوز على مستوى جيد، وثانيها الإلحاح على معالجة المضمون بالدرجة الأولى، وثالثها الحيرة الناجمة، بتأثير الملاحظتين السابقتين، من التقليد الموروث أو التقليد الغربي في فهم القصة، وهذا جلي في كتاب عباس خضر (مصر) «القصة القصيرة في مصر منذ نشأتها حتى سنة 1930» (1966)، وقد صرح في مقدمة كتابه أنه سعى إلى تبيين «القصة من اللا قصة: القصة الفنية الحديثة من غيرها. وقد وجدتني في بحر متلاطم الأمواج من القصص التي كانت تكتب بدوافع ولأغراض مختلفة: بعضها لكسب الرزق، وبعضها خلقي يتخذ وسيلة الحكي للجذب والتشويق، وبعضها للعرض الأسلوبي وإظهار المقدرة التعبيرية، وأقومها ما صدر عن إيديولوجيا إصلاحية، وكانت جميعها تتجه إلى الفن الغربي تحاول احتذاءه، وإن كان الكثير منها يقف على أرض التراث العربي القصصي، وخاصة فنّ المقامة»([32]).
وعندما رصد تطورات القصة والرواية في مصر صنفها وفق هذه الملاحظات: المحاولات الأولى، القصة القصيرة الفنية المتكاملة، وفيها التفريعات الأصغر: القصة القصيرة الحديثة، القصة العربية الحديثة ولماذا تأخر صدورها، الثورة الفكرية العامة والمدرسة الحديثة، الثورة الأدبية، الثورة الاجتماعية، نشوء القصة القصيرة، الرواد، رواد آخرون. ويتضح هذا النظر النقدي المقلقل في نتائج المحاولات الأولى، كمثل هذه النتيجة:
«أما الأمر الثاني فهو انشغال كتاب القصة بالتعبير عن المجتمع واهتماماته، باستثناء قليل من قصص التسلية، وقد امتد هذا الانشغال إلى ما جدّ بعد هذه المحاولات من قصص فنية متكاملة، وبهذا لم يرج عندنا مذهب «الفن للفن» في معظم ما كتب من قصص»([33]).
وحملت الدراسات اللاحقة تطوراً باتجاه النقد القصصي والروائي في مصطلحه ولغته ومنهجه، كما هو الحال مع دراستي عبد الله خليفة ركيبي (الجزائر) ومحمد زغلول سلام (مصر). فقد اهتدى ركيبي إلى مصطلحات نقدية تقارب هذا البزوغ القصصي الجديد في عصر النهضة مستفيداً من الموروث ومن الصحافة ومن التأثير الأجنبي، فصنف الكتابات القصصية إلى البدايات حيث النشأة والمؤثرات والمقال القصصي والصورة القصصية والقصة الفنية. وعلل المقال القصصي بأنه «الشكل البدائي الأول الذي بدأت به القصة الجزائرية القصيرة. وقد تطور المقال القصصي عن المقال الأدبي، بل تطور عن المقال الإصلاحي بالدرجة الأولى، ذلك أن الوظيفة التي وجد من أجلها المقال القصصي هي الوظيفة التي قام بها المقال الأدبي والمقال الديني الإصلاحي. وارتباط الحياة الأدبية بالحركة الإصلاحية هو الذي جعل المقال القصصي يسير في خطها. فلم يكن الدافع إلى كتابته دافعاً فنياً أدبياً بقدر ما كان الدافع خدمة الفكرة والدعوة الإصلاحية أو «التبشير» على حد اصطلاح محمد السعيد الزاهري» ([34]).
أما الصورة القصصية فقد قامت «بدور واضح لملء الفراغ الذي أحس به الأدباء والكتاب لانعدام هذا اللون من الأدب. ولكن دورها الأساسي كان معالجة موضوعات قد تبدو الآن جاهزة وعادية، ولكن في تلك الظروف التي مرّ بها الشعب كانت موضوعات الساعة التي شغلت أذهان الناس فسجلتها الصورة القصصية كنقد للواقع ومعالجة له، وإن لم تعتمد على المعالجة الفنية التي تتطلبها القصة القصيرة. وعلى كل فإنها شكل من أشكالها، وإن تكن شكلاً لم ينضج بعد»([35]).
وعلى هذا النحو، سار النقد القصصي والروائي في مسار إجراءاته وأدواته ومنهجه شيئاً فشيئاً، أي افتراقه عن النقد اللغوي والأسلوبي السائد آنذاك. لقد بدأ النقد القصصي والروائي يستقيم في دروبه، ومن مظاهر هذه الاستقامة ما كتبه محمد زغلول سلام إلى حد ما، إذ عني بأطوار القصة السودانية في مقاربة لموضوعاتها وتطور أشكالها، وجهد لإبداء الرأي فيها دون تعسف ظاهر، كما في هذا الشاهد:
«وتصيب القاص في هذه المرحلة بعض آفات الكتابة القصصية، مثل المبالغة في التصوير، والميل إلى التهويل في العبارة، واستخدام القوالب الإنشائية الجوفاء أو محاولة القاص الظهور والكشف عن نفسه بين السطور ليسوق الموعظة أو ليلقي بالنصح، ويستخرج العبرة، كما يسوؤها سرد الأحداث وإخضاعها للمصادفات أو تدخل الأقدار، وافتعال المواقف المأسوية العنيفة»([36]).
ولعل سلام من أوائل النقاد الذين عمدوا إلى التحليل الفني لقصص بعينها في دراساتهم عناية بالشكل والموضوع والوصف والحوار وبعض التقانات الفنية مثل المفارقة والسخرية واللون المحلي. ولعله أيضاً من أوائل النقاد الذين حللوا أدب الطيب صالح، فضّم كتابه تحليلاً فنياً لكتابه القصصي «عرس الزين» (1967) الذي ضم الرواية أو القصة المتوسطة التي تحمل اسم الكتاب، بالإضافة إلى مجموعة قصص، حملت في الطبقة الثانية للكتاب اسم «دومة ود حامد» (1972) بمعزل عن الرواية المذكورة التي صارت تطبع وحدها. ويلفت النظر تدقيقه للمصطلح حين حديثه عن «عرس الزين»، فهي قصة، برأيه، وليست أقصوصة ولا رواية([37]). ونلمس مثل هذا التدقيق في مناقشته لرواية «النبع المر» (1967) لأبي بكر خالد، في حديثه عن واقعيتها، أو روايتها بضمير المتكلم، أو إيقاعها البطيء، وحوارها المتنوع.
1-2-2- محاولات شاملة لرؤية تطور القصة والرواية:
ثم شرع النقاد في تقديم نظراتهم الشاملة لنشأة القصة العربية وتطورها وقالبها، وظهر هذا جلياً في كتاب عبد العزيز عبد المجيد (مصر) المكتوب بالإنكليزية، وعنوانه «الأقصوصة في الأدب العربي الحديث: نشأتها، وتطورها، وقالبها» (1958)«The Modern Arabic Short Story»، وقد وضع له عنواناً ثانياً هو: «تطور شكلها وتحولاتها Its Emergence Development and Form»، وقد رأى ثلاث مراحل لتطور القصة هي:
المرحلة الأولى ـ البدائية The Embryonic Stage.
المرحلة الثانية ـ التجربة The Trial Stage.
المرحلة الثالثة ـ التشكيل وهي الحاضرة The Formative Stage.
وربما كانت المرة الأولى التي يمحص فيها ناقد عربي مصطلحات القص الموروثة: قصة Qissa، سيرة Sira، حديث Hadith، حكاية Hikaya، السمر Samar، خرافة Khurafa، أسطورة Ustura، رواية Riwaya، نادرة Nadira، خبر Khabar، مثل Matbal، مقامة Magama ([38]). ومما يجدر أن كتابة هذه المصطلحات بحروف لاتينية من وضعه، وهذا أول اعتراف بخصوصية مصطلحات القصة العربية، لا إملاء مصطلحات أجنبية عليها.
ولكتاب عبد المجيد أهمية خاصة، كونه يحوي ببليوغرافيا للكتب التي تناولت القصة والرواية حتى وقته، بالإضافة إلى الروايات والمجموعات القصصية، كما ضم الكتاب مختارات قصصية لعدد غير قليل من القصاصين من سليم البستاني ولبيبة هاشم إلى عبد الملك نوري وفكتوريا نجيب.
1-2-3- بواكير محاولات وعي الكتاب لفنهم القصصي والروائي:
انخرط كتاب القصة أنفسهم في الكتابة عن تجاربهم أو في الكتابة النقدية، مثل كتاب محمود تيمور «دراسات في القصة والمسرح ـ فن القصص» (1964)، وكتاب عبد الحميد جودة السحار «القصة من خلال تجاربي الذاتية» (1966) وعبد السلام العجيلي «أشياء شخصية» (1968)، ويوسف الشاروني «دراسات في الرواية والقصة القصيرة» (1967).
وتفصح أمثال هذه الكتابات عن وعي القصاصين والروائيين لتجاربهم الأدبية والفنية، وتتداخل فيها المقالة النقدية والبحث الأدبي ومفهوم الشهادة والسيرة الشخصية، على تباين بين الكتاب أنفسهم.
ونستعرض نموذجاً ما ورد في كتاب السحار، فقد كتب عن أول عهده بالقصص وقصته الأولى، ونظر إلى الكاتب بوصفه ناقداً نفسه، فتناول الفكرة، والأسلوب، والحوار، والعامية والفصحى، وحبكة القصة، وطريقة عرض الحوادث (الترجمة الذاتية، وطريقة السرد المباشر، وطريقة الرسائل المتبادلة أو الوثائق، والمونولوغ الداخلي أو تيار الوعي)، والتفرقة بين القصة والموضوع، والواقعية والقصة، وخلق جو القصة، ,القصة التاريخية، والشخصيات الحية، والصراع والشخصية، مصدر الإلهام، والاقتباس من أكثر من شخصية حية، وخلق شخصيات من الخيال، وتقديم الشخصيات، الموقف من الشخصيات، تمرد الشخصيات، القصة والتحليل النفسي، القصة والجنس، القصة والرمز. الفكاهة والحزن، والنقد.

[1]. واثيونغو، نغوجي: «تصفية استعمار العقل» (ترجمة سعدي يوسف)- مؤسسة الأبحاث العربية- بيروت 1987.

[2]. طرابيشي، جورج: «المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي». رياض الريس للكتب والنشر - لندن - بيروت - 1990.

[3].برادبري (مالكوم) وجيمس ماكفارين: «الحداثة» (ترجمة مؤيد حسن فوزي)- دار المأمون للترجمة والنشر 1989.
وقد ظهر الكتاب بالإنجليزية لأول مرة عام 1976، وترجم بعد ذلك إلى العربية أكثر من مرة، آخرها الترجمة التي ظهرت عن وزارة الثقافة بدمشق عام 1998.

[4]. انظر مقدمة ابراهيم الخطيب لترجمته لنصوص الشكلانيين الروس في كتاب:
- «نظرية المنهج الشكلي - نصوص الشكلانيين الروس» - الشركة المغربية للناشرين المتحدين - الرباط ومؤسسة الأبحاث العربية - بيروت 1982 ص ص9-13 .

[5]. ظهر الكتاب بالإنجليزية لأول مرة عام 1927، وترجم إلى العربية أكثر من مرة، كان آخرها ترجمة موسى عاصي عام 1993 عن دار جروس بطرابلس- لبنان.

[6]. ابراهيم، عبدالله: «المتخيل السردي: مقاربات نقدية في التناص والرؤى والدلالة»- المركز الثقافي العربي- بيروت- الدار البيضاء 1990.

[7]. لحمداني، حميد: «النقد الروائي والأيديولوجيا من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي»- دار الثقافة- الدار البيضاء 1990.

[8]. لحمداني، حميد: «بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي»- المركز الثقافي العربي- بيروت- الدار البيضاء 1991 - ط2.

[9]. سويرتي، محمد: «النقد البنيوي والنص الروائي- نماذج تحليلية من النقد العربي- المنهج البنيوي- البنية- الشخصية» (جـ1)- أفريقيا الشرق- الدار البيضاء 1991.

[10]. سويرتي، محمد: «النقد البنيوي والنص الروائي- نماذج تحليلية من النقد العربي-الزمن- الفضاء- السرد» (جـ2)- أفريقيا الشرق- الدار البيضاء 1991.

[11]. المصدر نفسه - ص 129.

[12]. الكردي، عبد الرحيم: «السرد في الرواية المعاصرة: الرجل الذي فقد ظله نموذجاً» - دار الثقافة للطباعة- القاهرة 1992.

[13]. أبو أحمد، حامد: «نقد الحداثة» سلسلة كتاب الرياض- مؤسسة اليمامة الصحفية- الرياض 1994. ص58.

[14]. المصدر نفسه ص63.

[15]. المصدر نفسه ص65.

[16]. مارتن، والاس: «نظريات السرد الحديثة» (ترجمة حياة جاسم محمد) المجلس الأعلى للثقافة- القاهرة - 1998- ص11.

[17]. الأمين، عز الدين: «نشأة النقد الأدبي الحديث في مصر» ـ دار المعارف بمصر ـ القاهرة ـ ط2 ـ 1970 ـ ص122.

[18]. الدسوقي، عبد العزيز: «تطور النقد العربي الحديث في مصر» ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 1977 ـ ص ص 194-195.

[19]. المصدر نفسه ص492.

[20]. الأشتر، عبد الكريم: «معالم في النقد العربي الحديث: الديوان ـ الغربال ـ الميزان» ـ منشورات دار الشرق ـ بيروت 1974 ص ص 88-89.

[21]. الفيصل، سمر روحي: «النقد الأدبي الحديث في سورية 1918-1945» ـ دار الأهالي ـ دمشق 1988 ص124.

[22]. سليمان، نبيل: «النقد الأدبي في سورية/ الجزء الأول» ـ دار الفارابي ـ بيروت 1980 ص49.

[23]. أبو هيف، عبد الله: «الأدب والتغير الاجتماعي في سورية» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1990 ص140.

[24]. المصدر نفسه ـ ص151.

[25]. طنكول، عبد الرحمان: «الأدب المغربي الحديث ـ ببليوغرافيا شاملة» ـ منشورات الجامعة ـ الدار البيضاء 1984 ـ ص5-6.

[26]. ياغي، هاشم: «النقد الأدبي الحديث في لبنان» ـ دار المعارف بمصر ـ القاهرة ـ 1968 الجزء الثاني ص ص 144-150.

[27]. الهواري، أحمد إبراهيم: «مصادر نقد الرواية في الأدب العربي الحديث» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ 1979 ص10.

[28]. نجم، محمد يوسف: «القصة في الأدب العربي الحديث، في لبنان حتى الحرب العظمى» ـ دار مصر للطباعة ـ القاهرة 1952 ص6.

[29]. المصدر نفسه ص77.

[30]. المصدر نفسه ص137.

[31]. المصدر نفسه ص148.

[32]. خضر، عباس: «القصة القصيرة في مصر منذ نشأتها حتى سنة 1930» ـ الدار القومية للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة 1966 ص5.

[33]. المصدر نفسه ص69.

[34]. ركيبي، عبد الله خليفة: «القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر» ـ دار الكاتب العربي ـ القاهرة 1969 ـ ص53.

[35]. المصدر نفسه ص139.

[36]. سلام، محمد زغلول: «القصة في الأدب السوداني الحديث» ـ معهد البحوث والدراسات العربية ـ القاهرة 1970 ـ ص80.

[37]. المصدر نفسه ص115.

[38]. عبد المجيد، عبد العزيز:
Abdel Al-Mageed, Abdel Aziz “The modern Arabic short story” Dar Al-Maaref. Gairo 1958. ص ص 11-27.
المصدر: شذرات عربية


hgkr] hgH]fd hguvfd hg[]d] td hgrwm ,hgv,hdm ,hgsv]





Eng.Jordan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #2

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 14,121

   11-26-2012

 08:32 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

إن فكرة السحار عن القصة (بوصفها تشمل أنواع النثر القصصي كله) هي السائدة في فهم القصاصين والروائيين في تلك الفترة، وهي فكرة تنهل من المعين التقليدي لفكرة القصة كما تلقاها هؤلاء الكتاب عن الغرب بالدرجة الأولى.
1-2-4- التعريف بفن القصة:
بادر الباحثون والنقاد إلى التعريف بفن القصة وطبيعتها وسماتها الأسلوبية وعناصرها الفنية، وهذا واضح في كتب رشاد رشدي «في القصة القصيرة» (1959)، ومحمد يوسف نجم «فن القصة» (1959)، وشاكر النابلسي «تشيكوف والقصة القصيرة» (1963)، وحسين القباني «فن القصة» (1965).
وقد استمد هؤلاء النقاد هذا التعريف من التقليد الغربي لفهم القصة التي غدت راسخة بتقاليدها ومعاييرها وعناصرها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ومنها صاغ هؤلاء النقاد رؤاهم.
أشاع رشاد رشدي فهمه للقصة القصيرة المأخوذ عن الغرب في مطلع كتابه، على أن «القصة القصيرة ليست مجرد قصة تقع في صفحات قلائل، بل هي لون من ألوان الأدب الحديث ظهر في آواخر القرن التاسع عشر، وله خصائص ومميزات شكلية معينة»([1]). ثم بنى كتابه على تطبيقات نقدية لقصص غربية، باستثناء إشارة سريعة لقصة «لقيطة» (1952) لمحمد عبد الحليم عبد الله، قاصداً إلى شرح بناء القصة ونسيجها ووحدة البناء والنسيج.
وسار على منواله غالبية النقاد والباحثين الذين عنوا بتعريف فنها مثل شاكر النابلسي في كتابه: «تشيكوف والقصة القصيرة_» على أنه مثال يحتذى، ولا غضاضة في ذلك، وذكر بعض الكتاب العرب الشبان الجادين الذين كانوا أوفياء واعين لفنّه أمثال يوسف إدريس ومحمد أبو المعاطي أبو النجا. وكان النابلسي جزم أن الدراسة الوحيدة لفن القصة القصيرة عامة في المكتبة العربية هي كتاب رشاد رشدي([2]).
1-2-5- انطلاقة الدراسات الواقعية:
انطلقت الدراسات الواقعية للقصة والرواية في هذه الفترة، ولا سيما جوانبها المضمونية الأبسط والعقائدية الأكثر تشابكاً وتعقيداً، وقد كرست هذه الدراسات مع كتاب محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس «في الثقافة المصرية» (1955)، وكتاب حسين مروة «دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي» (1965).
2- مدخل لفهم نقد القصة والرواية في المرحلة المدروسة:
بدأت الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية بالتكون في مطلع السبعينيات، وحملت معها بذور الصراع مع اعتمال النقد بهويته وتعرفه إلى مقوماته التراثية. فنشط النقد، وتوسعت فعاليته في حياة منتجيه وحياة الجمهرة العريضة من الكتاب والقراء. وامتد إلى الساحات الأكاديمية والعلمية والاتصالية، وانتظم في صفوفه عشرات النقاد في غالبية الأقطار العربية، وانتشر تعليم اللغات الأجنبية وارتفعت أعداد الموفدين إلى جامعات ومعاهد أجنبية لدراسة الأدب والنقد، وتضاعفت أعداد المستعربين والمستشرقين المقبلين على دراسة الثقافة العربية وأدبها ونقدها، وقويت حركة التنظيمات الأدبية في الوطن العربي، باتحاداتها وروابطها وجمعياتها ولجانها ومؤتمراتها وأنشطتها الدورية على نطاق قومي عربي أو قطري، وحظيت القصة والرواية ونقدهما بعناية يعضدها تقدم هذين الجنسين الأدبيين على بقية الأجناس الأدبية، القصة منذ الخمسينيات، وتبوأت الرواية المكانة الأولى بوصفها ديوان العصر وموئل التبدلات الاجتماعية والحضارية، والأكثر تعبيراً عن الذات القومية والمصير الإنساني.
وأشير في هذا المدخل بإيجاز إلى ملامح نقد القصة والرواية في هذه المرحلة المدروسة، تمهيداً لمعرفة منزلة الاتجاهات الجديدة:
2-1- استمرار التأليف في نشأة القصة والرواية وتاريخها:
شغل الباحثون والنقاد بدراسة نشأة القصة والرواية وتاريخهما وتطورهما في أقطارهم، واهتموا بالجانب الفني أكثر مما كان في المرحلة السابقة بقليل أو كثير حسب الباحث أو الناقد، فظهرت عشرات الكتب مثل: «القصة التونسية: نشأتها وروادها» (1975) لمحمد صالح الجابري (تونس)، و«تطور النثر الجزائري الحديث» (1978) لعبد الله ركيبي (الجزائر)، و«القصة الجزائرية المعاصرة» (1986) لعبدالمالك مرتاض (الجزائر- يكتب مرتاض اسمه عبدالملك على كتاب، وعبدالمالك على كتاب آخر)، و«فن القصة القصيرة بالمغرب في النشأة والتطور والاتجاهات» (1980) لأحمد المديني (المغرب)، و«خلفيات التكوين القصصي في ليبيا ـ دراسة ونصوص» (1984) لبشير الهاشمي (ليبيا)، و«فن القصة في الأدب السعودي الحديث» (1983) لمنصور إبراهيم الحازمي (السعودية)، و«البناء الفني في القصة السعودية المعاصرة ـ دراسة نقدية تحليلية» (1983) لمحمد نصر عباس (مصر)، و«الرواية السورية» (1984) لفيصل سماق (سورية)، و«القصة القصيرة في الخليج العربي ـ الكويت والبحرين ـ دراسة نقدية تحليلية» (1981) لإبراهيم عبد الله غلوم (البحرين)، و«الأدب القصصي في العراق، منذ الحرب العالمية الثانية» (1977 جزءان) لعبد الإله أحمد (العراق)، و«القصة اليمنية المعاصرة 1939-1976» (1977) لعبد الحميد إبراهيم (مصر)، و«دراسات في القصة والرواية الأردنية» (1985) لسليمان الأزرعي (الأردن)، وغيرها. واختار بعض النماذج المتباينة للتعرف إلى هذا التأليف في هذه المرحلة، فبعد أن خص ركيبي القصة بكتاب كامل (1968)، عاد إلى درس «الحداثة» (يقصد الجديد) في النثر الجزائري الحديث، وهذا واضح في مقدمته، «فالحداثة التي نقصدها في النثر تعني أن هناك جديداً في الموضوعات وفي الأساليب والأشكال الأدبية، أو بتعبير آخر تعني الجديد في الصياغة والشكل، والواقع أن التجديد الذي نعنيه هو أن هناك تغييراً حدث في لغة النثر وطريقة التعبير فيه منذ عام 1930، ذلك أن أسلوب النثر في الفترة السابقة على هذا التاريخ هو أسلوب تقليدي، بل أسلوب ضعيف فيه تكلف وتحمل، يكثر فيه السجع والصور الجامدة المخطوطة والروح الفقهية والصياغة الركيكة فيما عدا النادر والقليل» ([3]).
واستعان ركيبي لدراسته بمنهج النقد التحليلي وبالتاريخ إلى حد ما، حسب تعبيره، وعرض للأشكال النثرية التقليدية، وهي: الخطب والرسائل وأدب الرحلات والمقامات والمناظرات والقصة الشعبية، وللأشكال النثرية الجديدة، وهي: المقال الأدبي والقصة القصيرة والرواية العربية والمسرحية والنقد الأدبي. ويحفل هذا الكتاب بتعليلات الناقد ركيبي لعوامل نشأة هذه الفنون وتطورها من وثائقها ومخطوطاتها ومتونها، وعن ظهور الرواية، يرى أنها ظهرت متأخرة في السبعينيات، بالرغم من أن هناك بذوراً بذرت «بعد الحرب العالمية الثانية يمكن أن نلحظ فيها بدايات ساذجة للرواية العربية الجزائرية سواء في موضوعاتها أو في أسلوبها وبنائها الفني، فهناك قصة مطولة بعض الشيء كتبها أحمد رضا حوحو واسمها «غادة أم القرى»، وتعالج وضع المرأة، ولكن في البيئة الحجازية، ثم هناك قصة كتبها عبد المجيد الشافعي، وأطلق عليها عنوان «الطالب المنكوب»، وهي قصة مطولة أيضاً، رومانسية في أسلوبها وموضوعها فهي تتحدث عن طالب جزائري عاش في تونس في أواخر الأربعينيات، أحب فتاة تونسية، وسيطر عليه حبها حتى إنه كان يغمى عليه من شدة الحب، ومضمونها ساذج مثل طريقة التعبير فيها»([4]).
وازدادت العناية بالشكل الفني في غالبية المؤلفات التالية، لذلك عمد النقاد والباحثون إلى تصدير مؤلفاتهم بكلمة تشير إلى ذلك، مثل «فن القصة»، أو وضع عنوان فرعي يشير إلى أنها «دراسة نقدية تحليلية». وينتمي إلى هذه النماذج النقدية عمل الحازمي والمديني وغلوم، فقد تقصى الحازمي معالم التجديد بين الحربين العالميتين في الأدب السعودي الحديث، ولا سيما الرواية والقصة القصيرة، وعاين ملامح تطور الرواية، وأبدى وجهة نظر خاصة حول التفاعل الحضاري والثقافي بالنسبة إلى المؤثرات الأجنبية وطوابع البيئة المحلية.
و«تطبيقاً لهذا القانون، يقصد محاكاة أو تقليد المغلوب للغالب، مما وضعه ابن خلدون، فإننا نرى أن العالم العربي لا يزال منذ يقظته في أوائل القرن الماضي يستورد من مواطن القوة في العالم الغربي العديد من الأفكار والقوالب والاتجاهات. وهذا هو شأن كافة الشعوب النامية التي تستورد الأشكال والفنون، كما تستورد السلع والتكنولوجيا. وإذا كانت مصر ولبنان قد تفوقتا في القصة والرواية والمسرحية فما ذلك إلا لأن اتصالهما بمواطن هذه الفنون الغربية المستحدثة كان أسبق من اتصال بقية الشعوب العربية الأخرى. ومن المعروف أن اتصال أدبائنا بالحضارة الغربية قد جاء متأخراً، ولم يكن في معظمه اتصالاً مباشراً، بل عن طريق الوسيط اللبناني أو المصري أو المهجري» ([5]).
وصنف الرواية إلى تعليمية إصلاحية ورواية تاريخية ورواية مغامرات ورواية فنية، أما مصطلح «الفنية» فقد استخدمه للتمييز بين الرواية الفنية والأنواع الأخرى، والرواية الفنية. بهذا المفهوم([6]) ينبغي أن تكون نسيجاً محكماً لا ينفصل فيه الفعل عن الشخصية الفاعلة، ومن أهم سماتها تماسك البناء وتوافر الصراع، وتقيدها بقانون السببية وتطوير الشخصية، واكتفاؤها بمعالجة قطاع معين من المجتمع أو قضية محددة من القضايا الإنسانية»([7]). وبالنظر إلى «الفنية» إياها، ذهب أحمد المديني إلى القول «بأن المحاولات الأولى في انتهاج الكتابة القصصية القصيرة انطلقت بين أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات، وبأن هذه الفترة هي التي تشهد ميلاد مرحلة التأسيس»([8]). ويؤكد المديني أن نهاية الستينيات هي المرحلة التي قطعت فيها القصة القصيرة «شوطاً برزت فيه خطوطها، وتحددت فيه مياسمها، فتكامل معمارها، واستقام هيكلها الفني»([9]).
ثم سار المديني في مسار ركيبي في دراسته للقصة الجزائرية، فأوضح أسباب تأخر ظهور الفن القصصي بالمغرب، والعوامل التي أدت إلى النشأة، والمقامة، ومنزلتها من نشأة الأقصوصة وتطورها، والمقالة القصصية الرومانسية والاجتماعية والصورة القصصية التاريخية والاجتماعية والنضالية، والتداخل بين الصورة والأقصوصة الفنية وخطوات التطور القصصي وأسبابه، وهذا كله بمرتبة تمهيد لدرس الاتجاهات: الاجتماعي، الواقعي النقدي، الواقعية الجديدة، وختم مجلده الكبير بفصل عن البطل في القصة القصيرة.
ويلاحظ عند المديني احتذاء المصطلح النقدي الغربي في رسم الاتجاهات وتحديد طوابعها الفنية إلى حدود الابتسار والتضييق، كما هو الحال مع مصطلح الواقعية الجديدة دون أن يوضح مفهومه، وعندما تحدث عن محمد زفزاف صنف كتابته ضمن الاتجاه الواقعي النقدي، ثم ما لبث أن صنفها في الواقعية الجديدة، ونلاحظ التضييق في استخدام المصطلح في محاولة استيعاب تطور أدواته الفنية: «ولذلك فنحن نعتبر كل قصة كتبت في الطور الثاني من عمر القصة المغربية محاولة لاستكمال النقص وإشادة البنيان ورأب ما حدث من صدع أو شروخ في الطور الأول، كل قصة نعتبرها مساهمة في رفع خطى هذا الجنس الأدبي نحو الطريق الفني السليم والصحيح، الخالي من التردد والهنات والعثرات، وفوق ذلك كله، وكمنشد أساس تجاوز المرحلة تقويم الأعوجاج وربط المتمزق في البناء والرؤية إلى خلق البديل واقتراح الجديد وصوغ الإبداع القصصي ذي النظرة الجديدة التي تساوق التطور الذي يعرفه الفرد والتبدل الذي يجنح نحوه المجتمع»([10]).
ولا يخفى ما تعانيه لغته النقدية في اندراجها في لغة النقد الأدبي، وهي سمة تلازم غالبية النقد المكتوب بتأثير هوس التأريخ والأيديولوجية. غير أن نقاداً آخرين مثل إبراهيم عبد الله غلوم تخففوا إلى حد كبير من هذا الهوس باتجاه نقد قصصي وروائي أمين للغته ومصطلحه ونهاجياته، فقد كتب غلوم مجلداً ضخماً يقع في (736) صفحة من القطع الكبير عن نشأة القصة في الكويت والبحرين نموذجاً لمنطقة الخليج العربي، فعالج أثر التغير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وأثر البيئة الثقافية العامة والصحافة المحلية، تمهيداً لبحث القصة الاجتماعية ومعالجاتها الإصلاحية والتعليمية، والرومانسية وصورها الشديدة الخيبة، وبوادر القصة الواقعية. ثم رأى تطور القصة في استمرار الرومانسية مع قلق التغير في المجتمع أولاً، والتعايش بين الرومانسية والواقعية وتطور الموقف والشكل في القصة ثانياً، والواقعية الفنية وتنويعات النزعة التحليلية ثالثاً، والواقعية الفنية بين نقد الواقع والرغبة في تغييره رابعاً، ونحو تجربة واقعية جديدة للقصة خامساً.
وتتميز لغة غلوم بابتعادها عن النزوع الأيديولوجي، وبمقاربتها الأكثر للنقد القصصي، فلا قسر على تطبيق المفاهيم أو المذاهب على تجربة قصصية لها خصائصها، ما دام لا مفر من المقايسة النقدية في ظل «المثاقفة»، كما في هذا المثال: «وتكشف دراستنا للقصة القصيرة في الفترة الثانية أن تطور هذا الفن شكلاً ومضموناً في الكويت والبحرين لم يقترن بشيء قدر اقترانه بظهور القصة الواقعية ووضوح تصوراتها الفكرية والجمالية، فقد ارتبطت هذه الواقعية منذ بوادرها الأولى بتطور حركة القوى الاجتماعية فاستمدت من وضوح الشخصية المحلية ومن رغبتها في إدراك خصائص استقلالها، وتفردها، تنويعات الأسلوب التحليلي الذي رصد لنا تفاصيل نفسية دقيقة تعمل عملها في تكوين الشخصية المحلية في مجتمع الخليج العربي، واستفادت من أجل ذلك بكل ما يعينها على هذا الرصد الداخلي من التحليل النفسي، وأسلوب تيار الوعي، والوسائل التعبيرية، والمزج بين الواقع والرمز، ونحو ذلك»([11]). واهتدى سمر روحي الفيصل (سورية) بأسلوب حسام الخطيب (فلسطين) (سنعرض لأعماله في مكان آخر من بحثنا) الذي وضع كتاباً عن «الرواية السورية في مرحلة النهوض» (1975)، فكان كتاب الفيصل «نهوض الرواية العربية الليبية» (1990) مثالاً آخر على البحث في نشأة الرواية وتطورها في قطر عربي، من خلال الاحتكام إلى القيمة الفكرية والقيمة الفنية التي سادت ساحة النقد القصصي والروائي في الثمانينيات والتسعينيات، أي انتظام نقد القصة والرواية، على تباين في المستوى والمنهج بين ناقد وآخر، في سيرورته الخاصة والمتميزة، فلا جور على الفن، ولا تضييق في استخدام المصطلح، ومقاربة أفضل لطبيعة النقد القصصي والروائي.
2-2- استمرار النقد التعريفي والنظري التقليدي:
لم تتوقف عناية الباحثين والنقاد العرب بالنقد التعريفي والنظري التقليدي بفهم القصة والرواية، فوضع يوسف الشاروني (مصر) كتابه الهام في بابه «القصة القصيرة نظرياً وتطبيقياً» (1974)، وتنبع أهميته من صدوره عن قاص وناقد في الوقت نفسه، يفهم القص ظاهرة ملازمة للإنسان منذ طفولته وطفولة البشرية، ثم تطورت معها وحملت في تطورها خصائص الأمم والشعوب التي أنجبتها، وكان ذلك مدخلاً لأول مقاربة علمية أفادت كثيراً في فهم مغاير للمثاقفة. صحيح إن فاروق خورشيد (مصر) ـ أشار إلى مثل ذلك في سياق بحثه للرواية العربية، ولكن الشاروني جعلها منطلق فهمه الحديث للقصة.
وفي ظل هذا المناخ، شرع النقاد العرب يطرحون أسئلة القصة القصيرة في سياقها الثقافي العربي، وفي علاقتها بالتراث الإنساني والتراكم المعرفي حول نظريتها، ويظهر ذلك جلياً في كتاب الطاهر أحمد مكي «القصة القصيرة: دراسة ومختارات» (1977)، وحاول مؤلفه فيه أن يستعيد شيئاً من تاريخ القصة العربية، وأن يشرح بعض ملامح القصة الجديدة من خلال أعلامها الكبار، وأن يحدد خصائص القصة القصيرة: ماهيتها، بناءها، صلتها بالرواية. على أنّ مكي تجنب الخوض في النظرية، فما سعى إليه هو تقديم نماذج مميزة من القصة الجديدة والجيدة، «ثم أدعه معها، يفهم منها ما يريد، في ضوء إمكاناته الثقافية، وأبعاده المزاجية، وحركة عمره، ولحظة تأمله، ولست أرى للفن تفسيراً واحداً هو الصحيح. إنه متجدد دائماً ومتطوراً أبداً»([12]).
ثم وضعت عزيزة مريدن (سورية) كتابها «القصة والرواية» (1980) الذي يورد فهماً تقليدياً متكاملاً لفن القصة والكتاب، كما صاغها النقد القصصي والروائي حتى حينه.
2-3- ارتفاع نبرة الحديث عن التجربة القصصية والروائية:
نما وعي القاص والروائي العربي بفنه، ولا سيما علاقته بموروثه القصصي والحكائي وعلاقته بالقص الغربي، وعلاقته بالطرائق الفنية وبالتعبير عن الأفكار وشاعت أحاديثهم عن تجاربهم الإبداعية في بحوث ومقالات ومقابلات وشهادات لا تحصى، واكتفي بالتدليل على ذلك، ببعض ما ورد في الكتب بالدرجة الأولى، فوضع صبري حافظ (مصر) كتابه «أتحدث إليكم» (1977)، وهو مجموعة حوارات مع نجيب محفوظ، وكتب يوسف الشاروني ملاحظات على مجموعتيه «العشاق الخمسة» و«رسالة من امرأة» في كتاب «الخوف والشجاعة_ ـ دراسات في قصص يوسف الشاروني» (1971) وجمع عبد السلام العجيلي (سورية) بعض كتاباته عن تجربته القصصية والروائية في كتابه «السيف والتابوت» (1971).
ويعد حنا مينه (سورية) وعبد الرحمن مجيد الربيعي (العراق) وإدوار الخراط (مصر) أكثر القصاصين والروائيين حديثاً عن تجاربهم الإبداعية. إن الروائيين والقصاصين ليسوا بدعاً في ذلك، بل إن عنايتهم بمعاني تجاربهم الإبداعية وشروطها واستحقاقاتها، وبإثارة أسئلتها ومحاولات الإجابة عليها، مما يحمدون عليه. ولا شك، أن الأدب والنقد يتجهان إلى استقلاليتهما نحو التقليل من تبعية النقد للأدب، غير أن النقد في سعيه لاستقلاليته يحتاج إلى بعض البيانات حول النص الأدبي في تاريخه وظروف تشكله، وقد باتت الحاجة إلى ذلك أكثر راهنية واستجابة لمتطلبات إنتاج المبدعات الأدبية مع شيوع النقد النصي وانتشار الاتجاهات النقدية الجديدة التي تعول كثيراً على فهم الظاهرة الأدبية، ولا سيما عمليات إنتاجها ضمن تاريخها وحاضنتها الاجتماعية والفكرية، فليس النص الأدبي نبتاً شيطانياً غريباً عن تاريخه واستحقاقات إنتاجه. إن مثل هذه البيانات أو الشهادات عن تجربة إبداعية ما من شأنها أن تعزز النقد، ومثله الدراسة النصية والنقد النصي.
على الرغم من تواضع حنا مينه المعلن، في حرجه الشديد من الحديث عن تجربته، إذ لم يقتنع «أن ثمة تجربة روائية خاصة بي يمكن أن أتحدث عنها، أو يمكن أن أنّظر للعمل الروائي من خلالها»([13])، فإنه من أكثر الروائيين العرب حديثاً عن تجربته، وتنظيراً لفن الرواية مستعيناً بمعرفته البسيطة والعميقة في آن واحد بالنظرية الواقعية الاشتراكية، كما في حديثه عن عناصرها من خلال تجربته في كتابه «هواجس في التجربة الروائية» (1982)، مثل: البطل الإيجابي، أهمية المعاناة والمعرفة، البراءة والدهشة، الواقعية والمأساة الاجتماعية، صداقة الرجال، الفرح والكفاح والرومانتيكية، محاوراتي مع أبطالي، حلاق وكاتب مسلسلات (الإشارة إلى منبته العمالي الكادح).. الخ.
وأضاف أحاديث أوسع عن تجربته وتنظيره الروائي والفني في كتابه «كيف حملت القلم» (1986) الذي يعد توسيعاً لآرائه في كتابه الآنف الذكر، وعالج فيه الموضوعات التالية: الأديب والمعاناة والموهبة ـ الأديب والشباب والحس التاريخي ـ الأديب والنقد والحس التاريخي ـ الرواية والزمن والحلم والالتزام ـ الرواية والحياة والواقع والانعكاس ـ الرغبة في الكتابة غير الكتابة ذاتها ـ الثقافة أساس السياسة والتراث ثروة قومية ـ غوركي والناس.. الخ.
كشف حنا مينه الكثير من أسرار صنعته الروائية، ولكنه، وهذا هو الغالب على كتابيه، مدافع عنيد عن مذهبه الإيديولوجي، وإن افترقت ممارسته في الكتابة عن حدود هذا المذهب. وقد عضد آراءه بتجارب كتاب آخرين مثل فلوبير وبلزاك وغوركي وسواهم في كتابه الثاني. وجمع محمد دكروب (لبنان) كتاب حنا مينه الثالث في هذا المجال، وهو «حوارات.. وأحاديث في الحياة والكتابة الروائية» (1992)، وحوى الكتاب سبعة وعشرين مقابلة أجراها معه صحفيون ونقاد عرب من أكثر من قطر عربي، أمثال حليم بركات ومحي الدين صبحي، ونصر الدين البحرة وفيصل دراج وأبو المعاطي وأبو النجا وسهيل الخالدي وبدر الدين عرودكي وعبد الرزاق عيد وفايز سارة وعبد الله صخي ونديم جرجورة. ومن المستغرب، أن حنا مينه، ومحمد دكروب محرر الكتاب، أعادا نشر بعض المقابلات مما ورد في كتابه «كيف حملت القلم» مثل مقابلتي بدر الدين عرودكي وعبد الرزاق عيد.
وقد وجد محرر الكتاب الثالث محمد دكروب في حنا مينة ناقداً أدبياً ومنظراً للرواية، على العكس مما يرى حنا مينة في نفسه:
«أما نحن فنزعم أنه في هذه الكتابات إضاءات لامعة في النقد الأدبي، وتنظيرات عفوية رهيفة في فنّ الرواية، وكشوفات في التقنية والأساليب، واستشرافات في الرواية العربية وآفاقها، وفيها أيضاً نقد النقد الأدبي عندنا.. وهذه الرؤى النقدية إنما جاءت استجابة لطروحات وتحديات وتساؤلات جابهها الفنان، وتحدث فيها وحاور وأجاب.. ودائماً من قلب التجربة الروائية نفسها»([14]).
ولا شك في أن شهادة حنا مينة عن فنه الروائي والقصصي الأكثر بلاغة ووعياً فكرياً وجمالياً بفنه بين الروائيين العرب لما حفلت به من تفاصيل حياتية وعناية بالتكون المعرفي والفني، وبالانشغال الفكري والعقائدي، وبفهم المذهب الذي يمضي في إهابه مبدعاً. ويقارب إدوار الخراط حنا مينة في إقباله على النقد والتنظير لتجربته القصصية والروائية، على أن الخراط يجاهر بممارسته للنقد، وله فيه أكثر من كتاب في النقد الأدبي والتشكيلي ومئات الأبحاث والمقالات النقدية، ومنها كتابه «الحساسية الجديدة ـ مقالات في الظاهرة القصصية» (1993) الذي يفسر فيه الملامح التي أفضت إلى الاتجاهات الحداثية، ويناقش تقنيات الحساسية منذ الثلاثينيات إلى اليوم، متوقفاً عند مجلة «جاليري 68» التي أسهمت إسهاماً كثيراً في توجيه الحداثة وما بعد الحداثة في الأدب القصصي في مصر، ومنها انبثقت تيارات الحساسية الجديدة.
وقد رأى الخراط في سياق الحساسية الجديدة تيارات أساسية خمسة هي: تيار التشييء أو التبعيد أو التغريب، والتيار الداخلي أو تيار التورط على الطرف الآخر النقيض من الحياد والتشييء، وتيار استيحاء التراث العربي التقليدي التاريخي أو الشعبي حيث يضفر الكاتب عمله بشرايين الفولكلور، أو يبتعث الحكاية الشعبية، ويمتح، على الحالين، من رصيد غني في الذاكرة الجماعية للناس، والتيار الواقعي السحري أو تيار الفانتازيا والتهاويل، حيث تسقط الحدود بين «ظاهرية» الواقع العيني المرئي المحسوس، وبين شطحات الخيال والاستيهامات المضفورة أحياناً بنسيج الواقع، والتيار الواقعي الجديد، ولا يسميه بذلك إلا افتقاراً منه لتسمية أدق وأوفى، فهو يدرك كم هذه التسمية فضفاضة ومرواغة([15]).
وقد آثرت أن أدمج الحديث عن هذا الكتاب بوعي القصاصين والروائيين، لأن إبداعه القصصي والروائي أدخل في هذه الحساسية الجديدة، ومن علاماتها المميزة، وعرض الخراط نظرته لمفهوم الحساسية الجديدة، وسماها، تجوزاً، منهجاً. ثم عالج نماذج ما قبل الحساسية الجديدة لدى محفوظ وإبراهيم عبد القادر المازني وطه حسين ومحمود البدوي ويوسف إدريس ويحيى حقي، وصوراً من الحساسية الجديدة لدى عدد كبير من الكتاب مثل بهاء طاهر وعبده جبير ومحمد حافظ رجب وإبراهيم أصلان وعلاء الديب ومحمود الورداني وخيري عبد الجواد وربيع الصبروت، وختم دراسته بتذييل على مشهد الحساسية الجديدة الآن، في محور التغير والقص. ولا يخفى أن الخراط كان يتحدث في كتابه عن أسلوبه ومفهومه ونظرته للكتابة القصصية والروائية. وما لبث أن أوضحه، فيما بعد، في كتابين، هما «أنشودة الكثافة» (1995)، و«مهاجمة المستحيل ـ مقاطع من سيرة ذاتية للكتابة» (1996).
نفى الخراط في كتابه «أنشودة الكثافة» أن تكون مقالاته أو تأملاته مما يدخل في باب التنظير الأدبي أو التقرير النقدي، بمعناهما الدقيق، وهذا ما قاله حنَّه مينا أيضاً، ولعلنا سنجد أيضاً أنها مقالاتٌ وتأملاتٌ أدخل في التنظير. وجد الخراط أن مقالاتِهِ ينتظمها، «على تنوعها، قدرٌ من الاتساق نابع من أنها تندرج في إطارٍ فكريٍ وشعوري واحد مهما تباينت صياغات التعبير عنه»([16]).
وميز بين النظر والنظرية داعياً إلى التحريض على التفكير في التجربة الأدبية، ووعد أنه ببوحه الشخصي سينظر في تجربته الإبداعية، أمَّا مقالة «أنشودة للكثافة» فتتناول موقفه من الصنعة القصصية والروائية، ولا سيما اللغة، لأنها جوهر كتابته، وقد كان محقاً في قوله: «في واقع الأمر أتصور أن الكثافة اللغوية التي لا تنفصل عن كثافة المادة القصصية، لا تنفصل أيضاً عن مادة الخبرة الفنية التي تنبع منها، ولا تفرض عليها»([17]).
وناقش الخراط في بقية المقالات مشكلات التعبير الفني، ومفهومه للرواية والقصة القصيرة، وفهمه لوظيفة الأدب والرواية اليوم، والقاص ناقداً، وأهمية ألف ليلة وليلة بالنسبة إلى أمثاله، وكتابته في زمن متغير، والأصالة الثقافية والهوية القومية ودور الأدب في التغيرات الاجتماعية، وتنوع الثقافة العربية ووحدتها، ومعنى أن يكون عربياً، والقمع والحرية، وما وراء العامية، والشكل الأسطوري المعاصر في الفن، والدفاع عن التجريبية والتجديد، والكتاب الأقباط والموضوعات المسيحية.. الخ.
ومن المفيد، أن نشير إلى صراحة الخراط وجرأته في عرض مواقفه السياسية والفكرية والفنية، ففي حديثه عن معنى أن يكون عربياً، أعطى العروبة صفة نضالية فالعربي عريق مستمر من سبعة آلاف سنة، بقوله: «أنا العربي المصري خلال سبعة آلاف عام غيرت ديانتي ثلاث مرات، لكنها ظلت في صميمها واحدة أو متقاربة، وغيرت لغتي ثلاث مرات، لكنها ظلت لغتي أنا مصرية وعربية في آن. وهي لغة قدسية وأرضية، موسيقية وصارمة الدقة، استطاعت حمل فلسفة اليونان وعلومهم من اليونانية إلى اللاتينية، ومنها إلى لغات اليوم المعاصرة، لغة هي اليوم على تعدد مستوياتها ولهجاتها رباط وثيق بين كل أخوتي من المغرب الأقصى إلى الخليج»([18]).
غير أن الخراط ألف كتابه الثالث في هذا المجال «مهاجمة المستحيل ـ مقاطع من سيرة ذاتية للكتابة» توضيحاً لأسلوبه في الكتابة، من خلال مفهومه للقص، وحرية الإبداع، وفعل الكتابة، وانهيار الاشتراكية أم سقوط القناع. وثمة تكرار لآراء كثيرة بين الكتابين، وفي الكتاب نفسه، كما هو الحال مع هذه الآراء، على سبيل المثال لا الحصر من فصل واحد:
ليست القصة واقعة سرد وحكاية.
لا أكتب القصة إلا بعد أن تعيش معي.
التدفق اللغوي العضوي والرؤيوي الشعري.
التضافر بين الواقع الخارجي والواقع الداخلي.
العمل الفني له لغة خاصة.
خصوصية اللغة العربية.
الإسكندرية: ماذا تعني؟
القيم الأساسية هي قيم الإيمان المحرق بحرية الإنسان.
الفن، في ظني، خبرة من أعمق خبرات السعي إلى معرفة كلية.
ليس ما اكتبه قصة تقليدية.
الكتابة سلاح تغيير.
لمن أكتب؟
الناقد الكاتب.
مثلما كرر رأيه في اللغة العربية وسيلة تعبير صالحة للفنون المستحدثة:
«إنني لعميق الإيمان، وعميق العشق أيضاً. بهذه اللغة التي ورثناها، ونكاد نبددها أو نهملها. هذه اللغة العربية بارعة المدخل إلى النفس، وأظن أننا لا نكاد نعرف منها إلا أطرافها. العلاقة بيني، على الأقل، والعربية ليست فقط علاقة عشق وتدله، بل هي علاقة تشابك حياتي غني أطمح أن يكون مثرياً من الجانبين. إن سعيي هو أن انطق بهذه اللغة حساسيتي وفكري في سياق العصر، بل في ما آمل أن يكون سياق المستقبل أيضاً»([19]).
أما الربيعي فيخصص كتاباً بعينه لبياناته أو شهاداته عن كتابته الإبداعية، فقد وضع جانباً منها في كتبه النقدية الكثيرة، مثلما بادر إلى جمع بعض الحوارات التي أجريت معه في كتاب حمل عنوان «مدخل لتجربة عبد الرحمن مجيد الربيعي في 38 حواراً» (1984)، ولعل التأمل العاجل لبعض كتبه النقدية يشير إلى اتساع عنايته بمثل هذا النوع من الكتابة التي تفتقر إليها حركة التأليف العربي، أو هي قليلة لا تفي بالحاجة. وأورد إحصاء لهذه الكتابات مما حوته كتبه:
· «الشاطر الجديد: قراءة في كتاب القصة العربية» (1979)، وفيه مقالة واحدة هي «القصة ضمن حدود تجربتي الخاصة: محاولة للإضاءة» (ص36-42).
· «رؤى وظلال: نقد ودراسات» (1994) وفيه مقالتان هما: «مداخل لاختيار شخصيات قصصي» و«حكايتي مع القمر والأسوار» (ص237-260).
· «من النافذة إلى الأفق: قراءات ومواقف» (1995)، وفيه أربع شهادات (ص391-407).
· «من سومر إلى قرطاج: قراءات في الأدب العربي المغاربي» (1997)، وفيه عشر شهادات (ص331-353).
إنها حصيلة وافرة في الكم والنوع، وهي تُعنى، بالأساس، بالتقنية ومصادر الكتابة وحرية التعبير، وأوهام الكتابة والكاتب. فقد اهتم الربيعي بتقنيته القصصية والروائية، وبذل جهوده مبكراً لوعيها وتطوير الخصائص الفنية، مثلما التفت إلى قضية الاتصال بين الفنون واستفادته من تقنيات الرسم. وصرح دائماً أن اهتمامه الكبير باللغة هو الذي قرب بعض صفحات قصصه ورواياته من التداعيات الشعرية: «كما أنني لا أتوانى عن وضع مقاطع شعرية داخل القصة وإن وجدت ذلك يخدم الفعل القصصي»([20]).
ويستفاد من توكيد الربيعي على الاتصال بين الفنون على أن التقنية مفتوحة: و«ليست هناك تقنية جاهزة يمكن تعريفها، أو الحديث عنها، فالتقنية ليست موديل بدلة ولا خارطة بيت. إنها إبحارٌ، انشغال، دأب، استشراف، حركة، رصد، استنتاج، وكل كاتب محمل بخصوصياته وتجاربه وحياكة أساطيره»([21]).
يوضح استطلاع آراء الربيعي، مثل كثيرين من أبناء جيله، أن لديه نزوعاً إلى الأصالة وتثمير أشكال قصصية من تقليدها الموروث، ولكنه ما يلبث أن تداخله حيرة في الممارسة وفي النظر.
2-4- القضايا الأساسية التي عالجها نقد القصة والرواية:
عالج نقد القصة والرواية قضايا رئيسة تتصل بالمحتوى وبالشكل هي الأكثر دوراناً على أقلام النقاد بالإضافة إلى ما ذكرنا، ولعلنا نشير إلى بعض هذه القضايا.
2-4-1- قضايا تتصل بالمحتوى:
اتجهت عناية الباحثين والنقاد إلى الموضوعات القومية أولاً والموضوعات الاجتماعية ثانياً، وما يتصل بها، واذكر جملة منها:
احتل الموضوع القومي المنزلة الأولى، فنوقشت موضوعات السجن السياسي، مثل «أدب السجون» (1981) لنزيه أبو نضال (الأردن)، و«السجن السياسي في الرواية العربية» (1982) لسمر روحي الفيصل (سورية)، ثم موضوعات الآخر الغربي، مثل «المغامرة المعقدة» (1977) لمحمد كامل الخطيب، و«شرق وغرب: رجولة وأنوثة» (1977) لجورج طرابيشي (سورية)، و«وعي الذات والعالم ـ دراسات في الرواية العربية» (1985) لنبيل سليمان (سورية)، و«الرحلة إلى الغرب في الرواية العربية الحديثة» (1991) لعصام بهي (مصر)، و«الأنا والآخر في الرواية العربية الحديثة» (1994) لمنصور قيسومة (تونس). ثم موضوعات المثقف والحرية والسلطة، مثل «المثقفون العرب والسلطة: بحث في روايات التجربة الناصرية» (1992) لسماح إدريس (لبنان)، و«شخص المثقف في الرواية العربية المعاصرة» (1993) لمحمد الباردي (تونس)، ثم الموضوع القومي في إطاره العام، مثل «انكسار الأحلام ـ سيرة روائية» (1987) لمحمد كامل الخطيب. و«الاتجاه القومي في الرواية العربية» (1994) لمصطفى عبد الغني (مصر)، أما الدراسات التي تناولت القضية الفلسطينية وجوانبها المختلفة فكثيرة أيضاً.
ثم موضوعات المدينة والريف مثل «أزمة الجنس في الرواية العربية» (1972) لغالي شكري (مصر)، و«الريف في الرواية العربية» (1989) لمحمد حسن عبد الله (مصر).

2-4-2- قضايا تتصل بالشكل:
وعني الباحثون والنقاد في الوقت نفسه بقضايا الشكل، وبدأوا بدراسة المؤثرات الأجنبية مثل «سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية ـ دراسة تطبيقية في الأدب المقارن» (1974) لحسام الخطيب، و«أثر الأدب الفرنسي على القصة القصيرة» (1985) لكوثر عبد السلام البحيري (مصر)، ثم دراسة قضايا فنية محددة مثل «الرواية الإنسيابية وتأثيرها عند الروائيين العرب» (1985) لأحمد سيد محمد (مصر)، و«الذات والموضوع ـ قراءة في القصة القصيرة» (1994) لمحمد قطب عبد العال (مصر) و«جماليات المكان في الرواية العربية» (1994) لشاكر النابلسي (الأردن)، و«درسات في الأدب المقارن والنقد» (1996- يوجد في الكتاب أكثر من دراسة عن القصة والرواية) لغسان السيد (سورية) و«تداخل النصوص في الرواية العربية» (1997) لحسن محمد حماد (مصر)، و«فن الرواية العربية بين خصوصية الحكاية وتميز الخطاب» (1998) ليمنى العيد (لبنان) و«في بناء النص ودلالته: محاور الإحالة الكلامية» (1998- يوجد عدة قراءات نقدية لبنية السرد في بعض الأعمال القصصية والروائية بالإضافة إلى ممهدات نظرية حول مفهوم القصة والخطاب والقص..الخ) لمريم فرنسيس (سورية).
ثم دراسة تكون الرواية العربية وتطورها، مثل «تكوين الرواية العربية ـ اللغة ورؤية العالم» (1990) لمحمد كامل الخطيب (سورية)، و«محتوى الشكل في الرواية العربية: 1- النصوص المصرية الأولى» (1996) لسيد البحراوي (مصر)، ثم دراسة القصة والرواية الأجنبية: مثل: «جارسيا ماركيز وأفول الديكتاتورية: دراسة في رواية خريف البطريرك» (1988) لحسين عيد (مصر)، و«ملامح من أدب أمريكا اللاتينية ـ الرواية نموذجاً» (1994) لبدر عبد الملك (البحرين).
أما الدراسات الفنية الأكثر فهي المخصوصة بدراسة روائي أو قاص أو رواية أو عمل قصصي بعينه، وشاع ذلك في الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، وهو ما سنقف عليه في الفصول التالية.
2-5- هيمنة دراسات المذهب الواقعي:
هيمنت دراسات المذهب الواقعي ورؤية الواقع على حركة نقد القصة والرواية لفترة طويلة، وقد دشن في هذه الفترة محمد حسن عبد الله في كتابه «الواقعية في الرواية العربية» (1971) وعبد المحسن طه بدر (مصر) موجة الدراسات الواقعية، استمراراً لجهود محمود أمين العالم وحسين مروة على وجه الخصوص في الخمسينيات والستينيات. وقد انطلق من فرض «يتمثل في أن الأديب يرتبط بالواقع الذي يعيشه بعلاقة إيجابية ودينامية يتبادل فيها طرفا العلاقة التأثر والتأثير»([22]).
ولاشك في أن بدر ليس استثناء من مجموعة النقاد التبشيريين الأيديولوجيين الذين نظروا للواقعية في النقد الأدبي الحديث، إذ عمد بنفسه إلى «إلقاء بعض الضوء على أهم العقبات التي تحول بين بعض أدبائنا العرب المحدثين وبين الإحساس العميق بواقعهم»([23]).
وفي مقدمة الطبعة الثانية من كتابه (عام 1981) أبدى بدر ضيقه من هيمنة الاتجاهات الجديدة التي لم تتح فرصة اختبار فروضه، لتتحول هذه الفروض من مجرد كونها فروض إلى «دراسات علمية جادة، ينشأ عنها تأصيل نقدنا، وظهور مدارسه المتميزة، بدلاً من اللهاث المستمر المحموم خلف ما تطرحه علينا الثقافة العالمية، مما لا يدع لنا فرصة التجريب والتأصيل»([24]).
ومن الملاحظ، أن الكتابة النقدية عن الواقع والواقعية هي السائدة في السبعينيات والثمانينات، ويشير كتاب عمر الطالب (العراق) «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية» (1971) في اطمئنان الناقد المذكور، في اختياره لموضوعه وحماسته في مباشرته دون ممهدات نظرية، إلى شيوع الفكرة النقدية الأيديولوجية عن الواقعية ورؤية الواقع، فهو لم يعن بإشكاليات النظرية أو المصطلح أو المنهج، ودخل في موضوعه على عجل، وأطلق آراء وأحكاماً تفتقر إلى التعليل الفكري أو الفني، كمثل قوله:
«ولا تصور الرواية الواقعية واقع الحياة بخيره وشره تصويراً تسجيلياً، وإنما هي تفهم الحياة والأحياء، وتفسرها من وجهة نظر خاصة ترى منها الحياة، ولكنها تتغذى من الواقع وتتزاوج وإياه في الشخصيات، وتستمد منه مطلع الطريق، لتنتهي إلى خلق الأثر الذي هو في الظاهر يماثل الواقع، ولكنه في الخفاء ينفصل عنه انفصالاً تاماً، وجوهر الواقعية في الرواية العراقية ليس ما يحدث بالفعل، وإنما الكشف عن الدلالة الكبرى لما يحدث، وليس تصويراً فوتوغرافياً، ولا صدقاً خلفياً، بل التصوير الممكن والصدق الفني»([25]).
وأعاد حسين مروة (لبنان) طباعة كتابه «دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي» (1976)، طبعة مزيدة ومنقحة، وأراد من استبعاد بعض الفصول أن يكشف عن التطور في منهجه، فتلك «الفصول المستبعدة كانت قاصرة عن استيعاب شروط المنهج نفسه الذي أجهد دائماً أن أكون أميناً له في عملي النقدي، وعملي الفكري على السواء»([26]).
وأضاف مروة محورين هما «الموقف الثوري في الأدب» و«الموقف الثوري من التراث»، «أي أن هناك قضيتين تدفع بهما أزمة الواقع العربي في هذه المرحلة ذاتها، إلى مكان الصدارة من قضايا الأدب والفكر والأيديولوجيا التي هي الوجه الآخر غير المباشر لقضايا الواقع العربي المباشرة، من هنا تتحدد ضرورة خروج هذه الطبعة بهذه الإضافة»([27]).
واستدرك مروة بالنظر إلى غياب مسألة النقد الأدبي عن كلامه، أن مسألة «النقد الفكري ـ الأيديولوجي تقع في الصلب من اهتمام كلا المحورين، فهما بمضمونهما وبتوجههما ـ أساساً ـ دراستان نقديتان، بمعنى أنهما يشكلان محاولة جديدة في مجال إعادة النظر بكثير من المقولات النقدية التي كانت، في المرحلة السابقة لهذه المرحلة ـ الأزمة، أساس التعامل النقدي مع الإبداعات الأدبية المعاصرة من جهة، ومع الأدب والفكر التراثيين من جهة أخرى»([28]).
إن كلام مروة ينفي النقد الأدبي لصالح النقد الفكري ـ الأيديولوجي كلياً، ولا شك، إن نقداً غير قليل أوغل في التبشير والإيديولوجي إيغالاً أفضى إلى معارك أدبية وفكرية ونقدية بين التيارات المختلفة لم يهدأ أوارها إلى وقت قريب، ولكن بعض النقاد تداعوا إلى تمحيص «منهج الواقعية في الإبداع الفني»(1978)، وفي مقدمتهم صلاح فضل (مصر) الذي درس وجوه الواقعية من خلال نشأة المذهب الواقعي وتطوره والرؤية الغربية للواقعية النقدية وأصول الواقعية الاشتراكية، والأسس الجمالية للواقعية، ولا سيما فكرة المحاكاة وفكرة الانعكاس الموضوعي والنموذج والنمذجة، ونقد الواقعية للمذاهب الأخرى، وعمليات الانتقال من السياق الأدبي إلى السياق الاجتماعي. ودعا إلى أخذ التطورات التي ألمت بالواقعية بعين الاعتبار، فقد اقتصرت الواقعية في نقدنا العربي على تيارين:
«أحدهما: يعرض لها بشكل مبتسر عام، ويخلط بينها وبين الطبيعة التي تتسم بالتشاؤم، وتغرق في مستنقع السلبيات الآسن، وتغفل ما في الحياة من قدرة على التفوق والشعر.
والثاني: يغرقها في الحمام الإيديولوجي الماركسي بطريقة مذهبية متعصبة، متجاهلاً انتصار الواقعية النقدية في الآداب الغربية والعربية على السواء»([29]).
واستشهد فضل بالتنويعات الإقليمية لتطورات الواقعية، في منطقتين هما: أوروبا تعيد تقييم الماضي، وأمريكا اللاتينية والواقعية السحرية، بالإشارة إلى نموذج العالم الألماني إيريش أورباش في كتابه «الواقع كما يتجلى في الأدب»، حيث نقطة الانطلاق في منهجه هي النص نفسه، «فلا ينبغي أن نصدر عن مجموعة من القيم نحملها إلى العمل، أو نحمل العمل عليها وننسقه طبقاً لها، وإنما يجب أن ننطلق من خاصية تاريخية تكشفها فيه وتبرزها وتطورها بشكل تضيء به العمل نفسه في أدق ملامحه، ويغمر ضوؤها أشياء أخرى ترتبط علائقها به، لذلك فإن المنطلق النموذجي دائماً بالنسبة له هو تفسير مشاهد ونصوص بذاتها»([30]).
إن مثل هذه التنويعات الإقليمية أدت إلى إثراء مفهوم الواقعية برؤى فنية وحضارية جديدة، مما يجعلنا، برأي فضل، نتساءل عن موقفنا في الأدب العربي من الواقعية: «ماذا أخذنا من مبادئها وأصولها الجمالية؟ وماذا أضفنا إليها من روحنا القومي الخاص؟»([31]).
ثم جاوزت دراسة فيصل سماق (سورية) «الواقعية في الرواية السورية» (1979) مدى التبشير العقائدي الذي يسربل في إهابه النقد الأدبي برمته، فنحت دراسته، على حد تعبير حسام الخطيب، «منحى منهجياً بالغ الدقة، إذ تبدأ بتحديد المفهومات النظرية ثم تنتقل إلى دراسة البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية التي نبتت الرواية الواقعية السورية في إطارها، وبعد ذلك تدرس الظواهر المشتركة التي تجمع الروايات المدروسة، وتصنف اتجاهاتها بين واقعية انتقادية وواقعية طبيعية وواقعية اشتراكية، وتقدم بين يدي ذلك الأمثلة والشواهد المجتزأة، ثم تردف دراسة كل اتجاه بنموذج مدروس بالتفصيل»([32]).
يتصف نقد سماق بتحليل معمق للظاهرة الفنية المدروسة، وبربطه لها بتطورات البيئة من حولها، وبدقة في الأحكام، كما في حكمه على تأثر الروائيين جميعاً بالتقنيات الروائية الغربية، «كما استفادوا من التجربة الواقعية في الأدب الاشتراكي العالمي بدرجات متفاوتة أظهرت تبايناً في قدرتهم على استيعاب التقنيات الحديثة وتجسيدها في أعمالهم الفنية. ويكاد يجمعهم مسار مشترك واضح المعالم، وهو الانفتاح على المؤثرات الأجنبية المختلفة، ولا سيما ما كان متصلاً منها بالنواحي الفنية، وفي الوقت نفسه محاولة الدخول عمقاً في فهم الواقع المحلي ومعالجته. وكان أوفرهم حظاً من النجاح هم أولئك الذين أحسنوا توظيف المؤثرات الفنية الأجنبية من أجل معالجة قضايا الواقع من حولهم»([33]).
وفي الفترة نفسها، تصاعد النقد الموجه للدراسات الواقعية، فأصدر محي الدين صبحي (سورية) كتاباً جريئاً سماه «دراسات ضد الواقعية في الأدب العربي» (1980)، وقصد به «أن يعلن نهاية مرحلة الأدب الواقعي ويدعو إلى بداية جديدة»([34]). وما دعا إليه صبحي هو «أن الأدب بناء لفظي يقدم رؤيا، وأن وظيفة النقد الكشف عن تماسك البناء واتساق الرؤيا»([35]). وقد حوى الكتاب دراسات عن «أزمة الواقعية في واقع الأدب العربي»، و«سيزيف العربي يمشي على محيط الدائرة: دراسة في خواتيم رواية السبعينيات»، و«في المضمون القومي والطبقي لفكرنا الحديث»، و«ماذا تعني مشكلة المضمون عند حسين مروة»، و«الحداثة ضد الحداثة»، و«الحكيم عند سرير بروكروست»: نقد كتاب جورج طرابيشي عن توفيق الحكيم، و«قصيدتان وقضية»: «بابي يار» لايفتوشنكو و«السفح الآخر غربي القدس» ليوسف الخطيب.
يفصح استعراض الأسس التي رأى صبحي أنها قمينة باستعادة النقد، بمعناه الكلاسي، ومنزلته الأدبية عن تصحيح كامل الفكرة الواقعية، كما صاغها النقد الجديد الأنكلوسكسوني، ومن هذه الأسس نذكر:
«- بما أن الأدب أدب والواقع واقع، فإن هذا ينطوي على مفارقة أن الأدب شمولي والواقع محلي مرحلي. وللتوفيق بينهما وإدراجهما ضمن المرحلة التاريخية التي نعيشها ـ وهي مرحلة النضال القومي في سبيل إنشاء مجتمع عربي اشتراكي ديموقراطي موحد ـ اقترحنا أن تدور الرؤيا حول مستقبل الدولة القومية المرتجاة. وبذلك يسهم الكاتب في كسر حدود القطر والمرحلة في الرؤيا على الأقل علماً بأن من حق الأدب أن يحمل أي رؤيا، ولكن ليس من حقه ألا يحمل أي رؤيا»([36]).
ولا يخفى أن صبحي قد ناهض الإيديولوجيا بإيديولوجيته القومية، أي أن نقده لا يختلف عن النقد الإيديولوجي في مراميه التبشيرية أيضاً.
ثم توالت الدراسات النقدية التي تعيد، بأشكال ومستويات مختلفة، وصف الأزمة العامة التي تعاني منها الواقعية، وقد عزاها حنا عبود (سورية) في كتابه «واقعية ما بعد الحرب في الأدب والنقد والشعر» (1980) إلى عدة مصادر هي الأيديولوجيا والسياسة، والجماهيرية، وضعف الاهتمامات الفنية. ولعلها تلتقي جميعاً عند التبشير العقائدي الذي أُدينت ممارسته المتطرفة في المنهج الواقعي بتطبيقاته في النقد الأدبي العربي الحديث فقد «ارتبط الإنتاج الإبداعي بإطار عام للإيديولوجيا. هذه العلاقة بين المصدر الإيديولوجي والأثر الإبداعي تشكل مظهراً من مظاهر أزمة الواقعية... والواقعية من بين جميع المذاهب الأدبية الأخرى، متهمة بالرضوخ السياسي، حتى قيل لا واقعية بلا سياسة. إلا أن هذه التهمة تنقلب إلى فضيلة للواقعية على غيرها، إذا استطاع الواقعيون «تأديب» السياسة بحق، كما استطاع أعلام الواقعية المشهورون تحقيق ذلك»([37]).
وقال عبود عن الجماهيرية إنها جرت «كثيراً من السلبيات، لعل أهمها حجب نظر الكاتب عن رؤية الأعماق النفسية التصارعية. إن الإيمان بمقولات إيديولوجية وسياسية مسبقة جعل الجماهيرية ذاتها تصبح مقولة فنية، فتفرض البراءة والإدانة، والصفاء والفساد. وتغدو بحد ذاتها مقياساً فنياً.. ما تبعد الأدب الواقعي بذلك عن الواقع بدلاً من أن يتعمقه من خلال شمولية النظرة الإيديولوجية والسياسية»([38]).
وتبين دراسة عبد القادر الشاوي (المغرب) «سلطة الواقعية» (1981) ميل الدراسات الواقعية إلى النقد الاجتماعي، فتعددت معالجاته الواقعية من الواقعية الاجتماعية (عبد الكريم غلاب نموذجاً) والواقعية في الذاتية (إدريس الخوري نموذجاً) إلى بلاغة برجوازية (محمد زفزاف) والسيرة القاسية (محمد شكري) والرواية في الرواية (خناثة بنونة).
وجد الشاوي أن الواقعية في القصة وفي الأدب المغربي الحديث عموماً، تحددت في الممارسة الأدبية الإصلاحية كممارسة سياسية. وعرض لذلك ثلاث فرضيات:
1.إن وجود الأدب المغربي الحديث جاء في شروطه تعبيراً عن وجود البورجوازية الوطنية الناهضة، وكان هذا الأدب هو الناطق الرسمي بوجود وعي بورجوازي بأهمية الأدب ودوره.
2.إن الواقعية في القصة ـ كاختيار أدبي ـ فني، يتناسب مع واقع التطور الثقافي الذي كان عليه المجتمع، ومع التوجه البورجوازي الوطني على عهده في نفس الوقت. كان اختياراً أدبياً أساسياً في مواجهة التأثير الثقافي ـ العربي ـ الاستعماري، وذلك ما حدد توجهها إلى الوقع بما فيه.
3.وبأن الواقعية في القصة وفي الأدب بشكل عام، إنما جاءت كوعي بضرورة ربط القصة والأدب بمستوى النهضة الوطنية، وتحددت الإصلاحية في الممارسة السياسية والاجتماعية»([39]).
إن الواقعية عند الشاوي تنفتح على المجال السوسيو ـ ثقافي والتاريخ أيضاً، بالنظر إلى «ما عانت منه الواقعية/ الواقعيات من اختلاف وتنوع»([40])، وقد نتج عن ذلك ثلاث ظواهر هي: تشوه المفهوم الواقعي عن الواقع، وغياب الخصائص الفكرية والفنية المحددة للواقعية، وطغيان التناول الشعبوي، وهو يستمد عناصر وجوده في القصة من أمرين: التناول السياسي المباشر والتصور الذاتي للواقع، أي أن سلطة الواقعية في النص نفسه، وليس في المرجع، ما دام لها طابعها الرمزي أيضاً وهكذا، تميز نقده بعنصرين: الأول هو أن التجربة الواقعية في القصة المغربيةلا يمكن دراستها إلا كتجارب واقعية، أي كنماذج إبداعية تستقل برؤيتها الخاصة للعالم، والثاني هو أن الواقعية نفسها، في التجربة الأدبية المغربية الحديثة، لم تحظ بأي اهتمام، ولم يتفرغ للنظر في أحوالها أي باحث، برأيه([41]).
وطور عبد القادر الشاوي رؤيته للواقعية في كتابه «النص العضوي- سلخ الجلد نموذج دراسي» (1982)، وهو دراسة نقدية تحليلية لمجموعة محمد برادة القصصية لا تحيل إلى الواقع، بل تتعامل مع واقع تصوغه القصة، لتصح «أن تكون خصوصية الواقع مترادفة مع خصوصية التعبير عنه»([42]). ولتتحدد بنية النص الواقعي حسب تحليله بكونها بنية التناقض والتغيير([43]).
لقد خفتت أصوات التبشير العقائدي في نقد الثمانينيات، بفضل التعرف إلى نظرية الأدب ومفاهيم المحاكاة والتطورية والاتجاه الاجتماعي. ونلمس في كتاب حلمي بدير (مصر) «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية الحديثة في مصر» (1981) نبرة تكاد تكون حيادية إزاء تطور مفهوم الواقعية، ولكن الناقد يتوقف عند إقرار المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب السوفييتي (وليس الروس كما كتب!) عام 1934 لمصطلح الواقعية الاشتراكية. وثمة واقعيات أخرى، جديدة أو سحرية أو تعبيرية، بما يجعل الواقعية مذهباً فضفاضاً! إن عرض حلمي بدير لمفهوم الواقعية بأنواعها ليس كافياً أو دقيقاً في قوله:
«فتناولت المفهوم العام للواقعية من حيث كونها المذهب الأدبي الذي يلجأ للواقع وللعادي المألوف من الحياة اليومية يستقي منه مادته، بعد أن اقتصرت الأعمال الأدبية، ومنها الروائية على الأبطال الكلاسيكيين فترة طويلة، حتى أصبح الأدب جزءاً من الأبراج العاجية للفكر. ثم عرضت للواقعية النقدية ومفهومها الذي حمل لواءه بلزاك في الأدب الفرنسي، والذي طوره من بعده أميل زولا ليصل به إلى حدود العلم التجريبي فيما عرف بالطبيعة، ثم عرجت على الواقعية الاشتراكية والتي وجدت لها أرضاً خصبة في الأدب الروسي ووجدت لأفكارها متسعاً لدى الروائيين الروس، قبل أن تتحول لتصبح دعوة عامة يشارك فيها المفكرون الروس جميعاً، وامتدت إلى أنحاء العالم المختلفة بعد المؤتمر الأول للكتاب في روسيا سنة 1934»([44]).
درس بدير بدايات الواقعية في الرواية العربية من حيث المضمون والشكل الفني، وانتقل إلى مرحلة تالية تتنازع فيها الواقعية والرومانسية، وخصص الباب الثاني لدراسة الواقعية النقدية في روايات لتوفيق الحكيم (يوميات نائب في الأرياف) ويحيى حقي (قنديل أم هاشم) ونجيب محفوظ (خمس روايات والثلاثية)، وكان الباب الثالث للواقعية الاشتراكية، وعالج فيها روايتين لعبد الرحمن الشرقاوي (الأرض) وإبراهيم عبد الحليم (أيام الطفولة).
وعلى الرغم من ملاحظته أن الدراسة لا تزعم أنها قدمت ثبتاً متقصياً لما ظهر في الرواية العربية في مصر من أنواع الواقعية المختلفة كافة، فإنه قصر دراسته على نماذج قليلة، وتعسف في تقليص حدود مفهومه للواقعيات التي عالجها.
ويظهر هذا التخفف من وطأة الايديولوجية على استحياء في كتاب محمد مصايف (الجزائر) «الرواية العربية الجزائرية الحديثة بين الواقعية والالتزام» (1983)، ومرد ذلك أن الناقد رأى في الواقعية سبيلاً إلى الالتزام بقضايا مجتمعه، وليس التعبير العقائدي، في نشدانه لمنهج يقوم على الموضوعية في البحث، والاعتدال في الحكم، واحترام شخصية الكاتب ومواقفه الفنية والايديولوجية، منطلقاً قدر الامكان من النص الذي يدرسه.
وكانت دراسة سمر روحي الفيصل (سورية) «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية» (1986) خطوة أكبر في تخليص الدراسات الواقعية من نزعة التبشير العقائدي، وعزا الفيصل جانباً من ذلك إلى التأليف المشترك في لجنة تأريخ القصة والرواية في اتحاد الكتاب العرب التي تألفت عام 1980، برئاسة حسام الخطيب، وعضوية عبد الله أبوهيف ومحمود منقذ الهاشمي ومحمود موعد وسمر روحي الفيصل، حين راحت هذه اللجنة تتفق على مصطلحات الدراسة وحدودها وطبيعتها ومنهجها.
حدد الفيصل في مدخله سمات لمفهوم الواقعية رافضاً تقييدها «وتضييق الخناق عليها، وهي (يقصد الواقعية) الاتجاه الأدبي الواسع الشامل الذي يصعب حصره ضمن حدود لا فكاك منها. لهذا السبب لم يكن هناك بد من المرونة في أثناء تطبيقها، ومن مراعاة موهبة الروائي التي يصعب تقنينها ووضع مقاييس ثابتة لها»([45]).
ويغلب على حديث الفيصل عن المنهج الفني للواقعية تكييفه لمقتضيات دراسة الرواية العربية السورية، اعتماداً على كتاب صلاح فضل الآنف الذكر، كما في هذه المبادئ الجمالية الأساسية التالية للواقعية النقدية.
«- الكشف الشامل عن العالم الداخلي للإنسان كما يطرحه العالم الاجتماعي.
- تعميم الحياة في شخصيات وظروف نموذجية.
- التحليل الاجتماعي والنفسي للشخصيات في صلاتها بعضها ببعض.
- النظرة التاريخية.
- موضوعية التصوير.
- إعادة خلق حقائق الحياة في أشكال الحياة الواقعية ذاتها».
بينما استند المنهج الفني للواقعية الاشتراكية إلى المبادئ التالية: الروح الشعبية ـ الالتزام ـ النزعة الإنسانية ـ الروح الحزبية ـ النزعة التاريخية ـ الروح الاجتماعية ـ النزعة النفسيانية ـ نموذجية التصوير الأدنى»([46]).
ثم ما لبث أن وسع الفيصل المعاني المتداولة للمنهج الفني للواقعية، فيما يلي دون التفصيلات التي أوردها:
الالتزام في الواقعية الاشتراكية.
التاريخية (النظرة التاريخية.
التطور الذاتي للشخصية.
الحتمية الاجتماعية.
الحتمية السيكولوجية (تبعية الإنسان للتطور الذاتي للشخصية).
الخلق الفني (ثقافة الكاتب وموهبته).
الروح الاجتماعية.
الروح الحزبية في الواقعية الاشتراكية.
الروح الشعبية (الشعبية).
الشخصية النموذجية (النموذج).
الصدق الفني.
الظروف النموذجية (انطواؤها على صفات اجتماعية تاريخية مهمة).
المجتمع الروائي.
المعرفة الفنية.
منظور المستقبل.
الموضوعية (قدرة الفنان على أن يفهم الموضوعات كما هي بمعزل عن شخصيته).
النزعة الإنسانية (الإنسانية).
النزعة النفسانية في الواقعية الاشتراكية.
النمذجة الفنية (قدرة الفنان على أن يضّمن الصورة الفنية أكمل تعبير وأقواه عن جوهر الظاهرة أو الشخصية التي يصورها).
الواقع الموضوعي([47]).
تألفت دراسة الفيصل من الاتجاه المضموني، فاصلاً بين الشكل والمضمون، ويتضمن الرواية الاجتماعية والرواية الوطنية والسياسية، والرواية التاريخية، وعالج في الرواية الاجتماعية: الرواية الاجتماعية الوصفية، ورواية الصيغة الاجتماعية، والرواية الوصفية الشخصية، ورواية الصيغة الشخصية، والرواية الريفية والرواية المدينية. وعني في الباب الثاني والأخير من كتابه بالاتجاه الفني للرواية الواقعية، فيما يخص تطور المضمون وتطور الشكل الفني والمنهج الفني والتأثر الفني بالرومانسية والكلاسية، وبالاتجاهات الأدبية الأخرى، وبالاتجاه الواقعي العربي، وبالاتجاه الواقعي في العالم.
وأدغم نجيب العوفي، الدراسة الواقعية بنهاجيات الاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية في كتابه «مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية، من التأسيس إلى التجنيس» (1987)، ولعله نتيجة وعيه الحاد بالهوية، إذ جعل المنهج الواقعي إطار قراءة وبوصلة هادية للبحث، تعين على رؤية «التشظي السردي، آية على التشظي الاجتماعي والتاريخي الذي لا حت بوادره، وتتالت مظاهره منذ مطلع القرن العشرين»([48]). وأعتقد أن العوفي أفلح كثيراً في قراءة واقعية النصوص من خلال قصصيتها، وقصصيتها من خلال واقعيتها، وتتضمن هذه الممارسة النقدية اختلافاً بيناً عن "الدوغما" السائدة في فهم الواقعية.
غير أن دراسات الواقعية شهدت تراجعاً عن المستوى الفني والفكري الذي وصلت إليه، كما لاحظنا، فظهرت أعمال نقدية تعاني من التبشيرية وغلبة الإنشاء اللفظي على لغة النقد والانطلاق أحياناً من التماهي بين الروائي وعمله، والفصل بين المضمون والشكل، واخترت لذلك نموذجاً هو كتاب «الرواية العربية الجزائرية ورؤية الواقع: دراسة تحليلية فنية» (1993) لعبد الفتاح عثمان (مصر)، وقد اتصل الناقد بموضوعه أثناء تدريسه، معاراً، في جامعة وهران (1985-1988).
عمد عثمان إلى دراسة نقدية لبعض الروايات على أساس موضوعاتها: «واقع الكفاح الثوري المسلح»، و«واقع الثورة الزراعية»، و«واقع النقد الذاتي»، و«واقع الاغتراب». ويظهر حرصه على التماهي في قوله: «إن الدراسات النقدية الحديثة تحاول الآن إيجاد توازن حقيقي بين المضمون الاجتماعي الأيديولوجي، والشكل اللغوي الجمالي للنص، كما يتمثل عند أصحاب المنهج النقدي الجدلي، خاصة عند جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان. وقد آثرنا اختيار العنوان «الرواية العربية الجزائرية ورؤية الواقع»، لأن الروائي لابدّ أن تكون له رؤية، فمهما اختفى وراء شخصياته، وزعم الحيدة يبقى أنه في النهاية يمسك الخيوط كلّها في يده، فيصنع المواقف ويحرك الأحداث، ويحدد المصائر، ويبتكر الشخصيات، ويعرف النهاية سلفاً»([49]).
وتجنب عثمان الموضوعية في درس المتن الروائي الجزائري حين أبعد روايات رشيد بو جدرة «لأن رؤيته للواقع الجزائري مشوشة مضطربة ضبابية»([50]).
وثمة آراء قبلية تحكمت في نقد عثمان كمحاكمة إلى عقيدة الكاتب أو إلى تحزبه أو انتمائه السياسي، وهي تحكميات جاوزها النقد العربي الحديث منذ زمن، كما في رأيه برواية «الزلزال» للطاهر وطار:
«ويذكر أنه لجأ إلى الرمز في استخدام كلمة الزلزال التي تعبر عن الخطر الداهم والعالم السفلي الذي يرمز إلى الطبقة الكادحة المطحونة، والعالم العلوي الذي يرمز إلى الطبقة الإقطاعية التي ينتمي إليها أبو الأرواح. إن تضخم شخصية أبو الأرواح، والإكثار من اللوحات الوصفية، والابتعاد عن ميدان المعركة الحقيقي، وهو الأرض، وبروز أفكار الكاتب في تبني الاتجاه الشيوعي قلل من القيمة الفنية لهذه الرواية، وإن كان هذا لا يعني الغض من تأثيرها وقيمتها المرموقة في تطور الرواية الجزائرية الحديثة»([51]).
وينبغي علينا أن نشير إلى أن التحليل الفني لا ينتظم في منهج معين، ولا يخضع لترابط ما من قواعد النقد ومعاييره، فهو يمزج بين داخل النص وخارجه.
واستكمل سمر روحي الفيصل دراسته للاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية بمعاينة التطور الفني في كتابه «التطور الفني»، وذكر أسباباً ذاتية كثيرة دفعته إلى اختيار موضوعه، ومنها اهتمامه بفن الرواية، واعتقاده أن الرواية الواقعية في سورية لم تعبر عن الواقع الموضوعي، إضافة إلى قلة الدراسات التي عالجت الواقعية في الرواية العربية السورية، وعزوفها عن الخوض في التطور الفني، وانصرافها إلى تحليل المضامين دون أي نزوع انتقادي أو معرفة بالمنهج الفني الذي يضبط عمل المضامين والأشكال الفنية، وإيمانه بأن تحليل التطور الفني يخدم النقد الأدبي العربي حين يقدم له منهجاً نقدياً نابعاً من التطور التاريخي للواقعية في العالم، صالحاً لتعديل الفهم السائد لعلاقتها بالواقع العربي عموماً والسوري خصوصاً.
عرف الفيصل الرواية بأنها اسم اصطلاحي للفن النثري الحكائي الذي يخلق عالماً فنياً يوازي العالم الحقيقي، وأن حدها الأدنى هو النص النثري الحكائي الذي يوفر شيئاً من الحوادث والشخصيات والصراع والسرد، وقدراً من التماسك الداخلي، على أن يرتضي صاحبه تدوين كلمة «الرواية» عليه. وليس هذا التعريف نافعاً كله، فماذا لو رضي كاتب أن يضع كلمة «رواية» على كتاب في الرياضيات أو الأحياء الدقيقة.
واختار منهجاً ملائماً لدراسة الروايات التي صح انتسابها إلى الواقعية هو المنهج التحليلي الكلي الذي يوفر نظرة فلسفية للموضوع مستندة إلى نتائج تحليل النصوص. ومهد لدراسته بالتعرف إلى نشأة الواقعية واتجاهاتها ودلالة مصطلحها، وتطوراتها بين الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية، ونشأة الواقعية في مصر ولبنان وسورية، والواقعية في الخمسينيات، والاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية: من نشأته ونقده إلى المنهج الفني في دراسته. ثم درس طبيعة التطور الفني والتأثر الفني بالاتجاهات الأدبية، وألقى نظرة نقدية في التطبيقات الروائية لاتجاهين واقعيين هما الانطباعية الواقعية، والواقعية النقدية.
يؤشر كتاب سمر روحي الفيصل (1996) إلى انشغال نقد القصة والرواية الواسع بالواقعية، وإلى نمو عمليات انتقاد النقد الواقعي من خلال بعض مستوياته المتأرجحة بين الاندراج في السائد أو محاولة مجاوزته، وإلى مدى حرية التعبير في النقد والدراسات النقدية، كما في مثل هذه الملاحظة:
«أثرت في الاتجاه الواقعي تأثيراً سلبياً قضية التبعية للماركسية لدى طائفة من الروائيين السوريين. فقد اعتنقت هذه الطائفة الأفكار الماركسية، وانتمت في الغالب إلى الحزب الشيوعي السوري، وعملت ما وسعها الجهد على جعل الرواية تعبر عن الأفكار المستمدة من النظرية السياسية، وحاربت من أجل ذلك الداعين إلى معرفة الواقع الموضوعي السوري أو الباحثين فيه عن صحة هذه الأفكار. وقد شوهت هذه الطائفة الاتجاه الواقعي في سورية حين جعلته نسخة من الاتجاه الواقعي في الاتحاد السوفييتي، إضافة إلى ادعائها نسبة أفرادها إلى الواقعية الاشتراكية ليس غير. وقد عنيت بتوضيح الآثار السلبية لهؤلاء الماركسيين في الرواية الواقعية، وأكدت أن الاتجاه الواقعي في سورية لم يعرف الواقعية الاشتراكية، وليس هناك احتمال لوصوله إليها في المستقبل، لأن المجتمع السوري لا يعبر عن نسيج اشتراكي على الرغم من حرص النظام على ادعاء ذلك»([52]).
ولا يخفى أن مثل هذا النقد يبتعد عن داخل النص وعلائقه الخاصة ليخوض في مسائل خارجية تجوز عن منهجية الدراسة المعلنة.
ولعل أهم نقد واجهته الدراسات الواقعية، ولاسيما الواقعية الاشتراكية، ما كتبه وائل بركات (سورية) في كتابه «الواقعية الاشتراكية: المغامرة والصدى- دراسة مقارنة» (1997)، وكأنه يعلن أفول هذا المذهب الذي حظي بانتشار واسع بين الكتاب، وحافظ على حضور دائم في الأبحاث الأدبية القديمة والحديثة، «وما تزال الواقعية بأشكالها المتعددة ونزعاتها المختلفة تشكل مادة خصبة للدراسات الأدبية والنقدية رغم ما شهدته الساحة الأدبية في العقود الأخيرة من توجه نحو الاعتناء بقضايا الشكل والبنية والأسلوب والنص تحت أسماء كثيرة مثل البنيوية واللسانية والأسلوبية والعلامية ونقد النص وغيرها من التسميات التي تركز جل اهتمامها على مسألة الصياغة الأدبية وطبيعة النص الأدبي»([53]).
نظر بركات إلى الواقعية الاشتراكية بوصفها مغامرة «أرادت تسخير الأدب لخدمة السلطة، لكنها فشلت في صياغة كيانها المستقل الذي يضمن لها الاستمرار والإبداع، ولأن هذه التجربة انتقلت إلى الكتاب التقدميين الفرنسيين في صيغتها المشوهة، ثم كرس الحزب الشيوعي الفرنسي هذا التشويه بقراراته الملزمة لكتابه، رأينا أن الواقعية الاشتراكية في فرنسا اتخذت شكل الصدى، مع بعض التعديل، للمغامرة السوفيتية»[54].
وقد اعتمد بركات على المصادر السوفيتية والفرنسية المطبوعة باللغة الفرنسية، وكأنه يقول أيضاً أن صدى الواقعية الاشتراكية في فرنسا لا يختلف عنه في بقية البلدان التي قلدت هذه المغامرة، فتتبع نشوء المذهب من الجذور إلى الأدب البروليتاري ومن البروليتكولت إلى قرار عام 1932، تأسيس اتحاد الكتاب السوفييت، وما تلاه من توجيه كامل للأدب من السياسة، إلى مرحلة تكون النظرية والمنظرين لمفهوم الواقعية الاشتراكية، إلى تمحيص عناصرها، إلى جهود منظريها الكبار، إلى عودتها ونهايتها، بعد الحقبة الستالينية، حيث أصبحت تنتمي فعلاً إلى الزمن الماضي.
وعالج بركات في القسم الثاني من كتابه التلقي الفرنسي من الأدب البروليتاري إلى الواقعية الاشتراكية الفرنسية، وقد تميزت معالجته لإشكالية الشكل ببصيرة حاذقة ولغة نقدية دقيقة ومستوى فكري رفيع، وتعليل صائب لتحولات النظرية الأدبية في الممارسة، واستخلص الأسباب التي أدت إلى تشويه هذه النظرية وانحرافها عن المسار الصحيح لها، وأجملها فيما يلي:
خضوعها لسياسة الإرهاب الستالينية وتعرض الكتاب لضغوطات مختلفة، وهذا ناتج عن الخلط غير الواعي بين السياسة والأدب، واستغلال هذا الأخير في سبيل خدمة مصالح ذاتية سياسية.
رُبطت الرواية الواقعية الاشتراكية مباشرة وآلياً بوجهات نظر القادة السياسيين والحزبيين، وهذا ما أفقدها موضوعيتها ومصداقيتها.
الخلط بين انعكاس الواقع في تطوره الثوري الذي هو من الواقعية الاشتراكية، والتصوير الحرفي للواقع الذي هو من الطبيعة، رغم التحذير من الوقوع في هذا الخلط، فإننا نراه حاصلاً في معظم الروايات السوفيتية التي كتبت وفق منهج الواقعية الاشتراكية([55]).
2-6- البحث عن التراث القصصي ووعيه:
غدا النقد القصصي والروائي للتراث السردي على مفترق طرق في الستينيات مع صدور بحث فاروق خورشيد «في الرواية العربية ـ عصر التجميع» (1959). ويعد هذا الكتاب انعطافة أشرت إلى أهمية البحث عن التراث السردي العربي ووعيه اعتماداً على نصوص تنتمي إلى ما قبل التدوين والتجميع حيث التراث الشفاهي والأسطوري مثل «التيجان في ملوك حمير» لوهب بن منبه، و«أخبار ملوك اليمن» لعبيد بين شرية الجرهمي، و«السيرة النبوية» لابن إسحاق الذي رواه ابن هشام وسواها، ولعل هذه الإشارة تفصح عن اختلافها المضمر غالباً، والصريح أحياناً، مع النقد التقليدي الذي يرى القصة والرواية فنوناً سردية ذات مواصفات خاصة أخذت من التقليد الغربي لفهم هذه الفنون السردية المرافق لنشأتها وتطورها منذ مطلع عصر النهضة الأوروبية حتى مطلع القرن العشرين.
أطلق فاروق خورشيد نظرة مختلفة في فهم القصة والرواية تعترف بالتقليد العربي المتكون في ذلك التراث الشفاهي والأسطوري الطاعن في القدم والعراقة مما صار إلى قدامة لابد من فهمها، وهي مستمرة وموصولة في الممارسة القصصية والسردية في العصور التالية. إن هذه النظرة ساعدت على وصل السرديات الحديثة وتطورها بالسرديات العربية القديمة.
2-6-1- التراث السردي الشعبي:
عني فاروق خورشيد، أكثر من سواه بالإضافة إلى سبقه وريادته بوعي التراث القصصي والسردي العربي في إطاره الثقافي العام، وفي إطاره الفني الخاص كما في كتبه المتتالية «أضواء على السيرة الشعبية» (1959) و«الجذور الشعبية للمسرح العربي» (1992) وقبله «فن كتابة السيرة الشعبية» (1978) بالاشتراك مع محمود ذهني، و«في الأصول الأولى للرواية العربية» (1993)، ويلخص الكتاب الأخير نظرته إلى الموضوع، مثلما يبين باختزال واضح، جهوده المبكرة والدؤوبة لترسيخ هذا الوعي. يعيد خورشيد الفهم القصصي والروائي المغلوط والسائد للتراث السردي بوصفه قضية وعلامة هوية إلى خطأ الدارسين في اعتبارهم للأشكال الدرامية المختلفة للأدب العربي وافدة مع معالم الحضارة الغربية([56]). وعد دعوات ربط المنطقة بحضارة البحر الأبيض المتوسط، رفضاً للارتباط بالمعنى الحضاري العربي، ومن ذلك الدعوات التي تقفز فوق الفترة العربية والإسلامية، لتثير انتماءات إلى ما قبل الوجود الإسلامي في هذه الأقاليم، فهي مرة فرعونية، ومرة بابلية، ومرة آشورية، ومرة فينيقية، بل ومرة حميرية أيضاً. ووصل الأمر إلى الضجر من اللغة العربية نفسها ونحوها وصرفها، بل وحروف كتابتها، وظهرت الدعوة إلى التبسيط، وإلى إحياء العاميات، وإلى هجر الحروف العربية إلى حروف لاتينية في الكتابة نفسها([57]).
وعزا خورشيد ذلك إلى رسوخ قناعات غير سليمة تجافي طبيعة التراث القصصي، ونقد أسبابه، ملاحظاً أن دراسة الأدب الشعبي قد أسهمت في تغيير بعض هذه القناعات، لأن التراث القصصي محمل بالآثار الطقسية القديمة، وبمعطيات أسطورية وملحمية ودرامية وعقائد وثنية، ثم أثر الإسلام كثيراً، فيما بعد في صياغة ولادتها الجديدة، مؤكداً، أن الموروث العربي الروائي الذي وصل إلينا كان ثرياً وغنياً، وكان مليئاً بالعطاء الفني القصصي الذي يسر للكثيرين من المؤلفين أن يقدموا لنا كتب عصر التجميع التي احتوت هذه الأعمال بصياغتها الجديدة، كما يسرت لنا الإطلاع على مؤلفات عصر الإبداع الفني في السير الشعبية والحكايات المهمة، حاملة عطر شبه الجزيرة العربية وفنها الروائي، الذي لم يفقده العلاج الإسلامي شيئاً، بل لعله وظفه توظيفاً إنسانياً قريب الروح للمعنى الإسلامي، وقريب الدفاع من موقف الإنسان من الكون والله والإنسان الآخر، كما يفهمه الإسلام ويقره([58]).
أمعن خورشيد النظر في منابع الرواية العربية مطمئناً إلى وجود الفن الروائي العربي، ضارباً بجذوره في عمق التاريخ، مثل قصص الجنوب حول ملوك اليمن الحميريين التبابعة وغزواتهم وفتوحاتهم وأبطالهم، وقصص الفتوة والحروب قبل الإسلام بين القبائل العربية، ومنها أيام العرب، وقصص الأنبياء في كتب التفسير والتاريخ على أن هذا النوع من القصص قومي، وانتقد كعب الأحبار والإسرائيليات، وربط تفسير القرآن بالتوراة، ومثلها الطرائف، ومنها سجع الكهان وتفسير الأحلام والحكايات والنوادر وقصص الحيوان، ليخلص إلى نتائج هامة، ما تزال قيد الرفض والقبول، وهي «أن القصص الجنوبي يمثل بطولة الجنوب المتفوقة وموقف سيادة ملوك الجنوب القحطانية، وأن قصص الفتوة تمثل مرحلة الانتماء والتعرف على مكونات بطولة العربي، وإذا قلنا أن القصص الديني يمثل التبشير بالأديان والعقائد، فإننا نستطيع أن نقول: إن حكايات النوادر تمثل العمق الاجتماعي والمتبقيات السلوكية والقيم الأخلاقية للإنسان العادي في تفاعله مع الأحداث ومع عمقه التاريخي، ومع الموروث المعروف في عالمه كلّه بحثاً عن الرؤية الواضحة لمسيرة الإنسان»([59]).
وقد تزامن نقاش هذه الأطروحات على استحياء ونبرات تقليدية، في أعمال نقدية مبكرة أو تالية تسبح في مائها، مثل: «تاريخ القصة والنقد في الأدب العربي» (1956) للسباعي بيومي و«القصة في الأدب العربي القديم» (1960) لمحمود ذهني، و«القصة في الأدب العربي القديم» (1968) لعبد المالك مرتاض، و«القصص في أدب العرب» (1978) لمحمود تيمور، و«الفن القصصي العربي القديم» (1975) لعزة غنام، و«القصة العربية في العصر الجاهلي» (1977) لعلي عبد الحليم محمود، وغيرها.
ويعد الكتاب الأخير أكمل نموذج للمحاجة الصادقة والمتحمسة دفاعاً عن أصالة القصة العربية على الرغم من غلبة المنظور التقليدي في فهم القصة على البحث، كما في تعريفاته للقصة والقصة القصيرة والرواية والحكاية والأسطورة والخرافة، والتزامه بهذه التعريفات، في مجادلته من ينكرون هذه الأصالة، مما جعله يقع في تناقضات مع أطروحته المركزية، كما في قوله عن القصة القصيرة: «هذه التسمية لنوع من القصة لم يعرف في الأدب العربي إلا حديثاً، متأثرة بالأدب الغربي، ثم أخذت تنمو وتتطور حتى أصبح لها كيانها الخاص وموقعها المستقل وموضوعها الأصيل الذي تستقيه من واقعنا بما فيه من آمال وآلام، ومن وجداننا مما ينطوي عليه من أحاسيس ومشاعر»([60]). لا يعول المختصون كثيراً على بحث علي عبد الحليم محمود إلا في فائدته التوثيقية لآراء بعض المستشرقين في القصة العربية وتعليقه على هذه الآراء ومناقشته لها من جهة، وعلى جمعه لأنواع القصص الباقي من العصر الجاهلي، وجذورها من جهة أخرى. وبلغت العناية بوعي التراث القصصي والسردي إلى ذرى متعددة نشير إلى ذروتين منها، الأولى هي وعي التراث السردي الفولكلوري، ولا سيما السير الشعبية، والثانية هي وعي التراث الأسطوري.
شهدت الستينيات انطلاقة البحث في التراث الشعبي ولا سيما القصص والسير بفضل جهود عبد الحميد يونس ومحمد فهمي عبد اللطيف (وكان أصدر أول دراسة في مصر عن الأدب الشعبي هي «أبو زيد الهلالي»)، وفؤاد حسنين، وشوقي عبد الحكيم، ونبيلة إبراهيم وأحمد مرسي وغيرهم.
ويوجد أمثال لهؤلاء الرواد والباحثين في أكثر الأقطار العربية، ففي سورية نشير إلى جهود إلفة الإدلبي في كتابها «نظرة في أدبنا الشعبي» (1972) وعادل أبو شنب في كتابه «كان يا ما كان» (1972)، وبسام ساعي في كتابه «الحكايات الشعبية في اللاذقية» (1974) وغيرهم، وفي فلسطين نذكر جهود عمر عبد الرحمن الساريسي في كتابه «الحكاية الشعبية في التجمع الفلسطيني: دراسة ونصوص» (1980)... الخ.
ومن المفيد أن نشير إلى غالبية هذه البحوث لم تصدر عن متخصصين بالأدب الشعبي، أي أن تنبيه الرواد إلى قيمة الأدب الشعبي الحكائي والملحمي والسيري دفعت هؤلاء الأدباء والباحثين إلى وعي هذا الموروث السردي جمعاً بالدرجة الأولى، وتحليلاً فنياً على نحو قليل.
لقد صرح عادل أبو شنب في مدخل دراسته المشار إليها، وهي دراسته اليتيمة في هذا الميدان، إلى انبثاقها من وعي بالهزيمة في حرب حزيران 1967، مما يشير إلى ارتباط مثل هذه الأبحاث بمعاني وعي هذا التراث في تعضيد الذات القومية، وهي نغمة مكرورة في غالبية أبحاث وعي التراث الشعبي، وقد قطع أبو شنب جازماً بسلبية قيمة المتوارثة على نحو شعاري مما يتعارض مع بحوث آخرين، «فالحكاية إرث متوارث معشش في كل بيت، يبث الخرافة، ويعلم ما هو غير منسجم مع عصر التكنولوجيا، ويعود بالإنسان العربي إلى عصر الانحطاط»([61]).
واعترف محمد بسام ساعي في كتابه «الحكايات الشعبية في اللاذقية» (1974) أن بحثه حصيلة خمسة أعوام من البحث تمتد ما بين عامي 1965 و 1969، هي الفترة نفسها التي اتجه فيها الرواد والباحثون إلى دراسة السرد الشعبي، ومهد ساعي للحكايات التي جمعها بدراسة إجمالية لا تعنى بالفن أو السرد إلماحاً إلى تعبير هذه الحكايات الاجتماعي، وهو ما يطبع غالبية الدراسات آنذاك، وقد التفت ساعي عن طرق تصنيف الحكايات المعروفة عالمياً، مكتفياً بتقسيم الحكايات إلى ثلاثة أقسام بالنظر إلى موضوعها، ثم أحس بوقوع ثغرات «عندما كنت أقف طويلاً أمام بعض الحكايات، وأنا حائر في أية فئة أصنفها»([62])، مما يوضح ذلك الإقبال على وعي التراث السردي الشعبي دون عدة كافية لدى دارسيه وباحثيه. وكذلك فعل محمد خالد رمضان في جمعه لـ«حكايات شعبية من الزبداني» (1977) حين عني بجمع الحكايات دون أن يبذل، أدنى مجهود، في بحثها وتبيان قيمتها الفنية.
غير أن وعي التراث السردي الشعبي تطور خلال فترة قصيرة إلى أبعد من جمع الحكايات، باتجاه بحثها فنياً ودرسها دراسة مقارنة، كما في كتاب عمر عبد الرحمن الساريسي «الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني: دراسة ونصوص» (1980). ولا شك في أن دوافع هذه الأبحاث المعلنة مخصوصة بتزجية البعد القومي، حين ذكر الساريسي بين يدي بحثه أنه دلف «إلى مكتب الدكتورة نبيلة إبراهيم في كلية الآداب بجامعة القاهرة في يوم قائظ من صيف عام 1969 (لاحظ التاريخ!) وطلبت إليها أن تساعدني في خدمة قضية وطني المنهوب، عن طريق الإشراف على بحث في المأثورات الشعبية «الفولكلور» الفلسطينية»([63]).
كان عبد الحميد يونس الرائد الأكثر أهمية في التنبيه إلى القيمة السردية والفنية للقصص الشعبي من خلال كتابيه «الهلالية في التاريخ والأدب» (1968)، و«الظاهر بيبرس في القصص الشعبي» (1969). وتتلامح في شغل يونس أمور ثلاثة أولها العناية، بعد إهمال، للأدب الشعبي بوصفه الأدل على بيئته من أدب الخواص وأشباه الخواص، والذي يترجم مشاعر عامة أكثر مما يترجم عن مشاعر خاصة، لأن الأدب الشعبي هو الوحيد الذي يندرج فيه الأدب الجماعي، وثانيها بعده القومي، فالأدب الشعبي يدعم البحث التاريخي، ويعزز جهود الأصالة الثقافية، ويقارب قيمة الوثائق التاريخية التي لا يرقى إليها الشك، في أسلوبها، من باب ارتباط الأدب بالتاريخ، فالآثار الأدبية لا يمكن أن تفهم على وجهها الصحيح إلا على أساس من التاريخ، مثلما يصبح الأدب الشعبي مصدراً من مصادر التاريخ، وكان عبد الحميد يونس أصدر كتابه الشهير «دفاع عن الفولكلور» (1973) لمواجهة النزعات المعادية لدراسة الأدب الشعبي، وللتوكيد على أن الأدب الشعبي حافظ للهوية القومية، وليس مشتتاً لها، وثالثها الحرص على القيمة الجمالية والتعبيرية للأدب الشعبي عبر الأخذ بمنهج النقد الفني، «وهي تقتضينا كذلك أن نتعرف إلى المنشئ، وأن نرصد مدى المطابقة بينه وبين ما أنتج من صور التعبير، ثم تتخطى ذلك إلى مرحلة أخرى، فنقيس انعكاس صور التعبير هذه في نفس المتذوق»([64]).
ويبدو اهتمام يونس بالبعد القومي للأدب الشعبي الأكثر جلاء في مقارناته للهلالية بين التاريخ والمجتمع والأدب، وبين الهلالية وسيرة الظاهر بيبرس، كما في قوله: «وتزاوج هذين العنصرين الغنائيين الأساسيين الغرامي والحربي، أو الحب والبطولة هو الذي تكونت فيه سيرة بني هلال في صورتها الأخيرة، وقد بلغ هذا التزاوج أوجه في الديوان الخاص بالجازية الذي يقوم على إيثار الحبّ القومي العام على الحب الخاص»([65]).
ولم يغفل يونس، وهو يتقصى الأبعاد القومية والجمالية والحكائية للهلالية، عن مناهضة آراء بعض المستشرقين الجائرة بحق الموروث السردي للشعب العربي، فنافح عن السير الشعبية العربية إزاء رأي المستشرق الفرد بل Bel، الذي زعم أن سيرة بني هلال لا تبلغ أغنية رولاند، لا من حيث التركيب، ولا من حيث الأبطال، ولا من حيث الواقع. و«هو يرى أن الفرنسية قد صدرت عن إيمان عميق ووطنية خالصة، في حين أن العربية إنما هي في أغلب أجزائها حلقات متصلة من الغدر والاغتصاب والسرقة. فإن تتبع القصائد المعبرة عن الوقائع والحروب المشجعة عليها تنقض هذا الزعم من أساسه»([66]).
وتوج يونس جهوده في البحث عن الفولكلور وتشجيع الوعي به، إصداره لـ«معجم الفولكلور» (1983).
وتمثل أبحاث شوقي عبد الحكيم (مصر) الوعي بالتراث السردي الشعبي بما هو وعي بالتاريخ، فأفاد أن منطلقات البحث التراثي التاريخي الذي يجري تطبيقاته على نماذجه العينية الميدانية والمستهدف إعادة التبصير بالتراث، وصنوه التاريخ، أثنوغرافية لعلم الثقافة.
لقد عمد عبد الحكيم في كتابته لسيرة الزير سالم إلى جعل الحكايات رموزاً وعلامات وشعائر، إذ «عادة ما يتوارى التاريخ في ثنايا مثل هذه السير والملاحم الأسطورية العربية، ذلك أن التاريخ الأسطوري أو الطوطمي، تخالط الخرافة فيه التاريخ العيني أو الأركيولوجي»([67])، ليبدو الزير سالم تجسيداً للبطل الشعبي المقاتل و«ما أشبه هذا البطل الشعبي الفلسطيني المقاتل المهلهل بشعبه الذي نبت من صفوفه، في افتقاده لكلا أرضه وتراثه»([68]).
استفاد عبد الحكيم قليلاً من العلامية والأسلوبية ولم يوضح سنده أو مرجعيته العلمية، معولاً على الارتهان السياسي لهذه العلامات، كأن يقول:
«فلعلنا بإزاء ملحمة فلسطينية موغلة من القدم، بطلها الزير سالم، وسلم، الذي يشير اسمه إلى تسمية القدس أو أورشاليم، أو مدينة سالم، كما أنه نبت وتربى في وادي بير سبع أو بئر سبع، قبل تواجدها التاريخي ـ الفلسطيني الحالية، واتخاذها، كما ستخبرنا السيرة موطناً ومنفى»([69]).
وجه عبد الحكيم اهتمامه الرئيس إلى الأساطير والحكايات الشعبية العربية، في كتبه «أساطير وفولكلور العالم العربي» (1974)، و«الفولكلور والأساطير العربية» (1978)، و«الحكايات الشعبية العربية» (1980)، وحذا حذو يونس، فوضع «موسوعة الفولكلور والأساطير العربية» (1982)، وقد أكد في كتابه «الفولكلور والأساطير العربية» على أن «معظم السير والملاحم والقصص الشعرية الطقوسية التي يجمعها دارس الفولكلور في مصر، يمكن أن يعثر على متنوعاتها زميله التونسي والعراقي والليبي في بلاده، مثل: سيف بن ذي يزن، وسيرة الهلالية أو بني هلال، وسير وملاحم التبابعة ـ جمع تبع ـ مثل الزير سالم، وعزيزة ويونس، ويوسف وزليخة، وسارة وهاجر، والقميص، قميص النبي محمد(ص)، وزرقاء اليمامة، وبراقش، وعلي الزيبق، والأميرة ذات الهمة»([70]). كان عبد الحكيم صريحاً في إعلان موقفه القومي الصريح في بحثه عن الأدب الشعبي العربي في موسوعته، مثلما طور هذا الموقف ذاته من الإطار المصري إلى رحاب العروبة، فاختار موضوعات موسوعته «من منطلق عربي قومي، خاصة التراث الموغل في كلا العراقة والقدم للجزيرة العربية بأوطانها وكياناتها المختلفة، وما كان يسود تراثها منذ أقدم العصور من سمات وخصائص وإخصاب جارف، تمثل في أن وطننا العربي يعتبر اليوم من أهم المخزونات الإنسانية على المستوى القاري»([71]).
وثمة إسهامات أخرى لعدد من الباحثين والنقاد في دراسة الأدب الشعبي، متضمنة استعادته في أشكال سردية حديثة، مثلما فعل أحمد عباس صالح (مصر) في كتابه «ثأر ابن عنترة ـ دراسة تطبيقية في الأدب الشعبي» (1973)، وقد أراد أحمد عباس صالح، من معالجته الجديدة للسيرة، نفحة إرادة قومية، لأن «البطل العربي المعاصر، وإن يكن في مأزق حقاً، إلا أن عليه أن يفتش عن مخرج، وبما أن ليس هناك مأزق كامل، فلابد من وجود المخرج. إن روح الإصرار، والذكاء الخارق الذي تقدحه الأزمة. هو ما يمثله عنترة، وهو دائماً، وكما تصوره العقل العربي، يجد مخرجاً، ويحقق الانتصار»([72]).
وتندرج في هذا الاتجاه عشرات الأبحاث والدراسات العربية الأخرى، كما في دراسة علي الخليلي «البطل الشعبي في الحكاية الشعبية» (1979) «التي تلح على تكريس وجودنا التاريخي بالتشبث الواعي والمدروس بتراثنا الشعبي»([73]). وقد آثرت أن أشير إلى هذه الدراسة لأنها مكتوبة بقلم فلسطيني يعيش في ظل الاحتلال الصهيوني في مدينة نابلس، علامة من علامات وحدة الوعي العربي.
2-6-2- البحث عن التراث السردي الأدبي:
طفق الباحثون والنقاد العرب يبحثون عن تراثهم السردي، وتميز عقدا السبعينيات والثمانينات بوفرة الجهود العلمية في هذا المنحى، وكانت «المقامة» الفن الأقرب منالاً والأكثر مقاربة لمفهوم السرد الناجز، فتعددت محاولات تصنيفها وشرحها ودرسها، وكان كتاب شوقي ضيف (مصر) التعريفي الموجز «المقامة» (1954) منطلقاً لدراسات هذا الفن السردي جنساً قصصياً وأدبياً عربياً، كما في أعمال «فن المقامات في الأدب العربي» (1970) لعبد المالك مرتاض (الجزائر)، و«أثر المقامة في نشأة القصة المصرية الحديثة» (1971) لمحمد رشدي حسن (مصر)، و«فن المقامات بين المشرق والمغرب» (1979) ليوسف نور عوض (مصر)، و«مقامات بديع الزمان الهمذاني» (1982) لفاروق سعد (لبنان)، و«مقامات بديع الزمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد» (1983) لإكرام الفاعور (لبنان)، و«أزمة الذات في مقامات الهمذاني» (1996) للمنصف شعرانة (تونس).
وربما كانت دراسة عبد المالك مرتاض «فن المقامات في الأدب العربي» الأنموذج الأكمل في البحث عن هذا الفن السردي الموروث، فهي تمثل دراسة مرتاض مزايا النقد التقليدي ومحدوديته، ولا سيما تكرار متواتر القول حول الموضوعات المدروسة، إذ تغلب على الدراسة حدود المقامة اللغوية وتطورها عن النثر العربي القديم من سجع الكهان إلى الشبه بين الاسكندري وخالد بن يزيد، بطل الجاحظ، إلى تلمس أصولها في أحاديث ابن دريد، وهي صلات شاحبة واهية لصلتها بمقامات الزهاد. وقد استطرد في تقصيه دون أن يجزم في رأي، أو يضيف إلى الآراء المعروفة، وعلى الرغم من عثوره على مقامات غير معروفة، فإن تتبعه لنشأة المقامات لا تغطي ذلك التباين الواسع في أنواع المقامات وأعدادها، فهو أشار على سبيل المثال إلى مقامة السيوطي الإيروتيكية، ثم جاوزها، وجاوز مقامات أخرى عند حديثه عن تطور فن المقامات مقتصراً على طرائق ابن قتيبة والبديع والزمخشري، وعلى إلماحة عجلى لمقامات سارت على خطط فنية مختلفة غير مستوعبة لبقية خطط المقامات.
ونلاحظ أن معالجة مرتاض للخصائص الفنية للمقامات عنيت بالمضمون أولاً، وبالخصائص الفنية للشكل ثانياً، تغليباً للغة على حساب البنية القصصية، وعندما ناقش نصيب القصة والخيال في المقامة سار على غرار الشكل القصصي الغربي الناجز، مرتهناً لأدوات النقد التقليدي وتواضعه الإبداعي حين يحصر تأثير المقامات في الأسلوب واللغة فحسب، كدراسة التشبيهات وإبراز خصائصها الفنية، ودراسة الاستعارة والكناية في المقامات، وفن البديع ولا سيما المقابلة والطباق والتورية والجمع والألغاز والسجع والاقتباس والتضمين والقلب ورد العجز على الصدر، وتعليل انعدام الموازنة.. الخ، ومن شأن هذا الاستغراق اللغوي أن يغيّب السرد وخصائص الحكائية، ويتضح ذلك في مجموعة العناصر التي تقوم عليها المقامة، وكانت حوصلة بحثه:
«أولاً: القالب العام للمقامة ودراسته من مختلف النواحي.
ثانياً: الأسلوب والصياغة، وقد تضمن دراسة اللغة والتراكيب بتوسع، مع وقوف عند الغريب، والأنيق من اللفظ.
ثالثاً: التصوير البياني، وقد تضمن:
- دراسة التشبيهات وإبراز خصائصها الفنية بتوسع.
- دراسة المجازات والاستعارات، بشيء من التوسع.
رابعاً: فن البديع في المقامات، وتضمن البحث فيه دراسة معظم المحسنات البديعية الواردة في المقامات مع الإتيان بأمثلة لها، وقد تناولت الدراسة ما يلي:
- المقابلة.
- الطباق.
- التورية.
- الجمع.
- الألغاز.
- الجناس بتوسع، مع الإتيان بأمثلة كثيرة من مختلف المقامات.
- السجع، بتوسع أيضاً، ويجلب طوائف كثيرة من الشواهد النصية من المقامات.
- الاقتباس والتضمين، بتوسع وتفصيل.
- الموازنة.
- القلب، أو ما لا يستحيل بالانعكاس.
- رد العجز على الصدر.
- العكس»([74]).
ثم استدرك مرتاض فيض بحثه اللغوي والنحوي والبديعي الخالص إلى دراسة خجولة لقضية القصة في المقامة، ومدى قوة الخيال فيها أو ضعفه، ليخلص إلى اشتمالها على الحبكة والشخصيات والعقدة، ولكنه درسها أيضاً من منظور لغوي وبلاغي.
2-6-2-1- القصة:
وما لبث البحث عن التراث السردي أن وقع على نماذج من القصص العربي بصورها الأولى من الجاهلية أو المتطورة عنها بتأثير الإسلام، اعتماداً على تصنيف دارسي الأدب العربي القديم المتمثل في جهود محمد أحمد جاد المولى وزملائه في كتابهم المعروف «قصص العرب» (1939)، أو تثميراً لاجتهادات دارسين متأخرين أمثال موسى سليمان في كتابه الضخم «الأدب القصصي عند العرب» (1983)، وحسين أحمد أمين في كتابه «ألف حكاية وحكاية من الأدب العربي القديم» (1984). ورضوان السيد في تحقيقه لـ حكاية «الأسد والغواص» (1978).
أما الأبرز في جهود البحث عن التراث السردي فهو موسى سليمان في كتابه السالف الذكر، ويقع في خمسة مجلدات، حوى المجلد الأول دراسة نقدية للقصص العربي في أنواعه وألوانه جميعها، وخصص المجلدات الأربعة الأخرى لمختارات من القصص العربي الدخيل (لاحظ التسمية!) والأصيل، لأنه يوزع القصص إلى دخيل أو منقول، وهو الذي اقتبسه العرب عن غيرهم اقتباساً، وقصص موضوع أو عربي صميم، وهو من وضع العرب، ومن نماذج المنقول «كليلة ودمنة» و«هزار افسانه» عن الفارسية، و«سندباد الكبير والصغير» و«ألف ليلة وليلة» أو بعض حكاياتها عن الهندية، وهذا رأي لم يعد مقبولاً إثر اكتشاف أصول عربية لهذا السفر الخالد([75]).
ولا نغفل في هذه الإلماحة عن قصص العشاق النثرية التي دعمت البحث في التراث السردي، وتزخر كتب التراث بهذا النوع القصصي الذي نشأ في أحضان الإسلام الأول، واتسع في العصرين الأموي والإسلامي، ونفع في تطور الفن القصصي الذي كان يواجه الاستنكار والإكراه، ويلحظ عبد الحميد إبراهيم (مصر) في كتابه «قصص العشاق النثرية في العصر الأموي» (1972) أن شخصية الراوي ظهرت في هذا النوع القصصي أقرب إلى النضوج، إذ فقد اسم «الراوي» المعنى الحقيقي، وهو الحرص على صحة الخبر، والرجوع به إلى مصادره الحقيقية، و«أصبح ـ كما في القصص الشعبي ـ خيالاً يخترع للحلية والتمويه. وهذا يجعلنا نتحرج أشد الحرج في قبول أسماء كثير من الرواة فما أسهل أن يخترع اسم راو، كما يخترع بطل قصة، أو كما يخترع أي عنصر من عناصر القصة، وإذا كان أحد الشعراء قد سئل عن ليلى التي يشبب بها، فقال هي قومي، فليس ببعيد أن يسأل رجل عن هذا الراوي الذي ذكره، فيقول: هو عصاي»([76]).
2-6-2-2- الخبر:
وعني الباحثون والنقاد بفن الخبر على أنه مقاربة لفن القصة مقايسة للقصة القصيرة في معمارها الغربي، كما أوضحت في كتابي «القصة العربية الحديثة والغرب» (1994)، ونمت نظرة جديدة إلى فن الخبر على أنه فن قصصي، كما في الأبحاث التالية «فن الخبر في تراثنا القصصي» (فصول 1984)، و«النص الأدبي: مظاهر وتجليات الصلة بالقديم» (1988) لصدوق نور الدين (المغرب).
2-6-2-3- المسامرة والمنادمة:
رأى الباحثون في أخبار الجلساء والندماء مادة سردية غنية بالأحاديث والحوارات، بل إن كثيراً منها يتلفع بمتن حكائي. وقد صوب جمال سرحان (فلسطين) في كتابه الرائد في هذا المجال «المسامرة والمنادمة عند العرب حتى القرن الرابع الهجري» (1981) النظرة إلى مفهوم مجالس المسامرات والمنادمات، إذ لم تكن مخصصة للعبث واللهو ومعاقرة الخمر، ولكن، وبعد عرض تاريخي استطاع الدارس أن يزيل ذلك عندما تناول المجالس المختلفة في بلاط ذوي السلطان، فوجد أن جانباً من تلك المجالس كان مخصصاً لإنشاد الشعر أو المناظرات العلمية، أو الأحاديث الدينية أو الدنيوية، هذا بالإضافة إلى جانب آخر عني بالغناء والعبث والمجون»([77]).
ومن الواضح أن سرحان اهتم بأثر المسامرات والمنادمات على الأدب بعامة، دون أن يتقصى طابعها السردي، بينما حفل كتابه بمسامرات ومنادمات على هيئة الخبر أو الحكاية أو القصة.
2-6-2-4- المناظرات:
ووجد الباحثون في المناظرات والجدل مادة قصصية وسردية، مما جعلها مجالاً من مجالات البحث عن التراث السردي. ولا يخفى أن النقد الأدبي غفل عنها باستثناء إشارات لدى مؤرخي الأدب العربي القديم، وقد غمط بعض
[1]. رشدي، رشاد: «فن القصة القصيرة» ـ دار العودة ـ بيروت ـ الط2 ـ 1975 ص7.

[2]. النابلسي، شاكر: «تشيكوف والقصة القصيرة» ـ دار الفكر القاهرة 1963 ـ ص ص 12-13.

[3]. ركيبي، عبد الله: «تطور النثر الجزائري الحديث» المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر- 1978 ص ص 5-6.

[4]. المصدر نفسه ص ص 199-200.

[5]. الحازمي، منصور إبراهيم: «فن القصة في الأدب السعودي الحديث» دار العلوم للطباعة والنشر- الرياض، ص39.

[6]. يستند الحازمي هنا إلى أدوين موير في كتابه المعروف باللغة العربية «بناء الرواية»، ولكنه عاد إليه في نصه الإنجليزي.

[7]. المصدر السابق نفسه ص52.

[8]. المديني، أحمد: «فن القصة القصيرة بالمغرب ـ في النشأة والتطور والاتجاهات» ـ دار العودة بيروت 1980 ـ ص ص 7-8.

[9]. المصدر نفسه ص8.

[10]. المصدر نفسه ص ص 257-258.

[11]. غلوم، إبراهيم عبد الله: «القصة القصيرة في الخليج العربي ـ دراسة نقدية تحليلية» ـ منشورات مركز دراسات الخليج العربي ـ جامعة البصرة ـ مطبعة الإرشاد ـ بغداد 1981 ـ ص713.

[12]. مكي، الطاهر أحمد: «القصة القصيرة: دراسة ومختارات» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ الط2 ـ 1978 ـ ص5.

[13]. مينة، حنا: «هواجس في التجربة الروائية» ـ دار الآداب ـ بيروت ـ 1982 ـ ص5.

[14]. مينة، حنا: «حوارات: وأحاديث في الحياة والكتابة الروائية» (تحرير وتقديم محمد دكروب) ـ دار الفكر الجديد ـ بيروت 1992 ـ ص7.

[15]. الخراط، أدوار: «الحساسية الجديدة ـ مقالات في الظاهرة القصصية» ـ دار الآداب ـ بيروت ـ 1993 ـ ص ص 15-19.

[16]. الخراط، أدوار: «أنشودة الكثافة» ـ دار المستقبل العربي ـ القاهرة ـ 1995 ـ ص5.

[17]. المصدر نفسه ـ ص9.

[18]. المصدر نفسه ـ ص121.

[19]. الخراط، إدوار: «مهاجمة المستحيل ـ مقاطع من سيرة ذاتية للكتابة» ـ منشورات المدى ـ دمشق 1996 ـ ص4.

[20]. الربيعي، عبد الرحمن مجيد: «رؤى وظلال: نقد ودراسات» ـ نقوش عربية ـ تونس 1994 ـ ص256.

[21]. الربيعي، عبد الرحمن مجيد: «من سومر إلى قرطاج: قراءات في الأدب العربي المغاربي» ـ دار المعارف للطباعة والنشر ـ سوسة ـ تونس 1997 ـ ص235.

[22]. بدر، عبد المحسن طه: «حول الأديب والواقع» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ الط2 ـ 1981 ـ ص6.

[23]. المصدر نفسه ص10.

[24]. المصدر نفسه ص3.

[25]. الطالب، عمر: «الاتجاه الواقعي في الرواية العراقية» ـ دار العودة ـ بيروت 1971 ـ ص11.

[26]. مروة، حسين: «دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي» ـ دار الفارابي ـ بيروت ـطبعة ثانية مزيدة ومنقحة ـ 1976 ـ ص6.

[27]. المصدر نفسه ص7.

[28]. المصدر نفسه ص7.

[29]. فضل، صلاح: «منهج الواقعية في الإبداع الفني» ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1978 ـ ص8.

[30]. المصدر نفسه ص273.

[31]. المصدر نفسه ص333.

[32]. سماق، فيصل: «الواقعية في الرواية السورية» ـ مطابع دار البعث الجديدة ـ دمشق 1979 ـ ص7.

[33]. المصدر نفسه ص223.

[34]. صبحي، محي الدين: «دراسات ضد الواقعية في الأدب العربي» ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشرـ بيروت 1980 ـ ص7.

[35]. المصدر نفسه ص6.

[36]. المصدر نفسه ص8.

[37]. عبود، حنا: «واقعية ما بعد الحرب في الأدب والنقد والشعر» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1980. ص ص 5-8.

[38]. المصدر نفسه ص ص 8-9.

[39]. الشاوي، عبد القادر: «سلطة الواقعية ـ مقالات تطبيقية في الرواية والقصة» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1981 ص12.

[40]. المصدر نفسه ص27.

[41]. المصدر نفسه ص34.

[42]. الشاوي، عبد القادر: «النص العضوي ـ سلخ الجلد نموذج دراسي» ـ دار النشر المغربية ـ الدار البيضاء 1982 ـ ص5.

[43]. المصدر نفسه ص131.

[44]. بدير، حلمي: «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية الحديثة في مصر» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ 1981 ـ ص7.

[45]. الفيصل، سمر روحي: «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية» ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 1986 ـ ص24.

[46]. المصدر نفسه ص28.

[47]. المصدر نفسه ص ص 33-37.

[48]. العوفي، نجيب: «مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية من التأسيس إلى التجنيس» ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ الدار البيضاء ـ 1987 ـ ص7.

[49]. عثمان، عبد الفتاح: «الرواية العربية الجزائرية ورؤية الواقع ـ دراسة تحليلية فنية» ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1993 ـ ص10-11.

[50]. المصدر نفسه ص14.

[51]. المصدر نفسه ص147.

[52]. الفيصل، سمر روحي: «التطور الفني للاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية» ـ دار النفائس ـ بيروت 1996 ـ ص ص 225-226.

[53]. بركات، وائل: «الواقعية الاشتراكية ـ المغامرة والصدى ـ دراسة مقارنة» ـ منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق 1997 ـ ص3.

[54]. المصدر نفسه ص6.

[55]. المصدر نفسه ص194.

[56]. خورشيد، فاروق: «في الأصول الأولى للرواية العربية» ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1992 ـ ص7.

[57]. المصدر نفسه ص ص 14-15.

[58]. المصدر نفسه ص ص46-47.

[59]. المصدر نفسه ص ص158-159.

[60]. محمود، علي عبد الحليم: «القصة العربية في العصر الجاهلي» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ الط2 ـ 1979 ـ ص19.

[61]. أبو شنب، عادل: «كان يا ما كان ـ دراسة أدبية اجتماعية للحكايات الشعبية وأثرها في تكوين شخصية الفرد» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1978 ـ ص ص7-8.
ونلاحظ أن لغة الباحث تعاني من هيمنة الشعارات، ناهيك عن قلق التعبير، وافتقاده لدلالته الاصطلاحية، كما في استعمال «يبث الخرافة»، على أنها صفة مذمومة، بينما «الخرافة» نوع من أنواع النثر القصصي القديم.

[62]. ساعي، أحمد بسام: «الحكايات الشعبية في اللاذقية» منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي ـ دمشق 1974 ـ ص37.

[63]. الساريسي، عمر عبد الرحمن: «الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني ـ دراسة ونصوص» ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1980 ـ ص5.

[64]. يونس، عبد الحميد: «الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي» ـ دار المعرفة ـ القاهرة ـ الط2 ـ 1968 ـ ص15.

[65]. المصدر نفسه ص159.

[66]. المصدر نفسه ص158.

[67]. عبد الحكيم، شوقي: «الزير سالم أبو ليلى المهلهل» ـ ابن خلدون ـ بيروت 1981 ـ ص8.

[68]. المصدر نفسه ص9.

[69]. المصدر نفسه ص17.

[70]. عبد الحكيم، شوقي: «الفولكلور والأساطير العربية» دار ابن خلدون ـ بيروت 1978 ـ ص17.

[71]. عبد الحكيم، شوقي: «موسوعة الفولكلور والأساطير العربية» ـ دار العودة ـ بيروت 1982 ـ ص19.

[72]. صالح، أحمد عباس: «ثأر ابن عنترة ـ دراسة تطبيقية في الأدب الشعبي» ـ كتاب روز اليوسف ـ القاهرة 1973 ـ ص34.

[73]. الخليلي، علي: «البطل الفلسطيني في الحكاية الشعبية» ـ دار ابن خلدون ـ بيروت ـ الط2 ـ ص1979 ـ ص8.

[74]. مرتاض، عبد الملك: «فن المقامات في الأدب العربي» ـ المؤسسة الوطنية للكتاب ـ الجزائر والدار التونسية للنشر ـ تونس ـ الط2 ـ 1988 ـ ص ص 544-545.

[75]. لا يماري أحد اليوم في نسبة «ألف ليلة وليلة» إلى الثقافة العربية الشعبية، فقد كشف محسن مهدي (العراق)، أستاذ الدراسات العربية بجامعة هارفرد عن مخطوطات عربية قديمة، طبعها في شركة بريل للنشر بليدن (هولندا ـ 1984) تحت عنوان كتاب «ألف ليلة وليلة من أصوله العربية الأولى»، وقد كتبت عن هذه القضية مقالة فاحصة في كتابي «عن التقاليد والتحديث في القصة العربية» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1993 ـ ص ص285-298.

[76]. إبراهيم، عبد الحميد: «قصص العشاق النثرية في العصر الأموي» ـ دار الثقافة ـ القاهرة 1972 ـ ص125.

[77]. سرحان، جمال: «المسامرة والمنادمة عند العرب حتى نهاية القرن الرابع الهجري» ـ دار الوحدة ـ بيروت 1981 ـ ص5.





Eng.Jordan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #3

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 14,121

   11-26-2012

 08:33 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

الباحثين قيمة المناظرات السردية والقصصية، وإن أقروا باتساع الخيال ضمن خصائصها، وفي أحاديثها الحكائية، كما في كتاب أحمد أمين مصطفى (مصر) «المناظرات في الأدب العربي إلى نهاية القرن الرابع» (1984) الذي يؤكد مؤلفه «أن المناظرات كانت سبباً مهماً من الأسباب التي عملت على وضع قواعد علم البلاغة وتأليف صحائف في علم البلاغة، حيث كان المتناظرون حريصين على كلّ ما يمكن لهم عند المستمعين، ويجعل كلامهم يصل أعماق القلوب»([1])، ويفيد هذا الرأي أن أمثال هؤلاء الباحثين لم يلتفتوا إلى القيمة السردية للمناظرات على الرغم من أن غالبيتها تصاغ بأساليب السرد. وثمة آراء مضللة لدى أحمد أمين مصطفى بتأثير الاستشراق حين تعريفه للمناظرة، أو حين حديثه عن نشأتها، جازماً «أن فن المناظرة لم يعرف إلا بعد ظهور الإسلام»([2]).
ثم تطور البحث في المناظرات نحو الاهتمام بما تحمله من أصول الأجناس الأدبية السردية كالقصة والرواية، وفي اكتناز نصوصها للتخييل، كما في كتاب عبد الله التطاوي (مصر) «الجدل والقص في النثر العباسي» (1988). وقد أعلن في مقدمته عن وقفته المتأنية «عند ملامح القص باعتبارها ظواهر فنية متميزة لدى بعض مثقفي العصر ممن أعجبتهم مواهبهم الخاصة، فراحوا يرصدونها فناً جماهيرياً يستمتعون بانعكاساته على الناس»([3]).
وغني عن القول، إن الانتباه لقابليات الجدل القصصية، وهي مادة المناظرات الأساسية، ساعد في معرفة الانتقالات الكبرى في مناهج الكتابة النثرية باتجاه تطور فنّ القصّ، ويوضح التطاوي كيفية تأثير الجدل على تطور عناصر القصة في المقامة المغيرية مثالاً، وتطور أسلوب القص الواقعي في مقامات الحريري من خلال «المقامة الإسكندرانية» وطبيعة القص الخيالي في «رسالة الغفران»، وهي كتابات تندرج في ذلك الجدل الذي استخدم باتساع في الأدب العربي القديم.
2-6-2-5- السيرة الذاتية:
ونشط البحث عن السيرة الذاتية بذاتها، ثم بوصفها سرداً، وأطلق لأول مرة شوقي ضيف (مصر) في كتابه «الترجمة الشخصية» (1956)، وتلاه محمد عبد الغني حسن (مصر) في كتابه «التراجم والسير» (1957). وتعزز البحث في السيرة عبر إقدام نشر سير تراثية أو إعادة صوغها، مثلما فعل فريد جحا ومحمود فاخوري (سورية) في نشرهما «لسيرة ابن سينا» (1981)، أو مصطفى نبيل (مصر) الذي أعاد صوغ بعض السير في كتابه «سير ذاتية عربية» (1992).
غير أن شوقي محمد المعاملي (مصر) خطا خطوات واسعة في البحث عن التراث السردي من خلال السيرة الذاتية في كتابه «السيرة الذاتية في التراث» (1992)، أقر بأن السيرة الذاتية اصطلاح مستحدث، في الوقت الذي رأى فيه أن تراثنا حامل نتاج غزير ينتمي إلى هذا الجنس الأدبي، مثلما لاحظ تسرع بعض النقاد والدارسين في إنكار وجود عدد من الفنون في تراثنا كالقصة والمقالة والسيرة الذاتية، وفي هذا كله شيء من التناقض، سرعان ما بدده إيمانه أثناء دراسته «للترجمة الذاتية في أدبنا الحديث أن مجرى هذا الفن في ثقافتنا العربية موصول لا ينضب، وليس صحيحاً ما يتوهمه بعضهم من أن الذين ترجموا لأنفسهم في العصر الحديث كانوا مقلدين للغربيين في جميع الأحوال»([4]).
غدا المعاملي مدافعاً عن أصالة السيرة الذاتية في الموروث السردي، فانتقد آراء المستشرقين أمثال فرانز روزنتال وكارل بروكلمن، ومن احتذاهم أمثال شوقي ضيف في كتابه «الترجمة الشخصية» (1956)، كما انتقد المعاملي نقاداً ممن سبقوه أمثال إحسان عباس في كتابه «فن السيرة» (1956)، وهي، برأيه، دراسة «لم ترسم الخط البياني لتطور السيرة بالإضافة إلى إغفالها الكثير من النماذج الهامة»([5]).
أوضح المعاملي بعض ملامح تطور السيرة الذاتية في الأدب العربي، فأشار إلى أن استخدام العرب لكلمة «سيرة» أسبق من استخدامهم لكلمة «ترجمة»، لأن أول من استخدم كلمة «ترجمة» هو ياقوت الحموي (ت 626 هـ)، غير أن حصيلة المعاملي من بحثه لم تكن بالشأو الذي طمح إليه نفسه، سواء في التوصل إلى تعريف جامع مانع للسيرة الذاتية، أو في حدود ممارسة العرب لكتابة السيرة الذاتية، وفيها بعض التأثير الفارسي واليوناني المبكر على أن ذلك «تعميم لا يؤيده دليل قوي، فالسير الذاتية قد تعددت مناهجها بعد ذلك، وتباينت أغراضها وغايتها، فمنها ما كتب لاجترار (؟!) الذكريات استمتاعاً باستحضار الماضي، ومنها ما كتب للاعتبار، ومنها ما كتب للتطهير والتخفف من ثورة وانفعال، ومنها ما كتب للتحدث بنعمة الله وشكره على مننه كما... في سيرة عبد الوهاب الشعراني»([6]).
ربما كان كتاب المعاملي هو الأوسع استقصاء للسيرة الذاتية في التراث، ولا سيما السيرة المغمورة أو البعيدة عن الأضواء، كالسير في إطار التكوين الفكري والنتاج العلمي (سير العلماء)، وسير الإحساس بالذات إزاء الكون (سير المتصوفة)، وسير الاعترافات، وسير صور الذات ملتحمة مع الآخرين، كالسيرة المؤيدية ومذكرات الأمير عبد الله بن زيري، وسيرة عمارة اليمني، ورحلة ابن خلدون. ثم محص المعاملي عناصر الفن القصصي في السيرة الذاتية الموروثة، بأدواته النقدية التقليدية، واعتماداً على متواتر القول لنقاد سابقين مثل إحسان عباس، الذي وجه إليه في مقدمته، نقداً قاسياً، بينما أعاد بعض آرائه النقدية (انظر ص 240 على سبيل المثال)، ناهيك عن غلبة الدراسة اللغوية الوصفية لأساليب السيرة الذاتية، غافلاً مصطلحات نقد السيرة كالسرد والحكائية وسواه، مؤثراً التعامل مع أدوات النقد التقليدي، كتقصي الدلالة والدوافع والغايات، والكشف عن أثر الوراثة والبيئة والصدق والصراحة وتصوير الصراع والبناء بعبارات عامة.
ثم وضعت مها فائق العطار (سورية) كتاباً كبيراً عن السيرة في جزأين، الأول «السيرة الفنية في الأدب العربي حتى أوائل الثمانينيات» (1995)، والثاني «فن السيرة الذاتية في الأدب العربي حتى أوائل الثمانينيات» (1997). وقد فعلت العطار، مثل بقية دارسي السيرة الفنية والسيرة الذاتية، فعرفت بالسيرة، وتتبعت نشوئها في الغرب وعند العرب، ودوافع كتابتها عند العرب، وارتباط ذلك بسيرة الرسول الكريم (ص)، وأنواع السيرة العربية القديمة، وموازنة بين السيرة العربية والغربية، والأسباب التي أدت إلى تأخير ظهور السيرة الفنية في الأدب العربي الحديث، ونشأتها وأهم السير الفنية، ومناقشتها من جوانبها المختلفة وتحليلها تحليلاً نقدياً. ودرست في الكتاب الثاني السيرة الذاتية، والسيرة الذاتية العربية ونشأتها في الأدب العربي الحديث، وأهم السير الذاتية عند طه حسين وميخائيل نعيمة وكاظم الداغستاني وسلمى الحفار الكزبري ومراد السباعي، والخصائص الفنية. إن كتاب العطار بجزأيه هو الأوفى والأشمل حتى وقت صدوره، ويتميز عن سواه بتحليلاته الفنية الغنية.
2-6-2-6- العجائب والغرائب:
واهتم الباحثون والنقاد العرب بالسرد العجائبي والغرائبي بذاته أيضاً. إن ثمة عجائبية وغرائبية في كثير من النصوص السردية التراثية، ولكن التراث السردي العربي عرف ألواناً من السرد العجائبي والغرائبي ما تزال موضع إدهاش حتى يومنا هذا، وهي مبثوثة في المصنفات العربية القديمة، ولا سيما الجغرافية أو ما يتصل منها بأدب الرحلات. وقد أعاد عدد من النقاد والباحثين العرب نشر مختارات منها، مثل «عجائب الهند» (1992) ليوسف الشاروني و«جغرافية الوهم» (1993) لحسني زينة، و«ذخيرة العجائب العربية ـ سيف بن ذي يزن» (1993) لسعيد يقطين. وقد ذكر صبري حافظ أن كتاب حسني زينه تعبير عن «الأقاليم التي ابتدعتها المخيلة العربية. تصنع عالماً كاملاً، ينهض من ثنايا تلك المختارات المدهشة، ليرد عن المخيلة العربية الكثير من الاتهامات الظالمة التي لحقت بها»([7]).
وأورد سعيد يقطين في تقديمه لمختاراته أسماء بعض المصنفات الكثيرة في هذا المجال، وحقق بعضها، ونشر مثل «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» للقزويني في عام 1973.
2-6-2-7- الأسطورة:
وقد اشتدت العزيمة لبحث الأسطورة تالية لعمليات وعي التراث السردي الشعبي والأدبي، ومتداخلة معها، لاكتناه آفاقها في الذهنية العربية من جهة، وتثميراً لإمكاناتها السردية من جهة أخرى. وثمة أبحاث ودراسات كثيرة حاولت الإحاطة بالبعد الأسطوري في المكونات الثقافية العربية وامتدادها المستمر والراهن، وهذا واضح في الأعمال التالية على سبيل المثال، لا الحصر: «في طريق الميتولوجيا عند العرب» (1958) لمحمود سليم الحوت (فلسطين)، و«المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» (1970) لجواد علي (العراق)، و«الطوفان في المراجع المسمارية» (1975) لفاضل عبد الواحد علي (العراق)، و«مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة» (1976) لفراس السواح (سورية)، و«الأساطير: دراسة حضارية مقارنة» (1979) لأحمد كمال زكي (مصر)، و«البطل في الأدب والأساطير» (1979) لشكري محمد عياد (مصر)، و«ملاحم وأساطير من أوغاريت» (1980)، و«ملاحم وأساطير من الأدب السامي» (1989) لأنيس فريحة (لبنان)، و«من الأساطير العربية والخرافات» (1980) لمصطفى الجوزو (لبنان)، و«إمبراطورية إبلا» (1989) لعلي القيم (سورية)، و«الوعي الجمالي عند العرب قبل الإسلام» (1989) لفؤاد مرعي (سورية)، و«الأسطورة عند العرب في الجاهلية» (1988) لحسين الحاج حسن (لبنان)، و«الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة» (1992) و«العنف والمقدس والجنس في الميتولوجيا الإسلامية» (1994) لتركي علي الربيعو (سورية)، و«موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها» (1994) لمحمد عجينة (تونس).. الخ.
كان خليل أحمد خليل من أوائل المفكرين العرب الذين طرحوا أسئلة الأسطورة على الثقافة العربية الحديثة في كتابه «مضمون الأسطورة في الفكر العربي» (1973). وعلى الرغم من تأثره الواضح بأفكار عالم الإناسة البنيوي المعروف ليفي شتراوس، فإنه مس عدداً من القضايا الراهنة حول حضور الأسطورة في نسيج التعبير الشعبي والسلوك الاجتماعي في الوقت نفسه، على أن الأسطورة، بعد ذلك «تشكل جزءاً مهماً من البنية الأيديولوجية للمجتمع يمكنها من أن تغير أو تؤخر المجتمع حسب موقعها من بنيته الحتمية»([8]) حسب تقديم فؤاد شاهين للكتاب، وما يعنينا هو ارتياد خليل أحمد خليل لمناطق بحث بكر، ولا سيما دراسته للأسطورة بوصفها فلسفة العرب الأولى، من خلال أسطوريتين عربيتين صرف هما «ناقة الله»، و«ارم ذات العماد»، ومتابعته «لمسلسل الأساطير الإسلامية والشرقية الذي ظل يتكرر حتى أواخر العصور الوسطى»([9]).
وثمة رأي قابل للنقاش حول التجارة محوراً للاحتفالية العربية القديمة، مما سيكون مثار أبحاث تالية مثل بحث فكتور سحاب (لبنان) «إيلاف قريش: رحلة الشتاء والصيف» (1992)، وبرهن خليل عن نظرته بتخصيص الفصل الأطول من كتابه «لأسطورية الجنس والتجارة في ألف ليلة وليلة»، وهي نظرة لا تخلو من آثار المثاقفة بالتركيز على الفنطزة والغرائبية.
وتحتل أبحاث فاضل عبد الواحد علي (العراق) أهمية خاصة في الكشف عن السرد الأسطوري القديم، كما في كتابه «الطوفان في المراجع المسمارية» (1975)، ويقدم فيه نصوصاً أدبية وسردية عن قصة الطوفان، لا تسجل فقط «تفاصيل وافية عن هذه الكارثة المروعة التي تعرض لها الجنس البشري في قديم الزمان، وإنما لأنها تحتوي أيضاً ـ وخاصة النسخة البابلية ـ على تفاصيل دقيقة في غاية الأهمية عن معتقدات السومريين والبابليين بخصوص خلق الإنسان»([10]).
وتابع علي جهوده بعد قرابة عقدين من الزمن، في كتابه «سومر أسطورة وملحمة» (1997)، ويحوي الكتاب آخر ما استجد في حقل النصوص الأدبية المسمارية التي دونت بالسومرية والأدبية/ البابلية. ويؤكد في كتابه أن نظرة سريعة على تفاصيل محتويات هذا البحث «ترينا أن السومريين لم يتركوا ضرباً من ضروب الأدب إلا طرقوه: الملحمة والأسطورة، أدب الحكمة وأدب السخرية، كما أنهم ألفوا في الغزل، وكتبوا التراتيل والصلوات لتمجيد آلهتهم، ونظموا قصائد في رثاء ذويهم وأعزائهم، وفي رثاء مدنهم»([11]).
ويؤشر كتاب حسين الحاج حسن (لبنان) «الأسطورة عند العرب في الجاهلية» (1988) إلى آفاق البحث العربي عن الأساطير العربية القديمة، تطويراً لشغل باحثين سابقين أشرنا إلى أبرزهم، فيخصص فصلاً لتعريف الأسطورة ونشأتها، وفصولاً للأساطير الاجتماعية، الحياتية والخيالية، والأساطير الدينية، العبادات المختلفة وعبادة الأصنام. ومن تفصيله للأطوار التي مرت بها الشعوب البدائية، يذكر حسن: عبادة الأشخاص، عبادة الجن، تشكل الجن، عبادة الملائكة، عبادة الروح، عبادة الشمس، عبادة القمر، عبادة النار، عبادة الأشجار، عبادة الكواكب([12]).
غير أن «موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها» لمحمد عجينة هي الأوفى في بابها، إحاطة شاملة بموضوعها: مدخل إلى الأساطير، أساطير الخلق والأصول، أساطير الكواكب، أساطير المظاهر الطبيعية، أساطير الكائنات اللامرئية، أساطير البطولة والمؤسسات الإنسانية، مميزات الكون الأسطوري عند العرب ودلالاته. ولا يماري أحد في الثراء الأسطوري العربي، فثمة تعريفات لكل نوع، وتفريعات لهذه التفريعات، وسأذكر نموذجاً من أساطير المظاهر الطبيعية، فهي تحوي الأنواع الرئيسة التالية:
الأساطير ذات الصلة بالتربة والحجارة والجبال.
الأساطير ذات الصلة بالماء والآبار ومنابع المياه.
الأساطير ذات الصلة بالنار.
الأساطير ذات الصلة بالشجر والنبات.
الأساطير ذات الصلة بالهواء والريح.
أساطير الحيوان.
الأساطير ذات الصلة بالحيوانات الوحشية.
تقديس الحية ـ الجان.
الطير في الأساطير.
حيوانات أسطورية.

أما النوع الفرعي الأخير، فيضم:
الهامة.
أسطورة العنقاء.
العنقاء وخالد بن سنان العبسي.
العنقاء وحنظلة بن صفوان.
العنقاء والبوم وسليمان في قصة رمزية.
البراق([13]).
إنه بحث واسع وعميق عن الموروث السردي العربي، وهو شديد الثراء، في تنوعه وتعدد دلالاته. صحيح أننا عرضنا لأشكال من التراث الأدبي الشعبي، ولكن هذه الأشكال جميعها سردية، وهي في أساس تطور السردية العربية القديمة، وكان ظهر كتابٌ شاملٌ عن «التراث القصصي عند العرب» (1991) لمؤلفه مصطفى عبدالشافي الشوري (مصر) يرى فيه أن هذا التراث ممتد بجذوره في الثقافة العربية وممتد في العصور الأدبية كلها، غير أنه لا يضيف شيئاً إلى جهود البحث عن هذا التراث، لأنه مسبوق وغير دقيق. ومن المفيد أن نشير إلى أن الغربيين أنفسهم صاروا يعترفون بقيمة هذا التراث وتأثيره على تراث الإنسانية عموماً، كما في كتاب ا.ل. رانيلا «الماضي المشترك بين العرب والغرب: أصول الآداب الشعبية الغربية» (1986- وقامت بترجمته نبيلة ابراهيم عام 1999).
2-7- تأصيل النقد القصصي والروائي:
لم تبدأ الاتجاهات الجديدة من فراغ، ولم تتكون فجاءة. وإذا كانت الاتجاهات الجديدة في جوهرها تعبيراً عن نزوع علمي ومعرفي، وتعبيراً عن التطلع إلى التحديث، فإن عشرات النقاد المنتشرين في الوطن العربي قد مثلوا الانعطافة إلى الاتجاهات الجديدة من خلال سعيهم إلى تأصيل المناهج النقدية طلباً للموضوعية والعلم والتقليدية، بمعنى إدراج النقد ضمن تقاليده الأدبية والنقدية، والتأصيل يعني في الوقت نفسه استنهاض الأصول والاستمرار في السعي المشترك لتحديثها. وقد اخترت في هذا المنحى نقاداً ألمعيين عرفوا بجهودهم في تأصيل النقد العربي الجديد في رحلة التحديث الشائكة والمعقدة، لا تشغلهم الاتجاهات الجديدة المغالية، ولا يلتزمون بنهاجياتها، مؤثرين تثمير الأنساق الثقافية والنقدية واللغوية معرفة نقدية أصيلة، بما يتيح في الوقت نفسه المناخ لإدغام الاتجاهات الجديدة في اعتمال الناقد العربي الحديث بتاريخه وذاته، وهذا جلي في أعمال خلدون الشمعة ومحي الدين صبحي وانطون مقدسي (سورية)، وجبرا إبراهيم جبرا وسلمى الخضراء الجيوسي وإحسان عباس وحسام الخطيب (فلسطين)، وخليفة التليسي (ليبيا)، وعبد العزيز المقالح (اليمن)، وعبد الواحد لؤلؤة (العراق) ولويس عوض وغالي شكري وعز الدين إسماعيل ورجاء النقاش وشكري عياد وعبد القادر القط ومصطفى ناصف وفاروق عبد القادر (مصر) ومحمود طرشونة (تونس) وسواهم. واكتفي بعرض نماذج تمثيلية لشغل بعض هؤلاء النقاد للتدليل على طبيعة التأصيل وشؤونه ومناحيه ومراميه.
وابدأ مع مصطفى ناصف، وهو ناقد صاحب مؤلفات نظرية وتطبيقية في النقد والقضايا النقدية، دعا فيها إلى تطوير التراث النقدي بالاستفادة من المناهج الحديثة، ولا سيما النقد الأنجلوسكسوني في عنايته بالمعنى ومعنى المعنى، والكشف عن المستويات المتعددة لفهم النص، انطلاقاً من النص بالدرجة الأولى. وقد توقفت عند كتاب مبكر له، لأهميته في هذا السياق، ولا سيما نقد القصة والرواية، هو «رمز الطفل في أدب المازني» (1965). إنه عمل ريادي في النقد الحديث للقصة والرواية، لا يقطع وشائجه مع تراث النقد النقدي والبلاغي، ولا يسقط على النص المؤثرات الخارجية، بل يبدأ من الأعمال ذاتها باحثاً عن البعد الآخر للمعنى في دراسة قائمة على مسألة الرمز والاستعارة والمعنى وقضية التفسير. لا يثقل ناصف نقده بالمراجع والحواشي أو التمهيد المنهجي أو معاضلة تنسيب الكاتب إلى اتجاه أو مدرسة أو مذهب معين، مستعيناً بقدر من التعاطف والمحبة، ومتسلحاً برؤية نقدية وبآلياته التفسيرية والشارحة، تلمساً لفكرة أبعاد المعنى. إنه نقد تأويلي يستخدم لغة النقد الموضوعي وبعض إجراءاته، ويثير هذا الشغل مدى نضوج الاتجاهات النقدية. وقد أوضح ناصف أنه ليس معنياً بمجادلة «الذين أحسنوا إلى أدب المازني بدراستهم له، وإنما عناني أن أقدم تفسيراً أو قراءة متميزة بوجه ما فيما أعتقد. ومن حق كل كاتب أن يقرأ قراءات مختلفة، ومن الممكن أن يحمل أدبه على وجوه متنوعة. ومن أجل ذلك وقفت، في بعض الأحيان، عند أعمال معينة تثير مسائل أساسية في فن القراءة وفهم المازني. لم يكن مقصدي ـ إذن ـ هو ما نسميه التكنيك، وإنما قصدت ـ دائماً ـ إلى أن أقرأ النص قراءة متعمقة، أو أن أبحث عن المعنى»([14]).
أعلن ناصف أن هدفه من مناقشة المازني هو قراءة العمل قراءة تحليلية من أجل الكشف عن أغواره ودلالته على عقل المازني([15])، وهو لا يأتي العمل من خارجه، بل من داخله، مقاربة لشبكة علاقاته في مستواها البسيط، والعميق المجازي. وغالباً ما يبعث ناصف في نقده وفرة معرفية قوامها خزانة ثقافية ينهل منها الناقد ما يعين على سبيل القصد وعلى ثراء اللغة بالمعنى. كما في مثل هذا التحديد الصارم:
«مقصد الساخر إذن يختلف عن مقاصد غيره من الكتاب. حقاً إن الكتاب الساخرين يختلفون، كثيراً، في المزاج والتناول. ولكن مقصدهم جميعاً مقصد عملي واحد، هو التأثير في اتجاه القاريء واعتقاداته أو أفعاله»([16]).
وتتضح لغة ناصف في استعماله المحدد لمصطلحات النقد الجديد، الموضوعي في عنوانات فصول كتابه: النظام والتجربة الفردية، التوتر والمفارقة في تجربة الفنان، الحب ومعنى الثقافة، الموت: رمز العودة إلى الطفولة، أبعاد فكرة الموت، المعرفة والتعاطف، متاعب الطريق إلى الفن، المازني الناقد ومشكلات فنه، رمز الطفل. غير أن ناصف أخضع هذه المصطلحات لصوغه الخاص بما يجعل قراءته شديدة الجاذبية والثراء، وبما يساعد على إدغام نقده في جهود جيله التأصيلية. ويفيد مثل هذا الرأي أن الناقد لا يتأثر باتجاه محدد، أو يكون أميناً له.
ووضع حسام الخطيب مؤلفات نقدية كثيرة في نظرية الأدب والأدب المقارن والأدب الأوروبي، ونقد النقد، بالإضافة إلى ثلاثة كتب في نقد الرواية والقصة، هي علامات في مسيرة النقد الأدبي العربي الحديث على تأصيل النقد المخصص لهذه الأجناس الأدبية الحديثة، والكتب الثلاثة، هي «سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية الحديثة» (1973)، و«الرواية السورية في مرحلة النهوض» (1975)، و«القصة القصيرة في سورية: تضاريس وانعطافات» (1982). وقد سمى الخطيب منهجه تكاملياً جديداً، يستند إلى إنجازات النقد الأنجلوسكسوني الجديد، غير أنه يشد الركاب إلى منهجه الخاص خلل تفاعل مكونات شغله النقدي الذي يقوم على التحليل والتفسير والتقييم والتذوق والانتقائية([17])، ومراعاة خصائص الجنس الأدبي المنقود في فنيته ونظامه الداخلي وانتمائه إلى نسق ثقافي تاريخي، وهذا واضح في إيضاحاته المسبقة لمصطلحاته ومنهجه وأهداف دراسته، فهو متمكن من آلياته النقدية، ومتملك لفكر نقدي متواصل مع أصول النقد العربي واستمراريته، بالقدر نفسه الذي يتفاعل فيه مع التراث النقدي العالمي، وربما لهذا السبب كانت دراسته النقدية الأولى المعتبرة بحثاً في «المؤثرات الأجنبية» أمام ناقد معني بالهوية الثقافية لأدبه ولنقده العربيين. إنه مولع بالنقد الأصيل الذي يستجيب لطبيعة الأعمال الأدبية العربية، ويحافظ على محليته وهو يتحرك في فضاء الإنجاز النقدي العالمي الحديث. ولنلاحظ شيئاً من دقته وحدوده الصارمة ولغته النقدية الصافية:
«بالنسبة للمؤثرات الأجنبية، يعنى البحث الحالي بإبراز المؤثرات القصصية المباشرة والتركيز على دراسته الشكل الذي اتخذته في القصة السورية الحديثة، مع إظهار المؤثرات الأخرى الفكرية الفنية بمقدار ما يكون لها من علاقة بالموضوع المدروس. أما المقدمات الطويلة عن تأثير الغرب في الشرق، وعن تاريخ عصر النهضة، وعن التأثيرات العقائدية، فتلك أمور، على الرغم من أهميتها في بحث كالبحث الذي أقدمه، تدخل في نطاق اختصاص باحثين من نوع آخر. ومن واقع الدراسات الأدبية العربية التي قرأتها يخيل إلي أن الباحث الأدبي لا يستطيع أن يعطي في مثل هذه الأمور إلا آراء ذات طابع عام من جهة، ومن جهة ثانية هناك خطر الانزلاق وراء مثل هذه البحوث والتركيز عليها أكثر من التركيز على الظاهرة النوعية المدروسة»([18]).

ومن المأمول ألا يوحي ذكر هؤلاء المؤصلين بأنهم ينتمون إلى اتجاه واحد، فهم يتفقون في الاشتغال على التأصيل، ويختلفون في مناهجهم ويتفاوتون في تمثلهم أو تمثيلهم لهذا المنهج أو ذاك.
مهد الخطيب لنشأة القصة السورية الحديثة وتطورها في إطار القصة العربية، وأجاب عن أسئلة التطورات الثقافية والمؤثرات الأجنبية في المراحل الثلاثة لهذا التطور: المرحلة الأولى (1937-1949)، المرحلة الثانية (1950-1958)، المرحلة الثالثة (1959-1967)، وتقصى الملامح الخاصة للتيار الوجودي وأدب الضياع في القصة السورية، إذ برز التيار الأول ابتداء من الخمسينيات في المرحلة الثانية، بينما شاع أدب الضياع على أقلام القصاصين والروائيين منذ أواخر الخمسينيات في المرحلة الثالثة.
وأورد دراستين تطبيقيتين للمؤثرات الأجنبية من خلال مثالين متباينين هما «في المنفى» (1963) لجورج سالم مقارنة مع «المحاكمة» (1963) لفرانز كافكا، والمثال الثاني هو «العصاة» (1964) لصدقي إسماعيل والمؤثرات الأجنبية، وقد اختارهما مثالاً للتأثر المباشر عند جورج سالم، ومثالاً للأبعاد المختلفة التي تمثلت فيها المؤثرات فكراً وفنّاً. وقد تميز نقد الخطيب، بوجه عام، بتحليله العميق وتقييمه الحصيف لطبيعة العمل الأدبي ولاستهدافه الفكري، كمثل قوله: «الحاكم في رواية سالم، كالقاضي في رواية كافكا، ظل مختفياً ومجهولاً، ولم يستطع أحد أن يعرفه أو يتوصل إليه، وكان يُعرف بأعماله وآثاره، لا بشخصيته، وفي رواية كافكا بوجه خاص تبذل جهود مضنية لمعرفته أو التوصل إليه، وتنتهي بإخفاق تام»([19]).
ويلفت النظر في نقد الخطيب أنه لا يبتسر تحليله، أو يمده فيما لا طائل وراءه في اللغة أو إبداء الرأي، بل يجعل من نقده صوغاً مكثفاً دالاً على طبيعة العمل ومعناه، كما في تحليله لرواية «العصاة»: «إنها رواية أفكار، لا رواية ناس، وحتى من الناحية الكمية الخالصة، يمكن أن نقول إن صفحات المناقشة والتحليل الفكري تغلب كثيراً على صفحات القص، وفي الوقت نفسه تتغلب المادة السياسية حجماً وعمقاً على ما سواها. وإن كان لها منافس آخر في الرواية، وهو المادة السيكلوجية التي حسب لها الكاتب حساباً كبيراً خلال الرواية حتى لنحسب أنه أسرف فيها إسرافاً لا تحتمله رواية ذات موضوع شامل كهذه مما يجعل الحديث عن هذا العنصر يشكل مستقل ضرورياً عند الحديث عن شخصيات الرواية»([20]).
من الواضح، أن الخطيب يستعمل مصطلح «القصة» للدلالة على أشكال النثر القصصي كلها، ما لم يردف المصطلح بوصف «القصيرة» تمييزاً لها من «الرواية». وكذلك فعل في كتابيه التاليين.
انطلق الخطيب على الدوام من إيمانه المطلق بوحدة المناخ الثقافي العربي، وهو ما أكده في كتابه «الرواية السورية في مرحلة النهوض»، فإن أية دراسة إقليمية لابد من أن يفضي بالضرورة إلى بيان عمق الرابطة بين الإطار المحلي والإطار القومي الشامل، بل لابد من أن تفضي إلى تأكيد وجود هذه الرابطة، مثلما أعلن حرصه على هذا المنهج القومي، فليست العبرة في أية دراسة حدود موضوع، وإنما منهجها، ويجب أن يوجه النقد إلى تلك الدراسات التي تتعمد التناول المنفصل للظواهر المحلية، وترتكب في ذلك بالطبع، حسب تعبيره، مخالفة منطقية ومنهجية شديدة، بالإضافة إلى المخالفة القومية.
يشابه نقد الخطيب ما سماه ف. ر. وليمز التمحيص «Scrutiny»، وهو اسم المجلة النقدية التي احتضنت تجربة النقد الجديد، ولذلك ظهرت عنايته الفائقة بالنظرية الأدبية، ولا سيما جلاء الموقف من قضية المؤثرات الأجنبية، ومن قضية التقاليد الأدبية والنقدية وأهمية تجذيرها في الفعالية النقدية. وتتسم أعمال الخطيب النقدية جميعها بهذه السمات: العمق، الوضوح، صواب الاتجاه، والعزيمة في السعي إليه، المعايير الدقيقة، ولا يقصر هذه السمات على مصنفاته التي صُنفت على أنها كتاب، وإنما في مقالاته وأبحاثه التي جمعها في كتاب مثل «القصة القصيرة في سورية: تضاريس وانعطافات»، وقد صرح الخطيب في مقدمة هذا الكتاب بسمة أخرى من سماته النقدية، أعني بها الانتقائية بقوله: «إن المحاولة الحالية ـ بوصفها انتقائية ـ لا يمكن أن تكون حصرية»([21])، ولعل دراسته الأولى عن مجموعة عبد السلام العجيلي «بنت الساحرة» (1948) نموذج طيب لشغله النقدي، فهو يضع العجيلي في مقامه الأدبي، والمجموعة في منزلتها الفنية والفكرية، ثم يفرد حكمه التقييمي، لتكون الدراسة برمتها برهاناً: «إن الفن عند العجيلي هو محاولة دائمة لاستكشاف الحياة وأسرارها، والحياة في عالمه القصصي مفعمة بالغرابة والغموض والتعقيد والتداخل»([22]).
ولا يخفى أن الخطيب دبج بحثاً نقدياً في خمسين صفحة من القطع الكبير ليعلل هذا الحكم التقييمي. وكان البحث الثاني، مختلفاً، تقصى فيه ظاهرة محددة هي «نهوض القصة القصيرة في الخمسينيات»، فحدد منهجه والخطوط العامة للمرحلة ونشاط الإنتاج القصصي، ونشوء تجمعات وقيم أدبية، لتتبوأ القصة القصيرة بعد ذلك الصدارة. ويتبدى في هذا البحث، على وجه الخصوص، اندغام إجراءاته النقدية، ما بين التحليل والتقييم، كما في مثل هذا الرأي المعلل أو المبرهن عليه:
«على أنه يمكن القول إن معظم كتاب المرحلة ادعوا الصلة بالواقعية بطريقة أو بأخرى، وأحبوا دائماً أن يزعموا لقرائهم أنهم منبثقون عن الواقع متحمسون بحرارة مشكلاته. وكما يمكن أن يستنتج من كل ما ذكر سابقاً كان التياران السائدان في الكتابة الأدبية، وهما التيار القومي والتيار الواقعي الاشتراكي، يؤكدان مسوغ وجودهما في التصاقهما الملح بالوقائع السياسية والاجتماعية للمرحلة»([23]).
وتمتح لطيفة الزيات (مصر) من المعين الأنجلوسكسوني إياه، مع ملاحظة التنازع بين اتجاه النقد الموضوعي في مؤلفات مثل «نجيب محفوظ: الصورة والمثال» (1989)، و«فورد مادوكس فورد و.. الحداثة» (1996)، وبين الميل الإيديولوجي في مؤلفات مثل «من صور المرأة في القصص والروايات العربية» (1989).
يوصف نقد الزيات بأنه أشبه بالإضاءة الفنية والفكرية لاحتفائه بالتحليل والتفسير العقلاني المنطقي لعناصر النص، فيعنى نقدها بالتقنية أولاً، وبالمضمون لاحقاً. بيد أن الزيات تسارع إلى إيضاح فترة كتابتها لغالبية مقالات وأبحاث كتابها التي تعود إلى مطلع الستينيات، وكانت في حينها شديدة الافتتان بمنجزات الرواية الأوروبية الحديثة، فاتجهت لدراسة تقنيات الرواية قصد «محاولة فهم المعنى العام للنص، واستنباط هذا المعنى من أطره الفلسفية المدرجة في كل رواية، وتأصيل الأسس الفلسفية لهذه الأطر»([24]).
عمدت الزيات إلى التصريح بأسلوبها النقدي، وهو إلقاء الضوء على عالم نجيب محفوظ القصصي من زوايا جديدة تقنية ومضمونية، ورهنت تحليلها إلى أهمية تحديد قيمة نجيب محفوظ تقنياً وفنياً مثل: «أن يخرج من نطاق التسجيل الفوتغرافي إلى نطاق التصوير الرمزي الذي يغني التجربة الواحدة بمستويات مختلفة من المعاني»([25])، فاستخدم نجيب محفوظ في «اللص والكلاب» (1965) ألوان التكنيك التي تتبع مجرى الشعور، وتمثل إنجازه في «إحداث التوازن المطلوب بين الحقيقة الخارجية والحقيقة الداخلية، ربما لأول مرة في تاريخ القصة المصرية»([26]).
اعتنت الزيات بوجهة النظر للكشف عن نفسية الشخصية وطريقة تفكيرها، وعالجت بعمق وبنفاذ بصيرة تقنية توارد الخواطر: الذاكرة والحواس والمخيلة، والتفتت إلى المونولوغ الداخلي المباشر وغير المباشر. وانتقلت في مقالتها الثانية إلى معاينة نقدية للشكل الروائي من «اللص والكلاب» إلى «ميرامار» (1967).
رهنت الزيات بحثها عن المعنى بصوابية المنهج وسلامة التحليل وانسجامه، أما استخلاص الرؤية فتؤول إلى انبثاق ما يدعم الوعي من حقائق موضوعية. لا تورد الزيات المعلومات النظرية لذاتها، فتسري في نسغ النص بما ينفع في إضاءة تقنيات الرواية المدروسة التي تتمحور حول «الأغراض» وسبل بلاغتها وإبلاغيتها: وجهة النظر، المنازع النفسية، النجوى والحوار، البنيان والأسلوب، مستويات المعنى، مسار الشخصية، مفاهيم القدرية والحتمية، الحدث كوحدة فنية، نمط التوليف أو «المونتاج الروائي»، وعي الشخصية، النسق الفكري.
ولا تباشر الزيات أيضاً إطلاق أحكامها في تحديد فكر العمل الأدبي أو «غرضه» أو «قصده»، كما في هذا الرأي في رواية «الطريق» (1964): «في ظل هذه الخلفية في الطريق نستطيع أن نتبين مستويين للمعنى، أحدهما سطحي وملموس، والآخر أكثر تأصيلاً، وأن استخفى، وينطوي التعارض بين المستويين السافر منهما والمستقر على مفارقة حادة تعلق على طبيعة الوجود»([27]).
أفلحت الزيات في تأصيل النقد القصصي والروائي العربي الحديث، بمقدرتها العالية على استشفاف مطاوي الروايات ومعانيها، وبفطنتها الرحيبة على رؤية عالم هذا الروائي العظيم وتنازعه بين الواقع والمثال، وتحديد مصادره في فلسفة هيجل.
ونشرت الزيات كتابها «فورد مادوكس فورد و.. الحداثة» (1996) بعد قرابة عقدين من الزمن من كتابته الأولى باللغة الإنكليزية فيما بين عامي 1964 و 1970. وتعطي هذه المقالات فكرة دقيقة عن منهجها الموضوعي الذي ينهض من تراث نقدي أسهم بفعالية في مسعى الحداثة. والكتاب، بعد ذلك، برمته، إضاءة لاتجاه الحداثة من السياق النقدي والتنظيري للأدب في الغرب. تناولت المقالات ما يلي:
فورد رائداً من رواد المفارقة بمعناها الحديث كعنصر بناء في العمل الفني.
مقومات الحداثة في النقد الأدبي لتوماس هيوم وفورد: النظرة للحقيقة.
أسبقية فورد على اليوت فيما يخص العمل الفني وعضويته.
نظرية فورد النقدية ونقده التطبيقي والانفصام بين النظرية والتطبيق.
التفسير التحليلي لروايته شديدة الحداثية: «العسكري الطيب» (1915).
لا يماري أحد في نصاعة لغة الزيات النقدية، ودقتها، وتجنبها لغواية الإنشاء أو الذاتية، وتقليلها من الاعتماد على ملكة التذوق، إذ يندرج نقدها في المنهج الموضوعي. لنلاحظ هذا النموذج: ويتيح «استخدام ضمير المتكلم للراوي أهدافاً أخرى، كما ذهبت في تحليلي للرواية، وهو كحيلة أسلوبية يسبغ على الرواية طابعها البنائي القائم على اللبس والازدواج والأوجه المتعددة للتجربة الواحدة، كما يمدها بعدد لا نهاية له من التعديلات والتبديلات المبنية على المفارقة»([28]).
وبالقدر الذي كانت فيه وجهود الزيات النقدية جسراً إلى الحداثة، فإن كتابها عن فورد مادوكس فورد يسهم في توطين الاتجاهات الجديدة في وعي نظري جديد، وفي تطبيق مقارب لحدود الموضوعية التي تجعل من النقد الأدبي معرفة بذاتها.
بينما كان كتابها «من صور المرأة في القصص والروايات العربية» أقرب إلى التبشير العقائدي على إيمانه بتعدد المناهج، فالغالب على نقدها ميله الاجتماعي والأيديولوجي والتبشير الصريح. يرضي هذا الكتاب التوظيف المباشر للأدب في صراع الأفكار، وهي صفة غالبية هذه المقالات، وهي جعلت من موضوع المرأة مادة دراسية لتبيان مدى تأثير الأفكار في البناء الفني: المرأة كبش فداء، وبلغت وطأة الأفكار حداً أقصى، حين صار النقد الموضوعي أيضاً إلى نقد موضوعات، كمثل مناقشتها لأسلوب زكريا تامر، الذي يمسك «بالحقائق الرئيسية في مجتمعنا العربي الراهن، وهو يخوض أزمته الراهنة في إيجاز موجع، (لاحظ الخروج عن النقد!) وفي تصوير كاريكاتوري صارم يخرج بقصصه من باب التخصيص إلى باب التعميم. وكل قصة من قصص زكريا تامر عالم صغير متكامل مستقل بذاته يوحي إيحاءً دالاً ومكثفاً بالواقع العربي الذي نعيشه. وكل جزئية يتناولها زكريا تامر تحمل بذور الكلية أو بذور المجتمع مكتملاً، والكل هو جماع جزئياته، والكاتب يهتم بكل جزئياته، ويتمتع بالبصيرة التي تتيح له إدراج كل جزئية من الجزئيات في كليتها أياً كانت هذه الجزئية. وزكريا تامر إذ يحكي قصة حب أو زواج، أو جوع أو قتل، أو لحظة صفاء يكدرها عنف، يحكي قصة واقع بأكمله بكل مقوماته»([29]).
وبعد ذلك كله، يبين نقد الزيات كم تفسد الأيديولوجيا والتبشير بها النقد. قد يكون رأيها في قصص زكريا تامر صائباً، ولكنه إسقاط على النص دون تحليل، ولو في حدّه الأدنى، بينما استوى نقدها في كتابيها السالفين في المنهج الموضوعي الذي ترسخ خلال السبعينيات إشارة إلى أصالة نقدية.
ويمثل محمود طرشونة (تونس) نموذجاً آخر من نماذج تأصيل النقد، كما في كتابه «مباحث في الأدب التونسي المعاصر» (1989)، رابطاً بين التراث والحداثة داعياً إلى قراءة شمولية شرع بممارستها منذ دراسته للتراث السردي «مائة ليلة وليلة» (1979).
يعتمد طرشونة في تحليله الأسلوبي تسميات قصصية من التراث، ولا يجازف باستعمال مصطلحات السرد، فالحداثة عنده موصولة بلغتها وخصوصياتها الأدبية والثقافية، ورأى أن تضافر أربعة عناصر من شأنه أن ينشئ أدباً كونياً ذا إشعاع عالمي، وهي:
«- استلهام التراث.
- الانطلاق من قضايا المحيط الذي يعيش فيه الأديب.
- البعد الإنساني.
- القيمة الفنية»([30]).
وقد تحققت هذه العناصر في أدب محمود المسعدي الذي خصه بقسم من كتابه، شمل خمسة أبحاث وحواراً، والمسعدي رائد كبير من رواد التحديث بالموروث السردي العربي. أما منهج طرشونة فعماده التحليل والتفسير النصي أساساً، والعوامل المساعدة قليلاً.
أما محي الدين صبحي (سورية) فيغلب عليه المنهج الموضوعي مع ميل لا يخفى إلى إحلال التذوق مكانة أكبر في التطبيق، وقد خصّ نقد الرواية بكتابين هما «البطل في مأزق ـ دراسة في التخييل العربي» (1979)، و«أبطال في الصيرورة ـ دراسات في الرواية العربية والمعربة» (1980)، وهما يظهران جهده التأصيلي في مقاربة المنهج الموضوعي في بواكير تمثله الأولى في النقد الأدبي العربي الحديث، حيث تمازجه نزوعات نفسية أو فكرية، وأحياناً شعارية حين يجعل من الموقف الاجتماعي قيمة فنية في نقده لليلى بعلبكي، وهي روائية عربية من لبنان شغلت الساحة الأدبية والنقدية في الستينيات في أعمالها «أنا أحيا» (1958)، و«الآلهة الممسوخة» (1960)، و«سفينة حنان إلى القمر» (1962). وتخترق مثل هذه النزوعات كينونة العمل الأدبي، فتنزلق إلى اختلاطات التماهي بين الروائي أو القاص وأبطاله، وإلى التداخل بين مجتمع الرواية، وفعالية الكاتب، كما في هذه العبارة الختامية لنقد أعمال بعلبكي:
«وفي النهاية لابد من الاعتراف، بأن ليلى بعلبكي قد أضافت شيئاً أصيلاً إلى الرواية العربية.. وحاولت أن تكون فتاة طليعية في معركة التحرر الاجتماعي»([31]).
ويشير وضع العنوان ذاته إلى طريقة النقاد الموضوعيين حين يختزل أهم ما في الكتاب، أو يكون عاماً يدل على منحى الدراسة وموضوعها، وفكرة البطل في مأزق تختصر، برأيه، تصور الروائي للوضع البشري في مجتمعه، فالقاسم المشترك الذي يجمع بين أبطال الروايات والقصص جميعها هو أنهم كلهم في مأزق لا سبيل لهم إلى الخلاص منه. وما يلبث صبحي أن يدلل على ظاهرة غالبة على أبطال التخييل العربي، عندما يجد السرد يتوقف عند المأزق ويترك البطل فيه. ثم يوسع الدلالة لتغدو أوضاع هؤلاء الأبطال مستوعبة لحال الإنسان العربي، إذ تعكس عجزه عن تغيير الواقع، «ولذلك، فإن الأبطال جميعهم يذهبون ضحايا تصديهم لهذا الواقع ومحاولة تغييره»([32])، وهذا أحد وجوه الظاهرة، وما يريده صبحي هو التحليل الذي يكشف عن المعنى، وليس مجرد الأحكام، غير أن هذا التحليل يحيل إلى المجتمع، ويسقط إحالاته على مجتمع الرواية. ولعل صوغ القصة القصيرة لا يبيح النظر إلى مقدرتها الفنية على صوغ مجتمعها الخاص مثل الرواية. وينطوي هذا الرأي على أن صبحي لا يعتني العناية اللازمة بالتجنيس الأدبي أو معياريته، فهو لا يكتفي بالنص، بل غالباً، يحيل إلى خارجه، إلى حدّ اتهام المؤلفة ليلى بعلبكي في الدراسة السالفة الذكر بالجهل، فالفوز دائماً لنقد الأفكار، كما يؤمن بها صبحي نفسه، وهذا واضح في نقده لعبد النبي حجازي، فقد جعل رواية «قارب الزمن الثقيل» (1969) تمثيلاً لهزيمة حزيران بين الانخلاع الطبقي والانحلال الخلقي، ورواية «الياقوتي» (1977) رواية التعطيل نحو المطابقة بين احتقار الذات واحتقار المجتمع، ويلفت النظر أنه يورد «التعطيل» ترجمة عربية صحيحة لمصطلح Suspense، ويضيف أن علماء الكلام المعتزلة استعملوه، ومن المثير أن المعنى يمتد إلى تعليق الفعل أو إرجائه، وقد مدّه صبحي إلى «التعطيل» أو «العطالة»، ولكنه يمضي في التحليل قليلاً أو كثيراً ليكشف عن أفكار العمل الأدبي وحدها، وليست هذه طريقة نقدية مرغوبة أو مأمونة في عرف النقاد الموضوعيين أنفسهم، ولا يكتفي النقد عادة بأسطر قليلة عن التقنية في ذيل النقد، كأن يقول الناقد: «والتقنية في الرواية مبسطة جداً، فالروائي خجول يستنكف عن عرض مهاراته التقنية بحيث يقتصر على طريقة واحدة في السرد دون تغيير يراد به إرباك القارئ»([33]).
ولا يختلف في كتاب «أبطال في الصيرورة» كثيراً عن سابقه، بل إنه يعيد نشر دراستين منه، وهما الدراستان المكتوبتان عن أحمد إبراهيم الفقيه (ليبيا) وعادل أبو شنب (سورية). وقد حاول صبحي تسويغ دراساته في كتاب لتندرج جميعها في عنوان كتابه الجديد الذي وجده «أصلح تعبير عن الشخصية العربية، في المرحلة الراهنة، كما صورتها مخيلة الروائيين العرب، فهذه الشخصيات جميعها غير مكتملة الملامح إلى حدّ بعيد. إنها في صميمها تعيش وضعاً انتقالياً بين ذاتها وذاتها، وبين وضعها ووضع آخر تتطلع إليه وبين مجتمعها كما هو والمجتمع الذي تصبو إليه، وهي تعي هذا الانتقال وتتقصده وتكافح من أجله»([34]).
ثمة آراء متداخلة وأحكام غير معللة، ولكن صبحي جاوز حدود الدراسة المفردة مما حواه الكتاب إلى إثارة قضايا نابعة من استعمال المنهج الموضوعي من أجل تصليبه ونفوذه في السيرورة النقدية الحديثة، ومنها الاستعانة بالتحليل النفسي، أو الولع بأحكام القيمة، أو البحث عن الهوية، أو استخدام مصطلحات وعبارات في غير محلها.. الخ، وتتلامح بعامة في كتابه مظاهر الإلحاح على الموضوع، وكأن الحرص على تجنب المنهج غاية بذاته، فيصير الناقد معلماً شارحاً لموقفه، ففي نقده لرواية رشاد أبو شاور «العشاق» (1979) يخرج عن النقد إلى حديث سياسي مباشر، حيث يشرح فترة العشرين عاماً الفاصلة بين الاحتلالين، واقتطفت منه بضعة أسطر:
«أما الأراضي العربية المعرضة للعدوان فتلقى كل قرية مصيرها وحدها دون نصير ولا معين. لذلك يخرج القارئ من الروائيين مظللاً بسحابة سوداء من الشك في المستقبل العربي، بعد أن يرى أن ثلاثين عاماً من الصراع لم تطور الاستجابة العربية كثيراً»([35]).
ينشغل صبحي بالأفكار كثيراً، ولكنه لا يغفل عن السرد كلية، وإن بدا أن اهتمامه بالسرد مطية أحياناً لقول هذه الأفكار، كما في تعليقه على «رباعية الإسكندرية» (1957-1960) للورنس ديرل. وفي دراسات أخرى يوازن صبحي في قراءة الرواية بين طوابع السرد ونداء الأفكار، كتحليله الماتع والمفيد عن مستويي السرد وصلتهما بالبطل الإشكالي في رواية عادل أبو شنب (سورية) «وردة الصباح» (1976).
نقد محي الدين صبحي نموذج لمجاهدة تكون المنهج الموضوعي في النقد إزاء مشكلات التعبير عن الأفكار والأخلاق والموقف القومي والمرحلية والمحلية والسيرة (طلب التماهي بين سيرة المؤلف وأبطاله)، ولعلها مشكلات تضاعفت وطأتها في إلحاحه على رؤية التخييل العربي في مدار ضاغط هو «البحث عن الهوية» كما في نصحه للروائيين العرب في كلمة كتابه([36]).
وأختتم حديثي عن تأصيل النقد ونماذج النقاد العرب الذين عنوا بفعالية النقد مستقلة، منهجية، كاشفة عن رؤية معرفية وجمالية وذوقية بفاروق عبد القادر (مصر)، وهو ناقد محترف ومدقق وجريء وشجاع، ولا ينساق وراء عقيدته والأيديولوجيا التي يؤمن بها، على الرغم من إعلانه لها، فيظهر ميل إيديولوجي شفيف في تلافيف نقده متلفعاً بحساسية نادرة إزاء التاريخ والراهن، إنه لا يخشى في الحق لومة لائم، وإن بدا له أن هذا الحق هو ما يراه وما يعتقده، وقد خاض عبد القادر معارك طويلة ومديدة مع رموز السلطان الثقافي في مصر، وهم على سدة عروشهم، ونشر مقالاته وأبحاثه في الدوريات الثقافية في مصر، وأعادها في كتب صدرت في مصر أيضاً، وتشير عنوانات كتبه إلى موقفه الفكري الجريء في رؤية واقع الثقافة العربية في مصر، وهي «أوراق من الرماد والجمر» (1988)، و«أوراق أخرى من الرماد والجمر» (1990)، و«من أوراق الرفض والقبول: وجوه وأعمال» (1993)، و«من أوراق التسعينيات: نفق معتم ومصابيح قليلة» (1996)، ويضيء موقفه الفكري والنقدي انتماء صريح وثابت للعروبة، وابدأ عرض صورة النقد عند عبد القادر من مقدمة كتابه الأخير، التي تحمل عنوان «مقتطفات من سيرة ذاتية ثقافية»، وكان منطلقه في الكتابة نبرة قلما يعترف بها المشتغلون في الفكر والأدب والنقد، وقلما يمارسونها:
«ليس للحقيقة وجه، وأن نفس الهدف يمكن بلوغه من أكثر من سبيل»([37])، ولعل أهم ما في هذه المقتطفات ثلاثة أمور، أولها تكوينه التربوي والثقافي حيث الشأو العالي للوالد، عاشق القرآن، «يرتله في الفجر وقبل الغروب، وكان حسن الصوت، سليم النطق، إنما عن ترتيله هذا، بشكل أساسي، حفظت معظمه، وألفته، وقرّ في قلبي»([38])، وتعلقه بالتراث العربي القديم والحديث، ودراسته لعلم الاجتماع والنفس، وأساتذته الذين أخذ عنهم ووجهوه إلى دروب العلم والنقد: مصطفى زيور ويوسف مراد ومصطفى صفوان، رواد علم النفس في الجامعة المصرية، وثانيها تجربته مع الأحزاب والعمل ومعترك الحياة: الأخوان المسلمين والماركسيين وفرص العمل الضائعة، ربما بسببهما، والأمن والوظيفة في الإعلام ومجلة «الطليعة» القاهرية التي صدّرت أعدادها بعبارة: «طريق المناضلين إلى الفكر اليساري المعاصر»، وثالثها اعتزازه بالحرية وصلابته في الدفاع عن الفكر التقدمي والقومي ومكابدته من أمثال يوسف السباعي «إيان سميث أو مكارثي الثقافة المصرية»([39])، لأنه ليس ثمة أثمن من الحرية بالنسبة إلى الكاتب.
سعى عبد القادر إلى منهجية النقد الموضوعي، وقد حقق أشياء، وفاتته أشياء، وهذا شأن مخاض تأصيل النقد، فهو يستغرق في النقد التطبيقي وينفر من التنظير، ويمتاز بالتحليل الفني والفكري الذي لا يفرط بالصوغ الفني، ولا يستسلم لشرح الموضوع أو الأفكار، ولا يمعن في الخروج عن نقد النص إلى خارجه لدواعي التبشير أو العقائدية، التي نلمح ظلالها على قلة في مطاوي نقده. إن عبد القادر يخرج عن نقد الأعمال الروائية والقصصية إلى معاينة وطأة الراهن لأسباب تتعلق ببروز نبرته الشخصية واعتزازه برأيه في تزجية أحكام القيمة، لأن منهج عبد القادر يقوم على التقييم، بمراعاة الميل النفسي والأيديولوجي قليلاً، والأهم بمراعاة الصوغ الفني. فقد ذكر في مقدمة كتابه «أوراق أخرى من الرماد والجمر» بعض أشجان المشتغل بالنقد، وشخص واقع النقد، رافضاً اجتلاب المناهج الغربية، وانتقد النقد البنيوي، ومن أمثلته صلاح فضل وكمال أبو ديب لإغفالهما الالتزام بقضايا المجتمع والواقع، وانتقد أيضاً الاعتماد على النص وحده في القراءة النصية أو النقدية، ودافع عن عناية النقد بسياقه، ومنها مجمل أعمال الكاتب، وطالب بالوقوف عند رسالة العمل، وبالاستعانة بشتى الأدوات والمناهج التي تقوم عليها العلوم الإنسانية، وبالوضوح الفكري في النقد، متجنباً تسمية الإيديولوجيا باسمها، وبالاقتصاد والتركيز، وبجمال الصياغة في اللغة العربية، ونفر من الاستغراق في استعمال المصطلحات، ودافع، دائماً، عن رسالة الكتابة «تلك الشهوة القديمة المتجددة لإصلاح الكون الفاسد.. إنما نحن ـ مثلما قال واحد من شعرائنا الراحلين ـ نلهث كي نكتب شعرنا في الليل، قبل أن يسفر النهار عن نثر أيامنا البغيض. وإنما القابض على يقينه ـ هنا والآن ـ مثل القابض على الجمر»([40]).
فاروق عبد القادر نسيج وحده في النقد، وعلامة على أصالته دون فذلكة أو ادعاء. وقد ضمّ كتابه، الأول، لأن كتبه تضم مقالات في الأجناس الأدبية المختلفة وفي الواقع الثقافي العربي، «أوراق من الرماد والجمر» إحدى عشرة مقالة نقدية عن نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف ويوسف إدريس وصنع الله إبراهيم وبهاء طاهر وحيدر حيدر ولطيفة الزيات وسليمان فياض، وحوى كتابه الثاني «أوراق أخرى من الرماد والجمر» ثماني عشرة مقالة عن نجيب محفوظ، وعبد الرحمن منيف، وفتحي غانم، ويوسف إدريس، وسحر خليفة، وجبرا إبراهيم جبرا، وعلاء الديب، ومحمد شكري، وحنان الشيخ، وجمال الغيطاني، ونعيم تكلا، وضم كتابه الثالث «من أوراق الرفض والقبول» مقالات عن وجوه أدباء عرب، ومنهم روائيون وقصاصون، بالإضافة إلى قرابة عشرين مقالة عن نجيب محفوظ وفتحي غانم وحنا مينه واميل حبيبي ويوسف إدريس وبهاء طاهر وعبد الفتاح الجمل وأبو المعاطي أبو النجا وأحمد إبراهيم الفقيه وعلاء الديب وجميل عطية إبراهيم وسلوى بكر وسحر خليفة. أما الكتاب الأخير «نفق معتم ومصابيح قليلة» فحوى قرابة ثلاثين مقالة عن عبد الرحمن منيف ولطيفة الزيات وبهاء طاهر وإبراهيم أصلان ومحمد البساطي وحيدر حيدر ويوسف الشاروني واعتدال عثمان وفؤاد التكرلي وفتحي غانم وأبو المعاطي أبو النجا ومحمد شكري وأمين معلوف وإبراهيم الكوني وغيرهم.
ويتميز الكتاب الأخير بتنامي عناية عبد القادر بالصوغ الفني، وبالتدقيق في لغته ومصطلحه، وبارتفاع نبرة الصراحة في مواجهة مشكلات الحياة الثقافية، وبميل نادر إلى التواضع، وبخلفية ثقافية معمقة، دون أن يثقل النص بالمراجع والمصادر، مما يجعل مثل هذا النقد مختلفاً عن النقد السائد، ومحتفظاً بقدر عال من العلمية والمنهجية والمسؤولية.
ولعلنا نشير في خاتمة حديثنا عن هؤلاء النقاد المؤصلين أنهم سعوا، وبدرجات متفاوتة، إلى منهجية النقد الموضوعي التي عرفت في النقد الانجلوساكسوني، فتلونت هذه الموضوعية بأساليب ممارستهم، لغةً ومصطلحاً وإجراءات نقدية.


الفصل الثاني
العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة
لنقد القصة والرواية
نهض النقد الأدبي في الخمسينيات والستينيات نهضته المعتبرة، باتجاه أصالته، وانتشاره، وعلميته، معرفياً ومنهجياً، مصطلحياً ونظرياً وتخصيصاً، (النقد النوعي والمتخصص للأجناس الأدبية). غير أن اتجاهات نقد القصة والرواية الجديدة، بدأت بالتشكل والظهور في السبعينيات، وقد ساعد على هذا التشكل والظهور عوامل كثيرة أثرت تأثيراً بالغاً في الرواية والقصة ونقدهما بنهاجيات حديثة، مثل الترجمة، ووسائل الاتصال وثورة المعلومات، وتطور العلوم والنهاجيات المعرفية، وأبحاث الهوية، والتطلع إلى الحديث والحداثة، وهي العوامل الأهم، بالإضافة إلى الاتصال الشخصي بمصادر الاتجاهات الجديدة ومراجعها مباشرة، نتيجة لتعلم اللغات الأجنبية، ولوفرة الروافد العلمية والأكاديمية العربية، ممن درسوا في الجامعات والمعاهد الأجنبية.
وتسارعت عوامل أخرى لدى جمهرة عريضة من النقاد والباحثين، وهي في غالبيتها نتاج العلاقة المؤرقة بين الذات والآخر، بين التقليد العربي والمؤثرات الغربية، مثل التأليف المعجمي والمصطلحي والموسوعي في الأدب بعامة، والقصة والرواية بخاصة، والعلاقات بين الفنون، وأبحاث نظرية الأدب ونظرية القصة والرواية بعد ذلك، والبحث عن نظرية نقدية عربية:
1- الترجمة:
لقد نشطت الترجمة كثيراً خلال فترة البحث، ولاسيما ترجمة القصة والرواية وبحثهما. ويشير الكتاب الذي أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بجزأيه «دراسات عن واقع الترجمة في الوطن العربي» (1985) إلى النضج الذي بلغته الترجمة في أقطار عربية كثيرة، فقد «استأنف العرب، بتعبير شحادة الخوري، سعيهم في ميدان الترجمة، بعد أن حققت البلدان العربية استقلالها، وملكت حريتها، فجعلوا منها رافداً لثقافتهم الخصبة الأصلية التي يعتزون بها». و«المهم في الوقت الراهن معرفة الواقع والانطلاق منه إلى حال أفضل، بإحداث المؤسسات، وإصدار التشريعات، وسد الثغرات، واستنباط الوسائل التي تكفل التقدم والنجاح وتحقيق الهدفين الكبيرين: تعريب العلم والتعليم والمجتمع، والتواصل مع الثقافة الأجنبية إغناء لثقافتنا العربية، وتعريفاً بالعبقرية العربية وقدراتها الإبداعية في الأمس واليوم، وفي الغد»([41]).
إن شحادة الخوري، وهو الخبير المعروف في ميدان الترجمة، يؤكد بلوغ العرب مستوى النضج في الترجمة، استعادة للفترة الذهبية في عصر المأمون وبيت الحكمة في القرنين الثاني والثالث للهجرة، ويأمل الانطلاقة إلى حال أفضل تجعل الترجمة رافداً أساسياً من روافد الإبداع. ولعلنا ندرك هذا المستوى من النضج حين نقارن واقع الترجمة خلال فترة البحث، بواقعها في الفترات السابقة، فقد أقر حسام الخطيب (فلسطين) لدى دراسته لسبل المؤثرات الأجنبية في القصة السورية، أن الترجمة «قطعت شوطاً عظيماً في الخمسينيات، ولاسيما في المجال القصصي، وترجمت روايات وقصص كثيرة عن الفرنسية، وأحياناً عن الإنكليزية، وعن طريق هاتين اللغتين ترجمت آثار قصصية كثيرة عن آداب (أوروبية) أخرى كالروسية والألمانية والإيطالية والهندية والأسبانية والصينية وغيرها»([42]).
وما ذكره الخطيب لا يتجاوز عشرات الكتب، أما في فترة البحث فجاوز العدد المئات، ناهيك عن النضج في مستوى الترجمة وتخصصها، بفضل التطور في معرفة اللغات الأجنبية، إذ لم تعد مقتصرة على اللغتين الإنكليزية والفرنسية، وفي احترافها وتطور تقاناتها، وتوافر الأعداد الكبيرة من مترجمي النصوص الأدبية الذين يتحلون بالشروط اللازمة لمثل هذه الترجمة([43])، وفي تعدد دور النشر العامة والخاصة التي زادت على المئات في بعض الأقطار العربية.
ونورد إشارات عن ترجمة القصة والرواية ونقدهما في فترة البحث:
1-1- ترجمة الرواية والقصة:
اقتصرت ترجمة الرواية على روايات ومجموعات قصصية قليلة في كل عقد حتى نهاية الستينيات، ولكن الانطلاقة الكبيرة حدثت في السبعينيات بتخصيص سلاسل خاصة بالرواية والقصة العالمية لدى عدد من دور النشر العربية، أو اعتماد سياسة نشر مستمرة للروايات والقصص العالمية.
كانت دار الهلال، تنشر رواية كل شهر، من الروايات البوليسية أو الاستهلاكية أو المقتبسة، ونادراً ما نشرت روايات أو قصصاً مما يعد نماذج طيبة لهذين الجنسين القصصيين. وشرعت دور نشر عامة وخاصة بنشر رواية أو روايتين كل عام، على تفاوت في الستينيات، مثل «دار اليقظة العربية» (دمشق)، و«دار الآداب» (بيروت)، و«المكتبة الحديثة» (بيروت)، و«دار المعارف» (القاهرة)، و«مكتبة الأنجلو المصرية» (القاهرة)، و«الإدارة العامة للثقافة بوزارة التعليم العالي ـ سلسلة الألف كتاب» (القاهرة) و«الدار المصرية للتأليف والترجمة ـ سلسلة الجوائز العالمية» (القاهرة)، و«دار الكاتب العربي ـ سلسلة من الأدب العالمي ـ وسلسلة من الشرق والغرب» (القاهرة)، و«دار مجلة شعر» (بيروت)، ثم كانت الانطلاقة الأكبر في السبعينيات والثمانينيات، واذكر بعض الملامح:
· الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة): سلسلة «روايات عالمية»، بالإضافة إلى عشرات الروايات، ومثلها عشرات المجموعات القصصية، والأعمال الكاملة لديستويفسكي.
· وزارة الثقافة (دمشق): سلاسل «روايات عالمية» و«القصة العالمية»، بالإضافة إلى عشرات الروايات والمجموعات القصصية، والأعمال الكاملة لليو تولستوي.
· دار الآداب (بيروت): أصدرت مئات الروايات العالمية، من اليابان وفرنسا وأمريكا وغيرها.
· دار عويدات (بيروت): أصدرت عشرات الروايات الفرنسية.
· دار الهلال (القاهرة): تابعت سلسلة «روايات الهلال» نشر الروايات العالمية، وقد عدلت في سياسة النشر كثيراً، فنشرت روايات ومجموعات قصصية هامة وجادة.
· دار النهار (بيروت): نشرت بعض الروايات العالمية، ومنها «جناح السرطان» لسولجنتسين.
· مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت): نشرت سلسلة «ذاكرة الشعوب»، وفيها أكثر من أربعين رواية عالمية مزودة بمقدمات نقدية شارحة، وبعض المجموعات القصصية.
· دار الفارابي (بيروت) ودار العودة (بيروت) ودار ابن رشد (بيروت) ودار سعاد الصباح (الكويت)، وعشرات دور النشر المماثلة: نشرت عشرات الروايات والمجموعات القصصية.
· دار التقدم ودار رادوغا (موسكو): نشرتا مئات الروايات والمجموعات القصصية الروسية والسوفييتية، والأعمال الكاملة أو شبه الكاملة لبعض القصاصين والروائيين مثل انطون تشيخوف وديستويفسكي وتورجينيف ومكسيم غوركي.
· المكتب الإعلامي البلغاري (دمشق): نشر عشرات الروايات والمجموعات القصصية البلغارية لدى دور نشر صغيرة بدمشق.. الخ.
وتحتاج حركة نشر القصة والرواية المترجمة إلى دراسة خاصة للتعرف النوعي والكمي والأسلوبي والفكري لاستقبالهما في الوطن العربي، استمراراً لما فعله عبده عبود (سورية) في دراساته المتعددة لاستقبال الرواية الألمانية في الثقافة العربية، كما في كتابيه: «الرواية الألمانية الحديثة: دراسة استقبالية مقارنة» (1993) و«هجرة النصوص: دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي» (1995).
1-2- ترجمة نقد القصة والرواية:
نشطت ترجمة نقد القصة والرواية أيضاً، فظهرت عشرات الكتب المترجمة للمنظرين والنقاد والباحثين أمثال جورج لوكاتش، وبيرسي لبوك، وايان واط وارنولد كيتل، وروجر ألن، وفرانك كيرمود، وجان ايف تادييه، وجان ريكاردو، ومارت روبير، ويانكولافرين، وريتشارد فريبورن، وللروائيين والقصاصين أمثال انييس نن وآلان روب جرييه وميشيل بوتور وغابرييل غارسيا ماركيز ونغوجي واثيونغو.
مثلما ترجمت عشرات الكتب عن روائيين وقصاصين ومنهم أمثال ديستويفسكي (ظهرت عنه أكثر من خمس كتب مترجمة) وتولستوي وبلزاك ومارسيل بروست واندريه مالرو وتشيخوف.
ويلاحظ، أن الكتب المترجمة اتجهت إلى الموضوعات التالية([44]):
1- الرواية الإنجليزية.
2- الرواية الفرنسية.
3- الرواية في أوروبا.
4- القصة في أوروبا.
5- القصة والرواية الروسية.
6- القصة في أوروبا.
7- الرواية الجديدة الفرنسية.
8- الرواية والقصة في أمريكا اللاتينية.
9- القصة والرواية العربية، أي ما كتبه المستشرقون والأجانب عن القصة والرواية العربية.
10- القصة والرواية في اليابان.
2- الروافد الأكاديمية:
مارست الروافد الأكاديمية من خريجي الجامعات والمعاهد العليا بأطروحاتها العلمية تأثيراً متزايداً في تنمية نقد القصة والرواية، وفي إشباع البحث العلمي بالمنهجية المعرفية الحديثة. إن نظرة إلى حجم الأطروحات والرسائل الجامعية في الدراسات الروائية والقصصية في فترة البحث قياساً إلى الفترة ما قبلها يوضح حركة حركة النقد القصصي والروائي، ففي دراسة لمختار بوعناني (الجزائر) عن «بيبلوغرافيا الرسائل الجامعية في الدراسات الروائية» (تجليات الحداثة 1994) بين أن عدد الأطروحات بلغ اثنتين وعشرين أطروحة في مختلف الجامعات العربية والأجنبية حتى عام 1970، بينما نوقشت أكثر من مائة وخمسين أطروحة فيما بين عامي 1970 و 1984، بعد استدراكي لبعض الأطروحات التي غفل عنها الثبت، وقدم عدد مماثل من الأطروحات حول القصة القصيرة. ويلاحظ أن اهتمامات الأطروحات وفق التالي:
اهتمامات بالطفل: 3 أطروحات.
اهتمامات بالمرأة: 8 أطروحات.
اهتمامات بالمجتمع: 10 أطروحات.
اهتمامات بالأرض: أطروحتان.
اهتمامات بالشخصية الروائية: 9 أطروحات.
اهتمامات بالاتجاهات الروائية: 16 أطروحة.
اهتمامات بالأثر الروائي والتطور الاجتماعي: 7 أطروحات.
اهتمامات بالمؤثرات الأجنبية: 5 أطروحات.
اهتمامات بالدراسة المقارنة: 3 أطروحات.
اهتمامات بالصورة من خلال الرواية: 7 أطروحات.
اهتمامات بالبناء الروائي: 21 أطروحة.
اهتمامات بالقضية الجزائرية: أطروحتان.
اهتمامات بالرواية المكتوبة بالفرنسية: 3 أطروحات.
اهتمامات لها صلة بفن الرواية: 6 أطروحات.
اهتمامات بالبطل الروائي: 7 أطروحات.
اهتمامات بالتطور الروائي: 3 أطروحات.
اهتمامات بالرواية التاريخية: 7 أطروحات.
اهتمامات بالرواية والروائي: 13 أطروحة.
اهتمامات بالرواية الخاصة ببلد عربي: 5 أطروحات.
اهتمامات بالمكان والزمان: 5 أطروحات.
اهتمامات بالتأثر والتأثير وبالصراع بين الرواية العربيةوالرواية الغربية: 3 أطروحات.
اهتمامات بقراءة الرواية: أطروحتان.
اهتمامات بالخطاب الروائي: 5 أطروحات.
اهتمامات بالرواية الجديدة: 10 أطروحات.
ولو تأملنا هذه الاهتمامات لوجدنا أن العناية بالفن وقضاياه تفوق العناية بالموضوعات وقضاياها، واذكر ملمحين لذلك، فقد كانت دراسات الرواية التاريخية، باستثناء دراستين، قد نوقشت في الجامعات قبل عام 1970:
· روايات جرجي زيدان التاريخية ودورها في الرواية المصرية ـ همداني علي ـ جامعة القاهرة 1961 (ماجستير).
· الرواية التاريخية في الصحف المصرية ـ محمود الشريف ـ جامعة القاهرة 1969 ـ (ماجستير).
· الرواية التاريخية في الأدب ـ عبد الرحمن أبو علي 1968 (دكتوراه).
· الرواية وتطورها في الأدب العربي الحديث في مصر 1891-1939 ـ محمود الشريف (ماجستير).
· الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث ـ منصور إبراهيم الحازمي ـ جامعة لندن 1966 (دكتوراه).
· الرواية التاريخية عند جورجي زيدان ـ حسين التلباني ـ جامعة الجزائر 1983 ـ (دكتوراه).
· الرواية التاريخية في الأدب العربي في سورية ـ عبد الرحمن برمو ـ معهد الاستشراق ـ بموسكو 1993.
أما الملمح الثاني فهو أن دراسات الخطاب الروائي، على سبيل المثال، جرت في التسعينيات:
· مكونات الخطاب الروائي في «شكاوى المصري الفصيح» ليوسف القعيد ـ إلهام الإدريسي القاسمي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط 1991 (ماجستير).
· مكونات الخطاب الروائي ـ فاطمة بنطاتي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط 1991 (ماجستير).
· خطابات المستنسخ في الرواية العربية: نموذج حليم بركات ـ أحمد حفيظ ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ 1991 (ماجستير).
· الخطاب الروائي: نشأته وتطوره في الأدب العربي الحديث 1834-1980 ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ 1991 (ماجستير).
· بحث في الأنساق الخطابية للواقعي والتخييلي في الخطاب الروائي العربي من خلال: الوجوه البيضاء. بدر زمانه. مالك الحزين. عبد الفتاح الحجمري ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ 1991 (ماجستير)([45]).
ولعلنا نذكر قائمة تفصيلية للأطروحات (الماجستير والدكتوراه) التي قدمت في جامعة حلب وحدها، على سبيل تدعيم القول في مدى تأثير الروافد العلمية في الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، وتوكيد أن هذا الثبت غير دقيق في الوقت نفسه:
الباحث
الموضوع
عام المنح
محمد حسن عبدالمحسن
الأدب الشعبي في موسوعة حلب للأسدي
1983
محمد الصالح محفوظ
البطل في القصة القصيرة الجزائرية
1987
عبدالناصر مباركية
الثورة التحريرية في الأدب القصصي الجزائري
1987
عبدالله تزروتي
المرأة في روايات نجيب محفوظ
1987
عبدالله بن قرين
اتجاهات النقد الأدبي الحديث في الجزائر
1987
حسين محمد قحام
صورة الأرض في الأدب القصصي العربي في الجزائر
1987
إالهام طه نجار
المنهج الواقعي في النقد الأدبي في سورية ولبنان
1987
محمد علي يحيى
القصة القصيرة في اليمن 1939-1980
1989
سهام عبدالقادر ناصر
نقد القصة القصيرة في سورية من نشوئه إلى عام 1985
1990
أحمد عبدالرحيم الحسن
دراسة في نقد الرواية السورية من 1930 إلى 1985
1990
أمية ترمانيني
المرأة وصورتها في الأدب الروائي السوري إلى 1967
1990
خالد أعرج
المؤشرات البنيوية في النقد العربي في سورية ولبنان
1991
يوسف اسماعيل
النزوع الوطني في سيرة الأميرة ذات الهمة
1991
مرشد أحمد
جماليات المكان في روايات عبدالرحمن منيف
1992
محمد عادل حمادة عرب
المعالجة الفنية للتاريخ في الرواية السورية حتى عام 1961
1992
نضال الصالح
الأرض في الرواية العربية الفلسطينية
من 1965 إلى 1982
1992
محمد رياض وتار
شخصية المثقف في الرواية العربية السورية
من 1967 إلى 1990
1996
خالد أعرج
النقد العربي المعاصر في مصر والمشرق العربي
1999
سهام ناصر
المصطلح النقدي وعلاقته بالتيارات الأدبية والاجتماعية
1999
ويستفاد من هذه المقارنة تعاظم النقد القصصي والروائي المستند إلى الاتجاهات الجديدة في فترة البحث بتأثير الروافد العلمية لحركة النقد والبحث الأدبي بنهاجيات علمية حديثة.

3- تطور العلوم والنهاجيات المعرفية:
ثمة علاقة ظاهرة للعلوم وتكنولوجيا المعلومات بالأدب، وقد اخترت جانبين لهذه الظاهرة، الأولى هي تأثير العلوم والعلم، والثانية هي تأثير تكنولوجيا المعلومات:
3-1- تأثير العلوم والعلم:
عولج تأثير العلوم والعلم على الأدب والنقد في عدة مصنفات ترجمت إلى العربية خلال العقدين الأخيرين، مثل: «على مشارف القرن الواحد والعشرين: الثورة التكنولوجية والأدب» (بالروسية 1984) لفالنتينا ايفاشيفا([46])، بترجمة فخري لبيب (مصر)، و«الفن في عصر العلم» (بالروسية 1978) لأرسيني غوليكا([47])، بترجمة جابر أبي جابر ومراجعة شوكت يوسف (سورية)، و«النقد الأدبي الحديث بين الأسطورة والعلم» (1988) لعدة مؤلفين([48])، بترجمة محي الدين صبحي (سورية).
وكانت هذه المعالجات عامة لمفاهيم التقدم والنمذجة والجمالية والأخلاق في استخدام العلوم والعلم في الأدب، ولتقصي آفاق العلم في الفن والأدب، فدرس غوليكا، على سبيل المثال، التقدم في الفن وجمالية الكشف العلمي وموقف الفن من العلم والأخلاق، ووصف المؤلف عمله بأنه «دراسة معضلة وشاملة، لتفاعل الفن مع التقدم العاصف للمعرفة العلمية، إذ يتميز الفن بقدرته على استباق الزمن في تصويره للواقع، وهذه الصفة بارومتر المناخ الروحي. فالفنان لا يرى فحسب، بل ويتنبأ، وحين تكون ظواهر الحياة في بداية تشكلها، يتفاعل حدس الفنان مع النتائج المحتملة. إن الفن في عصر الثورة العلمية التقنية هو فن القرن العشرين الذين يشارف على نهايته، وقد حان الوقت لاستخلاص بعض النتائج التمهيدية في ضوء سيرة الفن السالفة»([49]).
ولا يختلف اثنان على التأثير العميق للعلم على الأدب، كأن تكون فكرة الفن أسلوباً في المعرفة، أو أن تكون الرواية بحثاً كما عند ميشيل بوتور وروائيي الرواية الجديدة، أو أن تكون الرواية سجلاً للواقع والمجتمع كما في الرواية التاريخية والإنسيابية، أو أن تكون الرواية تفسيراً للسلوك الإنساني والنفسي، أو أن تكون الرواية أو القصة وثيقة تاريخية، أو أن تصاغ الرواية أو القصة وفق النظرة النسبية، وقد مارسها عدد من روائيي العصر ممن كان لهم تأثيرهم البالغ على الرواية العربية ونقدها، وأخص بالذكر وليام فولكنر ولورنس داريل، ولا سيما روايتيهما «الصخب والعنف The Sound and the Fury» (ترجمها جبرا إبراهيم جبرا إلى العربية عام1961)، و«رباعية الإسكندرية Al-Exandrian Quartrian» (ترجمت الجزأين الأول والثاني ـ سلمى الخضراء الجيوسي عام 1962، ثم ظهرت الأجزاء الأربعة عام 1993 من قبل مترجم آخر).
ويؤكد عدد من نقاد داريل، على سبيل المثال، أن اكتمال فهمنا لمؤلف «رباعية الإسكندرية» غير ميسور ما لم نحط علماً بنظرية النسبية التي يدعو إليها، ويطبقها في أدبه. ويستمد داريل هذه النظرية من نظريات اينشتاين في الرياضة. ويشرح لنا هذا الكاتب نظريته الأدبية في النسبية التي يسميها «استمرار الزمان والمكان». ويضيف رمسيس عوض في كتابه «دراسات تمهيدية في الرواية الإنجليزية المعاصرة» (1971)، أن ديرل دافع عن نفسه بقوله: إنه أراد بكل بساطة أن يقوم بأداء بعض الألعاب الشعرية على فكرة نسبية الزمان والمكان بوصفها إحدى الأفكار الكونية الهامة في العصر الحديث. ويقول ديرل: إنه يعبر في رباعيته عن هذه النسبية، وإنه يتوسل إلى ذلك بالشخصيات، بدلاً من الأرقام التي يستخدمها علماء الرياضة([50]).
3-2- تأثير تكنولوجيا المعلومات:
أوردت فالنتينا ايفاشيفا في كتابها المذكور شهادات عدد من الأدباء عن تأثير التكنولوجيا على الأدب، ففي نهايات الستينيات، عبر البرتو مورافيا عن حنقه من أن الأدب سيصبح أكثر فأكثر وثيقة أو سجلاً، وأن الرواية الخيالية ستختفي تدريجياً، وأن العنصر الروائي الخيالي سيجتث، أو على الأقل، سيختزل لحده الأدنى، ولخصت الباحثة السوفييتية أثر التكنولوجيا الحديثة على الأدب في ثلاثة توجهات رئيسة: توجه الأدب والدراما نحو الوثائقية، ورواج روايات الخيال العلمي، وميل الأدب إلى الفلسفة([51]).
والتفت النقاد إلى تعاظم هذا الأثر على الأدب، فترجم أحمد المديني (المغرب) بحث كربال سبينغ «التكنولوجيا والرواية» (الثقافة الأجنبية (1984). غير أن النقاش الأهم لهذا الأثر ومداه في الأدب العربي الحديث، قام به نبيل علي (مصر) في مقالته «ذات صنع الله إبراهيم من منظور معلوماتي» (إبداع 1992)، وكتابه «العرب وعصر المعلومات» (1994)، فقد خص هذه القضية بفصل مطول في كتابه، واستنتج فيه الخلاصات التالية:
- بروز الوثائقية كإحدى ظواهر أثر التكنولوجيا الحديثة على الأدب.
- فقر الأدب العربي بأدب الخيال العلمي، لأن معظم كتابه من العلماء خاصة، ويفتقدهم الأدب العربي الحديث.
- الكتابة الروائية في نظر أهل الذكاء الاصطناعي نوع من توليد النصوص **** Generation، وهم قانعون، على الأقل حالياً ـ بأن تكون حدود مغامراتهم في مجال الإنتاج، لا الابتكار، ولكن لا يفوتهم أن يذكرونا بأن معظم الروايات الاستهلاكية، بل ومنها تلك الأكثر رواجاً، تندرج تحت فصيلة الإنتاج، لذا فلا يقلل من طموح الآلة في رأيهم أن تحذو حذوها.
- إمكانية إنتاج قصص عبر النظم الآلية: صانع الحبكة Plot Maker، صانع عالم الرواية World Maker، محاكي الأحداث Events Simulator، ناظم السرد Narrator، مولد النص **** Generator.
- تصاعد الاتجاه نحو التركيز على دراسة «أدبية» النصوص من داخلها، وتشترك نظرية الأدب والذكاء الاصطناعي في العديد من الأسئلة المتعلقة بطبيعة المعنى والفهم([52]).
4- وسائل الاتصال وثورة المعلومات:
4-1 وسائل الاتصال والرواية الاستهلاكية:
إن التطور الهائل في وسائل الاتصال وثورة المعلومات قد أثر في الإبداع العربي برمته، ولا سيما الرواية ونقدها، فطالت التبدلات العميقة التعبير الروائي والقصصي ونقدهما، وهي تبدلات عنيفة لا سبيل إلى الفكاك منها، لأنها مست الثقافة العالمية، وآدابها في الجوهر وفي الشكل. والتمس لملاحظة مثل هذه التبدلات مثالين هما الرواية الاستهلاكية للتعرف إلى تأثير وسائل الاتصال، واللغة العربية للتعرف إلى تأثير ثورة المعلومات.
لم تصل موجة الروايات الاستهلاكية إلى السوق الأدبية العربية إلا متأخرة على استحياء وظهرت بوادرها في الثمانينيات في الكتابة لوسائل الاتصال بالجماهير كالصحافة والإذاعة والتلفاز والسينما، ويدل هذا التوصيف الواقعي والتاريخي على أن الكتابة الروائية العربية ما تزال بعيدة عن ضغوط السوق التجارية، أن ثمة شروطاً يفرضها الآن منتج البرامج والأشرطة التلفزيونية والسينمائية أو ممول المسرح أو ناشر الجريدة أو المجلة لقبول إعادة إنتاج الأدب عبر هذه الوسائل وقنوات الاتصال، ومما يؤيد مثل هذا الرأي أن بعضاً من أهم الروائيين العرب ما زالوا بعيدين عن قوانين السوق التجارية، فلم تتأثر جماليات الرواية عندهم بمعطيات التغيير الثقافي الكلي كما هو الحال في أوروبا وأمريكا، ونذكر منهم عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وغالب هلسا وادوار الخراط وعبد السلام العجيلي والياس الديري ومحمد الصالح الجابري وعبد الرحمن مجيد الربيعي ونبيل سليمان، وإنما بدأت تداخل أساليبهم أنواع من الاهتمام بتأثير وسائل الاتصال.
ويقودنا مثل هذا الاستنتاج إلى أن إسهام الروائي العربي أكبر في تحديد جماليات روايته، وأن هذا الإسهام أكبر بعد ذلك في تثمير أدوار الأديب في عمليات التفكير الثقافي العاصفة في حياتنا. على أننا سنذكر إشارات أخرى حول موجة الرواية الاستهلاكية بالنظر إلى تأثير التغير الثقافي في صياغة معايير الرواية وتوجيه جمالياتها ونقدها في الوقت نفسه من أجل قرائن أكثر مع جماليات الرواية العربية وانبثاقها من عمليات التغير الثقافي الواسعة والعميقة منذ الخمسينيات، وما يستدعيه من حساسية نقدية جديدة.
كيف تنتشر الرواية الاستهلاكية؟ وما هي محاولات ترويجها باللغة العربية؟.
لاحظنا أن الرواية الاستهلاكية العالمية، وهذه هي حدود نشأتها، قد ترافقت مع نمو الحس الاستهلاكي فيما سمي ملء أوقات الفراغ بادئ الأمر، والاندراج في التسلية التي شرع المشتغلون بعمليات الاتصال يحسبون لها حساباً في برامجهم لكسب الجمهور، ثم شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى حمى محاولات كسب الجمهور عن طريق وسائل الاتصال، ولاسيما فنون الصوت والصورة المكتشفة آنذاك من جهة، وفنون الصحافة الراسخة من جهة أخرى، فتطورت الكتابة الروائية في منحى الاستهلاك الذي يراد منه التسلية وتزجية أوقات الفراغ بالدرجة الأولى إلى إدخال الرواية والقصص بشكل عام في دائرة تزييف الوعي، أي تفريغ هذا الجنس الأدبي من الفكر والتاريخ والمجتمع خلل صياغة كتابات روائية وقصصية خاضعة لتصنيفات موصوفة مسبقاً لا تبتعد عن إدهاش السرد والمقدرة الحكائية الجذابة التي يقدم من خلالهما أو بوساطتهما حبكات مدروسة بعناية بما يجعلها نفورة من الهموم أو الاهتمامات الجدية، وقد تصدر هذا التصنيف مجموعة من التوابل أولها التركيز على العواطف المنفصلة غالباً عن جذرها الاجتماعي والنفسي، فيجري الولع بالأفعال العاطفية وردودها ضمن آليات رتيبة متوقعة، مثلما يحرص كّتاب هذه القصص والروايات على أن تدور الأحداث والوقائع، إن وجدت وقائع، لأن الوقائع مما ينتمي إلى التاريخ، في بيئات ثرية لا يعاني أفرادها الفاقة أو البؤس أو الحرمان، اللهم إلا الحرمان من فقدان التوافق في الحب.
وثمة خصائص أخرى نذكر منها تجميل الواقع من أجل قبوله، ووضع المتلقي في بهرج التعلق بنمط الحياة الذي تعرضه هذه الكتابات الروائية والقصصية، وغالباً ما يسمون هذا التعليق بأنه أحلام، فالمرء قادر بتقديرهم، على تغيير وضعه، واللحاق بهذا النمط، والذين تابعوا الأفلام «الهوليودية» في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات يدركون ذلك الحرص على ترويج هذه الخصائص ولوازمها مثل الرجال الوسيمين الجذابين، والنساء الساحرات، والطبيعة الخلابة، والطابع السياحي الجميل للأماكن الباذخة. والشعور بالوفرة إلى حد التخمة غالباً، والحرية المطلقة بعيداً عن قيود المجتمع والأسرة والدين والالتزامات الأخرى.. الخ، ولقد عاشت السينما المصرية على تقليد هذه الأفلام إلى وقت قريب اقتباساً أو تعريباً بشكل من الأشكال، ومع طغيان الأنماط الاستهلاكية على الحياة العربية مع مطلع السبعينيات بدأ تيار الرواية الاستهلاكية العربية يتشكل إثر هجمة التلفزيون على مختلف أجهزة الثقافة والإعلام واكتساحه لفنون الاتصال الأخرى، ولا سيما السينما والمسرح.
ثم تفاقمت هيمنة التلفزيون مع استتباب التبعية للغرب الذي بات متحكماً بالخبر والصورة معاً، ومحتكراً لصناعتهما عبر الشركات الاحتكارية الكبرى المشهورة إلى جانب وكالات الأنباء المصورة وسواها. ومن أمثلة المسلسلات التلفزيونية الرائجة والمنتشرة في الوطن العربي كله «دالاس» و«داينتسي» و«سفينة الحب» و«سانتينال»، بالإضافة إلى مئات البرامج والمسلسلات المأخوذة عن الروايات المعروفة باسم «الأكثر رواجاً» أو «بست سيللر Best Seller».
بدأ إقبال الروائيين والقصاصين العرب على الكتابة لوسائل الاتصال بالجماهير على استحياء غير أن الهبّة النفطية، وانتشار محاولات توظيف رأس المال العربي ولا سيما النفطي في مراكز البحوث والمشروعات الإعلامية، ودخول مخاطبة الإنسان العربي، ولا سيما بعض الجماهير الخاصة مثل النساء والأطفال والفتيان في برامج الدوائر الإعلامية الأجنبية، قد جعل غالبية الروائيين والقصاصين في تطلع مستمر لتوظيف إنتاجهم في آلة التلفزيون وبقية وسائل الاتصال الأخرى، وفي سورية، على سبيل المثال، يندر أن نجد روائياً أو قاصاً معتبراً لم يكتب المسلسلات التلفزيونية، أو أن يخضع فنه الروائي والقصصي لحاجات الوسائل الإعلامية مثل هاني الراهب وعلي عقلة عرسان وخيري الذهبي وعبد الكريم ناصيف ودياب عيد وحنا مينة وألفت الإدلبي وناديا خوست وعبد النبي حجازي وغيرهم، بل أننا، وضمن دراسة متقصية، نلمس حساب هذه الوسائل الاتصالية كالتلفزيون والسينما في تفكير الروائي والقاص الأدبي ذاته، فتأثرات جماليات الرواية والقصة بشروط هذه الوسائل، أي أن الكاتب صار معنياً بقابليات ظهور روايته أو قصته في مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي أو مسلسل إذاعي قبل مراعاته لصدورها في كتاب!([53])
ومن المفيد أن نشير إلى روائيين وقصاصين رائجين من كتاب الرواية الاستهلاكية في سورية أيضاً، نذكر محمد حسين شرف ووفاء حمارنة. وقد يستغرب المرء غزارة إنتاج هذين الكاتبين وسرعة انتشار رواياتهم وقصصهم حتى إن بعض رواياتهم طبعت طبعتين أو ثلاث طبعات خلال عشر سنوات، أما الروايات والقصص التي لم يعد طبعها فقد نفذت طبعتها خلال أقل من عامين، ولو استعرضنا عنوانات رواياتهما وقصصهما وموضوعاتها، لوجدنا إلحاحاً على تعابير الحب والمرأة والعبارات الوجدانية الموحية أو الغامضة من جهة، وموضوعات الميوعة العاطفية وطوابع المشجاة (الميلودراما) من جهة أخرى. فقد نشر محمد حسين شرف خلال السبعينيات والثمانينيات أكثر من عشر روايات نذكر منها: «قمر الغرباء» (1970). و«فينوس» (1973)، و«همس الغروب» (1976)، و«ملح على جرح» (1978)، و«دستور الحب» (1980)، و«الغزل عطر النساء» (1985)، و«هؤلاء الأوغاد» (1986)، و«تنهدات العذارى» (1987)، و«لابد من المرأة» (1991).
أما وفاء حمارنة فقد نشرت خلال الثمانينيات أكثر من خمس روايات نذكر منها: «خواطر عن الحب والحياة» و«مملكة الحب الدامية» و«موعد مع السعادة» و«صراع مع النساء» (ولم نذكر تاريخ الطبعات، لأنه غالباً غير مذكور).
ويبدو أن موجة الرواية الاستهلاكية تحتاج إلى تعديل في خطط النشر، تأليفاً وتعريباً وطباعة وتنويعاً، وهذا ما يفسر تعدد السلاسل والحرص على ابتكار أساليب جديدة للمخاطبة لتحقق أهدافها كاملة، لأن القيمين عليها غالباً ما يجرون دراسات وبحوثاً مطولة تسبق إصدارها، أو في أثناء إصدارها، فقد أجريت استطلاعات رأي بين الشباب العربي، ولا سيما الفتيات والنساء لمعرفة مدى تقبل هذا النوع من الرواية. ولزيادة التأثير، فقد رأى القيمون على «سلسلة عبير» إصدار سلسلة «روايات عبير العربية»، فطلب إلى العديد من الكتاب والروائيين العرب إنتاج روايات تناسب هذه الموضوعات، فبادر عدد منهم إلى الكتابة بأسمائهم الصريحة أو المستعارة، وقد صدرت بعض الروايات، ولكن المشروع أخفق، لأن قارئات «عبير» و«قلوب عبير» وقراءها مشدودون إلى أرض الأحلام أو الأوهام، لا فرق، وليس إلى واقعهم الذي يدركون أنه لا ينبت الأحلام، ولا تكتمل فيه صياغة الأوهام، فالتفتوا عن المخاطبة العربية مكتفين بالترجمة، أو الاقتباس، أو الاختصار أو الهزال، لأنها الأقرب للرواج والربح السريع.
غير أن نمط الرواية الاستهلاكية، وهو لاشك، إفراز لنمط الحياة الاستهلاكية وأساسها تأثير وسائل الاتصال، قد انتشر في الحياة الثقافية العربية بأشكال متعددة. كان الروائي أو القاص العربي معزولاً عن وسائل الاتصال بالجماهير، أو «هوجة» مخاطبة الجماهير مباشرة، لأن وسائل الاتصال بالجماهير نفسها لم تكن لها مثل هذه السلطة المتفاقمة التي نراها عليها اليوم، ولأن الجماهير نفسها لم تكن موضع الحفاوة والتقدير والاهتمام التي يجري الحرص عليها اليوم، فأخلص الروائي أو القاص العربي من قبل لفنّه، واستغرق في صومعة أفكاره، ولعل تأمل رسائل توفيق الحكيم إلى زوج ابنه حتى مطلع الثمانينات تكشف عن العوز الذي واجهه مفكر وأديب وروائي ومسرحي عربي كبير([54]). وثمة أنموذج آخر أكثر سطوعاً يتبدى في مسيرة نجيب محفوظ، فهو كتب حتى أواخر الستينيات الرواية بعيداً عن حسابات الإيصال الإعلامي، وغّلب في أدبه حاجات الفنّ والفكر على شهوة الانتشار، وإن خصّ السينما بوصفها فناً رائجاً بقصص كثيرة مكتوبة خصيصاً لهذا الفن الجماهيري الواسع الانتشار، فلم يثنه عمله أو كتابته لوسائل الاتصال عن سعيه الأصيل لإنجاز فنه الروائي العظيم، فميّز بين الرواية ومثل هذه الكتابة. وثمة كثيرون، كما أشرت، لا يعرفون أن نجيب محفوظ كتب عشرات الأفلام أو الأعمال الإذاعية لهذه القنوات مباشرة، وما تزال هذه الأعمال مخصوصة بما كتبت له، ولم تظهر نصوصها في كتب.
وظل هذا الوضع سارياً حتى مطلع السبعينيات حين صارت بعض روايات نجيب محفوظ، بتأثير شهوة الانتشار وهيمنة الإعلام، قابلة بيسر للإندراج في طبيعة وسائل الاتصال بالجماهير، فخالط روايات كثيرة له شيء من لوازم الرواية الاستهلاكية، كغلبة الإخبار على السرد، أو العناية برسم الشخصيات على حساب الوصف أو التأملات الفكرية، أو صوغ الرواية برمتها بأسلوب «السيناريو»، أو اختزال الوقائع إلى تركيب مشهدية ما.. الخ، وهذا واضح في روايات كثيرة له مثل «حب تحت المطر» و«يوم قتل الزعيم» و«الحرافيش».
ونستطيع أن نجد روائيين وروايات عربية كثيرة، قد تأثرت بنيوياً وسردياً وهيكلياً بتقنيات الإيصال وشهوة مخاطبة أوسع الجماهير بدغدغة مشاعرهم، وطلب التواصل العاطفي أو الاندماجي في تلقيهم. وكان برع في ذلك من قبل روائيون كثر أمثال إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي اللذين راجت أعمالهما منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الستينيات على وجه الخصوص. لقد خاطبت رواياتهما العواطف والمشاعر إلى أبعد ما تفعله الاتجاهات الرومانسية الهادئة أو المغالية، وإلى أبعد ما تعتمله اتجاهات المشجاة (الميلودراما) المتطرفة، ونادراً ما عبرت هذه الأعمال عن الوجدان العام أو الضمير القومي أو الوعي بالتاريخ. وفي هذه الأيام بتأثير حاجات التلفزة والقنوات الفضائية يعاد إنتاج روايات إحسان عبد القدوس في مسلسلات وسهرات تلفزيونية مثل: «لا أكذب ولكني أتجمل»، و«لن أعيش في جلباب أبي».
من الواضح، أن الرواية الاستهلاكية تنتشر عربياً بتسارع متزايد، لأن المعرفة نفسها في تصارع متصاعد مع الإعلام، ولا يماري أحد أن الثقافة الرفيعة الحّقة هي اليوم أشبه باليتيم على مائدة «اللئيم» الذي هو «الإعلام». وليس تأثير الرواية الاستهلاكية في جماليات الرواية العربية هيناً خلال نصف قرن من الزمن، فهو يدخل في تفكير الروائي العربي، وفي بناه السردية، وفي نسيج حبكه، وفي تشكل صوغه الفني، وما يزال التصارع قائماً بين النزوع الاستهلاكي إلى منتهاه، ونزوع الجمالي إلى منتهاه. وثمة روائيون يمثلون هذا الفريق أو ذاك. ولكننا يندر أن نجد روائياً عربياً معتبراً بمنجاة من هذا التصارع، وهذا واضح في أعمال جبرا إبراهيم جبرا وحنا مينه ووليد إخلاصي ونبيل سليمان (سورية) وعبد الرحمن الربيعي (العراق) وبهاء طاهر وفتحي غانم (مصر) ومحمد صالح الجابري (تونس) وغيرهم.
وقد استدعى ذلك مواكبة نقدية تراعي طبيعة التغير الثقافي، ولاسيما تأثير وسائل الاتصال في الأدب والنقد.
4-2- اللغة العربية والمعلوماتية:
تبدلت النظرة إلى اللغة العربية تبدلاً كبيراً خلال العقدين الفائتين بتأثير ثورة المعلومات، بل جاوز التبدل إلى التأثير العميق في خصائص منظومة اللغة العربية وعلائقها الداخلية والتعبيرية والوظيفية في الكتابة الإبداعية الروائية والقصصية، وفي نقدها الذي مال إلى المناهج الحديثة وطرائقها البحثية، وقد ساهم التفجر المعلوماتي في تكونها من الحاسوب، إلى «المالتي ميديا»، إلى الأنترنت، وهي شبكة معلوماتية كونية ومحلية جعلت التواصل المعرفي ونهاجياته وتقاناته وإجراءاته مختلفة عما كانت عليه قبل هذين العقدين، وصار الحديث عن الكتاب الإلكتروني باستعمال الكتابة الحاسوبية وقابليات التأليف والتوثيق وثراء تعدد الوسائط، في متناول اليد، مما يتدخل إلى حدّ كبير في تنظيم عمل المخيلة الإبداعية، وفي انتظام منهجية محددة للعمل النقدي في آن واحد.
ويظهر هذا التبدل العميق في اللغة العربية في تأملنا لتطور استجابة اللغة العربية لهذا التفجر المعلوماتي، منذ الدورة السابقة لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي (الرباط 1989)، فقد تفاقمت الحساسية العربية إزاء التحديات التي تواجه اللغة العربية، فحملت الدورة شعاراً شديد الدلالة هو «اللغة العربية هويتنا القومية».
قدم لهذه الدورة أكثر من عشرة بحوث لعدد من كبار الخبراء والاختصاصين أمثال شكري فيصل وتمام حسان وعلي الشابي وإبراهيم عبد الله رفيدة وجميل عيسى الملائكة والطيب البكوش وإبراهيم بن مراد ومحمد رشاد الحمزاوي ومحمد مصطفى بن الحاج وزكي الجابر، ومحمد السويسي ومحمد خليفة الدناع ويوسف الخليفة أبو بكر، وطبعت هذه الأبحاث في كتاب «من قضايا اللغة العربية المعاصرة» (1990).([55])
إن ثمة نظرة جديدة وتعاملاً جديداً للغة العربية في البحث العلمي، ومنه النقد، لابدّ من أخذهما بالحسبان، فقد توصل الباحثون العرب إلى نتائج هامة تتعلق بالمعالجة الآلية للبيانات العربية، منها:
- طرق تخزين البيانات واسترجاعها.
- المعاجم العربية لإصلاح التهجئة.
- برامج تدقيق الإملاء الصرفية والنحوية.
- المحلل الصرفي.
- برامج تحليل الإعراب النحوي.
- برامج التحليل الدلالي.
- برامج توليد الكلمة في اللغة العربية([56]).
ثم صدر مؤلف من «قضايا فكرية» عن «لغتنا العربية في معركة الحضارة» (1997)، والبارز في مقالاته وأبحاثه المكتوبة بأقلام نخبة من المفكرين والعلماء والأدباء والنقاد، ثلاثة أمور، الأول توكيد منزلة اللغة العربية في تدعيم أبحاث الهوية، والثاني هو مقدرتها على التجدد والأصالة، وفي صلب ذلك مواجهتها للتحدي الاتصالي والمعلوماتي، والثالث هو استجابتها البطيئة والقاصرة والتخلف على الرغم مما تحقق لها من تجديد وتطوير وتطويع نسبي لمقتضيات العصر وحاجات التطور المجتمعي العربي بجوانبه الإبداعية والتنموية والإنتاجية جميعها.
وكانت شهادة خليل النعيمي (سورية)، وهو روائي وطبيب وجراح. درس الطب والفلسفة في جامعة دمشق، ويعمل حالياً في مستشفيات باريس، في منتهى الأهمية عن ثراء اللغة العربية واستجابتها الدائمة للتجدد والتأصيل، مما يفسر سيرورتها وبقاءها واحتضانها للغة العلوم والمعلوماتية:
«أما الصبغيات (الكروموزوم)، والمعلوماتية (الأنفورماتيك)، والعصب الودي (السمبتاوي)، والبطين (فالتريكول)، وهو بطين القلب التشريحي، والشغاف (بيريكارد) وهو الذي يحيط بالقلب، ويحميه، أي شيء أكثر تعبيراً عن هذه المهمة من الشغاف؟. ولابد أن كلمة الشغف، اشتقاقاتها جاءت من هذه الإحاطة الحميمة، وغير هذه من التعابير والكلمات المعربة التي درسناها في جامعة دمشق، وهي التي باستطاعتها أن تضفي بعداً جديداً على اللغة، وتعبر، في الوقت نفسه، عن طاقة هذه اللغة على التجدد والتطور»([57]).
وتحدث النعيمي عن فضل اللغة عليه كاتباً وطبيباً جراحاً، لأن «اللغة بلا علم هي لغة خرساء»، ولأن التعريب ليس دائماً تخريباً، «إنه، على العكس سلاح إضافي بالنسبة للطبيب العربي مثلاً، و«لغة الدراسة ولغة الممارسة هي نفسها، وإذا ما قرر أن يتخصص، فإنه بالتأكيد سيكون قادراً على تخطي عوائق تعلم لغة جديدة»([58]).
وتميز بحث نبيل علي (مصر) «نحو نظرة أشمل للغة»، في تصديه المبكر والدقيق للغة العربية والمعلوماتية، وهو صاحب أول مؤلفين باللغة العربية عن هذه القضية الشائكة والهامة: «اللغة العربية والحاسوب» (1988)، و«العرب وعصر المعلومات» (1994). وقد عالج علي اللغة ضمن المحاور التالية:
· الدور الأكثر خطورة الذي تلعبه اللغة في مجتمع المعلومات.
· الموقع الأكثر أهمية الذي تحتله اللغة حالياً على خريطة المعرفة الإنسانية.
· الإشكالية الأكثر تعقيداً التي تصاغ في قالبها قضية اللغة.
· التوجهات الأكثر تعدداً لتناول إشكالية اللغة وأمور معالجتها آلياً بواسطة الكمبيوتر([59]).
لقد وضع نبيل علي الملح على الجرح، على أن السبيل متاح لمجاوزة الراهن غير المرضي، باللجوء إلى المجالات التالية:
· تكنولوجيا المعلومات كأداة للإحصاء اللغوي.
· استخدام تكنولوجيا المعلومات في معالجة الكتابة العربية.
· تكنولوجيا المعلومات كأداة للصرف العربي.
· تكنولوجياالمعلومات كأداة للنحو العربي.
· استخدام تكنولوجيا المعلومات في الفهم الأتوماتي للسياق اللغوي.
· تكنولوجيا المعلومات في تحليل النتاج الأدبي وأساليب الكتاب.
· تكنولوجيا المعلومات كأداة لمكننة المعجم العربي.
· تكنولوجيا المعلومات كأداة لدعم العمل المصطلحي.
· تكنولوجيا المعلومات في مجال الترجمة الآلية.
· توليد الكلام العربي وفهمه آلياً([60]).
أجل، تبدلت النظرة إلى اللغة العربية وممارستها في المجالات كافة بتأثير ثورة المعلومات، ولم يكن الأدب والنقد الأدبي بمنجاة من ذلك.
5- تنامي أبحاث الهوية:
تفاقمت المخاطر المحدقة بالذات القومية أثر هزيمة 1967، مما دعا إلى أمرين متلازمين في الفكر العربي، الأول هو موجة نقد الذات، وأطلقه صادق جلال العظم (سورية) في كتابه الشهير «النقد الذاتي بعد الهزيمة» (1969)، والثاني تنامي أبحاث الهوية وعياً بالذات، وبالتاريخ العربي، وبالآخر الأجنبي، الذي صار إلى تأزم ضاغط على الوجدان المهيض، وكنت بينت في بحثي «أزمة الذات في الرواية العربية» (عالم الفكر 1996) أن الرواية هي الفن الحديث الأكثر تعبيراً عن تحديات الحداثة في المجتمع العربي، حتى صار الفن سجلاً دقيقاً للصراع الحضاري الذي تعرف فيه العرب إلى ذاتهم، وإذا كان الفكر العربي في عصر النهضة قد عكس ـ صراحة ـ تباين الموقف من الهوية العربية الحضارية، وتصاعد مللاً واتجاهات وتيارات عصفت بالعرب، في محن الموقف من الخلافة، أو الصدام مع الغرب الاستعماري، أو امتحان الاستقلالات الوطنية وتعارض المشروع العربي مع المشروع الصهيوني بقيام الكيان الإسرائيلي في قلب الوطن العربي، وفي المحن المتتالية مع استقطاب العرب الدولي، عسكرياً وإيديولوجياً وسياسياً، فصار العرب أكثر من عرب، متوزعين على معسكرات خارجية، ومنقسمين على أنفسهم في تحالفات أو متاريس غذتها أوهام ومصالح لم تكن عربية في صميمها، وكانت الخلافات العربية ـ العربية التي تطورت إلى الاقتتالات العربية بين قطرين عربيين أو أكثر، أو بين فئات القطر العربي الواحد، في حروب أهلية، أو مسلسلات الإرهاب، والاغتيال على «الهوية»، ويا لها من هوية مغدورة‍! وكان العجز الصريح عن الوفاء لأهداف المشروع العربي في التوحيد والحرية والدمقرطة والعلم والعدالة والمساواة والتقدم الاجتماعي، وهي مجموعة قيم المجتمع المدني التي لا تزال جوهر التحدي الحضاري، وكانت الهزائم العربية المتتالية أمام «إسرائيل» والغرب الأوروبي والأمريكي، وانتعشت الدولة القطرية، واعترف العرب بعجزهم، وبالتباس مفهوم الهوية في ممارستهم السياسية، وصار ذلك واقعاً جديداً مع حرب الخليج الثانية التي وضعت الذات العربية في أزمة([61]).
ناضل العرب طويلاً من أجل حريتهم إزاء الغرب الغازي، المحتل، المستعمر، في حركات الاستقلال التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى إلى نهاية الحرب العالمية الثانية في بعض الأقطار العربية، وإلى الخسمينيات والستينيات في أقطار أخرى مثل المغرب وتونس والجزائر واليمن الجنوبي. وعرفوا أثناء مقاومتهم المديدة للاستعمار الغربي أن عليهم أن يواجهوا أعداء في الداخل عششوا بتأثير قرون من استعمار مختلف هو الاحتلال العثماني، في ذلك الانحطاط الداخلي والتخلف المروع للعرب عن مستعمريهم الغربيين الجدد، وفي تلك المفارقة الفظيعة بين التقدم الأوروبي، والتخلف العربي، عولجت ثنائية التقدم والتخلف، وفي مقابلهما ثنائية التنمية والتبعية. ويطرح كتاب خالد زيادة (لبنان) «اكتشاف التقدم الأوروبي ـ دراسة في المؤثرات الأوروبية على العثمانيين في القرن الثامن عشر» (1981) السؤال الجوهري في سياقه التاريخي، ففي «نهاية القرن الثامن عشر والبدايات الأولى للقرن التاسع عشر، كان التقدم الأوروبي قد أحاط العالم الإسلامي برمته. فنشأ التفكير في هذا الإقليم أو ذاك بضرورة الأخذ بالتقنيات الحديثة، والتعرف إلى الأنظمة التي جعلت من الدول الأوروبية بلداناً متفوقة على غيرها من بلدان العالم. في هذا الإطار تكتسب التجربة العثمانية أهميتها الخاصة، لأن العثمانيين كانوا من أوائل الذين تنبهوا إلى التقدم الأوروبي، وعملوا على الاستفادة منه، ولأن الدولة العثمانية كانت لا تزال تمثل حتى ذلك الوقت الدولة الإسلامية الأقوى»([62]).
وليس بمقدورنا أن نحصي المقالات والأبحاث التي تصدت لهذه الثنائية، ولكننا نتعمد الوقوف عند بعض الصوى للاسترشاد بسبل التصدي لها في الثقافة العربية الحديثة، وقد ارتفعت وتيرتها في فترة البحث، رفضاً للتبعية، ونشداناً للتنمية والتنمية المستقلة، على أن ذلك هو الطريق الصعبة القاسية التي ينبغي على العرب أن يسلكوها لمواجهة تلك المفارقة الفظيعة بين التقدم الأوروبي والتخلف العربي.

[1]. مصطفى، أحمد أمين: «المناظرات في الأدب العربي إلى نهاية القرن الرابع» ـ دار النمر للطباعة ـ القاهرة 1984 ـ ص232.

[2]. المصدر نفسه ص9.

[3]. التطاوي، عبد الله: «الجدل والقص في النثر العباسي» ـ دار الثقافة والنشر للتوزيع ـ القاهرة 1988 ـ ص7.

[4]. المعاملي، شوقي محمد: «السيرة الذاتية في التراث» ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة 1989 ـ ص1.

[5]. المصدر نفسه ص3.

[6]. المصدر نفسه ص52.

[7]. حافظ، صبري: «أفق الخطاب النقدي» ـ دار شرقيات ـ القاهرة 1996 ـ ص248.

[8]. خليل، خليل أحمد: «مضمون الأسطورة في الفكر العربي» ـ دار الطليعة للطباعة والنشر ـ بيروت 1973 ـ ص7.

[9]. المصدر نفسه ص35.

[10]. علي، فاضل عبد الواحد: «الطوفان في المراجع المسمارية» ـ جامعة بغداد ـ مطبعة أوفست الإخلاص ـ بغداد 1975 ـ ص7.

[11]. علي، فاضل عبد الواحد: «سومر: أسطورة وملحمة» ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد 1997 ـ ص6.

[12]. حسن، حسين الحاج: «الأسطورة عند العرب في الجاهلية» ـ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ـ بيروت 1988 ـ ص ص117-132.

[13]. عجينة، محمد: «موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها» ـ دار الفارابي ـ بيروت والعربية محمد علي الحامي للنشر والتوزيع ـ تونس 1994 ـ الجزء الثاني ـ ص ص233-340.

[14]. ناصف، مصطفى: «رمز الطفل: دراسة في أدب المازني» ـ الدار القومية للطباعة والنشر 1965 ـ ص5.

[15]. المصدر نفسه ص113.

[16]. المصدر نفسه ص286.

[17]. الفيصل، سمر روحي: «نقاد الرواية في سورية: الدكتور حسام الخطيب» في «الموقف الأدبي» (دمشق) العدد 121 ـ أيار 1981 ـ ص ص 56-58.

[18]. الخطيب، حسام: «سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية الحديثة» ـ معهد البحوث والدراسات العربية ـ القاهرة 1973 ـ ص3.

[19]. المصدر نفسه ص116.

[20]. المصدر نفسه ص ص125-126.

[21]. الخطيب، حسام: «القصة القصيرة في سورية: تضاريس وانعطافات» ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1982 ـ ص6.

[22]. المصدر نفسه ص10.

[23]. المصدر نفسه ص78.

[24]. الزيات، لطيفة: «نجيب محفوظ: الصورة والمثال» ـ كتاب الأهالي رقم 22 ـ القاهرة 1989 ـ ص7.

[25]. المصدر نفسه ص14.

[26]. المصدر نفسه ص16.

[27]. المصدر نفسه ص90.

[28]. الزيات، لطيفة: «فورد مادوكس فورد و.. الحداثة» الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1996 ـ ص188.

[29]. الزيات، لطيفة: «من صور المرأة في القصص والروايات العربية» ـ دار الثقافة الجديدة ـ القاهرة 1989 ـ ص ص 90-91.

[30]. طرشونة، محمود: «مباحث في الأدب التونسي المعاصر» ـ المطابع الموحدة ـ تونس 1989 ـ ص8.

[31]. صبحي، محي الدين: «البطل في مأزق ـ دراسة في التخييل العربي» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1989 ـ ص206.

[32]. المصدر نفسه ص8.

[33]. المصدر نفسه ص82.

[34]. صبحي، محي الدين: «أبطال في الصيرورة ـ دراسات في الرواية العربية والمعربة» ـ دار الطليعة ـ بيروت 1980 ـ ص5.

[35]. المصدر نفسه ص185.

[36]. المصدر نفسه ص7.

[37]. عبد القادر، فاروق: «من أوراق التسعينيات: نفق معتم ومصابيح قليلة» ـ المركز المصري العربي ـ القاهرة 1996 ـ ص11.

[38]. المصدر نفسه ص12.

[39]. المصدر نفسه ص22.

[40]. عبد القادر، فاروق: «أوراق أخرى من الجمر والرماد ـ متابعات مصرية وعربية 1986-1989» ـ مؤسسة العروبة للطباعة والنشر ـ القاهرة 1990 ـ ص8.

[41]. عدة مؤلفين: «دراسات عن واقع الترجمة في الوطن العربي» (جزءان) ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ تونس 1985 ـ ج2 ـ ص272.

[42]. الخطيب، حسام: «سبل المؤثرات الأجنبية» ـ مصدر سابق ـ ص44.

[43]. أشارت سامية أسعد إلى شيوع مثل هذه الشروط وتمثل المترجمين لها، وهي: 1- معرفة اللغة الأجنبية، 2- معرفة اللغة التي يترجم إليها النص، 3- القدرة على التحليل والإدراك الأدبي، 4- رؤية النص من الداخل.
انظر بحثها «ترجمة النص الأدبي» في «عالم الفكر» (الكويت) المجلد 19 ـ العدد 4 ـ يناير ـ فبراير ـ مارس 1989 ـ ص24.

[44]. في إحصاء أولي تقريبي زاد عدد الكتب النقدية المترجمة عن الرواية والقصة عن تسعين كتاباً.

[45]. بو عناني، مختار: «بيبلوغرافيا الرسائل الجامعية في الدراسات الروائية» في مجلة «تجليات الحداثة» (وهران) ـ العدد الثالث ـ يونيو 1994 ـ ص ص204-220.
ويلاحظ أن حركة تعريب الكتب الأجنبية عن القصة والرواية العربية بازدياد خلال فترة البحث، مما يدل على المكانة التي بدأت تتبؤأها في إطار عالمية القصة والرواية، وأذكر بعض هذه الكتب:
- الن، روجر: «الرواية العربية ـ مقدمة نقدية» (ترجمة حصة منيف) ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1988.
- كربوشويك، ب. م: «الإبداع القصصي عند يوسف ادريس» (ترجمة وتقديم رفعت سلام) ـ دار سعاد الصباح ـ الكويت 1993.
- عدة مؤلفين: «الإبداع الروائي اليوم» (ترجمة ابراهيم العريس) ـ (وهو عن أعمال لقاء الروائيين العرب والفرنسيين في معهد العالم العربي بباريس 1988) ـ دار الحوار ـ اللاذقية 1994.
- ستاغ، مارينا: «حدود حرية التعبير: تجربة كتاب القصة والرواية في مصر في عهدي عبد الناصر والسادات» (ترجمة طلعت الشايب) ـ دار شرقيات ـ القاهرة 1995.
- براجوكينا، سفتيلانا: «حدود العصور، حدود الثقافات: دراسة في الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية» (ترجمة ممدوح أبو الوي وراتب سكر) - اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1995.
وميزة الكتاب الأخير أنه نظرة منصفة لتطور الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية ورحلته من أدب استعماري إلى أدب قومي استهداءً بانفتاحات النقد الماركسي في فهم النظرية الأدبية للعلاقة المتبادلة بين الفن والواقع.

[46]. ايفاشيفا، فالنتينا: «على مشارف القرن الواحد والعشرين ـ الثورة التكنولوجية والأدب» ـ (ترجمة فخري لبيب) ـ دار الثقافة الجديدة ـ القاهرة 1984.

[47]. غوليكا، ارسيني: «الفن في عصر العلم» (ترجمة جابر أبي جابر ـ مراجعة شوكت يوسف) ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1985 ـ ص ص5-6.

[48]. عدة مؤلفين: «النقد الأدبي الحديث بين الأسطورة والعلم» (ترجمة محي الدين صبحي) ـ الدار العربية للكتاب ـ ليبيا ـ تونس 1988 ـ ص ص14-15.

[49]. الفن في عصر العلم - ص ص 5-6.

[50]. عوض، رمسيس: «دراسات تمهيدية في الرواية الإنجليزية المعاصرة» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ 1971 ـ ص ص253-254.

[51]. على مشارف القرن الواحد والعشرين ص18.

[52]. علي، نبيل: «العرب وعصر المعلومات» ـ سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت 1994 ـ ص ص310-317.

[53]. كنت قمت بدراسة معمقة لرواية عربية من سورية تنتمي إلى موجة الرواية الاستهلاكية، وهي رواية «المدينة الأخرى» لخيري الذهبي. انظر كتابي: «الأدب والتغير الاجتماعي في سورية» ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1990،ص ص307-314.

[54]. نشرت الرسائل في كتاب عن «أخبار اليوم» ـ القاهرة 1978.

[55]. الراوي، مسارع حسن وآخرون: «من قضايا اللغة العربية المعاصرة» ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ تونس 1990.

[56]. المصدر نفسه ص6.

[57]. النعيمي، خليل: «فضل اللغة: تجربة ذاتية في تدريس الطب بالعربية». في «قضايا فكرية ـ لغتنا العربية في معركة الحضارة» ـ القاهرة 1997 ـ ص175.

[58]. المصدر نفسه ص177.

[59]. علي، نبيل: «نحو نظرة أشمل للغة» ـ المصدر نفسه ـ ص298.

[60]. «العرب وعصر المعلومات» ـ مصدر سابق ـ ص ص 369-380.

[61]. أبو هيف، عبد الله: «أزمة الذات في الرواية العربية» في مجلة «عالم الفكر» (الكويت) ـ المجلد 24 ـ العدد 4 ـ إبريل ـ يونيو 1996 ـ ص ص 25-26.

[62]. زيادة، خالد: «اكتشاف التقدم الأوروبي ـ دراسة في المؤثرات الأوروبية على العثمانيين في القرن الثامن عشر» ـ دار الطليعة ـ بيروت 1981 ـ ص10.




Eng.Jordan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #4

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 14,121

   11-26-2012

 09:09 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

ولا شك في أن البحث في قضايا التبعية بدأ قبل ذلك بوقت، ولكنه لم يصبح ضاغطاً إلا في السبعينيات والثمانينيات، وكان كتاب عواطف عبد الرحمن (مصر) «قضايا التبعية الإعلامية والثقافية» (1984) ريادياً في بابه، متساوقاً مع هيمنة الإعلام على سلطة المعرفة، والاستخدامات السريعة والمباشرة لوسائله المختلفة في آليات التبعية الإعلامية والثقافية، فيما عرف بالغزو الثقافي. وقد أخذت هذه الآليات مفاهيم مختلفة ومتطورة مثل الاختراق والتغريب والتغطية، وبرز في هذا المجال إدوار سعيد (فلسطين) في كتبه الأساسية، فعرى الاستشراق بوصفه سلطة معرفية في خدمة الاستعمار في كتابه «الاستشراق» (1978)، وفضح التضليل الإعلامي الغربي ضد الإسلام في كتابه «تغطية الإسلام في وسائل الإعلام» (1981)، وكشف عن التواطؤ الكلي والتشابك الحميمي بين الإمبريالية والثقافة التي أنتجتها مجتمعاتها، وعن الأبعاد المقموعة للثورة ضد السيطرة الإمبريالية في جميع بقاع العالم غير الأوروبي، بتعبير كورنل ويست، في كتابه «الثقافة والإمبريالية Culture and Imperialism» (1993). ويخبرنا إدوار سعيد نفسه أن كتبه هذه تؤلف مشروعاً واحداً لوعي الواقع العربي والفلسطيني، ولتحقيق التقرير الذاتي للمصير. «إن تاريخ الإمبريالية ليعلمنا أنه ليس في وسع شيء سوى فكرة حقيقية للتحرير والمساواة أن يقاوم قوة الإمبريالية ويصدّها»( ).
وقد شرع المفكرون والكتاب العرب في وعي مخاطر الغزو الثقافي منذ مطلع الثمانينيات، وكان الحدث الأكبر في هذا المجال هو انعقاد مؤتمر «مواجهة الغزو الثقافي الإمبريالي الصهيوني للأمة العربية» (تونس 29 آذار ـ 3 نيسان 1982)( )، وشارك فيه عدد كبير من المفكرين والباحثين والمثقفين العرب من الأقطار العربية جميعها، وقدم إليه أكثر من ثمانين بحثاً في محاوره الخمسة: الخصائص القومية للشخصية الثقافية العربية، الغزو الثقافي الإمبريالي الصهيوني والاستلاب الفكري في الوطن العربي، الجذور التاريخية للغزو الثقافي، الغزو الثقافي الصهيوني للأمة العربية في الوقت الحاضر، مواجهة الغزو الثقافي في الوطن العربي. وسمي المؤتمر، بمؤتمر التحدي، وصدر عنه «إعلان تونس» الذي حمل خلاصة ما تزال صالحة للمواجهة.
وتوالت الكتب المؤلفة والمترجمة التي تتناول الغزو الثقافي والثقافة المقاومة، أشير إلى بعضها لفهم السياق الذي آل إلى معركة تالية هي معركة التطبيع، فقد جمع عزيز الحاج (العراق) بعض مقالاته في كتابه «الغزو الثقافي ومقاومته» (1983)، وهي مقالات تنصرف إلى معاينة ظاهرة الغزو الثقافي، وموضوع الهوية الثقافية، ومخاطر الهيمنة الثقافية الأمريكية المرتبطة بالتطور الرأسمالي المتصاعد، وأوجه نضالنا الثقافي ومهماته، وثمة مقالات أخرى عن مشكلات إعلامية واتصالية وثقافية واجتماعية أخرى. وعرّب غسان إدريس (سورية) كتاباً خطيراً هو «غزو العقول ـ جهاز التصدير الثقافي الأمريكي إلى العالم الثالث» (1985)( ) لمؤلفه إيف أود. لفت هذا الكتاب النظر إلى الهيمنة الأمريكية الآخذة بالتوسع، والامتداد إلى أجهزة الثقافة.
وخطا الباحثون العرب خطوات أعمق في دراسة جذور ظاهرة الغزو الثقافي، كما في كتاب مسعود ضاهر (لبنان) «مجابهة الغزو الإمبريالي الصهيوني للمشرق العربي ـ دراسة في الثقافة المقاومة» (1989). ومن المفيد، أن نذكر أن الكتاب يلتزم بمنهج تاريخي نقدي في رؤية الظاهرة من أجل ما سماه «إصلاح السياسة بالثقافة النقدية المقاومة» و«التحليل الكيفي للظاهرات الثقافية» و«استشراف المستقبل بالثقافة العربية المقاومة»، ومثل هذا المنهج، كفيل، برأيه، في التصدي «لإشكالية الغزو الثقافي الصهيوني الإمبريالي للمشرق العربي في علاقتها الجدلية مع نقيضها إشكالية المجابهة، وهما إشكاليتان لا تلتقيان إلا في حقل الصدام المباشر. لذلك أعلنت هذه الدراسة انحيازها الكامل إلى جانب مجابهة الغزو ورسم الطريق العلمية الموصلة إلى المجابهة بالثقافة العربية الوحدوية، ثقافة التغيير الجذري والتنمية الشاملة»( ).
إنها عود إلى ثنائية التبعية والتنمية حين تغدو مواجهة الغزو الثقافي إقراراً بضرورة نقد المركزية وتعددها من جهة، وبحث الاختلاف على أساس سلطان العقل النقدي وحده من جهة أخرى، وهو ما ينادي به نوفل نيوف (سورية) في بحثه «مواجهة الغزو الثقافي ـ نموذج تطبيقي» (أدب ونقد 1996)، فقد ختم بحثه بعبارة دالة لهشام شرابي من كتابه «النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين» (1990):
«في غياب الحريات والحقوق الأساسية، لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق أهدافه الإنسانية.. ولم يعد التخلف مجرد وضع اقتصادي أو سياسي، بل أصبح نظاماً وحشياً، ونمطاً من العيش الحيواني اللاإنساني»( ).
إن التبعية ليست قدراً، ولئلا تكون كذلك، فإن مواجهتها بالتنمية الشاملة والمستقلة هي السبيل. وقد تعددت المواجهات الفكرية لفكر التبعية، وكان جلال أمين (مصر) من أوائل المفكرين الذين تصدوا لإشكالية التبعية الاقتصادية والثقافية في كتابه «تنمية أم تبعية اقتصادية وثقافية» (1983)( )، ويشير العنوان الثاني للكتاب إلى محتواه «خرافات شائعة عن التخلف والتنمية وعن الرخاء والرفاهية».
ليس بوسعنا الإحاطة بالقضايا المتصلة بالهوية وتحدياتها. وباستجابات المفكرين والكتاب العرب تأليفاً أو تعريباً، ولكنني أورد إشارات أو علامات لتنامي الوعي بها، ولا سيما التعريب الناجم عن استهداف الموضوعات المعربة، كما هو الحال مع علي وطفة (سورية) في تعريبه لكتاب إليكس ميكشيللي Alex Mucchielli «الهويةL’Identite » (1993)، فقد أراد إخراجه باللغة العربية ووضعه في متناول من تعنيه مسألة الهوية، وذلك أملاً منا في خدمة إنسان العروبة، حول مسألة الهوية وقضاياها. وحرص المعرب على شرح مفهومه للهوية، في مقدمته، مرتكزاً على العناصر المتغيرة، بالإضافة إلى الأخرى الثابتة، «فالهوية ليست كياناً يُعطى دفعة واحدة وإلى الأبد. إنها حقيقة تولد وتنمو، وتتكون وتتغاير، وتشيخ وتعاني من الأزمات الوجودية والاستلاب»( )، وهي نظرة قابلة للحوار إزاء معضلات خطيرة في تكون الهوية مثل الثابت والمتغير، والتاريخي والراهن، ناهيك عن جدل الخاص والعام في عناصر الهوية، ولعل هذا هو مفهوم المؤلف الخاص والعام بقوله: «لقد استطعنا، عبر تحليل مفهوم الإحساس بالهوية إلى عناصره الحسية الأولية والتي تتمثل في الإحساس المادي، والإحساس بالانتماء، والتماسك، والاستمرارية الزمنية، والاختلاف، والتقدير، والاستقلال والثقة، والإحساس بالوجود أن نسلط الضوء على مختلف الأزمات التي تتعرض لها الهوية، والتي تنشأ عندما تتعرض إحدى هذه الأحاسيس، أو بعضها للإصابة والتمزق»( ).
لقد صار هذا الحوار إلى التمعن في تأثير المتغيرات على الهوية في نزوعات التغريب على وجه الخصوص، حيث تستطيل في امتدادات الهيمنة والمركزية الغربية، فقد ترجم خليل كلفت (مصر) كتاب سيرج لاتوش Serge Latouche«تغريب العالم l'Occedentalisation du Monde ـ بحث حول دلالة ومغزى وحدود تنميط العالم» (1989وظهرت ترجمته بالعربية عام 1992)، والكتاب أشبه بتقرير عن حال الاغتراب بما هو اكتمال هيمنة المركزيات، ولكنه في الوقت نفسه انفراجة الأمل بالتغيير: «وتحت هراسة التغريب يبدو أن كل شيء قد تمّ تدميره وتسويته وسحقه بالفعل، لكن في كل مكان، في الوقت ذاته، يكون كل ما هنالك في كثير من الأحيان أن تضاريس الأرض مشقوقة، فهي تقاوم أحياناً، وهي متأهبة لإعادة تكوين أديمها. والواقع أن استبعاد المكاسب المادية والرمزية للتحديث، وهي وفيرة دائماً، يمكن ويجب أن يبتكر حلولاً جديدة من أجل البقاء كمكان وكإنسانية، وهذه التطلعات المغايرة تستكشف نفسها من خلال الارتجال والتلفيق. ويمكنها أن تنتج مسوخاً، أو أن تستردها الآلهة، لكنها كذلك تغذي الأمل في ألا يكون حصار الآلة نهاية العالم، بل فجر بحث جديد عن الإنسانية التعددية»( ).
وهذا الأمل هو عاضد الاتجاه إلى الاستقلال الذاتي عبر نقد الذات ومجاوزة الراهن والإكراهات المتعددة في وجه الهوية القومية. ونجد تعبيراً عن ذلك في كتاب ناصيف نصار (لبنان) المسمى «طريق الاستقلال الفلسفي» (1996)، وثمّر هذه الدعوات محمد جابر الأنصاري (البحرين) بانتظام وعي الذات في المسار النهضوي، في كتابه «تجديد النهضة باكتشاف التراث ونقده» (1992)، ثم أدغم مصطفى خضر (سورية) أسئلة وعي الذات جميعها بنقدها المتواصل داخل عمليات نقد الآخر. الحداثة في كتابه «الحداثة كسؤال هوية» (1996).
لقد صارت الهوية إلى وعي حاد لتحدياتها في أتون المتغيرات العاصفة بعد حرب الخليج الثانية (1991) التي تزامنت مع متغيرات دولية أشمل، أو عجلت بهذه المتغيرات، وأفرزت ضغوطات أشد على الهوية تمثلت بالنسبة للعرب في أمرين، أولهما العولمة، وهي تطوير لآليات الاستقطاب والاستلاب والتغريب والتبعية والغزو والاختراق والتغطية، وثانيهما التطبيع الذي يعني إكراه العرب على القبول بعدوهم العنصري التوسعي المحتل «إسرائيل الصهيونية»، والتحالف معه، وتأبيد احتلاله للأرض، واقتسام الثروات العربية من السماء إلى الماء إلى الخيرات الأخرى.
إن القبول بالأمرين معاً يندرج في البحث الواسع لما يسمى بإكراهات الهوية نحو الإذعان والاستسلام لشروط القاهر على المقهور، ويعني ذلك ـ فيما يعنيه ـ المحو الذاتي ليس بجعل الهوية واستحقاقاتها أوهاماً فحسب، بل بتكييف شروط الهوية لإملاءات الهيمنة العالمية (المركزيات الغربية وحليفتها إسرائيل).
وهكذا، لا تفترق غائية العولمة عن توظيف التطبيع لنفي الذات القومية عندما تبلغ إكراهات الهوية حدودها القصوى، فتنعدم قابليات المقاومة وثقافة المقاومة، وهي في جوهرها الوعي بالذات داخل الممارسة القومية والوطنية لمختلف مجالات الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكنت أوضحت في بحثي «الخطاب الثقافي العربي وتحدي التطبيع» (1997) أن «نضوج الخبرة النضالية في مقاومة التطبيع يندرج في العمل القومي وكفاح الأمة العربية في حفاظها على الهوية، وفي تحصينها للذات، متجاوباً مع عمليات المقاومة الأخرى: الغزو الثقافي في مفاصله الملتبسة والواضحة من التبعية الجائرة إلى العولمة القاهرة»( ).
أثار تنامي أبحاث الهوية إشكاليات متعددة تمثلت في تشريح عنيف ومباشر وتحليل نقدي متواصل لإكراهات الهوية، ولا سيما التغريب والتبعية والغزو والتطبيع والعولمة تعزيراً للعناصر الباقية للذات القومية وللتراث العربي الحي ولمعوقات التقدم في العلاقات بالسلطة والديمقراطية والعلم والعقل والقومية، وقد تجاوبت أصداء ندوة مركز دراسات الوحدة العربية «العرب والعولمة» (1997) مع هذه الإكراهات تدعيماً للوعي الذاتي، فقد قدم إلى الندوة تسعة بحوث عن مفهوم العولمة وعلاقتها بالتطور التقاني وثورة المعلومات والدولة والمركز (نموذج الولايات المتحدة)، والهوية الثقافية والاقتصاد والتنمية، بيد أن الهام هو النقاش الاستطلاعي عن العرب والعولمة ومفاده التوكيد إياه على مواجهة إكراهات الهوية بتعضيد الخصائص العربية وتدعيم التنمية المستقلة في خضم تيار الاستجابة الفاعل في مواجهة التحديات المصيرية.
6- التطلع إلى الحديث والحداثة:
كان التطلع إلى الحديث، والرغبة في التحديث والحداثة أحد أبرز المؤثرات في اشتداد عود الاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية. وفهمت الحداثة ملتبسة مع مفاهيم كثيرة سادت الحياة الثقافية والأدبية والنقدية والعربية مثل «الجديد» أو «التجريب» أو «الطليعية» في مواجهة القديم، وهي صراعات مستمرة برزت على نحو خاص مع ما سمي بعصر الانبعاث في أوائل القرن التاسع عشر، ولم يستقم استعمال مصطلح الحداثة إلا في وقت متأخر.
6-1- من صراع القديم والجديد إلى الحداثة:
نُظر على الدوام إلى الصراع بين القديم والجديد في بعده القومي( )، وفي بعد المثاقفة (الاتصال بثقافة الآخر الغازي المستعمر)، وفي بعده الحضاري الشامل، وقد وضع محمد الكتاني (المغرب) كتاباً كبيراً، هو أشبه بالموسوعة يقع في 1360 صفحة من القطع الكبير، يحمل عنوان «الصراع بين القديم والجديد» (1982). وقد وجد «ظاهرة الصراع في أدبنا الحديث متصلة بالتحولات الاجتماعية، وبالتحديات الحضارية، وبالمؤثرات الاستعمارية، وبالغزو الفكري، وبكل ما تواجهه أمة ذات حضارة عريقة أمام أمة غازية غالبة تفرض على الأولى منطق الغالب، وتحاول تذويب كيانها في دوامة من الاستلاب والتبعية».
خصص الكتاني فصولاً مطولة لفحص مفهوم القديم والجديد وظهوره في الأدب العربي الحديث ومستويات تصوره في ضوء الوعي الديني والأدبي والقومي والوضعي والاجتماعي، ومحاوره الأساسية: الصراع حول العامية والفصحى، الصراع حول الأساليب الأدبية، الصراع حول البلاغة العربية، الصراع حول قضايا الشعر، الصراع حول مناهج الدراسة وتقويم التراث، وختم بحثه بأسس الرؤية التقويمية للصراع، ولاحظ أن النثر العربي يحقق التوازن والتلاؤم في عالم الحداثة أكثر من الشعر، وفشل المحاولات التجديدية الفاقدة للجذور الإيديولوجية العربية، وانحسار المد الكلاسي والرومانسي، واسترجاع الأدب العربي لتوازنه بين القديم والجديد، واستمرار الصراع بين المثالي والمادي في فكرنا العربي.
لقد وضعت مصنفات كثيرة، ناهيك عن المقالات والأبحاث، في صراعات الأدب العربي الحديث في مظاهره المتعددة: القديم والجديد أو التجريب أو الطليعية، وتدور غالبيتها حول الأدب، ولا سيما الشعر، وذكر الكتاني في مقدمة كتابه اثني عشر كتاباً.
واعتقد أن كتاب الكتاني الأشمل في مجاله. وعندما حرر محمد كامل الخطيب (سورية) إعداداً وتقديماً، كتابه «القديم والجديد» (1989) كان شاحباً إزاء كتاب الكتاني، لأنه يحمل المنظورات الشاملة إياها في رؤية الصراع بين القديم والجديد، وإن اختلفت الرؤى والأفكار الموجهة والناظمة لفهم حركة الصراع ومحاوره ونتائجه، وعلى تباين المستوى بين الكتابين، فالأول دراسة مستوعبة وناقدة، والثاني مختارات لبعض الكتّاب والمفكرين مزودة بمقدمة قصيرة، أشار فيها إلى أن «قضايا عصر النهضة ما تزال قضايانا، من تحديد مفهوم الأمة، إلى تنظيم مؤسسات المجتمع، إلى الأجناس الأدبية، وشخصيات عصر النهضة ما تزال حية بيننا، من أبي الهدى الصيادي والرافعي، إلى سلامة موسى والعقاد ومحمود أحمد السيد إلى علي عبد الرازق وسليم خياطة والصراع الذي جرى آنذاك ما يزال يجري الآن»( ).
واختار الخطيب لكتابه تصنيفاً آخر حوى مقدمات حول مسألة القديم والجديد، ومشكلة كتاب «في الشعر الجاهلي» مثالاً للمعارك الفكرية، ونقاشات وحوارات حول القديم والجديد في مجالات فكرية واجتماعية وأدبية مختلفة.
ثم اكتشفت «الحداثة» ومصطلحها في خضم هذه الصراعات، وقابله، فيما بعد، مصطلح «القدامة»، وصار التطلع إلى الحداثة، في واجهة الاهتمامات الثقافية والأدبية والنقدية، مرتهناً بالأبعاد إياها التي طبعت الصراعات السابقة: البعد القومي، بعد المثاقفة، البعد الحضاري الشامل. وبين 152 مرجعاً لدراسة الفكر العربي الحاضر عالجها بولس الخوري (لبنان) في كتابه «التراث والحداثة» (1983) ربما كانت هي الأهم بين مثيلاتها، يظهر بجلاء القلق الفكري العنيف الذي يهز وجدان المثقف العربي إزاء قضايا التأصيل في موازاة التحديث: كيف نخلق التركيب الجديد، أو هو التأمل العملي الذي أطلقه صادق جلال العظم ثم تبناه آخرون: العالم القديم يمثل «الأطروحة»، واقتحام الغرب يمثل «النقيض»، فيما «التركيب» يمثله عالم جديد عربي أوروبي. وهكذا.
وعندما وصف الخوري هذه المراجع، توصل إلى نتيجة محددة هي أن التحرر في المجال الثقافي يكون «بالتخلص من نير الأجنبي الذي يسعى إلى فرض ثقافته ليحلها محل الثقافة الوطنية العربية. قد يؤدي هذا الإصرار على حماية الهوية الثقافية إلى نوع من الاختناق الذاتي، وذلك برفض الاتصال والانفتاح والانغلاق على الذات والانخداع بالاكتفاء الذاتي. بالمقابل يأتي التحديث موازياً لهذا الاتجاه، وهادفاً إلى إخراج الثقافة التقليدية من شكلها القديم. ويكون هذا الإخراج بالإقرار بأن للثقافة هوية ثابتة، من جهة، وطابعاً تاريخياً من جهة ثانية، فيمكن، بالتالي، تطوير الثقافة كي تتحول من شكلها القديم إلى شكل حديث»( ).
6-2- الحداثة في الأدب أولاً:
كانت الاستجابة العربية للحداثة في الأدب بعامة، وفي الشعر بخاصة بالدرجة الأولى. وخاض شعراء مجلة «شعر» البيروتية معركة الحداثة الأولى الذين بدوا لأول مرة وكأنهم يغنون خارج السرب، وجمع مقدمهم يوسف الخال (لبنان) مقالاته في كتابه «الحداثة في الشعر» (1978)، وعدّ البيان الشعري «مستقبل الشعر في لبنان» الذي ألقاه يوسف الخال في الندوة اللبنانية عام 1956 بياناً نظرياً للحداثة الشعرية، على أنها «نتاج عقلية حديثة تبدلت نظرتها إلى الأشياء تبدلاً جذرياً وحقيقياً انعكس في تعبير جديد»( ).
وتلاه أدونيس (علي أحمد سعيد ـ سورية) في الدعوة إلى الحداثة في مجلته «مواقف» البيروتية (اللندنية فيما بعد)، وانتقل من التقليد إلى الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة، إلى قصيدة النثر إلى الكتابة. وبلغت وطأة الحداثة عند أدونيس أن سماها «صدمة الحداثة»، وهو عنوان الكتاب الذي جمع فيه مقالاته وأبحاثه عن «تنظيره» للحداثة. وضع الحداثة في مواجهة القدم، (القدامة عند الناقد محمد لطفي اليوسفي)، ومثلما وضع الخطابة، سمة ثقافية عربية، في مواجهة الكتابة، سمة حداثية. واستعان بوصف حداثة شعراء النهضة: البارودي، جماعة الديوان، خليل مطران، حركة أبو للو، وعاين مسائل الانتقال إلى الكتابة: الكلام القديم والكلام الحديث، جبران خليل جبران، الارتداد والتنميط، الارتداد وشكلانيةالإيصال، وكثف وجهة نظره في دواعي أن تكون الحداثة تجاوزاً للإتباع أو الثابت في الثقافة العربية طلباً للإبداع أو المتغير المتجدد، وهي الفكرة المركزية لكتابه «الثابت والمتحول: بحث في الإتباع والإبداع عند العرب» (1978).
وحذا محمد بنيس (المغرب) حذوه، فأصدر أيضاً «بيان الكتابة» (1981)، وأعاد نشره مع مقالات وأبحاث وشهادات أخرى في كتابه «حداثة السؤال: بخصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة» (1985). وتميزت دعوة بنيس بطلب التغاير الثقافي مع الآخر الغربي ومع السلف، في خطاب يستند إلى قواعد هي المغامرة والنقد والتجربة والممارسة والتحرر و«هذه القواعد تمس ثلاثة مجالات، اللغة والذات والمجتمع. يصعب أن تنفصل قواعد الكتابة عن مجالاتها، وهي التي تريد مفاجأة وتركيب المغاير، الانتقال من بنية السقوط والانتظار إلى بنية التأسيس والمواجهة»( ).
ومن البحرين نشر قاسم حداد وأمين صالح بيانهما الحداثي باسم «موت الكورس» (1984)، وكان محمد لطفي اليوسفي (تونس) أعاد نشر بعض بيانات الحداثة في كتاب «البيانات» (1993)، ووجد فيها جميعاً، وربما «موت الكورس» على وجه الخصوص، هاجس إلغاء الحدود القائمة بين الأجناس الأدبية: «ظلت محافظة على ملامحها كبيانات تنهض على السرد، وتقول أشد الأسئلة حرقة وإلحاحاً في الثقافة العربية. ولكن السرد تزيّا، في السّر بملامح الشعر، حتى ليكاد الشعر يتماهى مع السرد. وإذا البيان لحظة خطرة تضعنا في حضرة نمط من الكتابة آخذ في التشكل، نمط يعصف بالحدود جميعها»( ).
واقترب عبد السلام المسدي من قضية النقد والحداثة مساءلة وتصنيفاً، وأصدر كتابه الموسوم «النقد والحداثة: مع دليل ببليوغرافي» (1983)، تقصى، فيه، موضوعة الحداثة بين الأدب والنقد، وتوقف عند بعض قضاياه الملحة: اللسانيات والأدب، في تعريف الخطاب الأدبي، التضافر الأسلوبي وإبداعية الشعر، الأدب العربي ومقولة الأجناس الأدبية. ويؤشر هذا الكتاب إلى رسوخ الحداثة في الأدب العربي المعاصر اتجاهات تتأصل في حركة النقد بخاصة، فقد رأى مؤلفه أن «الملحق الببليوغرافي خير شاهد على أن مسار حداثتنا مسار غالب أصيل»( ).
وكنت وضعت كتاباً حول معضلة الحداثة سميته «الأدب العربي وتحديات الحداثة» (1987)، ويضم مقاربات حية عن سيرورة التقاليد الثقافية وشجون تأصيلها، تعريب الحداثة، معضلات التنمية الثقافية والقلق الفكري، التفكير الأدبي العربي المعاصر واقتحام الغرب. وفي عام 1994، جمع فاضل العزاوي (العراق) مقالاته وشهاداته حول الحداثة في كتاب حمل عنوان «بعيداً داخل الغابة: البيان النقدي للحداثة العربية» (1994)، وحوى، فيما حواه، «بيان 1969 «الشعري» الذي ركز على ارتباط الحداثة بتغير الحياة وإعادة تركيب العالم داخل رؤيا شعرية جديدة»( ).
ونلاحظ أن المصنفات عن الحداثة في الأدب والشعر والقصة قد تضاعفت أثر ذلك، كما هو الحال مع هذه العنوانات: «قضايا الحداثة في الشعر والقصة القصيرة» (1993) لأحمد فضل شبلول، و«الحداثة الشعرية» (1995) لمحمد عزام، و«وعي الحداثة: دراسات جمالية في الحداثة الشعرية» (1997) لسعد الدين كليب.
6-3- نقل أو تعريب فكرة الحداثة:
انتشر فكر الحداثة في الأوساط الثقافية والنقدية نقلاً أو تعريباً له، وكان تعريب كاظم جهاد لكتاب هنري لوفيفر H.Lovever «ما الحداثة» (1983)، نشداناً لتعريف الحداثة في أكثر من كونها مجرد فكرة، وعلى الرغم من أن لوفيفر رأى تجلي الحداثة في ممارستها بالأساس، إلا أنه لا يمكن، تعريف الحداثة، كفكرة، «أو للتعمق أكثر كأفق لآفاق تكشف عن نفسها تدريجياً»( ).
لقد أدرك النقاد والباحثون العرب أن الحداثة لا تقتصر على مجالات الأدب، فهي فلسفية، وأنها ظاهرة غربية، فعكفوا على تعريب الكتب الرئيسة في فهم الحداثة، وسياقها التاريخي والمعرفي، وقد ترجمت فاطمة الجيوشي كتاب هابرماس J.Habermas «القول الفلسفي للحداثة Le Discours Philosophique de la Modernite» (صدر بالألمانية عام 1985 وترجم إلى العربية عام 1995)، قصد الإجابة على الأسئلة الشائكة والمعقدة. وقد حوى الكتاب تتبعاً لمفهوم الحداثة منذ نهاية القرن الثامن عشر، وحفل بتحديدات مهمة لعلائقها الداخلية وعلاقاتها الزمنية والموضوعية، فدرس وعيها للزمان وحاجتها إلى إيجاد ضمانات خاصة في داخلها، ومفهوم هيجل ونيتشة لها، وعلاقاتها بالأنوار، وما آلت إليه في المجالات المتعددة: نقد الميتافيزيقا، نقد الأدب والفن، نقد العقل، إنتاج المجتمع.
يتطلب هذا الكتاب إعمال التأمل في نظرته للحداثة المتشربة لتطورات العالم الحديث الأوروبي، ولا يخفى أن أسئلة هذا المصنف تنفتح على خصوصيات التجربة الأوروبية، وينبغي ألا نغفل عن ذلك في قراءة تعاين جذور الحداثة وتطوراتها في ثقافة شديدة التنوع والثراء في مفصل خطير، تبدو فيه الحداثة مهددة من داخلها، مثلما تواجه مخاطر خارجية من مركز الهيمنة الأمريكي، ونلاحظ أن المؤلف يعي مأزق الحداثة في إيماءات السيطرة: «إن حلم هذه الهوية الأوروبية المختلفة كلياً التي تتلقى بحزم إرث العقلانية الغربية، ينمو في الزمن حيث تستعد الولايات المتحدة، تحت راية ثورة أمريكية ثانية، للوقوع مجدداً في أوهام بدايات النزوع للحداثة. إن طوباويات الروايات السياسية القديمة كانت قد أنشأت تناضحاً خداعاً بين أشكال الحياة العاقلة. السيطرة التقنية على الطبيعة والتعبئة الفظة لقوة العمل الاجتماعية. إن تصور الحداثة لذاتها، منذ بداياتها، كان مشغولاً بهذا التطابق بين السعادة والتحرر من جهة، والسلطة والإنتاج من جهة أخرى. الأمر الذي أدى إلى قرنين من النقد الذاتي»( ).
أثار المؤلف في كتابه تحديات الحداثة العلمية والمعرفية، ولا سيما إحلال العقلنة النظمية محل العقل المتمركز على الذات الأوروبية والأمريكية، وهو مسار حداثة لا يوافي تحدياتها العربية، ولكن فهمها وفهم هذا المسار قمين برؤية أفضل لحداثة تداهم ولا تفهم تماماً.
لقد ترجمت مصنفات كثيرة، ولكنني آثرت التوقف عند نماذج أكثر دلالة على سيرورة الحداثة ونقدها في الغرب، وقد كان آلان تورينAlain Touraine في كتابه «نقد الحداثة Critique de la Modernite» (1992وظهرت ترجمته بالعربية عام 1997) من أكثر مفكري الغرب تصدياً لخطاب الحداثة الذي قام على الحرية (الإنسان هو ما يفعله)، وانتصار العقل وسيادة القانون والدولة محل التعسف والعنف، بيد أن الحداثة اندرجت في السلطة، «فما نسميه مملكة العقل، أليس هو السيطرة المتنامية للنظام على الفاعلين، ولفرض السوية والتنميط Normalization الذي، بعد أن أطاح باستقلال العاملين، امتد إلى عالم الاستهلاك والاتصال؟ تمارس هذه السيطرة بطريقة ليبرالية أحياناً، وأحياناً أخرى بطريقة تسلطية»( ). وهذا معنى الحداثة بوصفها سيطرة قائمة على العقل وعلى العلم وعلى التقنية، «فقد أطاحت الحداثة بوحدة عالم خلقته الإرادة الإلهية، أو العقل أو التاريخ، وحلت محله العقلنة وتحقيق الذات»( ).
إن ثمة افتراقاً بين الحداثة اليوم، ومعارضاتها: الانفصال الكامل بين المجتمع كتيار جارف من التغييرات التي يبلور الفاعلون في غماره استراتيجياتهم للغزو أو للبقاء على قيد الحياة، وبين خيال ثقافي ما بعد حداثي. وبالمقابل، انتشار في الوقت نفسه وفي كل مكان هوس هوية لم تعد تحددها الملاحظ الاجتماعية. وما يقترحه آلان تورين هو «إعادة تعريف الحداثة كعلاقة يسودها التوتر بين العقل والذات، بين العقلنة وتحقيق الذات، بين روح النهضة وروح الإصلاح، بين العلم والحرية. وهو موقف بعيد عن حداثة اليوم التي دخلت في مرحلة الانهيار، وعن ما بعد الحداثة التي يجول شبحها في كل مكان»( ). إن نقد الحداثة عند تورين بالسعي إلى تخليصها من التراث التاريخي الذي اختزلها في العقلنة، وإلى إدخال فكرة الذات الشخصية وتحقيق الذات إليها.
6-4- فهم الحداثة ونقدها عربياً:
غير أن الاستجابات العربية للحداثة جاوزت خلال العقدين الأخيرين حدودها في الأدب بعامة، وفي الشعر بخاصة إلى عمليات فهم الحداثة ونقدها من منظورات شاملة. وكان زكي نجيب محمود (مصر)، وحليم بركات (سورية)، وهشام شرابي (فلسطين) من أوائل المفكرين العرب الذين صدروا في فكرهم عن فهم للحداثة ومآزقها في الحياة العربية المعاصرة، وعن تمحيص لتجلياتها المؤرقة على الوجدان القومي، وأذكر على سبيل المثال كتاباً واحداً دالاً لكل منهم: «تجديد الفكر العربي» (1971) لزكي نجيب محمود، و«المجتمع العربي المعاصر» (1984) لحليم بركات، و«النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين» (1990) لهشام شرابي.
ولعل حنا عبود (سورية) أول ناقد عربي يتصدى لمفهوم الحداثة من منظور شامل في كتابه «الحداثة عبر التاريخ: مدخل إلى نظرية» (1989)، فتختلف الحداثة عن التجديد الذي يتخلق يومياً، وهذا ما دعاه لاختبار مفهوم الحداثة عبر التاريخ، فتوقف عند حداثتين الأولى زراعية في العالم القديم، والثانية صناعية في أوروبا الحديثة، وتلمس لعرضه مؤلفات وأفكار وظواهر اجتماعية وسياسية ترى في الحداثة صيغة شمولية تسود المجتمع، وليس تجريداً مرحلياً، والعرض جريء يستند إلى ثقافة ثرة ورأي مستقل وحذر في تناول منعكسات الحداثة على الفكر العربي والثقافة العربية.
مهد عبود لمدخله إلى نظرية الحداثة بالتعريف بالنظريات التطورية وغير التطورية، أو النظريات المتعارضة على حدّ تعبيره، متجنباً التعريج على المؤلفات التي ظهرت في العربية عن الحداثة، لأن مرامه هو إضاءة وجهة نظره المحددة، لا إرهاق كراسته بمناقشات هامشية لا تسهم في إبراز ما يريده. ثم عالج النظريات الوظيفية والحداثة، وصور تماهي الذات، والحداثة الأولى، وعصر الوحدانية، والحداثة الثانية، وخلص بالرأي إلى أن الباحثين لا يتفقون على زمن معين للحداثة، وعرض لآراء كريستوفر كودويل وهنري لوفيفر وادموند ولسون ومالكولم برادبوري وجيمس مكفرلين وارنولد هاوزر.
ثم استنبط عبود قانوناً للحداثة، بالاعتماد على مصطلحين يونانيين هما الانانكي Ananke والمويرا Moira، وقد اعتقد اليونان أن الأنانكي هو القدر الأعظم أو القانون الأكبر أو النظام الذي ما بعده نظام، حيث تخضع له الآلهة والبشر معاً، أما المويرا فهي في عرفهم القدر الأصغر الذي يخضع له البشر وتفرضه الآلهة. فتكون الحداثة خطوة تقترب إلى الأنانكي، والحداثة تزداد طرداً مع الاقتراب من الأنانكي. وإذا ساد الفكر الوحداني، تباطأت الحداثة أو تعثرت أو تلاشت، وذكر بعض الملامح الأخرى:
- تشتمل الحداثة على نوع من الخرق للزمن والتاريخ.
- ليست الحداثة مكوناً في الذات. إنها خروج منها، فالأنانكي لا يعترف بالذات. إن الذات من ضمن موجوداته التي يسري عليها قانونه.
- الحداثة لا تستهويها «الإنسانية»، ولا تختبئ وراء هذا الشعار وأمثاله. إنها مواجهة وخرق للوصول إلى الأنانكي.
- فيما يتعلق بالإنسان أو المجتمع أو الطبيعة، تسعى الحداثة للوصول إلى الأنانكيات المتحكمة والطبقة الآسرة التي لا فكاك منها، فتكتشف التدمير المحيق من غير أن تعد بعصر ذهبي ومن غير فرض إيديولوجياً معينة، فكل إيديولوجيا عبارة عن وحدانية.
- تسعى الحداثة إلى الحرية من خلال معرفة الأنانكي، وليس من تجاهله، أو تزيينه أو شرحه شرحاً متحيزاً، إن الاستلاب الذي يخضع له الإنسان لا يرجع فقط إلى الأنظمة الاجتماعية والأيديولوجيات الوحدانية، بل يرجع أيضاً إلى الأنانكيات المتحكمة به.
- لا يخفى أن الحداثة تدفع بالشكل إلى أبعد حدوده، ليتطابق مع مقتضيات الأنانكي، ولا ينطبق هذا على الأدب، بل على كل شيء. ولهذا تسعى الحداثة وراء الأشكال التي تؤمن تأدية مثلى للوظيفة، فنحن دائماً أمام محاولة المقاربة، مما يعزز دور الجمالية الفوضوية، التي تسعى دائماً إلى التجاوز من أجل أنانكية أشد إقناعاً( ).
وكانت المحاولة الثانية المكتملة لدرس الحداثة فلسفياً في كتاب «فلسفة الحداثة» (1992) لمؤلفيه فتحي التريكي ورشيدة التريكي (تونس). وقد صدر فيه مؤلفاه عن فكرة مفادها أن الأخذ من الغرب لا يعني قطيعة معرفية مع الموروث، لأن الغرب نهض في حداثته على العلم العربي والحضارة العربية. إن الحداثة، في رأيهما، «مصيرنا، وأن علينا فتح كياننا على تاريخيتنا لا من حيث أنها تربط حاضرنا بجذورها، وبالحضارات التي تعاقبت علينا فقط، بل وأيضاً من حيث أنها انفتاح على الإقبال والمصير، لهذا لم نعد بحاجة إلى تأصيل كياننا بقدر ما نحن بحاجة إلى فتحه على الحداثة، وعلى مسارها في تمظهرات الفكر العالمي.. فلسفة الحداثة في كنهها ما هي إلا تسرب الوعي في الذات بضرورة انتصار الحياة والوجود على الموت والعدم، نعني وجودنا التاريخي الذي يحدد مصيرنا العربي الإسلامي»( ).
وجد مؤلفا «فلسفة الحداثة» أنها معضلة مجاوزة «مجموعة من العمليات التراكمية التي تطور المجتمع بتطوير اقتصاده وأنماط حياته وتفكيره وتعبيراته المتنوعة معتمدة في ذلك على جدلية العودة إلى الأصل وتجاوز التقاليد المكبلة ومحررة الآنا في الآن نفسه من الانتمائية الضيقة للماضي، لتجعل من الآنية فاعلاً حقيقياً في الذات والمجتمع، ومن الإقبال عنصراً معياراً للفكر والعمل»( ).
وعندما ناقشا الحداثة والهوية، تصور استراتيجية ممكنة للخروج من أزمة الوعي العربي، في أمرين أولهما تهافت فكرة توحيد العيش وأنماطه، ورفض الهيمنة الغربية، والتحديث كتكريس لهذه الهيمنة، ويكون ذلك بالإبداع العلمي والتقني والثقافي، وبالفكر المتحرر البناء، وثانيهما إن إثبات هويتنا لا يكون بتأصيل كياننا فقط، بل بتحديثه، وجعله قابلاً للتأقلم مع أنماط الحياة الجديدة ولتحدي مساوئها.
ومن الواضح أن فلسفة الحداثة عندهما لا تخرج عن المحاولات التوفيقية التي أثارها مفكرو النهضة العربية. أما التنظير للحداثة والمخيال فلا يواجه الأسئلة القائمة، وكانت اختارت رشيدة التريكي مجالين أكثر تعقيداً والتباساً هما الحداثة في الرسم وجمالية الزمن التصويري.
وارتفعت وتيرة أسئلة الحداثة مع مصنف «الحداثة» (1996)، وهو من إعداد محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي (المغرب). وقد ميزا فيه بين الحداثة الكلاسيكية التي تتميز بعقلانية أداتية صارمة، وبنزعة تقنية وبقدرات لا متناهية على السيطرة على الطبيعة والإنسان، وبين ما بعد الحداثة التي تحاول تقديم صورة أكثر إنسانية عن الحداثة بحيث تدمج في منظورها الذات البشرية الفاعلة والمعاني الغائبة، والأبعاد الأكثر جمالية محاولة الحدّ من بعض مظاهر أداتيتها، ولاحظا أن «المجتمع التقليدي الذي تعرض لهذه الصدمة يشهد اهتزازات وتحولات في كل مستويات نسقه الاجتماعي، إما في اتجاه التكيف مع الحداثة أو في اتجاه رفضها، مطلقة في هذه المجتمعات صراعاً عسيراً بين مقومات التقليد ومقومات الحداثة. وهذا الصراع ليس اختيارياً أو إرادياً، بل هو مخاض موضوعي ناتج عن مظاهر تقدم الحداثة التي تتحول إلى تيار كاسح يغزو كل الآفاق والفضاءات بمختلف الوسائل والآليات كما أنه صراع مفتوح لأنه يقحم هذه المجتمعات في مخاض من التحول الطويل المدى»( ). ويفيد هذا الرأي اتصال الحداثة بالهوية بالنسبة إلينا، غير أن الباحثين، في مختاراتهما لنصوص أو أجزاء من نصوص، أدغما نصوص المفكرين والنقاد العرب في نصوص المنظرين والباحثين الغربيين، دون أن يدققا بين مفاهيم «الجديد» و«الحديث» و«الحضارة» و«الأنوار» و«الحداثة»، واتجه تصنيفهما إلى التحديدات اللازمة المفهومية والزمنية، والأسس الفلسفية، والمظاهر السياسية والاجتماعية، والعرب والحداثة وما بعد الحداثة. وقد زادت المختارات على ستين نصاً تناولت مختلف جوانب هذه الظاهرة الشائكة، من منظورات متعددة. ولعل وصف جانب العلاقة بالحداثة يشير إلى مدى اضطلاع الفكر العربي بمواجهة أسئلة الحداثة. فكانت الاختيارات التالية:
• التيارات الحداثية في الفكر العربي (محمود أمين العالم).
• مقومات الحداثة في الإسلام (حسن حنفي).
• ابن رشد: إشكالية الحداثة والإسلام (محمد أركون).
• تحديث وليس حداثة (محمد أركون).
• النظرة المشوهة (داريوش شايغان).
• تحولات الحداثة (برهان غليون).
• هل يمكن التعبير عن الأفكار الحديثة بلغة تقليدية (هشام شرابي).
• تحدي روح الحضارة الحديثة (حسن صعب).
• تحديث أم تغريب أم تأصيل (فضل الرحمن).
• فكر الحداثة (عبد الله العروي).
وعلى أي حال، تكشف هذه المختارات عن الانشغال الجذري والواسع لإشكالية الحداثة في الثقافة العربية المعاصرة، وعن النزوع العميق للتحديث في مجالات الحياة العربية كافة، على الرغم من التع





Eng.Jordan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #5

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 14,121

   11-26-2012

 09:20 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

2-2- النقد الأدبي وعلم النفس:
لم يتيسر للنقد الأدبي المتأثر بالتحليل النفسي انتشاراً في الممارسة النقدية العربية، على الرغم من اتساع عمليات التعريف به في النقد الأدبي العربي الحديث على نحو مبكر، وعلى الرغم من وفرة الجهود النظرية المترجمة والمؤلفة، كما رأينا تطورات علاقة النقد الأدبي بالعلوم الإنسانية. ثم مازج التحليل النفسي شيء من نزوعات الحداثة حتى غدا التحليل النفسي منهجاً من مناهج النقد الأدبي الحديثة، كما يبين ذلك كتاب «مدخل إلى مناهج النقد الأدبي» (1990 وظهر بالعربية للمرة الأولى بعنوان «مقدمة في المناهج النقدية للتحليل الأدبي» بترجمة وائل بركات وغسان السيد عام 1994، وللمرة الثانية بالعنوان المذكور، 1997)، إذ خصص الفصل الثاني من الكتاب للنقد التحليلي ـ النفسي، وحاول فيه مؤلف هذا الفصل مارسيل ماريني Marcelle Marini أن يضع أسساً للمنهج بالاعتماد على قاعدة أساسية تتبدى في المسافة بين الأريكة والمقعد، وعلى أن التحليل النفسي هو تجربة مسرحها اللغة حصراً، ثم يليها التأويل، فالقراءة التحليلية النفسية، تسمح باستدعاء التحليل النفسي للأدب، ولا سيما السرد أو الحكي الدرامي، وتوقف عند الحلقة الدراسية لـ لاكان Lacan التي خصصها لـ«الرسالة المسروقة» لإدغار آلان بو، وقيمتها في كشف دراما المابين ـ ذاتية ومنطق اللاوعي، ومضى إلى إنجازات نقاد آخرين مثل لافورج Laforgue وكريستيفا وفيليب لوجون وغيرهم، انتقالاً إلى نقد شارل مورون Ch.Mauron النفسي في ممارسته للمطابقات والتشكيلات التصويرية والمواقف الدرامية والأسطورية الشخصية ومقام الدراسة السيرية، وإلى مجمل التوجهات الجديدة في التحليل النفسي مثل لا وعي النص حسب جان ـ بيلمان نويل J. Belleman Noel، وجوليا كريستيفا والتحليل النفسي السيميائي Semanalyse، وهما مدرستان تحولان التحليل النفسي إلى ممارسة نقدية في صلب إشكاليات الاتجاهات الجديدة.
مع نويل، «تأتي جملة جميلة لتعيد الناقد إلى ممارسته الحقيقية، إنه حوار عادل مع الآخر، بينه هو نصف الأبكم، وبيني أنا نصف الأصم، ونقع على خصوصية هذا اللقاء غير المتزامن En.Decalage حول النص، فالكاتب يكتب من أجل جمهوره الداخلي، والقارئ يبني لنفسه مؤلفاً في قراءته»( ).
بينما تستدعي ثيمية المفاهيم Fetichisme des Concepts «فهم النظرية التحليلية كحقل للأبحاث المتنوعة والمتضاربة أحياناً لا كمذهب نذر لاستبعاد كل ما يهدد التقليد العام. وها نحن إذن قد توغلنا في صميم المشكلات المعاصرة»( ).
وكانت ترجمة كتاب نويل «التحليل النفسي والأدبي» (1972) قد ظهرت بالعربية عام 1997، وفيه معجم بالمصطلحات المتصلة بالنقد الأدبي الذي يستهدي بالتحليل النفسي، مثلما استعرض مؤلفه المحاولات الكثيرة والشاملة لصيغ «تدخل المنظور النفساني تجاه المظاهر المتعددة التي من خلالها يكون الأدب حاضراً، حياً، فعالاً إلى فئة من الناس تتمنى أن يزداد اتساعها»( ).
وخصص جون ستروك محرر كتاب «البنيوية وما بعدها: من ليفي شتراوس إلى دريدا» (1979 وظهرت ترجمته بالعربية 1996) فصلاً لجان لاكان كتبه مالكولم بري الذي أنجز تحليلاً مدهشاً نفسياً ـ لغوياً يستند إلى بعد فلسفي ثر، ولا سيما تناوله للعلاقات القائمة بين الرمزي والخيالي في إطار يعيد للتحليل النفسي الكثير من الأجواء الأخلاقية الرزينة المعروفة لدى فرويد في أعماله الأساسية، «كذلك يمتد أثر لاكان بعيداً خارج مجال التحليل النفسي، وأحد الأسباب الرئيسة لذلك هو أن كتاباته تقدم نفسها بشكل مقصود على أنها نقد لكل أنواع الخطاب والأيديولوجيات»( ).
غير أن الكتاب الأهم في التعريف بكشوفات التحليل النفسي في النقد الأدبي هو «رواية الأصول وأصول الرواية: الرواية والتحليل النفسي» (1972 وظهرت ترجمته بالعربية 1987)، وقيمة الكتاب، وهي هامة جداً، تكمن في فصل الناقد الأدبي بين لا شعور الروائي، ولا شعور البطل الروائي، أو كما قال جان ايف تادييه عنه في كتابه «النقد الأدبي في القرن العشرين» (1987 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1993): «قراءة النص بالنسبة لمارت روبير تعني استخلاص تصنيف فرويدي يجعل معرفة السيرة الذاتية عديمة المنفعة»( ).
إن نقطة الاهتمام في كتاب مارت هو التحليل النفسي للرواية دون التعويل على تماهيها مع سيرة الروائي، بل أن يكتفي التحليل بأدواته المنهجية والمعرفية والنقدية، وقد حاول انطون مقدسي (سورية) في مقدمته الطويلة للكتاب بالعربية، أن يشرح وحدة الأصل التي تجمع بين الرواية والروائي، ثم ما تلبث أن تستقبل الرواية بشخوصها عن الروائي: «إن الرواية في التحليل النفسي هي مجموع الاستيهامات، فالطسم والصور التي يبتدعها الروائي، وبها يستعيد، على شكل غير مباشر، استيهامات وصور أقدم كانت في حينها الصدى الأول للرغبات المكبوتة والتعبير الأقرب إليها. وهذه الرغبات هي بالأصل جسدية، ولا يمكن التمييز في الرغبات، بين الفردي والاجتماعي. وتتكون الرواية، أول ما تتكون، على غرار أحلام اليقظة، أي بين الحلم والواقع، الوهم والحقيقة، اللاشعور والشعور، الذاكرة الأولى والراهن.. ويبلورها التعبير في نص هو حصيلة إعداد طويل يختفي وراء مسافات من الحجب الكثيفة منها الأسطورة الأسرية الأولى التي يستطيع التحليل النفسي وحده كشفها»( ).
ويضيء مقدسي قابليات التحليل النفسي للنقد الروائي والقصصي بقوله:
«وباختصار فإن السرد حاجة، والرواية الحديثة ضرب من ضروب تلبية هذه الحاجة، وكذلك في الماضي، ألف ليلة وليلة والمقامات وغيرها. إلا أن في الرواية، وفي كل كتابة أخرى، شيئاً آخر هو الذي يجعل القول وفنونه ممكناً، أقصد فائض الإنسان عن ذاته الذي هو رصيده، يوظفه لإنشاء ذاته وعالمه؟ أو ليوجد، والرواية ضرب من ضروب الوجود»( ).
أقول، على الرغم من الشغل النظري والتعريفي بمنهج التحليل النفسي في النقد الأدبي في أحدث تجلياته، إلا إن استعماله التطبيقي على أيدي النقاد العرب ظل محدوداً، باستثناء حالة باهرة ومتألقة في نقد جورج طرابيشي (سورية)، فقد اقتصر عند سواه، وهم قلة، على تحويل الرواية أو القصة إلى سياقهما النفسي، ويصير النص الأدبي إلى برهنة على العقد والاضطرابات النفسية، ليغدو الإنسان سديماً في قطيع، وخير ما يعبر عن هذا النزوع المغالي في تحويل النص الأدبي وصاحبه إلى مادة علاجية على سرير التحليل النفسي هو كتاب مصطفى حجازي (لبنان) «التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور» (1976)، فترى إلى الإنسان محكوماً بتخلفه، في «نوعيته وخصوصية وضعه، وبشكل حي وواقعي، لتكون مرتكزات علم نفس التخلف. بذلك وحده يمكننا أن نضع أخيراً حداً لإلباس هذا الإنسان القوالب النظرية، والتفسيرات الموضوعة لإنسان العالم الصناعي، والتي أدت إلى تعميمات متسرعة كان من نتيجتها أنها حادت عن غرضها المعرفي، نظراً لما تحمله من خطر إخفاء وطمس الواقع الحقيقي»( ).
ولنلاحظ المفردات: نوعية الإنسان المتخلف، الباس الإنسان القوالب النظرية.. الخ، وكأنه في مختبر يعالج فيه الكائن جامداً، أو هو في وضع حتمي. ومن شأن ذلك أن يجعل الأدب رهين النماذج النفسية المرضية، أو أن تغدو النصوص الروائية والقصصية ميداناً لشرح معطيات التحليل النفسي، كما هو الحال مع غالبية البحوث التي وضعها مصطفى سويف، ومصري عبد الحميد حنورة، وشاكر عبد الحميد، مما أشرنا إليه من قبل، ويندرج في هذا التحليل كتاب روزماري شاهين (لبنان) «قراءات متعددة للشخصية ـ علم نفس الطباع والأنماط: دراسة تطبيقية على شخصيات نجيب محفوظ» (1995، وقدم له محمد أحمد النابلسي)، ويرى فيه مقدمه «إن الكتاب ينقلنا من نظريات علم الطبائع إلى نظريات الطب النفسي وعلم النفس بفلسفاتها المختلفة، حيث التشخيص يعتمد على بنود من السلوك المرضي بعيداً عن الشكل الخارجي لجسم المريض وعن تشريحته وفيزيولوجيته الأساسية»( ).
أما الجزء المخصص للدراسة التطبيقية على شخصيات نجيب محفوظ فلا يتعدى أربعاً وعشرين صفحة من أصل مائة وست وخمسين صفحة، هي عدد صفحات الكتاب، وقد ناقشت فيه الحالات التالية:
حالة من الطبع المعادي للمجتمع: حامد عمر عزيز في رواية «حديث الصباح والمساء».
حالة من الطبع العظامي: حليم عبد العزيز داوود في الرواية نفسها.
حالة من الطبع التجنبي: صابر (الهذيان) في رواية «همس الجنون».
حالة من الطبع النرجسي: دنانير صادق بركات في رواية «حديث الصباح والمساء».
حالة من الطبع الهستيري: نجية في رواية «حكايات حارتنا».
وتشير ملاحظات شاهين الختامية على وكدها في التماس تطبيقات نصية من روايات نجيب محفوظ للنظريات النفسية على سبيل الشرح والإيضاح، كما في قولها:
«ولا تكمن الصعوبة في الطباع نفسها، ولا في تصويرها للواقع البشري، بل في التوفيق بين هذا الواقع وهذه التصنيفات النظرية»( ).
ولا شك في أن النموذج الأبرز والأكمل للناقد الأدبي الملتزم بمنهج التحليل النفسي هو جورج طرابيشي في كتبه الكثيرة: و«لعبة الحلم والواقع: دراسة في أدب توفيق الحكيم» (1972)، «الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية» (1973)، و«شرق وغرب: رجولة وأنوثة» (1977)، و«الأدب من الداخل» (1978)، و«رمزية المرأة في الرواية العربية» (1981)، و«عقدة أوديب في الرواية العربية» (1982)، و«الرجولة وأيديولوجية الرجولة في الرواية العربية» (1983)، و«أنثى ضد الأنوثة: دراسة في أدب نوال السعداوي على ضوء التحليل النفسي» (1984)، و«الروائي وبطله: مقاربة اللاشعور في الرواية العربية» (1995)، على أن طرابيشي لم يلتزم بهذا المنهج دائماً، بل تطورت ممارسته النقدية من المزاوجة الأيديولوجية النفسية كما في أعماله حتى عام 1983، إلى تغليب التحليل النفسي على الأيديولوجية في كتابه عن نوال السعداوي، إلى الإخلاص للتحليل النفسي وتسويغه واستقامته منهجاً نقدياً شديد السطوع في كتابه الأخير «الروائي وبطله».
استخدم طرابيشي جذاذات من التحليل النفسي في منهجه النقدي الأيديولوجي الأقرب إلى الفلسفة ونظامها المعرفي في كتابيه الأولين عن توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، ثم حاول تكييف التحليل النفسي لحاجات النقد الفكري أو الفلسفي المتجرد من التطرف العقائدي في كتبه عن تجنيس الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، أو رؤية الأدب في مطاويه الكامنة والمضمرة، أو إضاءة الرواية العربية بأبعادها المجازية والرمزية، وهذا واضح في كتبه «عقدة أوديب في الرواية العربية» و«الرجولة وأيديولوجية الرجولة في الرواية العربية» على وجه الخصوص، ففيهما تلمس طرابيشي منطلقاته المنهجية لأول مرة، وقد دخلها التحليل النفسي، وأصاب تكوينها كله، فاعترف في «عقدة أوديب» بالتحليل النفسي منهجاً، على أنه «نقطة انطلاق لا نقطة وصول، فنحن لا نريد اختزال النص الأدبي إلى سياقه النفسي، بل نطمح، من منطلق هذا السياق، إلى الكشف عن أبعاد جديدة للنص الأدبي، وهي أبعاد قد تبقى معتمة إذا لم تستكشف على ضوء منهج التحليل النفسي»( ).
لقد كتب طرابيشي نقده على هدي التحليل النفسي في كتبه «شرق وغرب» و«الأدب من الداخل» و«رمزية المرأة في الرواية العربية»، ولكنه لم يعن بالمنهج، فانشغل بإطار الموضوعات المعالجة في بعديها الفكري والفني في الأولين منها، بينما خلا الكتاب الثالث من تصدير مستوعب لهذا الاستعمال المتصاعد والكبير للتحليل النفسي، ليخوض في قراءات روائية: هي قراءة على مرحلتين: رواية عبدالرحمن منيف «حين تركنا الجسر»، و«هجاء التصور الجنسوي للتاريخ: قراءة في رواية «غرفة المصادفة الأرضية» لمجيد طوبيا، وقداسة الوظيفة ووظيفة القداسة: قراءة مزدوجة رواية نجيب محفوظ «حضرة المحترم»، ورمزية المرأة في الرواية العربية، وهي قراءة في روايات كثيرة. وتعكس قراءات هذا الكتاب ذلك التداخل المنهجي في خيار الناقد، كما في قوله:
«أما الناقد الأدبي فليس له بديل عن التعامل مع وعي البطل الروائي، لأن هذا البطل إن كان له من لا وعي، فمكمنه ليس فيه، وإنما في امتداده في وعي الفنان خالقه، أو ربما في لا وعيه»( ).
ولعل طرابيشي تنبه، تالياً، منذ كتابه «عقدة أوديب»، كما ألمحنا، إلى العناية بالملاحظات المنهجية للنقد الذي استغرق في التحليل النفسي شيئاً فشيئاً، ونفى أن يكون نقده، مثل دراسة فرويد عن دوستويفسكي، ودراسة جونز عبر شخصية هملت، فهما لم يقرأ الأدب إلا بغية تأسيس التحليل النفسي العام، ثم ما لبث أن احترز إزاء المضي في تطبيق كشوفات علم النفس، فمنهجه ليس تحليلياً نفسياً خالصاً، لأن «هذه الدراسة لا تخفي انتماءها الأيديولوجي، كما لا تخفي تعاملها مع الرواية من منطلق وظيفتها الأيديولوجية المتضامنة مع وظيفتها الجمالية، ومع ما يمكن أن نسميه بطانتها النفسية»( ).
وصاغ طرابيشي منطلقاته بمنتهى الوضوح في تقديمه لكتابه «الرجولة وأيديولوجيا الرجولة في الرواية العربية»، فهذه الدراسة «لا تنطلق من السيكولوجيا لتنتهي عندها، بل طموحها أن تكون في الوقت نفسه نقدية ـ أيديولوجية»( )، ويظهر التكييف المنهجي المغالي كأظهر ما يكون في توضيح الناقد لتباين خياري الأيديولوجيا والتحليل النفسي، كما في قوله: «فالأيديولوجيا، من حيث أنها اختيار راشدي لا طفلي، تظل هي المجال الأول لتدخل الحرية الإنسانية لدى الكاتب»( ).
ونفى طرابيشي عن منهج التحليل النفسي الاختزالية، معرباً عن «طموح منهجه، ليس أن ينكص من التظاهرات إلى العقدة، بل أن يتقدم من العقدة إلى التشكيلات السكولوجية ـ الأيديولوجية»( ).
ويتضح منهج طرابيشي في التحليل النفسي بجلاء في كتابه «الروائي وبطله» الذي يضاهي أحدث كشوفات هذا المنهج في صدوره عن النص الأدبي مستقلاً، وفي توجهه إلى لا شعور الرواية أولاً وأخيراً: «والحال أن المسار الذي نلزم أنفسنا به هو عكس ذلك تماماً، فنقطة وصولنا، كما نقطة انطلاقنا، هي النقد الأدبي. وليس التحليل النفسي الذي بين يدينا إلا أداة منهجية، ولا ندعي أننا نقدم كشوفاً جديدة في مجال التحليل النفسي، بل ينبغي توظيف كشوف التحليل النفسي في خدمة النقد الأدبي. ومن ثم فإن الكاتب بحد ذاته لا يعنينا بكثير أو بقليل. ونحن لا ندعي إطلاقاً أن في إمكاننا المماهاة بين الروائي وبطله، أو تجسير الهوة بين لا شعور كل منهما»( ).
وحدد طرابيشي منهجه على نحو أدق، تحديثاً وتطويراً، «فالرواية ليست سيرة ذاتية، بل إن رواية السيرة الذاتية لا ينبغي أن تقرأ على أنها سيرة ذاتية، فالرواية عمل فني، والفن في الإنسان طاقة حرية، وككل ما هو إنساني، فإن العمل الفني قد يكون حقلاً للسببيات، ولكنه ليس بحال سلسلة من حتميات»( ). وقد حوى الكتاب دراستين، الأولى طويلة، هي«بحار حنا مينة أو التماهي المستحيل مع الأب»، والثانية أقصر بعنوان «من تفكك الذات إلى إعادة بناء العالم: قراءة في رواية «بدر زمانه» لمبارك ربيع».
طور طرابيشي إنجازات التحليل النفسي في صوغ بديع لنقد أدبي حديث في مناوشة لا وعي النص من جهة، وفي اعتماد التحليل النفسي الدلالي من جهة أخرى، دون أن يقحم الراشدي في الطفلي، فقد وجد في روايتي حنا مينة ومبارك ربيع المدروستين أنهما استطاعتا «أن تتحررا إلى حدّ غير قليل من وطأة الإكراهات الأيديولوجية العاملة تحت أمرة الوعي، والمرتبطة بطبيعة المرحلة التاريخية العربية، وأن تفتحا على خزان اللاشعور كوى وسيعة بما فيه الكفاية ليتدفق منها بزخم، ولكن ضيقة أيضاً إلى الحدّ اللازم لتقنين هذا التدفق وفق آمر الجمالية»( ).
وظف طرابيشي في نقده مقدرة تحليلية هائلة، بلغة زاهية ودقيقة تنساب عذبة رقراقة مما يجعل من لغة العلم أقرب إلى التناول، خلل ثقافة واسعة وعميقة، ولنقرأ على سبيل المثال الفصل المعنون «المشروع البنيوي للتماهي»( ) الذي يصير إلى متعة فكرية وذوقية قل نظيرها في نصوص النقد الأدبي الحديث، فتتساكن في حنايا نقده براعة التحليل وإحكام المنهجية والسند الثقافي والمعرفي من التراث الشعبي الشفاهي والمكتوب، ومن الأفكار والفلسفات، ومن الدراية الواسعة باللغة، بالإضافة إلى إعادة إنتاج أحدث مناهج التحليل النفسي، وهذا هو الأهم، في منهجه النقدي، فلا يجوز السياق النفسي على النص، بل يغدو التحليل النفسي في صلب آلية النقد الأدبي.
2-3- النقد الأدبي وعلم الاجتماع:
كان النقد الأدبي المتأثر بعلم الاجتماع هو المهيمن على حركة النقد الأدبي العربي الحديث، منذ الخمسينيات، من باب الأيديولوجية والمذهب الواقعي على وجه الخصوص، ثم سرعان ما مازجت الأيديولوجية والمذهب الواقعي تأثيرات الاتجاهات الجديدة، فيما عرف بعلم الاجتماع الأدبي كما تكون على أيدي منظريه البارزين، ممن نقلت بعض أعمالهم الأساسية إلى العربية أمثال لوسيان غولدمان وروبير اسكاربيت وبيير زيما. وساعد ذلك على التقليل من وطأة الأيديولوجية، متعاضداً مع التعديلات الكبرى التي طالت النقد الأيديولوجي لدى منظرين ماركسيين أعادوا تقدير قيمة الشكل في العمل الفني واستقلالية النص الأدبي في صوغ مجتمعه الخاص، مثل تيري ايجلتون وماشيري ولوي التوسير، وأعيد تقييم عناصر هامة مثل التقاليد والتناص والتاريخ والمجتمع، وهي تفعل فعلها في التشكل الأيديولوجي، بل إن نقاد ما بعد الحداثة، ممن ينضوون تحت لواء النزعات اليسارية مثل فريدريك جيمسون F. Jameson، دعوا إلى الانتفاع من الثقافة الشعبية في تقعيد (من القاعدة) بنية النص الأدبي، لأن الإنتاج الأدبي في شكله متميز عن المضمون والواضح للعمل الأدبي( ). مثلما أعيد تعريف مفاهيم أدبية ونقدية كثيرة، استفادة من البنيوية وما بعدها بالدرجة الأولى، وهذا ما جعل ناقداً كبيراً من نقاد الواقعية والأيديولوجية، هو محمود أمين العالم يطور كثيراً في منهجه النقدي، كما في كتابيه «ثلاثية الرفض والهزيمة» (1985)، و«أربعون عاماً من النقد التطبيقي: البنية والدلالة في القصة والرواية العربية المعاصرة» (1994)، تفصح مقالات الكتاب الثاني عن ذلك التطور بأجلى معانيه، من فترة لأخرى، فقد تفهم العالم نفسه النقد الموجه للممارسة النقدية السالفة، كما في قوله:
«ولهذا فإن التقييم العام الذي نقرؤه عند العديد من الكتاب والنقاد والدارسين حول غلبة الطابع السياسي والأيديولوجي والدعائي الخالص، أو الطابع الانعكاسي الآلي المرآوي المباشر الذي يسود الممارسة النقدية للمدرسة التي تمثلها صفحات هذا الكتاب بمراحلها المختلفة، مما يكاد يخرج بها من إطار النقد الأدبي نفسه، هو ـ في تقديري ـ تقييم فيه كثير من التعميم المخل الذي تنقصه الدقة والمتابعة والشمول، بل يفتقر أحياناً إلى الموضوعية، وقد يكون أحياناً أخرى أسير هذه المنهجية الشكلانية للأدب التي تحاول أن تجعل منه مجرد نقص مفارق مستقل تماماً عن واقعه الاجتماعي والتاريخي والثقافي والإنساني عامة»( ).
ونلمس مثل هذا التطور لدى نقاد آخرين أمثال يمنى العيد في أعمالها من مرحلة لأخرى، غير أن نقاداً حافظوا على ممارستهم النقدية الأيديولوجية بأكثر مظاهرها، مباشرة وتبشيرية وشعارية، كما هو الحال مع محمد كامل الخطيب في كتبه الكثيرة، وهي لقيت نقداً واسعاً، كنا أشرنا إلى نموذج منه لدى حميد لحمداني( )، ولا يختلف آخر كتبه «الرواية واليوتوبيا» (1995) عما سبق، ولا سيما اللغة اليقينية الجازمة في معرفة التاريخ والفّن. وعلى العموم، يجعل الخطيب نقده في خدمة الفكرة، ويندر أن نقع على تحليل فني أو تلمس لتطور فني، ويستغرب المرء معالجته الظاهرة في إطارها الأوروبي وحده، وهو الذي ينتقد على الدوام المركزية الأوروبية، مثلما يلفت النظر اعترافه الخجول بأن الظاهرة قابلة للتأمل من مقتربات أخرى( ).
حظي النقد الاجتماعي بالانتشار والاهتمام النظري المؤلف والمترجم، «ولعل كتاب حميد لحمداني» نموذج طيب للتعريف بالنقد الاجتماعي المتأثر بالاتجاهات الجديدة، إذ شهد هذا النقد تحولات أساسية أبعدته كثيراً عن إرث المذهب الواقعي والأيديولوجي وتجديداتهما عند أرنست فيشر وروجيه غارودي وجورج لوكاتش وغيرهم، واقتصرت على ذكر هؤلاء لانتشار آرائهم واجتهاداتهم في النقد الأدبي العربي الحديث. ويشير أحدث كتاب عن مناهج النقد الأدبي «مدخل إلى مناهج النقد الأدبي» صمود النقد الاجتماعي La Sociocritique، وهذه التسمية نفسها حديثة العهد بمعناها المحدد والدقيق، إذ ينصرف «إلى قراءة ما هو تاريخي واجتماعي وأيديولوجي وثقافي في هذا التمثل الغريب الذي هو النص»( ).
لقد بات هناك أسس جديدة للنقد الاجتماعي يضيق المقام بالتعريف بها، ويجمعها توجه «يميل إلى تعقيد المسائل لا تعتيمها: ويمكن لهذه العملية أن تنطلق من قراءة النصوص الأدبية، كما يمكنها أيضاً أن تعود إلى تلك القراءة شريطة ألا تجعل منها أحد آخر معاقل تقدمية مبسطة تم اليوم تجاوزها. ولربما كانت هذه المسألة، اليوم، رأس حربة التأمل الفكري»( ).
وتتلاقى في مساحات النقد الروائي والقصصي أنواع تتفاوت في تقبلها لتأثيرات الاتجاهات الجديدة، من النقد الاجتماعي الذي يحول الممارسة النقدية إلى تقص للأفكار والموضوعات في حاضنة النقد الواقعي أو الأيديولوجي أولاً، إلى النقد الاجتماعي المتأثر بتجديدات الواقعية والأيديولوجيا إياها ثانياً، إلى النقد الاجتماعي المتأثر بالاتجاهات الجديدة ثالثاً، واكتفي بإشارات تمثيلية لهذه الأنواع:
أولاً: ما يزال النقد الاجتماعي الذي يتحرك في حاضنة النقد الواقعي أو الأيديولوجي هو الأكثر انتشاراً، واختار عينات مما تنشره الدوريات العربية المتخصصة، فالناقد إبراهيم الناصر الحميدان (السعودية) يربط انفتاح الرواية بالموضوع الإنساني في تناول المشكلات الاجتماعية، ولا يقصد من وراء ذلك «التشهير وكشف الأسرار وإيذاء نفر من الناس، أو الهجوم على فريق من المجتمع من خلال كشف تلك الأخطاء والممارسات غير الحضارية، إنما وضع اليد على موطن الداء هو السبيل إلى اجتثاثه..»( ).
وحين أفردت مجلة «أدب ونقد» (القاهرة) ملفاً لأدوار الخراط، عني مؤلفو الملف ونقاده بنقد أعماله القصصية والروائية في الحاضنة إياها، حتى أن الناقد صلاح اللقاني (مصر) في مقالته عن «الزمن الآخر»، وهي رواية حداثية، يذهب في مفردات تقصيه للموضوعات والأفكار إلى إنشائية شعارية شائعة لدى نقاد كثيرين كمثل قوله:
«من هي تلك النورس البيضاء! لا أشك أنها رامة. وما هو البحر الذي يرتفع من حوله ثابتاً وهادئاً ومتطلباً؟ هل هو طوفان الوعي؟ هل هو بحر الوجود الطامي؟ هل هو الموت؟ وتظل المسافة بين ميخائيل ورامة جغرافياً، ببعد ما بين القاهرة والإسكندرية، ووجودياً بحجم المستحيل»( ).
وثمة نقد ينمو في الحاضنة إياها، مضيفاً إلى توسله إلى النقد الاجتماعي عناية ما بجماليات القصة والرواية كما في نقد غسان عبد الخالق (الأردن) لروايات جمال ناجي، ساعياً إلى إدغام التقنيات بمسار التيار الواقعي:
«أما على مستوى تيار الوعي، فلسنا بحاجة إلى التذكير بأن تيار الوعي يظل على صعيد الشكل تقنية فحسب، ومن الممكن جداً أن يستوعب هموم ومضامين التيار الواقعي، الشيء الذي يمكن ملاحظته بوضوح في مثل رواية غسان كنفاني (رجال في الشمس)، وهو ما ينطبق أيضاً على رواية جمال ناجي (الطريق إلى بلحارث) المنطوية على مضامين واقعية بحتة، أخلاقية وسياسية وأيديولوجية»( ).
ثانياً: ما يزال النقد الاجتماعي المتأثر بتجديدات الواقعية والأيديولوجيا إياها منتشراً ونشطاً، ومن أبرز النقاد العاملين على تصويب علاقة الأدب بالسياسة، وعلى تحديد دلالات العلاقة الروائية فيصل دراج (فلسطين) في كتابيه «الواقع والمثال: مساهمة في علاقات الأدب والسياسة» (1989)، و«دلالات العلاقة الروائية» (1992).
يعيدنا فيصل دراج إلى أجواء المعارك النقدية حول الأدب والسياسة والأدب والأيديولوجيا، وهي معارك استغرقت جهداً وطاقات نقدية وحبراً مديداً على ورق كثير منذ كتاب «الأدب والأيديولوجيا في سورية» (1974)، إلى «معارك ثقافية في سورية» ( 197)، إلى مئات المقالات والأبحاث في الدوريات العربية، وعشرات المحاضرات والندوات حول الأدب والأيديولوجيا على وجه الخصوص، وما زلت أذكر مشاركتي في الندوة السنوية التي عقدها فرع اللاذقية لاتحاد الكتاب العرب عام 1989، وقد عقبت فيها على محاضرة انطون مقدسي «الأيديولوجيا والنقد الأدبي» آنذاك، وكنت أوضحت في تعقيبي اعتماد النقد الاجتماعي والأيديولوجي على الأساليب المنهجية المستخدمة في حقل العلوم الاجتماعية مثل تحليل المضمون، أو تحليل الدور، أو دراسة الحالة أو القياس السوسيومتري، أو الإسقاطية، وهي كلها مناهج اجتماعية تنفع في تعضيد النقد الاجتماعي والإيديولوجي، ولكنها غالباً ما توقعه في إغراء خطاب آخر اجتماعي أو إيديولوجي يختلف اختلافاً بيناً عن الخطاب الأدبي. وما من ريب في أن ثمة بعداً إيديولوجياً للنص الأدبي، وعلى الناقد أن يكشفه، ويتعامل معه بمختلف المناهج الأخرى مستفيداً من مختلف العلوم الأخرى المساعدة، ولكنه حين يتكامل مع مناهل أخرى يكون أقدر وأنفع على كشف الخطاب الأدبي، ولا سيما بعده الإيديولوجي( ).
إن كتاب دراج «الواقع والمثال: مساهمات في علاقات الأدب والسياسة» يتحرك ضمن تلك الأجواء النقدية التي دهمتها المتغيرات، وصارت واقعاً جديداً حسم كثيراً من المقولات الفكرية والنظرية كمثل أبحاث الكتاب: الواقعية والواقعية الاشتراكية: تقدم أم تراجع؟ ـ قول الإيديولوجيا وقول الواقع: إضاءة نظرية ـ نقد الواقعية: تقدم أم تراجع؟ ـ القديم والجديد: لقاء أم فراق؟ وقد كان دراج محقاً وديمقراطياً، ورحيب التفكير وثر الثقافة كعادته في تقديمه للكتاب: «هذه الدراسة أو الدراسات لا تقدم جواباً على شيء، فهي تطرح الأسئلة أولاً. وإذا كان الفرد يصوغ سؤاله، أحياناً، فإن الفرد لا يجد الإجابة إلا في حواره مع آخرين. وفي زمن لا يرحب بالحوار تظل الأسئلة مهزومة، لأن إنتاج الإنسان المحاور يتجاوز شجون القلم والأديب»( ).
ويعد كتابه «دلالات العلاقة الروائية» أكمل محاولة نقدية لتجديد النقد الواقعي والإيديولوجي من منظورات علمية مواكبة للتحولات التي طالت النظرية الأدبية والنقد في الفكر الماركسي، كما عند لوكاتش وباختين، والأهم، أن دراج اعترف بخصوصية الثقافة العربية، وبأهمية نظرية أدبية ونقدية عربية تستوعب هذه الثقافة العريقة والحية والمبدعة:
«والكتاب، وإن كان يدور حول الرواية، فإنه يتضمن ما يفيض عن أسئلتها. يقترب، في الجزء الأول منه، من معنى الرواية العربية، ومن أسئلة يفرضها تميز الزمن التاريخي لهذه الرواية. فقد اعتبر لوكاتش أن الرواية هي الجنس الأدبي البرجوازي بامتياز، وأقام علاقة، لا يعوزها القسر، بين ظاهرة أدبية وطبقة اجتماعية، فحاصر الظاهرة بمرجع معياري تتجاوزه كثيراً. فالرواية لا ترتبط بطبقة تنجز تحولات اجتماعية تسمح بظهور الرواية، بل بتحولات اجتماعية موضوعية تتجاوز المرجع الطبقي الوحيد. ولعل باختين قد قدم مداخلة نظرية أكثر اتساعاً ورفاهة، عندما ربط بين ظهور الرواية وانكسار اللغات المحلية المغلقة، غير أن رفاهته، لا تمنح نظريته بعض العسف والاختزال، لأنه قبل بكونية مجردة، لا تميز اللغة المنكسرة من لغة أخرى، تحمل علائم الانتصار. وعلى هذا، فإن نظرية لوكاتش، كما تلك التي وضعها باختين، لا تكفي لدراسة رواية عربية تكونت، وتتكون، في حقل تاريخي متميز، يتسم بالتعرف على الاجتياح الأوروبي ورفضه في آن»( ).
وحمل كتاب دراج نبرة شجن موجعة: «شهادة عن السياسة في الأدب، أو عن إيديولوجيا، بدت سعيدة يوماً، فحلمت بخلق أدب وسياسة جديدين تماماً، والجديد الشامل لا وجود له في التاريخ»( ).
وقد عاد دراج إلى اهتمامه بخصوصية الرواية العربية باحثاً عن نظرية للرواية عبر اشتغاله على تاريخ الكتابة الروائية العربية، كما في بحثه «وضع الرواية العربية في حقل ثقافي غير روائي» (1998)، ويبدي فيه تشاؤمه من تطور الرواية العربية في حقل مغلق، ربما بتأثير مقايسته للتقليد الغربي:
«لا تنفي المقدمات السابقة إمكانية بناء نظرية للرواية العربية، إن كانت تنفي إمكانية التطبيق الآلي لـ «نظريات الرواية» الغربية على الرواية العربية. فهذه النظريات تقدم الكثير من المواد النظرية التي تضيء تاريخ الرواية العربية. غير أن هذا التاريخ، في أشكاله المختلفة، يظل المرجع الأساسي الذي يسمح بتأمل نظري لوضع هذه الرواية، كما لو كانت «نظرية الرواية العربية» نظرية في تأريخها الخاص، الذي شكلها في حقل مغلق، وطوّرها في حقل يبدو قد كسر انغلاقه، ثم ردّها من جديد إلى حقل مغلق، لا تأتلف معه»( ).
والمقايسة عند دراج مرهونة بتقاليد النظرية الروائية الغربية، ولا سيما لوكاتش، وفي أثناء ذلك جذاذات من باختين وتودروف وماشري وإيان واط وزيولكوفسكي على تباين مناهجهم النقدية.
ثالثاً: اتسعت مساحة النقد الاجتماعي المتأثر بالاتجاهات الجديدة منذ منتصف الثمانينيات، فأقبل على ممارسته نقاد كثيرون، كما عند عبد الرزاق عيد (سورية) ومحمد برادة (المغرب) وفريال جبوري غزول (العراق) ومحمد جمال باروت (سورية) وصلاح الدين بوجاه (تونس)، وثمة نقاد منهم عدلوا في مناهجهم كما هو الحال مع عبد الرزاق عيد الذي وضع عدة كتب مثل كتابه المشترك مع محمد كامل الخطيب عن حنا مينه، وقد أشرنا إليه، و«عالم زكريا تامر القصصي: وحدة البنيوية والفنية في تمزقها المطلق» (1989)، و«في سوسيولوجيا النص الروائي» (1988). وقد أعلن في مقدمة كتابه الثاني أنه يندب نفسه لوضع مقاربة علمية منهجية لسوسيولوجية الخطاب الروائي في الدراسات العربية الحديثة، وعلى الرغم من استفادته من الاتجاهات الجديدة الشكلانية والبنيوية وعلم السرد، فإنه ينتقدها، على طريقة نقاد الإيديولوجية، إذ «سرعان ما يتلاشى لديها الفرق بين النص اللغوي والنص الأدبي، عبر البحث التطبيقي، فيتحول النص إلى كتلة مغلقة من الإشارات والكلمات، عندما تختزل النص الأدبي، الذي هو جماع تحقق اللغوي في الكلامي، إلى مجرد نص لغوي، بعد أن تطرد الكلام من ساحة النص باعتبار الكلام تجسيداً للغة في الحياة والمجتمع، والذي لا يمكن للنص الأدبي أن يعلن أدبيته دون تناسج اللغة كلامياً في علاقاته»( ).
ثم رأى عيد أن دراسات كتابه «محاولة منهجية تطبيقية تسعى للعثور على الشكل في المضمون، والمضمون في الشكل، عبر وحدتهما في تفاعلهما الجدلي، باعتبار أن النص الإبداعي لا يمثل بنية محددة للعالم فحسب، بل ورؤية وموقف المبدع نفسه، من أجل إعادة الاعتبار للنص ومنتجه»( ).
ومن الملاحظ، أن عيد لا يوضح منهجيته، ولا يذكر مرجعيته، وعبثاً نبحث عن إشارة لمصدر أو مرجع، كما في دراسته «اللجنة بين الواقع وتدمير المجاز» على سبيل المثال، وهذه هي طريقته في غالبية كتاباته، ومنها تعقيبه المطول على بحث محمد المنسي قنديل (مصر) المعنون «البحث عن أفق: اتجاهات في الرواية الكويتية المعاصرة» (1994)، فوضع أكثر من ثلاثين صفحة دون أن يشير إلى منهجه ومرجعيته، بينما يتفاوت نقده في حضن الواقعية والإيديولوجيا من جهة، وتشكلات النقد الاجتماعي عبر استفادته من الاتجاهات الجديدة من جهة أخرى، كما في قوله:
«فالوحدة التوزيعية تحقق علاقات تركيبية، فلا وحدة من وحدات السرد لا تنضم في وحدة أكبر، وعبر هذا الخط التراكمي يتشكل فضاء النص، على أركان صلبة لا تبهتها الإشارات الإنشائية، ولا التمحلات البيانية، ولا الضجيج البلاغي، ولا تهويمات حلمية، فالحلم لا بالفراغ، والفانتازيا ليست أوهاماً تكدس وتحشد، بل هي خيال خلاق يبدع وينتج»( ).
وكانت مساهمة حميد لحمداني التنظيرية والتطبيقية الأبرز في ميدانها في كتابه الذي توقفنا عنده من قبل «النقد الروائي والإيديولوجيا من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي» (1990)، إذ عالج في القسم الأول النظري الإديولوجي في الرواية والرواية كاديولوجيا، والإديولوجيا في الرواية بين غولدمان وباختين، والنقد الروائي الاجتماعي، وأصوله خارج العالم العربي، ولا سيما دور باختين وبيير زيما في بناء سوسيولوجيا النص الروائي، ويمثل هذا الدور انطلاقة شاسعة عن النقد الواقعي والإيديولوجي، كما في قوله:
«ما يميز بيير زيما إذن عن باختين ليس هو إدماج الرواية ضمن الوضعية السوسيولسانية (الإيديولوجية) ـ فهذه النقطة نعثر عليها في مفهوم الحوارية عند باختين ـ ولكن هو تحديد معناها، ودورها داخل نسقها السوسيولساني هذا، أي تحديد الدور الإديولوجي الذي تقوم به الرواية باعتبارها خطاباً فردياً مساهماً في الحوار الإديولوجي، وأنه موقف محدد من الواقع. وهذا الجانب يعطي لسوسيولوجيا النص عند زيما طابعاً جدلياً يتميز بشكل واضح عن السوسيولوجيا النصية التي تقول بحياد الكاتب، كما نجدها عند باختين أو كريستيفا»( ).
وكانت المساهمة الثانية المهمة في هذا المجال لدى صلاح الدين بوجاه (تونس) في كتبه «في الواقعية الروائية: الشيء بين الجوهر والعرض» (1993)، و«في الواقعية الروائية: الشيء بين الوظيفة والرمز» (1993)، و«مقالة في الروائية» (1994).
لا تظهر الإيديولوجيا في نقد صلاح الدين بوجاه، مثلما يمعن في تحليله السردي المستفيد من الاتجاهات الجديدة على نحو شديد الإشراق والجاذبية، لذلك تبدو نتيجة كتابه الأول مقنعة كما تجلوها المدونة المعتمدة وهي روايات لروائيين عرب هم علي الدوعاجي ونجيب محفوظ وحنا مينة والطيب صالح وصبري موسى: «فالإنسان العربي، نظراً لمروره بمرحلة المخاض المشار إليها آنفاً، أضحى أكثر من أي زمن مضى في حاجة إلى أوثان فردية وجماعية تسنده وتشعره بالأمن. لكن تحول الشيء إلى وثن بدا مزامناً لعملية أخرى تتجسد في تحول الإنسان من متبوع إلى تابع، فبدت عناصر الكون الروائي متداخلة، وفي حالة تبادل دائم للوظائف»( ).
وأفصح بوجاه في كتابه الثاني عن سبيله النقدي، وهو «وسطي بين الحدث الفني والروائي الصرف والحدث الدلالي التأويلي ذي البعد الجمالي»( )، وجعل هذا الإفصاح أكثر وضوحاً في كتابه الثالث، وهو مجموعة مقالات في النقد الروائي، بقوله: «مقالة في الروائية نص يزعم لنفسه منزلة وسطى بين العلمي الأكاديمي والأدبي الصرف.. لدن فضاء ييسر التواظف بين رصانة المستقر وحركة المتخلق المقبل على تغيير إهابه وإرباك حدوده الجامعة المانعة»( ).
ويضيف بوجاه أن هذه الفصول «قد أنشئت في أزمنة متباعدة، لكنها اتخذت لها محوراً أوحد مثّل أجلى مقصدياتها: ألا وهو البحث فيما به يكون النص الروائي نصاً روائياً في نؤي عن المناهج والنظريات المغرقة في التجريد حيناً، وفي مساجلة ثرية لها حيناً آخر. فبدا حقاً وسطاً بين العلمي والأدبي لدى ذلك الحيز الذي كان به الأدب العربي حياً طريفاً رائقاً ثرياً عند جيل الرواد الأوائل»( ).
إن النقد الاجتماعي المتأثر بالاتجاهات الجديدة يترسخ في بنيان النقد الروائي والقصصي، في ممارسات نقاد بارزين مثل محمد برادة وفريال جبوري غزول في دراستيهما «باب الساحة: مساءلة الانتفاضة والإيديولوجيا» (1991)( )، و«إيديولوجية بنية القص: لطيفة الزيات نموذجاً» (1993)( ).
ولا نغفل هنا عن أهمية الجهد الذي بذله فخري صالح في ترجمة بعض النصوص التي تضيء المنهج الاجتماعي في النقد، وهي كتاب تيري ايجلتون «النقد والأيديولوجية» وصدر ضمن منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1992 ـ والكتاب الذي ضم مجموعة حوارات مع رولان بارت، وبول دي مان، وجاك دريدا، ونورثروب فراي، وادوارد سعيد، وجوليا كريستيفا، وتيري ايجلتون «النقد والمجتمع» (1994)، وصدر ضمن منشورات المؤسسة نفسها.
من الواضح، أن الاتجاهات الجديدة المتأثرة بالعلوم الإنسانية غدت الأضعف قياساً إلى الاتجاهات الجديدة المتأثرة بالبنيوية وما بعدها، كما سنلاحظ في تقصي الممارسات النقدية الكثيرة لهذه الاتجاهات الجديدة.


الفصل الرابع
الاتجاهات الجديدة المتصلة بالبنيوية وما بعدها
انتشرت الاتجاهات الجديدة المتصلة بالبنيوية وما بعدها انتشاراً كبيراً في الثمانينيات، وكانت طلائعها البنيوية منظورة في نقد الشعر، على الرغم من محاصرة النقد الواقعي والإيديولوجي، إذ ترجم كتاب غارودي «البنيوية: فلسفة موت الإنسان De La Methode Structurale A La Phillosophie De La Mort DE L’Homme» (1969 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1979)، مثلما نشرت «الطريق» (بيروت) أكثر من مقالة تدين البنيوية ومثيلاتها، وما تمحور حول جماعة «تيل كل» الفرنسية، مترجمة عن مجلة «قضايا أدبية» السوفييتية، أو مؤلفة على استحياء، اصطفافاً خلف متاريس النقد الواقعي والإيديولوجي، ولا طائل من إيراد الشواهد على ذلك، فهي كثيرة، فليس ذلك مهماً الآن، لأن المتغيرات دهمت الكثيرين، كما أسلفنا، وكما سنوضح ذلك لاحقاً أيضاً، ولأن الكثيرين من دعاة النقد الواقعي والإيديولوجي بدلوا أدواتهم ومناهجهم، أو حاولوا تكييفها لمقتضيات هذه المتغيرات، مثلما أخذ غالبية النقاد والباحثين بهذه الاتجاهات الجديدة، منشغلين على صياغة منهجية، على تفاوت فيما بينهم، ارتباكاً أو انبهاراً، وهو الأكثر، ورصانة وتركيباً جديداً، وهم الأقل، وهذا عائد للموقف من هذه الاتجاهات الجديدة في الفكر الأدبي التي تبدو متطرفة ومغالية في فهم الظاهرة الأدبية، وفي كشف المعنى الأدبي، فقد أصبحنا نقرأ نقداً أدبياً يستعير أدوات العلوم الأخرى غير الإنسانية كالرياضيات والهندسة وسوى ذلك حتى غدت الأبحاث النقدية ميداناً للأشكال الهندسية والرموز والإشارات التي تنتمي إلى طبيعة غير أدبية كما هو الحال مع الاتجاهات الحداثية كالبنيوية واللسانية والتفكيكية، ثم لازم هذه الاتجاهات نزوع إلى التباس المصطلح بحكم قلقلته وعدم الاتفاق عليه، ونزوع إلى الاستهانة بالدلالة المعبرة عن حكمة التجربة الإنسانية، ونزوع إلى خطاب نخبوي يبتعد عن القارئ العادي ليستغرق في معنى خاص هو أشبه بالأسرار والطلاسم من خلال الإلحاح على فهم استعاري أو كنائي للمعنى الأدبي. ولا شك أنها ظاهرة عالمية جعلت دعاة التقاليد الأدبية يتوجسون خيفة من انتشار هذه الاتجاهات المهددة للمعنى الأدبي. فقد التفت الكثيرون إلى مأزق الفكر الأدبي الجديد مع مطلع الخمسينيات، ولاحظ بعضهم أن التفكير الأدبي منذ أوائل الخمسينيات يتصف بصفتين سائدتين، أولاهما أنه تخلى عن زعمه أن مكانه في مركز الدراسات الإنسانية أو قريباً منه، وقنع فيما يبدو إلى مكان جانبي. أما الصفة الثانية، وهي وثيقة الصلة بالأولى فهي أنه توقف عامداً عن أن يظهر بمظهر الذي يضيف حقائق هامة عن الطبيعة البشرية، فهو في تحمسه لعلاقاته بفروع المعرفة الأخرى تحول ذاته إلى لون من اللعب، وهذه نتيجة تكاد تكون ضرورية لتخليه عن زعمه بأن منزلته هي المركز بالنسبة إلى الأشياء، فحين فقد ثقته بمركزه من حيث هو معرفة تحول إلى ضرب، على الأقل، رأي المناهضين لها، وهذا من التسلية. إن هاتين الصفتين اللتين جرى تمحيصهما من قبل ناقد معتبر هو جورج واطسن، ألحقهما بخلاصة لا ترضي دعاة هذه الاتجاهات الجديدة المتطرفة والمغالية، وهي أن حاجتنا الملحة العاجلة اليوم في ميدان الفكر الأدبي هي أن نهتم بما إذا كانت الحجج التي تقدم لنا سليمة أم فاسدة، وأن نظهر اهتمامنا بجدوى البحث في المعنى الأدبي. ولن يخشى ذلك سوى أولئك الذين يعدون التفكير في الأدب تسلية أساساً، فهم وحدهم الذين تثبط همتهم هذه الخواطر.
ويؤيد هذه المخاوف صدور أكثر من كتاب يتحسس مخاطر هذه الاتجاهات، وألفت النظر إلى ذلك، لاهتمام النقد الأدبي العربي الحديث بها، واستعجاله إلى ترجمتها، مثل كتاب «الفكر الأدبي المعاصر» (1978 ظهرت ترجمته العربية عام 1980)( )، وفيه نقد واسع لهذه الاتجاهات حظيت بتأطير منهجي تأريخي لها في مقدمة المترجم محمد مصطفى بدوي (مصر)، وهو الناقد الحصيف العارف، ومثل كتاب «المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية» (1984)، وظهرت ترجمته إلى العربية 1987)( )، وهو أشمل وأوسع في تعريفه النقدي بهذه الاتجاهات، وفي تعريتها، بقصد التعرف إلى طبيعتها المتطرفة التي تهمش الظاهرة الأدبية باسم علمية دراستها مما يجعل الأدب مفهوماً محيراً مغلقاً إلا على نخبة من المشتغلين به. ومن المفيد أيضاً أن أشير بادئ ذي بدء إلى أن ما يجري في ساحة النقد الأدبي العربي حتى نهاية الثمانينيات إزاء هذه الاتجاهات هو أقرب إلى «التلقف» السريع غير الناجز منه إلى التمثل والوعي الذاتي والصدور عن مواقف متأصلة، وهذا يبدو جلياً في جهود دوريات وضعت نفسها في خدمة الترويج لهذه الاتجاهات، كما هو الحال مع «الفكر العربي المعاصر» (بيروت) و«العرب والفكر العالمي» (بيروت). أما دورية «فصول» فتسعى إلى التوازن بين التأصيل والمثاقفة في تلقي هذه الاتجاهات. وفي حديث مع عز الدين إسماعيل (أول رئيس تحرير لها)، وهو ناقد أدبي وأستاذ جامعي معروف، لاحظ أن النقد الأدبي العربي الحديث يتأصل اليوم في وعي المثاقفة، فالتواصل المباشر مع الاتجاهات النقدية الحديثة والفكر الأدبي العالمي عن طريق اختبارها في العملية الأدبية القومية سبيل ـ تلحظه «فصول» بعناية واهتمام واضحين، وعندما سألته( ) عن مخاطر الاستغراق النقدي في هذه الاتجاهات المتطرفة، رأى أن الشغل النقدي العربي يتطور إجابة على مثل هذه المخاطر. أجل، إن المشكلة قائمة، حتى غطت على المناخ النقدي العام، فقد غدا الناقد الذي يلتفت عن هذه الاتجاهات متجنباً أيضاً، ولعل قراءات متمعنة للنتاج الغالب على النقد الأدبي، كما لاحظنا، تكشف عن شهوة اللحاق بالحشد والانغمار فيه، فثمة نقاد من أقطار عربية مختلفة طوروا مسارهم النقدي واتخموا إجراءاتهم النقدية بالرسوم والأشكال والكلام والإشارات التي لا تنتمي إلى طبيعة النقد، أو تسعف في رؤية المعنى الأدبي، وغالباً ما يستطيع هؤلاء النقاد أن يصلوا إلى خلاصاتهم، ويعيّنوا استخلاصاتهم من العملية النقدية في كتاباتهم بمعزل عن هذه الرسوم والأشكال والكلام والإشارات التي لا تثير سوى الأسف أحياناً، ومفارقة التقليد غير الأصيل إزاء طبيعة النقد الأدبي والأدب، وإزاء جهود التطور الذاتي للنقد الأدبي العربي الحديث.
ومن جهة أخرى، هناك حشد كبير من النقاد والعرب التي ظهروا في الثمانينيات لاهّم لهم سوى تطبيق هذه الاتجاهات على الأدب العربي الحديث، ولن يجد المرء صعوبة في إيراد عشرات الأسماء من الدوريات العربية التي تحتفي بهذا النقد المغرق في شكلانيته وتطرفه الهندسي والإشاري واللغوي. إنهم يتقبلون اتجاهات ما بعد الحداثة ويمارسونها بجسارة فيما يصح وما لا يصح، حيث تحفل مئات الدراسات النقدية بالأشكال الهندسية والإحصاءات والجداول والأرقام والبيانات غير الأدبية( ).
لا شك، إن المشكلة تتعدى حدود القراءة الأدبية إلى الارتهان المطلق للمثاقفة حيث يصعب معها تأصيل النقد الأدبي العربي الحديث في تربته ومناخه، وضمن تقاليده القومية. أما عن بعد النقد في فهم «المعنى الأدبي» فالنتيجة هي استغلاقه أكثر على التواصل العام، ومن المفيد أن أوضح شيئاً من فحوى كتاب «المعنى الأدبي» بالنظر إلى انتشار هذه الاتجاهات في النقد الأدبي العربي الحديث. فقد عبّر فيه مؤلفه عن معاناة النقد الأدبي الحديث في بحثه عن المعنى الأدبي، فالقضية قائمة، ليس في الأدب العربي فحسب، بل في بلدان متقدمة ذهب النقد الأدبي فيها، ويذهب، مذاهب شتى، لا توافي دائماً طبيعة الأدب والنقد.
قال مؤلف الكتاب بصريح العبارة في مقدمته: «لقد أبدى النقد الأدبي دائماً قدراً من الألم لما يقوم به وللوجهة التي يقصدها. ولعل لكّل جيل غروراً يجعله يعتقد أنه على عتبة عصر جديد يسلك سلوك خاتم أو قاهر كلّ ما سبقه. لذا فقد كرس جزء من طاقة النقد الأدبي لتحديد الأهمية التاريخية للتطورات النقدية الجديدة، فظهر في العقد الماضي جدل عنيف بين أولئك الذين بشّروا بالحركتين البنيوية والتفكيكية Deconstruction، على أنهما فجر عصر جديد يزيل الغموض عن تأويل النصوص وتفسيرها، وبين الذين شجبوا الحركتين على أنهما هدم لكّل ما هو قيم وثمين في الميادين الخاصة بالدراسات الإنسانية. ومع ذلك فالفريقان يستندان إلى فرضية تاريخية واحدة هي أن التطورات الحديثة في النقد لا تمت بصلة إلى التقليد السائد. وكّل بدعة جديدة في الأسلوب تظهر وكأنها تستمد وجودها من مجموعة من الفرضيات الأساسية، جديدة، وكأن ميدان المعرفة هذا قد فقد أرضيته المشتركة، فعصرنا هذا إنما هو، للرجعيين والثوريين، عصر الخروج الجذري عن المعتقدات السابقة عن المعنى والقراءة والنقد الأدبي، ولابدّ للمرء أن يعتنق الثورة، أو أن يدافع عن التقليد السائد ضدها»( ).
إن هذا الاستشهاد يوضح المشكلة، فكان هدف الكتاب المتواضع، كما يشير مؤلفه، هو إثارة الشك في الادعاء الذي يستند إليه كلا الفريقين والذي يؤكد الانقطاع التاريخي. والحق، أن محاولة المؤلف في تبيان التطورات النظرية والنقدية التي سادت في الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة قد تكشف عن الأرضية المشتركة التي استندت إليها المناهج الحداثية في البحث عن المعنى الأدبي منذ الظاهراتية إلى اليوم، ولكن هذه الأرضية المشتركة قد شاهت ملامحها في تلك الإجراءات غير الأدبية التي تجافي طبيعة النقد الأدبي.
انطلقت المشكلة حول المعنى الخاص بالأدب، الذي يبدو كأن له معنيين، بتعبير المؤلف، ينطوي كل منهما على نظرية للنتاج الأدبي تختلف عن الأخرى، وقد تكون نقيضتها، وعلى تطبيق للنقد يختلف عن الآخر. ويمكن أن نجد أوضح مثال لذلك في الصراع بين بدهيتين مألوفتين عندنا للمعنى: المعنى على أنه مرتبط بالتاريخ يتحكم به قصد معين في لحظة معينة، والمعنى حقيقة ثابتة للنص، تتجسم في كلمة أو مجموعة من الكلمات يتجاوز معناها قصداً معيناً، ويمكن أن يفهمها في بنيتها كلّ فرد يحسن تلك اللغة. ويظهر الصراع بين هاتين الفكرتين المتناقضتين الموجودتين معاً، بين «ما أعنيه أنا» و«ما تعنيه الكلمة»، ويتخذ أشكالاً متنوعة في النظريات التي مهدت لهذه الاتجاهات،أو رافقتها، فيظهر الصراع عادة في هيئة طرفي نقيض، كما في الفاعل ضد الموضوع، أو المثال ضد النظام، أو الأداء ضد القدرة، أو الكلام ضد اللغة، أو اللفظي ضد المعنوي، أو الحدث ضد البنية.
إن المسألة تدور حول القارئ والقصد، فثمة التباس قديم حول حجم القراءات التأويلية لكل نص في استخراج معناه الأدبي، وثمة التباس قديم حول مغالطة القصد في القراءة، هل هو قصد المؤلف أم قصد النص أم قصد القارئ؟ إن كّل قراءة تؤول قصدها بمعزل عن قصد المؤلف أو قصد النص أو بالاستناد إليهما معاً، وليس هناك قراءاتان متطابقتان بلا شك، ولا ينبغي أن نكرر القول حول طبيعة النقد التي ترى، فيما تراه، أنه ميدان من ميادين المعرفة يقوم على نظام متراكم للقواعد والقوانين تقع فيه جميع أمثلة التفسير، بما في ذلك تلك التي تعد نفسها خارجه. على أنّ المشكلة في بحث المعنى الأدبي لا تتوجه مباشرة إلى نسقها المعرفي والتاريخي لتهتم بالمعنى الأدبي كما يتولد من خلال القراءة، بل تلجأ إلى إجراءات نقدية هي ضد لغة النقد وإجراءاته، فلا تعنى بعد ذلك بكيفية ظهور المعنى الأدبي من خلال القراءة إلى الوجود، أو مظاهر تجسيمه، أو صلته بالأشكال الأخرى للفعالية العقلية، أو قابليات امتلاكه معرفياً وجمالياً، أو إمكانيات تقديره وتثمينه، بل تنهك نفسها بطرائق وأدوات وإجراءات أبعدت الشغل النقدي عن طبيعته وعن قيم القارئ العادي لصالح «نخبة» مختلفة فيما بينها أيضاً، وفي إجراءاتها العصية على الإيصال غالباً.

1- تطور الاهتمام بهذه الاتجاهات:
1-1 الدراسة الأدبية:
كانت ترجمة كتاب رولان بارت «الكتابة في درجة الصفر L’Ecriture Dans Le Dégre Ziro» (ظهرت ترجمته في العربية عام 1970) إيذاناً بإقبال النخب الثقافية والنقدية العربية على الاتجاهات النقدية الحداثية، وقد اكتفى مترجمه نعيم الحمصي (سورية) آنذاك، بإيراد كلمة في المؤلف، الذي يدير معهد التدريب لعلم اجتماع الدلالات والرموز والرسوم، وقدم في الوقت نفسه المقالات الأولى الأساسية عن روب غرييه والرواية الجديدة، بينما رأى ناشر الكتاب، المحرر من وزارة الثقافة، أن المراحل الثلاث: نظرة إنسانية وتأدب فكتابة، هي التي مرت بها قراءة التراث في فرنسا منذ عصر النهضة إلى أيامنا. وآخرها، الكتابة، ووضع مفهومها ده سوسير مؤسس علم اللغة الحديث، ثم وسعه البنيويون، وجعلوا من التعارض بين الكلام والكتابة الأساس الذي أنشأوا عليه فهمهم للثقافة. وهذا الكتيب وضعه أحد أشهر نقاد الأدب من هذه المدرسة، يلخص وجهة نظرهم، بأسلوب يجمع بين دقة العالم وشاعرية الأديب المبدع. وهو يرى أن الكلاسيكية قد تحطمت بتفكك البورجوازية، وبذلك بلغت الكتابة درجة الصفر، فهي تتوقع كاتباً يسمع الكلام الاجتماعي كاملاً، ويسجله كتابة كلاسيكية جديدة( ).
ثم أعاد محمد برادة (المغرب) ترجمة الكتاب نفسه بعنوان «درجة الصفر للكتابة» (1981) إشارة إلى توكيد الانتقال إلى الاتجاهات النقدية الحداثية، مما سمح للمترجم أن يصدر ترجمته بضرورة «البحث عن معرفة ممكنة للكتابة»:
«إن الكتابة باللغة ـ الموضوع، وباللغة الواصفة تأخذ، أكثر فأكثر، حجماً متسعاً في المجتمعات الحديثة، وبذلك تصبح مجالاً لتناسل الإيديولوجيات واختلاط المفاهيم، وإحكام طوق الاستلاب على القراء والمستمعين والمتفرجين. ومن ثم فإن الطموح إلى تشييد معرفة ممكنة للكتابات، وهو المشروع الذي أسهم بارت في بلورة بعض معالمه، يظل أفقاً مفتوحاً على العطاءات التي من شأنها أن ترصد التحولات الاجتماعية العميقة المندرجة أيضاً في مختلف أنواع الخطاب، وفي الكتابة الأدبية بصورة أعمق»( ).
ثم شرع الباحثون والنقاد في ترجمة نصوص الاتجاهات الحداثية أو الجديدة وتقديمها، كما في أعمال أعلامها أمثال رولان بارت وتزفيتان تودوروف وميشيل فوكو وميخائيل باختين وروبرت شولز على وجه الخصوص. وتكاد تكون أعمال هؤلاء النقاد جميعها مترجمة إلى العربية. فقد ترجم من أعمال بارت، وبعضها لأكثر من مرة، «النقد البنيوي للحكاية Introduction a l’Analyse Structurale des Recits» (ظهرت ترجمته في العربية عام 1988 بترجمة انطون أبو زيد (لبنان)، وتضم ترجمته نص كتاب آخر هو «نقد وحقيقةCritique et Verite »)، وترجم منذر عياشي الكتابين ثانية «مدخل إلى التحليل البنيوي للقصص» (1993) و«نقد وحقيقة» (1994)، وكان سبق إلى ترجمة الكتاب الأخير إبراهيم الخطيب أيضاً، مثلما سبق منذر عياشي أيضاً إلى ترجمة كتاب «لذة النص» (1992)، مضافاً إليه مقالته «هسهسة اللغة»، ومقالة «موت المؤلف» إلى «نقد وحقيقة»، وهي المقالة التي مارست تأثيراً كبيراً في تنمية الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية.
وترجم قاسم المقداد (سورية) كتابه الكبير نسبياً «أسطوريات Mythes» (ظهرت ترجمته في العربية عام 1996). ويلاحظ أن هذه الكتب حظيت بمقدمات نقدية ضافية عن الانعطافات المعرفية النقدية التي مثلتها هذه الكتب، كما في مقدمة منذر عياشي عن «بارت والقصة» تؤشر إلى نهاجية بارت، وهي مشكلة تبدت في التعدد والتبدل فيها كالمنهج الاستقرائي Inductif ومنهج الاستنباط Deductif، و«إذا كانت الأنماط متعددة، فإن بارت يرى في الوضع الراهن للبحث، أنه من الحكمة أن نجعل اللسانيات نفسها نمطاً أساسياً للتحليل البنيوي للسرد»( ). وبين عبد الله الغذامي (السعودية) في مقدمته لكتاب «نقد وحقيقة» أن المترجم عياشي يتصدى لمهمة جليلة تتمثل في مسعاه الحثيث لترجمة نصوص النقد الألسني من مصادره الحديثة، خاصة الفرنسي منها. «وهو بذلك يؤسس لمرجعية علمية تتشكل مع ما يماثلها لتكون مكتبة نقدية للباحث العربي. ولا ريب في أن النقد الألسني، أو اللساني لمن شاء أن يفضل ذلك، قد بدأ يأخذ موقعه الصحيح في قراءة النصوص الإبداعية والنقدية واللغوية، وفي تشريحها. ولعل الأولى بي والأحرى أن أقول: إن النقد الألسني قد بدأ يستعيد موقعه في الدراسات التحليلية والنظرية العربية»( ).
وأوضح قاسم المقداد، في مقدمته لكتاب «أسطوريات»، «أن أكثر ما يسجل لبارت هو قيامه بإدخال الأدب في ميدان العلوم الإنسانية، لأن بارت أولاً أديب، فمن «الدرجة صفر في الكتابة»، وحتى «الغرفة المضيئة» قدم بارت أشياء كثيرة إلى السيميولوجيا، وللتحليل النصي، وللسانيات ولعلم الاجتماع. ولكنه في هذا كله لم يطرح نظرية، إنما نظرة وحدساً. لكن هذه النظرة علمت آلاف القراء أن بهارج المجتمع، والحوادث المتفرقة والصور والملصقات والممارسات اليومية كانت كلها عبارة عن علامات. وبالتالي، فقط أيقظ القارئ على قضية المعنى»( ).
وكان عبد الرحيم حزل (المغرب) ترجم كتاب رولان بارت «الكتابة والقراءة Le Bruissement de la Langue» (1984 وظهرت ترجمته في العربية عام 1993)، والكتاب يكمل سعي بارت للتشييد النقدي لمفهومي الأدب الرئيسين: الكتابة والقراءة، اتصالاً بصور مصدريهما التاريخيين: الكاتب والقارئ، والأدوار (ونوعيتها: تناسباً وتفاوتاً) التي أسندت إليهما، على مر العصور الأدبية: عبر مراجعة لمعانيهما في كتبه السابقة، ولا سيما: «درجة الصفر» و«نقد وحقيقة»، وهي تسبق مرحلة القراءة الدلائلية في كتابه س/ ز: حيث اتصال وتداخل صيغ وطرائق: ناظمها النص واشتغال متنوعاته( ).
وترجم لميخائيل باختين غالبية مؤلفاته، وهي «الملحمة والرواية» (بترجمة جمال شحيد سورية) (1981)، و«الأيديولوجية وفلسفة اللغة» (وهما الفصلان الأول والثاني من كتابه «الماركسية وفلسفة اللغة» بترجمة فيصل دراج (فلسطين) ـ في «الكرمل» 1982، و«الماركسية وفلسفة اللغة» كاملة (بترجمة محمد البكري ـ المغرب ويمنى العيد من لبنان1985)، و«النسيج اللفظي في الرواية» (بترجمة صبحي حديدي (سورية) من كتاب «مشكلات الأدب وعلم الجمال» في الكرمل 1985)، و«شعرية دوستويفسكي» (بترجمة جميل نصيف التكريتي ومراجعة حياة شرارة ـ 1986)، و«الخطاب الروائي» (بترجمة محمد برادة 1987)، وأعاد يوسف حلاق (سورية) ترجمته عن اللغة الروسية مباشرة بعنوان «الكلمة في الرواية» (1988)، و«أشكال الزمان والمكان في الرواية» (بترجمة يوسف حلاق عن الروسية أيضاً 1990)، بينما كانت ترجمات باختين السابقة عن الفرنسية أو الإنكليزية. وكانت مقدمة محمد برادة «موقع باختين في مجال نظرية الرواية» هي التعريف الأول الشامل لهذا المنظر والناقد الذي مارس تأثيراً ما يزال متزايداً في الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، فرأى برادة «أن معظم النقاد الذين يهتمون اليوم بتحليل الرواية وتطبيقاتها، من أمثال كريستيفا، وتودوروف، وجينيت، وزيرافا، وفيليب هامون، وفلاد مير كريزنسكي، يتخذون أفقاً لتحليلاتهم مجاوزة الفصل بين بنية الرواية ودلالاتها عبر اللسانية، بين عناصر خطابها، والأبعاد السوسيولوجية لشعريتها وسيميائيتها، وهو نفس الأفق الذي كان ميخائيل باختين، منذ ثلاثينيات هذا القرن، رائداً في الدعوة إليه، ووضع أسسه الأولى»( ).
وكشف برادة في وقت عن الأهمية المستمرة والراهنة لباختين، و«نحن لا نقصد بالراهنية الصلاحة المطلقة لنظرية باختين ولمقولاته ومصطلحاته، وإنما توفر أطروحاته ومنهجيته على عناصر حيوية صالحة لأن تخصب البحث والتحليل في مجال نظرية الرواية. وتمشياً مع جوهر منهجية باختين، فإن نتائجه لا يمكن أن تكون محدودة ومتطلبة لمتابعة التحليل والتفكير والتعديل، على ضوء ما استجد من إنتاج روائي ومن تنظيرات معرفية خاصة، وأن باختين لم يتناول بالتحليل روايات أساسية كتبت في القرن العشرين. ومن شأن تطور الإنتاج الروائي أن ينسب المصطلحات والمفهومات النظرية»( ).
يتجلى إنجاز باختين، كما أوضح في مقدمة «الكلمة في الرواية»، في محاولته «تجاوز القطيعة بين الشكلية المجردة، والنزعة الأيديولوجية، التي لا تقل عنها تجريداً في دراسة الكلمة الفنية. إن الشكل والمضمون واحد في الكلمة، مفهومة على أنها ظاهرة اجتماعية ـ اجتماعية في كل دوائر حياتها، وفي كل لحظاتها: من الصورة الصوتية حتى أشد طبقات معانيها تجريداً»( ).
وترجمت أيضاً غالبية كتب تودوروف، مثل «الشعريةLa Poetique » (بترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة من تونس1987)، و«مفهوم الأدب La Notion literaire» (بترجمة منذر عياشي 1990)، و«نقد النقد» (بترجمة سامي سويدان من لبنان 1991)، و«المبدأ الحواري ـ دراسة في فكر ميخائيل باختين Mikhail Bakhtin: Le Princpe Dialogique» (1981 بترجمة فخري صالح من فلسطين 1992)، و«مدخل إلى الأدب العجائبيIntroduction a la Literature Fantastique » (1970 بترجمة الصديق بوعلام ومراجعة محمد برادة 1994).
وقد عبر منذر عياشي عن أهمية تودوروف المنهجية والنقدية في تكون الاتجاهات الجديدة لنقد لقصة والرواية، في مقدمة «مفهوم الأدب»:
«يعتبر تودوروف معلماً من معالم التحول في الفكر النقدي في العالم. هذا إلى جانب شخصيات أخرى، وهي تقف معه، على ما بينها من تفاوت وتمايز، شاهدة على هذا التحول أو صانعة، نحد منهم مثلاً رولان بارت أستاذ تودوروف، وغريماس، وجيرارا جينيت، وجوليا كريستيفا وغيرهم. أما تودوروف نفسه، فقد ساهم بنصيب وافر من لكتب والدراسات والمحاضرات. ونكاد لا نجد مهتماً واحداً بالدراسات الأدبية والنقدية أو الإنسانية إلا وقد قرأ لهذا العقل الفذ»( ).
وأضاف فخري صالح في توطئته أن لتودوروف فضل التعريف بباختين في فرنسا، مع جوليا كريستيف، وبسبب أهميته، وجد «في تصوره للأنا والآخر والتناص ونظريته اللغوية، التي تبحث في التلفظ مجاوزة السوسيرية إلى حقول جديدة من البحث، محرضات فعلية للفكر النقدي المعاصر»( ).
ووجد الصديق بوعلام في منهجية تودوروف سيرورة التفاعل النقدي الغربي، و«ثمرة لتفاعل عميق وناضج مع أصوات عديدة، وعلى مستويات علائقية مختلفة:
أ- الحضور المتميز لنتائج بحوث الشكلانيين الروس.
ب- التعضيد البديهي لأصوات حركة النقد الجديد: جينيت، بلانشو، ويبلغ تبني طروحات هذا الاتجاه ـ الأم درجة الاستنساخ أحياناً.
جـ- المزاوجة بين التحليل النفسي التقليدي، فرويد، وعلم النفس التكويني، بياجيه.
د- الاستناد إلى ستراوس وبوبر في شأن ابستمولوجية التفكير العلمي وأسس البنيوية: الكلي/ الجزئي ـ البنية/ النموذج ـ الظاهرة الواقعية ـ الفرضية/ الاستقراء.. الخ.
هـ- مناقضة نورثروب فراي في بنائية التصنيف ونظرية الجنس الأدبي.
و- دحض دعائم النقد الموضوعاتي ـ الفرضية الحسية ـ والفرضية التعبيرية، متمثلاً في جان بيير ريشار على الخصوص»( ).
وترجم لروبرت شولز ثلاثة كتب، هي «البنيوية في الأدب Structuralism in Literature:
An Introduction» (1974 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1984)، بترجمة حنا عبود (سورية)، و«عناصر القصة Elements of Fiction» (1986 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1988)، بترجمة محمود منقذ الهاشمي (سورية)، و«السيمياء والتأويل Semiotics and Interperetion» (1982 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1994)، بترجمة سعيد الغانمي (العراق).
وقد عني شولز بالتأويل في نقده وفي تأليفه النقدي حول الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، فضم كتابه عن البنيوية في الأدب معالجات معمقة واستبصارات حاذقة لقضية المعنى في الاتجاهات البنيوية من الألسنية إلى تبسيط الشكل إلى الشعرية البنيوية، إلى التحليل البنيوي للنصوص الأدبية، إلى الخيال البنيوي بوصفه مثار الرؤية البنيوية في الرواية المعاصرة، وإن غلب على نظرته نوع من الحتمية أو العدمية الإنسانية، ربما بتأثير حديثه عن البنيوية بالذات:
«فإذا خدعنا الخيال، فإذا خدعتنا أنفسنا، فإن البنيوية تقدم لنا عزاءها البارد.إن الإنسان جزء من نظام مرتب ملموس. ومع ذلك فإنه ليس مخصصاً للإنسان، وليس من صنع الإنسان وهذه حقيقة واضحة ومنتشرة، فإن لم يتمكن من متابعة التوافق مع هذا النظام، فإن النظام سوف يستمر من دون الإنسان. يستطيع أن يدرسه، وأن يحبه، وأن يقبل عمله كشيء جميل لا يحتاج إلى موافقة، ولا حتى إلى وجود إنساني لتبريره»( ).
وقد أشاد سعيد الغانمي بكتاب «السيمياء والتأويل» على أنه «محاولة للمزاوجة بين السيمياء الموضوعية والتأويل الذاتي، وبين علمية المقروء وفاعلية القارئ. إنه مراجعة للمدارس النقدية الحديثة في ضوء اهتمامها بهذين الحقلين، ومحاولة لتلمس الحدود المشتركة بينهما»( ).

1-2- الشكلانية وموروثها:
ربما كانت ترجمة إبراهيم الخطيب (المغرب) لنصوص الشكلانيين الروس في كتابه «نظرية المنهج الشكليTheorie de la Litterature: ****es des Formalistes Russe » (1965 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1982) الحدث الأكثر أهمية في تنمية الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، وقد ضم الكتاب نصوصاً مترجمة عن كتاب «نظرية الأدب» الذي كان أعده بالفرنسية تزفيتان تودوروف، وشمل كتابات مختارة وضعت بين 1915 و1930. وأضاف المترجم نصاً لجاكوبسون، إلى نصوص بوريس ايخنباوم «نظرية المنهج الشكلي» «وحول نظرية النثر» و«كيف صيغ معطف غوغول»، يوري تينيانوف «مفهوم البناء»، وجاكوبسون «القيمة المهيمنة» و«عن الواقعية في الفن» ومشكلات الدراسات الأدبية واللسانية (مع تينيانوف)، وشكلوفسكي «بناء القصة القصيرة والرواية»، وتوماشفسكي «نظرية الأغراض».
وأكمل إبراهيم الخطيب تعريفه بأعمال الشكلانيين الروس، فترجم كتاب فلاديمير بروب الشهير «مورفولوجية الخرافة Morphologie du Conte» (ظهرت ترجمته بالعربية عام 1986)، وهو الكتاب الذي أعاد ترجمته أبو بكر أحمد باقادر (السعودية) وأحمد عبد الرحيم نصر (السودان) بعنوان «مورفولوجيا الحكاية الخرافية Morphology of the Folktale» (1929 بالروسية وظهرت ترجمته بالعربية عام 1989)، وقد مالت الترجمة الأولى إلى النقد الأدبي، بينما حرصت الثانية على الطوابع الفولكلورية.
وترجم محمد معتصم «المغرب» كتاباً مهماً في هذا المجال هو «مساجلة بصدد علم تشكل الحكاية L’etude Structurale et Typelogique du conte» (1970 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1988) لكلود لفي ستروس وفلاديمير بروب، والمساجلة حصيلة البحث النقدي «البنية والشكل: تأملات في مؤلف فلاديمير بروب» الذي كتبه ستروس لكتاب بروب بعد صدوره بالفرنسية بعامين عام 1960، ثم طلب الناشر الإيطالي من بروب أن يرد على ستروس، فكان المقال الثاني «البنية والتاريخ في دراسة الحكاية»، ثم طلب من ستروس أن يرد على بروب فكانت الحاشية، وتتألف من أقل من صفحة واحدة. واختار معتصم مقتطفات من دراسة إجمالية للباحث الروسي أفكيني ملتنسكي عن الاستقبال العالمي لكتاب بروب، بعنوان «الدراسة البنيوية والتنميطية للحكاية».
وتومئ حاشية ستروس إلى انقطاع الحوار بين العالمين حين رأى بروب في نقد ستروس مكراً، بينما رأى ستروس أن «عمل بروب، على الرغم من كل شيء، سيحتفظ، في نظرهم كما في نظري، بالفضل الخالد بأن كان حائز قصب السبق»( ).
1-3- اشتغال النقد الجديد على النظرية:
شهدت سنوات التسعينيات وجوهاً مختلفة من الترجمة والتأليف لاشتغال النقد الجديد على النظرية الأدبية تأثراً بالاتجاهات الجديدة. ولعل من طلائع هذا الاشتغال صدور ترجمة عز الدين إسماعيل (مصر) لكتاب روبرت هولب Robert Houb «نظرية التلقي Reception Theory: A Critical Introduction» (ظهرت ترجمته بالعربية عام 1994)، وقد مهد له بمقدمة طويلة عن نظرية تلقي الأدب، أي العملية المقابلة لإبداعه أو إنشائه أو كتابته. و«عندئذ قد يختلط مفهوم التلقي ومفهوم الفاعلية التي يحدثها العمل، وإن كان الفرق بينهما كبيراً، حيث يرتبط التلقي بالقارئ، والفاعلية بالعمل نفسه. ومن هنا يختلف تاريخ التلقي عن تاريخ الفاعلية، كما تختلف جماليات التلقي عن جماليات التأثير. ونظرية التلقي ـ كما يعرضها المؤلف ـ تشير إجمالاً إلى ذلك التحول، في الاهتمام، إلى النص والقارئ»( ).
ولم يغفل عز الدين إسماعيل عن ذكر فائدة هذه النظرية في تفاعلها مع الفكر النقدي العربي الذي ينطوي في جملته قديماً وحديثاً «على رؤى وأفكار يمكن أن تنتظم حول نشاط التلقي الأدبي أو الفني، وأن تنمّي لتصنع في النهاية إطاراً نظرياً خالصاً، يكون بمثابة تطوير أو إضافة إلى النظرية العامة»( ).
وأصدر عبد العزيز شبيل (تونس) ترجمة لكتاب «نظرية الأجناس الأدبية» (ظهرت ترجمته بالعربية عام 1994)، ويتألف الكتاب من أبحاث بأقلام كارل فيتيور، وولف ديتر ستمبل، وروبرت شولس، وهانس روبرت ياوس، وجان ماري شافر. وجزم المترجم شبيل بأن نتائج هذه البحوث قد وقع تجاوزها، وما يطمح إليه هو القبس منها روح الفكر العربي وطريقة تعامله مع هذه القضية الشائكة: «إن غايتنا البعيدة أن تكون مثل هذه المقاربات المتنوعة، دافعاً للباحث العربي للتسلح بهذه الروح النقدية حتى ينكب على الأدب العربي ناظراً في ما خلفه الأجداد من مصطلحات ودراسات وآثار، محاولاً الوصول إلى نظرية للأجناس الأدبية في تراثنا العربي نابعة منه متجذرة فيه»( ).
وتقترب غالبية هذه الأبحاث من قضية التلقي، أو هي مكتوبة بحسبان هذه القضية، من بعض منظريها ودعاتها، والأبحاث هي: تاريخ الأجناس الأدبية، أدب العصور الوسطى ونظرية الأجناس، المظاهر الأجناسية للتلقي، من النص إلى الجنس: ملاحظات حول الإشكالية الأجناسية، صيغ التخييل.
غير أن حامد أبو أحمد (مصر) لم يكتف بالترجمة، بل وضع كتاباً في التفكير الأدبي والنقدي الحديث بالنظرية، هو «الخطاب والقارئ: نظريات التلقي وتحليل الخطاب وما بعد الحداثة» (1996).
وقد أهدى المؤلف كتابه، تعبيراً عن اتجاهه النقدي والفكري، «إلى كل الباحثين عن الجديد، مع الالتزام بشرط الأصالة»( )، واعترف بأن مهمة الناقد العربي الآن عسيرة «لأسباب كثيرة من بينها أن مشكلة البحث عن منهج نقدي ما زالت غير واضحة وغير مستقرة لسبب بسيط هو أننا ما زلنا في مرحلة استيعاب للمناهج النقدية التي نشأت في الغرب خلال القرن العشرين، وقد كثرت هذه المناهج خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وتفرعت بصورة تجعل متابعتها في حدّ ذاتها أمراً شاقاً، فما بالك بالاستيعاب والتمثل ثم التأصيل!»( ).
عرض أبو أحمد لنظرية القراءة في جذورها وإرهاصاتها الأخرى، وتطورها في بلدها الأصلي، ألمانيا، من خلال جهود أبرز أعلامها، وهما ياوس وفولفجانغ أيزر. وخصص الفصل الثاني عن نظريات أخرى: علم تحليل الخطاب والبلاغة، ونظريات ما بعد الحداثة. والمقالة الأخيرة عرض نقدي لكتاب «ما بعد الحداثة ـ تحليل نقدي» (1994) لمارجريت روز وترجمة أحمد الشامي. و«تنبع أهمية هذا الكتاب من أنه يقدم تحليلاً نقدياً لكثير من الكتابات التي تناولت مفهوم ما بعد الحداثة، وما يتوازى معه، أو يرتبط به من مصطلحات ومفاهيم أخرى، وخاصة مصطلح ما بعد الصناعي»( ).
وألحق أبو أحمد كتابه بترجمة لمقالة تون فان ديك عن علم النص أو تحليل الخطاب، بوصفه علماً جديداً عبر التخصصات: اللسانيات والدراسات علم النفس الإدراكي، علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع، علوم القانون والاقتصاد والسياسة، الدراسات التاريخية، علم الأنثروبولوجيا.
وأصدر خيري دومة ترجمته لكتاب هام في هذا السياق، هو «القصة ـ الرواية ـ المؤلف: دراسات في نظرية الأنواع الأدبية المعاصرة» (1997). وضم الكتاب أربعة أقسام هي: القسم الأول «نظرية النوع»، وفيه مقالات رالف كوهين «التاريخ والنوع»، وتودوروف «الأنواع الأدبية»، وتوماس كنت «تصنيف الأنواع»، والقسم الثاني «القصة القصيرة والرواية نوعين أدبيين»، وفيه مقالتان لشارلز ماي «التحفيز الاستعاري في القص القصير»، وروبرت لوشر «متوالية القصة القصيرة: كتاب مفتوح»، والقسم الثالث «عروض نقدية»، وفيه مقالات لوسيان جولدمان «مقدمة إلى مشكلات علم اجتماع الرواية»، ووالتر ريد «مشكلات بويطيقا الرواية»، وروبرت شولز «إسهامات المدرستين الشكلية والبنيوية في نظرية القص»، وتوني بينيت «سوسولوجيا الأنواع: عرض نقدي»، والقسم الرابع «ما بعد الحداثة»، وفيه مقالات جوناثان كلر «نحو نظرية لأدب الأنواع»، وميشيل فوكو «ما معنى مؤلف؟»، ورالف كوهين «هل توجد أنواع ما بعد حداثية؟».
لقد وجد المترجم خيري دومة في مقدمته «أن الخيط الرهيف والعميق، الذي يجمع بين مقالات هذا الكتاب جميعاً، حتى تلك المقالات التي تتفهم مقترحات ما بعد الحداثة، وتكشف عن وجاهتها أحياناً، هو الانطلاق من أرضية واحدة، تلخص فيما يمكن أن نسميه تجديد نظرية النوع، وبيان إمكانية تطويرها بدلاً من التخلي عنها»( ).
غير أن دومة يبالغ كثيراً في تقديراته لبعض المسائل التي أوردها عن نظرية الأنواع في التراث النقدي العربي، وفي النقد الأدبي الحديث، كمثل هذه التقديرات التي تمضي في الشطط: «تكاد المكتبة العربية تخلو من دراسة جادة، تتابع مظاهر التحولات النوعية التي اعترت مختلف الأنواع التقليدية، وتكشف عن مدى عمقها أو زيفها، وتقرأ دلالتها»( )، بينما ثمة بعض مقالات الكتاب ترجمت مرات، وثمة تجاهل للكتاب الذي ترجمه شبيل، أما أراؤه فتفتقر إلى التعليل مثلما جاوزها النقد إقراراً بأهمية استمرار التقاليد السردية العربية، كمثل رأيه «أن التراث النقدي الذي يعالج الأنواع الأدبية الحديثة خصوصاً، القصة والرواية والمسرحية، تراث أوروبي في معظمه، لم يعرف النقد العربي الكثير منه. لقد قفزت أحاديث الكتاب والنقاد فجأة إلى النقد ما بعد الحداثة، وإلىرفض مقولة النوع ومحاولة تجاوزها بناء عليه، وغالبية هذه الأحاديث لا تستند إلى أرضية اجتماعية وأيديولوجية تبرر تجاوز النوع الأدبي في الواقع العربي، إنما هي الموضوعات المتوالية التي لا تتيح لشيء أن يأخذ مداه ، ويستقر عليه»( )، ويفترض هذا الرأي انقطاع الواقع العربي عن تراث الإنسانية، فليس له أن يتفاعل معه، وليس له إلا أن يقلده على سبيل الموضات المتوالية.. الخ، ولعل التوقف، فيما بعد، عند الملامح الرئيسة لاشتغال النقد العربي باتجاه ما بعد الحداثة يوضح شيئاً من الإشكالية التي لا تخرج عن مدار المثاقفة، وتعزز في الوقت نفسه دوافع بحثنا عن الهوية في النقد الأدبي العربي الحديث بتمحيص انتشار الاتجاهات الجديدة لنقد لقصة والرواية وسيرورتها.
1-4- تحديث المناهج النقدية:
انطلقت عمليات تحديث النقد من البنيوية، ولأن البنيوية ذاتها لم تكن منهجاً صافياً، لاشتراكها بالموروث الشكلاني واللغوي واللساني، وبامتدادها إلى مناهج أخرى جاورتها، أو انبثقت عنها في منهجيات جديدة مثل سوسيولوجيا الأدب أو علامية الأدب أو شعرية السرد أو التفكيكية أو النقد الموضوعي وغيرها، فظهرت كتب كثيرة مترجمة ومؤلفة عن البنيوية( )، ولعلنا نشير في متن البحث إلى الإسهامات المقاربة للبنيوية في النقد، وللمناهج التي جاورتها، أو آلت إليها فيما بعد.
وضعت باحثات جزائريات (دليلة مرسلي وكريستيان عاشور وزينب بن بو علي ونجاة خدّه وبوبا ثابتة) كتاباً متميزاً في سياقه، هو «مدخل إلى التحليل البنيوي للنصوص» (1985) سعين فيه إلى تقديم بعض الاقتراحات حول تحليل النصوص الأدبية ضمن قراءة ذات وظيفة نقدية، وترجع إلى نظريات علم الرواية Narratologie (والأصح أن تسمى سرديات) قيد التكوين، على المستويين البنيوي الأكبرمع البنيوي الأصغر، وعلى الرغم من حرص هؤلاء الكاتبات على الملاءمة التربوية، فإنهن نبهن إلى خطر إنتاج مقالات تقدم نفسها كوصفات. إن استخدام تقنيات معقدة لاستنباط Formalises أو استخدام مصطلحات جديدة لا يمكن أن يكون هدفاً في ذاته، ولا أن يطمح إلى نظام علمي( ).
واختارت الباحثات وجوهاً منهجية كان اقترح تودوروف مثيلاً لها، وهذه الوجوه هي:
- العلم دلالي الذي تتعلق دراسته بالاستعارات والمسائل Themes (والأصح أن تترجم موضوعات) والرموز، الخ.. والذي يطرح مشكلة العلاقات بين النص والواقع.
- اللفظي الذي يسمح بدراسة الثوابت Parametres التي تتم وفقاً لها معالجة الأحداث والوقائع الخاصة بالتجربة، ضمن النص، من وجهة نظر أسلوبية (Mode)، ومن وجهة نظر زمنية Temps، ومن وجهة نظر موقف المؤلف Vision، ومن وجهة نظر درجة مشاركة المؤلف بما هو الذات الفاعلة للخطاب Voix.
- النحوي الذي ترجع دراسته إلى العلاقات التي تقوم بين الوحدات الأدنى الخاصة بالنص( ).
وهذه التقنيات مطورة عن بروب وناضجة في النحو السردي للأعمال والوظائف (بروب وبريمون وبارت، ولنظام الفاعلين Acteure (غريماس وتودوروف وهامون وتوماشفسكي)، وفي الفعلي للسرد والوصف (هامون وجينيت وبارت) وفي الزمن. وقد أرفقت الباحثات المفهومات النظريات بتطبيقات عملية على نصوص مغاربية.
وترجم أحمد المديني (المغرب) نصوصاً لتودوروف وامبرتو ايكو Umberto Ecoومارك انجينو Marc Angenot وستيفن نوردابل لاند Steffen Nordable Lund (وبحثه قراءة لرولان بارت) في كتاب ذي عنوان دال في سيرورة الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية «في أصول الخطاب النقدي الجديد» (ظهرت ترجمته بالعربية عام 1987)، والنصوص تبحث في الموضوعات التالية:
1- اختصاص بالأدب والمكونات الأصلية له في اللغة والكلام والعلامة، والعلائق التي تنتج من كل مكون على حدة، وبين الأطراف المختلفة التي تنتج النص، ثم النص داخل النص.
2- توقف عند الدوال الشكلية الأساس التي تلعب دور المنتج للنص بين الاختبارات اللسانية والمحددات السيميائية، مما يؤدي إلى وضع الكتابة في إطار الأدبية، ويساعد على استخلاص هذه القيمة بالدرجة الأولى.
3- نظرة إلى النص الأدبي لا كمرجع انعكاسي لأدبية خارجية، ولكن كمجال يمتلك دواله القادرة وحدها على ربط العلاقة مع المدلولات ثم مقدرة هذه الأخيرة، انطلاقاً من أسس لسانية باتت معروفة، على توظيف وصياغة الدوال( ). وغيرها من أسس وموضوعات. تناولت النصوص والموضوعات التالية: الأرث المنهجي للشكلانية، مغامرة الدال، تحليل اللغة الشعرية، مفهوم التناص في الخطاب النقدي الجديد.
وظهرت ترجمة صبار سعدون السعدون (العراق) ومراجعة جبرا إبراهيم جبرا (فلسطين) لكتاب بيتر مونز «حين ينكسر الغصن الذهبي ـ بنيوية أم طبولوجيا» (1987)، وفيه تفسير للميتولوجيا بوصفها مجموعة من الطبقات (الطبولوجيا هي الطبقات المكونة لأية بنية)، وهذه الطبقات قد تتألف من الميتافيزيقيا والرموز والإشارات وعلم النفس والصور المجازية. والكتاب، بهذا الإطار، نقد للبنيوية، وانطلاقة منها إلى العلامية والنقد الأساطيري الذي تطور مع نورثروب فراي والبنيوية الإناسية، «فثمة فرق هام وحيد بين حاجتنا إلى المجاز الاعتيادي والصور التي يعاد ترتيبها والتي تكشف عن نفسها في الأساطير والأحلام والحكايات والخرافات. إن المجاز الاعتيادي هو ظاهرة لغوية صرف، وبما أنه كذلك فإنه يكاد لا يتجاوز أية لغة معينة أو مجموعة لغوية. إنه كذلك مكيف بالثقافة، بمعنى أن التقاليد المجازية تستطيع في أية لغة أن تأتي وتذهب، غير أن منشأ الأسطورة وتناقلها يتجاوزان الحدود اللغوية على مساحات زمنية واسعة، ويشملان أكثر الشعوب تبايناً»( ).
وترجم يوئيل يوسف عزيز (العراق) كتاب وليم راي William Ray «المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية Literary Meaning from Phenomenology to Deconstruction» (ظهرت ترجمته بالعربية عام 1987)، وتكمن قيمته في احتوائه على شرح واف للحركات الجديدة في النقد الأدبي، ولا سيما النقد القصصي والروائي.
وقد ابتدأ المؤلف بظاهراتية القراءة، ثم تناول المعنى في نظرية التحليل النفسي والنظرية التأويلية، واعتنى بالبنيوية والسيميولوجيا، وانتهى بثلاثة نماذج للنقد الجدلي: الإحلال والتخطي (ستانلي فيش)، وهدم التاريخ ـ تأجيل الذات (رولان بارت)، ومفارقة التفكيكية ـ تفكيكية المفارقة (بول دي مان). ويكاد هذا الكتاب أن ينفرد بإقرار القطيعة التاريخية والمعرفية بين الاتجاهات الجديدة والتقليد السائد.
وعرّبت هدى وصفي (مصر) كتاباً صغيراً هاماً في سياقه عن النقد الأدبي من منظورات الاتجاهات الجديدة نظرياً وتطبيقياً، وحمل الكتاب عنوان «النقد الأدبي» (1989، يخلو الكتاب من وثائق كتابته والتعريف بمؤلفيه، وإن كانت المترجمة قد أشارت إلى أنه يتوقف عند عام 1977)، أما المؤلفون فهم ب.برونل، ود.ماديلينا، ود.كوتي، وج.م.جليكسون. وضم الكتاب فصولاً حول الوصف والمعرفة والحكم والفهم والنقد في موضع التساؤل، غير أن الفصل الأهم هو «الفهم»، ويُستهدى فيه، أكثر من بقية الفصول بإنجازات علم الأدب، وقوامه النظام الألسني والشعرية وتحليل الخبر والبنية وزمن الخبر ومدار النص، وتتردد في ثنايا هذا الفصل نظرات جاكبسون وإيخنباوم وبروب وبارت وغريماس وبريمون وكريستيفا وجينيت وسواهم( ).
ووضع عبد الكريم حسن (سورية) كتاباً بعنوان «المنهج الموضوعي: نظرية وتطبيق La Thematique» (1990)، ويختلف هذا المصطلح عنه في النقد الأنجلوسكسوني، ولكن حسن أراد كتابه تعريفاً بالتجربة النقدية الريشارية (نسبة إلى الناقد الفرنسي المعروف جان بيير ريشار) من أجل الوصول إلى بناء المنهج الموضوعي الريشاري. ودافع عن تقديمه للمنهج الموضوعي بأنه إعادة خلق، وليس مجرد نقل من لغة إلى أخرى، «فناقدنا ريشار لم يقدم منهجه في يوم من الأيام على النحو الذي قدمناه. وهذا ما يجعل من دراستنا مرجعاً للمنهج الموضوعي لا في اللغة العربية وحسب، وإنما في اللغات الأخرى»( ).
وذكر حسن أن التيار النقدي الريشاري لم يولد من العدم. فهناك معلمون وفلاسفة كبار يشكلون بحق الجدار النظري الذي تستند إليه أعمال النقاد الموضوعيين، فتأثر ريشار بغاستون باشلار، وجان بول سارتر، وادموند هوسرل. ونوه بالجهود المعرفية والفلسفية والنقدية التي أسهمت في تكون النقد الموضوعي، مثل رولان بارت في كتابه «ميشليه يكتب عن نفسه بنفسه» الذي يعدّ نوعاً من التحقيق العملي لنمط القراءة الموضوعية، ومارسيل بروست في كتابه الشهير «بحثاً عن الزمن الضائع» (وهو رواية وليس بحثاً نقدياً، وربما يقصد حسن أنه كان مجالاً خصيباً لدراسات المنهج الموضوعي)، والبير بيغان في كتابه «الروح الرومانتيكية والحلم»، ومارسيل ريمون الذي حاول في كتابه «من بودلير إلى السريالية» أن يستعيد الحياة الداخلية للمبدعين الذين حلل أعمالهم، غير أن حسن اقتصر على باشلار وسارتر وهوسرل، «فهؤلاء يشكلون ما أسميناه بالجدار الفلسفي الذي يستند إليه ريشار»( )، وهو ما يشكل مصادر النقد الموضوعي ثم شرح مفاهيم النقد الموضوعي: الموضوع ـ المعنى ـ الحسية ـ الخيال ـ العلاقة ـ التجانس ـ الدال والمدلول ـ شكل المضمون ـ البنية ـ العمق ـ المشروع والقصدية والوعي ـ المحالة، وترجم دراسة تطبيقية عن بول ايلوار، ثم عاين في الفصل الأخير المنهج الموضوعي ناقداً علاقاته بالتحليل النفسي والموضوعية البنيوية والبنيوية.
وترجم رعد عبد الجليل جواد (العراق) كتاب كريستوفر نورس «التفكيكية: النظرية والتطبيق Deconstruction: Theory and Practice» (ظهرت ترجمته بالعربية عام 1992)، ويحفل الكتاب، على صفحاته القليلة (138 صفحة من القطع المتوسط) بعروض نقدية معمقة لجذور البنيوية والنقد الجديد من كانط إلى ما وراء النقد الجديد، ولإسهام جاك دريدا، وللنقلة من الصوت إلى النص، وصولاً إلى نيتشه، وما بين ماركس ونيتشه فيما اسماه سياسات التفكيك، وإلى الاتصالات الأمريكية، حيث التفكيكية بوجهها المتطرف: جيوفري هارتمان، ج. هيليز ميلر. ويختمم الكتاب بأسئلة حدة: هل وصلت التفكيكية إلى حدودها النهائية؟ وما آلت إليه الأصوات المعارضة، ولا سيما علاقة اللغة والشك، غير أن المؤلف ما يلبث أن يعترف بتسرب التفكيكية منهجاً عقلانياً في التراث النقدي العالمي:
«لقد أرست التفكيكية هيمنة جديدة للمناقشات الدائرة منذ زمن طويل بين الأدب والفلسفة، ولم تكن دعاوى التحليل مطروحة من قبل البلاغيين المبدئيين كما طرحها بول دي مان، ولم يكن النقد قد امتلك مثل هذه الشجاعة والعقلانية والنمطية، كما طرحت كمنهج عقلاني في التفكيكية»( ).
وترجم جابر عصفور (مصر) أول كتاب شامل عن البنيوية «عصر البنيوية» (1992) لإديث كريزويل، وهو كتاب نقدي أشبه بتقييم لحصاد هذا المنهج من نشوئه إلى انتصاره، وتغلغله إلى ميادين متعددة: علوم اللغة، والإناسة، والفلسفة، والتحليل النففسي، والتاريخ، والاجتماع، والنقد الأدبي، إلى امتداده إلى مناهج أخرى، إلى أفوله وانكفاء بعض رموزه عنه. وبينت مؤلفة الكتاب أنها قصدت إلى تقديم نظرة شاملة إلى البنيوية الفرنسية. ولما كان للبنيوية أثرقوي في مجتمع المثقفين الفرنسيين، ولها توجهها نحو الأنساق الفلسفية الأخرى، من مثل حركة علم التأويل Hermenetics، والماركسية وفلسفة الظاهريات Phenomenology، والوجودية والعقلانية.. الخ، فقد خصصت المؤلفة فصولاً لأبرز ممثلي البنيوية في الأنثروبولوجيا والماركسية والتحليل النفسي والأدب والتاريخ، وأبرز خصومها في الماركسية وعلم التأويل وعلم الاجتماع. ووجه عصفور إشارة انتقادية للمؤلفة على استحياء تستدعيها واجبات العلم وموضوعتيه، ورصانة العالم، في أنه لن يتدخل بين المؤلفة والقارئ في مناقشة المضمون التأويلي لمنظورها، و«لكن من المفيد أن نلاحظ أن أغلب كتابات البنيويين الفرنسيين قد تغيرت بالفعل بعد عام 1968. ولا يقتصر الأمر في ذلك على ألتوسير وفوكو اللذين حرصا على نفي صلتهما ببنيوية ليفي شتراوس، بل بتجاوزهما إلى رولان بارت الذي أعلن عام 1970 أنه هجر الطريقة التي كان يتبعها عام 1966 عندما كتب مدخله الشهير إلى «التحليل البنيوي للقص». ومن المفيد، أيضاً، أن نضيف أن مطالع السبعينيات قد شهدت أفول البنيوية في فرنسا نفسها، بالقدر الذي شهدت حركة جديدة مضادة (لم تكف عن التصاعد)، يتزعمها المفكر الفرنسي جاك ديريدا الذي انطلق، ابتداء، من مبدأ تدمير البنيوية على نحو ما فهمها البنيويون في مبدأ أمرهم»( ).
وترجم قاسم المقداد (سورية) سفراً ضخماً لجان إيف تادييه Jean Yves Tadie هو «النقد الأدبي في القرن العشرين La Critique Litteraire Au XXe Siecle» (1987 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1993). ولعله المرجع الأكثر إحاطة بالاتجاهات الجديدة للنقد الأدبي وتواصلها مع التقليد النقدي الغربي: الشكليين الروس، النقد الألماني، نقد الوعي، نقد الخيال، النقد التحليلي النفسي، سوسيولوجيا الأدب، اللسانيات والأدب، علامية الأدب، الشعرية، النقد التكويني. سمى المؤلف النقد «منارة الأسكندرية»، وهو نسب معرفي، صار للنقد على قدم المساواة مع الأعمال التي يقوم بتحليلها: «النقد هو ذلك الضوء الذي ينير أعمال الماضي التي لم يبدعها، أو يسيطر عليها، لكنه لم ينتج مثيلاً لها»( ). يبين الكتاب الجهود النقدية الحثيثة لقيام علم للأدب، ولقيام علمية للدراسة الأدبية والنقد الأدبي. وترجم محمد عصفور (فلسطين) الكتاب الذي حرره جون ستروك John Sturrock، وعنوانه «البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى دريدا Structuralism and Since from Levi Stauss to Derrida» (1979 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1996)، ويضم الكتاب، بالإضافة إلى مقدمة المحرر، مقالات عن أعلام النقد والفكر بأقلام نقاد معروفين من جنسيات أوروبية وأمريكية: كلود ليفي شتراوس (بقلم دان سبيرير)، رولان بارت (بقلم جون ستروك)، وميشيل فوكو (بقلم هيدن وايت)، وجاك لاكان (بقلم مالكولم بوي)، وجاك دريدا (بقلم جوناثان كلر).
رأى محرر الكتاب «أن البنيوية ليست مذهباً، بل هي منهج، إذ لا يمكن للمرء أن يصبح بها وجودياً ـ فليس ثمة نواد ليلية بنيوية على الجانب الأيسر، من النهر، وليس ثمة ملابس بنيوية ترتدي أو أسلوب حياة يتبع، لأن البنيوية ما هي إلا منهج بحث، طريقة معينة يتناول بها الباحث المعطيات التي تنتمي إلى حقل معين من حقول المعرفة بحيث تخضع هذه المعطيات ـ فيما يقول البنيويون ـ للمعايير العقلية»( ).
مثلما أوضح «أن المفكرين الخمسة الذين يتناولهم هذا الكتاب كتاب أيضاً، فهم شديدو الإحساس بالشكل الذي تتخذه كتاباتهم ومطلعون على حيل البلاغة وتأثيراتها.. وهم يرفضون أن يحشروا ضمن الحدود الأسلوبية الأضيق التي يتطلبها الخطاب الأكاديمي التقليدي.ويجب أن يكون إسرافهم الأسلوبي أمراّ يجذبنا لهم لا عقبة تحجبهم عنا. وهو تحد محسوب لتوقعاتنا بوصفنا قراء للتاريخ أو الفلسفة أو النقد الأدبي، أو مهما كان الاسم الذي نسمي كتاباتهم به، وهو تحد في محاولة قبوله متعة ومردود فكري»( ).
وترجم وائل بركات وغسان السيد (سورية) كتاب «مقدمة في المناهج النقدية للتحليل الأدبي» (1994) وهو الكتاب نفسه الذي ترجمه رضوان ظاظا (سورية) بعنوان «مدخل إلى مناهج النقد الأدبي Introduction aux Methodes Critique Pour l’Analyse Litteraire» (1990 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1997)، وهو أحدث كتاب مترجم عن الاتجاهات الجديدة للنقد الأدبي، إذ نشر عام 1990 بباريس، ويحمل الكتاب نظرة جديدة لمفهوم النقد وممارسته: «ليس النقد ميتالغة، أي لغة حول اللغة، كلغة المعاجم، بل هو نشاط إبداعي مثله مثل الأدب. وإذا ما جاز القول بأن الأدب إبداع تركيبي، فالنقد إبداع تحليلي. ولا غنى عن الحوار بين الخطابين. إذ لا يقوم نقد مبدع إلا بوجود أدب مبدع، ولا يتطور أدب مبدع إلا بوجود نقد مبدع هو الآخر»( ).
توزع الكتاب إلى فصول أبرزت مآل الاتجاهات الجديدة للنقد الأدبي: النقد التكويني
La critique genetique، والنقد التحليلي ـ النفسي، والنقد الموضوعاتي La critique thematique، والنقد الاجتماعي La sociocritiqe، والنقد النصي La critique ****uelle، وقد كتب فصول الكتاب نقاد وباحثون فرنسيون.
ولعل الكتاب الأهم هو «محاكاة: الواقع كما يتصوره أدب الغرب» الذي عرّبه عن الألمانية محمد جديد (سورية) عام 1998 بمعاونة الأب روفائيل خوري (سورية)، الذي ترجم نصوص العصر الوسيط التي تحتاج لفهمها وترجمتها إنسان متمكن من اللغة اللاتينية، كما ترجم الشواهد اللاتينية أو المكتوبة بلغة العصر الوسيط. والكتاب مكتوبٌ بمنهجية الاتجاهات الجديدة، ولاسيما التأويل الدلالي في مداه الأعمق، متجاوزاً التطبيق المدرسي أو الشروح النظرية، ماضياً إلى رؤى تطبيقية على نصوص أدبية من عصور مختلفة، وبلغاتها الأصلية، إذ يصبح فهم الواقع في هذا الكتاب مختلفاً عما هو سائد، مثيل الواقع، وتكون المحاكاة التي أطلقها أرسطو تفاعلاً للتأويل الدلالي حول نظرة الإنسان الغربي لعالمه الممتد قرابة ثلاثة آلاف سنة في نصوصه الأدبية. وقد أقر المؤلف نفسه بالتباس مصطلحات الاتجاهات الجديدة ولا مألوفيتها، وأحال قراءه إلى كتبه السابقة، ولاسيما «البحث في الرمز»، ونفر من الحواشي والاستشهادات، لتأليفه الكتاب في أستانبول بعيداً عن مكتبته الرئيسة، معتمداً على التحليل الدلالي الرمزي للنصوص نفسها، وهو في جوهر النزعةالتي عززتها الاتجاهات الجديدة( ).
1-5- نحو علم السرد:
تعرف النقاد والباحثون العرب إلى السرد في السبعينيات، وتشي مقالات وأبحاث كثيرة في الدوريات، مترجمة أو مؤلفة عن السرد، عن الإقبال الواسع على السرد في دراستهم ونقدهم. وشهدت التسعينيات انفتاحاً أكبر لبحوث القصة والروية على علم السرد، وربما كان لكتاب «طرائق تحليل السرد الأدبي: دراسات» (1992) التأثير الأكبر في تنمية الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية. ويمثل هذا الكتاب ذروة الاهتمام العربي بالمسألة المنهجية في أبعادها المعرفية النظرية والتحليلية لمنظري علم السرد، وبالاستناد إلى روادها ونصوصها الأصلية والتأسيسية، وقد نفى عبد الحميد عقار باسم المترجمين أن يتعلق الأمر بترف فكري، أو بانسياق مع ما تذروه رياح «العوالم الأخرى»، لأن مثل هذا الاهتمام يترجم في الواقع، حاجة ماسة إلى تعميق المعرفة والوعي بالنظريات وبالمناهج التي تمكن من التقدم في القراءة النقدية للنصوص، ومن المساهمة في حل مشاكل التأويل وتصحيح القراءات التي تفتقد إلى الوجاهة أو إلى المصداقية»( ).
ثم حدد المدارات المشتركة بينها إجمالاً فيما يلي:
تنشغل هذه الدراسات بصناعة المفاهيم، وصياغتها بمستوى من الدقة والتحديد يبعد عنها الكثير من الالتباس والتداخل، مثلما تهتم كذلك باختبار مصداقية تلك المفاهيم في سياق التحليل النصي، ودون الاقتصار في ذلك على النصوص البسيطة، بل تتجاوزها إلى خطابات أكثر تعقيداً كالرواية مثلاً، وبمراعاة مقتضيات السياق الثقافي واللساني العام.
إن استلهام اللسانيات واعتمادها نموذجاً للتحليل، لم يحل دون التأكيد على محدودية هذا النموذج بالقياس إلى تعقد الخطاب السردي والأدبي منه بشكل خاص.
تخص طرائق التحليل ونماذجه المبلورة مجالات بحث بعينها: السرد الأدبي والروائي منه بشكل خاص.
وتقف في التحليل عند مستويات نصية لا تكاد تتجاوزها: مستوى الخطاب أو القصة في الغالب إذا ما تبنينا هذه الثنائية الشائعة.
وقد ضم الكتاب الأبحاث التالية:
• مدخل للتحليل البنيوي للسرد (رولان بارت، وكان ترجم إلى العربية من قبل أكثر من مرة).
• مقولات السرد الأدبي (تزفيتان تودروف).
• حدود السرد (جيرار جينيت).
• مقتضيات النص الأدبي (جاب ليننفلت).
• من لا يحكي الرواية (ولغ غانغ كايزير).
• الأسلوب السردي ونحو الخطاب المباشر وغير المباشر (آن بانفيلد).
• القارئ النموذجي (إمبرتو إيكو).
• بصدد التمييز بين الرواية والقصة (ميشيل رايمون).
• السيميائيات السردية: المكاسب والمشاريع (أ. ج. غريماس).
• من أجل سيميائية تعاقبية للرواية (فلاديمير كريزنسكي).
ثم انطلقوا إلى ترجمة النصوص الأساسية لعلماء السرد ومنظريه ونقاده، أمثال رولان بارت وتودوروف، فترجم لامبرتو ايكو عدة نصوص في الدوريات، وفي كتب مشتركة، غير أن الأهم هو ترجمة انطوان أبو زيد (لبنان) لكتابه «القارئ في الحكاية: التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية» (1996). ويعكس هذا الكتاب مدى التقعيد والتفريع الذي آلت إليه الاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية، وذروته علم السرد، من أجل تقعيده وضبط منهجيته، حتى أن الناشر التمس العذر لمترجمه بالنظر إلى المشاق التي تكبدها بحثاً «عن التعبير واللفظ المناسبين، واستنباط المعاني، والمغامرة باستخدام مصطلحات واشتقاقات ليستطيع التعبير عما يريده عالم كامبرتو ايكو. وقد اضطر أبو زيد أكثر من مرة لتغيير بعض المصطلحات والمفاهيم أثناء العمل على تنضيد الكتاب»( ).
وقد كان المترجم على بينة من الصعوبات التي يفرزها تطور علم السرد منهجياً ومصطلحياً، فعمد إلى وضع الكلمة بنصها الفرنسي إلى جانب النص في عمود خاص، مع العلم أن النص مكتوب بالإيطالية بالأصل، كما وضع فهرساً مشروحاً للمصطلحات في ختام كتابه، وعلى الرغم من ذلك كله، فإن قراءة هذا الكتاب تحتاج إلى معرفة معمقة بجذور علم السرد، في إنجازات الشكلانية الروسية واللسانيات والبنيوية وما أفضت إليه من اتجاهات نقدية، ولا سيما العلامية، وفي جهود ايكو السابقة، ولا سيما كتابه «نظرية في العلامية» Theory of Semiotics (1975).
وترجم عبد الرحمان أيوب (تونس) أول كتاب باللغة العربية لجيرار جينيت «مدخل لجامع النص» (1985)، ولكن كتابه الأهم في علم السرد هو «خطاب الحكاية: بحث في المنهج Figures III» (1972 بالفرنسية مقارناً بالأمريكية Narrative Discourse: An Essay in Method وظهرت ترجمته بالعربية الط2/ عام 1997)، وقد ترجمه محمد معتصم وعبد الجليل الأزدي وعمر حلمي (وتفيد المقدمة أن الطبعة الأولى ربما صدرت بالدار البيضاء عام 1994). ولا يماري أحد، أن جينيت مارس، وما يزال، تأثيراً متعاظماً في انتشار الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، بالإضافة إلى بارت وتودوروف وغريماس والشكلانيين الروس على وجه الخصوص.
واعتقد أن ترجمة «خطاب الحكاية » مثال جيد للجهد الترجمي العارف والمدقق، إذ حوت الترجمة تعريفاً بمارسيل بروست، لأن الكتاب تطبيق للمنهج والنظرية على روايته «البحث عن الزمن الضائع»، وبجينيت بصدد بروست، فيما تلقاه بروست من نقد، وفيما مثله جينيت في علم السرد، وفي الثقافة العربية، استقصاء لحركة ترجمة جينيت إلى اللغة العربية، وآخرها فصل من «خطاب الحكاية» نفسه تحت عنوان «المنظورات السردية» ضمن كتاب «نظرية السرد: من وجهة النظر إلى التبئير» (1989)، وقام بالترجمة مصطفى الناجي، إلى جانب نصوص لواين بوث، وبوريس اوسبنسكي، وفرانسوز روسوم كيون، وكريستيان انجلي، وجان ايرمان.
وأشارت المقدمة الأولى للترجمة أيضاً إلى استثمار جينيت في قراءة نصوص سردية عربية، كما عند سيزا قاسم وسعيد يقطين، وتناولت مشكلات الترجمة وحلولها، ولا سيما مشكلة المصطلحات، وضمانة «للدقة والوضوح حاول المترجمون مضاهاة ترجمتهم بالترجمة الأمريكية التي أنجزتها دجين. إ. لوين، وترجموا مقدمة جوناثان كالر للترجمة الأمريكية. وحرصوا في ترجمة المتن على إيراد عنوانات المؤلفات الأجنبية والتعابير اللاتينية في أسفل الصفحات، مثلما استعملوا خطوطاً متنوعة أحجام الحروف واللون الأسود، مما يجعل من هذه الترجمة مثالاً جيداً لترجمة أمهات الكتب، والمصادر الأساسية في التراث الإنساني القديم والحديث، وتتضاعف حاجتنا إلى أمثال هذه الترجمة في هذا الوقت الذي تردى فيه هذا العلم وهذا الفن إلى مستويات لا تحوز الحدّ الأدنى من الرضى في كثير من النماذج. وتتميز هذه الترجمة بملاحقها، وهي ثبت المصطلحات وثبت الأعلام، وثبت الأعمال الأدبية والفنية والنقدية، وثبت الشخصيات.
ولا شك، أن تأثير منهج جينيت كبير في الممارسة النقدية العربية، كما سنلاحظ فيما بعد في بحثنا، وهذا الكتاب، هو الأساس، في منهج جينيت، ومفاهيمه ومصطلحاته: الترتيب، المدة، التواتر، الصيغة، الصوت، والكتاب، كما يقول جوناثان كالر، بحث في بنى الأدب وطرائقه، و«عمل استفزازي، إضافة إلى أنه أداة لا غنى عنها للباحثين في الحكاية»( ).

1-6- السيرة:
ووصلت عناية النقاد والباحثين إلى تعريب النصوص النقدية التي تدرس السيرة الذاتية، وتستهدي بالمناهج الحديثة، فترجم محمد القاضي وعبد الاله صوله (تونس) الكتاب العمدة في هذا المجال، وهو «السيرة الذاتية L’Autobigraphie» (1979 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1992) لمؤلفه جورج ماي Georges May، الذي وضع مقدمة للترجمة العربية، عبر فيها عن سعادته بنقل الكتاب إلى العربية لأسباب ثلاثة، أولها أنه عمد، منذ بداية هذا الكتاب، إلى ترديد فكرة شائعة مفادها أن السيرة الذاتية شكل أدبي تختص به الحضارة الغربية، وهذه المبادرة في سبيلها لبطلان هذا الزعم، فما يجمع بين بني الإنسان أكثر مما يفرق بينهم، وثانيها أنه سعيد أن يعلم أن ما كتبه في سالف الزمان لم تبل جدته الأيام، أي راهنية كتابه، وثالثها غبطته برؤية هذا الكتاب ينشر في ترجمته العربية، فمرده إلى أنه طالما أسف لجهله لغة الضاد، ولكن التقارب بين الشرق والغرب، وهذا مظهر من مظاهره، في سبيله لنفي ذلك الأسف، ولعل هذا المظهر أن يكون عن السيرة الذاتية. إنها مفارقة أو معجزة تتمثل في أن حديث المرء عن أخص خصائص حياته هو الذي يجعل قاريء سيرته الذاتية يجد نفسه فيه( ). والكتاب، باختصار، أشمل مرجع عن السيرة الذاتية من منظورات النقد الحديث، وأكثرها دقة وتمحيصاً لقضاياها ومصطلحاتها: تصنيف السير الذاتية، السيرة الذاتية والأجناس الأدبية القريبة، مثل المذكرات، وكتب الوقائع، واليوميات الخاصة، والسيرة، والرواية، والسيرة جنساً أدبياً.
ثم ترجم عمر حلي (المغرب) فصلين من كتاب فيليب لوجون الشهير Le pacte Autobiographique «السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي» (1994)، وقد أراد المترجم من هذه الترجمة أن يصحح المفاهيم المغلوطة عن السيرة الذاتية التي «لم تكن ترى في الكتابة الذاتية والأوتوبيوغرافيا، سوى تورم ذاتي لا جذور له في الواقع الذي ينتمي إليه، والذي من المفروض أن يعبر عنه بدل الإغراق في الحديث عن عوالم الفرد ومتاهاتها»( ).
اقتصر حلي على فصلين، يضمان العديد من القضايا الجوهرية في خطاب السيرة الذاتية، وفي علاقة هذه الأخيرة بالتاريخ الأدبي. وقدم لهما بمقدمة ضافية عن نقد الميثاق الأوتوبيوغرافي: مشكلات الحد والمصطلح والتطابق والعقد والخانة الفارغة والأسلوب، وإعادة الخلق الشعري، وأيديولوجية السيرة الذاتية، ومسألة التوثين، وعقدة الذنب، مما يجعل قراءة لوجون للسيرة الذاتية أقرب إلى النص العلمي النقدي.
1-7- عود إلى ما بعد الحداثة:
تعامل النقد الأدبي مع مفهوم ما بعد الحداثة بارتباك زاد التباسه التباساً أشد، وإذا كان المفهوم في الغرب يعاني من القلق وفقدان التحديد، فإن الناقد العربي، ومثله المفكر، دوهم به، ولم يرق به إلى حدود واضحة، وموقف نقدي( ).
ومما يجدر ذكره أن مصطلح «ما بعد الحداثة» لم يستقر بعد، عندنا، أو خارج الحدود. لقد نشأ المصطلح متعثراً على أنه رد فعل على الحداثة، مما يشير إلى بلبلته، شأن ما يلازم ردود الفعل إبان صدورها المباشر، وكان الأمريكي، المصري الأصل، إيهاب حسن، الناقد الأكثر تتبعاً، وتنظيراً، للمصطلح خارج الحدود، ولاسيما كتابه «عودة ما بعد الحداثة» (1987). لاشك أن مؤلفات كثيرة، كتباً ومقالات وأبحاثاً، ظهرت قبل ذلك عما سمي «مابعد الحداثة» في النقد الفرنسي أو النقد الأنجلوسكسوني، غير أن إيهاب حسن عني منذ مطلع السبعينيات بهذه الانبثاقات أو التجديدات من داخل الحداثة، لمغايرتها، أو لتجديدها، ولعلنا نشير في هذا الاتجاه إلى مقالة مبكرة لإيهاب حسن عن «جويس، بيكت، وخيال ما بعد الحداثة». على أن استخدام إيهاب حسن نفسه للمصطلح مقلقل ملتبس، فيسميه «ما بعد الحديث»، وثمة تداخل قائم ومستمر بين اشتقاقات الحديث والحداثي والحداثة (Modern, Modernity, Modernism). وقد صارت بلبلة المصطلح إلى سخرية من المعجم الخطابي الذي يصف ظاهرة ما بعد الحداثة، وأورد صبحي حديدي (الكرمل، 1997، العدد51) أمثلة صاخبة لهذه الأصداء الساخرة كما في حديث عالم الاجتماع والناقد الثقافي الأمريكي دانييل بيل عن تخبط ولخبطة وشقلبة (Muddle, Jumble, Tumble).
رصد إيهاب حسن ظهور المصطلح في الثقافة الغربية، فوجد أن فيدريكو دي أوتيس (1882-1932) هو أول من استخدم المصطلح في كتاب له مطبوع عام 1934، ثم التقطه لي فيتس، وصنف في إطاره الشعر الأمريكي-اللاتيني المعاصر عام 1942. وتلاهما توينبي في كتابه «دراسة في التاريخ_» عام 1947، في سياق مختلف عن سابقيه. كان القصد لدى الأولين هو الإشارة إلى رد فعل ثانوي على الحداثة من داخلها، بينما عاين توينبي المصطلح حلقة تاريخية جديدة في الحضارة الغربية. دار المصطلح على أقلام النقاد مداراً للسخرية والهجاء أكثر منه دلالة رضى أو تقدير، مما يشي بتحول المصطلح إلى «تعبيرات» متباينة عن اتجاهات رافضة أو معارضة للسائد الأدبي: الحداثة ناجزة أو متصارعة مع التقاليد والأصول والتأصيل، توكيداً لهوية حاضرة أو غائبة أو مغيبة، وهي صراعات أججتها طوابع الحداثية الأوربية باسم المركز والأطراف التي مرت بأطوار متعددة من التبعية إلى الغزو الثقافي إلى العولمة، بينما شهدت، وما تزال اتجاهات «ما بعد الحداثة» صراعات الصمت، مضافة إلى صراعات المستور، مما يستدعي إعادة الاعتبار لثقافات تعاني من الإهمال أو اللامبالاة، وبينما سمى نقاد أمثال أرفنج هاو وهاري ليفين «ما بعد الحداثة_» سقوطاً عن الحداثة، رأى آخرون أمثال إيهاب حسن أن «ما بعد الحداثة_» حاضنة لثقافة الجماهير وأضزابها من فنون البوب أو الصمت أو السوبرمان أو غودو أو التفكك أو اللا توجه، حتى أنه أطلق على العصر الراهن اسم عصر «اللا توجه الملازم» (1981).
وقد كان كتاب سامي أدهم (لبنان) «ما بعد الحداثة: انفجار عقل أواخر القرن ـ النص: الفسحة المضيئة» (1994) أول استجابة للمفهوم، غلب عليها عرض تطورات الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الغرب، ونقد التخلف العربي: «بموازاة الحداثة في الغرب كان الشرق يعيش بقايا حضارة تشظت وتفتت، وكان الإنسان الشرقي يحاول لملمة بقايا عبقرية غابرة ليرمم بها ما تداعى وما سقط من حضارته السالفة»( ).
وترجم أحمد حسان (مصر) كتاب جان فرانسوا ليوتار Jean-Francois Lyotard «الوضع ما بعد الحداثي ـ تقرير عن المعرفة La Condition post-moderne» (1979 وظهرت ترجمته بالعربية عام 1994)، وملحق به مقال: الإجابة على سؤال: ما هي ما بعد الحداثة؟ مع تصدير بقلم فريدريك جيمسون، وهو واحد من منظري ما بعد الحداثة البارزين. وتكمن قيمة تصديره الأساسية في إضاءة هذا المفهوم في بعده الحضاري والفكري الشامل، أي أنه لا يقتصر على الأدب والنقد، مما يجعل الاستجابات العربية له ضعيفة، غير تاريخية، ناهيك عن عدم اتساقها مع الأنساق الثقافية العربية:
«إن إصرار ليوتار على تحليل الحكاية في وضع تبدو فيه الحكايات نفسها مستحيلة، هو إعلان عن عزمه أن يظل سياسياً ومجادلاً، أي أن يتجنب حلاً واحداً ممكناً، وحتى منطقياً للمأزق يتمثل في أن يكون، مثل دانييل بل، منظراً أيديولوجياً للتكنوقراطية، ومدافعاً عن النظام ذاته. وطريقته في عمل ذلك هي نقل الأيديولوجيات الأقدم للحداثة العليا الجمالية، والاحتفاء بطاقتها الثورية، إلى العلم والبحث العلمي بالمعنى العلمي المحدد. بذلك فإن قدرة هذا الأخير اللامتناهية على الابتكار، والتغير، والقطيعة والتجدد، هي التي ستشبع النظام، الذي لولا ذلك لكان قمعياً، بالإثارة النازعة للاستلاب للجديد والمجهول (آخر كلمة في نص ليوتار)، وكذلك بالمغامرة، برفض الامتثال، وبتنافرات الرغبة»( ).
ويُلاحَظ أن حركة تعريب الكتب الخاصة بما بعد الحداثة لم تنفع في إجلاء المفهوم أو أبعاده أو تاريخه أو تاريخيته، لأن المترجمين والمراجعين اكتفوا بتعريب الكتب دون مثل هذا العمل التعريفي أو النقدي اللازم، أو هم بعيدو الاهتمام عن هذا الفكر واشتغالاته، فقد ترجم فخري خليل (فلسطين، وقام بالمراجعة جبرا ابراهيم جبرا) كتاب إدوارد لوسي سميث «ما بعد الحداثة: الحركات الفنية منذ عام 1945» (1995)، غير أن هذا الكتاب لا يحدد مفهوم ما بعد الحداثة، ولا يوضح الحركات الفنية المعبرة عنه، بل يكتفي بالنظر إليها تطويراً لحركات الحداثة فيما الحرب العالمية الثانية، ويركز على الفنون الجميلة والاتصالية كالتصوير والنحت ومقارناتهما مع الموسيقى والسينما، ويورد أمثلة لهذه الحركات ما بعد الحداثية مثل التعبيرية التجريدية وما بعد الرسومية والسوبريالية..الخ.
بينما عرّبت فاطمة الجيوشي (فلسطين) كتاب جياني فاتيمو «نهاية الحداثة: الفلسفات العدمية والتفسيرية في ثقافة ما بعد الحداثة 1987» (1998، الكتاب بالأصل بالألمانية، وصدر عام 1987)، ولا يؤطر مؤلفه المفهوم أو تاريخه، بل يعالج هذا المفهوم من خلال النظرة الفلسفية لثلاثة من أكابر الفلاسفة الألمان: «هيغل ونيتشه وهيدرجر»، أما المعربة فهي معروفة في التربية، ولكنها بعيدة عن اهتمامات الحداثة وما بعدها وميادين النقد الأدبي والمعرفي، فهي تعرب الشكلانية الروسية Formaliste بالصوريين الروس أو الأصل الصوري، بينما الصورية مذهب آخر، ظهر في بريطانيا في مطالع القرن العشرين( ).
تتردد عبارات مقاربة في النقد الأدبي الحديث لمفهوم ما بعد الحداثة، ولكنها شائهة الملامح، غير محددة وغير وظيفية.
1-8- الأسلوبية:
برزت دراسات الأسلوبية في السبعينيات، وكان عبد السلام المسدي (تونس) من أوائل النقاد العرب الذين طرحوا الألسنية بديلاً في نقد الأدب، على أن الأسلوبية درس لغوي ألسني في نقد الأدب. وقد صنف كتابه «الأسلوبية والأسلوب» (1977) ليبين الآفاق التي فتحتها الألسنية أمام النقد الأدبي خلل التفقه في الأسلوبية، بتمثل أسسها وتفهم نظرياتها والمسك بزمامها. ولعلنا نلاحظ هذا التداخل الواضح بين الأسلوبية والألسنية في تعرف الباحثين والنقاد العرب لهذه المناهج وفي ممارستهم.
تعامل المسدي مع الأسلوبية منهجاً لغوياً تكون مع الحداثة والمعاصرة، فاهتم بالأشكال، وأسس البناء في النص، والعلم وموضوعه، وأخذ مفهومه للأسلوبية من م. آريفاي Michel Arrive ودولاس وريفاتير، فالأول يقول بأن الأسلوبية وصف للنص الأدبي حسب طرائق مستقاة من الألسنية، والثاني يعرف الأسلوبية بأنها منهج ألسني، والثالث يراها علماً يهدف إلى الكشف عن العناصر المميزة التي بها يستطيع المؤلف الباث مراقبة حرية الإدراك لدى القارئ المقبل لتغدو الأسلوبية ألسنية تعنى بظاهرة حمل الذهن على فهم معين وإدراك مخصوص( )، فدرس مصادرة المخاطب والمخاطب والخطاب والعلاقة والإجراء في سبيل إعادة تعريف الحدث الأدبي، وتوجيه الأسلوبية لتتحدد بكونها علماً إنسانياً.
وأعاد المسدي طباعة كتابه طبعة ثالثة منقحة ومشفوعة ببليوغرافيا الدراسات الأسلوبية والبنيوية، واشتمل التعديل على بعض المصطلحات تدقيقاً، ووضع سعد مصلوح (مصر) كتابه «الأسلوب، دراسة لغوية إحصائية» (1981) وجنح به إلى المواءمة بين خصوصيات الأسلوبية العربية، وبين اجتلاب المصطلح. وتبعه صلاح فضل (مصر) في كتابه العلمي الشامل «علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته» (1983)، ومحمد عزام (سورية) في كتابه الأكثر مقاربة منهجية «الأسلوبية منهجاً نقدياً» (1989)، وقطع فيه بحداثة الدراسات الأسلوبية في النقد العربي، وأنها «مستمدة من التفاعل الحضاري مع الغرب، ولكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك بدائل أو مقاربات أسلوبية في نقدنا القديم، ومن هنا يصبح منطلق هذا البحث هو مباشرة التراث والمعاصرة: مباشرة التراث من منطلق التفاعل بينه وبين الحداثة، ولن يمكن ذلك بغير فهم هذا التراث النقدي، واستجلاء أبعاد النظرية الأدبية التي يتضمنها، وتجاوز هذا الموقف إلى عرض مظاهر الحداثة في هذا التراث، والتي يمكن أن تساهم في تأكيد المعاصرة كظاهرة فاعلة لا منفعلة، ومبدعة لا مجرد متلقية مستلبة. ومباشرة المعاصرة لا من منطق الاستيراد، بل من أفق التفاعل الحضاري الذي يمكننا من غربلة تراثنا على ضوء منهج علمي يخرجنا من دائرة الاستلاب الثقافي الماضوي أو الغربي، من أجل إبداع موقف ثقافي معاصر»( ).
أراد عزام من كتابه إثارة الاهتمام بهذا المنهج النقدي الجديد، فحدد مفهوم الأسلوب، وتاريخه، وعناصر الخطاب الألسني، وتعريف الأسلوب، وبحث علاقة الأسلوبية بالبلاغة وبالنقد الأدبي، والاتجاهات الأسلوبية في النقد الأدبي، التعبيرية والفردية (أسلوب الكاتب والبنيوية)، ونظر بإيجاز في النقد الأسلوبي العربي عند القدماء، والنقد الأسلوبي العربي الحديث والمعاصر، مستفيداً من الاتجاهات المنهجية الجديدة: منهج تحليل الوظائف الأساسية في الحكاية، ومنهج تحليل الأشخاص ـ العوامل، ومنهج تحليل أشكال التعبير (الزمن ـ الضمائر ـ الأمكنة).
وأصدر فايز الداية (سورية) سلسلته النقدية «دراسات أسلوبية»، وبدأها بكتابه «جماليات الأسلوب ـ الصورة الفنية في الأدب العربي» (1990). ولا يخفى أن دراسته، ومثلها دراسته الثانية عن جماليات الأسلوب «دراسة تحليلية للتركيب اللغوي» (1982) أدخل في البحث البلاغي واللغوي منها إلى مفهوم الأسلوب والأسلوبية بالمصطلح الحديث.
وربما كان منذر عياشي (سورية) الأكثر تقديراً لمكانة الأسلوبية منهجاً يعتمدعلى علم اللغة بمفهومه الحديث، فقد عرّب كتاب «الأسلوب والأسلوبيةLe Style et Stlistique » (ظهرت ترجمته في العربية عام 1989)، لبيير جيرو Pierr Guiraud، وهو كتاب يعرض نظرية جديدة للأسلوبية بوصفها فناً بلاغياً وكتابياً يتجه نحو إنشاء علم للأدب، وجرى وضع مفهوم الأسلوب في منظوره التاريخي، وذلك لكي يفحص جيرو كيف يلد ببطء من إرث لا يزال فيه سجيناً، على حد تعبيره، فكانت أسلوبيته «دراسة للمتغيرات اللسانية إزاء المعيار القاعدي. وهذا يتطابق مع التقليد القديم الذي يضع البلاغة في مواجهة القواعد. والقواعد، في هذا المنظور، هي مجموعة القوانين، أي مجموعة الالتزامات التي يفرضها النظام والمعيار على مستعمل اللغة، فالأسلوبية تحدد نوعية الحريات في داخل هذا النظام. القواعد هي العلم الذي لا يستطيع الكاتب أن يصنعه. أما الأسلوبية، فهي ما يستطيع فعله. ولكننا لن نخلط بين ما يستطيع فعله وما يفعله، لأن هذا هو موضوع نقد الأسلوب على مستوى النص»( ).
ثم اهتدى عياشي بهذه النهاجية الجديدة في فهم الأسلوبية لدى تأليفه لكتابه «مقالات في الأسلوبية» (1990)، اختلافاً عما هو شائع من أن الأسلوب هو الالتزام بقواعد اللغة، والأخذ بأساليب الفحول والمحاكاة للنماذج الأدبية الرفيعة، فالأسلوب، عند عياشي، خرق لقواعد اللغة، وخروج عن المألوف في التعبير وتحويل الكلام عن مساره النفعي الاستهلاكي إلى مسار آخر يجعل الكلام فناً وإبداعاً. ومدار ذلك تحويل على اللغة، بالأسلوبية، إلى منهج معرفي ونقدي فيما سماه عياشي «موقفاً من الخطاب»، فالأسلوبية «مضطرة في تحليلها، لكي تكون رسماً دقيقاً لواقع الأسلوب، أن تنفتح أولاً على وقائع حضارية وجمالية، وأن تعلو على المجتمع والتاريخ، لأنها في تعاملها معه إنما تتعامل مع كائن كلامي، تقول لغته مكونات المجتمع والتاريخ، أو تعيد بناءها لتتجسد فيها كائناً إبداعياً، يتجاوز المقول فيه حدود الآنية الاجتماعية، والظرف الوصفي، والتاريخ زمناً في الماضي»( ).
ثم كانت مقاربة أعمق وأشمل لدى عدنان بن ذريل في كتابه «النقد والأسلوبية بين النظرية والتطبيق» (1989)، وقد اوضح عدنان بن ذريل في كتابه أن الصلات بين الأسلوبية والنقد الأدبي وثيقة وحميمية، إذ هما يتمم بعضهما بعضاً، ويستفيد بعضهما من البعض الآخر، الأسلوبية علم وتأصيل، والنقد الأدبي تطبيق وتقييم، ونقطة الانطلاق لهما في ذلك هي اللغة وحديثها، الملفوظات وملفوظيتها»( ).
وهذا الكتاب جزء من مشروع عدنان بن ذريل الكبير في درس اللسانيات وقيمتها المعرفية والمنهجية والنقدية، كما في كتبه الأخرى أيضاً: «اللغة والأسلوب» (1980) و«اللغة والدلالة» (1981)، و«اللغة والبلاغة» (1985).
1-9- اللسانية:
نظر الباحثون والنقاد العرب إلى الألسنية، على أنها علم اللغة الحديث، أي جهود درس اللغة في نهاجيات حديثة، وعبر ذلك ميشال زكريا (لبنان) في كتاب مبكر يخصص للتعريف بالألسنية باللغة العربية، وهو «الألسنية ـ علم اللغة الحديث ـ مبادؤها وأعلامها» (1980)، أما عن المصطلح، فكنا أشرنا إلى ملاحظة عبد السلام المسدي حول تعدده وعدم الاتفاق على مصطلح واحد، وحوى الكتاب الكبير في عدد صفحاته (320 صفحة من القطع الكبير) فصولاً عن خصائص اللغة الإنسانية والحيوانية، واللغة بوصفها واقعاً قائماً بذاته: للغة بنية وتنظيم، اللغة وسيلة تواصل ونظرية التواصل، اللغة تنظيم رموز، اللغة نشاط إنساني، اللغة نشاط عقلي، والنهج التكنولوجي في درس اللغة من القواعد الشكلية إلى النظرة التوليدية إلى نماذجه، اللغة وليدة تطور، والقواعد المقارنة في درس اللغة، وتطور اللغة عند الطفل، ومنهجية الدراسة الألسنية، وموضوعها ومحاورها التأريخية والتعاصرية، واللغة في شكليها المكتوب والمحكي، ومادة الدراسة الألسنية وطرائقها الاستقرائية والاستنباطية، والنشاط العلمي التصنيفي والتنظيري، وتطبيق ذلك على الأنموذج اللغوي، وعناصر الدراسة الألسنية من التأمل إلى التنظيم إلى المادة والشكل، إلى التوزيع، إلى الوحدات اللغوية، إلى مفهوم القاعدة اللغوية، إلى مستويات اللغة الصوتية والدلالية (حيث ينشأ في الوقت نفسه علم الدلالات وعلم الإشارات)، والتركيبية، وشكل القواعد التوليدية التحويلية.
ثم خصص زكريا فصولاً لأعلام الألسنية: ادوار سابير، وفردينان دي سوسور، وليونرد بلومفيلد، ونيقولاي تروبتسكوي، وروهومان جاكبسون، ولويس يلمسليف، واندره مارتينه، وزليغ هاريز، ونوام تشومسكي، وولهام فان همبولد، وراموس راسك، وفزانزبوب، ويان بودوان دي كورتناي، واتوتو جاسبرسن، وشارل بالي، وانطوان مايه، وغوستاف غيوم، وجون فيرث، وتميز عرض زكريا بالإحاطة والعمق والشمول لإنجازات هؤلاء الإعلام، وختم كتابه بمعجم مصطلحات الألسنية، وبثبت لأهم مؤلفات أعلام الألسنية ومراجع ألسنية عامة في اللغتين الفرنسية والإنكليزية، ومراجع ألسنية في اللغة العربية، وتنصرف الأخيرة إلى ست مقالات وأبحاث في الدوريات العربية، وكتاب واحد مباشر في موضوعه هو «الألسنية العربية 1 و 2» (1972) لريمون طحان، وأطروحة جامعية لم تطبع بعد هي «رواد الألسنية الحديثة» (1973). وثمة كتب قليلة مكتوبة بتأثير من نظريات اللغة الحديثة، وأهمها: «أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة» (1978) لنايف خرما (فلسطين).
غير أن صالح الكشو (تونس) تقصى اللسانيات في جذورها التاريخية الأبعد وأوغل في إشكاليتها المعرفية والمنهجية أبعد مما بحثه زكريا، في كتابه «مدخل في اللسانيات» (1983) سواء في بعدها اللغوي والنحوي العربي، أو في كيفيات دلالتها عند النمطيين: الأفلاطونية والأرسطية والديكرتية، كالمقال الطبيعي في الكلام، والنحو العام والمقعلن، والنحو الفلسفي في القرن الثامن عشر عند الإيديولوجيين والنظريين مثل هريس وأبحاثه الفلسفية في النحو العام، وبرستيلي ومحاضراته في نظرية الكلام والنحو العام، وآدام سميث وتأملاته في أصل اللغات وتكوينها، وهومبالث وقدرة اللغة على التوليد، أو في جوانب إشكاليتها إزاء التحويل والتوليد لدى سابير، ولي وورف، وز. هاريس، ون. تشومسكي.
ويلاحظ أن الكشو ناقش بعض القضايا المعلقة في اللسانيات كما في تراثها الغربي مثل البيان الأركاني الأول، والعلاقات الجذرية الدلالية والبنى الواسطة، والصورة المنطقية، والدلالة التوليدية. وقد اعترف الكشو أنه لم يقصد إلى التاريخ للسانيات العامة، وأنه يرمي إلى الأشعار بوجوب تقييم العمل اللغوي العربي القديم، خاصة منه المادة النحوية من حيث هي مادة، مما بات ضرورة اليوم، أي استهدافه التعريف ببعض وجوه الدرس اللغوي القديم بتجميع ملخص لعدد من الآثار قد يصعب تناولها، أو حتى العثور عليها بالنسبة إلى الطالب، وتقديم بعض النصوص مترجمة عن الأصل حتى تتضح الأفكار في انتظار ترجمات كاملة تغني عن المداخل والتلاخيص، وتقريب النحو من مشاغل كل الذين يعنون بالعلوم الإنسانية من الطلبة، علّ الفائدة تكون كذلك في نماذج الاختصاصات والبحث الجمالي( ).
ووجه عبد السلام المسدي (تونس) عناية كبيرة للسانيات (يفضل استخدام هذا المصطلح، بينما يؤثر نقاد وباحثون آخرون مصطلحات مختلفة)، فوضع عدة مؤلفات في هذا المجال، هي: «قاموس اللسانيات مع مقدمة في علم المصطلح» (1984)، وعرضنا لمقدمته في موقع آخر من بحثنا في أثناء الحديث عن التأليف المصطلحي، و«اللسانيات من خلال النصوص» (1984)، و«اللسانيات وأسسها المعرفية» (1986)، و«مراجع اللسانيات» (1989)، غير أنه شارك أيضاً في جهد مهم مع عبد القادر المهيري وحمادي صمود (تونس) في تلمس اللسانية في التراث العربي.
في كتاب «النظرية اللسانية والشعرية في التراث العربي من خلال النصوص» (1988)، وهذا الكتاب مهم في توكيد أصالة المناهج المعرفية والنقدية عند العرب، ومفيد في الكشف عن القصور في درس التراث اللغوي والمعرفي والنقدي العربي في سيرورته من القديم إلى الحديث، إذ رأوا أن للتراث العربي في فعالية الصورة ـ على سبيل المثال «مساهمات جديرة بالاعتبار والاستحضار، إذ ينخرط الكثير منها في مشاغلنا المعاصرة. ولعل من أطرف ما يلاحظ تناول البلاغيين والنقاد مسألة الوظيفة في مستويين: مستوى وصفي يكتفي بالتقاط ما يعتري المتلقي من ردود فعل إزاء الفعل الشعري، ووضعوا لذلك ثبتاً بالمصطلحات حاولوا من خلاله النفاذ إلى تلك الحالة الغريبة التي تعتري المتلقي والفتنة التي تغشاه...
أما المستوى الثاني في دراستهم للقدرة، فقد حاولوا فيه تعليل ما يحدث في النفس عن الكلام الراقي والبحث عن السر فيه. فكان أن خرجوا من البحوث اللغوية والأدبية إلى بحوث نفسية فيزيولوجية، لا تخلو، أحياناً، من صبغة ما ورائية، لتبين مكمن اللذة ومبعث الرغبة وأصل الانفعال، فارتدت في هذا المستوى تصوراتهم الأدبية إلى أصول نظريتهم في المعرفة وترتيبهم لقوى النفس ووسائل الإدراك»( ).
وثمة إثارة لنقاط كثيرة في التواصل المعرفي لتكون الأنساق الثقافية، كمثل الإجابة على السؤال الهام: كيف تتولد الشعرية؟ إذ «تشهد نصوص التراث بالجهد الذي بذله النقاد والبلاغيون والمشتغلون بعلم الأدب لتقريب مفهوم الشكل والهيئة في الكلام ذلك أن اللغة خطية لا تشغل حيزاً، ولا يرتسم على ظاهرها شكل، ولا يبدو عند تمثيلها بالكتابة نتوء، ومن علامات ذلك الجهد اعتمادهم التشبيه والتقريب.. فقد حملوا عمل الشاعر على عمل غيره منطلقين من مسلمة مفادها أن الشاعر صانع كلام ومصور أشكال لا يختلف عمله عن عمل غيره من الصناع الذين تقوم صنائعهم على المزج والتركيب والتمثيل بالتصوير»( ). ولعلنا نعود إلى ذكر الشعرية ثانية.
ثم تطور البحث في اللسانيات من منظورات تأليفية أكثر أصالة، كما في أعمال منذر عياشي ومحمد عزام (سورية)، حيث يستقيم المنهج دون الاعتماد الكلي على الترجمة، أو تمام المقايسة على إشكالياته التي رافقت تكونه في الغرب، فدرس عياشي تطور اللغة العربية في فرادتها بين اللغات، داعياً إلى منهج خاص بها يراعي قدرتها على استيعاب الحياة والتعبير عنها في كتابه «قضايا لسانية وحضارية» (1991)، وتشير عنوانات فصوله إلى مقاربة هذا المنهجالخاص: اللسانيات بين واقع التخلف والمنهج العلمي، اللسانيات العربية وعوائق البحث، اللسانيات العربية بين الأصالة والتعريب، منظور اللغة في التراث العربي، العربية ووهم ازدواجية اللغة، اللغة والتطور في الدراسات اللسانية، اللسانيات ومنهج التفكير عند العرب، بنية اللغة العربية بين القواعد الشكلية والقواعد التوليدية. وقدم اقتراحاً يقضي بتحاشي استعمال المصطلحات العربية القديمة في مقابل المصطلحات، لينصرف الباحث إلى العمل في اتجاهين:
«أن يستنبط مصطلحات جديدة لاستعمالها في مقابل المصطلحات الغربية، وأن يستعمل المصطلحات الغربية مكتوبة بأحرف عربية، ولكن بشرط أن نرفقها بشرح بسيط يضعه ضمن قوسين، أو في أسفل الصفحة، وذلك بانتظار أن يأخذ البحث اللساني العربي مجراه ويعمق جذوره. ويجب على الباحث في الحالتين أن يعتمد على: 1- نظام الصرف العربي في استخراج المصطلح، 2- وأن يسعى إلى توحيد المصطلحات ما أمكنه ذلك»( ).
وخطا عياشي خطوة أكبر في مشروعه في كتابه «اللسانيات والدلالة ـ الكلمة» (1996) تطويراً للبحث اللساني الذي أدى إلى تطور جملة من العلوم، لها صلة بالظاهرة اللغوية. فقد أوضح في الوقت نفسه استقلالية المنهج اللساني من غير أن تحدث قطيعة معرفية معها. «وكان من نتائج هذا التطور أيضاً، أن استطاعت اللسانيات أن تجمع إليها ـ ضمن الحقل المعرفي للدراسات الإنسانية ـ جملة من ميادين البحث كان مقدراً لها أن تصبح علوماً مستقلة. وبهذا، فقد حلت محل الفلسفة. وصار مقدراً لها أن تثير الأسئلة، وأن تصوغ القضايا، فاندفعت العلوم الإنسانية، في ركابها، تشق طريقها نحو تطورها الخاص»( ).
وخصّ عياشي كتابه بدراسة علم الدلالة بوصفه جزءاً من اللسانيات، أو هو فرع من فروعها، وتناول في مدخله علم الدلالة في منظوريه العربي والغربي وموضوع علم الدلالة أي المنظور الفينومينولوجي، ثم عالج بعض القضايا الدلالية والمصطلحات والاتجاهات، على أن معالجته دائماً اتسمت بالروح النقدية والتأصيلية.
أما محمد عزام فكان مقاربته للسانيات أقرب إلى النقد الأدبي، أي أنه درس اللسانية منهجاً نقدياً في كتابه «التحليل الألسني للأدب» (1994)، مما يشير إلى التأثير العميق لمناهج العلوم اللغوية في الاتجاهات النقدية الحديثة. وتكمن مزية عزام في معالجته لموضوعه ضمن سيرورة تطور النقد اللغوي العريق في الثقافة العربية القديمة والحديثة. ولا يخفى أن عزام جانب الأوهام العالقة بالممارسة الأدبية في رأيه الحصيف حول حال المنهج اللساني، فقد «بادر العرب المعاصرون فأقدموا على ممارسة عملية في اللسانيات استقوها من مناهج الحداثة الغربية، مهتدين بروحها الوضعي، في مرحلة أولى على الأقل. وفي مرحلة تالية تجاوزوا مرحلة الأخذ من مصدري التراث العربي والحداثة الغربية، إلى مرحلة العطاء العلمي، في أربعينيات هذا القرن وخمسينياته. وعندما انفجرت الثورة الألسنية المعاصرة عند سوسير وشومسكي وغيرهما، ترامت إلينا بعض أصدائها، ورحل إليها بعض أبنائنا فغادروا بالزاد الوفير»( ).
وضع عزام التحليل الألسني للأدب في سياقه الثقافي العربي، فعرض تاريخ النقد اللغوي عند العرب، ومواقف النقاد العرب من قضية اللفظ والمعنى، ومستويات النقد الألسني عند العرب، وفصل القول في مناهج النقد الألسني: منهج إمكانيات النحو، منهج النظم، منهج الكلمات ـ المفاتيح، منهج تحليل الانحراف، منهج الاختيار، المنهج الإحصائي، وفي مستويات التحليل الألسني للأدب: المستوى الصوتي (الفونولوجي)، والمستوى اللفظي، والمستوى التركيبي (النحوي)، والمستوى الدلالي.
1-10- علم الدلالة:
وتفرع عن اللسانيات والعلوم اللغوية علوم أخرى مثل الأدلة والإشارة والشعرية. وكانت ترجمة محمد البكري (المغرب) لكتاب رولان بارت «مبادئ في علم الأدلة Elements de Semiologie» (1964 وظهرت ترجمته في العربية عام 1987) من المصادر الأولى للتعرف إلى القابليات المتنوعة للبحث الدلالي من منظور لساني. وعلى الرغم من صدور الكتاب بلغته الفرنسية قبل أكثر من عشرين سنة، فإن الحاجة إليه ما تزال راهنة، برأي المترجم، لاحتوائه على محاولة أولى لتقعيد علم الأدلة، وقد استعان على توضيحها، بالإضافة إلى هذا الكتاب، بكتب بارت الأخرى، وعدد موضوعات علم الأدلة:
وسائل التواصل الحيواني.
دلائلية التواصل الجماهيري.
دلائلية السرد.
دلائلية الأزياء.
صنافة (من التصنيف) الثقافة.
ثم عدّ المترجم «نشر هذه الدراسة سنة 1964 علامة فاصلة بين مرحلتين متمايزتين في تاريخ تكون علم الأدلة وتطوره، أولاهما المرحلة التي تحدثنا عن بداياتها، والتي انتهت بجهود جاكوبسن في الشعرية، وبنفينيست عن التحدث، ويالمسيليف في النظرية الدلائلية العامة وعلم الأدلة.. الخ.. وثانيتهما مرحلة بداية العمل الدلائلي المركز نظرياً وتطبيقياً، وصيرورة الإشكال الدلائلي إشكالاً رئيسياً، وبعث المشاريع الدلائلية الكبرى، ومن ضمنها أعمال م. باختين، خصوصاً بعد نضج الظروف التاريخية والتراكم المعرفي الهائل الذي توالى طوال ما ينيف على نصف القرن في شتى مجالات المعرفة والعلم»( ).
وعرّب فيما بعد منذر عياشي كتاب بييرو جيرو «علم الدلالة La Semantique» (ظهرت ترجمته في العربية عام 1988)، وهو أكمل صورة لاكتمال هذا العلم في الغرب، وحظي الكتاب بتقديم باحث لساني بارز هو مازن الوعر (سورية)، أشاد فيه بتعريب عياشي لحقل الدلاليات الصعب، ولا سيما هذا الكتاب الذي حقق درجة عالية من المنهجية التحليلية العلمية. ويحفل الكتاب بشروح وافية للمعنى وقضية الدلالة والوظيفة الدلالية، وتغيرات المعنى وأشكالها وأسبابها، والمنظور البنيوي، وعلم الدلالة البنيوي. ويحتل اعتراف المؤلف بقيمة كتابه المحدودة أهمية خاصة لتواضع العلماء حين وجد بحثه مدخلاً لبعض المؤلفات الاكثر كمالاً واكتمالاً( ).
وتوالت حركة تعريب الكتب في علم الدلالة، واتوقف عند كتابين، الأول هو «مقدمة إلى علم الدلالة الألسني Eine Einfuhrungin die Sprach Wissen Ehaftlich» (1974 وظهرت ترجمته في العربية عام 1990) لهربيرت بركلي Herbrt Brekle ، الذي يضع فيه مؤلفه هذا العلم في سياق علم اللغة العام بعامة، واللسانيات بخاصة، ويفسر بعض مفاهيمه، ويرى مترجمه قاسم المقداد (سورية) أن الكتاب من شأنه أن يطور علم الدلالة باقتراحه «لنظرية جديدة تدرس المعاني استناداً إلى مكونات السيميائية الثلاث: علم التراكيب، والدلالة، والبراغماتيك. ويعتبر المؤلف أن نظرية من هذا النوع، هي وحدها القادرة على مجابهة إشكالية دراسة المعنى أو الدلالة»( ).
والكتاب الثاني هو«الأدب والدلالة Litteature et Signification» (ظهرت ترجمته في العربية عام 1996) لتزيفتيان تودوروف، بترجمة محمد نديم خشفة (سورية)، ويدخل فيه مؤلفه من الدلالة إلى الشعرية بالنظر إلى تقارب التخوم بينهما في فترة تكون مثل هذه العلوم، لأن الكتاب عمل دراسي جامعي، بالأساس، يتخذ التطبيق على رواية «العلاقات الخطرة» موضوعاً له، ويضيف: «أن موضوعها الأعمق هو الشعرية ذاتها، بمفاهيمها، ومناهجها، وإمكاناتها»( )، فتغدو الدلالة عنده سبيلاً للتأويل بمستوياته: معنى الرسائل، تأويل الشخصيات، تأويل القارئ، تحليل السرد، المظهر الحرفي للسرد، السرد كعملية نطق، المجازات والصور البلاغية، البلاغة في حالتها الحاضرة.

1-11- علم الإشارة:
وجرى الاهتمام بعلم الإشارة، وظهر أكبر جهد تعريفي له في تعريب منذر عياشي لكتاب بيير جيرو «علم الإشارة ـ السيميولوجيا Semiologie» (ظهرت ترجمته في العربية عام 1988)، على أن هذا العلم تطورت منهجياته، وتنوعت اتجاهاته، ومنها الاتجاه الفرنسي إلى دراسة اللسانيات الأدبية (اللغة الأدبية) عبر عن انتشارها خير تعبير ظهور مجلة السيميائيات (Semiotica) التي يصدرها الاتحاد العالمي للدراسات السيميائية (السيميولوجية)، توكيداً على علمية هذا الحقل واستقلاليته في الوقت نفسه( ).
وعمد محمد نظيف (المغرب) إلى تأليف كتاب تعريفي بهذا العلم سماه «ما هي السيميولوجيا؟» (1994)، و«هو العلم الذي عرفه دوسوسور بدراسة حياة العلاقة في كنف المجتمع»( )، وقد سجل نظيف في كتابه المخاض النظري الذي تعيشه السيميولوجيا خلال هذا القرن على يد باحثين أثروا بدرجة كبيرة البناء النظري السيميولوجي الحديث، وحدد مجالاته الأساسية: الصوتيات، الدلالة، المورفولوجيا.
ونلاحظ أن التداخل بين العلوم اللغوية الحديثة جميعها واضح، وهو أكثر صراحة كلما استخدمت تحليالها في دراسة الأدب ونقده.
1-12- الشعرية:
أثيرت الشعرية بقوة، على نطاق واسع، في كتاب علي أحمد سعيد (أدونيس) في كتابه «الشعرية العربية» (1985)، وأظهرت ترجمة كتاب جمال الدين بن الشيخ «الشعرية العربية Poetique Arabe» (1989 وظهرت ترجمته في العربية عام 1996)، وهو مكتوب بالفرنسية عام 1971، مدى انشغال النقاد العرب بالشعرية العربية، وهو تأثير مباشر للمناهج الحديثة في دراسة الأدب ونقده وثمة تداخل أيضاً في مفهوم الشعرية، الذي يجعل ميداناً خصباً لدرس علاقة تشكل مصطلح عريق وحديث، في الوقت نفسه، في الثقافة العربية الحديثة، سواء في اقتصار الشعرية على نقد الشعر، أو في استيعاب الشعرية لمصطلح الأدبية، ومثل هذا التداخل واضح في مؤلفات رومان جاكوبسون الذي يقف عند حدود اللسانيات الصوتية واللفظية والمعنوية، كما في كتابه المترجم «قضايا الشعرية» (1988)، أو في مؤلفي رشيد يحياوي (المغرب) «الشعرية العربية ـ الأنواع والأغراض» (1991) و«شعرية النوع الأدبي ـ في قراءة النقد العربي القديم» (1991) الذي يريد بالشعرية العربية مجموع المبادئ التي أسست عند العرب تصورهم للنمط الشعري في علاقاته الداخلية والخارجية، وهو مفهوم فضفاض باعتراف المؤلف نفسه، وما يزال هذا المفهوم ملتبساً لدى الباحثين والنقاد العرب.

2- الممارسة النقدية العربية لهذه الاتجاهات:
2-1- شعرية السرد:
الشعرية أو الأدبية أو الإنشائية تشير إلى أكثر من معنى، مثلما هناك أكثر من شعرية، كأن تكون معنى متداولاً تدل فيه على مجموع القواعد والمفاهيم الأدبية التي يضبطها شخص أو مدرسة أدبية محددة، أو تدل على العناصر المميزة التي يعتمدها الكاتب في بناء آثاره أو أغراضها أو أسلوبها، أو تدل على نظرية للأدب داخلية، أي نظرية تعرفنا بالظاهرة الأدبية من حيث هي شكل مخصوص من أشكال الكلام وإنتاج المعنى، لا باعتبارها نتاجاً لظروف نفسانية أو اجتماعية أو تاريخية. وعلى هذا، فالشعرية هي كل نظرية للأدب داخلية، ومن ثم فإن مقصدها إقامة مقولات نستطيع بها أن نتبين وحدة الآثار الأدبية وتنوعها( ).
أما شعرية السرد، فهي المقولات المخصوصة بنظرية السرد، كما يظهرها علم السرد، وتعود شعرية السرد إلى إنجازات الشكلانيين الروس، والمنظرين الإنجليز والأمريكيين أمثال ليبوك، وفورستر، وإدوين موير، وروبير ليدل، وبوث. ثم انطلقت الشعرية الفرنسية مع جورج بلن، وميشيل ريمون، ولاسيما تودوروف، مستنداً إلى الشكلانية الروسية، ثم منقطعاً عنها في كتابه «نقد النقد» (1984) «ليكتشف أن الأدب هو بناء، وبحث عن الحقيقة»( )، واكتمل نسق الشعرية مع جيرار جينيت، ولا تخفى مساهمة باختين الجوهرية في تشكل الشعرية الفرنسية.
وتطورت الشعرية الفرنسية، مستفيدة من العلامية على يدي فيليب هامون، ومن النقد الاجتماعي على يدي سوزان سليمان، ومن تخييل التاريخ في السيرة على يدي فيليب لوجون، فيما عرف «بالميثاق السردي» أو «حلف السيرة الذاتية» بترجمة قاسم المقداد( ).
وقد تعامل النقاد العرب على استحياء مع الشعرية، في تجلياتها الفرنسية، خلل تجاهل أو تغافل شبه تام عن الشعرية الأمريكية( )، سواء في درس الرواية أو القصة أو السيرة( )، ولعل أبرز النقاد العرب المنضوين تحت لواء الشعرية صبري حافظ (مصر) في أبحاثه الكثيرة( )، ومحمد القاضي في كتابه «تحليل النص السردي» (1997)، وبشير القمري (المغرب) في كتابه «شعرية النص الروائي: قراءة تناصية في كتاب التجليات» (1991)، وعلى هذا الكتاب الأخير تدور مناقشتنا النقدية، لأنه الأكثر تعبيراً عن هذا الميل النقدي.
كتب بشير القمري عشرات الأبحاث والمقالات النقدية، بالإضافة إلى كتابته الإبداعية في المسرح والقصة، غير أن كتابه الأهم هو «شعرية النص الروائي: قراءة تناصية في كتاب التجليات» (1991)، ومن الواضح، أن القمري يطبق دراسته على رواية جمال الغيطاني «التجليات»، مستفيداً من إنجازات الشعرية وعلم السرد، ليثمر مرجعيته الفرنسية منهجية لا تخفي ميلها إلى النقد الألسني والعلامي.
وضع القمري مدخلاً أولياً لبسط عناصر مقاربته مع عبارة مفتاحية لفوكو من كتابه «حفريات المعرفة»: «فحدود كتاب من الكتب ليست أبداً واضحة بما فيه الكفاية، وغير متميزة بدقة، فخلف العنوان والأسطر الأولى، والكلمات الأخيرة، وخلف بنيته الداخلية وشكله الذي يضفي عليه نوعاً من الاستقلالية والتميز، ثمة منظومة من الإحالات إلى كتب ونصوص وجمل أخرى»( ).
احترز القمري أنه يقوم بمشروع بناء ابستمولوجية القراءة، لأن أبرز طوابع النص الأدبي هو استقلاليته، «على أن النص يمتلك سننه ولغته الخاصين، ومن ثم تتأسس المكونات الكبرى في البناء والتركيب والدلالة»، و«القراءة، محكومة، بمنطقها الخاص من حيث وصف نظامه، واعتماد أدوات واصفة بهدف الكشف عن معناه أو تأويله»، فيتحول «القارئ إلى منتج للنص»( )، واختار لقراءة «التجليات» مستهدياً بإيكو وباختين ولوتمان: المظهر الأسلوبي، بنية الجنس الأدبي، مستويات الكتابة الأدبية التي يستوحيها النص مثل سجلات الكتابة السيرية وأنماط الحكي السردي التقليدي، فكانت مقاربته عامة للصيغة الروائية في كتاب «التجليات»، إذ تشتغل عناصر الصوغ السردي والخطاب الروائي في تناصها مع مواد أدبيةكثيرة، و«ذلك بهدف تشغيل عنصر الإيهام. وينتظم ذلك كلّه داخل شبكة من القول الذي يتخذ بدون صورة حكاية شعبية تستقي من هذه المواصفات دافعية في تنشيط التخيل. فتذكرنا على لسان السارد بحروب وفتوحات وحوادث يغلب عليها الأسطوري والعجائبي إلى حدّ الإحساس بوجود بؤرة حكي تتجاذبها ـ من حيث قانون التسريد ـ محيطات الأجناس الأدبية العتيقة عند العرب وغير العرب، بدءاً من «الأيام» و«السير» و«الملاحم الشعبية» حتى «القصة الدينية» و«السيرة التاريخية» التي يتخذ فيها جمال عبد الناصر ـ من خلال نص كتاب التجليات ـ صفة معادل مماثل لزعماء الشيعة، وصفه بطل شعبي تُتسَقَط أخباره وتروى، فيصير النص بذلك شكلاً مقتبساً من أشكال الهاجيوغرافيا L’hagiographie، وهو جنس أدبي يختص بذكر القديسين، وإشاعة سيرهم بين الناس، عن طريق الإشادة بأعمالهم، وتمجيد فتوحاتهم وكراماتهم وأفعالهم، ويتخذ ـ من جهة أخرى ـ شكل ترجمة حياة هؤلاء مشفوعة بصيغة الإطراء والمدح»( ).
قرر القمري أن «التجليات» بصدد تصور مغاير للجنس الأدبي، فهو لا يشبه الرواية، ويعتمد على أساليب المذكرات الشخصية والرسائل الفلسفية والرحلة الرمزية، وخص الباب الأول بوصف النص: بنية المحكي، والقصة والخطاب، إذ يسعى الغيطاني إلى شكل فني تجريبي يقوم على أساس تحطيم بنية الشكل التقليدي في الكتابة الروائية، ويستثير قانون الاسترجاع مكوناً سردياً، وموظفاً التماهي بين السارد والمؤلف من داخل بنية الخطاب، واستمدادها من القص الشعبي العتيق والمتداول، ومستعيداً الميثاق التواصلي في القراءة والتلقي مثل تجلي الحسين، وقد رأى فيه القمري أكثر البنيات السردية تعقيداً داخل تركيب النص( )، فقد سعى الغيطاني إلى تمثل رمزي لتجلي الحسين في محتوى خطاب إيديولوجي يجعل الناصرية نظيراً لمذهب الشيعة من حيث تأصلهما في كيان الجماهير الشعبية ووجدانها، على أن «كتاب التجليات» يقدم بعد ذلك نبرة يتحكم فيها الإرشاد والوعظ والهداية.
وميز القمري في سؤاله عن الزمن ثلاثة أزمنة، هي الزمن المرجعي وزمن القصة والزمن المطلق، تمهيداً لتوضيح تحقق مفاهيم السرد المعكوس والرواية داخل الرواية، فثمة خمس لحظات أساسية يتوزع عليها السارد هي: ما قبل الولادة، لحظة الطفولة، لحظة شباب السارد، لحظة رجولة السارد، لحظة ما بعد وفاة الأب، ثم يستمر البحث عن صيغ سردية يتلاقح فيها الاسترجاع بالاستباق لتجنب خطية تنامي القصة. ويثير في الوقت نفسه إمكانية التفكير في طرح مسألة الارتباط بين السارد والشخصية والمؤلف «الكاتب» في برمجة السرد من منظور التلفظ.
وصرف القمري جهده في الباب الثاني لدراسة حقول التناص في كتاب التجليات، ويرى أن التناص بعيد عن السرقات، لأنه يقوم على الإبداع والابتداع، وتحويل (بمعنى التشرب والاستيعاب والتمثل) لعدة نصوص يضطلع بها نص مركزي يحتفظ بمركز الصدارة في المعنى( ). ووجد أن أول مرتكز للتناص هو التسليم بعدم اكتمال الجنس الأدبي، وانفتاحه على أراضي (محيطات) مختلف الأجناس الأدبية المتاخمة له، أو التي تتشكل وتنمو مستقلة عنه أحياناً، لكنه يدخل في حوار معلن أو خفي معها، سواء على مستوى الشكل (الأشكال) أو على مستوى المضمون (المضامين) والثيمات. ودرس أصناف الأجناس (القصة والشعر) بوصفها أدبية، والعادات والنصوص البلاغية والعلمية والدينية بوصفها أجناساً خارج أدبية، أي أن التناص قد يقوم على عدة نصوص، وعلى مواد وإحالات غير نصية أو أدبية، بما يشي أن الرواية جنس أدبي متحول باستمرار( ).
وهكذا، يصير النص بمثابة تحويل بالنسبة إلى ما يماثله من نصوص روائية يستمد أو يستعير منها النموذج، وأضاء القمري أمراً مهماً هو ارتباط نصوص الغيطاني بتقاليد النثر العربي، و«منها استحداث الشكل وتعتيقه، وقصدية اختيار التعدد اللغوي من حيث الأسلبة والمزج بين الأجناس الأدبية، وتشغيل العتيق منها في تضاريس الخطاب الروائي، ثم الميل إلى الاستمداد من المكون السيري والسير ذاتي، والاغتراف من العجائبي، والاسترفاد من كرامات المتصوفة، واستحضار سجلات الخطاب التاريخي والصحفي، وأسلوب المقامات وأدب الرسائل والوصايا، وأنماط القص التقليدي في الخرافة والحكاية والسيرة الشعبية ككتابات مقولبة وملفوظات، وتنهض إلى جانب ذلك مظاهر التعليمية (التلقين) والمعرفة»( ).
وحدد القمري مظاهر التناص ومستوياته في كتاب التجليات، وهي:
• مظهر العتاقة وحوار الأجناس. ويبرز في تحليله كشف لأشكال من الاستعمال اللغوي داخل اللغة الأدبية.
• مظهر العجائبي/ الوصف والتفسير.
• عتاقة اللغة، عتاقة البناء، عتاقة السرد، كما في تفصيله لنوعية اللغات، اللغة الدينية والفلسفية، لغة المتصوفة، لغة الكتابة التاريخية، لغة الفتوى، لغة الوصية، لغة الخبر التاريخي.
ثم استدرك القمري رأيه حتى تعتيق الشكل وتحديثه، فالتناص الثقافي يعني استدراج مظاهر من الثقافة المعاصرة، ويتبدى في الطموح إلى تحقيق مضمون جديد داخل أشكال سردية قديمة، ولكن هذه اللغة، برأيه، تظل منعزلة، ولا تتعدى أن تكون مرجعية، ما دامت تكتفي بالتمظهر الأسلوبي، ولا تستطيع استقطاب وعي الذوات بها. ويصاعد القمري نقده إلى تناص الغيطاني إذ يتحول من مجرد تعالق النصوص إلى حوارية متعددة تتجاوز حدودها الشكلية لإحلال الغير في تكوين نفسه( ). ولا يخفى أن هذا الرأي ينطوي على مساءلة مقدرة الغيطاني على تحويل النجوى (أو المونولوغ) إلى تعدد أصوات، أو إفقار الفعلية وتذويبها في صوت واحد.
وانتقل القمري في فصل تال إلى دراسة الصوغ الذاتي في كتاب التجليات، فأوضح مفهوم الصوغ الذاتي للغة عند كثيرين، ليجيب عن طبيعة تعالقات الميثاق التلفظي بين المؤلف والسارد من خلال تعيين هذا الميثاق في بنيتي القصة والخطاب، تمهيداً لدراسة الصوغ الذاتي للغة بين المونولوجية والحوارية، فحدد السارد اللا مرئي (الذاتي) الذي يوهم بالموضعة: من المتكلم: هل هو المؤلف؟ هل هو الكاتب؟ هل هو السارد؟ هل هم الثلاثة دفعة واحدة يتواردون خلف صوت مشترك، هو صوت المؤلف: «نص كتاب التجليات أشبه ما يكون ـ كما يقول باختين نفسه بالوثيقة الشخصية، لأنه لا يعمق الوعي الذاتي بالعالم. والمهم في التصور البوليفوني (يقصد المتعدد الأصوات) للنص هو أن تدرك الشخصية ذاتها وذات الآخرين في نفس الوقت. وهذا ما تعذر داخل كتاب التجليات إذ لم تتوافر المسافة المطلوبة بين المؤلف والشخصية. وحتى إذا أردنا أن نخلع على هذا النص بعض سمات الحوارية، فإنها تظل سمات شكلية لا تتعدى التناص القصدي، والانفتاح على لغات الموروث العربي في ملامح الأسلبة»( ).
وختم القمري تحليله بمعاينة الصوغ الذاتي للجنس الأدبي: كتاب التجليات كسيرة ذاتية، إذ يندرج النص، سردياً وروائياً، ضمن الكتابة السيرية، ويحاور جنس الهاجيوغرافيا، بتقديسه لعناصر الشخصية أو إضفائه القداسة على عناصر السيرة، وذكر قرائن للتماهي لا يمكن إغفالها هي:
استعمال ضمير المتكلم.
الإحالة على نفس الاسم الذي يحمله المؤلف.
حضور صوت المؤلف عن طريق صوت الكاتب نفسه.
صوت السارد مسكون بصوت المؤلف وصوت الكاتب.
ابتكاره عالمه الميتي ـ الفانطازي في رحلته الرمزية.
غير أن القمري يبادر إلى الاستنتاج أن كتاب التجليات ليس سيرة ذاتية بالمعنى الضيق، ولكنه ينجذب إلى الرواية إذا وضعنا جانباً الميثاق السيري (الأوتوبيوغرافي) الذي أقحمه المؤلف، واعتبرنا أن المحكي حالة متخيلة من منظور التخيل الروائي وعملية تلقيه. ومن شأن ذلك أن ينطوي على محاولة خلع الموضوعية على الأنا عن طريق خطاب الاعتراف والشهادة، وهو يندرج فيما سماه باختين، مطابقة الوعي الداخلي للخارجي داخل الوعي الخاص، ثم تمجيد القيم الذاتية على حساب القيم الجمعية، ولم يغفل القمري أن يعلل غياب الروائية( )، مما جعله يضع خاتمة كتابه عن «الشكل والتشكيل: بحثاً عن معنى في كتابة الغيطاني».
عدّ القمري مقاربته تفكيكية على أن الغيطاني يستل من الهاجيوغرافياً، وهي جنس أدبي عتيق، الوظيفة التنويرية والتعليمية، بينما يعود كتاب التجليات في الوقت نفسه إلى نسق الرواية المونولوغية (رواية نجوى الذات) على الرغم من التعدد الصوتي واللغوي الذي يراهن عليه، حين يجمع بين عدة ممكنات أدبية، ويمضي عميقاً في تحديث الشكل، ويميل إلى محاورة القديم.
يتمتع القمري، كما رأينا، ببصيرة نقدية حاذقة متمكناً من منهج شعرية السرد، كما تبلور على يد الفرنسيين أمثال جينيت وكريستيفا وتودروف، ويمزج، بشكل حاد أحياناً، بين الشعرية والعلامية، مستفيداً، على نحو شديد الجاذبية من إنجاز فيليب لوجون في الميثاق السير سردي أو السير ذاتي.
ولعلنا لاحظنا أن إحدى أبرز معضلات أو قضايا الاتجاهات الجديدة أنها غير متكونة أو ناجزة سواء في النقد الغربي أو في النقد العربي، فثمة تداخل بين الشعرية والعلامية والتفكيكية، وهذا واضح في نقد القمري مثلما هو في اشتغال النقاد العرب على العلاماتية والتفكيكية، وقد اخترت تالياً الناقد سعيد السريحي (السعودية) مثالاً لهم.
ويبدو هذا التداخل في فهم النقاد العرب للشعرية، من الشعرية في الشعر، إلى تجليات علاقة الشعرية بالسردية وعلم السرد، فقد طرح بول شاوول (لبنان) تساؤلات عديدة عن علاقة القصة العربية بالشعر وبالقصيدة، مفترضاً التمايز ما بين القصصي بمعناه السردي، والشعري بمعناه الشامل الذي يستوعب السردي أيضاً، مما يستدعي فهم الفرز بين ما يجعل من القصة قصة ومن الشعر شعراً. ثم سجل الملاحظات التالية:
«1- تمكنت القصة العربية المعاصرة والحديثة من تكوين هوية خاصة بها، تميزها عن الشعر، وعن القصيدة، وعن الحكاية.
2- تمكنت القصة العربية أن تعدد تجاربها، فلم تقع في نمطية ما، أو أسلوبية سائدة.
3- تمكنت القصة العربية من بلورة التراكمات القصصية، والحكائية العربية والغربية، واستفادت من هذه التراكمات، كمعطيات، وكمواد وتجارب، ولكن القصة العربية لم تتمكن من:
أ- التخلص نهائياً مما هو شفوي، مما أثر على بنيتها، كما لم تتمكن عموماً من استيعاب هذا الشفوي في نسيجها الكتابي.
ب- لم تتمكن القصة العربية من تحويل الهواجس اللغوية الخاصة بالقصيدة إلى لغة قصصية داخلية.
جـ- الشعرية كانت تتخذ أحياناً منحى إنشائياً أو خطابياً مما أضعف تماسك القصة، ونفّس كتابتها، وأضعف هويتها.
د- لم تنجح القصة العربية في توفير استمرارية تجريبية على صعيد الشكل أو اللغة أو المضمون تضاهي تجارب القصيدة»( ).
تعاني لغة هذا النقد من الإطلاقية في الحكم وإبداء الرأي، كالحكم حول تماسك القصة العربية واستمرارية تجريبها، والشأو الذي بلغته، وهو عال بلا شك.
ونلمح مظهراً آخر من مظاهر التداخل في مفهوم الشعرية في نقد رمضان بسطاويسي محمد (مصر) على سبيل المثال، كأن تكون الشعرية مزيجاً من الجمالية والسردية، ففي قراءته لنصوص قصصية من الثمانينيات، رأى مثل هذه السمات:
«تعدد استخدام الضمائر في النص، مما يؤكد الانفلات من أسر الذاتية والغنائية إلى دراما النص، وهو نتيجة لانشطار الذات المبدعة.
التناص، بمعنى حضور نصوص كتاب آخرين في نص المبدع، ودراما الحوار بين نص المبدع ونصوص الآخرين دون إنكار ذلك.
استخدام اللغة بمستوياتها الدلالية والصوتية في التعبير، وعدم الوقوف عند حدّ الدلالة الإخبارية للغة، فالنص لديهم هو عالم لغوي في الأساس، وهذا مكسب يضاف لهذه الكتابات.
تبحث النصوص عن الدلالات المتفجرة الدموية، بالعنف بمستوياته المختلفة يظهر واضحاً في هذه النصوص.
استخدام الحواس في قراءة العالم، لا سيما التفكير البصري والسمعي واللمس، والاستفادة من الفنون المختلفة في ذلك.
تفتت البناء الفني كتعبير عن تمزق وحدة الزمان الخاص، وانشطارات هذا الزمن.
العادية واللابطل هي من الموضوعات الأثيرة لدى كثير من الكتاب، ويمثل هذا انفلاتاً من أسر الصورة التقليدية للشخصية النمطية في الأدب.
شاعرية القص، وهو يفهم في هذه النصوص على مستويين، أولهما شاعرية اللحظة الدقيقة المرهفة في صورة قصصية، وثانيهما شاعرية اللغة التي تقترب من لغة الشعر».( )
2-2- الألسنية:
هيمنت اللغة بوصفها مجموعة من الرموز والإشارات، كما انطلقت من دوسوسير، على مناهج نقدية متعددة، ولا سيما الألسنية والأسلوبية، بل إن ثمة صعوبات في الفصل بينهما، وقد آلت هذه المناهج إلى العلامية فيما بعد.
ولعلنا نلاحظ مثل هذا التداخل في كتابة أبرز ناقدين عالجا الألسنية والأسلوبية وتمثلاها، وهما عبد السلام المسدي (تونس) وعدنان بن ذريل (سورية).
إن نبيلة إبراهيم، وهي الناقدة الرائدة في التعريف بالاتجاهات الجديدة، تمزج بين الجمالية والألسنية في رؤيتها لمستويات لعبة اللغة في القص الروائي كما في قولها:
«ولا يمكن أن يفعل في القارئ فعل السحر إلا إذا أحكم بناء العمل القصصي، وأحكمت صنعة اللغة فيه بحيث توجه نحو خدمة هذا البناء. هذا هو الأساس الجمالي لأي عمل قصصي، وعلى الكاتب، بعد ذلك أن يختار النظام الذي يرضاه لروايته أو قصته، كما يحق له أن يتحرك باللغة على المستوى الواقعي أو الرمزي، أو على مستوى التعبير بالألم الساخر، أو يمزج بين هذه المستويات جميعها إن شاء»( ).
إن مثل هذا التداخل المنهجي والنقدي دعا فؤاد مرعي (سورية) إلى تمحيص مصطلح الأسلوبية نظرياً وتطبيقياً في علم الأدب وعلم اللغة، ووجد أنه يتيح إمكانية دراسة النصوص الأدبية بطرائق علم اللسان، ما دام مفهوم الأسلوب في علم الأدب أوسع من مفهوم الأسلوب في علم اللغة، غير أن الأسلوبية تقصر عن مجاراة الأدب في اكتشافه للعالم ومعرفته بالصور، وهي إشكالية قائمة تحد من أمداء الأسلوبية واللسانية في النقد:
«أما الأسلوبية فباستنادها إلى قواعد علم اللسان وامتناعها عن دراسة قضايا في علم الأدب لا تتعلق بالبناء اللغوي للنص الأدبي، تحكم على نفسها بالشكلانية، الأمر الذي لا يجعلها قادرة على أن تكون بديلاً للنقد الأدبي الذي يسعى للكشف عن جوهر الحياة في النصوص الأدبية، وعن محتوى تلك النصوص الذي يقدم معرفة فنية حقيقية عن الحياة المعاصرة، ويؤكد المثل الاجتماعية الجديدة التي تفتح أمام البشرية آفاق الارتقاء إلى الأفضل»( ).
ولعل محدودية الأسلوبية أو اللسانية منهجاً نقدياً، جعلت كثيراً من النقاد لا يعولون عليهما إلا ضمن حدود معينة، وهكذا فعلت ألفت كمال الروبي (مصر) في دراستها للأشكال القصصية في كتابات عبد الله النديم الصحفية وغير الصحفية، وفي تحديد طبيعة هذه الأشكال وخصائصها التكوينية وموقعها بالنسبة للبدايات القصصية في أدبنا العربي الحديث، فاستعانت على نحو ضئيل بخصائص الأسلوبية لإضاءة بلاغة التوصيل والقص عند النديم، وقد توصلت إلى نتائج مدهشة:
«أما المرحلة الثانية فيمثلها كتاب المسامير، ويتسم بالتعددية القائمة على تكافؤ الأضداد ومزج الجاد بالهازل على مستوى البناء القصصي والشخصيات والتنوع الأسلوبي: تجاور الشعر والنثر، اللغة الجادة واللغة الهزلية... الخ»( ).
واستفاد معجب الزهراني (السعودية) على سبيل المثال أيضاً، من الأسلوبية في دراسة اللغة، على أن «الناقد يتعامل مع الأساليب والأشكال والتقنيات والأغراض والوظائف باعتبارها ظواهر مشتركة بين مختلف النصوص والكتابات» وربما، بالنظر إلى هذه المحدودية المنهجية، سرعان ما أدغم الزهراني الأسلوبية بالعلامية:
«ولكي نستل من هذه الملاحظة الأخيرة ما نختم به هذه الفقرة من القراءة نؤكد مجدداً على أن مركز الجماليات في هذه اللغة الحلمية الهذيانية إنما يرتبط بكونها لغة جسد يحاول تعريف معاناته عبر لعبة الكتابة، وبالتالي فإنها تمثل، من المنظور السيميائي العام، علامة رمزية واحدة غامضة ومفتوحة الدلالات.. كأرقى ما تكون عليه اللغة الشعرية الحديثة»( ).
إنّ أهم جهد لساني عربي يأخذ بالاتجاهات الجديدة هو كتاب مازن الوعر (سورية) «نحو نظرية لسانية عربية حديثة لتحليل التراكيب الأساسية في اللغة العربية» (1987)، ولكن هذا الجهد لا يمتد إلى النقد الأدبي، مكتفياً، وهو كبير لا شك، بتحليل النظرية اللسانية العربية في تراكيبها وقواعدها ومضامينها( ).
ولعل هذا ما يفسر أيضاً توزع الاهتمام المنهجي والنقدي لدى محرري العدد الخاص من «عيون المقالات» الخاص بالفلسفة والأسلوبية والنقد والطليعة الأدبية، فليس ثمة بحث عن الأسلوبية أو الألسنية، بينما حفل العدد بأبحاث عن الشكلانية والشعرية في فهم النظرية الأدبية( ).
إننا نقع على نقد كثير يستفيد من الأسلوبية والألسنية، ولكنه لا يندرج في منهجيتهما، وأذكر مثالاً مما يكتبه عبد الرحمن مجيد الربيعي (العراق) في كتاباته النقدية المتأخرة، مثل نقده لرواية «توقيت البنكا»: «والرواية أيضاً هي رواية الثراء، ويمتد ثراؤها حتى اللغة سواء كانت الفصيحة فيها أو المحكية فإذا بقاموسه فيها كبير ومليء، ولعل هذه الرواية هي من أثرى الأعمال الروائية العربية لغة»( ).
وعود إلى أهم ناقدين تمثلا الألسنية والأسلوبية في نقدهما، نجد أن عبد السلام المسدي حصر جهده في التنظير غالباً وفي التطبيق النقدي قليلاً، وحول الشعر بالدرجة الأولى، في كتابيه «مساءلات في الأدب واللغة» (1994) و«في آليات النقد الأدبي» (1994)( ).
أما الناقد الأسلوبي والألسني بامتياز فهو عدنان بن ذريل، الذي ينظر إليه شيخاً للنقاد في سورية. فقد وضع أكثر من عشرين كتاباً نقدياً منذ الخمسينيات، غير أنه التزم، أو كاد، مشروعاً نقدياً ألسنياً بدأه رائداً ومجدداً في الثمانينيات، من خلال كتبه( ): «اللغة والأسلوب» (1980)، و«اللغة والدلالة» (1981)، و«اللغة والبلاغة» (1983)، و«النقد والأسلوبية بين النظرية والتطبيق» (1989)، ثم عززه بكتابه «النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق» (1995).
دعا ابن ذريل إلى التجديد باكراً، وقد كانت له صولات وجولات في التعريف بالرمزية والمنهج النفسي والتاريخي، وتشهد على ذلك مقالاته الكثيرة المبثوثة في الدوريات، وكتابه عن عبد السلام العجيلي: «دراسة وصفية نفسية» (1970). وفي السبعينات، اختار الألسنية وما مجاورها من اتجاهات حداثية فكتب فيها نظرياً وتطبيقياً، ولعل كتابه «مسرح علي عقلة عرسان» (1980) الجهد الأكبر الملحوظ في سياق تجربته النقدية التي صارت إلى إحاطة أوسع وأشمل وأعمق بهذا الخيار الفكري والنقدي، فقد شكّل ابن ذريل على مدار أربعة عقود من الزمن صوتاً منفرداً خارج سرب النقد الأدبي الحديث في سورية الذي جرفته الصراعات الأيديولوجية والتبشيرية.
ابتعد ابن ذريل عن الجماعات الثقافية والنقدية، لا سيما المتحزبة أو المؤدلجة منها، وحافظ على دور متوازن بين الصحافة والأدب، ونأى زج نفسه وقلمه في المعارك النقدية معتقداً أن من الأفضل له وللحركة الأدبية الناهضة في سورية أن يكتب نقداً ضمن مساره الخاص الذي شقّه شاباً. وأعني به تعريب النقد الأدبي الغربي الحديث وتأصيله في حركة الثقافة العربية المعاصرة. ومن الواضح أن شغله النقدي اعتمد على الدوام على مثل هذا التعريب، وليس مجرد الترجمة أو النقل مستنداً إلى خلفية متينة من درس التراث النقدي الغربي، ولا سيما البلاغي الذي سيطوره لتمثل إنجازات الحداثة النقدية التي دعا إليها مغلباً الاتجاه الألسني مع ميلٍ بنيوي وشكلاني واضح، وقد كان الاختيار واضحاً تقوى مع استغراقه في نقد السرديات، وهو ميدان تضاعفت أهميته الراهنة بتتويج فنون النثر القصصي على بقية الأجناس الأدبية بوصفها أكثر استجابة للعصر، ويتضح ذلك بجلاء في كتابه «النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق»، ربما بتأثير انصراف النقد الشكلاني والبنيوي إلى السرديات بالدرجة الأولى، وربما أيضاً بتأثير تعقيد السرديات قياساً إلى الأدب الغنائي أو الوجداني أو الذاتي حيث فنون النثر القصصي تلازم تعدد الحوار وتنوع الكلام وموضوعية الخطاب.
وسنلاحظ انصراف القسم النظري في هذا الكتاب إلى تحليل السرد والنص السردي: لغته، أسلوبيته، ملاشاته اللغوية، طرائق تحليله، بلاغته وإبلاغيته، منظوره السردي، نجواه وحواريته، الخ، أما التطبيق فلم يحظ فيه الشعر إلا بفصلين من أصل أحد عشر فصلاً، أحدهما للقصة وثانيهما للمسرحية، بينما كان هناك سبعة فصول للرواية.
أراد بن ذريل في كتابه الأخير أن يعرّف بطرائق المنهجية الألسنية في النقد الأدبي والأسلوبية، مركزاً من جهة على النص وخصوصيته، ومن جهة ثانية على الأسلوب وتفرده، فالنص هو المجال الحقيقي الذي تنعكس فيه الملامح الأسلوبية للكاتب المنشيء، كما الأسلوب هو الألق الشخصي لفرادة هذا الكاتب المنشئ.
خصص بن ذريل الفصل الأول لتعريف النص وفق مأثور النقد الفرنسي الجديد، و أعلامه البارزين كتودوروف وبارت وكريستييفا، موافقاً على أن النص هو لغته، لأن «تحولات اللغة الأدبية تمثل الممارسة الجدلية للذات داخل اللغة، وأن التاريخ هو مجموعة نصوص أكثر منه تاريخية دون لغة».
وفي الفصل الثاني «الأدبية والنص» انطلق بن ذريل من مأثور الشكلانيين الروس، ولا سيما شكلوفسكي على أن الأدبية (أي الخصائص التي تجعل من الأدب أدباً) هي محك النص ومحك دراسته، غير أن الشكلانية أو التعمق في بحث الخصائص الشكلية لا يكون بمعزل عن واقعه، وهذا ما جعله يخوض في الفصل الثالث في «البيئة الأدبية والأسلوبية» منطلقاً من مفهوم العلامة عند دي سوسور، إلى البنية الوظيفية عند «مدرسة براغ»، إلى الأسلوبية والأسلوب كزخرفة أو كدلالة ذاتية، أو كتمثيل، أو كنمط، لأن عمل المحلل الألسني كما يكتب، يقصر على «ربط النص» باللغة التي كتب بها، وبذلك تصبح «الأسلوبيات» دراسة مقارنة لأنماط التفضيلات التي يظهرها الكاتب في اختياره للغته، ضمن المصادر اللغوية التي في متناوله... أو بعبارة أخرى، تدرس الأسلوبيات تواترات الاختيار النسبية التي تميز لغة النص من لغة غيره، أي هي، بتعبير هاليداي، تطبيق للألسنية أكثر منها توسيع لها.
ثم درس بن ذريل في الفصل الرابع «ظاهرة الأسلوب ما هي؟» متتبعاً تعاريفه وما يثيره من قضايا تتعلق بالممارسة العملية ومجال الدلالات، فالممارسة العملية هي الفعالية منظوراً إليها في سياقها الحركي، وعلى الخصوص في الظروف الاجتماعية التي تعطيها «دلالتها» في عالم معاش فعلاً، وهكذا توقف ملياً عند تعددية «الشيفرة» والسنن والعلامات لأهميتها في فهم ظاهرة الأسلوب وتنظيمه للخطاب أو الرسالة، مميزاً بين البلاغة والأسلوب، ثم انتقل إلى تصنيف الأساليب عند بيير جيرو بالنسبة إلى طبيعة التعبير أو مصادره أو مظهره. ومن الواضح أن ناقدنا يوافق على هذا التصنيف، مما يثير أسئلة كثيرة حول استحكام ظاهرة الأسلوب للعلائق اللغوية أو البلاغية وحدها، ويجعل من البعد الدلالي في شبكة علاقات النص أمراً عصياً على تمثلها، وهو ما تتعمقه علاقات الأبنية التركيبية أو علاقات الأبنية الدلالية. على وجه الخصوص، حيث ينهض النص إلى أبعد من مستويات تركيبه اللغوي والبلاغي إلى تعدد قابليات تأويله أو انفتاحه على مرجعياته ومفرداته الغائبة.
ولعل هذا التركيز على المكون اللغوي أو البلاغي هو الذي قاده إلى تخصيص الفصل الخامس لبحث «البلاغة الجديدة» من خلال تنظير بيريلمان للتوكيد على الفعالية الدلالية، فلا تعود العلامات اللغوية تمثل الأشياء، بقدر ما هي تتحول نفسها إلى «أشياء»، فتحتل مكاناً في سلم القيم، كما تسهم في الشعائر، وبينما نجد «اللغة» في المجتمعات الديمقراطية ملكاً لكل الناس، وتتطور بحركة تامة، نجد أن اللغة في المجتمعات المترتبة يتم تجميدها، بحيث تكتسب طابعاً شعائرياً ومقدساً.
وللإجابة على أسئلة الأدبية إزاء الواقع، يفرد ناقدنا الفصل السادس لأسلوبية الرواية كما عالجها باختين طلباً لما تعكسه من علاقات اجتماعية وتاريخية هي شيء مما يعيشه الأبطال من تباينات، مجاوزة الشكلانية إلى فنية ما وراء الألسنية، حيث امتدادات القول الاجتماعية، وما ترتبها من مفاهيم نقدية وأسلوبية مثل «تعددية الأصوات» و«تصادم الأيديولوجيات» وغيرها، ويفيد ذلك أن باختين يتجاوز الشكلانية منذ كتابه عن «ديستويفسكي» المسمى «معضلات شعرية ديستويفسكي» (1929) متخطياً فنية الشكلانية الساكنة، أي اللغوية القديمة، فالرواية لا تتجه إلى جلاء وعي المؤلف في عالم وحيد فحسب، وإنما تكشف عن أنواع الوعي الأخرى للأبطال، واحداً، واحداً، بشتى عوالمهم، وهم يندمجون في وحدة حدث معين.
وهذا يعني أن البطل لم يعد مجرد موضوع يخص وعي المؤلف، بل هو وعي آخر، وأحياناً غريب، بما يفيد أن المؤلف هو الفاعل للكلام الفردي، أما النص أي الرواية فلم تعد انعكاساً لإيديولوجية وعي المؤلف، وإنما أصبح تصادماً لأيديولوجيات متنوعة، ذلك أن الفكرة في نظر باختين، حدث يجري حتى نقطة التلاقي التي هي الحوارية. إلا أن التفكير الإنساني لا يتحول إلى فكرة دون الاحتكاك الحي مع فكرة أخرى تتجسد في الآخر، وأيضاً أصوات الآخرين، والكلمة نفسها، أي القول الروائي، تسمح بذلك، لأنها تتكشف عن أنها مأخوذة من عدة أصوات، أو تأتي في تصالب عدة ثقافات، إلا أنها، كما يقول باختين، تكون في الأساس أيضاً كتابة بيضاء تهرب من جميع السماكات للعوالم، أو التي للدلالات الحافة، فتعيد للنظام اللغوي حريته وفنيته.
وفي مثل هذا الشرح يمضي ناقدنا في التعامل مع العامل الإيديولوجي للنص بما هو تحقق لغوي في السرد بالدرجة الأولى، مبيناً تطور فكرة الحوارية من الشكلانيين إلى إنجاز باختين مستنداً إليهم، حيث البذرة كانت موجودة عندها وتقوم على فهم خاص لانعكاس الواقع في الأدب. ويتوقف ناقدنا على عجل عند بعض من عالجوا ذلك التطور مثل فولوشينوف ومدفيدييف على أن الأدب يمثل الإيديولوجية في نظرهم، وهو شكل متميز لتجسد التفاعل الاجتماعي.
وقد تتبع بن ذريل قضايا أسلوبية الرواية بالنظر إلى بعدها «الأيديولوجي المجرد، أو بعدها الأيديولوجي الدعائي والتبشيري فقط كما في كتاب باختين التالي «الكلمة في الرواية» (1941) للإفصاح عن الأصالة الأسلوبية في الرواية، والخصائص المميزة للرواية، والنجوى والحوار فيها، ممهداً بذلك للتفصيل في أساس نظريته لفهم الرواية في خطين أسلوبيين، الأول خصيصته أحادية اللغة، والثاني الذي يدرج التنوع الكلامي في صلب الرواية موزعاً توزيعاً أوركسترالياً، ومتخلياً في كثير من الأحيان، عن «كلمة» المؤلف المباشرة، وإليه ينتمي أعظم ممثلي النوع الروائي في أوروبا الحديثة».
ثم شرح بن ذريل في هذا الإطار أنماط التحليل الأسلوبي والأسلوبية السوسولوجية مدخلاً لدرس «النص السردي وطرائق تحليله» وهو موضوع الفصل السابع. وفيه يمعن ناقدنا النظر والقول في العنصر اللغوي في التحليل البنيوي معالجاً قضايا النص الفردي، والقراءة والنقد والبويطقيا، والنمذجة السردية عند تودورف وبارت وجريماس وجينيت مشيراً إلى بزوغ علم السرد الذي غدا مكرساً مع جهود البنيويين ومن تلاهم، أو حذا حذوهم، أو انطلق من عصر ما بعد البنيوية.
وخصص بن ذريل الفصل الثامن لمصطلح «الملاشاة اللغوية» سواء أكانت تهديماً طبيعياً، تتكشف عنه لغة النص، أو طريقة تحليل لغوي للنص على سبيل التفكيك، ما دامت الملاشاة اللغوية ـ بتعبيره ـ تقوم على جدلية حميمية تكشف عن مركزية الذات، إذ إنها تتحرك في الذات، وبالذات، وضد الذات، أي هي مباشرة ذاتية لإمكانيات اللغة في التعبير، الأمر الذي يعطي الجملة قدرة تعبيرية لتكون «ابتداعاً عاطفياً» أو «ابتداعاً فكرياً»، كما يعطي النص قدرة تعبيرية ليكون مجال «تعددية الأصوات» ومجال «تصادم الأيديولوجيات» بعد ذلك. فيبرز ناقدنا طرائق التحليل المختلفة، كما عند جماعة «تل كل»، ويوضح خصوصية مصطلح «الملاشاة اللغوية» كالابتداء وضياع الذات وتخلخل النص وإعادة بنائه والصوت بوصفة ابتداءً «موقفياً» للوصول إلى خلاصة ذات دلالة عن صلة القول السردي بالمؤلف، حيث نجد أن المؤلف مبدئياً هو السارد التقليدي للنص، هو صاحبه وصانعه، صنع أنواله وصبغها بصبغة فكره وإيديولوجيته.
ويخصص ناقدنا بقية فصول كتابه للنقد التطبيقي على النحو التالي:
الفصل التاسع: رواية شكيب الجابري «وداعاً يا أفاميا».
الفصل العاشر: رواية هاني الراهب «الوباء».
الفصل الحادي عشر: رواية عبد النبي حجازي «المتألق».
الفصل الثاني عشر: رواية فاضل السباعي «ثم أزهر الحزن».
الفصل الثالث عشر: ديوان علي عقلة عرسان «تراتيل الغربة».
الفصل الرابع عشر: ثلاثية حنا مينة «حكاية بحار».
الفصل الخامس عشر: روايتا نبيل سليمان «الأشرعة وبنات نعش» (والأصح هما الجزءان الأول والثاني من رباعيته «مدارات الشرق)».
الفصل السادس عشر: ديوان فؤاد كحل «أزهار القلب».
الفصل السابع عشر: تجاوز المعيار في روايتين (هما «البلاغ رقم 9» لمسعود جوني و«الرجل والزنزانة» لوهيب سراي الدين)
الفصل الثامن عشر: مجموعة مالك صقور القصصية «الجقل».
الفصل التاسع عشر: مسرحية خالد محي الدين البرادعي «جزيرة الطيور».
وفي هذه الفصول التطبيقية جميعها يستند بن ذريل إلى إرث النقد الحداثي الذي تقصى بعض جوانبه في فصول كتابه النظرية، فيلتفت في نقده التطبيقي عن أدوات النقد التقليدي الشارح إلى الكشف عن بنيان النصوص وآلياتها الأسلوبية بمزيد من الإيجاز والتكثيف، باذلاً بعض العناية بتاريخية النصوص المدروسة، وموجهاً رأيه النقدي لاستطلاع الاستجابة المتبادلة بين النص وأسلوبيته نحو تبيين القول فيه ومستوياته، وخلل ذلك كله، وفي الأساس، تبيين جماليته، وهو يؤدي ذلك في اتجاهين، الأول: تعريفي ينزع نحو تبسيط المنهج النقدي وتقريب مصطلحه، وقد يدعوه ذلك إلى تكييف المنهج ومصطلحه لطبيعة النصوص العربية المدروسة، والثاني تقويمي متعاطف غالباً مع النصوص المدروسة. ولنأخذ كتابته عن رواية شكيب الجابري «وداعاً يا أفاميا» نموذجاً لنقده التطبيقي.
وتثير طريقة بن ذريل أسئلة كثيرة أشير إلى أهمها، وهو الموقف من تعريب المناهج النقدية الغربية داخل الصراع بين التبعية والتأصيل، وكأنه لا يقرّ بمثل هذا الصراع معترفاً بمكان رئيس للمثاقفة في الجهود القائمة بتأصيل النقد العربي الحديث، على أن تراث الإنسانية تراث مباشر ومتصل للنقاد العرب المعاصرين، إذ لا جدوى كبيرة من مماحكة شؤون الهوية الثقافية، لأنه، وهو يكتب فصول كتابه النظري، يدرج إسهامات نقد الحداثة الغربية وما بعدها في حركة الثقافة العربية ببساطة، بل إنه يورد تطبيقات جزئية أو إلماحات مقارنة لها مع الثقافة العربية والإبداع العربي الحديث أو علم البلاغة العربية، وهذا كثير في متن الفصول وفي الهوامش والإحالات لكل فصل، وهي تطبيقات وإلماحات في غاية الأهمية.
ومن الأسئلة أيضاً، تجنب بن ذريل لمسائل انتشار هذه المناهج النقدية الغربية، وتأثيرها في النقد العربي الحديث، كما أنه غير معني بتكوين هذه المناهج في بيئتها وفي الثقافة الحديثة، وأذكر على سبيل المثال، أنه تحدث عن باختين مستخدماً إنجازه النقدي دون معالجة الإشكاليات الكثيرة التي رافقته أو تلته، فمن المعروف أن باختين عني باللغة بالدرجة الأولى، وتلمس الإجابة في كتابه المبكر «الماركسية وفلسفة اللغة» (1929) منطلقاً لمنهجه في نظرية الأدب، ولا سيما نظرية الرواية، وأن بحثه في لغة الرواية وأدبيتها أو شعريتها كما شاع عند الكثيرين، لم يجد أجوبته المحددة في بحثه عن ديستويفسكي، مما دعاه إلى العناية «بأشكال الزمان والمكان في الرواية» (1938) أي حركة التاريخ. أما ناقدنا فقد تجنب هذه الإشكاليات على أن نظرية باختين ناجزة وقابلة للتطبيق، ولا فائدة من المماحكة.
وثمة سؤال آخر هام حول تعريب المصطلح النقدي، فعلى الرغم من جهود ناقدنا الشيخ بن ذريل في هذا المجال، فإنه غالباً ما يورد المصطلحات بلفظها الأجنبي، وهذا أمر يحتاج إلى رأي وتفسير لأنه لا يستقيم مع جهوده الريادية الكبيرة التي أشرنا إليها من قبل، ومجموعة كتبه عن علم الجمال والمسرحية والموسيقى والفنون الشعبية، وقد زاد عددها على عشرة كتب، وهي واضحة أيضاً في كتبه الفلسفية ولا سيما الفكر الجدلي والفكر الوجودي، مثل «البعد الروحي في تفسير الوجود والزوال» (1971)، و«الفكر والمعنى في تفسير جدلي للمعرفة» (1971)، و«ظواهرية الوجود الجدلي: دراسة وجودية في النقيض» (1972)، و«التفسير الجدلي للأسطورة» (1980)، و«الفكر الوجودي عبر مصطلحه» (1985)، و«الأرجوزة في الوجود والعدم» (1990).
على أن هذا كله، وربما لهذه الأسباب، يؤكد في الوقت نفسه، أهمية شغل بن ذريل في تطوير النقد الأدبي العربي الحديث، وفي تطوير الإبداع العربي الذي يتجه إليه هذا النقد، لأن من فضائل ناقدنا عنايته الفائقة بتعريب المناهج النقدية الغربية كما هو الحال مع الألسنية والأسلوبية وإدراجها في سياق النقد العربي الناهض من جهة، وعنايته الفائقة بنقد الإبداع العربي الحديث بروح إيجابية تكشف عن المستوى المتقدم والمضيء للأدب العربي الحديث من جهة أخرى.
2-3- البنيوية:
لم تستقر البنيوية على حال، ولم تستقم في مذهب أدبي ونقدي محدد، فهو منهج قابل للاغتناء والتطوير، أي أنه طريقة للدرس والفهم، وليست مبادئ فكرية( )، ولذلك لا ينتظم ظهور البنيوية مسارات محددة متساوقة، بل هي أشبه بطفرة عمقها مجموعة مفكرين ونقاد، وحاولوا جهدهم أن تكون بمنأى عما التصق به من نظرة «الموضة»، فتلونت بجهودهم الفكرية، ولا سيما رولان بارت وكلود ليفي شتراوس وميشيل فوكو وجاك لاكان وجاك دريدا، فصار ثمة بنيويات مالت إلى ميادين معرفية ومنهجية أخرى مثل البنيوية الإناسية عند شتراوس، والبنيوية الدلالية عند بارت (في بعض أعماله)، والبنيوية التفكيكية عند فوكو ولاكان ودريدا، ولا يخفى أن غالبية هؤلاء البنيويين، باستثناء بارت، لا يسعدهم أن ينضووا تحت لواء اتجاه يحدّ من تفكيرهم، غير أن الأساسي في البنيوية، منهجاً نقدياً، هو عنايتها بالشكل، وبالبنية، وبالتحليل اللغوي للنص، وبنظام العلامات الكلي، غير أن هذه العناية التي تروم للمنهج البنيوي أن يحقق مستوى علمياً يستوعب إشكالات ثنائية الذات والموضوع من جهة، والمعنى أو الدلالة من جهة أخرى، هو محط النقد الشديد الذي واجهته البنيوية، فعانى المنهج معاناة شديدة من الولوغ في الشكلانية وإغراءات التحليل اللغوي المتحكم في بنية النص.
على أن البنيوية لم تكن نقية في ممارستها لدى النقاد والباحثين العرب أيضاً، ولربما انطبعت هذه الممارسة بالتزامات هؤلاء النقاد والباحثين أنفسهم في ظل غلبة الاتجاه الواقعي بالدرجة الأولى، مما دفع الكثيرين إلى تكييف مناهجهم «البنيوية» أو تعديلها كما هو الحال مع يمنى العيد (لبنان) ومحمود أمين العالم (مصر) ونبيل سليمان (سورية)، ممن كانت لهم ممارسة نقدية إيديولوجية صريحة، هي الواقعية الاشتراكية والماركسية في مظاهرها الأكثر تشبثاً بالنمذجة والانعكاس والتحزب والتماهي بين عقيدة المؤلف والمنظور السردي أو وجهة النظر.
وليس بمقدورنا أن نورد أسماء النقاد والباحثين العرب الذين أخذوا عن البنيوية وتمثلوها كلياً أو جزئياً، أو مازجوها باتجاهات أخرى، ولعلنا نذكر نماذج لهم، فثمة العشرات الذين عنوا بالبنيوية التكوينية استفادة من منهج لوسيان جولدمان، كما هو الحال عند خالد الغريبي (سورية) في كتابه «التناقض والوحدة في رواية المستنقع لحنا مينه» (1995) وحسني حسن (مصر) في كتابه «يقين الكتابة: إدوار الخراط ومراياه المتكسرة» (1996). اعتمد الأول على تراث النقد الماركسي، ولا سيما لوكاتش، وعلى فهم حنا مينه لنظرية الرواية وممارستها، ومزج ذلك بشيء من بنيوية في مظاهرها الأبسط، واعترف بعلاقة الجانب المضموني للرواية بالتقنية الروائية، مثل تفاصيل الحدث وتركيبة الشخصية وصيغ التعبير والبناء الفني( )، بينما استغرق الثاني في الشرح المضموني، مستعيداً تصريحات الخراط وآراءه النقدية داخل عناية أقل بالبنية الروائية معولاً على شيء من النقد الاجتماعي المتطور عند جولدمان، مثل تمييزه لمستويات الواقع المتداخلة والمركبة، وهي الواقع الوقائعي، والواقع الحدثي، والواقع الحلمي، والواقع الأسطوري، ومجاوزة الواقع( ).
بينما صرح نقاد آخرون بانتهاجهم البنيوية التكوينية في مقارباتهم النقدية أمثال محمد عزام (سورية) في كتابه الأخير «فضاء النص الروائي: مقاربة بنيوية تكوينية في أدب نبيل سليمان» (1996)، على أنه، في الوقت نفسه، يمتح من معين التحليل الشكلاني للرواية والتحليل البنيوي للسرد (ويسميه التحليل البنيوي للرواية)، تمهيداً لإظهار العلاقات العميقة والسطحية بين داخل النص وخارجه فيما أزمعت البنيوية التكوينية على التصدي له، استيعاباً للمفاهيم الأساسية لسوسيولوجيا الأدب عند غولدمان كالبنية الدالة ورؤية العالم والرؤية المأساوية والوعي إزاء الواقع الاجتماعي، والوعي الممكن؛ وهي المفاهيم الأساسية التي طبقها الأخير منهجاً نقدياً بنيوياً تكوينياً في دراسة الآثار الأدبية والفكرية لراسين وباسكال وكانط ومالرو وسارتر وغيرهم، رافضاً كل نزعة ذرية تريد أن تفهم الأعمال الأدبية بالوقوف عند جزئياتها، ومحاولاً إدراك المجتمع في كليته، ورابطاً ما هو اقتصادي بما هو سياسي، بل وحتى بما هو أدبي وفني، ومكتشفاً العلاقات الوظيفية بين المؤسسات الاجتماعية والأعمال الأدبية، ومتبنياً مفهوم الكلية الذي يرى أن التجربة المجتمعية والتاريخية في كليتها تتكون وتتكشف عن ذاتها من خلال الممارسة الاجتماعية. والكلية عنده هي مجموع الوقائع التي نعرفها، والأحداث التي ننتجها، وليست كلاً متعالياً عن المجتمع والتاريخ كما كانت لدى هيغل مثلاً»( ). أما تطبيقه للمنهج فكان انتقائياً تجزيئياً، إذ عالج وجهة النظر (المنظور الروائي)، والبطل الروائي (الشخصية الروائية)، وبنية المكان، وبنية الزمان، ثم انتقل لدراسة الفضاء السوسيولوجي للرواية (نحو قراءة خارجية للنص الروائي).
وتظهر شهوة مجاراة البنيوية واللحاق بها، واستعمالها كلياً أو جزئياً لدى الكثيرين لثرائها المنهجي، كما في دراسة سمر روحي الفيصل (سورية) الأخيرة «بناء الرواية العربية السورية 1980-1990» (1995)، فقد صرح أنه استند في كتابه إلى منهج نقدي محدد، «هو المنهج البنيوي الشكلي، وخصوصاً السرديات التي بدأ اتجاهها يتضح في سبعينيات القرن العشرين»، ورأى أنه بغنى عن توضيح البنيوية، لأن مراجعها مبذولة، وعلاقاتها بالأسطورة وعلم النفس والتاريخ والأدب والنقد الأدبي معروفة»( ).
ويلاحظ أن الفيصل اقترب كثيراً من مصطلحات علم السرد في تحليله البنيوي سواء المفهوم البنيوي للروائي: الراوي والرؤيا، أو بناء الشخصية الشخصية، أو بناء الزمن الروائي، أو بناء المكان الروائي، أو بناء السرد الروائي، وكان أنعم النظر في هذه المصطلحات وطبقها على الرواية العربية السورية في فترة بحثه، ثم قام بمحاولة تركيب لبناء هذه الرواية، مما يؤكد حسن استثماره للمنهج البنيوي، وتطويره ليتمثل بعض إنجازات علم السرد.
ولكننا نقع على استخدام أبسط وتثمير أقل لمعطيات المنهج البنيوي لدى نقاد كثيرين مثل عدنان خالد عبد الله (العراق) في كتابه «النقد التطبيقي التحليلي» (1986) ومحمد نديم خشفة (سورية) في كتابه «جدلية الإبداع الأدبي: دراسة بنيوية في قصص عبد السلام العجيلي» (1990)، وعبد الحميد بورايو (الجزائر) في كتابه «منطق السرد: دراسات في القصة الجزائرية الحديثة» (1994).
وضع عدنان خالد عبد الله عنواناً آخر لكتابه هو «مقدمة لدراسة الأدب وعناصره في ضوء المناهج النقدية الحديثة»، أما المناهج النقدية الحديثة فهي:
المدارس التي تتعامل مع النص على أنه كيان لغوي قائم بذاته، ومنها الشكلانية الروسية Russian Formalism، والنقد الجديد New Criticism والنقد السياقي Con****ual Criticism، والبنيوية Structuralism، والنقد اللغوي الذي يستند إلى التطورات الحديثة في علم اللغة أو اللسانيات، ويحاول تطبيق اكتشافاتها على النصوص الأدبية.
المدارس التي تتعامل مع النص كظاهرة حضارية، وهما النقد الماركسي، والنقد الاجتماعي.
المدارس التي تتعامل مع النص كاستجابة جمالية، مثل الظاهراتية Phenomenology والمدارس النفسية، والمدرسة الذاتية Subjective Criticism، والمدارس النقدية التي تعنى باستجابة القاريء.
وعلى الرغم من العمومية والنبرة الإطلاقية في الحكم على المدارس النقدية، كأن يعد النقد التكاملي Eclectic هجيناً من حيث عدم التزامه بأية مدرسة معنية، والحال ليس كذلك، فإن توكيده على أمر «البدء بالنص وليس الانتهاء به»( ) في المناهج النقدية الحديثة مما يحمد عليه.
خصص عدنان خالد عبد الله باباً للفن القصصي، قاصداً الرواية والقصة القصيرة، واستفاد من الدراسات المبكرة للسرد في النقد الأنجلوسكسوني، مشيراً، على عجل، إلى بعض نظرات البنيوية في تحليل السرد دون أن يسمي ذلك. ومن الواضح، أن كتابه مبكر، ويعتمد مرجعية النقد الإنجليزي التقليدي وبعض اكتشافات النقد الجديد في ميدان السرد.
بينما استغرق محمد نديم خشفة منذ الصفحات الأولى في كتابه في موضوع واقعية القصة أو مرجعيتها الواقعية، وعرض المناهج النقدية بابتسار، ليأخذ بالبنيوية، بما هي الوصول إلى حالة علمية في التعامل مع النص، «فلا يقحمون عليه عناصر خارجة عنه، ولا محيطة به»، غير أن تحليله البنيوي يفقد اتساقه عندما يطلب الإحاطة «بالسيرة الذاتية للمبدع نفسه ودراسة أثرها في توجهاته الفنية وأغراضه الأدبية»( ).
ويطلب أيضاً الإحاطة بتاريخ الأفكار للبيئة التي نشأ فيها وتبادل معها التأثر والتأثير. وهكذا، رأى دراسته «محاولة لمعرفة التوجهات الفكرية في قصص العجيلي، والعلاقة الممكنة بين نصوصها ومعطيات البيئة الاجتماعية والثقافية من خلال مقاربة بنيوية تهدف إلى تفكيك آليات العمل الأدبي ثم إعادة تركيبها، لاكتشاف العلاقة المحتملة بين تلك التوجهات وبين المعمارية القصصية المعبرة عنها، لأن ارتباط الأشكال بمضامينها يتراءى لنا من خلال علاقة جدلية»( ).
وعني عبد الحميد بورايو بالخاصية الأدبية للنص الأدبي، أما مناهج العلوم الأخرى مثل علم النفس والتاريخ والجمال فقد «فتحت المجال أمام ركام من الكتابات النقدية التي ظلت تحوم حول النصوص عاجزة عن استكناه أسرارها ومعرفة حقائقها. وعوضت هذا العجز عن طريق مسائل عامة تتعلق بفلسفة الفن، وبالمجتمع، وبالنفس الإنسانية، وبالتاريخ، وبالسير والتراجم والبيئة.. الخ»( ).
ثم عمد بورايو إلى التزام المنهج البنيوي في مستواه المبسط، وعرض جذوره في الشكلانية الروسية، ولا سيما إرث بروب، وما بعدها، مثل شتراوس وجريماس وتودروف وكلود بريمون، ومن المعروف أن شغل هؤلاء جميعاً لا يندرج في بنيوية خالصة، ولعل مرد ذلك إلى أنه جمع بين التحليل الشكلاني والبنيوي للشكل القصصي على أنهما شيء واحد، وعزا الاختلاف بين الباحثين الغربيين إلى المادة التي اتخذوها مجالاً لتطبيق المنهج قصد تعديله وإثرائه، فهم يتفقون في عدة مبادئ حددها كلود بريمون، برأيه، في مقدمة كتابه عن «منطق القصة Logique du Recit»: «التمييز بين مستويين بنيويين للقصة، يتعلق أحدهما حسب اصطلاح جريماس بالمستوى الكامن للبنيات السردية، ويتعلق الآخر بالمستوى الظاهر للبنيات اللغوية، وحسب اصطلاح تودروف يتعلق بالتضاد بين التاريخ والخطاب، وعندنا يتعلق بتفرع القصة المروية والقصة الساردة.
- الإيمان بإمكانية أداء الحوادث المروية في متواليات للأحداث (وظائف بروب) حيث بعضها على الأقل يستطيع أن يأخذ مكانه في معجم للمفردات الشاملة للسرد. وكذلك الإيمان بإمكانية استخراج قواعد تركيب هذه الوحدات، في قواعد شاملة أيضاً»( ).
وإذا نظرنا إلى تواريخ كتابته النقدية، وبعضها يعود إلى أواخر السبعينيات، نجد أن بورايو من أوائل الذين عرفوا بالبنيوية متداخلة مع مناهج أخرى، ثم طبق ذلك في مقارباته حول القصة القصيرة والرواية الجزائرية.
وحظيت أشكال مزاوجة البنيوية بالعلامية أو الدلالية أو السيميائية باهتمام عدد كبير من النقاد والباحثين العرب، وإن بدت مثل هذه الممارسة النقدية أشبه بالطفرات، أو لم تظفر بالالتفاف حولها في جهد شامل أو كامل، وثمة اختلاف في المرجعية النقدية الغربية من جينيت إلى امبرتو ايكو، إلى تودورف إلى كلود بريمون، إلى رولان بارت، إلى باشلار إلى آخرين، وأذكر أمثلة لهذه الممارسة النقدية، وهم عبد الفتاح إبراهيم (تونس) في كتابه «البنية والدلالة في مجموعة حيدر حيدر القصصية الوعول» (1986)، وفريد الزاهي (المغرب) في كتابه «الحكاية والمتخيل: دراسات في السرد الروائي والقصصي» (1991)، ومحمد عزام (سورية) في كتابه «النقد والدلالة: نحو تحليل سيميائي للأدب» (1996).
وضع عبد الفتاح إبراهيم كتابه أطروحة جامعية عام 1981، وطبعها دون تحوير، ولكنها ما تزال ساخنة وراهنة في تطبيق البنيوية الدلالية على مجموعة قصصية واحدة. وتشير الأطروحة إلى جرأته ونفاذ بصيرته ومقدرته على تعريب المنهج وتداوله، فصاغ أطروحته على قسمين: الحكاية باعتبارها خرافة، والحكاية باعتبارها خطاباً، وهذا هو منطلق البنيوية وعلم السرد في الوقت نفسه، واعتنى بالرمزية والشاعرية في المجموعة، ليوضح العالم القصصي وقيمته بعد ذلك.
شرح إبراهيم المصطلحات البنيوية والسردية، مثلما فعل آخرون، وإن خالطتها نبرة ألسنية في بعض المواقع كما في قوله:
«إن حيدر حيدر لم يستغل هذه العلاقة الممكنة بين الراوي والمروى له، وما تتيحه من تعديد مستويات الرواية، فجاءت الرواية مباشرة من راو ـ كاتب (حتى وإن وردت على لسان المتكلم الفرد) إلى مروي ـ له قارئ، وفي هذا توكيد لما ذكرنا من قلة اهتمام القصاص بعملية التلفظ بالقياس إلى اهتمامه بالملفوظ»( ).
وتبرهن كتابة فريد الزاهي النقدية إلى الاستغراق في المناهج الحديثة، ولا سيما البنيوية الدلالية، وإلى التمثل المتعدد المستويات لقراءة المتخيل: «لكل نص تخييله الخاص، به يقوم، وعلى صوغه ينهض في تميزه وقراءته. لكن نصوصاً معينة (ومن سجلات سيميائية مختلفة) تختار ـ بوعي أو بدون أن تتواطأ فيما بينها كي تبنى معالم حكاية لها نمطها الخاص: حكاية تكتب نفسها كتخييل لا كواقع أو وهم واقعي، متمفصلة حول حركاتها مفكرة لذاتها، ومعلنة نفسها ككتابة للحكاية، وكحكاية للكتابة. تتجسد الحكاية إذن ولا تضيع في موضوعها وفضاءاتها. تستعلن وهي تمارس وجودها، تمظهر الدال نفسها في المدلول، وتنفي أي تعال ماهوي للفكرة والحدث والمغزى. وهي بذلك لا تغمط حق الحدث أو المدلول، إنما تجعل منه أيضاً فرصة دائمة للصياغة ـ الكتابة»( ).
أراد الزاهي لكتابته أن تنعش ذاكرة النقد بمداراة عسر الهضم، عسر القراءة الناتج عن ذلك وتجاوز التضخم النظري عبر السيولة النقدية ذات الرصيد القرائي الملموس والحركي. ولعله بادر إلى تحقيق سعيه، وقد التفت عن الشروح النظرية منغمراً بأعراف التحليل البنيوي الدلالي.
غير أن كتاب محمد عزام يوضح مدى حضور البنيوية الدلالية في تطلع النقاد العرب إلى استيعاء هذا المنهج النقدي الثر. إنه مواكبة دؤوبة من مؤلفه للاتجاهات النقدية الجديدة، فقد جاء كتابه عن النقد والدلالة إثر كتب كثيرة عن مناهج أخرى مثل «الأسلوبية منهجاً نقدياً» و«التحليل الألسني للأدب»، وألمحنا إليهما من قبل.
عدّ عزام السيمياء «أحدث منهج نقدي انتشر بعد انحسار البنيوية، فقد بات التعريف به ضرورياً، ليس في أصوله الفكرية ونظريته النقدية فحسب، بل وفي تطبيقاته العملية أيضاً»( ). إن ثمة مبالغة في تقدير المؤلف حول انحسار البنيوية أو مدى نقاوة هذه المناهج الحديثة ذاتها، كما تظهر في هذا الكتاب، على وجه الخصوص، حيث التداخل الواضح بين البنيوية والسيميائية.
ويلاحظ أن مزج البنيوية بالعلامية أو السيمائية غالب على أقلام النقاد والباحثين العرب، الذين عمدوا إلى تثمير طاقات التأويل في النص الأدبي، ومن ثم في التخييل السردي. وبدأ مثل ذلك سعيد علوش (المغرب) في محاولته التنظيرية في كتابه «هرمنوتيك النثر الأدبي» (1985)، مستعيناً بالمناهج النقدية الحديثة، فافتتح كتابه بكلمة مفتاحية لفوكو:
«لا يوجد موضوع من موضوعات التأويل، إلا وقد أول من قبل، بحيث تقوم علاقة التأويل على عنف، بقدر ما هي علاقة توضيح وكشف. ومن هنا لا يكتفي التأويل، بالكشف عن خفايا مادة التأويل، التي تمنح نفسها بشكل سلبي وانفعالي، بل يستحوذ التأويل بعنف على تأويل آخر، سابق عنه، فيقبله لكي ينزل عليه ضربات عنيفة»( ).
تقصى علوش المكونات الهرمنوتيكية للنثر الأدبي في الكلمات والأشياء، والحقيقي المنهجي، والظاهراتي والأبستمولوجي، والدائرة الهرمنوتيكية، وثنائية السخرية، وجدلية اللعب والرمز، والألفة والغرابة، والتأويل والتفسير، والمستنسخات الهرمنوتيكية. وقد غلب على هذا التقصي نبرة توليف «تنظيري» لمنهجية تأويلية، مستخدماً ما توصل إليه السيميائية واللسانية والظاهراتية للكشف عن دلالات النص المسكوت عنها من أسطرة وسواها قبل الواقعي، العياني، المشخص. على أن جهد علوش منقول يفتقر للتوثيق، والبرهنة، لأنه لا يمضي بتنظيره إلى التطبيق على النصوص، ولأنه لا يوثق مراجعه، إذ لا يكفي أن تضع قائمة بمراجع الموضوع في نهاية الكتاب، وكأن ما ورد داخل المتن تأليف كله!.
وخصصت مجلة البلاغة المقارنة «ألف» (القاهرة ثم الدار البيضاء) أحد أعدادها «للهرمنوطيقا والتأويل»، بوصفها «الفرع المعرفي الذي يتناول التفسير والتأويل، قديمه وحديثه في آن واحد، ففي الماضي كانت تدور حول النصوص المقدسة، أما الآن فأصبحت تعنى بنوعيات مختلفة من النصوص. ويتمثل إحياء هذا الفرع المعرفي في انتشار نطاق فاعليته من نصوص مقدسة بعينها إلى أنواع كثيرة من الخطاب العلماني»( ).
وذكر محرر العدد المذكور أن تاريخ الهيرمينوطيقا في مجال الثقافة العربية، ما يزال في دائرة الدور الاجتماعي، ونادراً ما اهتمت بتحليل تعقيد عملية الفهم وأبعادها. وإذا كانت الهيرمينوطيقا قد أسهمت في الغرب في دحض الأسطورة، فربما يصلح القول، برأي المحرر، بأنها عملت في العالم العربي على قهر الاستعمار في الفكر. وينبغي أن يفهم الاستعمار في إطاره الأعمق والأعم، ولا يختلف تشخيص وضعية الدراسات الهيرمينوطيقية عن المواد التي حواها العدد، فليس ثمة بحوث نقدية أو تعنى بالنقد الأدبي، نظرياً أو تطبيقياً، وإنما هناك دراسات حول الهيرمينوطيقا في النص الديني والثقافي، مثل قراءة النص بعامة، والتفسير القرآني: توالد النصوص وإشباع الدلالة، والتأويل في كتاب سيبويه، وتصور الحب والنور عند زوار السيدة زينب بالقاهرة، وبول ريكور وإشكالية ثنائية المعنى.
إننا لا نقع على جهود نقدية معتبرة في استعمال المنهج التأويلي، نظرياً أو تطبيقياً، لأن الميل أوضح باتجاه تطعيم البنيوية بالعلاماتية أو السيميائية أو الدلالية بتعبير عشرات النقاد والباحثين، وقد اخترت مثالاً لهم محمد الحسن ولد محمد المصطفى (موريتانيا) في كتابه «الرواية العربية الموريتانية: مقاربة للبنية والدلالة» (1995)( ). وقد عمدت إلى هذا الاختيار لأسباب ثلاثة أوجزها فيما يلي:
يتعلق السبب الأول بحال الأدب العربي في موريتانيا الضارب في التقليدية (الاتباعية)، والمتجذر في تقاليد الأدب العربي، ولاسيما الشعر، فقد ساد الشعر الاتباعي، ومعه الشعر الحساني (الشعبي)، ميادين الأدب الموريتاني حتى منتصف القرن العشرين، أو بعده بقليل. أما الأجناس الأدبية الأخرى، مثل المسرح والقصة القصيرة والرواية فجرى الالتفات إليها خلال العقود الثلاثة.( )
ويتصل السبب الثاني بقلة الروايات الموريتانية المكتوبة، سواء بالعربية أو بالفرنسية، أو لنقل، ندرتها، فهناك رواية واحدة بالفرنسية لموسى ولد ابنو «الحب المستحيل» (باريس 1990)، وثمة خمس روايات بالعربية، هي «الأسماء المتغيرة» للشاعر أحمد ولد عبدالقادر (بيروت 1981)، و«القبر المجهول أو الأصول» للشاعر نفسه (الدار البيضاء 1986)، و«أحمد الوادي» لماء العينين ابن الشبيه (أبو ظبي 1987)، و«القنبلة» لأحمد سالم بن محمد مختار (نواكشوط 1993)، و«مدينة الرياح» لموسى ولد ابنو (بيروت 1996)( ).
ولعل السبب الثالث هو باعث المفاجأة أكثر من السببين السابقين، إذ إن الناقد الموريتاني محمد الحسن ولد محمد المصطفى كتب نقده للرواية الموريتانية وفق منهج حديث، هو مزيج من البنيوية والسيميائية (العلامية)، مما يؤكد وحدة الأدب العربي، وعمليات نقده، بتنوعه من قطر عربي لآخر، من بيئة ثقافية عربية لأخرى، ولافرق في هذا المجال بين عاصمة ثقافية كالقاهرة أو تونس أو بيروت، وبين مدينة عربية على الأطراف كنواكشوط، أو صنعاء (وثمة نماذج متطورة للاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية في هذه الأقطار العربية.. الخ).
ولعلنا ننظر في هذا الشغل النقدي للناقد الموريتاني في نقد الرواية الموريتانية، (ولربما كان بالأصل أطروحة جامعية!) لالتزام مؤلفه بحاجات البحث العلمي ومقتضيات المنهج الذي يقاربه.
ينطلق ولد محمد المصطفى من الاقرار بأن الأدب العربي الموريتاني جزء لايتجزأ من نهر الأدب العربي الكبير، سائر في ركبه عموماً، يتقاطع معه في الهموم، ويسير معه في التجديد الفني حيثما سار دون أن يفقد أصالته الخاصة، كأي أدب عربي في أي قطر يتسم بسمات تخصصه بقدر ما تحضر فيه معالم عامة تؤكد انضواءه في سياق الهوية العامة( ). ويلاحظ، فيما يلاحظ، أن اقبال الموريتانيين متأخرين على كتابة الرواية لاينفي التطور المنسجم لحركة التأليف العربي، فقد بدأت الرواية الموريتانية أكثر نضجاً، أو مستفيدة من النضج الذي وصلت إليه في بعض الأقطار العربية الأخرى، وقد ظهرت أول رواية عام 1981، وخلال قرابة عقدين من الزمن طبعت خمس روايات فقط، وشهد هذا المآل ظاهرة مشتركة بين أقطار المغرب العربي، هي تحول كاتب روائي فرانكفوني من الكتابة بالفرنسية إلى الكتابة بالعربية، هو موسى ولد ابنو، الوحيد الذي أصدر روايتين بالفرنسية، ثم بادر، أسوة برشيد بو جدرة، إلى الكتابة بالعربية.
وذكر ولد محمد المصطفى في مقدمته أن ثمة نقداً روائياً لهذه التجارب الروائية اقتصر على بعض المقالات العلمية والصحفية، مثل رسالة محمد ولد عبد الحي الجامعية لنيل شهادة البحث المعمق من الجامعة التونسية، وفيه تناول نقدي لمظاهر التجديد في الأدب الموريتاني الحديث (القصة، الرواية، الشعر، المقال النقدي)، وخلا تلك الرسالة مقالات صحفية في جريدة «الشعب» اليومية التي ظلت المنشور الأساسي الوحيد حوالي عشرين عاماً، أي أن نقد الرواية ضعيف، لذلك قال ولد محمد المصطفى متأسياً: «باستثناء ذلك فإنه لم يصل إلى علمنا شيء آخر كتب عن الرواية الموريتانية مما يعتد به من الناحية العلمية»( ). غير أن هذا الحكم ينطبق على مانشر داخل موريتانيا، لأن ثمة مقالات ومراجعات كثيرة كتبت عن الرواية الموريتانية في الدوريات العربية، ولاسيما رواية «الأسماء المتغيرة». وبهذا المعنى أيضاً، فإن هذا العمل النقدي لولد محمد المصطفى هو الأول والأكمل عن الرواية الموريتانية.
اعتمد ولد محمد المصطفى في نقده على المنهج البنيوي في تحليل الخطاب الروائي: وصف السرد وتحليله، والزمن، والأحداث، والمكان، والشخصيات صفاتها وأنماطها، والقضايا التي شكلت المرتكز الأساس لهذه الروايات، مع عناية أقل بالمنهج العلاماتي (السيميائي). وهو تطبيق خجول إلى حدّ ما، لأنه يختلط غالباً في بعض المواقع بالمنهج التقليدي الشارح والمفسر للروايات. وقد وزع ولد محمد المصطفى كتابه إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، بالإضافة إلى ثبت المصادر والمراجع، هي:
حول المهاد النظري للرواية الموريتانية.
البناء الفني في الرواية الموريتانية (الحبكة والسرد، الزمن، المكان، الشخصيات، الحوار).
البعد الدلالي في الرواية الموريتانية.
أوجز ولد محمد المصطفى، وحسناً فعل ذلك، القول في المهاد النظري والتاريخي للرواية العربية الموريتانية، مشيراً إلى المجتمع الموريتاني، والعرب الحسانيين، والزوايا، والغارمين (فئة مستضعفة)، والخراطين (العبيد المحررون والمغنون والصناع)، لينطلق بعدئذ، إلى مفهوم الرواية الموريتانية وسماتها العامة، من خلال إلماحات تاريخية إلى إطارها العربي ونشأتها الفنية في مصر، وتلا ذلك إلماحات إلى الرواية في موريتانيا، ولاحظ أن روايتي أحمد ولد عبد القادر تندرجان في مفهوم الرواية التاريخية، بينما رد الرواية الثالثة «أحمد الوادي» إلى تيار الواقعية الرمزية، والرواية الرابعة «القنبلة» إلى تيار الرواية الأيديولوجية، وهي الروايات الأربع التي عالجها.
وجه ولد محمد المصطفى عنايته للبناء الفني في الرواية الموريتانية، وتطرق أحياناً إلى مصطلحات الخطاب الروائي، ومازج ذلك كّله بشيء من الشرح أو التفسير مما يلازم النقد الروائي التقليدي. إن المستوى الغالب على نقده هو النقد الشارح وصولاً إلى تبين البناء الروائي أو الفني، فقد احتل، على سبيل المثال، تعريفه برواية «الأسماء المتغيرة»( )، ثم انتقل إلى معالجة السرد الروائي على استحياء: الراوي بضمير المتكلم، الراوي بضمير الغائب، الراوي الموضوعي. والتفت إلى جوانب فنية اخرى في مواقع أخرى، مثل مصطلحات السرد الاسترجاعي أثناء الحديث عن الحبكة، وسرعة القصّ والتلخيص والوقفة والمشهد والثغرة لدى الحديث عن الزمن الروائي، أي أن ناقدنا يقبل على المنهج البنيوي حذراً، ثم يمعن في النقد التقليدي الشارح.
ويتجه نقد ولدمحمد المصطفى للقضايا الدلالية على أنها موضوعات غالباً، مثل الحرية والعبودية والمقاومة والبعد الأخلاقي وصورة الغرب، أما المنهج العلامي فيجري الألماح إليه في العنوان وحده، بينما غاص نقده في الشرح المضموني، بعد ان صار البناء الفني إلى شرح أسلوبي تقليدي، كما هو الحال في هذا المثال عن رواية أحمد الوادي:( )
وهكذا نستطيع أن نورد الملاحظات النقدية على نقد ولد محمد المصطفى:
انطبع نقده للرواية العربية الموريتانية بطوابع النقد التقليدي الشارح على الرغم من إعلانه السعي لمقاربة بنيوية ودلالية، وعلى الرغم من اعتماده أحياناً على مراجع بنيوية، أو تعني بالسرديات من منظورات هذا المنهج الحداثي مثل كتاب يمنى العيد «تقنيات السرد في ضوء المنهج البنيوي»، وكتاب ميخائيل باختين «الخطاب الروائي»، وكتاب سيزا قاسم «بناء الرواية»، وكتاب حميد لحمداني «بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي»، وكتاب سعيد يقطين «تحليل الخطاب الروائي»، وسوى ذلك.
ثمة ميل لايخفى هو العناية بالموضوع على حساب معالجة البنية، وبرز ذلك جلياً في سياق نقده للبناء الفني بعناصره المختلفة، فيتحول الحديث مثلاً عن الترتيب الزمني للسرد إلى شرح للوقائع، أو أنه يمهد نظرياً للعنصر الفني ثم، ما يلبث في التطبيق، أن يصير الحديث عن هذا العنصر الفني استغراقاً في الشرح. إنه يورد فقرة سريعة عن مفهوم الشخصيات وأنواعها لاتتعدى الصفحة الواحدة( )، ثم يغلب الشرح الموضوعي عن تطور الشخصية خلل ومضات قليلة عن المنظور الفني.
ولعل التوقف عند استعماله لأنواع الرواة الثلاثة مما يوضح طريقته النقدية: الراوي بضمير المتكلم، الراوي بضمير الغائب، الراوي الموضوعي( ). يوضح هذه المفاهيم البنيوية السردية على عجل في أقل من صفحتين، ثم لايوافي في نقده على الدوام هذه المصطلحات الحديثة لصالح الاسترسال في أدوات النقد التقليدي الشارح.
لايفارق ولد محمد المصطفى هاجس نقد الموضوع على امتداد بحثه، فقد مرّ سريعاً في الخاتمة على الرأي في العناصر الفنية لتظهر، جلية خلل ذلك كله، هواجس الموضوع، كما في هذه الخلاصة:
«والحق، إن الروايات الأربع تجمعها منظومة فكرية واحدة تتلخص في الهوية، سواء هوية الفرد داخل مجتمعه ووطنه، أو هوية الأمة في سياقها الحضاري العام إزاء الغرب»( ).
يحتاج البحث للتدقيق المرجعي والإشاري، فقد ذكر، على سبيل المثال، رأياً مفاده أن هذا التناقض يبرز عمق الاشكالية التي تمزق المثقف عندما يروم التغيير. إنه بطل مأزوم كأبطال لوكاتش»(ص157). ولم يكتب لوكاتش روايات أو قصصاً، فهو منظر أدبي معروف.
يفتح نقد محمد الحسن ولد محمد المصطفى نافذة على الرواية العربية الموريتانية تعريفاً يهتم بمحتواها المضموني والقيمي، ويستعين على ذلك بأدوات المناهج الحديثة حيناً، غير أن اختياره للبنيوية ممتزجة بالعلامية واضح، على غرار عشرات النقاد والباحثين العرب.

2-4- التفكيكية:
برز الميل التفكيكي مع اشتداد عود البنيوية من جهة، ومع تميز المنهج المعرفي الذي يوظف مفهوم العلامة، ومفهوم الحفر المعرفي من جهة أخرى. وإذ كنا لمسنا شيئاً من ذلك في نقد بشير القمري، فإننا مثل ذلك أكثر وضوحاً في نقد سعيد السريحي، وآخرين لا مجال لذكرهم. ولكننا نقتصر على ذكر السريحي، لأنه الأكثر تعبيراً عن هذا الميل.
وضع سعيد السريحي عدة كتب في نقد الشعر والسرد، ولكننا نتوقف عند كتابين هما «تقليب الحطب على النار: في لغة السرد» (1994) و«حجاب العادة: اركيولوجيا الكرم، من التجربة إلى الخطاب» (1996).
اختار السريحي لكتابه الثاني نصاً شعرياً، صار في منهجه التفكيكي إلى نص سردي حين «تصبح أنظمة اللغة هي مناط المعنى ومرجعيته، وهي أنظمة شاركت في صياغتها ذوات لا نهاية لها بحيث تغدو التجلي لثقافة أمة بأسرها»( ).
ويتوضح مسعى السريحي بقوله: «من هنا فإن المعنى يكون متسامياً عن قصد مؤلف النص كما لا يمكن أن ينسب إلى فعل القراءة ذلك أن القراءة نفسها استنطاق لأعراف اللغة، كما أن الكتابة استكناه لنفس الأعراف»( ). ولعلنا نمضي إلى دراسة كتابه الأول، لأنه الألصق ببحثنا.
يوهم عنوان الكتاب«تقليب الحطب على النار» (1994) بغير محتواه للوهلة الأولى، ولكن سرعان ما يتضح اللبس إذا قرأنا العنوان الثاني للكتاب، وهو «في لغة السرد»، فهو إذن كتاب في النقد الأدبي الجديد، أو هو يتوسل المناهج الجديدة في النقد الأدبي حين يتصدى لقضية نقدية تتصل بلغة السرد. أما عنوان الكتاب الرئيس فهو تناص مع عبارة لناقد معروف من جماعة الشكلانيين الروس، واسمه شكلوفسكي، وقد رأى هذا الناقد الألمعي أن مقاربة النقد للغة في تعاملها مع مضمون لا يبعد أن يكون ضرباً من تقليب الأمر على وجوهه المختلفة، والاستغراق في استثمار إمكاناته، كما يقلب الحطب على النار، ومن هنا، كما يقول السريحي، «يتوارى المضمون خلف الآفاق المتجددة التي تنبثق من تشكلات النص فتمنحه مشروعية أن يكون، وتمنحنا عند اكتشافها مشروعية أن نزعم قراءة النص»( ). وأما الكتاب فهو يجمع أربعة أبحاث انشغلت بالسرد ولغته واشكالاته ومظاهر تجلياته، وألقيت من قبل في لقاءات ومؤتمرات ثقافية في الكويت والشارقة ومسقط والرباط.
حرص السريحي في أبحاثه على تأسيس وعي نقدي، وأضاف، «أزعم أن ثقافتنا العربية في حاجة ماسة إلى تأسيسه»( )؛ واعترف أنه لم يكن له فضل اختيار الموضوعات، فكان يحتال في اختيار زاوية الرؤيا ونهج التناول، وعلى عادة النقاد الذين يمنون النفس بإعادة القول فيها، ثم ما تلبث الأيام أن تثنيهم عن همّ بهمّ، وعن غاية بغاية. ولما حالت الظروف دون ذلك، استجاب لحسن ظن الأصدقاء به في أن يضم أشتات هذه الأبحاث، وأن يفي بنسبة الورقات إلى الجهات التي أوعزت بكتابتها؛ غير أنه يزعم أن هذه الأبحاث منسجمة البناء والرؤية النقدية والفكرية، ولذا يعد الشكر واجباً للجهات التي دعته لكتابتها لأنها حفزته لإنجاز هذه الأبحاث ـ الكتاب وهي «مجلس التعاون لدول الخليج» (1988) و«اتحاد كتاب الإمارات» (1989) و«المنتدى الأدبي» العماني في مسقط (1991)، و«الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب» لندوة «نجيب محفوظ والرواية العربية» بالرباط (1990).
تتناول الأبحاث الثلاثة الأولى تجارب قصصية خليجية هي: «تطور البناء الفني في القصة القصيرة: جدل الشفهي والمكتوب» و«القصة القصيرة في الإمارات: إشكالية اللغة» و«بدايات القصة القصيرة في عمان: الدور الاجتماعي والقصور الفني»، بينما اتجه البحث الرابع لدراسة «إشكالية الزمن في رواية حديث الصباح والمساء لنجيب محفوظ».
يستفيد السريحي من المنهج الشكلاني في النقد، ولعل أهم إنجازات الشكلانية كانت في السرد والأشكال السردية، ولكنه ليس شكلانياً، لأنه أقرب إلى المنهج الموضوعي، مستفيداً من منهجية التفكيك في الوقت نفسه. ولاشك، أننا نقرأ في أبحاث السريحي السردية نقداً يعد نموذجاً للمستوى العربي المتقدم في تناول السرديات. لا يرتهن السريحي لمرجعية منهج بعينه مثل الشكلانية أو التفكيكية أو النقد التاريخي، ليدغم أدواتهما وتقاناتهما في منهج موضوعي تقويمي، فهو يحتفي حيناً بتوصيف الأعمال المنقودة، أو يعنى بتمحيص الاشتغال السردي في هذه الأعمال حيناً آخر، وما يلبث في بعض الأحيان أن يتجه إلى إصدار أحكام القيمة الفنية والفكرية على ما ينقد؛ وهذا واضح في عنوانات أبحاثه وفي متونها، فقد وضع عنواناً لدراسة القصة القصيرة في عمان المنحيين التاليين: «الدور الاجتماعي والقصور الفني».
إن السريحي متمكن من فعاليته الإجرائية ولغته النقدية، ويدعم ذلك ذائقة نشطة في الاستجابة ومقدرة عالية في التحليل. ولعل نقده لرواية نجيب محفوظ أكمل نموذج لتطلع الناقد؛ لأن ناقدنا السريحي نفور من الشرح وإطنابه، والنقد النصي وتطويله، طلباً لفعالية نقدية تجعل القراءة النقدية سبيلاً للرؤية الفكرية، وإظهاراً لعمليات البناء السردي.
اختار السريحي إشكالية واحدة من إشكاليات البناء السردي لكاتب عظيم هو نجيب محفوظ، وفي إحدى رواياته المتأخرة الدالة على اشتغاله الخاص ببناء رواية فريدة في صوغها الفني. إنها مبنية على تقنية التواريخ الشخصية لعشرات الشخصيات على أنها تاريخ لمصر خلال قرنين من الزمن؛ ولعلها تعدّ اختزالاً أمثل لبناء الرواية عند نجيب محفوظ في اعتمادها الوثيق على تاريخ مصر على وجه الخصوص، وعلى فهم التاريخ اندغاماً للمصائر الفردية في المصير القومي العام على وجه العموم.
بدأ السريحي نقده بتحديد إطار نوع المعالجة الروائية التي عمد إليها نجيب محفوظ بإيجاز شديد الدلالة، دون إنشائية، دون استعراض معلومات، دون فذلكة علمية، وأكمل بإيجازه المعهود، وبلغته النقدية الصارمة، توصيف المعالجة الروائية مدخلاً لفهم إشكالية الزمن، فقد لمس فجوات «تتجاور فيها أحداث المنطقة وثورة عرابي واحتلال الإنجليز، أو تتقدم فيها وفاة الحفيد علي ميلاد جدّه أو أبيه»( )، ووجد أن الرواية بعد ذلك لا تمنحنا إمكانية لرسم خط مسار الزمن كما يتجلى فيها، وشكا من الإرهاق الذي يسببه ذلك الاضطراب الذي يبلغ حدّ المعاظلة في تركيب زمن الرواية وترتيبه، إن صحت استعارته لمصطلح المعاظلة من البلاغيين الذين استخدموه في وصف تركيب الجملة وترتيبها، مثلما أبدى إعجابه بإغراء ذلك التناسق الذي ينشأ عن الإشارات الصريحة للأزمنة والأجيال وتاريخ الأحداث. غير أن ذلك كله لم يمنعه من ترتيب منطقي تاريخي جديد للرواية، ليتوازى تاريخ المصائر الفردية مع التاريخ العام، أو ليتوازى التاريخ الفني مع التاريخ العام، مسلماً بسمو غايات هذا التاريخ الفني، وأمانة سرد أحداثه، ورصد تأثيراته ونتائجه، وروعة انحياز الراوي للثورة الوطنية ولمن انحازوا إلى صفها، ثم أبدى السريحي رأياً بأنه لا يخال « أن الراوي كان بحاجة إلى إرهاقنا بما ارهقنا به من تقنية في روايته لكي ينسج لنا هذه الشخصيات، وإن كانت من لحم ودم ووراثة واكتساب وتعلم ومصالح، بل لعل هذه الغايات والأهداف، وهذا الانحياز، وتلك المقدرة على نسج الشخصيات ما كانت لتنهض مبرراً لكتابة الرواية، فهي ذات الأهداف والغايات، وهو نفس الانحياز، وهى عين المقدرة على النسج التي تجلت جميعها فيما سلف من رواياته التي جاءت هذه الرواية على رأس سلسلة طويلة منها»( ).
وعلي، قبل أن أتابع عرض رأي السريحي في معالجة نجيب محفوظ لبناء روايته، أن اختلف معه حيناً، وأن اتفق معه حيناً آخر: الاتفاق في أن الرواية تحمل الأهداف والغايات ذاتها في غالبية أعماله، والاختلاف في أن الرواية تتفرد في بنائها الروائي عن بقية رواياته، فقد استطاع محفوظ أن يضع أمامنا تاريخاً فنياً حقاً يوازي التاريخ القومي العام، وأن يحمل هذا التاريخ الفني أكثر مما يحيط به عمل المؤرخ في ذكره للوقائع والأحداث، ولقد أفلح محفوظ في أن يحوّل الوقائع والأحداث من نسقها الواقعي إلى نسق سردي ينبض برؤية الفنان الرحيبة استناداً إلى تعليل هذه الوقائع والأحداث. غير أن السريحي حذر في الوقت نفسه من الاستغراق في محاولة محاكاة الواقع أو التاريخ، وهو محق في ذلك. مثلما هو واع لطبيعة بناء الرواية ونسق تنضيدها السردي، وهذا ما جعله يورد آراءه السديدة تمهيداً لتشريح بنية الرواية.( )
على هذا النحو من دقة المصطلح وسلامة المنهج يمضي السريحي في تحليله المعمق النافذ لإشكالية الزمن في رواية محفوظ، ولعل نظرة أخرى في دراسته «لإشكالية اللغة في القصة القصيرة في الإمارات العربية المتحدة» تؤيد بلاغة نقد السريحي للسرد. حدد السريحي مقاربته للقصة في الإمارات في الإحاطة بنشوء الظاهرة وتطورها واحتشاد الكتّاب القصاصين حول هذا الفن الذي شهد انتعاشه في أواخر السبعينات، ثم كسب عشرات الأصوات المتميزة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات؛ ولا سيما عبد الحميد أحمد ومحمد حسن الحربي اللذان وجدا عناية فائقة من السريحي. وفي هذا المجال، اختلف أيضاً مع ناقدنا في اقتصاره على جانب لغوي بحت، لأن ثمة أبعاداً ومنظورات أكثر تعبيراً عن استواء فن القصة القصيرة، وبلوغه إنجازاته الكثيرة. ألم يلاحظ السريحي ما يتوخاه، على سبيل المثال القاص عبد الحميد أحمد من حرص على تصوير الأشياء ورصد للعالم الخارجي. لا يؤمن عبد الحميد أحمد بالواقعية اللغوية، وإن أورد بعض التراكيب والألفاظ العامية أو الأجنبية، وهذا عائد لتسرب أحكام القيمة في نقد السريحي، ومما يحمد للسريحي أنه غير مولع بها، فالنقد يرتقي إلى ذرى بلاغيته وإبلاغيته كلما تجنب أحكام القيمة. وتشير دراسته الآنفة الذكر إلى صولاته وجولاته الملحوظة في تحليل الأعمال القصصية السردية على الرغم من اقتصارها على جانب الاستخدام اللغوي بما هو ألفاظ وتركيب، ربما بتأثير منهجية اللغوي العربي على سيرورة تشكل المنهج الموضوعي لديه. وهذا جلي في الحكم على لغة السرد بمنظور جماليات البيان والتبيين.
وتظهر نجاعة أسلوب السريحي النقدي في تخليله الممتع والمفيد لجدل الشفهي والمكتوب في القصة الخليجية، من خلال قصص قصاصين مهرة مثل إسماعيل فهد إسماعيل وليلى العثمان وسليمان الشطي (الكويت) وعبد الحميد أحمد (الإمارات) وأحمد السباعي وعبدالله باخشوين وعبده خال (السعودية) وأمين صالح (البحرين) على وجه الخصوص. وأعتقد أن دراسته تلك من الدراسات القليلة التي تقرّب القصة الخليجية من القاريء، وتبين، بلغة نقدية نقية، حركة تطور القصة القصيرة والبنية الشمولية التي تضبط إيقاعها، وتكشف عن علاقتها بوظائف العناصر التي يشتمل عليها بناء القصة.
سعيد مصلح السريحي، كما هو واضح، ناقد متمرس ومقتدر على دراسة السرد ولغته في منهج موضوعي يحيط بتلاوين بناء القصة والرواية، ويجعل من قراءاته النقدية متعة ذوقية عالية، ومثار استجلاء دواخل النصوص السردية المختلفة، ولا يخفى أن مثل هذا النقد الجديد هو الأقدر على تحقيق ذلك: وقد مثّله السريحي خير تمثيل كلما التفت عن أحكام القيمة من أجل مقاربات أكثر مواءمة واستطاعة للإشتغال النصي السردي، وكلما أمعن في تثمير معطيات المنهج التفكيكي لسيرورة نقد تقويمي؛ وهذا جلي في غالبية أبحاثه.
3- ملاحظات ختامية:
لعلي أوجز ملاحظاتي الختامية على الموقف من الاتجاهات الجديدة المتصلة بالبنيوية وما بعدها فيما يلي:
أولاً- تطور الاهتمام النقدي العربي بهذه الاهتمامات بوساطة الترجمة عن الفرنسية بالدرجة الأولى، ولأعلامها الفرنسيين بخاصة، وتأخر الاهتمام بالتجليات الألمانية والإيطالية والأمريكية، مثلما تركز الاهتمام على البنيوية في بواكيرها الأولى، أما الاتجاهات المتفرعة عنها أو المتطورة عن ممارستها كالشعرية والعلاماتية والتداولية اللغوية وسواها، فتداخلت مع البنيوية والنقد اللساني والأسلوبي إلى حد كبير.
ثانياً- اختلاط الترجمة إلى حدود مريعة في غالبية الكتب المترجمة، لأن مترجمي هذه الكتب لا يعنون بخصوصية هذه الاتجاهات وفضاءاتها المعرفية والمنهجية ومصطلحاتها ولغتها النقدية، خلا استثناءات قليلة، ناهيك عن فقر الترجمة بالتعريف التاريخي والفكري والنقدي والمنهجي، وثمة كتب ونصوص مترجمة مقتطعة عن سياقاتها، أما تعدد الترجمات لكتاب واحد أو نص واحد فمما يضاعف الخلل، ويراكم الأخطاء، وهذا هو الحال مع ترجمة نصوص بارت على سبيل المثال.
ثالثاً- ماتزال صورة الاتجاهات الجديدة المتصلة بالبنيوية وما بعدها متداخلة في وعي الناقد الأدبي العربي الحديث وفي ممارسته النقدية، فإننا نقع في واقع الحال على محاولات نقدية غير ناجزة تتمثل هذا الاتجاه أو ذاك، أو أن تطوره ضمن سيرورة النقد العربي الحديث. ثمة استثناءات قليلة لم يُكمّل أصحابها مشروعاتهم النقدية نحو اتجاهات شعرية السرد أو التفكيكية أو العلاماتية أو البنيوية التكوينية..إلخ.
رابعاً- لا ينكر المرء أن الغلبة في الممارسة النقدية العربية الحديثة للاتجاهات الجديدة وما يدور في فلكها، متأثرة كلياً أو جزئياً، أو هي تكييف للشغل النقدي مع معطيات الاتجاهات الجديدة على نحو قليل أو كثير، وعياً أو دخولاً في «هوجة» الجديد. ويكشف الموقف من نزعات ما بعد الحداثة ذلك الولع المستفحل بالاتجاهات الجديدة، بينما ما تزال هذه النزعات ملتبسة ومتداخلة، حتى إن الكثيرين ممن اشتغلوا على التعريف بها أو ترجمة بعض النصوص عنها، لم يقدموا تعريفاً واضحاً لها.


الفصل الخامس
الموروث السردي المتأثر بالاتجاهات الجديدة
ظهرت مؤثرات الاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية أولاً في إطار درس الموروث السردي ونقده، ثم انتشرت في النقد النظري، وفي النقد التطبيقي للنصوص القصصية والروائية. ولربما كان مرد ذلك إلى أن الاتجاهات الجديدة ذاتها استندت إلى فلاديمير بروب وذريته فيما بعد، ومن المعلوم، أن شغل بروب النقدي في كتابه الريادي الهام «مورفولوجية الحكاية الشعبية» (1929) قد عني، في منهجيته الجديدة لتشكل علم السرد، بالسرد الفولكلوري.
وأتناول في البحث الموروث السردي الشعبي (الفولكوري) أولاً، والموروث السردي الأدبي (المكتوب) ثانياً، وقد كان الدأب دائماً هو العرض النقدي التاريخي لأهم الكتابات النقدية المعبرة عن هذه الاتجاهات الجديدة في تسلسلها التاريخي، ثم أختم البحث بملاحظات ختامية.
لقد عمدت في معالجتي إلى العرض التاريخي النقدي لشغل النقاد المتأثرين بالاتجاهات حسب نوعي الموروث السردي: الشعبي والأدبي. وهذا ما يُفسر مناقشة جهد ناقد بعينه مثل عبدالملك مرتاض (الجزائر) وعبدالفتاح كيليطو (المغرب) في أكثر من موقع، لأنني لا أناقش إنجاز ناقد بالقدر الذي أمحص فيه قضية نقدية في مسارها التاريخي، ولا أناقش اتجاهاً جديداً محدداً، فالاتجاهات نفسها ليست خالصة أو نقية عند هذا الناقد أو ذاك، وثمة غلبة لمؤثرات أكثر من اتجاه في شغل الناقد العربي الجديد، ويلاحظ أنني أمعنت النظر النقدي المعمق في عرضي التاريخي وذكري للشواهد، تجنباً لإطلاق الأحكام، معتمداً على معالجة نقدية لا وصفية، حتى أنني وضعت أحياناً إشارات استفهام أو تعجب أو ما يماثل ذلك بين قوسين ضمن متن بعض الشواهد على سبيل الاستنكار أو الاستفهام، ملتفتاً عن ذكر الآراء صراحة أو مباشرة، لإيماني بأن الإلماح إليها أفضل وأليق.
1- نقد الموروث السردي الشعبي:
1-1- لعل طلائع النقد الجديد للقصة والرواية في الأدب العربي الحديث قد جاءت من نقد الموروث السردي الشعبي، وكانت أمشاج من هذا النقد الجديد متداخلة مع اتجاهات نقدية تقليدية قد ظهرت لأول مرة في كتاب نبيلة إبراهيم (مصر) «قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية» (1974)، قطعت نبيلة إبراهيم شوطاً كبيراً في انتقال البحث في التراث القصصي العربي من تقليد إلى تجديد، اعتماداً على كتاب بروب الشهير «مورفولوجيا الحكاية» (1929)، وعلى البنيوية إلى حد قليل. لا يدل عنوان كتابها على منهجه ومصطلحه، فهي عرّفت بالمناهج المعاصرة في تصنيف القصص الشعبي ما قبل المنهج البنائي أمثال آرني ـ تومسون وتلاحظ في عرضها لمنهجه قلقلة المصطلح بين الوحدات أو الموضوعات الصغرى أو ما يسمى الحوافز، وبين الفكرة وتداخلها بالموضوع.. الخ، أو المدرسة الجغرافية التاريخية، أو مدرسة الأنماط والموتيفات (الحوافز)، وهي لا تعرب مصطلحها دائماً( )، بالإضافة إلى أهمية التفريق اللازم بين مصطلحي النماذج الأساسية Types والنماذج الفرعية Sub Types( ).
تعرض نبيلة إبراهيم بشيء من التفصيل للمنهج البنائي، من مدرسة النقد الحديث، ولا توضح هذه المدرسة، مروراً ببروب ومود بودكين، صاحب النماذج الأصولية في الشعر، (والأفضل أن تعرب بالنماذج البدئية)، وروث بيندكت ونماذجها الحضارية، والأفضل أن تعرب ثقافية.. الخ، وتخصص الفصل الثاني من الباب الأول لبروب والتحليل الموروفولوجي.
لا تلتزم إبراهيم بالمنهج البنائي في تحليلها المورفولوجي للحكايات العربية الخرافية والشعبية بفعل التبسيط والاختزال والحرفية اعتناء بالمحتوى، لأن هدف الباحثة يتجه بالأساس إلى تعضيد عمليات وعي التراث السردي الشعبي، وهذا هو ختام بحثها: «ولعلنا استطعنا بعد هذه الجولة مع قصصنا الشعبي، أن نبرز سماته ووظيفته، سواء أكان هذا القصص خرافياً أو شعبياً. ولعلنا استطعنا أن نكشف عن اهتمامات الشعب العربي في حياته المعاصرة، بعد أن أصبح يعيش الحياة في وعي كامل، فاستغل كل قدراته الفنية في التعبير عن جوانبها المختلفة»( ).
1-2- ثم توالى ظهور أمشاج أخرى من النقد الجديد في كتاب أحمد ممو (تونس) «دراسات هيكلية في قصة «الصراع» (1984)، فقد أثار ممو مفهوم الأنواع الأدبية وصعوبة التجنيس الأدبي في مجالات القص والسرد، وميز القصة بالصراع، وارتأى تحديد مفهوم «قصة الصراع» المرتهن بتوافر مقومات أساسية، ولا سيما الشخصيات والحركة. وما الصراع إلا تسويغ لحركة من نوع خاص تستمد مسوغات تواصلها من منطقية العلاقة القابلية التي تربط الشخصيات في نطاق انتماء إلى طرفين متقابلين.
ومن خلال الحركية يبرز شكل خاص قد يكون قصة نضالية أو قصة بوليسية أو سيرة شعبية يمثل في كل ما يتحرك خلاله من شخصيات خاضعة لمنطق الصراع حسب مواقعها منه، ومبررات وجودها خلال ما يمكن أن يسمى هيكلاً، وبذلك الشكل يمكن أن يخرج الدارس من دوامة «الشكل» و«المضمون» لكي ينتهي إلى أن القصة في أساسها، ومهما كان شكلها أو مضمونها تعتمد على وحدات أساسية تتمثل في شخصياتها وزمنها وفضائها، كل ذلك مرتبط حسب نوعية العلاقة التي تنمو خلال الزمن لكي تبرر وقوع الحدث»( ).
ووجد ممو نماذج لذلك في قصة السيرة الشعبية وقصة الجوسسة، ونكتفي بتتبع دراسته لهياكل قصة البطولة من خلال الأدب الشعبي بالدرجة الأولى. لقد وضع ممو قصة البطولة في نطاق قصة الصراع مما دعاه لتبين شخصيات الصراع من خلال وظائفها الأساسية، وعلاقاتها العضوية وموضوع الصراع ودوافعه، ونوعية الصراع وخصائصه.
وأوضح أن شخصيات الصراع تنقسم إلى معسكرين متقابلين، فهناك شخصيات معسكر الخصم، وتتحدد وظائفها بمواجهة البطل، أو الإيقاع به، أو التحريض على الإيقاع به، أو على مواجهته، أو بالانتقام منه. وتحتوي وظيفة مواجهة البطل على أشكال من المواجهة الفردية لبشر مثله ينازعونه البطولة، أو لوحوش مفترسة، أو لمخلوق خيالي، مثلما ميز في وظيفة مواجهة البطل صنفين حسب أهميتهما، هما مواجهة فردية أساسية، حسب مراحلها: ما قبل الصراع وأثناء الصراع وما بعد الصراع، ومواجهة فردية ثانوية. أما المواجهة الجماعية فتكون للبطل بمفرده، ولعناصر معسكر البطل. وذكر ممو في مجال وظيفة الإيقاع بالبطل حركتين هما الخدعة والإغراء. وتابع تصنيف العلاقات بين الشخصيات في المعسكر المقابل للبطل، سواء أكانت علاقات تقارب مثل التعاون والنجدة والإغاثة والتكامل، أم علاقات تنافر، ثابتة أو متحولة. وعاين ممو شخصيات معسكر البطل ووظائفها كالمواجهة، أو المدد والعون قوة مادية، أو مدداً مصاحباً، أو مدداً مكملاً، أو مدداً طارئاً، أو قوة فكرية، سحرية أو غيبية، أو وظيفة التحريض والتسويغ. وتوقف عند العلاقات بين أفراد معسكر البطل كالاحتماء والإغاثة والتوجيه أثناء الصراع والتحمس والافتداء، والتكامل، والارتباط. ثم نظر ممو في موضوع الصراع ودوافعه، كالمرأة موضوعاً للصراع أو الأرض أو النفوذ، بينما تتركز نوعية الصراع وخصائصه على البطل في الأشكال التالية:
«- البطل قائد عسكري يوجه عمليات الصراع ويتدخل في المواقف الحاسمة التي لا يقدر غيره على تغييرها، وأحسن من يعكس هذه الصورة بطل السيرة الشعبية الذي يتمحور حوله الصراع الإيديولوجي، فعلي بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر يمثلان أحسن تمثيل هذا الجانب.
- البطل ملك أو ابن ملك يسعى لحفظ ملك الأجداد ويعمل للدفاع عنه، كما هو الأمر في سيرة سيف بن ذي يزن وحمزة العرب وقصة الملك عمر النعمان.
- البطل شخصية طموحة تسعى إلى تغيير معطيات وضعها، وتكون كل حركية البطل الصراعية موجهة إلى تغيير الأوضاع، وجعلها لفائدته، لكي يثبت الآخرون مزاياه الشخصية أو سوء التنظيم الاجتماعي الذي يقوم عليه المجتمع، وكان عنترة بن شداد أفضل مثال لذلك، وهو بذلك يثبت أن الوضعية الاجتماعية هي رهينة المجهود الشخصي مهما كان النظام الاجتماعي متعسفاً، ومهما كانت الظروف تخدم ضد مصلحة الشخص»( ). «واختتم ممو رأيه في إن الميزة الأساسية لقصة البطولة الشعبية التي تأتي في شكل سيرة شخصية لبطل كأنها تصنع من حياة البطل ملحمة تضم كامل مواقفه الصراعية التي هي في أساسها مواقف مستقلة، قد لا تكفي التبريرية التي ترد في القصة، لكي تثبت ارتباطها وتسلسلها، أو انفتاح بعضها لاحتواء الآخر»( ).
وتستغرق دراسة ممو لهياكل القصة النضالية، بما هي قصة مناهضة الاستعمار، من خلال مثال واحد هو قصة «بحيرة الزيتون» لأبي العيد دودو (الجزائر) في الأشكال التخطيطية الشارحة (كما في الصفحات 71 و 72 و81 و 91 و 158 و159) انطلاقاً من تصنيف بروب إياه، ثم يتسع تأثير النقد الجديد الذي طور فكرة بروب في الدراسة الثالثة والأخيرة «التحولات في أقاصيص بني هلال»، ومن مظاهر هذا الاستغراق وهذا التأثير المتنامي للنقد الجديد ما ورد في تعريف التحول أو تعويله على أهمية تحولات المصادر، أو تعدد الروايات، أو أنواع التعويضات، أو تبيان العلاقات في أقاصيص بني هلال، مثل علاقات الارتباط أو التكامل أو التقابل، أو الهيكلية القصصية في الحركة القصصية والحركة الجماعية، وشكل التفريق المركزي، والحركة الفردية..
يقودنا تعريف التحول إلى منهج بروب، وما أضيف إليه من تعديل مبسط، فالتحول عند ممو «هو كل تغيير يمكن أن يدخل على أوصاف أو أسماء الشخصيات في أثر أدبي ينقل عن طريق الرواية، وهو كذلك كل تغيير يدخل على إحدى الوظائف الأساسية أو الثانوية في موقف من مواقف تلك الشخصيات»( ). ومن الجلي، أن ممو لم يثقل دراسته بالإحالات إلى مرجعيات النقد الجديد، وهي تخلو من المراجع بالأساس، خلا هوامش لا توثق غالباً ما اعتمد عليه الباحث والناقد على أن بحثه يخلو، في الوقت نفسه، من الادعاء والمبالغة، فهو يعترف بما يعتري الدراسة «من قصور» في مقدمة كتابه.
كان بحث ممو من أوائل البحوث النقدية العربية التي عنيت بتطبيق منهج بروب على القصص والحكايات العربية الشعبية بالدرجة الأولى، وإن لم يشر إلى ذلك صراحة، مما يقلل من قيمته العلمية.
1-3- تغلغلت أمشاج من النقد الجديد الشكلاني والبنيوي في كتابة ياسين النصير (العراق) كما في كتابه «المساحة المختفية: قراءات في الحكاية الشعبية» (1995)، وهي كتابة تختلف إلى حد كبير عن النقد التقليدي السائد بتركيزه على دراسة البناء الفني للحكاية الشعبية، غير أن تطبيقه لأكثر من منهج، وإلحاحه على استخلاص السمات الاجتماعية للحكاية العربية «في ضوء المنهجية الاجتماعية التي تجعل من الحكاية عاكسة وحاملة لمراحل تطور المجتمعات» (ص10)، قد أفقد كتابته بعض الانسجام المنشود.
وتتسم كتابته بقلق التحليل وبالقلق في إصدار الآراء النقدية، فقد لاحظ، على سبيل المثال أن بروب هو الأكثر تأثيراً، ولا سيما استعمال الوظائف، ثم ما لبث أن عاد إلى مواقع الناقد التقليدي حين فصل بين الشكل والمضمون، ورأى أن الجانب الآخر من منهجية بروب لم يترجم عندنا كلياً، ليغني به المضمون، ومما يقلل من قيمة شغله النقدي هو اعترافه غير المسوغ أو المفيد أنه لا يحاول «تطبيق أياً من المناهج المتداولة»( ).
آثر النصير أن تكون الحكايات الشعبية العراقية مادة درسه من أجل سلامة التحليل واتساقه، ولكنه أطلق على هذه الحكايات حكماً خارجياً يجافي تحليله النصي السردي البنيوي كروح المبالغة وقلة الأحلام، وتعليله ذلك على عجل، دون بينة: «ومن الخصائص الأخرى للحكاية الشعبية العراقية أنها قليلة الأحلام، فالحلم يكاد يكون معدوماً إلا ما ندر، ويعود السبب في ذلك إلى شحوب المخيلة وإرساء الحكايات على شيء من الوقائع المباشرة، وربما يعود السبب إلى أن الحلم لم يدخل بيت الحكاية لعدم مشروعيته كأداة فنية في عرف القاص الشعبي الذي يؤمن أن الأحلام هي انتقال الروح إلى عوالم أخرى تاركة الجسد ميتاً»( ).
ثم يتابع النصير نقده المباشر دون أن يورد تعريفاً للحكايات المدروسة، مازجاً بين النقد التقليدي وأمشاج من النقد الجديد، كأن يجري تبسيطاً لممارسة غريماس في نقد السرد، فيشير إلى مستويين للقص، مستوى السطح ومستوى العمق، أو أن يستفيد من تشومسكي الذي يشير إلى أن الحكاية جملة واحدة تحتوي على بنية مسطحة (شكل) وبنية عميقة (محتوى)، أو أن يورد تطبيقاً لمنهجيته ثلاثة جداول، يحكي الجدول الأول عوامل الانهيار، ويحكي الجدول الثاني ظهور المنقذ والقوى المساعدة له، ويحكي الجدول الثالث إعادة بناء كيان المملكة المنهارة أو المجتمع المدمر، أو يعرض المناهج التي درست الحكاية، ثم لا يختار أحدها، ويحيل القارئ إلى بحث مهم للدكتور مرتاض، ولا نعرف شيئاً عنه، ويمتدح منهج بروب، ويدرس الحكاية الشعبية العراقية في ضوء المناهج النقدية الحديثة، ولكن كيف؟ وأي منهج؟
ويشرح النصير العلاقة بين الحكاية والنقد الأدبي ليقول إن المناهج النقدية الحديثة تعامل الحكاية معاملة أدبية، والسؤال هو: لماذا غير ذلك؟ على أنه يغفل عن ذكر المراجع والمصادر غالباً. ويعلن احتذاء البنيوية في دراسته عن أسطورة المدينة المتحجرة، وينص في الجداول على تفصيل بنائي للأسطورة. ويشرح لنا قراءة الجداول كما يلي:
القراءة الأولى تبدأ من اليمين إلى اليسار، عموداً بعد عمود، وبشكل عمودي. نقرأ العمود الأول، فالعمود الثاني، فالعمود الثالث. وتظهر هذه القراءة ثلاثة أفعال رئيسة شبه متجاورة تكون جسد الأسطورة. الفعل الأول ينتهي بمسخ الملك والجزائر. والفعل الثاني ينتهي بظهور المنقذ واستمرار الصراع، والفعل الثالث ينتهي بعودة المنقذ والملك إلى المملكة، وعودة الجزائر السود إلى مكانها.
القراءة الثانية، هي القراءة المركبة، المتداخلة. العمود الأول متداخلاً بالعمود الثاني، والثالث متداخلاً بالعمودين. وتظهر هذه القراءة ما تحت سطح الأسطورة أي العوامل المحركة. أثر اللون والشخصيات والطبيعة في الإسهام بتكوين رؤية شاملة للأسطورة. وتفيدنا هذه القراءة في تلمس الفعل الكوني الشامل الذي تسعى الأسطورة إلى تجسيده.
القراءة الثالثة: «هي القراءة التحليلية، وتقترب من القراءة الثانية، ونتعرف عليها بأنها تستخلص آراء وأفكار وممارسات وبنية المجتمع. وتظهر هذه القراءة العمق الأسطوري. وأي العوامل أكثر تأثيراً في صياغة الأسطورة، وأي العوامل أكثر قيمة في عودة الوضع المختل إلى توازنه السابق»( ).
ويضع النصير مخططاً لتدرج القراءات الثلاث، ولا أعتقد أنه يوضح شيئاً. ثم يعمد إلى تبسيط البنيوية بدراسة سطح الأسطورة وما تحت السطح وعمق الأسطورة والشخصيات الثانوية والرئيسة والمكان، ويضيف إلى ذلك دراسة الفكر الاجتماعي، البناء التحتي، النظام الاقتصادي، الفكر الاجتماعي، البناء الفوقي، السلطة والدين والجنس مما يخرج عن نطاق منهجيته، ويدخل البحث في نشاز لا يخفى. ويعلن النصير في دراسة أخرى منهجية أخرى تأخذ في حسبانها أمشاجاً بنيوية أيضاً، كما يتضح من الخطوات التالية:
توزيع الحكاية إلى:
أ-المفتتح.
ب-جسد الحكاية.
جـ- خاتمتها.
سطح الحكاية، وتعالج فيه الرحلتان، رحلتا الذهاب والإياب.
فنية الحكاية، أي بنيتها الداخلية.
موقع الحكاية في فن الحكاية العربية»( ).
ومما يلفت النظر أن النصير يهدف من دراسته للحكاية الشعبية العراقية في ضوء المناهج التقدمية (هكذا؟!) الحديثة أن يدلك «على عمق وأصالة موروثنا الشعبي»، ثم ينتقل في ختام تحليله البنيوي أو شرحه الخارجي ليؤكد «مبدأية فن القص العربي القديم، فالتكرار فيها توكيدي وليس سرداً خارجياً، بل هو يكتسب فاعليته من خلال النحت (؟!) المستمر في مخيلة السامع».( ).
1-4- ربما كانت دراسة عبد الحميد بورايو (الجزائر) «الحكايات الخرافية للمغرب العربي» (1992) الأولى في انسجام نقدها الجديد للموروث السردي الشعبي، مواءمة بين نهاجية الشكلانية والبنيوية والإناسية، انطلاقاً من بروب وشتراوس وتطويرها لدى كلود بريمون وا.ج. وغريماس وج.كورتيس وآخرين، وبيّن بورايو هذه النهاجية في ختام دراسته، وأنها تنطلق من البنيوية الإناسية عند شتراوس، ومن الأبحاث السردية الشكلية عند بروب، ومن الدراسات الدلالية عند جريماس، ومن الأبحاث الأثنو أدبية عند جوزيف كورتيس، ويعلل هذه النهاجية، بالنظر إلى «موقع الحكاية الخرافية ما بين الأسطورة والأدب، فهي ترتبط من ناحية بالفكر الميثولوجي، لأنها سليلة الأسطورة، ومن ناحية أخرى تمثل الوسيط الثقافي الذي سمح بانتقال المكونات الأسطورية من الخطاب العقائدي إلى الخطاب الثقافي ذي الوسائط الجمالية والطبيعة الفنية الهادف إلى الإمتاع، إلى جانب تمثيله الرمزي لمنطق الجماعة ورؤيتها للكون»( ).
اتبع بورايو خطوات موصوفة لدى بروب في دراسة النماذج القصصية، خلل تقطيع الحكاية إلى متواليات، وتقطيع المتوالية بدورها إلى وظائف، ودراسة الشخوص، بما يسمح بالاستخراج التدريجي للترتيب الذي تنبثق على أساسه الأدوار الغرضية والفاعلية، ويجسد نظام المتواليات والوظائف العلاقات المتبادلة ما بين القائمين بالفعل عن طريق خطاطة تساعد، من أول نظرة، على تسهيل فهم مجموع الحكاية: الأحداث والأطراف المشاركة فيها.
ويتضح من هذا العرض استعانة بورايو بالترسيمة الخطية البروبوية، بتعبيره نفسه، مع تطوير هذه الترسيمة: «لكننا تعاملنا معها بحرية. بحيث راعينا في توزيع وحداتها عدم الاكتفاء بمراعاة ما يتعلق بوجهة نظر البطل وحده مثلما فعل بروب، بل وضعنا في اعتبارنا وجهات النظر المتعلقة بالشخوص الأخرى المشاركة في الحدث»( ).
لقد تخفف بورايو من تبعات التصنيف البروبوي، ومن نسجوا على منواله تعديلاً، وأعطى لنفسه الحق بمثل هذا التعديل، دون الوقوع في وهدة التبسيط. كما في حديثه عن تصنيف الوظائف أو نظام الشخوص أو دلالة الحكايات أو التحليل المقارن، اعتماداً على «فرضية مفادها أنه لا يمكن أن يعطي أي خطاب معزول معناه الكلي، وبالتالي، تصبح المواجهة المنهجية بين الخطابات المتوفرة هي وحدها القادرة على مدنا بجميع الدلالات التي تحملها كل حكاية»( ).
واختار بواريو خمس حكايات خرافية بالعربية الدارجة/ العامية الجزائرية، وبالأمازيغية، وهي:
المثال الأول «حكاية ولد المتروكة» المرأة التي تلد الرجال الشجعان (بالعربية الدارجة).
المثال الثاني «حكاية نصيف عبيد» (نصف إنسان): الطائر العجيب والمرأة قناصة الرجال (بالعربية الدارجة).
المثال الثالث «حكاية لونجه»: القبر المحتوي على مواد غذائية، وكيس الزاد المحتوي على اللحم البشري (بالعربية الدارجة).
المثال الرابع «حكاية محذوق ومحروش مع الغولة»: العلامات التي تحدد المصائر (بالأمازيغية).
المثال الخامس «حكاية اعمر الأتان»: البطل حامل الحضارة (بالأمازيغية).
وقد كان بورايو أميناً لمنهجه المعدل، ولعل نظرة في تعامله مع وظائف المتوالية الثانية في المثال الأول مما يؤيد هذه الأمانة، إذ تألفت المتوالية من الوظائف التالية، واكتفي بذكر عنوان الوظيفة:
أ- الموقف الافتتاحي.
ب- تكليف بمهمة.
جـ- قرار البطل.
جَ- إقناع.
ج- الاختبار التأهيلي.
د- هبة.
هـ- الاختبار الرئيسي.
و- علامة.
ز- خدعة.
ح- تهديد.
ط- إنقاذ.
ى- الوصول خفية.
يَ- ادعاء.
سَ- اكتشاف البطل المزيف.
س- اكتشاف البطل الحقيقي.
ع- اعتراف.
ف- الوضعية الختامية: زواج.
ويتخفف بورايو أيضاً من الرسوم والجداول إلى حد كبير، إلا القليل الذي يغني الدراسة التحليلية في بحثها عن «معنى المعنى» لمجموعة من الحكايات، كما ينص العنوان الثاني للكتاب. ويفضي تأمل معنى الحكاية في التحليل إلى هذا المعنى: «الزوجة المتروكة تنجب ولداً شجاعاً»، فيقتصد في تحليله، نفوراً من الاستطراد والحشو. ثم يربط بورايو خطواته بخيط معنى المعنى في المآل الأخير، استخلاصاً له من الدراسة التحليلية، لا من خلال الإضفاء أو الحكم الخارجي.
لقد أفلح قليلاً بورايو في تجنب التطبيق الميكانيكي والارتباط الحرفي بالطرق والمناهج الغربية، فلم يسرف في تحليل عناصر الحكايات سردياً وبنيوياً وإناسياً، وإن كان المطلوب هو عدم الاستغراق في الشكلانية أولاً، وتوسيع التحليل المقارن ثانياً، والاستفادة من بلاغة النص في سيرورته التقليدية ثالثاً، وفي إطار التمني المطلوب، نجد أن بورايو افتتح كتابه بكلمة ـ مفتاح لعبد القاهر الجرجاني من «دلائل الإعجاز»تدعو إلى تثمير البعد الاستعاري للنص.
1-5- مثل شغل عبد الملك مرتاض (الجزائر) في التسعينيات استواء تكون الاتجاهات الجديدة للنقد القصصي والروائي من منظور نقدي لهذه الاتجاهات، وإن تحركت في أمدائها الفسيحة، انتقاء حيناً، أو تكويناً جديداً مختلفاً حيناً آخر. ويسترعي الانتباه أن مرتاض ينقد تجربته، ويختلف عنها في مراحل سابقة، وكنا أشرنا لبعض إنتاجه من قبل، وهو، في نقده تجربته، ينقد الموقف النقدي العربي من قضية الوعي بالموروث السردي نفسه، على أنها تصب في أبحاث النقد العربي بهويته القومية.
يفتتح مرتاض كتابه «ألف ليلة وليلة: تحليل سيميائي تفكيكي لحكاية حمال بغداد» (1993) بالجزم بأن ألف ليلة وليلة إبداع عربي، وبتخطئة رأي جمال الدين بن الشيخ بقوله: «إلا أن الحضارة لا تهدى، وأن الإبداع لا يجوز أن يسرق، وأن الفكر لا ينبغي أن يغصب، وإذن فمن العسير التصديق بأن ألف ليلة وليلة كانت نتاجاً إنسانياً اشتركت فيه كل الأمم القديمة، وتضافرت على إبداعه مجتمعة، فهي ثمرة من ثمرات التعاون الإنساني الذي لا نستطيع الظفر به اليوم، كما يزعم ذلك ابن الشيخ في الموسوعة العالمية. والحق أننا لم نر أخطل من هذا الرأي، ولا أخرف من هذا القول، ولا أفسد من هذا المذهب، فيما قرأنا حول هذا الأثر»( ).
ثم يوضح مرتاض دراسته للسرد من سبعة مستويات: السرد، الحدث، الشخصيات، الحيز، الزمن، خصائص بناء الخطاب، (محاولة تقصي التقنيات الألسنية التي اصطنعها السارد في نسج خطاب حكايته، وهو غير البناء الفني العام)، المعجم الفني الذي يطبع خطابه في السرد. واستتبع مرتاض ذلك بنقده الصارخ للمناهج النقدية الأخرى:
«فكم رسفنا في أغلال الماركسية النفسانية والتينية (نسبة إلى نظرية تين الثلاثية) ثم لم نخرج بشيء يذكر من الغناء. أيها الإيديولوجيون والنفسانيون والاجتماعيون دعوا الأدب للأدباء، وخوضوا في عملكم الذي تعرفون! فلا يفهم الأدب إلا أديب»( ). وأكمل مرتاض هجمته النقدية على المنهج التكاملي، وانتقد أفخاخ البنيويين الرافضين للإنسان للإنسان والتاريخ والحقيقة والمجتمع إلا حقيقة اللغة الفنية من حيث هي سطح قبل كل شيء، فهذه المناهج، برأيه «كالسموم التي تتسرب في أجسامنا من فعل اللذع أو أمر العدوى المرضية» ولم يسلم التراثيون من سهام نقده، ممن يعتقدون أنهم بالرجوع إلى المناهج التراثية العتيقة قادرون على مواجهة ذوق العصر، ومعايشة أهله، ولذلك كان منهج مرتاض انتقائياً، وهو «أن نفيد من النظريات الغربية القائم كثير منها على العلم، كما نفيد من بعض التراثيات، ونهضم هذه وتلك، ثم نحاول عجن هذه مع تلك عجناً مكيناً، ثم من بعد ذلك نحاول أن نتبادل النص برؤية مستقلة مستقبلية»( ).
مضى مرتاض إلى هذه «العجينة النقدية المكينة» يحلل حكاية حمال بغداد في إطار المستويات السبعة الذي ذكرها، واحتل كل مستوى فصلاً، ثم أردف ذلك بفهارس ونصوص: فهرس الوصف، فهرس الإيقاع، فهرس التشبيه، فهرس التضاد، وتلاها فهرس كبير للمعاجم الفنية للحكاية، وهي:
المعجم الفني المتعلق بالسحر والمسخ والعفاريت.
المعجم الفني المتعلق بالبحر وملازماته.
المعجم الفني المتعلق بالأعداد الفولكلورية (ثلاثة ـ سبعة ـ عشرة).
المعجم الفني المتعلق بالبطش والقسوة والعقاب.
المعجم الفني المتعلق بالعري والجنس.
المعجم الفني المتعلق بمشاهد العويل والحزن والرحمة والإشفاق.
المعجم الفني المتعلق بالمنادمة والشراب والطرب والأنس.
المعجم الفني المتعلق بالعجب.
حلل مرتاض المستوى الأول: الحدث في حكاية حمال بغداد، وهو مقطع مطلع الحكاية الذي يقع في سطرين، في صفحات كثيرة (الصفحات 15 - 48)، انطلاقاً من بروب الذي أشار إليه في الصفحة (23) على عجل. وقد شمل تحليله للحدث الجوانب التالية: الحدث المحظور، الحدث المسحور، الحدث المكذوب، اتسام الحدث بالغموض والضعف، اتسام الحدث بالبتر، اتسام الحدث بالمفاجأة، اتسام الحدث بالعنف، الحدث المجهض، اتسام الحدث باللين والميوعة. ويغلب على تحليله الشرح دون الالتزام بلوازم المنهج السيميائي العلاماتي أو المنهج التفكيكي، فلم يستعمل التأويل إلى حدّه الأقصى للكشف عن المعاني القصدية للنصوص بالدرجة الأولى مما يميز السيميائية إيغالاً في الشروح اللغوية، ولم يأخذ من التفكيكية إلا بعض سماتها الأبسط، مثل تفريد النص إلى معان ودلالات أصغر من ثنايا اللغة وسجفها المتراكبة دون الغوص فيما يسمى ما وراء اللغة على سبيل المثال.
لقد غلبت اللغة الشارحة على تحليل مرتاض للحدث، كما في حديثه عن اتسام الحدث بالغموض والضعف.
وبيّن مرتاض في المستوى الثاني «عالم الشخصية في ألف ليلة وليلة»، وفيه تمهيد للدخول في عالم الشخصية في الحكاية المدروسة، سماه «عموميات»، فهو لا يخال أن أثراً سردياً في العالم يرقى إلى درجة «ألف ليلة وليلة» فيما يعود إلى بناء الشخصية وتنوعها، وكيفية التعامل معها، ثم كيفية تعامل بعضها مع بعض، فلم يكن يعجز المبدع الشعبي العربي ـ برأيه ـ أن يرسم هذه الشخصية على أنحاء عجيبة حقاً، إذ كان قادراً على المزج بين الشخصية الخرافية والتاريخية والسحرية في آن واحد. ويذكر مرتاض من مظاهر الإبداع في صوغ الشخصية، أن المبدع الشعبي في «ألف ليلة وليلة» عمد إلى:
تطعيم الشخصية الواقعية، أو التاريخية، بالشخصية الخرافية.
جعل الشخصية الخرافية (العفاريت ـ الشخص النحاسي الذي يقود الزورق ـ الحصان الميكانيكي الذي يظهر ولا يسير ـ البحر الذي ينتفخ..) تتظاهر فيما بينها.
تفطن المبدع الشعبي، إلى بعض ما تفطن إليه كتاب الرواية الجديدة في منتصف القرن العشرين من أن الشخصية مجرد كائن من ورق. من أجل ذلك لم يشأ سارد «ألف ليلة وليلة» أن يسمي شخصياته إلا في أطوار معينة، لغاية فنية معينة.
وضع مرتاض لتحليله لعالم الشخصية في حكاية حمال بغداد مراحل وتجليات وأدواراً تستوعب حركة الشخصيات على النحو التالي: الشخصيات بحسب ظهورها في الحكاية، الشخصيات بحسب تواتر ذكرها في الحكاية، طبقية الشخصيات في الحكاية، الشخصية «الأفللية» (من ألف ليلة وليلة) بين التاريخية والأسطورية، الشخصية المتحولة، نمطية الشخصية في هذه الحكاية، الجنس وممارسته لدى الشخصية الأفللية: العري، ملحقات العري، الغزل، المغازلة والمعانقة، الشخصية الأفللية والثروة. ونلاحظ من تعليقه الختامي لصلة الشخصية بالثروة إمعان مرتاض بالشرح في عرضه النقدي وفي استنتاجاته الدلالية العامة أيضاً، وهي استنتاجات ليست من سياق النص أو تأويله المباشر، بل هي تأويل عام يضفى على سياق النص.
اقترب مرتاض في تحليل المستوى الثالث: «تقنيات السرد في ألف ليلة وليلة من مناهج نقد سردية جاوزت ما التزمه. السيميائية ـ التفكيكية، مما عرف بالشكلانية الروسية والبنيوية وشعرية السرد الضاربة الجذور في تجلياتها لدى بارت وغريماس وتودورف، فوضع عموميات صدرها بكلمة تنعي على النقد الأدبي العربي الحديث أو على نقاد العربية أن خص أحدهم» هذه التقنية القصصية بكتابة نظرية مستقلة، بل دراسة تطبيقية لعمل سردي ما، وعزا بعض ذلك، ربما إلى تخلف النقد العربي عن النقد العالمي، وهي مسألة تنقصها الدقة، وتحتمل النقاش، فثمة أعمال نقدية كثيرة في كتب عنيت بالسرد قبل صدور هذه الدراسة( ). وأعقب فذلكته الاستعراضية حول السرد تحليله للجوانب التالية: صلة السرد بالوصف، أشكال السرد في «ألف ليلة وليلة»، اصطناع الارتداد، الاحتفاظ بمفتاح السر السردي، تداخل السرد، المدد السردي، حديث الإشارة. وقد استشهد بناطالي صاروت عن «الحديث الناقص»، ويلحظ في هذا التحليل ولع مرتاض بالأشكال والرسوم في أكثر من صفحة، دون تسويغ مناسب، بل بعض هذه الأشكال والرسوم لا تسعف في توضيح دلالة أو معنى أو قصد.
ومضى مرتاض في المستوى الرابع إلى تحليل «الحيز في حكاية حمال بغداد» من خلال الجوانب التالية: الحيز الجغرافي/ الحيز الحقيقي، الحيز الشبيه بالجغرافي/ وسط بين الحيز الصراح والحيز الخرافي الخالص، الحيز المائي، الحيز المتحرك، الحيز التائه، الحيز الخرافي/ جبل المغناطيس والمدينة الممسوخة وجبل قاف، الحيز العجيب الغريب. ويلاحظ أيضاً ولع مرتاض بالأشكال والرسوم التي تثقل على النقد، ولا تفيد، ولعاً بشكلانية تندرج بصعوبة في منهجه السيميائي التفكيكي، بل أن هذا الولع جعله يتحدث عن حيز مفتوح من شأنه أن يفرز «أمكنة غريبة، وإحداث خطوط عجيبة في كل الاتجاهات»( ).
وخصّ مرتاض المستوى الخامس للزمن في حكاية حمال بغداد فعرض مفاهيم الزمن في ثلاثة حدود هي التزامن والتعاقب والمدة، ليحلل الزمن من النواحي التالية: الارتداد، غياب الدلالة الزمنية الحقيقية، غموض الدلالة الزمنية، الزمن المفقود، مظاهر من الدلالة الزمنية من خلال الشخصيات وحيزها، أطوار أخرى لزمن هذه الحكاية. ثم عاين مرتاض في المستوى السادس «خصائص البناء في لغة السرد لحكاية حمال بغداد»، وهي خصائص عولجت بمنهج أسلوبي بلاغي وإحصائي بالدرجة الأولى، في الجوانب التالية: خصائص المفردة، خصائص الخطاب، الوصف، الإيقاع، التشبيه، التضاد/ التضاد القائم على تقابل الرجل والمرأة والتباين الشيئي والتباين الطبقي، واختتم مرتاض تحليله في المستوى السابع للمعجم الفني للغة السرد، وفيه عاد إلى محاججة جمال الدين بن الشيخ مدافعاً عن أصالة «ألف ليلة وليلة»، ملتفتاً إلى مناقشة موضوع كتابة الجهشياري لليالي، ورأى أن معالجة المعجم الفني تؤيد مثل هذه الأصالة، وكنا أشرنا إلى مفردات هذا المعجم.
1-6- سار سعيد الغانمي (العراق) في مسار مرتاض نفسه، وهو الإقبال على النقد الجديد انتقائياً من المنهج التفكيكي، ومن مناهج أخرى ثم يفترق عنه في ممازجته لأمشاج من النقد البنيوي ونقد شعرية السرد، ومن النقد المعرفي الموضوعي في التحليل النفسي أو في التحليل الباشلاري، ويختلف الناقدان بعد ذلك في الممارسة النقدية، الأول في فيضه اللغوي وغزارة شرحه، وميله القليل إلى التأويل، فتغدو نصوصه طويلة، والثاني في إيجازه اللغوي وشح شرحه، وميله الواسع إلى التأويل، فتغدو نصوصه قصيرة.
سمى الغانمي كتابه تسمية مجازية: «الكنز والتأويل: قراءات في الحكاية العربية» (1994) وصدر بكلمة مفتاحية لابن عربي من «الفتوحات المكية»: «الكلمات كنوز وإنفاقها النطق بها»، ثم يستعين في تمهيده لبحثه بكلمة للجرجاني في «أسرار البلاغة» ولآيزر تدعم القول بأن في القراءة درراً وكنوزاً، فالجرجاني يرى أن الباحث عن المعاني كالغائص على الدرر، «ويشير آيزر أن الناقد يدعي أن الكاتب يخفي في السرد كنزاً، وأن التأويل الذي يقوم به هو اكتشاف هذا الكنز، فالقراءة دائماً بحث للعثور على كنز، وضعه شخص مجهول في الحكاية. لكن كنوز الحكايات كنوز حكائية، أعني أنها لن تتجاوز حدود الكلمات، وبالتالي، فإن ما تمنحه الحكايات من كنوز ومكافآت وجوائز لن يتعدى الحكايات نفسها، فالحكاية هي ذاتها الكنز الذي تعد به»( ). وبهذا يعضد الغانمي منهجه بسمة من سمات التفكيكية: التأويل إلى ما لا نهاية، إذ لا تكتمل الحكاية إلا بالتأويل الذي يعطيها معناها في سياق معين. ثم يضيف سمة أخرى هي قيمة القراءة ودور القارئ، فليس التأويل المشار إليه هنا هو «المعنى القصدي» الذي زرعه المؤلف في مكان ما في نفسه، ولا المعنى النهائي المكتمل الذي سيزعم القارئ أنه المعنى الوحيد، فالنصوص تتعدد بتعدد القراءات. كل قراءة هي نتيجة تفاعل متواصل بين مقروء وقارئ، أو نص وتأويل له، أو كنز وإنفاق منه. ثم يصرح الغانمي بمرجعيته: «هناك، إذن، كما يقول بول دي مان، اعتماد مطلق للتأويل على النص، والنص على التأويل، وكلما تعددت القراءات والتأويلات تعددت النصوص»( ).
حوى الكتاب قراءات في سبع حكايات عربية «بلا مؤلفين»، تنتمي إلى السرد الأدبي الإخباري الشعبي، والحكايات هي: «حجر سنمار» و«حكايات امرئ القيس»، و«حكاية حاسب كريم الدين»، و«صندوق وضاح اليمن» و«سلامة والقس»، «وأبو حيان الموسوس والماء»، و«وحكاية الحالمين» في «ألف ليلة وليلة»، وفي «حدائق الأزهار».
بدأ الغانمي التأويل في «حجر سنمار: الحكاية اللانهائية» منذ الصفر، فهي حكاية لم يبق منها سوى مثل «جزاء سنمار»، فيعيد بناءها: «حكاية عن قصر أسطوري، ضاعت تفاصيلها بضياع معالم القصر (الخوزنق)، حتى اختلط الأسطوري بالواقعي، والحكائي بالتاريخي، وصار بطلها النعمان السائح يتقاسمها مع بعض أحفاده، ممن حملوا اسمه. أن علينا أن نحاول ترميم هذه الحكاية، ونعيد لها براءتها القديمة، فنميز بين ما هو تاريخي، وما هو حكائي فيها، ثم نطلق خيالنا لإعادة ترتيب شظاياها المبعثرة»( ).
عاد الغانمي إلى الأخبار والحكايات والجذاذات السردية التي تروي قصة المثل عند الثعالبي وصاحب الأغاني وغيرهما، وتوقف عند تعارض المصادر وفهم الإخباريين القدماء لهذه الحكاية بغية الكشف عن مكبوتها، ليبدأ التأويل، مسلحاً بالنهاجية المعرفية الموضوعية الباشلارية.
وهكذا، عمد الغانمي إلى الاحتمال/ التأويل الآخر أن يكون سنمار صديق الملك الحميم: «هل النعمان هو النموذج الوحيد للبحث عن اللانهاية؟ قبل النعمان كان هناك نموذج ـ هل كان قبله حقاً؟ ـ هو الإمبراطور الصيني «شيه هوانغ تي»، الذي بنى سور الصين العظيم، وأحرق الكتب جميعاً. وفي رأي بورخس فإن هذا الإمبراطور «حرم الموت وبحث في إكسير البقاء». كان إحراقه الكتب نوعاً من التخلص من الماضي، وتبشيراً ببداية جديدة للزمن، وكان بناؤه السور نوعاً من الاحتماء بالأبدية من الموت، ومثل النعمان فقد أُتهم شيه هوانغ تي بالاستبداد والعنف، لأنه حكم على أمه بالنفي لتهتكها. لكن شيه هوانغ تي والنعمان السائح كليهما نسخة مكررة من ملك أقدم بحث عن إكسيرا الحياة لكنه لم يفلح. إنه جلجامش الذي فقد صديقه انكيدو، كما فقد النعمان صديقه سنمار»( ).
يلمس المرء في تأويل الغانمي حفراً معرفياً في مجالات تحليل متعددة: التحليل النفسي، التحليل المقارن للعناصر الإناسية، التحليل بالاستعانة/ اللغة والمعاني والدلالية والرموز والتعارض الحكائي والتناص مما هو سمات للمنهج التفكيكي على نحو ما، وهذا ما فعله في تأويله لحكايات امرئ القيس، ووضع لها عنواناً آخر دالاً: «البحث عن أوديب عربي». لقد نشط الغانمي المخيلة بما يناسب تأويله ويثريه، مثلما فعل في مثل جزاء سنمار. ووجد أن تنشيط المخيلة نافع مع شخصية مثل امرئ القيس، أحاط الخلط بحياتها كثيراً. ومن هنا، كان عمل الباحثين أن يخلصوا ما هو واقعي مما هو أسطوري وحكائي. بينما قلب الغانمي الآية، فخلص ما هو أسطوري وحكائي مما هو واقعي.
توصل الغانمي في ترميمه للحكايات أن السبب في طرده الثاني، كما يرى ابن رشيق، ابتداؤه بهذا الشر العظيم، شر التشبيب بنساء أبيه. إنه يطمح في أن يمتلك ما يمتلك أبوه جنسياً. وذنبه لا يأتي من كونه يقول الشعر، بل من كونه يشتهي نساء أبيه. ولابدّ أن أمه من ضمنهن. ولنلاحظ هنا اسم ابنة عمه «فاطمة»، وأن اسم أمه في بعض الروايات «فاطمة» أيضاً. فلعل هذه الروايات تريد أن تقول إنه تزوج أمه لعلمها إن اشتهاء زوجة الأب يعني ضمناً الزواج بالأم.
استعان الغانمي لانسجام تأويله بالمرويات الإسلامية والإسرائيلية، والأسطورية بما يجعل التحليل السردي أكثر استقامة وانسجاماً، كذكر فهم الأصمعي للنبوءة التي تشير إلى أن أسد وتميم هم قتلة حجر في الواقع. وقد تعامل الغانمي مع حكاية اللغز وفق هذه الزاوية التي سرعان ما تدعمها في المنظور السردي. أوديب مثلاً يتحول إلى ملك ويتزوج أمه في مقابل للغز أبي الهول. «ففي السؤال تحريض لارتكاب محرم ومخالفة قوانين الطبيعة»( ).
لا يغفل الغانمي بين الحين والآخر عن ذكر مستنداته النقدية من بروب إلى غريماس إلى إنجازات التفكيكية، ولاسيما التأويل ودور القارئ والتناص والمعارضة، غير أنه وهو يعتمد على بعض أدوات التحليل السردي ما يلبث أن يعدل فيها لتوافي تأويله الخاص، فقد قلص غريماس وظائف الفاعلين عند بروب، واختزل وظيفتي الوغد والبطل الزائف في وظيفة واحدة هي المساعد في مقابل الخصم، ويناسب هذا الاختزال مقتضيات تأويله:
«وإذا كان الأمر: إقامة عقد القبول. فإن التحريم/ الانتهاك: فض العقد»( ).
ولربما كان التناص سبيلاً لترتيب منطق السرد الحكائي، كما هو الحال مع حكاية الرداء المسموم، فقد سبق لهرقل البطل الأسطوري اليوناني أن مات برداء مسموم مماثل، وفي هذا توطيد للدلالة: «تاريخ رداء امرئ القيس كامن في تاريخ رداء هرقل».
ويكتمل التأويل لدى الغانمي بنهاجيته الانتقائية ضمن خصوصيتها: «هل يعني هذا أن أسطورة امرئ القيس لها أصولها في أسطورة أوديب؟ بالتأكيد لا، لأن الأساطير دائماً لا يوجد لها أصل أول، بل تنبثق من لا شعور الشعوب تلقائياً. وسواء أفهمنا الأسطورة بهدف نفسي لتفسير جريمة قتل الأب، أم بهدف اجتماعي لتفسير سيادة النظام الأبوي، أم بهدف اقتصادي لتفسير حماية الدولة، فإن مضمونها واحد دائماً، ألا وهو أن ليس بإمكان الجريمة الإفلات من العقاب المتوقع»( ).
سمى الغانمي نقده قراءة، ولكم كانت قراءته ثرية وممتعة ثمرت إنجازات بعض المناهج الحديثة باتساق داخلي ضمن انتقائية نافعة.
1-7- نشر محمد رجب النجار (مصر) أبحاثاً كثيرة في السبعينيات والثمانينيات عن التراث القصصي العربي ولا سيما الشعبي منه، في الدوريات العربية أمثال: «البطل في السير والملاحم الشعبية وملامحه الفنية» و«أبو زيد الهلالي: دراسة نقدية في الإبداع الشعبي» و«ملاحظات حول أدب الملاحم العربية» و«موت البطل» و«القيم والعادات والتقاليد في السير الشعبية العربية» و«سيرة فيروز شاه» و«المرأة في الملاحم الشعبية العربية» و«قراءة في سيرة حمزة العرب»، إلا أن شغله الرئيس والمبتكر، أعني المجلد الأول من كتابه «التراث القصصي في الأدب العربي: مقاربات سوسيو ـ سردية» (1995)، تأخر صدوره إلى منتصف التسعينيات.
وعلى الرغم من معرفته العميقة بالجهود المتواصلة للبحث عن التراث القصصي العربي وعمليات وعيه ونقده، فإنه يمضي في شغله، وكأنه يبدأ من الصفر، حتى أنه سمى مقدماته الطويلة لمشروعه مدخلاً تأسيساً( )، حوى تأسيساً أولاً في الموضوع والمنهج، وتأسيساً ثانياً في السرد الشفاهي والسرد النصي، وتأسيساً ثالثاً في الأسطورة أم الفنون الشعبية. وعدّ محاولته أولى، مثل محاولة عبد الله إبراهيم بتعبيره، مستلهماً نظرية السرد البنائية، متردداً في القول، وهو محق، إن العلم الوليد «القصة في الأدب العربي القديم»، «الذي لم يعرف طريقه إلى الدرس الأكاديمي في معظم جامعاتنا العربية، ربما أنه لم يتأسس بعد، نظرياً ومنهجياً، تأسيساً علمياً قوامه الجمع والتصنيف، والوصف والتحليل، والوعي النقدي والتراكم المعرفي»( ).
بدأ النجار تأسيسه في الموضوع والمنهج من قواعد معرفية: في البدء كان الحكي، دراسة «النص» تبدأ من دراسة «اللانص» الشفاهي، كل شيء حكي والحكي في كل مكان، واستعان ببعض المناهج النقدية الحديثة بغية اكتشاف الأبنية الداخلية لأنماط الموروث السردي وطبيعة السردية العربية، وكان حذراً في الوقت نفسه، خشية الوقوع في دائرة «التغريب» المنهجي الذي يمكن أن يخضع هذه السردية العربية إلى معايير خارجية مستمدة من موروث سردي أجنبي، ولذلك يعترف النجار بدين السابقين( ).
استفاد النجار منهجياً من معطيات علم السرديات بنظرياته الحديثة، وخاصة في تياريه الرئيسيين المعروفين، وهما: السردية اللسانية التي تعنى بدراسة الخطاب السردي في مستواه البنائي، والعلائق التي تربط الراوي بالمتن والمبنى الحكائيين، وهذا يعني أن هذه الدراسة قد وضعت في الاعتبار آراء رولان بارت ودراسات تودوروف وجيرار جينيت، أما التيار الآخر فهو السردية السيميولوجية أو السيميوطيقية الذي يعنى بسردية الخطاب القصصي من خلال عنايته بدلالاته والكشف عن البنى العميقة التي تتحكم فيه من أجل تقديم قواعد وظائفية للسرد. وأوضح النجار أنه ينحاز إلى رواد هذا التيار، وعلى رأسهم فلاديمير بروب وكلود بريمون وج. جريماس، وأنه انحاز أيضاً إلى معطيات المنهج البنيوي التكويني كما أسسه لوسيان جولدمان الذي يرتكز على وجود علاقة أساسية بين الحياة الاجتماعية والإبداع الأدبي، والكشف عن بنية الأنماط أو الأنواع السردية الدالة ابتغاء دمج هذه البنية في بنية أوسع، يشكل الموروث القصصي ـ بأنماطه المتعددة ـ أحد العناصر التي تكونها، وبهذا أصبحت البنى السردية الصغرى «النمط النص» جزءاً من بنية كبرى هي «الواقع/ التاريخ».
ويكاد المرء أن يأخذه العجب من انتقائية النجار الذي يؤلف منهجه النقدي في النظر إلى الموروث الحكائي بوصفه دالاً إشارياً، فقد تعددت مناهج دراسته ونظرياتها، فبينما يهدف التحليل الاجتماعي عند لوكاش وجولدمان إلى تبيين تطابق البنية الأدبية والبنية الاجتماعية المولدة لها، تذهب مدرسة التحليل النفسي بمختلف مدارسها الفرويدية واليونجية واللاكانية اعتماداً على نظرية اللاشعور إلى اعتبار البنية الأدبية خطاباً مقنعاً للاشعور «الجمعي».
واستعان أيضاً بالتحليل النفسي في تطبيقاتها الفولكلورية، مثلما استعان النجار، باعترافه، بالنظريات الفولكلورية المعاصرة، وخاصة النظرية الوظيفية، والنظرية السياقية، والتداخل الثقافي، والأيديولوجية، والمنهج الجغرافي التاريخي، ونظرية إعادة الإنتاج، وبالمناهج الشعبية المقارنة، ومناهج التصنيف البنيوي للفولكلور، والنظرية الشفاهية، ونظرية الأداء في جانبها السيميولوجي أو السيميوطيقي.
وأضاف النجار أنه استعان كذلك في جانب الدراسة السوسيو سردي بمعطيات علم سوسولوجيا الفولكلور، ومعطيات علم الاجتماع الأدبي أو سوسولوجيا الشكل، وخاصة عند ب. زيما. ولم يتجاهل النجار في الجانب الوضعي معطيات العلوم الأثنوجرافية والأنثروبولوجية، خاصة بنيوية شتراوس، والمنهج اللغوي «الميتولوجي»، بل سمحت الدراسة لنفسها، بتعبير النجار، أن تقوم بشرح وتنظيم التلاحم في مختلف أنواع المنطوقات، من أجل طرح العلاقة بين الشكل «الوصف» والسياق الأيديولوجي والتاريخي، بحثاً عن «بويطيقية أنساق القيم» أو شعرية الأنساق الإيديولوجية التي ظل الخطاب القصصي العربي «الرسمي والشعبي» يعمل على صهرها، وإعادة إنتاجها، أو تصنيعها على مر العصور في بوتقة القص، ذلك الخطاب المتجذر في الخيال الجمعي والتراث الأدبي والتاريخ العربي.
ولاشك أن منهج النجار في منتهى الانتقائية والتوليفية، ويعجب المعني كيف يتأتى لمثل هذه الانتقائية والتوليفية أن تنجز أهدافها، وأن تفيّ ما وعدت به. وأبادر إلى القول: إن الدراسة، كما سنرى، حققت الكثير في ميدانها، دون تكون منهجها الذي يجمع غالبية المناهج في سلة واحدة، أي أن النجار لم يولِّف بوتقة منهجية، سوسيو ـ سردية، فغلب على منهجه عناصر من هذه التوليفة، أو من هذه الانتقائية.
وضع النجار دراسته في جزأين، انفرد الجزء الأول (المجلد الأول، ولم يظهر المجلد الثاني بعد) بدراسة بعض الأنماط السردية في التراث العربي، وتضمن مدخلاً وصفياً، أشرنا إليه، وخمسة أقسام أخرى عالج في القسم الأول: حكايات الحيوان الشارحة والرمزية، وملحمة الحيوان، ورواية الحيوان العربية، ووظائف قصص الحيوان، وفي القسم الثاني السير والملاحم الشعبية العربية في عالمها وفي القضايا الاجتماعية والقومية التي تعالجها وفي شكلها، أو بنيتها المورفولوجية والدلالية، وفي القسم الثالث القصص الديني الإسلامي، والقصص الأنبيائي، والقصص الصوفي «الأوليائي»، وفي القسم الرابع القصص العاطفي، وفي القسم الخامس القصص الفكاهي كالرسائل القصصية الساخرة والنوادر المرحة والنموذج الجحوي، ثم ألحق مجلده الأول بملاحق، هي نصوص قصصية من التراث العربي بمثابة نماذج للأقسام المدروسة، ولعل المجلد الأول أضخم كتاب في بابه، إذ يقع في (942) صفحة من القطع الكبير، عدا ملزمة مرقمة بحروف أو متروكة دون ترقيم أو دون حروف.
وقد اتبع النجار في درسه العملي لكل نمط قصصي، في كل باب من أبواب الدراسة، مسارين: أحدهما تاريخي تعاقبي، والآخر وصفي تزامني في المسار الأول، وانصبت عناية الدراسة على الجانب التاريخي للنمط القصصي، نشأته وتطوره وازدهاره، وتعرفه تراثياً وأدبياً، وتحديد أشكاله السردية، الرئيسة والفرعية، ومنابعه ومصادره في التراث العربي وأصوله النصية، وفي المسار الثاني انصبت عناية الدراسة على الجانب البنيوي للنمط القصصي ومكوناته السردية، المورفولوجية والتركيبية والدلالية والتداولية.
وثمة نقاط في تأسيس النجار لابد من الوقوف عندها مثل تفريقه بين القصص الشعبي الشفاهي والقصص الرسمي الكتابي، ويستتبع ذلك الاختلاف في آليات الحكي الشفاهي والحكي الكتابي، توكيده على المثاقفة المعكوسة، استناداً إلى شهادات واعترافات كبار النقاد الأوروبيين القائلين بأصالة السرد العربي، تأثرت القصة العربية الحديثة بالتقليد السردي الغربي، ولكن التقليد السردي الغربي تأثر قبل ذلك بالقصة العربية، ومثل التوكيد على أن التراث العربي ظاهرة حكائية.
درس النجار في تأسيسه الثاني السرد الشفاهي والسرد النصي، وتوصل إلى سمات وخصائص فارقة، وقد رهن ذلك بقناة التوصيل، ونظام الاتصال الشفاهي وتعدد الروايات وإبداعية كل رواية بوصفها عملاً إبداعياً على نحو ما، وثبات الشكل أو القالب إذ يوصف القصص الشعبي بأنه مأثور تقليدي ذو نزعة محافظة من حيث البنى والدلالات، وخضوع القصص الشعبي لبنية موروثة لا واعية، يمارسها القاص الشعبي، أو يبدع على غرارها بالمحاكاة والتقليد، وتوسله اللغة المحكية في تواصله، وهي لغة لا تتصف بالديمومة، ولكن لها حضوراً جمعياً طاغياً نابضاً بالحياة، وعكس الراوي في القصص الشعبي لرؤية جمعية تجاه العالم، أي رؤية الجماعة الشعبية لنفسها وللآخرين، وموقفها من الحياة والأحياء من منظور جمعي، وتوجه اهتمام القاص أو الراوي إلى البنية الحكائية/ الفعل القصصي حين يدفع مستمعيه فوراً إلى حيث يكون الحدث، وقيام عالم الفكر الشفاهي على الصيغ، والحرص على دور للجمهور المخاطب أو المتلقي، وكونه جمعي التأليف، وكونه ملكية عامة للأمة وللشعب بجميع فئاته وطبقاته وأعراقه مما يجعل من حق أي فرد أن يعيد إنتاجه نصاً جديداً، وثراء أنماطه أو طرزه وتوظيفها لأنماط وطرز عالمية (نظرية انتقال العناصر أو الحوافز ورحلتها بين ثقافات الشعوب)، وكونه نبع إلهام واستلهام لأدباء الخاصة، بشكل مباشر أو غير مباشر، من حيث هو متون حكائية وأنماط بشرية ونماذج إنسانية وأقنعة واليجوريات، وصور، وأخيلة ورموز وأطر قصصية وصياغات درامية.. الخ، ونزعته العالمية على الرغم من محليته، وتميزه بالصراحة في القول والصدق في إبداء الرأي والجرأة في النقد والوضوح في التعبير، وخصوصية تركيبه مثل الحبكة المتقطعة واستمرارية الخط السردي ونمطية الشخصيات.
وطرح النجار في تأسيسه الثالث سؤالاً: الأسطورة أم الفنون السردية، من منطلق حجم تأثير الأسطورة الكبير في المأثور القصصي العربي، بشقيه الشعبي والرسمي، الشفاهي والكتابي، فعرف الأسطورة مفهوماً وتراثاً من منظور قصصي، وعرض نظريات نشأتها فيما يخص الأساطير الكونية والطقوسية والتعليلية والحضارية، ومصطلح الأساطير في القرآن الكريم، وبين الفوارق بين مصطلحي Myths وقيام الجانب القصصي فيه على الخيال المحض، وLegend ويقصد به قصة امتزج فيها الواقع بالحلم، والتاريخ باللاتاريخ (ترجمة أحمد كمال زكي بالأسطوريخية). وهكذا.
كان كل حكي يبدأ بالأساطير. ربما كانت دراسة النجار الأكثر استقصاء وتدقيقاً للتراث القصصي العربي مما يجعل منها المرجع الأشمل في بابها. غير أنها ناءت عن حل منهجها الواسع الذي يولف بين مناهج متعددة لا سبيل إلى التوفيق بينها، فغلب المنهج الوصفي على الإضاءة في مطالع الأقسام، وغلب التحليل السوسيو ـ سردي على بقية المناهج النقدية الأخرى في الجانب البنيوي للنمط القصصي ومكوناته السردية.
أوضح النجار في القسم الأول حجم حكايات الحيوان في التراث العربي وطبيعتها وأنواعها: حكاية الحيوان الشارحة (التعليلية)، وحكاية الحيوان الرمزية (التعليمية)، وملحمة الحيوان (الشعرية)، ورواية الحيوان (النثرية)، وأكد أن الأدب العربي القديم قد انفرد بالنوع الرابع. وناقش أنموذجاً لذلك كتاب «كليلة ودمنة»، مبرهناً عن عروبته، ومحللاً النسق الإشاري للعنوان، والنسق البنائي للكتاب (البنية الكبرى والبنية الصغرى)، ونسق البنية اللغوية والأسلوبية، والنسق البنائي للشخصيات، وانساق البنى الاجتماعية (النسق الديني، النسق القيمي ـ النسق السياسي ـ النسق الدلالي ـ الكلي، فروق أخرى).
ثم درس النجار البنية السردية للكتاب: البنية الكبرى، وظائف الحكاية الإطارية، البنية الصغرى، القصة المحورية أو الرئيسة، الحكايات الصغيرة الفرعية، التعاقب الحكائي الحر، التعاقب الحكائي المعلق أو المقيد، المشهد الافتتاحي، وظيفة الاستهلال، الوظيفة التشويقية، الوظيفة التنسيقية. ثم خص «كليلة ودمنة» باهتمام نقدي مقارن ضاف في حديث مسهب عن محاكاة هذا الأثر الهام، الذي جاوز تأثيره مرحلة التأسيس، إلى إعادة إنتاجه شعراً أو معارضته أدبياً من المنثور إلى المنظوم، وذكر النجار في مجال المحاكاة الشعرية والنثرية أعمالاً متعددة، تنم عن واسع إطلاعه وفيض علمه، ولكنه غفل عن نماذج محاكاة على سبيل المعارضة مثل «الأسد والغواص» (القرن الخامس الهجري)( ).
خصص النجار القسم الثاني للقصص البطولي. في السير والملاحم الشعبية العربية، وعالجها من مداخل ثلاثة سماها مقاربات، وكانت المقاربة الأولى لعالم السير والملاحم الشعبية العربية، والثانية مقاربة للقضايا الاجتماعية والقومية في الملاحم والسير الشعبية العربية، والثالثة مدخل إلى التحليل البنيوي للسير الشعبية، نظرياً وتطبيقياً. وتبرز في المقاربة الأولى مقدرة النجار المدهشة على تحليله للوظائف: وظائف الراوي المفارق لمرويه، ووظائف الراوي المتماهي بمرويه، ووظائف السير والملاحم الشعبية: التحريضية والتعويضية والتعليمية والإقناعية. وقد استطاع النجار في مقاربته الثانية أو دراسته المضمونية. للسير والملاحم الشعبية العربية أن يفسر ما لحق بهذا التراث القصصي من إهمال وغبن ناتجين عن البعد القومي الصميم، إذ برهن «أنه ما من شيء يحكي الوجدان القومي العربي، كما تحكيه هذه الملاحم، وما من شيء يدعو إلى الوحدة القومية كما يدعو إليها هذا المأثور الأدبي العريض»( ).
أما المقاربة الثالثة للشكل فهي إحدى ذرى شغل النجار دراسة للبنية الموروفولوجية والدلالية للسير الشعبية. انطلق النجار من الوحدة الوظيفية بالمعنى الذي حدده بروب، وهي التي تترجم بالحافز عند الشكلانيين الروس، وكان سماها توماشفسكي «حوافز مترابطة»، والأفضل أن نسميها حوافز متنامية، ما دام «التحفيز» هو «تنامي الفعلية». على أن النجار لا يتعامل مع المصطلح ضمن مفاهيمه الخاصة بتحليله السوسيو ـ سردي، لأنه ينتقل في الموقع نفسه، إلى فهم بارت للمصطلح، وحدات توزيعية أو تكميلية، منعطفات خطرة أو حرجة، وظائف ثانوية أو إشارية، وإلى فهم بريمون للوظائف، وحدة قصصية أو وظيفية ما تلبث أن تتشعب، أو أن تختار اتجاهاً آخر، بمنطق الممكنات القصصية الذي ينتظمها في متتاليات، أي تحول علاقة المنطقية إلى علاقة زمنية تركيبية لمجمل التحفيز.
لقد وجد النجار في السير الشعبية ثلاث طبقات موروفولوجية مركبة تشكل في مجموعها البنية، هي البنية الصغرى (تعادل العنصر أو الوحدة الوظيفية)، والبنية الوسطى (تعادل بنية المقطع أو المقطوعة التي تحتوي على عدد من العناصر أو الوحدات الوظيفية) والبنية الكبرى (تشكل الهيكل الخراساني الأساسي للسيرة ولذاكرة الرواة). ولدى مناقشة قواعد تصنيف البنية العامة، نلاحظ أن النجار يطوع المنهج السردي في تطور تجلياته ليستوعب خصائص السير والملاحم العربية، وهي تطويع شديد الانسجام والتماسك وقابل للتنظير بالمزيد من التمحيص والمقارنة والتطبيق على النصوص في رواياتها المتعددة، كما في هذا التحليل الممتع والدال، ونذكر منه ملاحظتين من سبع عشرة ملاحظة:
«- يقوم نقص العقد المبرم بين البطل وخصومه بدور الربط المفصلي بين نهاية كل مرحلة وبداية المرحلة التالية بشكل طبيعي ومنطقي، ولذلك ليس من المبالغة في شيء حين نقرر أن البطل الملحمي هو صانع النسق الوظائفي للسيرة.
- هذه المراحل السبعة، بهذا الترتيب الزمني والمنطقي، هي التي تنقل نضال البطل من الخطاب التاريخي (الإخباري) إلى الخطاب السردي (القصصي)، فهي التي تنقل قصة البطل من التاريخ إلى الفن الملحمي، بفضل آليات السرد القصصي المعروفة، غير أن الالتزام بثبات هذه المراحل السبعة وتسلسلها هو الذي يعطي أيضاً السيرة طابعها التاريخي كتوالٍ للأحداث»( ).
ويجدر بنا أن نذكر أن الرسوم التوضيحية والجداول الكثيرة داخل المتن النقدي موظفة، وبعيدة عن التجريب وإغراءات الحداثة وجموح التحليل اللغوي باتجاه تأليف مرجعي. ويعزز هذا الجهد اختياره لنموذج تطبيقي هو «السيرة الهلالية» وفق أسلوب «دراسة حالة». وخصص النجار القسم الثالث للقصص الديني الإسلامي طبقاً لمصادر إبداعها:
القصص القرآني (ما ورد في القرآن الكريم).
القصص النبوي (ما ورد في الحديث النبوي).
القصص اليهودي (ما ورد في كتب التفسير من إسرائيليات).
القصص الصوفي (ما ورد في كتب التصوف من كرامات).
ويتفرع عن كل نوع من الأنواع الثلاثة الأولى للأشكال القصصية التالية:
أساطير الأولين (القصص الأسطوري).
قصص الأقوام والشعوب والأمم الماضية (القصص التاريخي).
قصص الملوك والأنبياء والرسل (القصص الأنبيائي).
قصص الأمثال الوعظية (القصص التمثيلي).
قصص الحيوان الرمزية (القصص التعليمي).
وقد سوغ النجار اختياره للقصص الأنبيائي لأكثر من سبب:
«تشكل روايته قالباً أو شكلاً قصصياً متميزاً من الناحيتين البنائية والوظيفية».
إنه الشكل أو المثال الذي تأتي على غراره القصة الصوفية الشعبية.
يشكل موضوعه صلب القصص الديني الإسلامي، الشفاهي والكتابي.
إن البطل الأنبيائي هو النموذج والمثال الذي يصوغ الإبداع الشعبي على غراره البطل الملحمي في السير الشعبية العربية.
إن البطل الصوفي في القصص الصوفي الشعبي ـ وفي الحياة ـ محاكاة للنمط البطولة الأنبيائي»( ).
واهتم النجار بتكون مفهوم القاص الشعبي داخل حلقات الذكر والمساجد، وبطبيعة أدائه، وصنف القصص الديني، وبين خصائصه، ثم فصل القول في القصص الأنبيائي، ولا سيما بنيتها القصصية من خلال تأسيسه اللافت للنظر( ). وتابع النجار تأسيسه حول ضرورة فرز «الإسرائيليات»: «إن القصص الأنبيائي ضم فولكلوراً سامياً عاماً وعربياً وإسلامياً، إلى جانب الإسرائيليات (اليهوديات) بالطبع، إنها قصص شعبية تحولت إلى بطولات أنبيائية، وقد أخذها اليهود عن بابل وسوريا وعن الكنعانيين والمصريين القدماء، ونسبوها إلى أبطالهم من الأنبياء الملوك أو الملوك الأنبياء، حتى ذو القرنين أصبح في الأنبيائية الإسلامية نبياً صالحاً.» ويتضمن التأسيس صلة الإسلام بالديانات الأخرى.
وتكتمل نظرة النجار التأسيسية في اتفاق الإنجاز التاريخي في حياة الرسل والأنبياء مع الإنجاز القصصي: «من اللافت للنظر ـ بداية ـ أن الإنجاز التاريخي في حياة الرسل والأنبياء يتفق ـ سردياً وبنائياً ـ مع الإنجاز القصصي، في هذه المرحلة كان لا يزال التاريخ قصاً، والقص تاريخاً.. وعمادهما معاً المرويات الشفاهية المتواترة «لقرون عديدة» قبل أن يتطوع بعض الأنصار والحواريين لجمعها وتدوينها (بكل رواياتها المتعددة) وتسجيلها، وتوثيقها، بكل الأساليب والمناهج المتاحة آنذاك، وعلى رأسها ـ خاصة عند المسلمين ـ الإسناد بكل وسائله ومناهجه، وإذا كان علماء الحديث النبوي قد نجحوا في ذلك، فإن الأمر عند المؤرخين ـ ومن ثم القصاص ـ لم يكن بمثل هذه الدقة والقداسة، بل ربما كان العكس صحيحاً، قد عمدوا إلى التشبه بعلماء الحديث للإيحاء بصدق مروياتهم القصصية نفسياً وعلمياً». ومن هذه الزاوية سوغ النجار استعماله للمناهج النقدية الحديثة بشيء كبير من التعديل في ضوء منهجيات بروب Propp وغريماس Greimas وجينيت (يسميه جينات) Genette وبريمون Bremond فإن هذا لا يعني أننا نريد تحويل هذا «التاريخ الديني المقدس» للأنبياء إلى «مأثور قصصي خيالي»، وإن كان احترز عن ذلك فهو لم ينشد ذلك.
وقد استفاد النجار من منهج بروب وجريماس وغيرهما في التحليل الوظائفي للعمل القصصي، وفي شرح البنية التركيبية والدلالية وفق تحليل النص السردي والوحدات السردية، وهو اجتهاد جريء، ولا سيما تطبيقه لمفهوم «المكافأة الأنبيائية» تعديلاً أو تطويعاً لاقتراح جريماس عن أنواع الاختبارات، وهي الاختبار الترشيحي، ويكتسب خلاله البطل الأنبيائي الكفاءة وطاقة الإنجاز (مرحلة تجلي الوحي له لأول مرة، وتكليفه بالدعوة، وتزويده بالمعجزات)، والاختبار الحاسم، المصلح للافتقار الديني (فترة تبليغ الدعوة علانية، أو الصراع والمواجهة، ثم الانتصار على الكافرين والمشركين). والاختيار التمجيدي، الذي يتحقق فيه الالتحام الكامل بين الذات الخاصة والذات العامة، أو بين النبي وجماعته، وهو ما تحقق على يد النبي محمد (ص) بعد ثلاثة وعشرين عاماً (هي الفترة بين هبوط الوحي، وموته عليه السلام).
وزع النجار القصص الأنبيائي التاريخي إلى تبشيري وتحذيري، وتلا ذلك بسمات البطل الأنبيائي، وانتقل إلى بحث القصص الصوفي (الأوليائي)، وفرّق بين المعجزة والكرامة، وهو ضروري لمثل هذا البحث، وأنواع الكرامات، والكرامات والتخصص العضوي ومراتب أصحاب الولايات، وأنواع الأولياء، وتلاه نص تمهيدي هو ترجمة السيدة نفيسة حامية مصر (ت 208 هـ)، مأخوذ من «جامع كرامات الأولياء»، وبنص تمهيدي آخر هو ترجمة ذو النون المصري (ت 245 هـ) من المصدر نفسه، وبنص تمهيدي ثالث هو ترجمة أحمد الرفاعي (ت 587 هـ) من المصدر نفسه، وقد أفادت هذه النصوص في التعرف إلى عالم الكرامة من منظور سوسيو ـ سيكولوجي، وإلى خصائص القصص الصوفي، وبنيات القصص الصوفي، وأنماط البطل الصوفي، وملامح البطل الصوفي الأوليائي، ووظائف القصص الصوفي أو الأوليائي.
وعالج النجار في القسم الرابع «التراث القصصي العاطفي» ذكر في التمهيد لبحثه، بعض المدونات التراثية في هذا الباب، مثل مجموعة الكتب التي تفردت في دراسة موضوع الحب، وكتب التراث الموسوعي، وكتب التراث الشعري، والتراث القصصي مجهول المؤلف، والقصص القائمة بذاتها في كتاب أو كتب، ومجموعة «ألف ليلة وليلة»، والسير والملاحم الشعبية العربية، وقد أغفل النجار الكتب الأيروتيكية العربية مما تناول أنواع الحب الأخرى( ). وصنف قصص الحب عند العرب من حيث اللغة والأسلوب إلى شعرية ونثرية، ومن حيث صيغة النص الروائي المدون إلى قصص رويت مختصرة وأخرى مفصلة كاملة، ومن حيث المضمون والوظيفة والغايات إلى قصص الحب الحسي والجسدي، (ويكاد يكون مغفلاً عنه) وقصص الحب العذري أو الروحي، وقصص الحب العاطفي، وهو قصص الحب الطبيعي الناضج، باعتباره حالة عاطفية مركبة تشمل كيان الإنسان بكامله، جسداً وعقلاً وروحاً، ونظر في ظاهرة الحب العذري ومصطلحه وأدبياته في المجتمع الإسلامي أو السياق الاجتماعي، وخصائص القصص العذري ولا سيما موضع التبئير فيه.
وتوقف النجار عند الخلاف في مصدر الرواية في القصص العذري بما ينوع في البنية الحكائية والتركيب السردي، ثم استقرأ هذه البنية في أربع عشرة قصة هي: قصة مصاص ومي (في الجاهلية)، وعنترة وعبلة (في الجاهلية) وقصة عبد الله بن عجلان وصاحبته هند (في الجاهلية، وهي تشبه قصة قيس ولبنى)، وقصة عروة بن حزام وعفراء (في الإسلام) وهو من بني عذرة، وقصة جميل بن معمر العذري وصاحبته بثينة، وقصة مجنون ليلى، وقصة قيس بن ذريح وصاحبته لبنى، وقصة الصمة القشيري وابنه عمه ريا، وقصة كثير عزة، وقصة توبة بن الحمير وليلى الأخيلية، وقصة سلامة القس، وقصة ابن الطثرية يزيد القشيري مع صاحبته وحشية الجرمية، وقصة وضاح اليمن، وقصة ديك الجن الحمصي، ويشير النجار إلى أن هناك غيرها كثير تترد نغماتها في صفحات الموسوعة العربية الخالدة «الأغاني» وحلل الشخصيات ووظائفها طبقاً لتصور غريماس. ونلاحظ قلق المصطلح وعدم إدراجه في تكوينه لمنهجه في تعامله مع مصطلح motif الذي نترجمه بالحافز، وهو أصغر وحدة قصصية( )، ثم استعمله نقاد السرديات وشعرية السرد استعمالات كالوحدة الوظيفية أو التوزيعية أو التكميلية أو الثانوية أو الإشارية.. الخ، ويظهر هذا القلق في الهامش رقم (8) في الصفحة (649) إذ عرف الكلمة، «بأنها ـ بشكل عام ـ الجزيء المتكرر والمستمر والحامل لمعطى أو قيمة ثقافية، والذي يدخل في تكوين الشكل (البنية.. الخ) والمحتوى لمختلف أنواع الإنتاج الثقافي والسوسيولوجي، أما مفهوم أو مصطلح الموتيف ـ بشكل خاص ـ في علم دراسة القصص الشعبي Folk - Narrative أو Folk - Tale فيعرفه طومسون بأنه أصغر عنصر روائي أو قصصي له القدرة على الانتقال والاستمرار عبر الزمان والمكان باعتباره جزءاً من التقاليد أو المأثورات في ثقافة معينة، كما يمكن تذكره وتكراره»( ).
ويضاعف من القلق أن النجار عدّ المصطلح كلمة حيناً، ومفهوماً حيناً آخر، وأنه لم يورد تعريفه الخاص للمصطلح أو ما استقر عليه نفسه، أو ما تواضع عليه علم السرديات، واكتفى بتعريف طومسون.
أما القسم الخامس فعالج فيه «القصص الفكاهي»، وعرض أدبيات الفكاهة العربية.. سياقاتها التاريخية: الدينية والاجتماعية والثقافية من خلال «الضحك والسرور بين المباح والمحظور تراثياً وثقافياً»، والتعريف بصانعي الفكاهة المحترفين، ولا سيما المضحكون في العصر الجاهلي وصدر الإسلام والحاكية أو الممثلون الهزليون في الدولة العباسية، وابن المغازلي الحاكي المضحك، وشخصية النديم أو مضحك الخليفة، واستعراض مصادر دراسة القصة الفكاهية في التراث العربي، واستعراض الرسائل القصصية الساخرة في التراث العربي، مثل الرسالة أو الحكاية الساخرة، والرسالة أو الرواية الهزلية والنمط الدونكيشوتي العربي، واقترح النجار تصنيفاً للنوادر والحكايات المرحة في التراث العربي: الأول هو التصنيف الاسمي أو الشخصاني، والثاني هو التصنيف الموضوعي، والثالث هو التصنيف الموضوعي ـ الفرعي، والرابع هو الموسوعي، وذكر خصائص النوادر المرحة، فيما يخص الأحداث والشخصيات واللغة والحوار والأداء والمكان والزمان والتأليف والرواية والعالمية، واستعراض الأشكال الأدبية للنوادر العربية والتصنيف الفولكلوري العالمي مثل النكتة والنادرة التعليمية والنادرة الشخصية.
ثم عالج النجار وظائف القصص الفكاهية على نحو إجمالي، واختار نموذجاً للتحليل هو النموذج الجحوي، ولعله آثر الاختزال في هذا التحليل، لأن له كتاباً عن «جحا العربي: شخصيته وفلسفته في الحياة والتعبير» (1978).
شغل النجار فريد في بابه، مرجعي على الرغم مما يعتري هذا الشغل من ملاحظات تتصل بالمنهجية والمصطلح والشمولية. وثمة تقدير خاص لهذا الشغل هو أهل له يتعلق بإسهامه في التأصيل والمثاقفة، وبتصحيح بعض الأفكار السائدة حولهما.
1-8- أسهم عبد الفتاح كيليطو (المغرب) في الاشتغال النقدي الجديد للتراث السردي الشعبي في كتابه «العين والإبرة: دراسة في ألف ليلة وليلة» (1995، وكان وضعه بالأصل باللغة الفرنسية عام 1993). ويأتي هذا الكتاب إحدى ذرى الإبداع النقدي لمشروع كيليطو في تأصيل السرد العربي في اعتمال بديع لوعي الذات في خضم الحداثة، وفي مجاوزتها داخل سيرورة التقاليد الأدبية العربية.
تكمن أهمية اشتغال كيليطو النقدي في انطلاقته من التراث السردي العربي، وفي تطوير شبكة المفاهيم النقدية الموروثة الكفيلة بالتعامل مع التراث السردي نفسه. ينتمي نقد كيليطو إلى ذلك الحفر المعرفي، إخصاباً لمنهج علاماتي يؤول النص في خضم معرفة واسعة باللغة وفهم التقليد الأدبي والصنعة الأدبية دون أن يسقط على النص دلالات أو معاني لا يبطنها، أو ترشح عنه، وكان أدرج شغله في مفهوم «القراءة»، وأن قراءته لكتاب «الليالي» ستسعى لا إلى تجريده من أسراره (بوساطة ما لا أدري من شبكة تأويلية)، بل إلى إطلاعه على سره الخاص، وذلك دون المس بكل احتمالات معناه، وفي لحظة ستكون العين والإبرة حاضرتين في الموعد»( ). ويفيد هذا السعي أن الحفر المعرفي عند كيليطو يعتمد على احترام النص والتأويل لإنجاب المعاني المحتملة، ويعني جوهر ذلك أن تقدير كينونة النص في سياقه التاريخي والمعرفي، وأن شغل كيليطو لا يغفل عن البعد التأريخي، الذي تتحرك فيه المخيلة وتنتج المبدعات على هذا النحو أو ذاك، وقد قال اندريه ميكيل في تقديمه للكتاب:
«إن هم التاريخ، عند كيليطو، يفسح المجال، هنا، لمبتكر الأخيلة، ولماذا لا نقول للحالم. لكن الحلم كثيراً ما يكون أكثر إعراباً وأكثر صدقاً»( ).
يطرح كيليطو مجموعة من التساؤلات: من القادر على تمرير الحكاية من سجل الشفهي إلى سجل الكتابي؟ ماذا يمكن القول عن مفهوم الراوي ومفهوم المؤلف؟ إلى أية خزانة يؤول الكتاب؟ وأية أيد تستطيع فتحه؟ ولماذا حالما يتم تسجيل الحكاية لا يبقى ثمة ما يروى، اللهم موت الشخوص؟ بواسطة أي مفعول سحري يغدو الكتاب عنصراً من عناصر الموت، هذا في الوقت الذي يقدم فيه نفسه بوصفه مساعداً وبلسماً مخصصاً لتقوية الحياة وتحسينها؟ وما الداعي إلى إغراق الكتب؟
إن كيليطو ينظر إلى كتاب «الليالي» مثالاً من أمثلة الحكاية في تراث الإنسانية، وأن خصوصيته عربية، ويتنفس هواء الثقافة العربية، ويجري في مجرى ماء التراث السردي العربي، وأنه خزانة معرفية هائلة، وليس في الميسور قراءته بمعزل عن التقاليد الثقافية العربية، وهذا هو مبعث التساؤلات عن مفهوم الراوي ومفهوم المؤلف وبقية المفاهيم الناظمة لسيرورة السرد العربي في نهر الثقافة العربية العميق، المتلاطم الأمواج.
سمى كيليطو الفصل الأول «خزانة شهرزاد» بما يشير إلى هذا الفهم، على أن شهرزاد تنهل من ثقافة عريضة تجعل من الكتاب بعد ذلك خزانة معرفية تروى. وما فعله كيليطو ليس الشرح، بل هو تزجية التأويل تلو التأويل للكشف عن أسرار الكتاب: طبيعة الحكاية في الليالي، وقيمة الحكي إزاء الموت، وطبيعة حيلة الرواية التي قامت بها شهرزاد، وهل الحكاية إلا تواضع سردي أو هي الحكي عن واقع متخيل تصنعه؟
يعيدنا هذا الاستنتاج إلى الرهافة النقدية التي يتميز بها كيليطو: قيمة صنعة الحكي في الليالي تعبيراً عن منظومة فكرية تكمن بعض تجلياتها في السرد الشهرزادي، وهو ما يؤكد عليه كيليطو في عديد الاحتمالات التي ينبه إليها.
يتحدث كيليطو في فصول كتابه عن أفكار متعددة حول «الليالي» ولا يشتمل في حديثه على موضوع واحد في الفصول كلها، بل يختار زوايا مختلفة ومستويات متعددة للإجابة على تساؤلاته، وينوع في أدواته النقدية لتدعيم منهجه، ففي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «الكتاب القاتل»، يستعمل التناص سبيلاً أو مدخلاً إلى حفرياته المعرفية. يبدأ بإحدى قصص بوزاتي، ثم يتلوها برواية «اسم الوردة» لامبرتو ايكو، دخولاً في ما ترويه «حكاية وزير الملك يونان والحكيم دوبان»، ثم يعارض ذلك بنصوص عربية وأجنبية أخرى، وبالترجمات الغربية لليالي، ليصل إلى دلالة من دلالات الحكي الشهرزادي.
لا يضيف كيليطو على نصوص «الليالي» دلالات ما، ولا يتعسف في تحليلها محاذراً أن يبالغ في احتمالات التأويل، لأن من صفات النصوص السردية، ولا سيما الليالي، الإضمار. ولعل تأويله لحكاية السندباد يعزز طريقته( ).
يختتم كيليطو كتابه بفصل يحمل عنوان «الخيط والإبرة» لمقاربة دراسته لليالي في العنوان الذي اختاره «العين والإبرة». ويضع عبارة مفتاحية لهذا الفصل كلمة للثعلبي من «قصص الأنبياء»، وهو وضع مثل هذه العبارات في مطلع كل فصل، وهذه العبارة تقول:
«وكان إدريس أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النجوم والحساب».
ولربما كان في ذلك دلالة على المعاني المتولدة لخط، على سبيل الحقيقة أو المجاز، نحو الدلالة الأبرز: «الحكايات مدرسة للحكمة، غير أنه يلزم وقت لاكتسابها». ويضيف كيليطو: «لقد كانت الحكايات مرايا تأمل فيها الملك حكايته الخاصة، وتمكن بفضلها، من التغلب على عزلته. ومن ثم فإن حالته، بعيداً عن أن تكون وحيدة، تندرج ضمن حالات مماثلة، إذ استطاع، من فرط تماهيه مع شخصيات خيالية، أن يكتسب رؤية جديدة للأشياء، وتتخلى عن حقده»( ).
أما الدلالة الأكبر فهي مرتبطة كذلك بعنوان الكتاب المأخوذ عن عبارة طالما ترددت في السرد الشهرزادي: «وحكايتك حكاية عجيبة لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر». وقد شرّع تأويل كيليطو في ثنايا خاتمة بحثه الأبواب والكوى على آفاق رحيبة لتساؤلاته الأولى( ).
1-9- وفعلت المناهج الحديثة فعلها في الدراسات الميدانية للموروث السردي من المنطلقات إياها: «السير الشعبية كانت ترسخ في الوجدان الشعبي معنى. ضرورة الاهتمام بدراسة القصص الشعبي العربي باعتباره المصدر الحقيقي للهوية العربية من ناحية، وباعتباره كنزاً فنياً ثميناً من ناحية أخرى»( )، فوضع محمد حافظ دياب (مصر) كتاباً بعنوان «إبداعية الأداء في السيرة الشعبية» (1996 جزءان)، ورأى خيري شلبي، مقدم الكتاب، أن هذا الكتاب يعالج نقصاً فادحاً في الدراسات الشعبية، ذلك أن كل الدراسات التي تعرضت للسير الشعبية من قبل اهتمت بالجوانب الموضوعية أو العناصر التاريخية أو القيم الجمالية، بينما يكتب دياب عن المؤدي في السير الشعبية، بوصفه مبدعاً خلاقاً، وإبداعيته تتفاوت من مبدع لآخر، فقبل تدوين السير في سجلات مخطوطة أو مطبوعة، كانت ذاكرة المؤدي هي التي تحتفظ بالنص، ولم يكن المؤدي يؤديه بحرفيته، إنما كان يضيف إليه من أحاسيسه ومشاعره وخياله الخصيب إضافات إيجابية تسهم في استكمال النواقص والسواقط من الأخيلة السابقة( ).
وأعلن دياب في مفتتح دراسته أنه يسترشد بمنهج علم الاجتماع الأدبي في مقاربة تمثل منطقة تقاطع معقدة بين عديد من العلوم المترابطة Border Line or Intcrdisciplinary Sience، كالفولكلور، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والسيميوطيقا، وعلم الاتصال، وعلم السرد القصصي Narratology، وحيث بعض من هذه العلوم، والحديثة منها تحديداً، ما زالت تسودها كوابح التوتر الفكري، والتعاضل المصطلحي، والتجريد النظري، وقصد دياب من التقاطع الإسهام في تطوير منظور تركيبي ذي كفاءة في استيعاب هذه الإبداعية.
قامت دراسة دياب على فحص ميداني يعاين غنى حضورها في الواقع، فعالج مفهومي السيرة الشعبية وإبداعية الأداء، وشرح الأرضية النظرية لدراسته، وشملت: النظرية الوظيفية، ونظرية الصيغ الشفاهية، والنظرية البنيوية، النظرية السيميوطيقية. وناقش الأسس المنهجية للدراسة: المنهج الفولكلوري ومنهج دراسة التجمع المحلي، ومنهج تحليل الدور، وتضافرها مع المنهج الأنثروبولوجي، لتحقيق المزيد من فهم الظاهرة المدروسة، وقدم مجتمع البحث باعتباره مسرح عروض السيرة الشعبية، خلفية تاريخية وملامح أيكولوجية، وخصائص ديموغرافية، ونشاطاً اقتصادياً، وإطاراً ثقافياً. وخصص حيزاً لصورة المؤدين في مجتمع البحث، التي تمثل مركباً من خصائصهم الشخصية وقدراتهم الفنية وسماتهم النفسية، ودرس جماليات نص السيرة الشعبية، كما تتبدى في الروايات المقدمة لها من قبل المؤدين في مجتمع البحث، عبر مستوياتها اللغوية والبلاغية والسردية والقيمية. وختم بحثه بعرض لموقف الأداء من حيث جمهوره ومناسباته وحيزه المكاني، والبرنامج الذي يحتويه، ودراسة وعي التلقي، تعريفاً لمفهوم التلقي، والديناميات المؤثرة فيه، وبنيته.
لقد غلب على نهاجية دياب مؤثرات مستمدة من الاتجاهات الجديدة لنقد القص والسرد في آخر تجلياتها، ففي دراسته لنص السيرة الشعبية على سبيل المثال، استفاد دياب من معطيات عديدة لهذه الاتجاهات: اتجاه سيميولوجية الثقافة، ليستوعب النص ما هو أبعد من الرسائل بالمعنى اللغوي العادي، إلى الاشتمال على كل عرض محكي أو مدون، معاينة السياق الاجتماعي والثقافي، بما يفيد إدراك النص في ذاته، وفي موقف، وهو ما أطلق عليه فالنتين فولوسينوف V. Volosinov الفعل المزدوج L’Acte Double الذي يتحدد بمن يقوله، وبمن يقال له، نظرية التحليل النمطي الموتيفي للمدرسة الجغرافية التاريخية، نظرية المستشرق الألماني تيودور بنفي Th. Benfey، نظرية فلاديمير بروب V. propp الشكلية، النص المفتوح Oeuwre Werte بتعبير امبرتو ايكو U. Eco، ففي كل عرض من عروض السيرة، نكون بإزاء رواية جديدة، تمارس حوراها التناصي، الخصب مع ما سبقها من روايات، ويعاد إنتاجها وإبداعها أمام الجمهور وبمؤازرته، وتتخلق فكريتها وجمالياتها ارتباطاً بالمشروع الإنساني للجماعة الشعبية، مثلما يقوم كل متلق بتأويل النص حسب قدراته الثقافية والاجتماعية والنفسية، وهو ما أتاح لهذا النص البقاء والتأثير، وخول له صلاحية العشق والتواصل( ).
أفاض دياب في شرح النظرية المعتمدة التي قاربت دراسة الأداء من أجل منظور تركيبي مثل النظرية الوظيفية Theorie Fonctionelle، ونظرية الصيغ الشفاهية Theorie Orale-Farmulatiqu، والنظرية البنيوية Theori Structurale. ونلاحظ، أن دياب في عرضه لإسهامات النظرية البنيوية في دراسة الأداء، قد انطلق من اتصالها بعلم اللغة الحديث Modern Linguistics، والشكلانية الروسية Russian Formalism، وأعمال حلقة براغ Circle of Prague، تفاعل الفكر الفرنسي المعاصر مع هذه المصادر، وهو تفاعل شهد عقده الذهبي في الستينيات، وتجلى في مختلف ضروب المعارف، وبخاصة في الأنثروبولوجيا، والتحليل النفسي، وعلم الاجتماع، والتأويل، والنقد، والنقد الأدبي( ). وهكذا، غلب على منهج دياب المنظور التركيبي مستفيداً من النظرية السيميوطيقية Theorie Semiotigue في منهجه أيضاً.
وتتميز دراسة دياب، على وجه العموم، بثرائها التحليلي تثميراً لمعطيات الاتجاهات النقدية الجديدة دون إيغال في خصائصها الشكلية بقصد إبراز قيمة التأويل المستند إلى نهاجية علامية في نظرية الخطاب والتلقي كما تبدت عند امبرتو ايكو وسواه. وتحفل نظرته إلى مستقبل الأداء في السيرة الشعبية من خلال واقعها في مصر إلى استبصارات حاذقة هي جملة الاعتبارات التي أوردها في ختام بحثه: احتدام الأزمة المجتمعية الشاملة في مصر، تأثير هذه الأوضاع في رسملة العلاقات الاجتماعية، تزايد نشاط وسائل الاتصال الجماهيري، وسيطرة الثقافة الإعلامية Mediatigue، وما ينتج عنه من أسلوب التسليع والتهميش، وهذا كله يعرض السيرة الشعبية إلى مخاطر راهنة وضاغطة على الهوية القومية.
يصدر دياب عن وعي عميق بإمكانات منهجية هائلة مما يعبر عن التمثل الكامل للنقد العربي الحديث في درس الموروث السردي الشعبي، ولا يقلل من منهجيته استخدامه الواسع للتعدد النظري والمنهجي، لأن الغالب عليها هو المنهج العلامي وانبنائه على هذا التعدد النظري والمنهجي.
1-10- يعد شغل سعيد يقطين (المغرب) في نقد الموروث السردي الشعبي من أكمل الإسهامات في انطوائه على مشروع نظري يستعين بالمناهج الحديثة في سبيل أصالة ثقافية ونقدية عربية؛ ومن اللافت للنظر أن يقطين لا يميز بين الموروث السردي الشعبي، والموروث السردي الأدبي، لاندراجهما في سياق معرفي ونقدي واحد، ولأن دراسته للمتن السردي الموروث مخصوصة بموروث سردي شعبي هو السيرة الشعبية، فكان مشروعه النقدي الكبير لتحليل السرد انطلاقاً من المتن السردي العربي القديم في كتابيه «الكلام والخبر: مقدمة للسرد العربي» (1997)، و«قال الراوي: البنيات الحكائية في السيرة الشعبية» (1997). وقد وقع اختياره على السيرة الشعبية للاعتبارات التالية:
«أ- السيرة الشعبية عمل حكائي مكتمل ومنته، وقدم لنا العرب من خلاله العديد من النصوص.
ب- هذا العمل الحكائي يمتاز بالطول الذي يتيح له إمكانية استيعاب العديد من الأجناس والأنواع والأنماط.
جـ- إن له خصوصية يتميز بها عن غيره من الأنواع السردية العربية، سواء من حيث تشكله، أو عوالمه الواقعية أو التخييلية التي يزخر بها.
د- هناك العديد من النصوص الحديثة التي تتفاعل معه، بمختلف أشكال وأنواع التفاعل النصي»( ).
وبين يقطين دواعي مشروعه النقدي في أمرين، هما:
«أ- تعميق التصور السردي الذي أسعى إلى بلورته، وأنا أبحث في السرد العربي الحديث، وتطوير إجراءات البحث، وتدقيق أدوات الاشتغال، بالانتقال إلى الاهتمام بالسرد العربي القديم.
ب- إقامة علاقة بالنص التراثي العربي في مختلف تجلياته ومستوياته، لأن السيرة الشعبية منفتحة على التاريخ والجغرافية، ومختلف المعارف التي ركم فيها العرب تصورات شتى، وتركوا لنا بصدده أدبيات متعددة»( ).
وصدر يقطين، في شغله، على السيرة الشعبية مداراً لمشروعه النقدي، عن البعد القومي إياه: «هذا البحث الذي أريده متكاملاً، ومنفتحاً على مختلف القضايا والإشكالات والأسئلة التي تهمّ الإنسان العربي، والثقافة العربية، وفي مختلف الزوايا والمستويات، لأنها تتصل بالعربي في ذاته، وصيرورته، وآفاقه»( ) ولا يخفى ما في هذا القول من زعم، ولكن على الرغم من هذا كله، فإن منطلقات دراسته، وإجراءاتها، والنتائج التي خلص إليها ثمينة، تجعل من هذا الاشتغال على الموروث السردي ريادياً ونافعاً في تعضيد أبحاث الهوية القومية، فارتكز مدار الأطروحة على مفترضين، هما: السيرة الشعبية نوع سردي عربي له خصوصيته وتميزه من باقي الأنواع السردية العربية، السيرة الشعبية نص ثقافي، ويتجلى ذلك في كونها، وهي تتأسس نوعاً سردياً له خصوصيته، تنفتح على مختلف مكونات الواقع العربي، وثقافته، وتقدم نصاً يتفاعل مع مختلف ما أنتج الإنسان العربي في تاريخه.
وتناول في التأطير تصوره النظري، ورصد آراء القدماء العرب حول ما أسماه «النص» و«اللانص»، وما أنجز بصدد السيرة الشعبية من اهتمام دراسي ونقدي، وانطلق من «الكلام» العربي، كما تقدمه بعض الأدبيات النقدية والبلاغية والنقدية، واستثمار هذه الأدبيات لتشكيل تصور متكامل للكلام العربي، ولأجناسه وأنواعه، في ذاته وفي صفاته وفي علاقاته، تمهيداً لإقامة تصور عربي لدراسة الأجناس والأنواع والأنماط





Eng.Jordan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #6

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 14,121

   11-26-2012

 09:22 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

وميز بادئ ذي بدء بين المبادئ والمقولات والتجليات، فربط المبادئ بالثبات ووصلها بالجنس، والمقولات بالتحول، ربطها بالنوع، وجعل التجليات ترتبط بالتغير، ووصلها بالنمط، وفرّق بين ثلاثة أجناس للكلام العربي، هي الخبر والحديث والشعر، وانصب اهتمامه بعد ذلك على الخبر، من حيث أنواعه وأنماطه، واجتهد لموقعة «السيرة» إلى جانب الخبر والحكاية والقصة، باعتبارها من الأنواع الخبرية أو السردية الأصلية. ثم جعل القصة متصلة بالمبادئ لأنها مأوى الجنس الأدبي، والخطاب متصلاً بالمقولات «النوع»، وكان النص عنده مرتبطاً بالتجليات (النمط). ورأى أن السرديات النصية لا يمكن أن تكتمل، أو تتكامل إلا بمعالجتها السرد من حيث هو قصة، من خلال «سرديات القصة»، والسرد من حيث هو خطاب «سرديات الخطاب»، ثم درس السيرة الشعبية من حيث هي «قصة» من خلال التركيز على الحكائية باعتبارها الخاصية التي بواسطتها تنتمي السيرة إلى جنس الخبر أو السرد، في كتابه التالي «قال الراوي».
في تأطيره من أجل تصور متكامل لدراسة السرد العربي، اعتمد يقطين على امبرتو ايكو في تسويغ تطوير الفكر بفحص الماضي، لا برفضه. «إننا نعيد فحصه ليس فقط بهدف معرفة ما قيل فعلاً، ولكن أيضاً بهدف ما كان يمكن أن يقال، أو على الأقل ما يمكننا قوله الآن، بناء على ما قيل سلفاً»( )، وهذا إحدى قواعد المنهج العلاماتي والتفكيكي المعرفي المتمثل في إنجاز التناص الذي استعمل باتساع أيضاً في اتجاه شعرية السرد. ويسجل في هذا السياق على يقطين إنكاره للجهود النقدية السابقة على شغله، وهو العارف بغالبيتها وبقيمتها، وثمة بعضها سامق، ويسبق اجتهاداته، كما لاحظنا، وسنلاحظ في أثناء الحديث عن نقد الموروث السردي الأدبي. لقد حكم على القراءات والتصورات السابقة، إجمالاً، أنها «عاجزة عن تحقيق المبتغى الذي نرمي إليه، لأنها بكلمة وجيزة لم تأخذ بأسباب البحث العلمي، التي ننطلق منها، في معالجة الجوانب التراثية»( ).
إن كثيراً من اجتهادات يقطين مسبوقة، وكان الأولى أن ينطلق من جهود النقاد والباحثين لبناء مشروعه. ولربما كان مرد ذلك إلى القطيعة المعرفية العربية. وثمة ما يثير الاهتمام والتساؤل أيضاً مع ناقد مؤصل للمناهج النقدية الحديثة، هو أنه لا يرى إلا شغله النقدي قادراً على الاستمرار والتحول من جهة، وعلى التبلور والامتداد من جهة أخرى، وأنه يجد نفسه يلتقي مع الأدبيات النظرية الأجنبية وحدها في بلورة مشروعه النقدي( ).
مثلما يلاحظ على مشروعه أنه ما يزال في قيد الاشتغال بالنظر إلى شكل موقع السرديات وموضوعاتها، أو تثمير مجال السرديات الحصرية والسرديات التوسيعية المأخوذة عن جيرار جينيت لإيغاله في التنظير، والتماس تطبيقه على الموروث السردي العربي بعد ذلك، ويبدو تصميمه لشكل السرديات الخاصة والسرديات العامة غير مقنع، لأن يقطين، على خلاف عدد كبير من النقاد والباحثين العرب، لا ينطلق من النسق الثقافي العربي، لغوياً وبلاغياً ونقدياً، بل يعمد إلى اجتلاب النهاجية الغربية، وهو جهد أظهره باتساع وعناية في كتابين سابقين، عن تحليل الخطاب الروائي وانفتاح النص الروائي، سنعالجهما في الفصل التالي. ومن ذلك طرحه لأسئلة من خارج الثقافة العربية ونصوصها، مثل الملاءمة العلمية والملاءمة الاجتماعية كما وضحها بوبر:
«1- نمط من البحث العلمي الذي يمكن أن يساهم في حل بعض القضايا العلمية.
2- في علاقة هذا البحث مع أبحاث علمية أخرى في المجال نفسه.
3- في علاقته، أيضاً، مع أبحاث أخرى في مجالات أخرى»( ).
أكد يقطين على البعد القومي لبحثه باستمرار، إذ رأى أن «إنتاج الوعي الجديد لا يتأسس إلا على قاعدة تقديم معرفة جديدة وجذرية، وقد يكون رافداً من روافد تثبيت الهوية الثقافية والاجتماعية ونظم عناصرها ومكوناتها أمام العناصر الطارئة، والتحولات التاريخية. وقد يكون أخيراً سؤالاً للبحث عن الهوية المفتقدة والكيان المهدد»( ). ويلاحظ هنا أيضاً استغراق يقطين في المقدمات الإنشائية وأحكام القيمة التي تتعارض أحياناً مع دواعي البحث العلمي، ولا تخلو في الوقت نفسه من مزاعم، لأن غالبية آرائه مسبوقة، كما أشرنا. وأشير إلى بعض الأمور من حديثه عن «النص واللانص في الثقافة العربية»، فقد ذكر أسساً لبعض الثنائيات، وهي المتكلم والمتلقي، ونوع الكلام، وقصد الكلام، وهي فكرة طالما نوقشت لدى الباحثين والنقاد، ثم ذكر أسباباً تجعل القصص مكروهاً، مبنية على حكم فقهي متأخر لابن وهب وابن الجوزي مما يتكرر بأشكال متعددة لدى المفسرين والفقهاء بصورة عامة، بينما أثبت عبد الله إبراهيم في كتابه «السردية العربية» (1992) أنه رأي غير شامل، لأن ثمة آراء تجافيه، وذكر رأياً مماثلاً عن الرأي الأخلاقي في العمل الفني، وهو أمر جاوزته الثقافة العربية والنقد العربي منذ زمن طويل، مع حازم القرطاجني على وجه الخصوص، كما بين إحسان عباس في كتابه «تاريخ النقد الأدبي حتى القرن الثامن الهجري: نقد الشعر» (1971)، واستخرج معايير اللانص من مقالات محمد عبده ومحمد عابد الجابري وعبد الله العروي، وليس مثل ذلك مقبولاً، لأن المعايير تستخرج من تشكلات هذه المعايير في الثقافة العربية القديمة بالدرجة الأولى. وعلى العموم، لم يستطع يقطين أن يسوغ حكماً لا يحتاج إلى مثل هذا الجهد الطويل والمضني، وهو انتقال السيرة الشعبية من وضع اللانص إلى النص( )، فالسيرة الشعبية تنتمي إلى الأدب الهامشي، ولذلك يبدو تخصيصه للفصل الذي يتناول السيرة الشعبية بوصفها بحثاً محجوزاً مما لا طائل وراءه، ولا تزيد فيه، ناهيك عن بعض الأحكام المطلقة التي بثها يقطين، وتستوجب البرهنة عليها، وقد جاوزه على عجل، مثل الاضطراب في لائحة الأجناس أو الأنواع التي أضفيت على السيرة الشعبية( ).
ولدى عرضه للدراسات العامة والخاصة العربية حول السيرة الشعبية، يستغرب المرء من تهوين يقطين لها، والتقليل من شأن الباحثين والنقاد الآخرين، فهو قال عن دراسة عبد الله إبراهيم المشار إليها، ما يثير العجب والاستغراب:
«ولما كانت مقاربته، يقصد عبد الله إبراهيم، لهذه الجوانب التي تستدعي التحليل الجزئي متسرعة ومجتزأة، لم نتبين الخصوصية السردية للسيرة الشعبية، ولا خصوبة الأدوات السردية التي اشتغل بها»( ). وتتكرر هذه الآراء المستغربة والعجيبة في أكثر من مكان في دراسته.
والسؤال هو كيف ننفي السجال عن شؤون وعي الذات، بينما لم يفعل يقطين سوى التنظير واكتشاف ما هو معروف بعد أكثر من مائة صفحة: «وبهذا يمكننا الذهاب إلى أن العرب عرفوا ديواناً آخر غير الشعر، هو السرد»، و«أن الكلام هو الاسم الجامع الذي يستوعب النظم والنثر»( ).
وعندما دخل يقطين في إيضاح مشروعه لدراسة السرد العربي، أطلق أحكاماً تحتاج إلى تدقيق، وأمعن في التداخل الشكلاني غير المقنع، كما في حديثه عن «الجنس والنص في الكلام العربي»، فقد عالج موضوعه من خلال ثلاثة محاور هي:
1- مبادئ، مقولات، وتجليات.
2- الجنس، النوع، النمط.
3- القصة، الخطاب، النص.
ثم ينتقل من الأعم إلى الأخص مروراً بالخاص على النحو التالي:
1- الجنسية: باعتبارها الموضوع الذي يتحقق من خلال الكلام.
2- السردية: التي يعتمد الكشف عنها من خلال حضور جنس السرد في نص محدد.
3- النصية: وهي التي نبحث فيها من خلال التجليات النصية.
ويحدد المبادئ بالثبات والتحول والتغير، ويرصد الكلام في ذاته من خلال البحث في عناصره الجوهرية الثابتة، وفي صفاته البنيوية من جهة ثانية، وفي تفاعلاته مع غيره، وفي صيرورته. أما الأنماط فتتصل بالأساليب: السامي، المنحط، المختلط، ثم مضى في «فذلكة» العلاقة «من التراث إلى النص، ومن النص إلى الكلام إلى الكتب، ومن الكتاب إلى المجلس، أمام العودة مجدداً إلى النص، من خلال ما أسميناه بـ«التجليات النصية»، وذلك عبر جنس محدد هو «الخبر»، لتبيين كيف يتجلى من خلال نص معين هو السيرة الشعبية»( ).
ووضع يقطين بعد نقاش طويل، ليس نافعاً كله، وهو مسبوق في غالبيته، إلى تركيبه عن السرد والسرديات مستعيناً ببروب وذريته عن الأفعال والفواعل والزمان والمكان (الفضاء) والحكائية ضمن إطار لعلم السرديات أوجزه فيما يلي:
«أ- أن تنفتح على السرد حيثما وجد (لفظياً كان أو غير لفظي).
ب- أن تنفتح على الاختصاصات التي سبقتها إلى الاهتمام بالمادة الأساسية الحكائية، وأقصد بالضبط «السيميوطيقا السردية».
جـ- أن توسع مدار اختصاصها، لتتجاوز البحث في الخطاب، إلى ما أسميناه بـ«النص» من حيث أنماطه المختلفة، وتفاعلاته النصية المتعددة، وفي هذا المضمار عليها أن تنفتح على مختلف عطاءات العلوم الإنسانية والاجتماعية»( ).
وهكذا، خلص إلى نتيجة معروفة في الاتجاهات النقدية الجديدة: سرديات القصة، سرديات الخطاب، سرديات النص، تمهيداً لتناول السيرة الشعبية على أساس هذه النتيجة في كتابه التالي «قال الراوي» (1997) بوصفها تجلياً سردياً.
أهدى يقطين كتابه التالي إلى عبد الحميد يونس رائد الدراسات الشعبية، ومحمد مفتاح باحثاً ومجدداً، أي أنه جمع بين تأصيل الموروث السردي، والتجديد في النقد الأدبي، ولذلك عمد إلى «تأكيد كون السيرة الشعبية نصاً واحداً ثقافياً، وعبر ربط النص بالسياق الثقافي ـ الاجتماعي تأكد لدينا كون السيرة الشعبية موسوعة حكائية تلتقي مع التصنيف الموسوعي الذي تبلور في القرنين الهجريين الثامن والتاسع»( ).
لم يغفل يقطين في مقدمته عن استنكار جهود النقاد والباحثين الآخرين، بينما كان من المجدي أن يباشر بحثه مستغنياً عن ثلثي كتابه السابق على الأقل، ومعتمداً على هذه الجهود التي طالما قلل من شأنها، بينما لم يتوصل في بحثه إلى شيء كثير زائد عن هذه الجهود، لأن مقدماته عن السرديات والسيميوطيقا والسرديات والحكائية والبنيات الحكائية تفيد دأبه على تطبيقها مباشرة على السرد العربي والبنيات الحكائية في السيرة الشعبية، بينما لم ينبثق هذا التطبيق، وهذا التنظير من قبل، من داخل الأنساق الثقافية والمعرفية والنقدية العربية، كما فعل عبد الفتاح كيليطو، بشكل واسع، وعبد الله إبراهيم ومحسن الموسوي، بشكل واضح.
خصص يقطين الفصل الأول للأفعال ـ الوظائف في السيرة الشعبية، والثاني للشخصيات، الفواعل، العوامل، والثالث للبنيات الزمانية، والرابع للبنيات الفضائية، والخامس للبنيات والوظائف على سبيل تركيب مفتوح: السيرة الشعبية نص مفتوح، السيرة الشعبية نص ثقافي، السيرة الشعبية والسياق النصي.
لا أريد الخوض في مناقشة تطبيقات يقطين التي تنحاز كلية للمأثور النقدي للاتجاهات الجديدة، ولا سيما العلاماتية وشعرية السرد مما أوضحه في كتابيه السابقين عن «تحليل الخطاب الروائي» و«انفتاح النص الروائي».
2- نقد الموروث السردي الأدبي:
2-1- ما لبث النقد الجديد للموروث السردي الأدبي العربي أن بدأ على استحياء في آواخر السبعينيات، وكان النقد اللغوي الخالص المتأثر بنهاجيات علمية هو المحاولة الأولى في كتاب، فقد وضع المنصف عاشور (تونس) دراسة إحصائية وصفية عن «كليلة ودمنة» تحت عنوان «التركيب عند ابن المقفع في مقدمات كتاب كليلة ودمنة» (1982)، وهو نقد مغاير للموروث السردي، تصير معه الحكاية إلى نص لغوي. وقد صرح عاشور بغايات دراسته وطبيعتها في مقدمته العامة، فهو قصد إلى دراسة لغوية وصفية مغتنياً بالجملة والتركيب مستفيداً من النهاجيات العلمية الحديثة، ولا سيما المنهجية الإحصائية، من خلال المراحل التالية: تقسيم التراكيب، تحديد نوعيتها، عدد المؤلفات المباشرة، توزع المؤلفات المباشرة، طرق الربط بين الملفوظات في السياق الكلامي، تحليل البنى السطحية والعميقة، وملاحظة العلاقات الممكنة بينهما، ودرجة البساطة، أو التعقد في كل ملفوظ، جمع الأشباه والنظائر والتركيز على العملية الإسنادية، التعليق على الظواهر الطريفة تركيبياً ومدلولياً، تحديد الخصائص الكبرى للكتابة عن ابن المقفع.
درس عاشور مدى الأصالة اللغوية، ومدى اللحن، ومدى تفاعل لغته الفارسية مع العربية، وغفل تماماً عن السرد، وقد نظرنا إلى هذا الكتاب لأنه معني بموروث سردي عربي، مما يشي بقيمته في التراث الأدبي العربي لدى الباحثين والنقاد، وبما يجعله أهلاً لدراسة الجملة العربية: «وما الشروع في الدراسات اللغوية الخاصة بالتركيب إلا خطوات أولية تؤدي إلى «شغف علمي» وحرص «لغوي» كان له مداه ومفعوله في محاولة اعتماد معطيات مبدئية في كل دراسة نحوية. ولعلنا سعينا إلى فهم خصائص الجملة بإتباع طريقة الوصف والإحصاء من زاوية الواصف اللغوي»( ).
2-2- ولربما كانت دراسة قاسم المقداد (سورية)«هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي: جلجامش» (1984) أول محاولة نقدية للموروث السردي العربي تلتزم مباشرة بالنقد الجديد للقصة والرواية، ولا سيما الشكلانيين الروس والبنيويين ونقاد شعرية السرد، وقد لحظ ذلك جورج كاساي في تقديمه للكتاب الذي رأى فيه عملاً معقداً يهدف في نهاية الأمر إلى تفكيك آليات السرد القصصي، على الرغم من الحرج والصعوبة اللذين جاوزهما بمهارة، كونه يطبق هذا المنهج الجديد على «نص محترم، مثل ملحمة جلجامش، نظراً لقدمه، وطابعه المقدس»( )، وأبدى كاساي إعجابه الشديد بالبحث، وبخاصة ما كتبه المقداد عن «النص المؤسس»، وما يضمه هذا المفهوم، أي، نستطيع تسميته بإيديولوجية جلجامش (التوراة والأسطورة اليونانية والقرآن).
دعا المقداد في مقدمته لدراسته إلى قبول مصطلح «هندسة»، على الرغم من أنه ينتمي إلى فرع معرفي آخر، «فالمعنى» يرتبط «بالهندسة» ارتباطاً وثيقاً، الهندسة هي إعطاء المجرد شكلاً هادياً، وترتيباً منطقياً ومنسجماً، وأشار إلى نشوء تيار «الملفوظية» في تحليل الحديث إشارة إلى ترجمة لكتاب الملفوظية( )، وما يؤدي إليه مثل القول بأن الكلمة ليست بديل الشيء، اتفاقاً مع رومان جاكوبسون، وأن المعنى هو محصلة العلاقات التي تقيمها الكلمات فيما بينها ضمن كل عام متماسك ومنسجم، وأن كل عمل تحليلي يخضع لعاملين ذاتي وموضوعي، وذكر المقداد أسباباً ذاتية لاختيار جلجامش، أما الأسباب الموضوعية فهي:
«1- تعتبر ملحمة جلجامش من أقدم التراث الأدبي الإنساني، إن لم تكن أقدمه، إذ يرجع تاريخها إلى أبعد من القرن الأول قبل ميلاد المسيح، على أنها ماتزال محافظة على شكلها التاريخي والشعري، وعلى مضمونها الفكري. وهي عناصر من شأنها جذب الباحث وإثارة اهتمامه.
2- ملحمة جلجامش هي جزء رائع من تراثنا العربي. وقد كان مهماً دراسة هذا الجزء من التراث على ضوء نظريات النقد الحديثة وعلم اللغة.
3- على الرغم من انتماء الملحمة إلى التاريخ القديم، فإن الموضوع الذي تعالجه لا يزال حياً، ولا يزال يشكل مركز اهتمام البشرية كلها.
4- أما السبب الأخير فيندرج في إطار المغامرة. إذ كيف نطبق منهجية حديثة على نص قديم؟ على نص كامل، ذلك لأن معظم المحاولات في هذا المجال، كانت تكتفي بدراسة وجه واحد من وجوه العمل الأدبي إذا كان بهذه الضخامة»( ).
واستشهد المقداد باستغراب جيرار جينيت نفسه، وهو من هو في ميدان نقد شعرية السرد، حينما سأله عن تطبيق منهجه في التحليل على ملحمة مثل جلجامش، فأجابه: إنها مغامرة، وقد أراد المقداد ركوب المغامرة. واعتقد أن النقد الجديد للقصة والرواية قد كسب ناقداً طليعياً مجدداً بدأ خطوته الأولى مع نقد الأصول، وتعامل مع «نص جديد» بتقديره، لأن «النصوص» تتنفس بشكل مختلف في مختلف اللغات»، على حد تعبير كاساي، وقد درس جلجامش سردياً مترجمة إلى الفرنسية (ثمة ترجمتان الأولى للابا والثانية لعازرية).
مهد المقداد لبحثه بنبذة تاريخية، وبتحديد مصطلحي لبعض القضايا المتعلقة بالرمز والعلامة، ليصل إلى تحليل ما أسماه الظروف الرمزية في القصة، أو تنظيم القصة أو فضاءها، وبحديث عن مفهوم الأسطورة وخصائص الحديث الأسطوري، وكيفية تحول الأسطورة إلى ملحمة. وأدخل المقداد مصطلحاً جديداً من شأنه أن يعطي لجلجامش المكانة التي يستحقها، والمصطلح هو النص المؤسس. ثم حلل تقنية القصة على ضوء المنهج الذي اختاره من جوانب: وظائف القصة أو وحداتها الأساسية، وشخوص القصة، وبخاصة طبيعة العلاقة القائمة بين جلجامش وانكيدو، وتحليل نموذج من الأحاديث النسائية، وبالذات، حديث عشتار، والزمن القصصي، وتوضيح الفروق بين زمن القصة وزمن السرد أو المسرود، ظاهرة التكرار وآثارها على البناء العام للملحمة، وجهة النظر أو المنظور السردي، الحلم ودوره في القصة، وكونه عنصراً من عناصر السرد.
ذكر المقداد في مقدمته أعلام النقد الذين اقتض أثرهم، وهم بروب وجريماس ويلمسليف وبريمون وتودروف وجينيت وميكيا بال وفيليب هامون وغيرهم، أما رولان بارت فقد بالغ في مدحه بما لا يحتمل النقاش؛ بقوله: «أما رولان بارت فلا يسعنا القول عنه سوى أنه هو الذي كان السبب في توجهنا هذا، لأنه كان فوق كل المدارس، وفوق كل التيارات». غير أن المقداد انتقد البنيوية على الرغم من استناده إلى نتائجها في تحليل السرد والتنظيم البنيوي للقصة وإعجابه البالغ برائدها الأكبر بارت، ليس لأن البنيوية منهج خاطئ، بل لمحدوديتها، لأن «النص لا ينتج نفسه. إنه منتوج، يكمن خلفه منتج يخضع بدوره إلى جملة من شروط الإنتاج»( ).
عرف المقداد، على نحو سريع ولماح بالقراءة، دخولاً في قراءة السرديات، مثلما عرف بالأسطورة والرمز دخولاً في تحول جلجامش إلى شكل من أشكال الحديث الأسطوري على سبيل البحث العلامي، وأشار إلى خصائص الأسطورة وتحولها السردي إلى حديث ملحمي، وتوقف عند الخصائص التالية:
1- كثافة الوحدات السردية التي تصف العالم الأسطوري.
2- فورية تتابع الأفعال.
3- تلاصق الوظائف.
4- إثارة خيال القارئ.
5- التساوي بين الشخوص من الناحية الوصفية.
6- المظهر اللامحدود للأسطورة.
واقترح المقداد، كما أشرنا، مصطلح النص المؤسس أو التحتاني، وهو مقارب لمصطلح التناص، على الرغم من رأيه الختامي الذي ينطوي على التباس يحتاج إلى توضيح: «إذا كان مفهوم النص الجمعي (النصوص المتداخلة) يفترض التبادل والتداخل بين النصوص، فإن النص المؤسس لا ينطوي على مثل هذا المفهوم. وحينما نقول بوجود نص ثان، فإن ذلك يعني ببساطة، وجود نص أول، والثاني لا وجود له في حال غياب الأول، تماماً كالعلاقة القائمة بين الأرقام في متسلسلة حسابية»( ).
إن مناقشة هذا المصطلح تفضي إلى نفي التناص عن نص أول، ويعد المقداد «جلجامش» نصاً بكراً ليس على مثال أو منوال، ولربما احتاجت هذه المناقشة إلى حيز ليس مقامه هنا.
شرح المقداد مفهومه للوظائف، الملتبس مع مفهوم الحوافز (الوحدات القصصية الأصغر)، وهي عنده سبع عشرة وظيفة، أي أنه يختزل الوظائف الذي ذكرها بروب، وقد سمى هذه الوظائف على النحو التالي:
الإهانة.
الإضاءة.
الطرف المنصف.
المنافس.
الأحلام (جلجامش يبحث عن صديق).
انكيدو يبحث عن صديق.
الصراع.
الصداقة.
المغامرات.
الإهانة (موجهة إلى الإلهة).
الإساءة.
العقاب.
الموت.
البحث عن السر.
الحصول على السّر.
ضياع السر.
العودة.
واستخرج المقداد، مطوراً تصنيف الوظائف ومبسطاً في مفهوم علاقاتها، علاقات الوظائف، علاقات التناقض أو علاقات السببية أو العلاقات الزمنية أو التحولات السردية، للوصول إلى تشكل القصة من خلال توالد الجمل أو العبارات أو المعاني مما يسبقها، أي ضمن المتتالية السردية للمتن الحكائي. وبحث بعد ذلك في التشابك العلائقي للشخوص من خلال التكامل والصفة التمثيلية والوقائع المفترضة والمساهمة الإخبارية.
وازن بين النظري والتطبيقي في نقده، لئلا يجور أحدهما على الآخر، وهذا ملموس لدى غالبية النقاد المجددين، ولا سيما الرواد في ميادينهم، والمقداد من رواد النقد القصصي والروائي الجديد. ويبدو مثل هذا في تمييزه بين الزمن الأول: سير الأحداث واكتمالها الفعلي، والزمن الثاني: بداية إخراج القصة سردياً، والزمن الثالث حيث يقوم القاص الثاني برواية القصة والسرد معاً.
وعندما تحدث عن وظائف التكرار، رأى أن التكرار الظاهري يخفي العديد من المعاني، وثمة نوعان من التكرار في جلجامش هما: تكرار الكلمات أو التكرار اللفظي، وتكرار المقاطع أو التكرار المقطعي. ومما يحمد للمقداد ناقداً حداثياً أنه جاوز النقد اللغوي، على إغراء ظاهرة التكرار في طبيعتها اللغوية بالأساس، إلى إدغام هذه الظاهرة في المتن الحكائي.
قام المقداد، غالباً، بتطوير منهجية نقدية بنيوية علاماتية، اختزالاً أو تبسيطاً أو مواءمة للموروث السردي، غير أنه يرتهن، أحياناً، لمرجعية نقدية غربية، ولو كانت غير دقيقة، كما في حكمه القاطع والجازم حول أولوية نقاد وجهة النظر أو المنظور السردي، فهو يعد جيرار جينيت من أوائل الذين قاموا بإدخال مصطلح التركيز (ولعل تعريب المصطلح بالتبئير أنسب POCALISATION) أو وجهة النظر POINIDEVEU في مجال تحليل السرد القصصي، بينما المصطلح تطوير لمصطلح وجهة النظر Piont of View( ).
لقد اختط المقداد في بحثه أسلوباً جديداً في نقد السرديات يعتمد على بروب والبنيويين ونقاد شعرية السرد مما سيتعاور عليه غالبية النقاد الجدد الذين حاموا حول هذه المنهجية الحديثة جزئياً أو انتقائياً، توليفاً، أو تطويراً، أو تأصيلاً يسهم في نقد التراث القصصي العربي.
2-3- عمل سامي سويدان (لبنان) على تمثل الاتجاهات الجديدة، ولا سيما النقد العلامي، معطيات علم الدلالة وشعرية السرد، وحوى كتابه «في دلالية القصص وشعرية السرد» (1991) ميله إلى نقد قصصي مختلف عن النقد التقليدي، فثمة وضع متميز «للعمل القصصي لم يقابله اهتمام مماثل في مجال الدراسة والنقد، خاصة من حيث تناول مقوماته الجمالية، والتطرق إلى خصوصياته الفنية»( )، مما دعا سويدان إلى استقصاء بعض أوجه نشاطات النقد والبلاغيين العرب، للتعرف على ما قدموه بشأن الدلالية، انطلاقاً من إنجاز عمل الدلالة اليوم على أيدي أهم أعلامه، ولا سيما أ. ج غريماس Greimas.
لقد سعى سويدان إلى بحث متقص من أجل علم دلالة عربي، يكون بمرتبة مقدمة ترسم الخطوط العامة لدراسة تفصيلية وموسعة ترمي إلى إرساء نظرية تحليلية في دراسة النصوص الأدبية ـ الشعرية انطلاقاً مع معطيات ألسنية ـ نحوية بشكل خاص. ولاحظ أنه لم يفرد للشعرية فصلاً خاصاً بها يستعرض أسسها ومقاييسها ومفاهيمها.
ورأى سويدان أن دراساته النصية للسرد لم تتوقف عند مظهريه: الدلالي والشعري، أو عند الجانب الداخلي للقصص، بل تعدته إلى ذلك الجانب الخارجي المتمثل في الأبعاد الاجتماعية ـ التاريخية والنفسانية ـ الذاتية التي تتيح الانطلاق من المعطيات النصية المطروحة التطرق إليه، فكانت مقاربته المنهجية تعلن في وحدتها تعددية إمكاناتها الأدائية المعرفية والفنية بقصد تعميق البحث في سيميائية أو دلالية القصص وشعرية السرد.
اتجهت دراسات سويدان النصية إلى «سيمياء جمالية القصص الفلسطيني»، و«الدلالات التعليمية والسمات الجمالية في أقاصيص مارون عبود» و«الحس العقلي في النص الخرافي ـ إصلاحية المثقف الحكيم في مواجهة السلطة المستبدة: دراسة نص قصصي في كليلة ودمنة»، ويهمنا في هذا السياق الدراسة الأخيرة.
وضع سويدان مقدمات لدراسته، عالج فيها مصادر كليلة ودمنة، ولا سيما حكاية القرد والغيلم، دخولاً في الطابع الحكمي ـ الخرافي، والجمالي الأدبي، على أن نص الحكاية المثل تعليمي قبل أي شيء آخر، وأن ثمة تلاؤماً بين شعريته وبلاغيته، إذ «تقوم شعرية الحكاية التمثيلية أساساً في تلاؤم الصيغة القصصية مع عقلانية الطرح الخاص بالغاية الإصلاحية التي تحكمها. وإذا كان بالإمكان القول إنه بقدر ما يضعف التلاؤم المذكور في النمط الأول الخطابي بقدر ما تضعف الجمالية الأدبية فيه، وذلك رغم عدم اقتصارها عليه، واعتمادها أيضاً على أوجه من التلاؤم تتعلق بالمستويات الدلالية والنحوية واللغوية الأخرى فيه، فإن بالإمكان قول الأمر نفسه، إنما بصورة متميزة، بالنسبة للحكاية التمثيلية»( ) أي أن سويدان يجعل رمزية الحكاية منطلق الغاية الحكيمة أو التعليمية في فهمه البنية الاستعارية، وهو أمر يتعلق بمبدأ الأنسنة، أي إضفاء صفات الإنسان على الحيوان، ويتساءل المرء عن تجنبه لهذا المبدأ المعروف، والتماسه بدائل بلاغية وبيانية أخرى. وهكذا بذل جهوداً مضاعفة ليستنتج دلالية يظهرها هذا المبدأ دون كبير عناء. ولعله الولع بالشكلانية الذي خاض فيه لرؤية شعرية السرد، مسترسلاً فيما هو قابل للإيجاز في فهم البنية العامة للنص، والبنيات الصغرى الأخرى، فتضاعفت المربعات والأشكال التي لا يحتملها نقد يسعى إلى التأويل، ومادته الكلمات بالدرجة الأولى، واذكر هذه المربعات والأشكال للتعرف على شكلانية سويدان:
المربع السيميائي الأول الخاص بتضييع الغيلم الحاجة بعد الظفر بها.
المربع السيميائي الثاني الخاص بالتماس القرد المخرج من الورطة التي أوقعه الشره فيها.
المربع السيميائي الثالث الخاص بالقدرة الإنسانية على النجاح في المهام المطروحة.
المربع السيميائي الرابع الخاص بعلاقات الصداقة والعداوة.
المربع السيميائي الخامس الخاص بحكمة التمييز بين الحقيقة والوهم.
المربع السيميائي السادس الخاص بالحكمة الوجودية.
المخطط العواملي الأول: مشروع السلطة.
المخطط العواملي الثاني: مشروع المثقف.
المخطط العواملي الثالث الخاص بمشروع الغيلم.
المخطط العواملي الخاص بمشروع القرد.
المخطط العواملي الخاص بالأسد.
المخطط العواملي الخاص بالحمار.
الفضاء القصصي الخاص بالقرد والغيلم.
الفضاء القصصي الخاص بالحمار وابن آوى والأسد.
الجدول الخاص بالتقديم والتأخير في حكاية القرد والغيلم.
الجدول الخاص بالتقديم والتأخير في حكاية الحمار وابن آوى والأسد.
الجدول الخاص بالوصل والفصل في حكاية القرد والغيلم.
الجدول الخاص بالفصل والوصل في حكاية الحمار وابن آوى والأسد.
جدول المخاطبات القائمة في حكاية القرد والغيلم.
ملحق المخاطبات الخاص بأطراف الحوار.
جدول المخاطبات الواردة في حكاية الحمار وابن آوى والأسد.
ملحق المخاطبات الخاص بأطراف الحوار( ).
يمتلك سويدان مقدرة عالية على التحليل السردي، وقد وّظفها توظيفاً مناسباً للكشف عن دلالية الحكاية: العقل مفتاح الظفر، براعة الاحتيال في صراع الأضداد، الإبداعية العقلية في النص القصصي التمثيلي، ولإظهار أبعاد هذه الإبداعية العقلية: البناء العقلاني للقصص الخرافي، جمالية النظام القصصي ودلالاته، المزايا العقلانية لصوت الراوي الفني، الإبداعية التعليمية في المخاطبات والحوارات. وقد استهدى سويدان في تحليله بمنهج غريماس، مستخلصاً نتائج هامة على المستوى الذاتي، وعلى المستوى الاجتماعي، وعلى المستوى الفلسفي. إن سويدان يتمثل المنهج العلاماتي باقتدار تحليلاً مستوعباً لثراء الموروث السردي الأدبي.
ومن اللافت للنظر أن ناقداً آخر هو فهد عكام (سورية) درس نص «القرد والغيلم» في كتابه «نحو تأويل تكاملي للحكاية الخرافية ـ نموذج من كليلة ودمنة: باب القرد والغيلم» (1995)، وأظهر مقدرة مدهشة على تمثل المنهج العلامي نفسه في تحليل الموروث السردي على نحو أشمل وأكثر براعة، وأقل شكلانية، من منظورات أوسع: المنظور النفسي ـ الاجتماعي، المنظور الأيديولوجي، المنظور الأسلوبي، بالإضافة إلى درس السرد من خلال الشخصيات الفاعلة في طرز معالجتها ونظامها على وجه الخصوص.
افتتح عكام دراسته بمسرد الرموز الدالة على منهجه: الاقتران بين شخصيتين، الانفصال بين شخصيتين، الشخصية، الإشارة إلى أن العنصر الذي تسمه خفي في السياق اللغوي، مستوى التصور المراد تصويره، مستوى الصوى المتخذ وسيلة للتوضيح، المشابهة، الدال، المدلول، ثم أورد نص الحكاية، وتلاه بمقدمة تسوغ شرعية النظر إلى نص مترجم على أنه أثر عربي، ومما يمنح هذه الشرعية الأمور التالية:
تمثيل كليلة ودمنة للتراث العربي.
تجدد الحاجة إلى هذا الكتاب في عصرنا.
تأثيره في الثقافة العربية.
أهمية الكتاب عالمياً.
وأورد بعد ذلك الأمور التي تبيح شرعية التأويل التكاملي، وهي:
تحليل الكتاب لعالم يخص الراوي والبيئة العربية.
تمثيل باب القرد والغيلم لعلاقة طبقية.
أهمية العلاقة بين الاجتماعي والنفسي في تطوير الحدث.
العامل الاجتماعي ـ النفسي شرط لمجموع فعالية الشخصية.
أهمية المادة اللغوية في تنظيم النص.
وانتهى عكام، في مقدمته، إلى نظرة عامة تفيد أن قراءة النص لأول وهلة، تلقي في روع المتلقي ما يلي:
«1- المقدمة وحدة مستقلة على الرغم من ارتباطها بالعمل Action، فهي مدخل يقوم على حوار بين ملك وفيلسوف، وعلى رسالة تتعلق بمستوى أدبي يتجذر في الثقافة القديمة: المثل.
2- جسد النص يتألف من حكايتين: القرد والغيلم، الأسد وابن آوى والحمار، وثانيتهما تعقب الأخرى موثقة العرى بها، والحكمة تدخل، مرات كثيرة، في علاقة تناوبية مع القص داخل المناجاة في كل منهما.
3- الخاتمة النهائية تردّ المتلقي إلى المقدمة، فينجم عن هذه الإحالة عرض دائري، والمقدمة والخاتمة تمثلان لحظة حاضرة في حياة الملك والفيلسوف، فهما خارجيتان عن زمن القص»( ).
حلل عكام حكاية القرد والغيلم أولاً، مستنداً إلى إنجازات النقد العلامي، ومبتعداً عن مألوف النقد الشارح السابح في اللغة الإنشائية، ومغلباً لغة نقدية صريحة ومباشرة ودقيقة ووظيفية وسليمة لا نجدها إلا لدى النقاد الأساتذة، وتعمر هذه اللغة منهجية واضحة واستعمال محدد للمصطلح، فلا يرتهن للمصطلح الغربي، ولا يكتفي بالمصطلح العربي، بل يؤلف شبكة مفاهيم ومصطلحات على سبيل تطوير البلاغة العربية والتفكير النقدي العربي بالرواية والسرد، وعلى سبيل حضانة المصطلح الغربي في ممارسة نقدية عربية، فانطلق عكام في تحليله من المقدمة إلى الحكاية، معولاً على الإشارات اللغوية Signes، والرموز، والأقنعة، والآثار العجيبة.
ووجد عكام لدى تحليله أن ثمة خصلة تقيم علاقة حميمة بين المقدمة والحكاية على الصعيد الفني، ويريد بها ازدواجية الراوي، فالفيلسوف الذي ذكر في المقدمة إن هو إلا راوٍ فردي وسيط بين الراوي الفعلي والمتلقي، وقد أشير إليه بالصيغة اللغوية «قال الفيلسوف». أما الراوي الفعلي الذي يقدم السرد فقد أشير إليه بالتعبير «زعموا» في مطلع الحكاية. فهو، والأمر كذلك، راو جمعي يمثله الضمير الجمعي في هذا التعبير، وهو ذات تروي الحكاية، ولكنها لا تكشف عن نفسها بعلامات شكلية لأن القص يستخدم الضمير الغائب لوصف الذات الإنسانية، التي هي، في عين الراوي ـ الشاهد، الموضوع الذي يشغله، ويوحي بالموضوعية في مجرى القص، ومن هنا من الصعب إعادة بنائها.
وأدت معالجة ازدواجية الراوي إلى إضاءة قضية الزمن في مجرى السرد، فهذه الازدواجية تحقق النقلة لغوياً من المقدمة إلى الحكاية، وهي، قبل كل شيء، حدث يجري مع الزمن، مما يفترض أو يشير إلى المسار الحكائي، والحوادث تتوالى، في تحليل عكام، في مسار الحكاية على النحو التالي:
وثوب القرد الشاب على القرد الهرم (فاردين) ملك القردة.
إلقاء التين في الماء وتوطد الصداقة بين القرد الهرم والغيلم.
تآمر زوج الغيلم مع صديقتها ومقصده.
اللقاء مجدداً بين الغيلم وزوجه والجارة.
اللقاء مجدداً بين الغيلم والقرد والمخادعة.
ويلاحظ عكام أن هذا التسلسل الزمني للحوادث غير مطرد، ويقوم على تقنيتي الاسترجاع الداخلي والاسترجاع الخارجي، وينسرب ذلك في تحديد الزمن الذي وقع فيه القص: من الزمن الكوني إلى الزمن النفسي، وثمة ثغرة زمنية، هي الفترة الزمنية في القص التي لا يعالجها الكاتب معالجة نصية.
وثمة الاستباق الذي يتجلى في حادثة التقاء زوج الغيلم بجارتها (المرحلة الثالثة)، حيث تمس الشخصية المساعدة قضية المستقبل. أما قضية المكان، فيحس المتلقي، برأي عكام، بأنه ينتقل من واقعه المكاني المباشر الذي يعيش فيه إلى عالم خيالي من صنع كلمات القاص يقع في منطقة مغايرة لواقعه، ولهذا المكان مقوماته الخاصة وأبعاده المتميزة، الشاطئ، الشجرة، البحر، الجزيرة.
ويتفاعل المسار الحكائي مع الوصف بوصفه سمة هامة من سمات الفن القصصي، وقد جاء مقتصداً للغاية في حكاية القرد والغيلم، مما يوحي بأن الحركة الزمنية لها الأولوية في الرواية، والوصف الروائي يمثل وقفة زمنية، قد تطول، وقد تقصر، دون أي حركة زمنية. ويضاف إلى الوصف المشهد الذي يعد من مظاهره، وحكاية القرد والغيلم تقدم منه نموذجاً في المرحلة الخامسة امتد فيه الحيز المكاني، المقطع، الامتداد الأكبر معبراً عن فترة زمنية قصيرة.
لاشك، أن تحليل عكام للسرد معمق، مستوعب للمنهج النقدي العلامي في صوغ ممارسته النقدية، دون أن يستأثر هذا المنهج بهذه الممارسة. ويلمس المرء استيعاب المنهج واندغامه في نقد الموروث السردي الأدبي على سبيل المضي في تحديث منهجية نقدية عربية، دون غلو في الشكلانية، تمثلاً مدهشاً للمصطلحات النقدية، خلل شبكة مفهومية دلالية تجردها هذه المصطلحات من شكليتها لتلتحم في سياق ثقافي نقدي يناسب نسق الحكاية الخاص، مثل مصطلحات: الوقفة، التوتر، الجذب، الدور.. الخ، أثناء حديثه عن الاسترجاع الخارجي( )، مما توفر عليه الناقد جيرار جينيت في كتابه «خطاب الحكاية- بحث في المنهج» (1997) ( ).
وتتبدى هذه البراعة أكثر في استخدام معطيات علم السرد في منهج النقد العلامي لدى تحليل عكام للشخصيات الفاعلة Operateurs، في طرز معالجتها ونظامها. وتبرز في هذا المجال استفادته من المنهج العلامي أيضاً ومن إسهامات نقاد شعرية السرد مثل غريماس وجينيت وغيرهما، وهو ما تمثله جمال الدين بن شيخ (الجزائر) في دراسته التحليلية لحكاية الوزير نور الدين وأخيه شمس الدين، في ألف ليلة وليلة، في مقالته: «اقتراحات أولية لنظرية ذات ترسيمة مولدة»، وكان ترجمها عكام( ).
وينهض تحليل الشخصيات الفاعلة على تطوير الحوافز والوظائف والفواعل، انطلاقاً من بروب وذريته، وأظهر عكام طرز معالجتها على النحو التالي:
إقصاء شخصية فاعلة غدت غير فاعلة.
تنحية شخصية غير فاعلة مؤقتاً.
تعهد الشخصية الفاعلة.
أما نظام الشخصيات الفاعلة فيتضح من خلال وجود:
شخصية فاعلة على غير علم بالمقصد.
شخصية فاعلة على علم بالمقصد.
ثم رهن أهمية الشخصيات في تطور المسار الحكائي وعلاقتها بالمقصد الذي يسعى لتحقيقه بعوامل خفية أخرى، تتبدى في منظورات السرد: المنظور النفسي ـ الاجتماعي، المنظور الإيديولوجي، المنظور الأسلوبي، بغية تحليل التعليلات الواعية في فهم سلوك الشخصيات، وتوقف أمام المستوى الدلالي، وأردفه من بعد بالمستوى النفسي والاجتماعي منبهاً إلى العلاقة بين هذه المستويات. ولاحظ أن المستوى الدلالي يقوم، في المرحلة الأولى من المسار الحكائي، على حادثة انقلاب سياسي وقع في أسرة ملكية، ثم دخل في قراءة دلالية للتفصيلات، غير أنني، على إعجابي بتحليله المدهش، لا أجد ضرورة للرسوم والترسيمات، وهي قليلة على وجه العموم، لأن الكلمة النقدية تفي بالغرض، مما يجعل من هذه الرسوم والترسيمات زائدة، أو أشبه بلزوم ما لا يلزم، واعتمد عكام على التحليل البنيوي للبنية الدلالية على المستوى النفسي، واستنطق الرموز والإشارات تأويلاً للمستوى الاجتماعي. وتوصل إلى ما يسمى وحدات نظائرية دلالية مثل: الأكل، الإيقاع، الإعجاب، الولوع، الطرب.. الخ. وعالج تأويل هذه الوحدات في علاقاتها بالمستوى النفسي والاجتماعي، وفسر بعض الدلالات الناجمة عن المسار الحكائي، وحدد السمات النفسية التي تُخفى وراء الظواهر الدلالية، وعلاقة ذلك كله بالمستوى الاجتماعي للخطاب.
وعنى بالمنظور الإيديولوجي وجهة النظر الأساسية التي تحكم العمل الأدبي، أي منظومة القيم العامة لرؤية العالم ذهنياً، وقدم نص القرد والغيلم قيماً جزئية من رؤية العالم الكلية التي يُعبر عنها تعبير تجلٍ أو خفاء مجموع الحكايات في كليلة ودمنة. أما الرؤى الأساسية التي تتكشف في هذه الحكايات فهما الرؤية السياسية والرؤية الاجتماعية، كاشفتين عن صورة المنظور الإيديولوجي، كما تبدى من خلال السياق الحكائي.
ثم عالج عكام المنظور الأسلوبي، ويفيد كيفية تقديم المادة أسلوبية القص، بينما تسمى الخصائص اللغوية المستخدمة في هذا التقديم أسلوبية التعبير، فكان تحليله للمنظور الموضوعي والمنظور الذاتي، وقد أفضى إلى ملاحظات عامة، هي:
1- تطوير المفهومات الاجتماعية المتصلة برؤية العالم.
2- ترابط الحكمة مع العالم الداخلي للشخصية.
3- الحكم على المنظور الإيديولوجي دون مفاضلة ولا تجريم.
4- التركيز على الشخصيات، ولا سيما شخصية القرد.
وعاين عكام أثر أسلوبية القص في متعة النص، من خلال أسلوبية التعبير في السرد، وأسلوبية التعبير في الحوار، وأسلوبية التعبير في المناجاة، وانتهى إلى الملاحظات العامة التالية بشأن الأخيرة:
1- إشعاع الإشارة في السياق بدلالات متعددة.
2- تدرج المقولات اللغوية في نسق تأثيري بغية الإقناع.
وختم دراسة الأثر بتقصي أثر أسلوبية التعبير في متعة النص، حيث تتمثل تقنية الالتفات بتناوب الضمائر من غيبة وتكلم ومخاطبة في سياق القص ظاهرة لافتة للمتلقي تضفي على الأسلوب نوعاً من التنوع والحيوية، وتدفع عنه الرتوب الممل، وخير ما يمثلها في هذا النص إبدال الإشارات( ).
وعالج عكام على هذا النحو حكاية الأسد وابن آوى والحمار، وكأنه يقصد إلى طريقة في نقد الموروث السردي الأدبي، مخصوصة باجتهاده، مبنية على تطوير منهجية علم الأدلة والنقد العلامي وشعرية السرد، وأبرز ما في هذا التطوير هو عدم الغلو في الشكلانية، والاستفادة من التقانات والأنظمة المعرفية واللوازم الاصطلاحية، وتدعيم بحث الخطاب السردي باتساع المنظور السردي ليستوعب آفاق رؤية العالم، فيما سماه تعدد المنظورات: النفسي ـ الاجتماعي، والأيديولوجي، والأسلوبي.
لقد كان عكام واعياً لشغله الذي يندغم في عمليات وعي الذات من أوسع الأبواب، فأنجز هذا التركيب النقدي القابل لمنهجية تؤصل وهي تنشغل بمعضلات التحديث:
«أضف إلى ذلك أن الفترة التي ظهر فيها الكتاب، يقصد كليلة ودمنة، تشبه الفترة التي نعيشها اليوم: فالحضارة العربية كانت تبحث عن ذاتها، فلجأت إلى هضم ما في الثقافات الأخرى من تراث إنساني أكان هندياً أم فارسياً أم أغريقياً عن طريق الترجمة، كما نفعل اليوم في موقفنا من الثقافة الغربية»( ).
2-4- كتب عبد الفتاح كيليطو كتبه الأولى بالفرنسية التي ما لبثت أن ظهرت بالعربية في وقت متقارب خلال العقدين الأخيرين، مثل «الكتابة والتناسخ: مفهوم المؤلف في الثقافة العربية» (باللغة العربية 1985)، و«المقامات: السرد والأنساق الثقافية» (باللغة العربية 1990)، و«العين والإبرة: دراسة في ألف ليلة وليلة» (باللغة العربية 1995).
ورافق كيليطو ذلك كتابته باللغة العربية لعدد من الكتب التي تتصل بالسرديات على نحو جزئي مثل «الأدب والغرابة» (1982)، أو على نحو كلي مثل «الغائب: دراسة في مقامة للحريري» (1987) و«الحكاية والتأويل: دراسات في السرد العربي» (1988).
ونعرف في هذا الحيز، حسب ما تقتضيه حاجات دراستنا، بجهده الأبرز في نقد الموروث السردي، أعني كتابه «المقامات» وهو مفصل هام من مفاصل مشروع كيليطو في السرديات العربية، تدعيماً لأبحاث الأصالة الثقافية بنهاجيات حديثة. يعمد كيليطو إلى الحفر المعرفي النقدي استناداً إلى اعتمال يقظ ونشط بالتأويل الدلالي.
حدد كيليطو في افتتاحية كتابه «المقامات» مصطلح «المقامة»، فهي ليست حكاية خرافية، إذ يتعذر أن يكون ثمة مؤلف لها، ومن العبث محاولة الوصول إلى نسختها الأصلية، وما يمكن هو مساءلة الراوي الحالي الذي استقاها من رواة تضيع لائحة أسمائهم في ماض يتزايد بعداً؛ بينما رأت المقامة النور في لحظة محددة، ولها مؤلف، ولهذا المؤلف سيرة يمكن الرجوع إليها. ورأى أن المقامة شأن القصيدة شكل لا نوع، ولم يمنعها ذلك من أن تتضمن أنواعاً مختلفة. إنه يعرفها بالنظر إلى فهم الشكلانيين الروس، ولا سيما توماشيفسكي، على أنها «زهرة برية لا يُدرى كيف تفتحت. لدينا الدلالة المعجمية للفظة، وبعض الترابطات الصدفوية، وبعض العناصر السيرية، لكن كل هذا لا يردم الهوة التي سببها مؤلف الهمذاني». ويضاعف من ظهورها المفاجئ، أن للأنواع الشعرية التقليدية شكلاً عروضياً داخلياً، «يوجه المضمون الموضوعاتي، والنبرة الخاصة بكل نوع، بينما لا تقدم مقامات الهمذاني نبرة ثابتة، بل انزلاقاً نغمياً ذا تنويعات متعددة: إنها تتضمن عدداً مهماً من الأنواع التي إذا نظر إليها على حدة كانت أحادية النبرة»( ).
ثم دقق كيليطو مفهوم المقامة غوصاً في الحفر المعرفي الذي نهجه ميشيل فوكو في مؤلفاته الكثيرة، ولا سيما «اركيولوجيا المعرفة» (1969) ( )، و«نظام الخطاب» (1971)، فبحث عن العناصر المكونة للمفهوم متتبعاً مصادر الهمذاني الذي يعد «خالق نوع المقامات»، وسمى ذلك الحفر المعرفي «عادة منهجية يتم الخضوع لها دون انشغال بتدقيق حدودها، مما يستدعي «دراسة التأثيرات التفصيلية التي تتضح سرابيتها، وإعلان أصالة لا يمكن البرهنة عليها»، ولذلك عني كيليطو في متنه بخمسة مؤلفين للمقامات هم: الهمذاني، وابن شرف القيرواني، وابن بطلان، وابن ناقيا، والحريري. وميز في كتاباتهم، أنها لا تحمل جميعها اسم مقامات، «لأن اثنين منهم: ابن شرف وابن بطلان اختارا لمؤلفيهما تسمية أخرى، لكنهم، خمستهم، كتبوا حكايات وامتثلوا للأنساق الثقافية ذاتها»( ).
وعلى الرغم من تسمية المقامة بالحكاية، إلا أن ثمة صعوبة «تتعلق بموقعتها إزاء الأنماط الأخرى للحكاية التي عرفتها الثقافة العربية، وحين يتعلق الأمر بدراسة العناصر السردية المكونة لها، وعلة تتالي هذه العناصر تبعاً لنظام ثابت، أو يكاد يكون ثابتاً، وحين يتعلق الأمر بمساءلة الدلالة، لا الأدبية فحسب، بل كذلك الدلالة السوسيولوجية لهذا النظام، وحين يتعلق الأمر، إجمالاً بالكشف عن الأنساق الثقافية التي تقع في الأساس منها والتي تمنحها مظهرها الذي ظهرت به دون غيره من المظاهر»( ). وانسجاماً مع نهاجيته المعرفية، عرّف كيليطو النسق الثقافي بأنه «مواضعة اجتماعية، دينية، أخلاقية، استيطيقية.. تفرضها، في لحظة معينة من تطورها، الوضعية الاجتماعية، والتي يقبلها ضمنياً المؤلف وجمهوره. ويكون أفق النصوص المفردة والإنجازات الفردية هو «النص الثقافي» الذي يجعلها ممكنة، وفي الوقت نفسه يحد من مدى تساؤلاتها. وهذا ما يجعل النص منفتحاً على نصوص أخرى، ومعرفيات أخرى دخولاً في مشروعية البحث التناصي، وهو سمة من سمات شعرية السرد من جهة، ومن سمات التفكيكية على وجه الخصوص من جهة أخرى. عقد كيليطو فصولاً للموازاة بين المقامات ونصوص من القرن الرابع الهجري، وبعضها يكاد لا يكون معروفاً لاستجلاء عدد من الأنساق التاريخية والجغرافية والاجتماعية والشعرية. ثم بحث في الأنساق التي كانت في الأصل من التلقي الذي خصّ به معاصرو الهمذاني وأعقابه المباشرون مقاماته. ونظر في القسم الثالث المخصص للحريري في الأنساق القديمة للقراءة بالقياس إلى الأعراف الحديثة للقراءة. وقد أدغم كيليطو شغله بأبحاث الهوية الثقافية، بتوكيده على أننا ندرس أنفسنا حين نعكف على النص الكلاسيكي، و«الخطاب عن الماضي هو في الآن ذاته خطاب عن الحاضر»( ).
محص كيليطو في بحثه عن «حوار الأنواع» خواص المقامات في حشد من الحفريات المعرفية تاريخياً وفنياً، فهي في فضائها تقترب من مؤلفات الجغرافيين العرب في القرن الرابع للهجرة: الاصطخري، والمقدسي، وابن حوقل قصروا رؤيتهم عمداً على مملكة الإسلام، والراوي ينتقل بين عصور مختلفة، يروي أحداثاً لم يحضرها. كما في «المقامة البشرية، وكل ما يمكن ملاحظته هو أن الإسناد الموجود في مطلع المقامة، لا يذكر التسلسل الذي مكن الراوي من معرفة الأحداث التي يحكيها، فالمشكلة الزمنية التي تثيرها المقامة محيرة: كيف يمكن العيش في آن واحد في القرن الرابع والقرن الأول للهجرة، فعيسى بن هشام يتخطى القرون، ويتحرك كما يشاء عبر الزمان، معمراً حقيقياً، مما يجعل منه إخبارياً، هو مستودع المعرفة وراوي تراث محاط بإجلال خاص. وباختصار، فهو «صوت» التراث، صوت في الوقت ذاته طريق يسلكه في منعرجاته وعقباته ومفاجآته: الهمذاني وأساتذته ومقلدوه. وتؤدي تحولاته إلى تحولات في المقامة نفسها، فكل مقامة هي مسرحة لتحول ولدور موضوعاتي، وتعبير عن دوام هوية عبر تعاقب الأجيال. ووقع كيليطو على سمة مفادها أن تقطع القراءة ناتج عن غياب رابط سردي بين المقامات.
وتابع كيليطو مناقشته على هذا النحو من الاستحضار المعرفي وانتظامه في تركيب نقدي، كما في تحديده لملامح المضحك وامتداح الجنون والانتهاك والعجائبي في مدار الكدية حين تعكس «الثقافة العربية نفسها في ثقافة مضادة، يمثلها الماجنون والشعوب الأجنبية والماكرون وحيل التاريخ الماكرة»( ).
بات واضحاً أن كيليطو يعضد تأويله الدلالي بحفريات معرفية سبيلاً لإدراك الخطاب القصصي، وهو تأويل ينهض على قاعدة منهجية كبرى عند فوكو هي «ترك الخطاب نفسه يتكلم، دون أي تدخل من قبلنا نحن!»( )، وهذا ما فعله في حديثه عن «النوع: التسمية والبنية» ، وبدأ مسعاه في تحليل البنية السردية الكامنة في المقامات، مقارنة بنصوص أخرى مقاربة مثل «رسالة التوابع والزوابع» لابن شهيد، و«أحاديث» ابن دريد، وهو ما أشبع بحثاً، و«مسائل الانتقاد» لابن شرف القيرواني، و«دعوة الأطباء» لابن بطلان، و«مقامات الحنفي وابن ناقيا وغيرهما» (مقامات ابن ناقيا). غير أنه لا يقع على بنية سردية متماثلة، فالمقامات أشبه بكتابة الملل والنحل.
أما التطبيق الذي اختاره كيليطو فكان مقامات الحريري، مبتعداً عن شرحها أو تحليلها منخرطاً في قضايا قراءتها، كما ألزم نفسه بذلك، فاطنب في تكوين الحريري وما آلت إليه مكانته حتى صار محجاً للائذين، وعرض تنميطاً لهم في «حواشي النص»، أي ما حرص الحريري عليه في تركيب النص بوسائط التبليغ والامتلاك البلاغي وحرية اللغة إزاء هيمنة الفكرة.
واستتبع ذلك دراسة «التلقي الذي يجري في داخل كتاب الحريري ذاته، حيث كل مقامة مبنية حول خطاب كثيراً ما يتطلب، لأسباب مختلفة، مشاركة المخاطبين والتزامهم ويقظتهم»( )، وكان سماها «اللعبة بين قطبي التواصل». جعل من «التورية» صورة السرد، وهي حركة تقود من معنى إلى آخر، لكن في المقامة الخمسين، سيتغلب الجمود على الحركة، وسيكون المعنى القريب هو المعنى البعيد في ذات الوقت. ومضى تالياً إلى الانكباب باهتمام أكبر على دراسة دلالة التورية ووظيفتها في السرد، ومدى اندراجها في سيرورة سردية. ويضاف إلى ذلك استهداف المقامة الحريرية للمناظرة، وهو ما لاحظه باحثون سابقون، ولكن كيليطو، وجدها المناظرة التي تفضي إلى قضية( ).
وختم كيليطو بحثه بتجميع عناصر تخصّ وضعية السارد في الثقافة العربية الكلاسيكية، على الرغم من أن الصفحات المخصصة لقضايا السرد في التراث النقدي نادرة. وقد لفت نظره ما أبصره السلفي، أحد معاصري الحريري، يوماً في المسجد الأموي، حين زار حلقة من الناس تحيط بالحريري، وتستملي منه المقامات. ولأنه لا يعرف كاتبنا فقد استفسر عنه، فقيل له: «إن هذا قد وضع شيئاً من الأكاذيب، وهو يمليه على الناس»، فانصرف السلفي عنه، فهل كاتب المقامة كذاب محترف؟ ربط السابقون بين تأليفهم الحكائي وبين المثل، فالترابط مقبول على مستوى الحكاية، «لكن لا الحريري ولا أي من سابقيه لم ينزلوا إلى المستوى الأدبي ليميزوا المقامة أو المأدبة أو الحديث عن المثل. كان من مصلحتهم الإبقاء على الخلط ليفلتوا من تهمة الكذب»( ).
ولم يسع الحريري نفسه إلى نفي الكذب، بل مقاربة المثل، لأن «السرد الكاذب، المقامات في هذه الحالة، يعرض كل مظاهر السرد المطابق للحقيقة، لكنه لا يطابق لا الوقائع ولا معتقد الذي يرويها. صحيح أن ما يقوله «يشبه الصدق»، لكننا حين نتمعن جيداً، لن نجد إلا ادعاءات كاذبة. فضلاً عن أن الحريري، كما لاحظ ابن الخشاب «لا يدعي صحة» تأليفاته. ولو كان له رأي مخالف، لكان قد أشار إليه في مقدمته، ولم يلجأ إلى المثل للدفاع عن المقامات»( ). وهذه هي أنواع السرد كلها تقوم على الخديعة أو الوهم. على أن أسئلة الخاتمة أكثر بلاغة بإثارة المعنى الراهن والمستقبلي لسيرورة التقاليد الأدبية الكامنة في سرد المقامات. ففي «خلفية المقامات، رأينا شبح الأدب يرتسم باستمرار، وحاولنا أن نحيط بهذا المفهوم بفحص الأنساق التي يقوم عليها»( )، وفحص بعد ذلك أنساقه المهجورة في الأدب العربي المعاصر، وذكر أمثلة لذلك، لأن الأدب بمعناه الحديث هو الذي بانسلاله شيئاً فشيئاً إلى الثقافة العربية، قد طرد الأدب بمعناه القديم، لا الكلمة، بل ما تدل عليه الكلمة، ظلت كلمة الأدب حية. ودعا إلى تجديد النصوص القديمة على ضوء الأسئلة الجديدة التي تطرحها العلوم الإنسانية، وإلى إعادة كتابة هذه النصوص ذاتها، كما أعاد آخرون كتابة الأوديسة وأوديب ملكاً والإنجيل.
إن قيمة مشروع كيليطو ليست في أمثال هذه الدعوات، لأنها قائمة منذ مطلع عصر النهضة في القرن التاسع عشر حين احتذى الكتاب، وما يزالون، السرد المقاماتي، جزئياً أو كلياً، بل في نهاجيته الحديثة، استفادة من الحفريات المعرفية والتأويل الدلالي الذي أنعشته العلاماتية والتفكيكية، وتكمن فضيلة نهاجيته في استمداده لخصائص الثقافة العربية دون أن يملي على أنساقها مصطلحات مجتلبة. ولعلنا نقرأ بعض أسلوبيته واكتشافاته لدى كثيرين ممن تلوه.
2-5- استفاد الميلودي شغموم (المغرب) من النقد المعرفي الباشلاري في نقده للموروث السردي الصوفي في كتابه المتميز «المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي: الحكاية والبركة» (1991)، مثلما استعان ببعض أدوات مناهج التأويل الأسطوري والرمزي للكشف عن معرفة موضوعية تناسب تفريد اللاوعي في المتخيل، طلباً لمعنى في الموروث السردي الصوفي.
أثار شغموم أسئلة في مقدمة بحثه حول العلاقة بين الحكاية والبركة، وإلى حد ما تستطيع الحكاية أن تؤسس بركة؟ ليلاحظ أن الأدب هو الذي نبهنا إلى أهمية الحكاية أو القصة في بناء نظري كالتصوف الإسلامي. وهكذا، بحث شغموم الأسطوري والقدسي وطبيعة الحكاية القدسية، دون أن يغفل عن مكانة مرسيا الياد في الكشف عن الحضور المكثف للحكاية في الثقافة العربية الإسلامية، فتعاضد منهجه المعرفي الموضوعي مع تأويلية تجليات القدسي باتجاه خطاب ذي معنى.
انطلق شغموم من دراسة علاقة الكرامة بالأسطورة، وتعبير الكرامة عن القدسي الذي يسمى بركة، ليصل إلى تركيبه: «في البركة سمو من المتخيل إلى القدسي، وهناك العديد من الحكايات التي تعبر عن هذا السمو، وإذا كانت الحكاية محاكاة أو مشابهة أو تقليداً، فأي شيء تتم محاكاته أو مشابهته أو تقليده»( ). وافترض، بناء على هذا التركيب، أن الكرامات أو البركة في القصص التي نرويها تحاكي أربعة أنماط أساسية أصلية، ويعني بالأنماط طرزاً أو نماذج تتم محاكاتها، وهذه الأنماط هي:
- النمط ـ السحري ـ الأسطوري.
- النمط النبوي.
- النمط الإبليسي.
- النمط النعيمي.
وأردف شغموم سؤالاً إجرائياً ينفع في سياق انشغاله بالتركيب المقترح، هو في ذاته شامل لأسئلة كثيرة متفرعة تظهر صعوبات البحث: «كيف نختار الحكايات التي تعبر حقيقة عن البركة؟ ما السبيل إلى فرز الأنماط الأساسية الأصلية من ذلك الركام المختلط من الحكايات، بل ما الضمانة، ما مبرر إرجاع حكاية إلى نمط بعينه، خاصة إذا وجد تشابه، وإذا نتج تردد في التصنيف مع نمط آخر؟ ماذا نفعل بتفاصيل الحكاية: نحن نرجع هذه الحكايات إلى أنماط عامة، مجردة، جوفاء، ولكن الحكاية تعتمد على تفاصيل لتقوم: تاريخ، أماكن، سرد؟ ماذا نفعل إذن بهذه التفاصيل؟» ( ).
بحث شغموم عن أصل البركة ومصدرها أو ما سماه «إشكال الأصل»، للوقوف على فضاء محاكاة السحري ـ الأسطوري، الممتد من المنظومة المرجعية لقيام أو حدوث حكاية من هذا النوع، معتمداً على تعريف مرسيا الياد للكرامة مما هو سائد في علم «تاريخ الأديان»:
«1- لأن الكرامة كحكاية تروي حضور القدسي في شخص معين وانبثاقه فيه أو عبره.
2- لأن هذا الحضور للقدسي هو ما يتجلى في البركة كقوة دينية تحل في شخص معين أو شيء معين»( ).
لقد توصل شغموم إلى فعل التحويل الذي يتم بواسطته السعي إلى «تحويل الإنسان العادي» أو «تحويل البدن» إلى «أشرف وأسمى وأنبل»، «رفع العادي إلى الشريف»، «أي تحويل أناس وأشياء من وضع انطولوجي إلى وضع آخر، تحويل الدنيوي إلى قدسي، ليصبح المحول أو المتحول متوفراً على القدرة التي تسمى كرامة أو بركة هي ما تعبر عن انبثاقه واستمراره الحكايات التي تروى عن كرامات الأولياء، فعلى هذا المستوى من التحليل تبدو وظيفة الحكايات جلية لا غبار عليها. إنها أداة من أدوات صناعة البركة، في حياة الولي، أي وسيلة من وسائل التحول من الدونية إلى القدسية، أو الإيهام بمثل هذا التحول ومظاهر تعبيره عن ذاته. أما بعد موت الولي فهي كل ما يتبقى من بركة هذا الولي. وإذا اعتبرنا أن كرامات الأولياء مجرد خرافات وأكاذيب أو هذيان، فإن تلك الحكايات تصبح تعبيراً عن المتخيل الذي يبني القدسي في التصوف الإسلامي ويرعاه»( ).
ويبدو تأثير النهاجية الباشلارية في تحليل شغموم الجيد لكون البركة من ولي مثالاً للنبوي، في التلاعب السردي والمعرفي بالمتخيل واجتراحه للمقدس عبر علائقية المزج بين الذات والموضوع، وعبر رؤية العالم موجوداً كما يتراءى في قيعان الذات، أو كما أحلمه «بتعبير باشلار نفسه في «شعرية حلم اليقظة»( ). وقد انتظمت هذه العلائقية في تناوب التاريخ البسيط والتاريخ الذائب والتاريخ المغيب.
والتاريخ البسيط عند شغموم هو الشائع أو الطبيعي في خبر الولاية، وهو الطبيعي لأن لجميع الأولياء حياة دنيوية قبل أو خلال فترة الولاية، مع أو على هامش الولاية، ولكن هذه الحياة الدنيوية تصبح قليلة القيمة أمام «السمو» الذي يطبع الحياة القدسية. والتاريخ الذائب هو الترجمة الذي تذكر فيه الحياة الدنيوية للولي، كجزء أو كل، مختلط اختلاطاً تاماً بحياته القدسية بحيث لا تنفصل تلك عن هذه. أما التاريخ المغيب، فلا توجد في حالته أية إشارة منفصلة أو مندمجة في الكرامات إلى الحياة الدنيوية للولي، وقد لا يشار إليه، أي إلى الولي، إلا في سياق الحديث عن ولي آخر.
ويفيد هذا التحليل في إيضاح أهم سمات النمط المسمى «النمط النبوي الذي تحاكيه حكاياتنا وتنتج «عالمها» الخاص بواسطته. وهو نمط قائم الذات، لا في حدود استقلاله عن النمط السحري ـ الأسطوري، أو استقلال هذا الأخير عنه، ولكن في حدود تكراره للنبوة، ووجود حكايات تروي هذا التكرار»( ).
أما النمط الإبليسي فيجاوز الحدود التي ينبغي على المؤمن أن يراعيها ليظل إيمانه خالياً من الشبهات، أي أن النمط الإبليسي يثير السؤال حول طبيعة القدسي، وهل يمكن تصوره بمعزل عن الدنيوي؟ وهذا ما يتيح الانتقال إلى منطقة خطرة يتحول فيها «الولي إلى إبليس لعين يكرهه ويحاربه من هو خارج سيطرته!» ( ).
وتكون النتيجة أن الصوفي عندما يصل «إلى هذه الدرجة من إلغاء النبوة والألوهية، ويصير النبي والإله معاً، فإنه يصبح سيد الكون، ذلك الذي يملك القدرة على الخوارق، إذ كيف تصعب عليه خارقة والحال هذه؟ ولكنه كذلك السيد الذي يحكم الكون، يأمر وينهي، يحرم ويحلل، مالك مفتاح الجنة والنار الذي يضمن النعيم لأتباعه ومحبيه، يوفر لهم الحماية والأمن، يرفع أمامهم الحدود والحجب، بواسطة البركة التي تحل الجنة في الأرض بعد أن أحلت النبوة والألوهية فيها، في شخص الولي. ولقد أهله لكل ذلك الحبّ، كما يزعم، فهو المحب الذي يطلب الوصال ليذوب في محبوبه، فلا يبقى بينهما فرق»( ).
يلوذ شغموم بالتركيب الباشلاري الذي يصعب على التحديد أو التسمية، فقد أدرج جان ايف تادييه منهج باشلار في «نقد الخيال»( ) وهي تسمية غير دقيقة وغير موفقة، وسماه ويليك فانتازيا العلم( )، ويستند التركيب الباشلاري إلى أدوات معرفية علمية من النقد الأدبي الموضوعي وأولها الاستعارات والصور وتخييل المادة وتثمير التحليل النفسي واللغة ظواهرية صورية توغل في نبش اللاوعي أو الشطح في «منطق» خاص بها.
ويظهر ذلك بجلاء في تحليله للنمط النعيمي والتمهيد له، فقد استعمل الإبليسية بمعنى النزوع إلى المكبوتات والممنوعات عقلاً وشرعاً، في الثقافة العربية ـ الإسلامية السائدة، من جهة، كما استعمله، من جهة أخرى، وبالخصوص، بمعنى رفع الحدود بين الخالق والمخلوق، أي مجاوزة ثنائية الله/ العالم. وتتجلى هذه المجاوزة، وفي أعلى صورة، «في الحكايات التي تتحدث عما يسمى «شطحات الصوفية»، في هذه الحكايات يرفع الولي كل ما يفصله عن الله، يتصف بصفاته، ويحل ما لا يحله، يقارن نفسه به، يضع نفسه مكانه، أو يعلو عليه.. فلا غرابة، والحال هذه، أن يحل النعيم في الأرض، فقد رفع الولي الدنيوي منها! وقد يساعد على فهم هذه الظاهرة تذكر أن الولي محب، وأنه ككل محب يريد أن يمتلئ بهذا الحبّ، ويذوب فيه، فهذه بداية نعيمه: الوصال. لذلك يمكن أن تسمي هذا النمط «النمط الغرامي» وتقرب الحكايات التي تحاكيه من «رسائل العشاق» أو «ترجمان الأشواق»!»( ).
يعّمر شغموم تحليله للنمط النعيمي بمقدرته العالية على ضبط التوازن بين الذاتي والموضوعي في ردع الولي بما يجعل الخيال خاضعاً لنسق شعري، وقابلاً لاكتناه موضوعي عبر شعرية المادة. لقد وجد شغموم النمط النعيمي في «استيهام النعيم» أو«فيض المحاكاة»، حين لا تروي الحكايات إلا الكيفية التي يتمتع بواسطتها الولي ببركته الخاصة، وهذا «نابع من: أولاً- أن هناك حكايات تعبر بالفعل عن هذه الحالة حيث يبدو الولي أول مستفيد من استيهام النعيم، وثانياً- إن استيهام النعيم كلي إلى درجة أنه لا يمكن لأية حلقة من حلقات الدائرة أن تحرم منه، بل إن استفادة الولي منه شرط ضروري لاستفادة الآخرين منه.. ذلك ما ترويه حكايات التمتع بالولاية»( ).
ويستوعب تحليل شغموم للنمط النعيمي ذروة شعرية المادة، حين يوضح سعي الحكاية إلى خلق جماليتها بوسائل عديدة، أهمها:
«أولاً- إحلال القدسي، أي النقي أو الصافي الكامل، محل القذر أو النجس اللعين.
ثانياً- إحلال العجيب والغريب محل الاعتيادي عقلاً ونقلاً وخبرة يومية.
ثالثاً- إدخال كثير من العناصر الجمالية الطبيعية والحكائية: إن استعمال الحكي في حدّ ذاته عنصر جمالي، ولكن العناصر الطبيعية في الحكاية ليست أقل جمالية!» ( ).
ويؤدي إدغام شعرية المادة في شعرية الحكي إلى تمام الإيهام، تمام محاكاة البركة، أو فيضها، ذوباناً في حلم يقظة هو روح صوفية تجترح المقدس لتجلب الجنة إلى الأرض. ولعمري أن شغموم طرح السؤال، وأنار جانبه العويص فيما يخص وعي الموروث السردي الصوفي إجابة على حدود إمكانية التمييز في الثقافة العربية الإسلامية، وخاصة في مجالي القدسي والمتخيل، بين ثقافة «عالمة» وأخرى «عامية»؟.
2-6- يعد شغل عبد الله إبراهيم (العراق) في كتابه «السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي» (1992) المشروع الثاني المكتمل، بعد عبد الفتاح كيليطو، في التعريف بالسردية وعلم السرديات من جهة، وفي استخدامها أو تكييفها لحاجات درس السردية العربية في تشكلاتها تاريخياً وفنياً من جهة أخرى. غير أن إبراهيم يختلف عن كيليطو في أن الأول يعلن منهجه، ويصرح بمقاصده، ويعنى بالإطار النظري، ويميل إلى المنهج الانتقائي الذي يوائم بين أمشاج من مناهج حديثة متعددة، بينما يلتفت الثاني عن وصف منهجه وأهدافه وإطاره النظري، ويقارب منهجه ضمن وحدة فكرية في مدار شواغل التأصيل والهوية الثقافية إياه، وهو مدار عريض ذو مشارب متعددة واجتهادات متنوعة، تلتقي غالبيتها حول وعي الذات القومية في الوجود والمصير، ولا يخفي إبراهيم هذا الانشغال، فقد أدرج بحثه ضمن الجهود المبذولة في ربع القرن العشرين الأخير «للبحث في أصول الفكر العربي، ومصادره التركيبية والتعبيرية، بغية كشف سماته وأبنيته وركائزه الأساسية التي يقوم عليها»( ).
ويصدر إبراهيم عن الرأي نفسه الذي يعول كثيراً في فهم مظاهر التعبير اللساني والبلاغي، ولا سيما المظهر السردي الذي يشكل إلى جانب النتاج المعرفي والشعري، الهيكل الكلي للثقافة العربية، بتجلياتها الفكرية والإبداعية. وهكذا اعترف بالصعوبات التي تواجه نقاد التراث القصصي العربي نحو اشتقاق مادة البحث من نطاق لم يعتن بها، تحقيقاً وتبويباً وفهرسة، قبل نقدها بمنهج تقليدي أو حديث. ولذلك جرى حفر وتنقيب، من قبله، في مصادرها الأصلية من علوم الدين والأدب والتاريخ، فضلاً عن المرويات السردية التي تؤلف متن المادة، وذلك دون وساطة مراجع حديثة، قد تقوم على قراءة تلك المصادر، قراءة محكومة بظرف خاص، قد تجهض الهدف الذي يتوخاه البحث، وهو استنباط البنية السردية في الموروث الحكائي العربي، كما تشكلت في دائرة الثقافة العربية، وثمة صعوبة تالية ناجمة عن التأسيس النقدي لمصطلحات جديدة تتصل بعلم جديد هو علم السرديات، مما يدعو الناقد إلى تحديد المصطلحات وشرحها وإيضاح فروقاتها. وقد حرص إبراهيم على أصالة بحثه، وتجنب إلى حد، إخضاع السردية العربية إلى معيار خارجي مستمد من موروث سردي آخر، فما كان يهدف إليه، بتعبيره، هو تحديد الطبيعة السردية العربية كما تكونت في نطاق المحضن الثقافي الذي تشكلت فيه، وقد حقق إبراهيم كثيراً مما يصبو إليه، وهو مقاربة السردية العربية ولكن هذه المقاربة لم تبرأ من مؤثرات المعايير الخارجية، فهو عرف السردية حسب الاتجاهات النقدية الجديدة، ولا سيما النبيويون واللسانيون على أنها «العلم الذي يعنى بمظاهر الخطاب السردي، أسلوباً وبناء ودلالة»( )، وقد حكم هذا الفهم أسلوبه في العملية التي اتبعها لرؤية الموروث السردي، وهي «الاستقراء الفني» الذي يستند إلى الاستنطاق تارة، والوصف تارة أخرى.
استنطق إبراهيم الأصول، ابتغاء استخلاص الهياكل التي تؤطر بنية المرويات السردية، في القسم الأول من البحث، ثم في القسم الثاني منه، الاعتماد على نوعين من الوصف والمعاينة، الأول تاريخي تعاقبي Daichronic غايته كشف تشكل الأنواع القصصية الرئيسة كالخرافة والسيرة والمقامة، والثاني: وصفي تزامني Synchronic انصب الاهتمام فيه على مكونات البنية السردية للأنواع المذكورة، وتوج التحليل، بكشف مستويات التماثل بين بنية الموجهات الخارجية وبنية السرد، بما يؤكد أن الاتصال قائم بينهما، على نحو تمثيلي، في أشد الركائز أهمية، وهو: الإرسال السردي بأركانه من راوٍ ومروي ومروي له.
ونلحظ اقتراب شغل إبراهيم من شغل كيليطو في استهداف المشروع النقدي من جهة، وفي استغراقه بنهاجيات معرفية نقدية حديثة من جهة أخرى، إذ سعى إبراهيم إلى استنطاق الأصول المعرفية، استنطاقاً يبتعد عن التقويل، ويترك لها أن تكشف عما تغيبه دونما تعسف، بهدف «تحديد طبيعة السردية العربية ضمن البنية الثقافية ـ العامة. لهذا، ففي الوقت الذي مكن الانفصال فيه، من رصد البنى السردية للأنواع، مكن الاتصال من كشف خصائص البنية السردية العامة.
وقد احترز إبراهيم في استخدامه لمصطلح «السردية العربية» من المقاصد العرقية، لأنه هدف إلى الوقوف على المرويات السردية التي تكونت، أغراضاً وبنى، ضمن الثقافة التي أنتجتها اللغة العربية»، واتفق إبراهيم مع غيره من الباحثين والنقاد مثل عبد الفتاح كيليطو ومحمد رجب النجار على انبثاق السردية العربية من الخصائص الأسلوبية والتركيبية والدلالية للغة العربية، ومن الشفاهية( ).
وجد إبراهيم أن العناية الكلية بأوجه الخطاب السردي، أفضت إلى بروز تيارين رئيسين في السردية، أولهما السردية الدلالية التي تعنى بمضمون الأفعال السردية دونما اهتمام بالسرد الذي يكونها، إنما بالمنطق الذي يحكم تعاقب تلك الأفعال، ويمثل هذا التيار بروب وبريمون وغريماس، وثانيهما السردية اللسانية التي تعنى بالمظاهر اللغوية للخطاب، وما ينطوي عليه من رواة وأساليب سرد ورؤى، وعلاقات تربط الراوي بالمروي. ويمثل هذا التيار باحثون ونقاد منهم بارت وتودروف وجينيت. إن الفصل بين التيارين غير ميسور، وقد أدرك إبراهيم ذلك عندما أشار إلى أن تاريخ السردية لم يعد محاولة للتوفيق بين منطلقات هذين التيارين. وقادته هذه الإشارة إلى إشارات أخرى حول تطور السردية والمشتغلين في علم السرديات من بروب إلى ذريته بتعبير شولز Progeny of Proop مثل غريماس وبريمون وتودروف وجينيت، ممن عملوا على توسيع حدود السردية، لتشمل جميع مظاهر الخطاب السردي. ثم عاد إبراهيم إلى الفكرة السائدة حول انحدار المرويات السردية بصورة عامة، عن جذور الشفاهية، ذلك أنها كانت تتداول مشافهة، فهي «فن لفظي». ولا يختلف السرد العربي القديم عن ذلك( ).
اختار إبراهيم أنواعاً سردية بعينها هي الحكاية الخرافية والسيرة الشعبية والمقامة، بوصفها الأنواع التي تهيأت لها الظروف، لتكون أظهر الأنواع والأشكال القصصية في الأدب العربي القديم، وهذا يعني إغفاله لأنواع سردية كثيرة جرت الإشارة إليها من قبل. واستنطق في بحثه عن الموجهات الخارجية للسرد العربي، الأسس التي قامت عليها النظرية الشفاهية في تقييدها للمنطوق، خلل صلتها بالظاهرة الدينية.
ووجد إبراهيم ركائز النظرية الشفاهية في أعمال الأدباء الكبار، منذ الجاحظ، في رسالته «ذم أخلاق الكتّاب»، إلى علي بن رضوان 4531= 1061)، فقد سوغ الجاحظ شرعياً إحلال المشافهة محل الكتابة، وأسهم في ترسيخها، ومنحها قوة لممارسة دورها في الثقافة العربية في عصر تأسيسها الأول، ويكاد المرء يجد نظرية عربية تسوغ الشفاهية لدى علي بن رضوان. ثم ناقش بعد ذلك أركان نظرية الإسناد المتبعة في التواريخ والتراجم والمرويات الإخبارية واللغوية، وقد وجد أن مظاهر هيمنة نظرية الإسناد على معطيات الثقافة العربية الأخرى، يصعب حصرها.
إنه اجتهاد يمدّ الشفاهية من الأدب الشعبي إلى الأدب المكتوب أو الرسمي، وهو اجتهاد لا يوافي الوقائع الأدبية والثقافية العربية منذ القرن الثاني الهجري حين ساد التدوين، وتقلصت الشفاهية إلى حد كبير حتى في مجال الأدب الشعبي.
ارتبط القص عند إبراهيم بفضاء الدلالة الدينية، فلم ينظر للقصص في القرآن، إلا بوصفها تنطوي على موعظة، وتهدف إلى ضرب المثل، وتقديم النصح، من خلال وقائع الماضي المغرقة في القدم، وكذلك حدد الرسول وظيفة القص، وهي التذكير والوعظ والاعتبار، وكانت هذه هي الموجهات المهيمنة في نشوء أخبار وعظية اعتبارية، وظفت في خدمة الدين. وكانت المرحلة التالية هي نشوء فئة القصاصين والمذكرين التي بادرت إلى الخروج من المسجد إلى أماكنها الخاصة، على أن إبراهيم التفت عن هذا التطور إلى رصد ظهور «قصص العامة» ودأبها لتأسيس وجودها بخروجها عن الإسناد الحقيقي والصادق، وليس من المسجد فحسب، ولعل وجهة نظره تضمر مثل هذا الرأي، لأن ردّ الفعل العنيف إزاء «قصص العامة وقصاصيها» يفصح عن ذلك كله، لأن القصص تلهي المؤمن عن دينه، كونه ينشغل بها ولا يعتبر بها، وقد «استقام على يد ابن الجوزي موقف شامل تجاه القصاص والقصص، استمده من سلطة السلف، التي هيمنت في القرون السابقة عليه»( )، وكان هذا الموقف في أساس الصياغة النظرية لموقف الإسلام من القص، الداعي إلى ضبط فعالية القص وتوجيهها توجيهاً محدداً، «لتحقيق أغراض وعظية وأخلاقية ثابتة، ذلك أن موقف الإسلام، لا يقتصر على وضع شروط ينبغي إتباعها وحسب، بل هو يقترح موضوعات القصص، ويوجب تنفيذها، غرض تهذيب السلوك الاجتماعي، والتعبير عن فروض الدين، فيكون مجلس القصص، بحسب موقف الإسلام، مجلساً دينياً، هدفه التوجيه والوعظ، يقف فيه القاص، موقف الواعظ الديني، على أدلة الأحكام من قرآن وسنة، وسير الفاضلين والأولياء، ثم ينحو منحى تعليمياً في بيان أصول العبادات، وشؤون المعاملات، إلى غير ذلك مما يندرج في علوم الحديث والفقه( ).
لا يعنى إبراهيم بتطور الموقف من القص في الثقافة العربية، مقتصراً على موقف إسلامي، وليس الموقف الإسلامي، لأن ثمة تيارات أخرى مختلفة. أدغمت، في مراحل تالية، القصة في صلب التأليف العربي، التاريخي والفلسفي والصوفي والأدبي واللغوي وسواه، ولنتأمل بعض أمهات الكتب مثل «الكامل» للمبرد و«البخلاء» للجاحظ، و«الأغاني» للأصفهاني، و«لسان العرب» لابن منظور، لنعرف الحجم الكبير للقصة أو السرد فيها.
اهتم إبراهيم بفضاء الحكاية الخرافية، ولاحظ أن البوابة التي دخلت بينها الخرافة شرعياً، في الثقافة العربية، كانت قد فتحها الرسول نفسه، لا اقتداء بالأفعال الخرافية، فيما يبدو، إنما بغية التسلية والسمر اللطيف الذي لا يخلو من هدف اعتباري، لا يتعارض وتعاليم الدين الإسلامي. وتوقف ملياً عند حديث الرسول عن «حديث خرافة»، لأهمية ذلك، فالتثبت من نسبة الحديث إلى الرسول يعني عناية العرب المبكرة بهذا النوع القصصي، مثلما يكشف توالد الحكايات ضمن إطار الحديث نفسه عن البنية الإطارية للحكاية الخرافية، دون أن يغفل عن مصادر أخرى لا تقر نسبة الحديث للرسول كقول الشريشي (619=1222): «وحديث خرافة مثل سائر على ألسنة الناس في القديم والحديث، يضرب لكل حديث لا حقيقة له». ثم رأى إبراهيم في متن حديث خرافة ما رآه كيليطو في معنى الحكاية، «منح الحكاية مقابل الاستمتاع بالحياة، وبعبارة أخرى مقايضة الحياة بالحكاية»( ). ولدى تقصيه للتأليف الخرافي عند العرب وجد أكثر من سبعين كتاباً في الأسمار التي تتداولها الأيدي قبل منتصف القرن الرابع. ويضاف إليها كتب الخرافات الكثيرة التي أوردها ابن النديم في الفن الثالث من المقالة الثامنة تحت عنوان «أسماء خرافات تعرف باللقب، لا نعرف من أمرها غير هذا».
وأعاد إبراهيم متواتر القول في موضوع ألف ليلة وليلة: معضلة الانتماء والتأليف، اعتماداً على محسن مهدي إياه وسهير القلماوي ومحمود طرشونة وغيرهم، واختار لتمحيص البنية السردية للحكاية الخرافية وبحثها ثلاث ذخائر هي: «ألف ليلة وليلة» و«مائة ليلة وليلة» التي درسها وحققها ونشرها محمود طرشونة( )، و«الحكايات العجيبة والأخبار الغريبة»( ).
عد إبراهيم خرافة شهرزاد أنموذجاً عالمياً للحكاية الإطارية، وهو مصطلح مجتلب عن مياجير هاردت بأنها ذلك السرد المركب من قسمين بارزين، ولكنهما مترابطان، أولهما حكاية أو مجموع الحكايات التي ترويها شخصية واحدة أو أكثر، وثانيهما تلك المتون، وقد رويت ضمن حكاية، أقل طولاً وإثارة، بما يجعلها تؤطر تلك المتون، كما يحيط الإطار بالصورة. وكان الحري بإبراهيم أن يطلق عليها مصطلح الكتاب القصصي، وهو المصطلح الشائع لدى دارسي القصة العربية، ويفيد توافر القصص داخل قصة أو أكثر. ويقال مثل هذا القول عن استعماله لمصطلح تودروف في هذا المجال، حين وصفها بأنها من «الأدب الإسنادي»، لأن «التأكيد فيها يكون دائماً على الإسناد، وليس على موضوعه»، إذ إن الإسناد في الثقافة العربية يتصل بالرواة عن طريق العنعنات، أو أننا محتاجون إلى تعريب المصطلح بعبارة أخرى.
كانت خرافة شهرزاد سبيله للاقتراب إلى البنية السردية للحكاية الخرافية، من خلال مكوني الراوي والمروي له، وأثرهما في تحديد مستويات السرد. فعرض مظاهر هذه الثنائية تعريفاً وترسيمات لنماذج مختلفة مثل:
ترسيمة لنموذج متعدد الرواة إزاء مروي له واحد.
ترسيمة لنموذج وحدة الراوي وتعدد المروي له.
ترسيمة لنموذج تعدد الراوي والمروي له.
ترسيمة لمستويات الرواية ومستويات المروي له.
ترسيمة لنسق توالد الحكايات فيها.
ولا يخفي إبراهيم في دراسته لبنية المروي الخرافي مرجعيته لنقاد شعرية السرد و إرثهم الشكلاني الروسي والبنيوي، كما في هذا الاستنتاج عما يميز الحكاية الخرافية، فهي «تتكون من رواية أفعال، أكثر مما تتكون من أفعال فالفعل الذي يعرض للحزم في أجزاء عديدة منه، كلما ظهرت شخصية جديدة، من الضعف، بحيث يبدو أنه غير قابل للخرق، بل والقطع، في أحوال كثيرة. وهو ما أفضى إلى التكرار، وهو تكرار رواية الفعل، وليس الفعل نفسه. ويندرج ضمن الضرب الثالث من ضروب التواتر التي حدد، جيرار جينيت أربعة منها، وهي:
أن يروى مرة ما حدث مرة.
أن يروى أكثر من مرة ما حدث أكثر من مرة.
أن يروى أكثر من مرة ما حدث مرة.
أن يروى مرة ما حدث أكثر من مرة»( ).
وثمة ما يقال في المصطلح حول مفهوم «الاستباق» اللصيق بتجنيح الخيال، وصار ركيزة من ركائز أدب الخيال العلمي، ومن المعروف أن هذا الأدب تطور عن هذه المخيلة الجامحة في الحكايات الشعبية. وقد ورد مصطلح «الاستباق» عند إبراهيم في سياق الأحلام والوصايا والنبوءة، ليؤكد مظهراً من مظاهر الحكاية الخرافية، «ألا وهو أن الحكاية، تنتمي دائماً إلى الماضي، فالرواية تلحق بالحكاية، ولا يمكن أن تتزامنا، أو أن تسبق الرواية الحكاية، إلا فيما ذكر من أمر الاستباق، علماً أن الاستباق كونه جزءاً من الرواية، يقع ضمناً في الماضي، وتعليل ذلك، أن الحكاية الخرافية تستحضر بوساطة الرواية، وعبر سلسلة من الرواة، وهنالك دائماً فاصل كبير بين زمان الحكاية ومكانها، وبين زمان الرواية ومكان».( ). ويحتاج هذا المصطلح إلى تعليل ظهوره في الحكاية الشعبية العربية داخل الأنساق الثقافية والمعرفية العربية. ويقال مثل هذا الرأي حول مولد البطل الخرافي أو البطل في الحكاية الشعبية، وهي معضلة طالما عولجت عند دارسي الفولكلور.
ركز إبراهيم على الشفاهية، كما لاحظنا، في الوقوف على مكونات البنية السردية للحكاية الخرافية، مع أن الحكاية الخرافية نوع من أنواع الحكايات الشعبية. أما العلاقة بين تلك المكونات فلا تخضع لأسباب يغذيها التطور العضوي المتنامي للحكاية، إنما توجدها صيغة مناقلة الحكاية بين الراوي والمروي له، وهي صيغة شفاهية، لا تهدف إلى توفير أسباب موضوعية، تعمل على تطوير الحكاية الخرافية، بل تعمل على تنسيق مجموعة من الوقائع التي تقع للبطل، وتعرضها بوصفها مشاهد تؤلف سلسلة من الأحداث. وهذا تأكيد لثنائية المروي والمروي له، ذلك أنهما الإطار الذي يوفر الأسباب الكاملة، لظهور الحكاية، الأمر الذي يستحيل معه، وجود حكاية خرافية، دون أن تتشكل وسط إطار صارم، قوامه العلاقة بين الراوي والمروي له.
وانتقل إبراهيم إلى معالجة السيرة في تشكل نوعها وبنيتها السردية، وقد اعتمد اصطلاحياً على تعريف فاروق خورشيد لها: «مجموعة من الأعمال الروائية الطويلة، ذات سمات فنية متشابهة، وذات أهداف فنية متماثلة»، غير أن هذا التعريف لا يقول شيئاً محدداً إزاء جنس شديد الخصوصية مثل السيرة. والحق، أن مصطلح السيرة ملتبس، وثمة اجتهادات كثيرة حوله، ولكنه تجنبها، وخاض في ظهور السيرة في الأدب العربي، واعتنى بأربعة أشكال سيرية هي: التراجم والسير الموضوعية والسير الذاتية والسير الشعبية، وتلمس فوارقها على عجل تمهيداً لتفصيل القول في السيرة الشعبية، إذ وجدها تنتمي إلى مرويات العامة، مما جعلها تتشكل في منأى عن الثقافة المتعالية التي كانت تعنى، إجمالاً، بأخبار الخاصة، الأمر الذي أفضى إلى عدم العناية بهذه المرويات، تدويناً ووصفاً. على أن تشكل السير الشعبية، لا يبتعد عند إبراهيم، عن رواد دارسيها من عبد الحميد يونس إلى فاروق خورشيد إلى البقية، وهو ما كرره اندريه ميكيل وسواه من المستعربين ويقضي بإرجاع ظهور السير الشعبية إلى تعلق الجماعة الإسلامية بذاكرتها، وإلى اهتزاز الوجدان العربي بسبب الحروب الصليبية مما دفعهم إلى أن يعتصموا بعصر البطولة. وقد وضع إبراهيم مسرداً يبين أهم الآراء التي بحثت في زمن ظهور مرويات السير الشعبية، من القرن الثالث الهجري بالنسبة لبعض السير إلى القرن الثالث عشر الهجري بالنسبة لبعض السير الأخرى، ولاحظ في الوقت تغير صورها الشفاهية تبعاً لتغير عصور رواتها، وتأثير الإنشاد على تماثلها فيما بعد، واستدعى ذلك التدقيق بوظائف الرواة انطلاقاً من استخلاص لابدّ من أخذه بعين الاعتبار هو أن المروي السيري يرتبط بالراوي، وعنه يصدر إلى المروي له، ولذلك فهو أداة لتشكيل نسيج ذلك المروي. وذكر وظائف الراوي المفارق لمرويه الاعتبارية والتمجيدية والبنائية والإبلاغية والتأويلية، ووظائف الراوي المتماهي بمرويه الوصفية والتوثيقية والتأصيلية، وعرف بنية الوحدة الحكائية بأنها «سلسلة الأفعال المتعاقبة التي يقوم بها بطل السيرة لإشباع حاجة ما، مادية كانت أو معنوية، وتستدعي رحيلاً عن المكان الذي يقيم فيه، والذهاب إلى مكان خصومه، والدخول معهم في مواجهة، وعودته ظافراً إلى مكانه، وقد أشبع الحاجة التي دفعته للرحيل»( )، وكما عرضنا من قبل، فإن مفهوم الوحدة الحكائية ملتبس مع مفاهيم مقاربة مثل الحافز والوظيفة.
واقترح إبراهيم مكونات الوحدة الحكائية تطويراً للوظائف التي وضعها بروب، فتحفف من تفاصيلها الكثيرة، وأفضى بها إلى تصنيف أكثر تبسيطاً، ولعل حديثه عن بنية الوحدة الحكائية يؤكد مثل هذا الالتباس حين باح بحقيقة مهمة هي أن هذه البنية «محكومة بمنطق صارم، يوجه بناءها، ابتداء من ظهور الحافز، وصولاً إلى إشباع الحاجة التي ينتدب البطل نفسه لها»( ).
ثم اهتم إبراهيم ببنية الشخصية السيرية، ولا سيما تأصيل نسب بطل السيرة قومياً وتاريخياً، لأن الوجدان القومي يرفض بطلاً غريباً عنه. وهو ما سيحكم البنية برمتها التي تتألف منها:
أ- النبوءة. ب- الأصول النبيلة. جـ- الانتساب.
د- الغربة. هـ- الاختيار. و- الاعتراف بالبطل.
ز- التكليف الأولي. ح- المعارضة الضيقة. ط- التكليف القومي ـ الديني.
ي- المعارضة العامة. ك- المعاضدة. ل- الخوارق والسحر.
م- الانتصار. ن- العزلة والموت. س- التوريث.
وخلص إبراهيم إلى نتيجة مفادها أن الثوابت الأساسية في سيرة البطل تكشف عن تواتر نسق من «الوحدات الدلالية» تتطابق بنية ودلالة مع نسق «الوحدات الحكائية» التي تؤلف متن السيرة. أما تأثير زمن إنشاد المروي بالنظر إلى زمن أحداث المروي فيؤدي إلى نتيجتين أساسيتين، الأولى طول زمن الأحداث، الذي يبلغ أحياناً عدة قرون، كما في سيرة الأميرة ذات الهمة، والثانية، «التمدد الدلالي» الذي يضفيه الراوي على المرويات السيرية بما يجعلها تنطق، على نحو غير مباشر، بوقائع عصره، لا عصر البطل الذي يروي أفعاله.
وفعل إبراهيم الإجراءات نفسها في بحثه عن تشكل نوع المقامة وبنيتها السردية، وألقى أضواء على الإشكاليات المتداولة بين الباحثين والنقاد: بزوع المقامة جنساً قصصياً، والريادة الإبداعية، وبخاصة الصلة بأحاديث ابن دريد، وثبات البنية التقليدية ومحاولات تقويضها بين رواد المقامات مما جعل لها أكثر من نمط، ولكن إبراهيم آثر أن يقتصر «على دراسة «سردية» النمط التقليدي، كونه يمثل تياراً كبيراً، يتصف بخصائص وصفات محددة، تمنحه حق انتزاع صفة النوع القصصي الخاص، بين أنواع القصص العربي الأخرى»( ).
وأردف إبراهيم دراسته للبنية باستخلاص سمات الراوي وخصائصه: المفارق لمرويه والبطل راوياً، والتعرف بما ينفع في تشابك نسيج البنية السردية، وهي شديدة الخصوصية إزاء الأنواع السردية العربية، وعلى الرغم من الملاحظات التي ذكرناها، فإن مشروعه النقدي منسجم إلى حد كبير، ويدعو إلى الإعجاب في كثير من جوانبه.
تكمن أهمية مشروع عبد الله إبراهيم في نقده الجديد للتراث السردي، ومحاولته الرائدة للكشف عن السردية العربية بعامة، وعن بعض أنواعها بخاصة، وأن السردية العربية بعض تجليات الأصول الثقافية العربية في اتصالها بالقرآن، وبخدمة الدين الإسلامي، وبسيرورة الأدب الشفاهي في التقاليد الأدبية العربية، ومحاولته إدغام مصطلحات النقد الحداثي في سياق تطور السردية العربية.
2-7- صرف حاتم الصكر (العراق) اهتمامه النقدي إلى التراث السردي الأدبي في كتابه «البئر والعسل: قراءات معاصرة في نصوص تراثية» (1992)، إذ عرف عنه الاهتمام بنقد الشعر. استفاد الصكر من قابليات النقد النصي: استخراج الدلالات من شبكة الرموز والمبنى المجازي على وجه العموم.
افتتح الصكر كتابه بنص مفتاحي لابن المقفع هو حكاية تبين كيف تأخذ الحلاوة بلب الرجل، فلم يزل لاهياً غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك. وهذا هو الصكر يقدمه لفصول كتابه باستعارة النص المفتاحي «بئر النص وعسل القراءة» ليكون تحليله «أقرب إلى الممارسة النقدية منه إلى الفهم والشرح والتفسير كخطوات تأويلية تقليدية، فلقد انقدت حيث أرادت له النصوص، فسرت في متاهاتها، ولم أسلط عليها قراءتي فقط، بل كانت توصلاتي ووسائلي إلى تلك التوصلات آتية من شعاع النص نفسه: من جرمه الذي يدور حولي، ويفرض علي رؤية فضائه»( ).
صرح الصكر أنه ينشد التحليل التأويلي الذي يفترض أولاً أن ما في النص قد انفصل عن مؤلفه بمعنى أن قصده أصبح بعيداً حين أنجز نصه، وأطلقه حراً للقراءة، موضحاً أنه إذا كان ثمة في عملية التأليف، فهو لا يكمن في نيات المؤلف، بل في تلك العلاقات المتشابكة بين ظاهر النص وباطنه، بين الملفوظ والمكبوت، المقول والمسكوت عنه. وأدرج التأويل في عملية القراءة بوصفها دوراً للقارئ، وما يقوم به هو قراءة.
ومن الواضح، أن ثمة تداخلاً في مفهوم الصكر عن القراءة والتأويل والقصد، يعيدنا إلى إشكاليات لم تحسم في المنطلقات، أو في الممارسة النقدية، وهذه الإشكاليات تتعلق بالنهاجيات المعرفية والإجرائية للقراءة التي قد لا تناسب التأويل، وقد لا تلتقي مع النهاجيات المعرفية المتعلقة بالقصد، لأن ثمة تاريخاً طويلاً لمغالطة القصد في النقد يتصل بوجهة النظر والمبدأ الحواري والتماهي بين المؤلف والراوي أو السارد.. الخ. غير أن الصكر لا يلتزم بمنهج حداثي معين، مكتفياً بأن نقده قراءة تستعمل التأويل بالدرجة الأولى، وتنبه إلى ما في النص التراثي من محمول دلالي ربما يفوت القراءة العابرة.
يستخدم الصكر بعض مصطلحات نقاد شعرية السرد دون الالتزام بمنهجهم، مثلما ترد في نقده مصطلحات من فوكو ودريدا مثل «شعر الحكايتين» (في الصفحة 18)، فالطبقات التي تختفي تحتها النصوص تسمح بما لن ينتهي من الحفريات تجوس متعرفة مكتشفة» (في الصفحة 22)، «اشتراطات القارئ المتكون قبل النص» (في الصفحة 22).. الخ.
يختار الصكر أول حكاية للقراءة من «كليلة ودمنة»، وهي حكاية رمزية أطلق عليها اسم «البئر والعسل» (عنوان كتابه)، ومنها أخذ مفتاح نقده التأويلي. وتعد قراءته لهذه الحكاية نموذجاً لشغله النقدي، فقد وضع لها مدخلاً عرف فيه بعبد الله المقفع ومكانته الفكرية والأدبية وأسلوبه البلاغي والتمثيلي.
ويلاحظ أن الصكر جاوز التأويل إلى مبالغة تقدير قصد المؤلف، إلى حد أنه قوله ما لم يقل، كما في هذا الحكم النقدي: «وجد ابن المقفع أن الحكاية أفضل الطرق لتوصيل الأفكار، شرط ألا يطغى عنصر المتعة على المغزى (وهذا مقبول).. وبهذا الشرط أراد لكتابه «كليلة ودمنة» أن يقرأ.. إنه يقترح في الواقع نوعين من القراءة:
الأولى: ظاهرية تأخذ القصص بما جاءت عليه من إطار ممتع، فهي تسرد على ألسنة الطيور والحيوانات، فيجد فيها الهازلون بغيتهم، والثانية: باطنية تسبر أغوار الحدث القصصي لتترجم مفرداته إلى ما يعادلها في الحياة وتطبق الحكمة المستفادة على ما يشبهها من الأحوال»( ). ولا نعرف إلام استند الصكر من أقوال وقرائن جعلته يطلق مثل هذا الحكم أو التأويل؟.
انطلق الصكر في نقده من إيمانه بالبعد الرمزي لحكايات «كليلة ودمنة»، واستخدم مصطلح «الترميز»، ولم يوضح حدود استعماله لهذه المصطلحات لأن نقده لا ينتمي إلى المنهج الرمزي المعروف، إذ تتعاور قراءته النقدية شيات من الشرح والتأويل والترميز (رمز ومرموز، دال ومدلول)، ولعل هذا ما جعل القراءة تفتقر إلى تحديد نهائي لمقاصدها، خلا الإشارة إلى انتساب «النص إلى حقل الأدب التربوي الذي تصاحب فيه المنفعة دائماً ما يمكن أن يصل إلى القارئ من متعة»( )، ولا تخدعننا في هذا المجال الأشكال والترسيمات التي صارت إلى حلية أو زينة دون توظيف نقدي يذكر، فما الذي يقوله في النهاية الشكل رقم 1 عن «صورة الدوال»، وما الذي يقوله الشكل رقم 2 عن «صورة المدلولات»؟. إنه الولع بالحداثة على سبيل المحاكاة البراقة حيناً، وعلى سبيل المحاكاة الوظيفية في إنتاج نقد جديد حيناً آخر. وما فعله الصكر، تطوير للنقد اللغوي والبلاغي بشيء من نهاجية حديثة تقترب من القابليات التي تتيحها القراءة أو التأويل أو الترميز، لعل الإطلاع على قراءته لنص آخر تبين ملامح أخرى من تحديثه لمنهجه، يقرأ في «العصا المبصرة» نصاً من ملحمة جلجامش وتبيين للمعري، على أنهما يسعفان في تبيان «تجليات التوصيل في حاسة غائبة».
يلجأ الصكر في قراءته إلى التناص سمة من سمات منهجية التفكيكية، فيقارن النصين بقصة لمحمد خضير عنوانها «إلى المأوى» من مجموعته «في درجة 45 مئوي». ويمد مجال المقارنة إلى نصوص أخرى لسارتر في «التخيل»، والجاحظ في كتابيه «الرد على المشبهة» و«البرصان والعرجان والعميان والحولان» ومعجم العين، وقصيدة لبشار بن برد، ونصاً لطه حسين في كتابه «مع أبي العلاء في سجنه»، ونصاً لملتون في «الفردوس المفقود»، ونصاً من الأدبيات العراقية القديمة من كتاب «المعتقدات الدينية في بلاد وادي الرافدين ـ مختارات من النصوص البابلية»، وقصيدة للمعري، وبعض أخباره من كتاب «تعريف القدماء بأبي العلاء»، وجاء ذلك لتحديد دلالات البصر والبصيرة.
ثم عمد إلى التناص مع نصوص أخرى في تدليله على «استيهام الرؤية باللمس»، من قصيدة لابن العلاف، ومن ملحمة الخلق البابلية «عندما في غي العلى»، ومن الصفدي في كتابه «نكت الهميان في نكت العميان»، ومن قصيدة للخرمي، وقصيدة لبشار بن برد، ومن خبر عنه، ومن قصيدة للمعري، وقصيدة «المومس العمياء» للسياب، ومن كتاب جابر عصفور عن طه حسين «المرايا المتجاورة»، ومن نص لإلياس كانيتي في كتابه «أصوات مراكش»، ومن قصيدة «العميان»لبودلير، ومما يجدر ذكره أن الصكر اكتفى بالقراءة التناصية المقارنة ليؤكد أن البصيرة تفوق البصر.
قرأ الصكر في كتابه نصوصاً تراثية نثرية وشعرية في فصول، وجمع في قراءته بين النصوص النثرية والشعرية في فصل واحد أحياناً، مثل «تأملاته في فضاء الغراب» في حكاية «من رسالة الحيوان والإنسان» لإخوان الصفا، و«القدرة التواصلية في الجنون» في نص شعري لأدونيس، و«الطبيعة التواصلية للأسرار» في نص للجاحظ من كتابه «كتمان السر وحفظ اللسان»، و«الحكاية منظومة» في حكاية من حكايات «كليلة ودمنة» وفي نص شعري لحسب الشيخ جعفر نظم فيه هذه الحكاية شعراً بعنوان «صيحة الجرار»، و«انشطار العاطفة» في قصيدة لابن دلامة يرثي فيها المنصور ويهنئ المهدي، و«اتساع المشهد وضيق المكان» في نصوص متعددة، و«تعويذة القشة» في نصوص بابلية، و«كاتب الخط وكاتب اللفظ» في نص لابن قتيبة، و«المنادمة والنديم» في نص لابن المعتز من كتابه «فصول التماثيل في تباشير السرور»، و«الخبز: الرمز والجسد» في نص «جلجامش» ونصوص أخرى.
واختتم الصكر قراءاته بحديث مراوغ عن «غوايات المؤلف»، يفضح بعض أسرار صنعة التأليف، فمن «حيث يحسب المؤلف أنه يغوي قارئه باصطناع المقدمة، فإنه في حقيقة الأمر يعترف بغواياته هو: بما خضع له خلال عملية التأليف، وتسلط عليه عند إنتاج الكتابة وجذبه إلى اقتراف البوح والمكاشفة»( ). واختار مثالاً لهذه الغوايات مقدمة الجاحظ القصيرة لكتاب «البخلاء»، ليجد أن ما وعدنا به الجاحظ من حجج متبادلة يبدو مغرياً للقراءة، فهو لا يتحقق في الكتاب، لأن الجاحظ واقف في جهة واضحة من ظاهرة البخل هي الرفض.
وتفيد الخلاصة الأخيرة شيئاً من اندراج منهجية الصكر في الاستفادة من معطيات العلاماتية والتفكيكية على نحو مبسط، حين تمعن القراءة في تأويل اللغة والإشارات والرموز لتستخرج من تراكب علاقات النصوص مطاويها ودلالاتها.
2-8- اهتدى عبد الملك مرتاض إلى منهجه السيميائي التفكيكي الذي طبقه في دراسته لألف ليلة وليلة، مختلفاً الاختلاف كله عن منهجه التقليدي الذي ألف على منواله كتبه حتى منتصف الثمانينات. وعاد إلى دراسة المقامات وفق منهجه الحديث في كتابه «مقامات السيوطي» (1996). وقد اختار لدراسته مقامة واحدة هي «الياقوتية» من أربعة مستويات هي:
المستوى الأول ينصرف إلى سيميائية التشاكل في المقامة الياقوتية.
المستوى الثاني ويتعلق بسيميائية الألوان في هذه المقامة.
المستوى الثالث ويعنى بجمالية الحيز فيها.
المستوى الرابع والأخير ينصب على جمالية الإيقاع فيها.
بدأ مرتاض دراسته بمدخل تقليدي تاريخي موجز عن ماهية المقامة وشأنها في الأدب العربي، وعن السيوطي ومكانته بين كتاب المقامة من خلال ثلاثة مستويات هي المستوى اللغوي والمستوى التناصي القرآني والشعري، والمستوى الجمالي، ليظهر مدى تميز مقامات السيوطي من المقامات الأخرى، فهو مختلف عن السابقين له، واللاحقين به، على الرغم من اتباعه التقاليد العامة للكتابة الإبداعية على عهده. ولذا عقد العزم على دراسة هذه المقامات من وجهة نظر حداثية: «أن نقرأ النص ونؤوله، ونحلله أو نشرحه، لا أن نقيم من حوله هيئة محاكمة بحق أو بباطل»( )، ويخشى أن يؤدي ذلك، برأيه، إلى الوقوع في النقد التقليدي الذي لم يعد راضياً عنه.
حلل مرتاض في المستوى الأول سيميائية التشاكل في نص المقامة الياقوتية، الذي يفيد معنى المكان المتساوي أو تساوي المكان، ثم توسع في إطلاق هذا المصطلح على الحال في المكان من باب «التماس علاقة المجاورة أو العلاقة الحالية ذاتها: أي في مكان الكلام»( )، واستنكر أن يحلل أي محلل أي نص أدبي في غياب النظرة إليه من زاويتي التشاكل والتباين من وجهة، ومن زاويتي الانتشار والانحصار (ويشير إلى أن هذين المصطلحين، هما أيضاً، مما يندرج ضمن مستحدثاته المفاهيمية) من وجهة أخرى، ثم وقف جهده على تحليل ثلاثة نماذج فقط من الوجهة التشاكلية:
أولها: نموذج من خالص نص المقامة (أي من إنشاء الكاتب نفسه).
وثانيها: نموذج من الحديث النبوي الوارد في بعضها.
وثالثها: نموذج واحد من الشعر المستشهد به فيها.
ويستغرق مرتاض في التوصيف الشكلي البديعي على غرار السكاكي في تصنيفاته البلاغية والبديعية، مما يفتقد المعنى غالباً، كأن يورد أشكالاً نسجية مثل التشاكل النسجي ثلاثي الأطراف، والتشاكل النسجي ثنائي الأطراف، والتشاكل النسجي ثلاثي الأطراف يمكن ملاحظته في مستوى الكلام لدى قراءة العناصر اللسانية، عمودياً وأفرادياً، والتشاكل النسجي ثنائي الأطراف، إفرادي العناصر، والتشاكل المعنوي لعناصر الكلام، والتشاكل المركب، والتشاكل المعنوي لمراعاة أصل الصفة في ذاتها، والتشاكلات الأخرى.
لقد أوغل مرتاض في الشكلية إلى منتهاها، توصيفاً وتصنيفاً ورسماً لأشكال لا تضر ولا تنفع، دون أن يخلص في تحليله إلى حوصلة أو دلالة أو معنى، على الرغم من تألق التحليل وجمال اللغة وفطنة التدليل على عناصر المقامة، كمثل حديثه عن سيميائية الألوان خلل استعماله لمصطلح الهرمنوطيقيا أو التأويل، فقد توزع حديثه عن الألوان إلى المحاور التالية:
أولاً: لماذا الحديث عن الألوان في هذه الدراسة؟
ثانياً: ما الألوان التي تهيمن على نص هذه المقامة؟ وما الألوان التي تغيب عنها؟ ولماذا؟
ثالثاً: الألوان الصريحة.
رابعاً: الألوان المؤولة.
ولعلنا نذكر مثالاً لحديثه عن التزاوجات اللونية:
«التشكيل اللوني الأول
أبيض مع أحمر (در مع ياقوت)
أبيض مع أزرق (در مع ياقوت)
أبيض مع أصفر (در مع ياقوت).
التشكيل اللوني الثاني
أبيض مع أخضر (الدر مع الزيرجد)
أبيض مع أبيض (الدر مع النرجس)
أبيض مع أصفر (الدر مع النرجس في قراءة ثانية للنرجس).
التشكيل اللوني الثالث
أحمر مع أخضر (الياقوت مع بسط السندس)
أزرق مع أخضر (الياقوت مع بسط السندس)
أصفر مع أخضر (الياقوت مع بسط السندس)»: ( ).
وكانت خلاصات مرتاض شكلية لا طائل وراءها كمثل قوله:
«وواضح أن الألوان الأجمل، والألصق بالأنوثة، والأدنى إلى الرقة والبهاء هي الألوان التي وردت في المراتب الثلاث الأولى وهي الأصفر، والأحمر والأخضر ثم الأبيض، على حين أن الأزرق جاء في المرتبة الأخيرة، لأنه أقل الألوان وروداً في التجميل، وأندرها شيوعاً في التزيين»( ).
عني مرتاض بتحديد مصطلحاته في مطلع دراسته للمستويات جميعها، فخالف الجميع، بصريح العبارة، في فهم مصطلح الحيز Space - Espace، فأطلق لفظ «المكان على كل ما هو جغرافي، والحيز على كل ما هو خيالي، أو روحي، غيبي، غير مرئي، مثل الجنة والنار، وما وصفتا به من أحياز سحيقة، ونص هذه المقامة المطروحة للتحليل مما يشتمل على أخبار من الجنة عجيبة، أو خرافي، أو أسطوري، مثل السبل الغريبة التي تسلكها الجان، ومثل المهاوي السحيقة التي تهويها في أعمق الأعماق الأرضين، بناء على المعتقدات الشعبية العربية»( )، ولكنه ما يلبث أن يغرق الشكليات والوصف والتوصيف المجاني الذي لا يؤدي إلى معنى، ولا يضيء دلالة.
أخذ مرتاض عن السيميائية إجراءاتها، وجانب فحصها للمحتوى ومداها التأويلي لدلالات النصوص، ليصير نقده شكلياً لغوياً يشير إلى جلده ومكابدته لتلاوين المفردات والجمل وإيقاعاتها، وأغفل الفعلية والمسرودية وطبيعة النوع السردي الذي تمثله مثل هذه المقامات، ففاضت الحكائية في ألعاب اللغة وبلاغتها ورسومها كمثل قراءته الإيقاعية التالية:
«1- وشبه
وجعل.
2- بي
في
في.
3- معدني
مسكني.
4- الحور
البحور
النحور»( ).
وقد ارتأى أن يتجزأ بما قدمه من تحليل، عبر هذا المستوى من المدارسة لنص المقامة الياقوتية للسيوطي، وحسناً فعل، إذ لا طائل وراء هذا اللعب اللغوي والشكلي الذي يغطي على طبيعة المقامة السردية والفكرية والدلالية.
من الواضح، أن مرتاض يدرك تبعات منهجه، ويوحي هذا النص الختامي بإغفاله لما يشير إلى السردية وخصائصها العربية التي ميزت المقامات، لقد نظر إلى المقامات من وجهة لغوية استفادت من المنهجية الحديثة لتقع في شكلانية محضة، معولاً على دور المتلقي في تحليل هذا النوع السردي.
2-9- استند محسن جاسم الموسوي (العراق) في دراسته للتراث السردي الأدبي على مشروعه في البحث العلمي للسرد العربي قديماً وحديثاً. وانطلق من النقطة الأصعب، ألا وهي المثاقفة المعكوسة، حين خصص دراسته الأكاديمية الأولى، باللغة الإنكليزية، في مطلع السبعينيات، على أرض الغرب، لتأثير السرد العربي على الأدب الإنجليزي، وظهرت الدراسة بالعربية في كتاب «ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب الإنجليزي ـ الوقوع في دائرة السحر» (1982)، ثم تلته كتب كثيرة عن السرد العربي الحديث: قصة ورواية، ليتوج مشروعه في نقد التراث السردي الأدبي بمنهج حديث يعد بالاستقلال الثقافي والنقدي، فقد دان في تمهيده لكتابه «سرديات العصر العربي الاسلامي الوسيط» (1997) أخذ الدراسات الكثيرة للسرديات العربية الوسيطة بآليات القراءة الغربية للسردية، بمناهجها وعلاماتها المستجدة، منذ العناية الشكلانية بالحكاية، وصعد نبرة الإدانة لارتهان الباحثين والنقاد لهذه المناهج الحديثة، «إذ لا تكفي كثرة العكازات والشواهد والإحالات على باختين وبروب، أو على الشكلانيين الروس والنقاد الجدد، أو على البنيوية الغربية، وما بعدها للإتيان بقراءة عميقة للسرديات، فالذي لابدّ منه كخطوة أولى تسبق التعامل الناقد مع النص هو توطين الذات الغارقة داخل الجهاز المعرفي وآلياته، لتأتي القراءة متناغمة وغنية. وعندما يغيب ذلك ويجري استنطاق النص مرغماً، ويستعان له بعكازات من هنا وهناك، تصبح القراءة تمريناً مدرسياً مبتدئاً، لا يغني كثيراً في ميدان يستدعي الحذر من جانب، وتدفق الاستجابة المنظمة من جانب آخر»( ).
انتقد الموسوي الرأي الآخر المنحاز إلى نماذج السرد الغربي الحديثة، وفي خضم ذلك، التبعية، وأكد أن الرواية العربية استعانت بالموروث السردي العربي، على الرغم من القطيعة، وتموضعت في أنساق المحكي، أو تناصت مع نصوصه المدونة، أو عادت ثانية إلى بنيات سياسية واجتماعية، وأخرى معرفية، تعود إلى عصور خلت، تسترجعها بشكل أو بآخر، وكأنها تعيد تمكين السرد من الامتداد في أكثر من ظاهرة ونوع. واسترجع الموسوي فكرة المثاقفة المعكوسة بشأن «شهريار المرفوض حسب معيار غربي أخلاقي هو نفسه الذي يتقمصه الغرب في علاقته بالشرق»( ). وأثار مجموعة من المشكلات التي تخص السرديات العربية الإسلامية الوسيطة: لماذا تغيب الوحدة التي تتجمع عندها المتواليات السردية في عقدة واحدة؟ ولماذا يعنى العرب بالخبر كما لم يجر ذلك في أغلب الثقافات؟ ولماذا جرى التدوين بهذه السعة؟ وكيف لنا تدبير الغائب من النصوص؟ ولماذا التقابل بين الموضوعات؟ وما سر هذا الإصرار على أخبار الصفوة؟ وكيف تظهر المدن في الأخبار؟ وما جوهر العلاقة بالشعر؟ بلغته وتحولاتها؟ وما الذي يجمع المقامات؟ وكيف تستجيب الأخبار وكذلك السرديات بعامة لوطأة الإحساس بالدهر؟.
بدأ الموسوي مشروعه بالبحث عن تسمية للمحكي بين المرويات والمنقولات والمسموعات داخل التقاليد الثقافية العربية وتطوراتها وصراعاتها، وانطلق من الإقرار بولع العرب بالأسمار كولعهم بالشعر. «يأتي الشعر بالمدونة إلى الجنس السائد والمقبول، بينما يخرق المؤلف بالمجالسة الخاصة ما هو مضروب من حجاب ضد المحكي، فتظهر المجالسات أسماراً يختلط فيها بأكثر من جنس أدبي محدد، كذلك الذي جرى قبوله وتموضع في حياة السلطات وفئاتها الأساس»( ).
ووجد الموسوي أن القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، شهد اهتماماً بتدوين المحكي، كما يشير فهرست النديم، واقترن ذلك باحتراف المسامرة والمهاترة والمنادرة، وساق أنموذجاً لذلك هو أخبار التنوخي في كتابه «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» الذي حوى حكايات تشمل على توالٍ سردي متوتر ضاج بالفعل، مما أفسح المجال لظهور مؤلفات كثيرة تحتضن الأنواع السردية بمكوناتها المختلفة والمتعددة.
وانتقل الموسوي خطوة أخرى في مشروعه من البحث عن تسمية المحكي إلى «فعل المسامر والمنادر والمهاتر: من المشافهة إلى المكتوب»، وارتبط هذا الفعل بالتدوين، «أي الارتقاء بالأسمار إلى المكتوب، في ضوء فرضيات المجتمع التراتبي، وهي فرضيات لم تفسح المجال بعد لمن يسميهم الحصري «المنادر والمهاتر والمسامر» بتغطية هذه المساحة ما دام «الراوية أحد الشاتمين»، و«السامع أحد القائلين» يقيمان في فضاء المشافهة، وليس في حدود الكتابة والتدوين»( )، وهذا ما دعاه إلى قراءة شروط المسامرة والمسامر، ومواصفات المنادر والمنادرة، من أجل معرفة السرد مزاولة وفعلاً، ويسر ذلك تقصي الجهود الكتابية، وكان الجاحظ من أوائل العلماء والأدباء الذين عنوا بالسرد، وقد حذا الحصري حذوه في كتابه «زهر الآداب»، فوضع ما يشبه «استراتيجيات السرد».
وكشف الموسوي عن أساليب الرواة، فثمة راو جامع، راوي الرواة كالحصري، وثمة راو حاضر كالأصمعي والصولي، وثمة راو شريك وفاعل كالحسن بن سهل وأبي العيناء، وثمة رواة التناسل، الذين يظهرون عن آخرين كالعتابي عن الحمدوني وغيره، وثمة راو مـرسل جرى تكليفه بذلك، أو دُعي لهذا السبيل لسبب أو لآخر، كالتوحيدي في الامتاع والمؤانسة. ونلاحظ أن الموسوي يقرأ السرديات العربية من داخلها، وبما هو أقرب إلى الموروث النقدي وقد جرى اشتقاقه استحداثاً له لا تغريباً عنه. وتخلو تسويغاته وأحكامه من الارتهان للتقليد الغربي النقدي الحداثي كما في ملاحظته على الحصري على سبيل المثال( ).
خصّ الموسوي الجاحظ بعناية فائقة، وكتب عن «مفهوم السرد عند الجاحظ: النظرية والكتابة»، إذ يكاد يطور مفهوماً للسرد يتجاوز فيه ما كان سائداً في قصيدة السرد أو في الآثار القائمة حينذاك عندما يؤخذ هذا المفهوم في ضوء تعددية النظرة وتنوع الصوت من جانب، وكذلك في ضوء غاية السرد وفعله من جانب آخر. وعلى الرغم من أن الجاحظ لم يجر التفريقات المطردة في مصطلح النادرة والحكاية والحديث والخبر والقص، إلا أن مصادرها برواتها ومنشئيها أو فاعليها، هي التي تتيح لنا تحديد المصطلحات ومفاهيمها.
ورأى الموسوي أن الجاحظ معني بثلاثة أمور تستحق الملاحظة والانتباه عند قراءة السرد العربي في عصره الذهبي الذي شاعت فيه الحاجة الاجتماعية للإصغاء والاستماع والقراءة وحتمت النقل والترجمة عن الآداب الأخرى: فهو يفرق بين النادرة والقصة، وكذلك بينها وبين التأويل، ملاحظاً أن ثمة تداخلاً بين هذه الأفعال، القاص والمحتال والمكدي واللص، وكلها تجتمع على «المحاكاة» و«التمثيل» والاسترضاء والخداع والحيلة. ويتابع الموسوي اجتهاده من داخل خصوصيات الثقافة العربية ومكانة السرد فيها، فيجد أن جميع الآراء تتفق على أن القاص أو القصاص صاحب قول ووعظ ونادرة، وكلما اتجه القصاص نحو التمثيل، اخترق الخاصة نحو العوام، إذ يردف الجاحظ، أثناء السرد، ردود فعل المتلقين، وهذا ما يجعل «النص الجاحظي قادراً على التشخيص، ويتدخل فيه الحضور والتجسيد بالخبر، فالشخص سرد، كما يكتب اللاحقون، من أمثال تودوروف، وهم يعنون بالسرد في شعرية النثر: فلا شخص بدون حدث، كما لا حدث بدون شخص، وكلاهما سرد. ولهذا يتناول الجاحظ السرد وكأنه «الحديث»، والحديث كأنه السرد»( ).
ثم تطور فعل السرد عند التوحيدي، تلميذ الجاحظ، مباركاً ملاحظات عبد الرحمن كيليطو في كتابه عن المقامات، فالذين كتبوا في المحكي من التالين للحداثة لم يخرجوا عن دائرة المقارنة الأساس التي عقدها بين الجاحظ وبين حكاة القرن الرابع الهجري. غير أن التوحيدي، يفترق عن الجاحظ، في وفرة التلميح وتعذر التصريح لديه، مثلما يتبدى هذا الافتراق في «حركية» السرد ومكوناته.
ويذكر الموسوي ملاحظات أخرى حول فعل السرد عند التوحيدي فيما يلي:
توزيع «الحديث المتباعد الأطراف» في ليال يعجز عن تكوين بنية سردية، كما أن غياب نزعة التشخيص لدى الراوي يدفع بفنه بعيداً عن الجاحظ، لاسيما في «البخلاء» لكن هذا التوزيع يسقط على الحديث إطاراً زمنياً يموضعه في زمان.
هؤلاء الرواة، سواء كانوا «بدلاء» أبي حيان، أو ظهروا كشخصيات معاصرة أو متقدمة، يشتغلون غالباً في الحوار والمجادلة، ليكون السرد متتالياً على هذا الأساس، أي تنامي المجادلة والمنطق ومتابعة الأخبار.
التوحيدي، راو شهرزادي، أكثر استقراراً واتساقاً عندما تسعفه منقولاته المراوغة، فتتعدد لديه الأصوات، ويترك لها حرية السرد.
مراعاة حاجات الحكي لدى المتلقي.
تتضمن استراتيجيات السرد لدى التوحيدي الاحتجاج والجدل والاقتباس والنقل والتضمين والإشارة والتلفيق والإهمال المتعمد. كما إنها تتضمن التصريح والمراوغة، معنية بالكلام وصنوفه أكثر من العناية برسم الشخوص ومقالب الأحداث، ومتباعدة عن «سخرية الجاحظ، وقدراته الفريدة في التسلط على أوضاع الأشخاص ومصائرهم ورغباتهم المعلنة والمكبوتة، ولذا فهو صاحب خبر وحديث.
وتابع الموسوي دراسته للسرد العربي غفران أبي العلاء المعري، وأطلق على سرده «مخاتلات النص» حيث تتطور استراتيجيات السرد، لتنحرف إلى التصريح، بتأثير تعدد الأصوات المبثوثة داخل النص، فقد اتسع الشكل الحواري والتمثيلي، وتراكيبه المتباينة وشروحه المفترضة وأدعيته واستهلالاته وتمنياته.
واستخرج الموسوي من سرد المعري خصائص وسمات أخرى، نوجزها فيما يلي:
ينبغي ألا نغفل المتلقي الضمني الذي يقيم في واقع المجالس، كما يقيم في ذهن باث الرسالة.
بروز شكل الوصايا والإخوانيات، حيث ثمة شخصية تتشكل من وراء كلمات صاحبها، وتدعي الإيثار والفداء كلما جرت المقارنة بالمرسل إليه.
تعبير تعدد الأصوات عن الصراع الكامن والظاهر، وكما يتأكد من خطاب ابن القارح تتساوى السلطة مع الحق.
توافر المحاكاة الساخرة الموضوعة لغرض التهزئة.
تتمدد الكلمات شراكاً وشباكاً يقيم فيها ابن القارح وسبيلاً لتشكل «الرحلة» أو «النزعة» سردياً على أساس مكونات الفعل الأساس، الحركة كالسير، والصوت كالإنشاد، والنظر، والمنادمة، والسؤال، والخاطرة، فالفعل الذي يتحرك من خلاله السرد لا يتحدد بالحدث الخارجي، على الرغم من أن هذا الحدث هو الإطار الخارجي لرحلة التطهير التي يمر بها «فاعل» السرد أو شخصيته المركزية من الفردوس إلى المحشر فالجحيم فالفردوس ثانية.
ويرى الموسوي أن هذه المكونات السردية، سواء اشتغلت دافعاً أو فاعلاً أو حضوراً قرينياً فقط، تتيح للسرد أن يتسع لاحتواء المشاهد والمناظرات والمقابسات والمساجلات. وقد دعم المعري سرده بأسلوب المحاكاة الساخرة، وباللجوء إلى بنية المفارقة الملغومة.
وانتقل الموسوي بعد ذلك إلى مقامات الجوابين، خطوة تالية في تطور السردية العربية، وهي المقامات التي خرجت من جبة الجاحظ، ويعلل ظهورها، في مسار شغل كيليطو وسواه، في ضوء الأنساق الثقافية، على أن الموسوي، كعادته، لا يوثق مراجعه ومصادره إلا عرضاً أو إلماحاً أحياناً. مثلما تعاني كتابة الموسوي من ضعف التبويب أو التصنيف لانغمارها بالشرح وفيض التأويل أو توليد المعاني والدلالات. وقد ذكر مصطلح كيليطو حرفياً، وأشار إلى مجموعة دراسات متصلة بالمقامات دون توثيق( ).
وعلل الموسوي تحولات المقامة وضمورها، بالنظر إلى انحرافها جنساً أدبياً عن أنساقه. وختم حديثه عن تطور السرد العربي بالوقوف ملياً عند «ألف ليلة وليلة» الذي يعد ذروته، وتلمس خصائصه في المناحي التالية:
• العناية بالوصف التزييني وبالقرائن.
• بناء وحدات القص الوظيفية على أساس الإجابة عن استفهام، فالاستفهام هو الحافز الرئيسي للحكي، والمعادل للحنق الشهرياري.
• التعددية اللسانية وما تفصح عنه دلالياً ومعرفياً، إذ تتباين بتباين الحكايات، وهي تتأكد في احتواء الاستفهام على أساس دائري ملتف، فيه الإضافة والإسراف والسجع.
• حدة جريان السرد انشغالاً بالتوصيل والتبليغ والهدم والحضور الشخصي.
نقد الموسوي حداثي يتأصل في المعرفة النقدية بلغتها وبمصطلحاتها إلى حدّ كبير، على أن سيولته في الشرح والتأويل دون توثيق أو تصنيف تجعل متابعته عسيرة، والتعريف بنقده عصياً. وما يحتاج إليه هذا النقد أيضاً هو التسويغ المنهجي وتحديد المصطلح لإضاءة قضية شائكة مثل تطور السرد التراثي، أو الموروث السردي.
2-10- تشير آخر دراسات الموروث السردي المتأثرة بالاتجاهات الجديدة إلى الأخذ شبه التام بمنهجية علم السرد التي تكونت في رحاب هذه الاتجاهات، وهذا واضح في كتابي «السرد في مقامات الهمذاني»(1998) لأيمن بكر (مصر)، و«تحليل النص السردي: معارج ابن عربي نموذجاً»(1998) لسعيد الوكيل (مصر)، ومن الواضح، أنهما يكادان ينقطعان عن الجهود العربية النقدية المبذولة في هذا السبيل كما يظهر من أمرين: أولهما حرصهما على التمهيد لدراستيهما بشروح نظرية باتت معروفة في حركة النقد الأدبي العربي الجديد، وثانيهما فقر اطلاعهما على الدراسات السابقة كما تشير مقدماتهما ومتني بحثيهما وثبتي فهارسهما، إذ ذكر أيمن بكر، على سبيل المثال، دراسة عبدالله ابراهيم «السردية» ودراسة ناصر عبدالرزاق الموافي (مصر) وعنوانها «القصة العربية: عصر الإبداع» (ط2 1996)، وهي دراسة تبسيطية تحليلية في خمسة نصوص سردية للمقامة وسواها مما أنتج في القرن الرابع الهجري.
وسع الوكيل مجال السرد ومفهومه في دراسته اعتماداً على بعض معطيات علم السرد كما عرفت في اتجاهات البنيوية وما بعدها، وقد سماها علم السرد والشعرية، مثل مفهومي الوظيفة والمتوالية عند رولان بارت، واستخلاص التركيب النموذجي للوظائف فيها، مع الإفادة من بروب وكلود بريمون، وتحليل تودوروف الخصب للأدب العجائبي (الفانتازي)، وعلاقات الراوي والمروي والمروي له، ومفهوم التداخل النصي والاهتمام بالخطاب ذاته وبما وراء النص /المتعاليات النصية عند كريستيفا وسواها.
اختار الوكيل لدراسته بعض نصوص ابن عربي، وهي ليست سردية أو قصصية لدى كتابتها، وإن تضمنت طابعاً سردياً وهي:
• الإسراء إلى المقام الأسرى، وهو كتاب قائم بذاته بتحقيق سعاد الحكيم.
• ما اصطلح على تسميته بمعراج الفتوحات، ويرد في الفتوحات المكية في الجزء الثالث ممتداً على الصفحات 345-350.
• معراج «في معرفة كيمياء السعادة» أو «معراج التابع المحمدي وصاحب النظر الفلسفي». ويرد في الفتوحات المكية في الجزء الثاني ممتداً على الصفحات 272-284.
• ما اصطلح على تسميته بالمعراج المعنوي، وهو الوارد في السفر الأول من الفتوحات المكية بتحقيق عثمان يحيى، ممتداً في الفقرات 332-365.
• معراج التنزلات، وهو الوارد في كتاب التنزلات الموصلية، في الصفحات 243-338.
أي أن الوكيل عمد إلى اختيار نصوص قليلة من نتاج هذا الفيلسوف الكبير الذي لا يُعرف بانتمائه إلى جماعة القصاصين والسراد، وإنما جعل القص والسرد أسلوباً ومطية لفكره الفلسفي والصوفي( ).
استند الوكيل في فصله الأول «بناء الوحدات الحكائية» بالدرجة الأولى على تودوروف وبروب وبارت، وسبك هذه المعرفة النقدية الجديدة في تحليل سردي يأخذ ببعض العلاماتية، وإن لم يذكر مصادرها، بينما صاغ الفصل الثاني «الرؤية وتعدد الذوات السردية» وفق مصطلحات بارت وتودوروف وجاب ليننفلت، وما أثر عنهم وعن سواهم لدى بعض الباحثين المبكرين ممن عرّفوا بطلائع هذه الاتجاهات الجديدة أمثال سمير المرزوقي وجميل شاكر (تونس)، وعبدالله ابراهيم (العراق)، وصلاح فضل (مصر).
واستفاد الوكيل في فصله الثالث والأخير «التداخل النصي» من كريستيفا وباختين وتودورف ومارك انجينو وفوكو وبعض المشتغلين الأوائل بهذه الاتجاهات أمثال بشير القمري (المغرب) وسعيد يقطين (المغرب) وصبري حافظ (مصر) ومحمد مفتاح (المغرب).
وثمة ملاحظة حول الاستغراق في تلقف الاتجاهات الجديدة، كما في نقل الحديث عن التناص بوصفه مرتبة من مراتب التأويل وعن وضع تقسيم منطقي عام للعلاقات بين النصوص دون ذكر مصدره، بينما هو مأثور ومتداول لدى المشتغلين بالنقد الأدبي العربي الجديد، وألا كيف يسوغ الوكيل ذكر هذا التقسيم في خاتمة بحثه دون تطبيقه على نصوص المعارج مثل التآلف المتطابق، والتآلف المتماثل، والتآلف المتشابه، والتخالف المتناقض، والتخالف المتنافر، والتخالف المتقاطع( ). إن هذه المعلومات لا توظف في سياق التحليل السردي لمعارج ابن عربي، مما يبين ذلك التنازع في عناصر التحليل السردي ذاته بين المكونات التقليدية وتأثيرات الاتجاهات الجديدة.
ونلمس التنازع إياه في كتاب أيمن بكر «السرد في مقامات الهمذاني»، فقد اعتمد أيضاً على علم السرد ونظرية السرد Theory of Narrative, Narratology، راصداً العناصر السردية المكونة للنص، وصولاً إلى تحديد خصائئص نوع المقامة، واعترف بكر أنه لجأ إلى تقسيم نظري يقوم عليه التحليل ويتبين نموذج ميك بالMieke Bal في كتابها «Narratology: Introduction» (1996، تاريخ طبعته الأولى في الولايات المتحدة)، على أن التقسيم النظري الوارد لا يخص من نسب إليها إذ كان بارت أول من أطلقه في كتابه «التحليل البنيوي للقصص»، أما كتاب ميك بال فهو تعريفي بعلم السرد كما أظهرته إنجازات واضعيه، كذكر ثلاثة مستويات للسرد هي مستوى الإحداث الغفل، (والأفضل أن نسميه مستوى الحكاية) Fabala ومستوى القصة Story ومستوى النص/الخطاب ****، أو أن يذكر مكونات السرد بوصفه قصة، وهي: التبئير Focalization والشخصيات Characters والزمن Tense والفضاء Space، أو أن يذكر ملامح السرد بوصفه خطاباً، وهي: الوصف Pe******ion، والخطاب Discourse والراوي ومستويات الرواية Narrator and Levels of Narration، والمروي له Narratee، والمؤلف الضمني Implied Author، وهذا هو موضوع الفصل الأول من كتابه «مفاهيم نظرية»( ).
وقد عاد بكر إلى مصادره الأساسية تعضيداً للمفاهيم النظرية في علم السرد مما عرف عن بارت وجيرار جينيت وجاب ليننفلت وجيرالد برنس وتيري ايجلتون، بالإضافة إلى الاشتغال المبكر للنقاد على مفاهيم النقد الأدبي العربي الجديد مثل حميد لحمداني وسيزا قاسم والسيد ابراهيم محمد وعبدالملك مرتاض.
وزع بكر كتابه إلى أربعة فصول، هي: مفاهيم نظرية، ومكونات القصة، ومكونات النص، وفي تأويل النص، أي أنه جمع بين البنيوية والعلاماتية في إطار بعض إنجازات علم السرد.
مايزال حال النقد الأدبي العربي الجديد هو محاولات متناغمة أو غير متناغمة بين عدد من تأثيرات الاتجاهات الجديدة، مع ميل إلى المواءمة بين النظرية والتطبيق، أو إلى تغليب أحدهما على الآخر. وعند بكر، وهو نموذج غالب على نقد الموروث السردي. إنه نقد تبسيطي يدغم، إلى حدّ كبير، مؤثرات الاتجاهات الجديدة في المتن النقدي التقليدي.
2-11- تؤشر دراسة محمد القاضي (تونس) في سفره الضخم «الخبر في الأدب العربي: دراسة في السردية العربية» (1998) إلى ذروة الاشتغال النقدي الجديد بالموروث السردي الأدبي موازنة بين تأصيل وتحديث، فثمة تمحيص شديد العمق والدلالة لطبيعة السردية العربية القديمة وتكونها واستخلاص حدودها ومفاهيمها وتاريخيتها وعناصرها الثابتة والمتغيرة من خلال فنّ سردي محدد هو «الخبر»، وقد عني القاضي بدراسته في الأدب العربي إلى منتصف القرن الرابع للهجرة. لقد دُرس الخبر مراراً من قبل، وأشار القاضي نفسه إلى بعض هذه الدراسات، واستخلص قيمتها النقدية، وإنني لا تفق معه على أنها محدودة القيمة والفاعلية لافتقارها إلى الضبط المنهجي والدقة العلمية في بحث سيرورة التقاليد القصصية العربية. وأغفل بالمقابل دراسات قاربت «الخبر» في إطار بحثها عن السردية العربي: تاريخيتها، مفاهيمها، خصائصها، قضاياها المختلفة، وكنت عالجت غالبيتها آنفاً، غير أن دراسة القاضي متميزة عن سواها بمزايا متعددة أذكر منها:
أولاً: ربما كانت هي المرة الأولى التي ينصرف فيها جهد باحث ناقد انصرافاً كلياً لدراسة الخبر في الأدب العربي بوصفه سردية عربية داخل الأنساق الثقافية العربية، من منظورات الاتجاهات الجديدة.
ثانياً: وسم القاضي منهجه المعرفي الجديد بالإنشائية (يقصد الشعرية) في السرد، هادفاً إلى الوقوف على عملية إنتاج الفن في البيئة الثقافية العربية، وعلى السمات الأساسية للمخيال الذي صدرت عنه هذه النصوص، وعلى أهم الطرائق التي بها تم هذا الإنتاج.
ثالثاً: استرشد القاضي بالمنهج المعرفي الجديد لدراسة السردية العربية متعينة في فن الخبر دون استسلام لآليات هذا المنهج أو طرائقه، مما يلزم هو طريقة نقدية معرفية لفهم السردية العربية وتشكلاتها ومصائرها من داخلها، وهو ما فعله القاضي.
وزع القاضي كتابه الضخم (744 صفحة من القطع الكبير بحروف صغيرة) إلى خمسة أبواب، وفي كل باب ثلاثة فصول، وألحقه بفهارس مفيدة: مقدمة الفهارس، فهرس رجال السند، فهرس المصطلحات، فهرس الأبيات وأنصاف الأبيات، فهرس الآيات القرآنية، فهرس الموضوعات، فهرس الفهارس.
وأعرض لموضوعاته بقدر من الإيجاز، ثم أرفق ذلك ببعض الملاحظات النقدية:
أولاً: عالج في أبواب كتابه «الخبر والأجناس الأدبية في الأدب العربي القديم»، و«قضايا الخبر الأدبي التاريخية»، و«قضايا الإسناد في الخبر الأدبي»، و«متن الخبر الأدبي» و«دلالات الأخبار». ونلاحظ أنه مزج في دراسته بين جوانب من «الوصفي التاريخي» لدى استقصائه لقضايا الخبر الخارجية ومن «شعرية السرد» لدى تمحيصه لمتن الخبر الأدبي وحدات سردية ونظاماً إخباراياً وتناسلاً للأخبار، ومن «البنيوية التكوينية» عند تقصيه دلالات الأخبار وصلتها بالواقع والإيديولوجيا الساخرة والمقنعة. ولعل القاضي أفلح إلى حد كبير في إدغام هذه الجوانب المتعددة في سياق ثقافي عربي، وهو أمر لا مندوحة عنه وصولاً إلى نتائج مجدية، فليس ينفع إخضاع الإنسان الثقافية العربية لمنهجية متغربة، بل الاستشهاد بهذه المنهجية المتغربة لفهم الموروث السردي العربي، أو السردية العربية القديمة. وقد كان القاضي على حق بقوله:
«إن هذه القضايا التاريخية هي التي تسمح لنا بمواجهة مسألة الخبر في الأدب العربي القديم، لأننا عليها سترتّب طرائق معالجتنا له، وسنتنبه إلى المعضلات التي يثيرها بوصفه ممارسة فنية ذات ضوابط محددة يتعين علينا أن نستخلص سماتها الجوهرية من خلال التحليل النصي لنماذج منها مختارة»( ).
ثانياً: لقد درس القاضي قضية الأجناس الأدبية في الدراسات عند الغربيين والعرب المعاصرين، وتبين منزلة الخبر من الأدب العربي القديم في المعاجم والمصادر القديمة، وعني بفهم الخبر في دراسات المحدثين، ووقف عند الخبر ومنزلته من فنون القص، وعند حدّ الخبر عند المعاصرين. وعاين أصول الخبر والمواقف منه: لا نثر للعرب في الجاهلية، للعرب نثر في الجاهلية، لا إثبات ولا نفي للنثر العربي في الجاهلية، ونظر في الصلات بين المشافهة والتدوين حيث الانتقال في الثقافة العربية القديمة من نمط المشافهة والتدوين مثل التعايش والاصطراع، والتاريخ والنصوص، ووقف ملياً عند دور المؤلف في الخبر ناقلاً أو ناقداً أو مبدعاً.
وفحص القاضي مصطلحات الإسناد ومقوماته النظرية، مثل معنى الإسناد، ومراتب التحمل، وشروط الأداء ومصطلحاته، ونظر في تاريخ الإسناد وتطوره في أدب الأخبار في القرون الثاني والثالث والرابع للهجرة، واستخلص خصائص الإسناد ووظائفه في أدب الأخبار، ولاسيما طبيعته وسماته ووظائفه. ولا يخفى أن هذه الدراسة الوصفية التاريخية للخبر هي بحث في التراث العربي أولاً وأخيراً، ولقد قام بها القاضي بمنهجية حديثة لا ترتهن لمنهج معين، بل تستفيد منها ما هو أنسب لدرس السردية العربية القديمة، كما هو الحال في دراسته لأصول الخبر، إذ استرشد برأي لهانز روبرت باوس بقوله:
«إن حديثنا عن الأخبار يظل منقوصاً مبتوراً غائماً إن نحن لم نشر فيه إلى أصول الخبر وبداياته. وهذا المبحث، وإن كان بتاريخ الأدب ألصق منه بالإنشائية، يعدّ مدخلاً أساسياً لإدراك خصائص هذا الفن، والوقوف على المراحل الكبرى التي مرّ لها في مساره. ولقد أثار علماء الفولكلور مسألة الأصول هذه حينما سعوا إلى تحديد البدايات التي انطلقت منها أجناس الأدب الشعبي، رغبة منهم في إبراز خصائصها البنائية، ومن شأن ذلك أن يقودهم إلى استشفاف السنة التي اعتمدتها فحذت خددها أو تمردت عليها، والسنة التي أنشأتها، وجعلت منها قانوناً راسخاً على مرّ الأعوام»( ).
ثالثاً: تجنب القاضي إطلاق الأحكام النقدية، واعتمد المنهجية العلمية في استخلاص نتائج بحثه القابلة للنقاش، كما هو الحال مع استنتاجه أن القرن الأول للهجرة لم يشهد بداية التأليف في الأخبار، «وإن كنا نقرّ بأن نشاط الأخبار قد شهد في هذه الفترة شيئاً من الانتشار، لأنه استطاع أن يسير على قدمين: إحداهما قيم الدين الإسلامي الجديد، ولذلك كانت المساجد المكان المفضل لدى القصاص، وثانيهما التخويض في حلبة الخيال وملامسة الأسطورة والولوج في عالم العجيب والغريب مما يتجاوز تعاليم الدين. ولعل هذا ما يفسر شعبية القصاص من جهة، ومقاومة الفقهاء لهم من جهة أخرى، لأنهم أصبحوا في نظرهم يستغلون مشاعر مستمعيهم الدينية ليطرحوا بهم في آفاق الخيال»( ).
رابعاً: حاذر القاضي باستمرار من أن يحيد عن بحث الخبر الأدبي إلى مزالق غير مأمونة فيخوض في ضروب من الأقوال تبعده عنه، أوضحها ما يتصل بالحديث النبوي، وثانيهما أن يقصر الحديث على كتاب واحد، بل على جانب منه يكاد يعد جزئياً، فيغفل عن الحركة الكلية التي تتحكم في التأليف في مجال الأخبار الأدبية( ).
خامساً: استفاد القاضي من نقاد شعرية السرد لدى دراسته «متن الخبر الأدبي» على صعوبته في اعتماد مدونات سردية إخبارية معينة، وعلى استبداد الحيرة إزاء الإشكال المنهجي، لتعذر الفصل بين المدخلين الإنشائي والتاريخي في أية مرحلة من مراحل التحليل. ولقد فعل حسناً عندما درس الخبر بوصفه وحدة سردية في حدّ ذاته، فاستخرج مقوماته وخصائصه انطلاقاً من بنيته الحديثة ووصولاً إلى بنيته الخطابية. واستتبع ذلك دراسته لعلاقة الجوار الرابطة بين الأخبار: ماكنهها وما قوانينها؟ ثم اهتدى إلى ما سماه بتناسل الأخبار، أي دراسة أوجه التماثل بين الأخبار وضروب العلاقات بينها، لا في سياق تركيبي تتابعي قوامه التسلسل، بل في جدول اختيار تتبع من خلاله المسار التاريخي للخبر، فوقف على تراكب الأخبار وتضامّها، أو تفككها وانفصال بعضها عن بعض، أو تضخم نواة خبرية أو ضمورها. ويتصل مصطلح «تناسل الأخبار» بدراسة الحكاية والأسطورة عن انتقال الوحدات القصصية من بيئة لأخرى، ومن استعمال لآخر، فثمة رحلة للوحدة القصصية أو السردية كما في ميلاد البطل أو جريمة قتل الأب، أو الخيانة..الخ.
لقد استفاد القاضي من جينيت (يسميه جونات) أو الشكلانيين الروس، وتودوروف (كتابه شعرية النثر) وبارت (وعرب عنوان كتابه تعريباً آخر مختلفاً في الشكل، وليس في المحتوى عن سابقيه: «مدخل لتحليل القصص تحليلاً بنيوياً»، وسمى الكتاب مقالة)، ومجموعة انتروفارن في كتابها «التحليل السيميائي للنصوص». وطوّر بعض الوظائف في الرواية العذرية مما أطلقه بروب، وهي: التعارف، الحب، المخالفة، العقاب، الطلب، الرد، الزواج، المحنة، الطلاق، التأزم، التزويج، التدهور، التحدي، الوداع، الموت، وهي وظائف رئيسة استنبطها القاضي من كتاب «الأغاني». واللافت للنظر أن تطبيق القاضي صادر عن استيعاب تام لإنجازات الاتجاهات الجديدة، فليس ثمة إحالة بنفسها أو كامنة على سبيل الإشارة في الفصل التطبيقي «نظام الأخبار».
سادساً: حرص القاضي على لغة نقدية عربية أو معربة ناصعة نفوراً من الترجمة أو تنافرها الاصطلاحي واللغوي أحياناً وندر أن وردت مصطلحات أو ألفاظ أعجمية أو أجنبية بلفظها، مثل لفظة الموتيف والموتيفات Motif، بينما اصطلح على تعريبها الوحدة القصصية أو السردية الأصغر( ).
سابعاً: جانب القاضي ولع الاتجاهات الجديدة بالشكل والشكلية والخصائص الجمالية، مما أقبل عليه النقد الأدبي العربي الجديد، فرأى أن عمله لم يتسم بالانتظام، لأن مقصده كان الفحص عن مكونات الخبر وآلياته بغية فهم طبيعته، «غير أن هذه الخصائص الجمالية ـ على أهميتها ـ لا ينبغي أن تصرفنا عن المسار التاريخي الذي تتنزل فيه الأخبار، وعن الحركة العامة التي تندرج فيها»( )، فوجه القاضي عنايته إلى الحاضنة التاريخية للأخبار الأدبية، ودرس دلالات الأخبار في علاقتها بالشعر: خادماً له أو مستخدماً له، وبالواقع، أسيراً له أو منعتقاً من إساره، وبالإيديولوجية الساخرة أو المقنعة حين أصبح الخبر أداة أساسية من أدوات الصراع الفكري والسياسي، وحين غلبت الصيغة التاريخية الواقعية على الخبر.
تفتح دراسة القاضي عن السردية العربية القديمة الباب على مصراعيه لتأصيل السرد العربي واستمراره في السردية العربية الحديثة، مثلما تؤكد على أن الاتجاهات الجديدة تنفع في تعضيد جهود التأصيل، إذ يسرت الكشف عن فهم السردية العربية القديمة بخصوصيتها الثقافية والفنية والجمالية، وياسرت إلى مجانبة الاستلاب الذي مايزال محدقاً في غالبية دراسات نقد الموروث السردي.

3- ملاحظات ختامية:
ولعلنا نورد بعض الاستنتاجات حول نقد الموروث السردي المتأثر بالاتجاهات الجديدة، ونوجزها فيما يلي:
أولاً: كان نقد الموروث السردي المتأثر بهذه الاتجاهات هو الأسبق على أقلام النقاد والباحثين، بالقياس إلى النقد النظري والنقد التطبيقي للكتابة القصصية والروائية العربية الحديثة، ومرد ذلك إلى سببين هما:
أ- تفاعلات وعي الهوية القومية في رؤية السرد والسرد العربي، فقد عمد النقاد والباحثون إلى الدفاع عن خصوصياتهم الثقافية، وقدامة السرد العربي وخصوصيته، فتضاعف الاهتمام بالاتجاهات الجديدة المستندة إلى الاشتغال النصي الواسع بعلم السرد الذي يتيح لهم اختبار هذه الخصوصية، ويعزز أبحاث الأصالة الثقافية.
ب- انطلاقة علم السرد من إرث الشكلانيين الروس، ولا سيما بروب الذي صارت له ذرية ممتدة لدى غالبية أصحاب الاتجاهات الجديدة من البنيويين ومن تلاهم، متأثرين بإنجازاتهم، أو مجاورين لها، أو مطورين لنهاجياتها المعرفية والنقدية.
ثانياً: كان نقد الموروث السردي الشعبي سابقاً على نقد الموروث السردي الأدبي، لأن اشتغال بروب وذريته تركز على السرد الفولكلوري، ثم اتسع، فيما بعد، ليشمل أنواع السرد الأخرى.
ثالثاً: تباينت أشكال نقد الموروث السردي من القراءة إلى التحليل إلى التنظير، وإن غلبت القراءات النقدية المستندة إلى التحليل البنيوي للسرد، والمستفيدة كثيراً في الوقت نفسه من النقد العلامي، عناية بالدلالة في مداها العلائقي وشبكة مفاهيمها من جهة، وبالحفر المعرفي في هذا الفضاء، وفي نسيج هذه الشبكة من جهة أخرى.
رابعاً: ثمة ميل لا يخفى إلى إدراج نقد الموروث السردي في كشوفات العلوم الإنسانية الباهرة في مجالات النقد الأدبي، أي إثراء النقد الأدبي بالقابليات المعرفية والمنهجية للعلوم الإنسانية، ولاسيما علم النفس والتحليل النفسي، وعلم الاجتماع الأدبي.
خامساً: بروز عدد من النقاد الذين ينشدون تأصيل مشروعهم النقدي لدرس الموروث السردي في حاضنته وأنساقه الثقافية وفي سيرورته التاريخية والفنية، اندغاماً بالتقاليد العربية في النظر إلى السرد بعد ذلك، وهذا واضح في أعمال سعيد يقطين وعبدالله ابراهيم ومحمد رجب النجار ومحسن جاسم الموسوي.


الفصل السادس
النقد النظري المتأثر بالاتجاهات الجديدة
1ـ محاولات جنينية:
شهدت أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينات بزوغ المحاولات الجنينية للنقد الجديد، نظرياً وتطبيقياً، جذاذات نقدية من هذا المنهج أو ذاك، كما في الكتب التالية: «ملامح في الرواية السورية» (1979) لسمر روحي الفيصل، و«حركية الإبداع: دراسات في الأدب العربي الحديث» (1979) لخالدة سعيد (سورية)( )، و«الألسنية والنقد الأدبي: في النظرية والممارسة» (1979) لموريس أبو ناضر (لبنان)، و«نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة» (1980) لنبيلة إبراهيم سالم (مصر)، و«في معرفة النص» (1983) ليمنى العيد، و«بناء الرواية: دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ» (1984) لسيزا أحمد قاسم (مصر)، و«القراءة والتجربة: حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب» (1985) لسعيد يقطين، و«مدخل إلى نظرية القصة» (1985) لسمير المرزوقي وجميل شاكر. وكان محمد سويرتي (المغرب) درس هذه الكتب في كتابه «النقد البنيوي والنص الروائي» (حزيران 1991)، ونتفق معه في غالبية الآراء والاستنتاجات التي توصل إليها. واكتفي بالإشارة إليها وإلى كتب أخرى من المرحلة نفسها كلما لزم الأمر. وأعالج أهم المحاولات النظرية فيما تلا ذلك.
ولعلنا نبادر إلى القول: إن حركة النقد القصصي والروائي ما تزال تفتقر إلى اتجاه ناجز من الاتجاهات الجديدة، إلا من تمثل لاتجاه ما واستيعابه أو تطويع أكثر من اتجاه في عمل نقدي واحد في التعريف أو التنظير أو التطبيق، وأشير في مجال النقد النظري، إلى نماذج منها، ونلاحظ أن أمثال هذه الأعمال النظرية لا تخفي ميلها إلى التطبيق، مما يصعب معه إدراج هذا العمل في خانة محددة.
2ـ تحديث الأدوات دون منهج معين:
عمد بعض الباحثين والنقاد إلى تحديث أدواتهم النقدية دون الالتزام بمنهج معين، مما يعكس ولعهم في مجاراة الاتجاهات الجديدة، ورغبتهم في الإحاطة بخصائص الكتابة القصصية معرفياً وجمالياً. وقد عني نقاد وباحثون بجزء أو بعنصر من النص القصصي والروائي، أو بخاصية من خصائصه، أو بتمحيص القول في شكل، أو نوع من أنواع النصوص القصصية، ونلاحظ في اشتغالهم النقدي بعض أدوات النقد الجديد. وسنلمح الفرق عندما نناقش فيما بعد موضوعات مشابهة، مثل الاستهلال أو البداية بين ناقد يعتمد جزئياً أو إشارة على منهج أو آخر، وناقد يستهدي بالنهاجيات الجديدة كلياً.
ونختار الناقد ياسين النصير (العراق) نموذجاً للكتابة عن جزء أو عنصر من النص القصصي والروائي. وعرف عن النصير دراساته النظرية والنقدية والجمالية للمكان في كتبه التالية: «الرواية والمكان: جزآن» (1980-1986)، و«دلالة المكان في قصص الأطفال» (1985)، و«إشكالية المكان في النص الأدبي» (1986). ثم ألف كتاباً ضمن المجهود نفسه عن «الاستهلال: فن البدايات في النص الأدبي» (1993).
انتقى النصير، كعادته، شيئاً من المعرفة النقدية الحديثة، وهذا واضح من العنوانات بالدرجة الأولى: الاستهلال والكتابة الجديدة، البنية النصية والبنائية الاجتماعية، الاستهلال لغة وبناء، بنية الاستهلال، الاستهلال بوصفه علامة... الخ، وهو واضح أيضاً في لغته النقدية، كما في تحديده للوظائف الفكرية للجملة الاستهلالية، وأوردها مختصرة:
1- إنها جزء من شكل كلي حيث هي شكل أيضاً، لكنه يتحول خلال الفعل التكراري التوليدي إلى محتوى دلالي، فالموتيفة الصغيرة (يقصد الحافز) التي نراها، وقد عممت على كل مفردات العمارة تكتسب وظيفتها الجديدة من خلال الموقع الذي وجدت فيه، والعلاقات المكانية التي تربطها مع ما يجاورها..
2- إن الوحدة العضوية للمبنى ما هي إلا تطوير اشتقاقي من الموتيف الاستهلالي عندما تتوسع هذه الوحدة، أو تدخل في علاقات جديدة تكسب وتكتسب، تنمو وتندثر. إنها أشبه بالحجيرة البشرية في الوقت الذي تكون فيه الجسم البشري، تكتسب وظيفتها ووجودها من خلال العضو الذي تدخل في تركيبه.
3- والجملة الاستهلالية المتحولة إلى علامة، والمتضمنة أول الأمر في المدخل بوصفها علامة بارزة، تتحول داخل النص المعماري إلى قيمة معيارية..
4- البعد الزمني للجملة الاستهلالية، هو حضور الماضي في الحاضر في اللحظة التي يحتاج فيها إلى الماضي، لا حاجة استدلال معرفي، وإنما حاجة تفسير، فالحاضر هو الأقوى بوصفه محصلة الأزمنة.
5- الجملة الاستهلالية في الفنون المكانية كالعمارة، والرسم والمسرح، هي جملة مكانية تستخدم لغة الفن الخاص لتدلل على نفسها.
6- لكن بعض الاستهلالات تولد غامضة، أو في المواقع الخفية من الفعل، كاستهلالات الجريمة أو السرقة أو الفعل النفسي( ).
تنطوي بعض الوظائف على أدوات بنيوية أو علاماتية «سيميائية»، وتعالج بعض الوظائف بأدوات النقد التقليدي. وفي انتقاله للحديث عن «الاستهلال السردي الروائي»، لا يحدد النصير تعريفاً، ولا يضع خصائص وسمات، بل يضع رأياً عاماً أن استهلالات الفن الروائي تميل إلى السعة والتنوع، واختار مباشرة للتطبيق رواية «الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي، ووجد أن استهلاله عرّف بشخصيات الرواية، وبالمكان، وبنوعية الأحداث المركزية، وبحضانة الأفكار وبنى الفصول اللاحقة، وذكر روايات أخرى ذات استهلال مماثل مثل «النخلة والجيران» لغائب طعمة فرمان، و«الثلاثية» لنجيب محفوظ، و«شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف، و«المصابيح الزرق» لحنا مينة، و«اللاز» للطاهر وطار. وعالج ضمن المنظور نفسه الاستهلال الروائي متعدد الأصوات، في الروايات التي تروي كل شخصية من شخصياتها أحداثاً من وجهة نظرها، ومما يلاحظ على لغة النصير تعميمها وعدم دقتها اللغوية والاصطلاحية، كما في هذين الشاهدين:
1- تصبح الرواية متعددة الأصوات «هي الكيفية البنائية لها. كل شخصية تروي كل الأحداث من وجهة نظرها»، وليس هذا صحيحاً، لأن كل شخصية تروي الأحداث التي عرفتها أو شاركت فيها.
2- «كما يصلح هذا الاستهلال لروايات الحقب التاريخية حيث تداخلتها تنوعات الفن القصصي وكشوفات متعددة لزوايا الرؤية»( ).
ويقصد بذلك الرواية النهر أو الرواية الانسيابية، وليس ذلك الحكم صالحاً لمثل هذه الروايات، ولنذكر على سبيل المثال رواية «الحرب والسلم» لتولستوي، أو «الثلاثية» لنجيب محفوظ، أو «الثلاثية» لمحمد ديب.. الخ.
وغالباً ما يخرج النصير عن إطار الاستهلال إلى الرواية ككل، كما في حكمه على رواية غائب طعمة فرمان «خمسة أصوات»( ).
وعالج النصير الاستهلال الروائي المحوري البنية الذي يتحدد معناه «بأن ثمة فكرة أو محوراً واحداً يتكرر داخل الصفحات الأولى من العمل، فهو إما أن يكون حالاً معينة، أو مكاناً، أو موقفاً، أو زمناً ما، ويكون الاستهلال إشارة مركزة وقوية لهذه البنية المحورية ثم تتكرر في مقاطع عدة من الرواية، لتغذي مفاصل الرواية وتمدها بتصورات كلية لاحقة»( ). وذكر نموذجاً أقرب لها رواية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، وهي من الروايات التي ينطبق عليها وصف «الانسيابية».
وأمعن النصير في التصنيف لأنواع الاستهلال، فذكر «الاستهلال الروائي الحديث»، ومن مقوماته «قوة الأشياء وحضورها الفاعل والعمل المثيولوجي للشعب، والبعد الأسطوري للحياة المعاصرة، والشاعرية الغامضة في الأسلوب، ووحدة الزمن الإنساني، واعتماد الحس التطوري في صياغة مشروعات الغد، والرؤية الشاملة للعالم والعمق الرمزي والكثافة الواقعية»( ).
ويتساءل المرء هنا أليس ما ذكر سابقاً روايات حديثة؟!.
وشرح النصير «استهلالات الرواية القصيرة» التي تميل إلى الكثافة بطبيعتها المركزة، ولا يحدد أيضاً مفاهيم «الكثافة» و«التركيز» و«الرواية القصيرة»، على الرغم من أنه أورد أسماء روايات كثيرة تنتمي إلى هذا النوع. وقد وضع اشتراطاً عاماً، لا ينجح الاستهلال فيه «إلا متى كانت الحاجة إلى مفرداته وأفكاره مستمرة داخل العمل، عندئذ يبني كيانه اللغوي والمعرفي على شيء من تأريخية العلاقات الداخلية للنص، لا تأريخية المكان العامة أو جغرافيته»( ).
غير أن النصير نظر في «الاستهلال السردي في القصة القصيرة معتمداً على بروب، واستخلص وظائف أساسية للجملة الاستهلالية في القصة القصيرة على النحو التالي:
ثمة وضع موشك على الانهيار يراد صيانته.
استحضار بطل كفوء.
صياغة أسلوبية مبهمة، غامضة، إحالية، متفتحة.
الجملة الخبرية متعدية وغير لازمة.
كل المفردات الواردة ستوّلد مفردات ومشتقات جديدة داخل النص.
لها علاقة بنائية بالمتن من خلال فنّ حسن التخلص والانسياب.
لها علاقة ممهدة بالنهاية حيث اختتام الخلق التكويني بها»( ).
ونلحظ ثمة تداخلاً بين مفهوم الجملة السردية والجملة اللغوية، كما أن أشكالاً من الاستهلال مغفلة مثل السرد الدائري. وأفاد النصير في سياق نقده باستعماله للتوليدية بوصفها منهجاً بنائياً، يبتدئ بالشرارة التي تحتويها الجملة الاستهلالية، ومن ثم تتوسع النار في الجسد حتى إذا وصلت القصة النهاية لا يكون ثمة انطفاء أو حريق مستمر، وإنما اكتمال، فالخاتمة لا تبنى إلا وفق سياق فعل البداية، وهذه خصيصة من خصائص البنائية، ولكنه عبر عنها بغير لغة البنيويين ومصطلحاتهم. وكانت أمثلته على أكثر من عشر قصص لكتاب عرب من العراق، ناقش من خلالها مستويات الفعل في الاستهلال وهي:
المستوى الإبلاغي.
المستوى الوصفي.
المستوى الشعري.
المستوى البنائي (الزمنية ـ المكانية ـ الماضوية ـ التركيب..).
المستوى الحركي للجملة الاستهلالية..
وطبق ذلك على عدة قصص لمحمد خضير وكاظم الأحمدي وأحمد خلف وعائد خصباك. هل يشير شغل النصير إلى التعامل مع مناهج النقد الجديد على استحياء؟ ربما. وهذا هو طابع بعض الجهود البحثية والنقدية، مثل محمد غازي التدمري (سورية).
3ـ الاستعانة البنيوية الملتبسة:
سرعان ما انتشر التأثير البنيوي وما جاوره من نهاجيات معرفية، كما في كتابة صدوق نور الدين (المغرب) عن الاستهلال أو البداية من منظور أشمل وأكثر عمقاً واتساقاً في كتابه «البداية في النص الروائي» (1994)، فقد عالج موضوعه مستهدياً ببعض معطيات علم النص، فتتوارد في ثنايا نقده مصطلحات النص، كما عرفت لدى البنيويين والعلاميين واللسانيين، وأثار في مدخله العام «النص وسؤال النص، أسئلة عن «الماقبل» و«المابعد»، لما يخص العلاقة القائمة بين النص ومبدعه، وهو سؤال البداية، فإن ما يربط النص والمتلقي هو سؤال الختام.
ثم استغرق في لغة إنشائية موشاة بعبارات تنظيرية تفتقر إلى الدقة والتحديد غالباً، كأن يقول:
«على أن من النصوص التي تفرض ذاتها، سياقاتها داخل النص، إذ بإمكان قارئ النص التمكن منها، وبالتالي الإحالة إلى كون النص قد استقى منها تجليه ومظهره، كما أن بالإمكان عدم التفطن لذلك»( ).
وختم نور الدين تنظيره «المبهم» بقول تودوروف أن المبدع يؤول العالم، في حين أن القارئ يؤول الكتاب، ليفيد، برأيه، أن سؤال النص لا يكتمل إلا بسؤال القراءة.
وعالج في القسم الأول من كتابه البداية مفهوماً ووظيفة، على أن البداية مكون بنائي، والجزء المشكل للمفتتح أو المدخل، بالدخول في البداية، والشروع في خلق تآلف معها، يقود المتلقي إلى الانتقال مما هو واقعي نحو «الخيال الواقعي»( )، ثم لا يوضح نور الدين الوظيفة، على الرغم من استشهاده بمقالة هامة لصبري حافظ (مصر) هي «البدايات ووظيفتها في النص القصصي» (الكرمل 1986)، مؤثراً أن يجعل التطبيق سبيلاً لتوضيح مفاهيمه ومصطلحاته، فأشار لنصوص قصصية وروائية عربية كثيرة، من خلال إلماحاته إلى «الصوت السردي والبداية»، و«البداية ومنطق الزمن» و«البداية والمكان»، ومستعيناً بين الحين والآخر بتودوروف، وبارت، وسيزا قاسم، وتوماشفسكي، ويوري لوتمان، وباختين، وامبرتو ايكو، وجينيت. وانتقل بعد ذلك إلى عرض أنماط من البدايات، مثل البداية المتناصة، والبداية المتعالقة، والبداية الواصفة (ومنها الشعرية الخالصة، والناهضة على الزمن، والواصفة المشهدية). ونلاحظ أيضاً التداخل في هذه الأنواع، فالبداية المتناصة تماثل البداية المتعالقة، لأن التعالق مستوى آخر من التناص، أما الالتباس في تداخل الأنواع الأخرى، فمرده إلى الإيجاز المخل الذي عمد إليه نور الدين، كمثل قوله عن البداية الواصفة بشعريتها:
«وفيها تذهب اللغة على الأمداء بصور فنية قائمة على ضبط المشابهة، ويتعلق هذا خاصة بالمكان المتواجد فيه، حيث تتفاعل الأحداث وتحتد، دون أن يسقط من اعتبارنا أن اللغة الواصفة الشعرية قد تمتزج بالسياق السردي، بعيداً عن تجسيد الوقفة التأملية المحض..» ( ).
وخص نور الدين مقاربته النقدية في البداية رواية «الزيني بركات» (1972) لجمال الغيطاني، في صلة العنوان بالبداية، وفي صنعة الخيال، وفي البداية المتناقضة، ونلاحظ أيضاً خروج الناقد من علائق البداية ومكانتها السردية، إلى الانغمار بالتحليل السردي بعامة، كما في ختام كتابه: «إن تنوع الخطابات وتداخل الأجناس الأدبية يموضع الرواية في سياق من التعددية التي تفقد هذه الرواية خصوصياتها المتفردة بها، ولعل هذا ما أضفى عليها نوعاً من الأسلبة المتضحة في تنوع اللغات، وهو حسب باختين تهجين إرادي قصد إليه الغيطاني لوسم النص بواقعيته وموضوعيته كذلك»( ).
لجأ صدوق نور الدين إلى الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، ولا سيما المعنية بعلم النص وشعرية السرد، ولكن كتابته النقدية ملتبسة، لافتقارها إلى التحديد، ولا يغالها في التطبيق الموجز المخل، والأهم، لحاجتها إلى تسويغ نظري نقدي كاف مما توصل إليه علم السرد من كشوفات وإنجازات هائلة.
4ـ التعامل مع المناهج الحديثة على استحياء:
ثمة تنازع عند محمد غازي التدمري في كتابه «لغة القصة» (1995) بين التقليد والتحديث، فسادت المرجعية التقليدية استئناساً بمنهج حديث، كأن يكون سيد قطب (كتابه: النقد الأدبي، أصوله ومناهجه الصادر عام 1947 لأول مرة) المرجع الوحيد، «فالقصة الجيدة هي التي تستغل ما للنثر من قوة إيحائية ودلالية من الممكن أن تشع في سياق المفردة، كما تشع المفردة في سياق الجملة، التي يفترض فيها أن تشع وتتوهج، وتتفق صوراً وخيالات، داخل سياقات ونص القصة القصيرة المتطورة شكلاً ومضموناً بوعي دائم»( ).
بحث التدمري عن العلاقة بين القصة والشعر، وتلمس خصائص لغة القصة، مازجاً بين تعبيرات تقليدية وأخرى حديثة، وتوقف عند اختيار أدوات التوصيل، واختيار أدوات الدلالة، إلحاحاً على فهم اللغة غالباً، وعلى فهم اللغة من خلال تقنية القصة أحياناً. وقد تميز دخوله في التطبيق باستخدامه لأدوات منهجية حديثة، كما في حديثه عن حركة الفعل، أو حركة الضمير في سياق القصة، واللغة الشعرية، واللغة الإشارية، وحركة اللغة في سياق الصراع، واللغة المكشوفة والتعبير المكبوت أو الجنسي.
ويظهر التباين عن تنازعه في فهمه للسرد، فهو لم يذكره إلا في خاتمة كتابه، وقد ربطه بحدود الجملة الأساسية، على أن اللغة أوسع من «مجرد سرد»( ). وأنها المعبر «إلى فهم عامل الزمان وإشكالياته»( ).. الخ، مما يشي بتسرب بعض أدوات النقد الجديد على استحياء أو عدم الرغبة في تمثلها.
5ـ جهود نظرية تمهيدية:
ربما كان كتاب نبيلة إبراهيم سالم «نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة» (1980) الجهد الأول المكتمل تعريفاً بمناهج النقد الجديد، من بروب إلى غريماس إلى جاكوبسون، وهو جهد بدأته، كما أشرنا، في كتابها الرائد «قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية» (1974). وقد غلبت في تنظيرها منهجاً انتقائياً يقترب من نظرية التواصل التداولية اعتماداً على معطيات شكلانية ووظيفية من بروب وبنيوية ودلالية وسيميائية من غريماس على وجه الخصوص.
وتلا ذلك جهد مميز للناقدين سمير المرزوقي وجميل شاكر (تونس) في كتابهما «مدخل إلى نظرية القصة» (1985). يكمل الباحثان جهد نبيلة سالم، وفي المسعى نفسه، وإن اختلفت مصادرهما، أو مرجعيتهما، الفرنسية عندهما، والإنكليزية عندها، والصحيح أنهما لم يعتنيا بنظرية القصة، وإنما بعلم السرد Narratologie( )، لأن البحث في النظرية يستدعي معالجة جوانب أخرى لم يتطرقا إليها، وقد أضاف الباحثان إلى مرجعية سالم الشكلية البنيوية الدلالية Semantique والعلامية Semiotique مؤلفات ونظرات لجينيت وبريمون.
واعترف الباحثان بتبعات الانتقائية، بوصفها عقبة منهجية، ولكنهما وجداها «معضلة الجامعة في العالم كله، وهي كذلك مشكلة البحث الأم»( )، وأشارا إلى أن بارت قد اتهم بالوقوع فيها، ولا مناص منها، برأيهما، ما دام الانغلاق المنهجي يؤدي إلى التحجر! وتكمن مزية بحثهما النظري في أنهما سعيا إلى تنظير متكامل لعلم السرد، هو خطوة أخرى بعد سالم، وتمثلت هذه الخطوة في الإحاطة بالتحليل الوظائفي للسرد، وبتحليل النص السردي، وفي تحليل السردية والعلامية.
6ـ تسويغ عقائدي للنقد البنيوي:
وكانت الخطوة الثالثة الأهم في شغل يمنى العيد (لبنان)، وهي بدأتها في كتابها «في معرفة النص: دراسات في النقد الأدبي» (1983) الذي حاولت فيه تسويغ منهج النقد الجديد، بالاستفادة من كشوفات الشكلانية والبنيوية، ضمن منهجها الواقعي القديم، وهي معضلة كبرى بالنسبة إليها: النقد الجديد الذي يدرس بنية النص، والممارسة النقدية السالفة التي تدرس بنية المجتمع، أو تدرس النص «برؤية الخارج في هذا الداخل، أي بالنظر في النص الثقافي، وربما الاجتماعي». لتحسم تسويغها: «إن الدلالات داخل النص، وكما هي في النظرة البنيوية، موظفة باتجاه إنتاج البنية. وعليه نرى أن النص، من حيث هو حضور في المجال الثقافي، وظيفة إنتاج هذا المجال الذي ينتجه»( ).
وهكذا، انحصرت المعضلة في حدود ممارسة التقنيات والأدوات، فمثل هذا التغيير، برأيها، «يبقى في حدود البنية، لأنه لا يغير هويتها الأدبية». لقد اكتملت دائرة التسويغ المنهجي، تلمساً لعذر عقائدي: «إنه تغير في حدود شكل البنية لا يطول مفاصلها الأساسية، ولا ينتج أثرها المختلف، بل يستمر على اختلافه، في إنتاج الأثر نفسه. يستمر النص بإنتاج الأثر نفسه، ويوهمنا، نحن القراء، بأن حقيقة عالمه المتخيل هي، في هذا الاستمرار، الحقيقة. على هذه الحقيقة تطرح القراءة النقدية الواقعية سؤالها»( ).
وتابعت يمنى العيد تسويغها العقائدي للمنهج البنيوي في كتابها «الراوي: الموقع والشكل ـ بحث في السرد الروائي» (1986)، ولعلها المرة الأولى أن يحمل كتاب نقدي عربي هذا العنوان صراحة ويلتزم بالتنظير للسرد الروائي. ولم يفارقها هاجس التسويغ لمعضلة الفني والإيديولوجي، فعنيت على «تخريج» موقفها، وليس «تخريج» منهجها، لأن المناهج تعبير عن رؤية فكرية كما ذكرنا، والعيد تدرك ذلك تماماً، ولعل ضالتها التي تستقيم مع موقفها الفكري تكمن في النقد الاجتماعي وكشوفاته المذهلة التي تعرفها العيد كذلك. لقد تكررت في أثناء شغل العيد النظري أصوات ذلك التسويغ حتى مرحلة متأخرة من تأليفها النقدي، كالصوت الذي يحول المنهج إلى تقنيات وإجراءات في قولها:
«لئن كان عملي قد ركز على بؤرة مسألة الموقع للراوي، وحاول، في حدود قدرته، إظهار دلالية الشكل بإظهار العلاقة العضوية بين موقع الراوي ونمط البنية التي بها يقول، فإنه حاول أيضاً قراءة الأيديولوجي بقراءته الفني، وذلك عن طريق البحث في علاقة الراوي بما يروي، وبمن يروي، وفي ما يستخدمه الراوي من تقنيات تساعده على تحقيق روايته، أي، على إقامة تركيب لغوي فني»( ).
وامتد التسويغ إلى كتابة ثلاثة فصول من كتابها عن «النقد/ القراءة» و«التعبير ومسألة الموقع» و«الكتابة والتحولات الاجتماعية»، لتقول بعض متواتر القول في الأدب الأيديولوجي والواقعي ونقدهما لدى كوكبة نقاده العرب، وخارج الحدود من أرنست فيشر إلى روجيه غارودي إلى جورج لوكاتش، ومن محمود أمين العالم إلى حسين مروة إلى فيصل دراج، على تباين في الاستهداف والمرجعية وتكوينات المنهج، كما في مثل هذه الآراء:
- «إن الموقع هو دينامية تكون النص الباحث عن شكله الفني الخاص».
- «ليس الاجتماعي خارجاً نقرأه في داخل، بل هو هذا «الداخل» الذي صاره، وقد اختلف وتميز في بنية شكله».
- «في هذا الطابع النقدي، تبدو الكتابة محكومة بموقع هو منطقها الذي به تمارس نشاطها صياغة وقولاً لها. تمارس الكتابة نطقاً فنياً لها، تمارسه من موقع. من موقع تتكلم الكتابة، ومن موقع ترى، وبهذه الرؤية يتحدد منطق الصياغة. على أن هذه الرؤية من موقعهي شكل من أشكال الوعي. إنه أيديولوجي حركته التناقض»( ).
وقرنت العيد في بقية فصول كتابها بين التنظير والتطبيق على مسرحيات وروايات وقصص لسوفوكليس وإلياس خوري والطيب صالح ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف، وينتمي تحليلها للسرد الروائي، ولا سيما أنماط بنية القص والراوي إلى المناهج الحديثة، الشكلانية والبنيوية وما عرف بشعرية السرد( )، على أن أهم محاولة تنظيرية ليمنى العيد كانت كتابها «تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي» (1990). والغريب أن العيد ما زالت في هذا الكتاب معنية بالتسويغ الأيديولوجي لمنهجها الحديث، وفاء لعقيدتها أو توافقاً معها، وبلغ التسويغ أشده حين أوحت برفضها للمنهج البنيوي الذي مارسته باتساع، وصار علامة لكتابتها:
«ولا شيء يمنع، بل لعله أصبح من الضروري أن نتملك مثل هذه المعارف لنحسن، لا مجرد استخدامها، بل أيضاً رفضها. فالرفض من موقع المعرفة هو بحث وتطور في مجالها. كما أن استخدام المعارف لا يكون مجدياً إلا بتملكها»( ).
ولعل هاجس التسويغ لم يفارقها عندما كتبت الفصل الأول من الكتاب «دراسة موضوعها الشكل» فأعادت متواتر القول حول العون الذي يقدمه تحليل هيكل البنية لنهج القراءة المؤولة، «فالتحليل الذي يتناوله هيكل البنية يكشف أسرار اللعبة الفنية، لأنه تحليل يتعامل مع التقنيات المستخدمة في إقامة النص»، كما أن «مسألة الشكل ليست مسألة شكلية، بل هي معرفة موضوعها الشكل»( ). واسترشدت بتودوروف في التمييز بين المعنى والتأويل، إذ لا قراءة خارج التأويل، أي أن النص السردي دون قراءة، دون تأويل، يمنحه المعنى (الأيديولوجي) يستحيل إلى مجرد نظر في العناصر المكونة، وبحث عن الوظائف، وتعامل مع هيكل البنية النصية، مما يؤدي إلى إفقار للنص: «برودة التشريح، وحيادية الجثة»( ).
ومن الملحوظ، أن هذا الاستنتاج قد طمأن العيد، فمضت للتنظير في تقنيات السرد الروائي. اعتماداً على بروب وجينيت وغريماس وتودوروف على نحو واسع، وباختين وبريمون على نحو ضيق.
وضعت العيد في ختام كتابها شرحاً لأهم المصطلحات والمفاهيم الواردة في كتابها، مما يضاعف من قيمة جهدها العلمي والنقدي. ودرست العمل السردي الروائي من حيث هو حكاية، ومن حيث هو قول، وزاوية الرؤية والموقع، وألحقت ذلك بدراسات تطبيقية لرواية «أرابيسك» لانطون شماس وبعض قصص زكريا تامر ومحمد خضير وإلياس خوري ويوسف إدريس.
عرّفت العيد العمل السردي الروائي، على إطلاقه، بأنه «حكاية بمعنى أنه يثير واقعة، أي حدثاً وقع، وأحداثاً وقعت. وبالتالي، يفترض أشخاصاً يفعلون الأحداث ويختلطون، بصورهم المروية، مع الحياة الواقعية». وهذا يستدعي لدراسته من حيث هو حكاية ما يلي:
«أولاً: ترابط الأفعال وفق منطق خاص بها.
ثانياً: الحوافز التي تتحكم بالعلاقات بين الشخصيات، وبمنطق الترابط بين الأفعال.
ثالثاً: الشخصيات والعلاقات في ما بينها»( ).
عدلت العيد قليلاً في ترسيمة بروب، وأوجزت بغية كشف مسار الحكاية وترابط حلقاتها السردية المحكومة بمنطق يخّصها، ليبدو «توالي الأفعال على النحو الذي هو لها، توالياً له طابع الضرورة»( )، وقد طبقت عرضها الموجز على حكاية شعبية يمنية، وأفردت فصلاً خاصاً للحوافز، استناداً لتودوروف، الذي قدم «لوحة محيطة، ولكن مختزلة ومبوبة، لمجمل الحوافز التي تحكم أفعال الشخصيات في علاقات السرد الروائي»( ).
أرجع تودوروف الحوافز إلى ثلاثة أساسية هي:
الرغبة، وشكلها الأبرز.
التواصل، ويجد شكل تحققه في الإسرار بمكنونات النفس إلى صديق.
المشاركة، وشكل تحققها هو المساعدة.
وثمة ثلاثة أخرى ضدية أو سلبية هي:
الكراهية، تقابل الحب الذي هو الشكل الأبرز للرغبة.
الجهر، ويقابل الإسرار الذي يحققه حافز التواصل.
الإعاقة، ويقابل المساعدة التي يحققها حافز المشاركة.
وتنتظم الحوافز في تحفيز (تنامي الفعلية)، ويصبح الفعل عملاً يلتقي فيه نشاط الحافز وسكونه، أي أن الأفعال تسمى العوامل، وقد اعتمدت على غريماس في وضع لوحة العوامل.
وعرضت العيد للشخصيات والعلاقات فيما بينها من خلال تحليل قصة «مضجع العروس» لجبران خليل جبران من مجموعته «الأرواح المتمردة». وأدى ذلك إلى لزوم «استخدام مجموعة من التقنيات، تدفع إلى التفنن واللعب لخلق هيئة القص وإبداع القول أو الخطاب» (ص68)، أي العمل الروائي من حيث هو قول، فدرست ثلاث مقولات هي: زمن القص وهيئة القص، ونمط القص، وأوضحت علاقات زمن العمل القصصي، وهي الترتيب أو النظام والمدة والتواتر. وألمحت إلى اقتصار جينيت وحده على أهمية هذه النقطة، موضحة أن التواتر «يتحدد بالنظر في العلاقة بين ما يتكرر حدوثه أو وقوعه، من أحداث وأفعال على مستوى الوقائع من جهة، وعلى مستوى القول من جهة ثانية»، وهذه النقطة يعبر عنها أيضاً بتعليل الواقعة في النقد الانكلوسكسوني، وهي ضرورية ملازمة للخطاب القصصي لتمييزه عن مستوى الحكاية/ سرد الوقائع( ).
وشرحت العيد مقولة هيئة القص، معددة أنواع الرواة، وهم:
الراوي بضمير الأنا.
الكاتب الذي يعرف كل شيء، أو كلي المعرفة.
الراوي الشاهد.
كاتب يروي من خارج، غير حاضر.
وكان شرحها مختزلاً مبسطاً، وكذلك فعلت في عرضها لمقولة نمط القص، وتتوزع هذه الأنماط إلى نمط أسلوبي يتصف بالمباشرة، ونمط أسلوبي يتصف باللامباشرة، ونمط أسلوبي لا مباشر حرّ. وختمت تنظيرها بعرض زاوية الرؤية والموقع، باختزال وتبسيط أكثر من ذي قبل، ولم تلتزم فيه باجتهادات الشكلانيين ونقاد شعرية السرد الذين جعلوا «التبئير» موضع جدل لا ينتهي؛ وإن قاربت، على سبيل الإشارة، قضية المبدأ الحواري أو تعدد الأصوات عند باختين، فقد أثارت سؤالاً حول موقع الراوي في حال «اختلاف الأصوات واختلاف المواقع»، وهل هذا الاختلاف «مجرد تنويع على صوت الراوي الواحد وتعدداً له»( ).
عدت العيد كتابها تعليمياً، وهذا واضح، في عرضها الشارح، وفي ابتعادها عن مناقشة الكثير من القضايا المنهجية لعلم السرد وفروقاته بين باحثيه ونقاده. ولا يخفى أن ظلال التسويغ العقائدي للاشتغال بمنهج شكلاني حديث لم تنجل عن عملها النظري النقدي، مما انعكس في النتيجة نقداً توفيقياً لنهاجيات نقدية حديثة جهدت كثيراً لتوفير الاتساق والانسجام لفكرته وآليته وإجراءاته ولغته.
7ـ الجهد التنظيري الأول المكتمل:
كان شغل سعيد يقطين الجهد التنظيري الأول المكتمل لتحليل السرد وفق منهجية جديدة هي السرديات البنيوية، وظهر هذا الشغل في كتابين، الأول كبير في محتواه وصفحاته هو «تحليل الخطاب الروائي: الزمن ـ السرد ـ التبئير» (1989)، والثاني أصغر هو «انفتاح النص الروائي: النص ـ السياق» (1989).
يكاد يجزم يقطين في تقديمه أن النقد العربي يفتقر إلى تصور نظري للرواية في سؤال مفتوح على التجربة العربية، وكان سمى كتابه الأول «القراءة والتجربة: حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب» (1985)، مما يشير إلى تداخل في المفهوم بين الرواية والسرد والخطاب ما يلبث أن ينزاح لصالح علم السرد، عندما وضح أن موضوع كتابه «تحليل الخطاب الروائي» ليس الرواية، ولكن الخطاب، وليس الخطاب غير الطريقة التي تقدم بها المادة الحكائية في الرواية»( ). وصرح يقطين أنه يعنى بكيفية اشتغال مكونات الخطاب وعناصره، منطلقاً من السرديات البنيوية كما تتجسد في شعرية السرد (سماه الاتجاه البويطيقي) ( ) الذي يعمل الباحثون على تطويره وبلورته بشكل دائم ومستمر، وعبر تتبعه للعديد من وجهات النظر داخل الاتجاه نفسه، وحرص على «تكوين تصور متكامل مزاوجاً بين عمل البويطيقي وهو يبحث عن الكليات التجريدية، والناقد وهو يدقق كلياته ويبلورها من خلال تجربة محددة»( ).
وأوضح يقطين أنه وقف على ثلاثة مكونات في تحليله للخطاب الروائي، هي الزمن والصيغة والرؤية السردية، وهي «المكونات المركزية التي يقوم عليها الخطاب من خلال طرفيه المتقاطعين: الراوي والمروي له. أي أننا وقفنا عند حدود ما يعرف بالمظهر النحوي أو البنيوي، وهذا إجراء أساسي يفرضه علينا التحليل السردي»( )، على أنه سينتقل في كتابه «انفتاح النص الروائي» إلى المظهر الدلالي أو الوظيفي، ولجأ إلى التطبيق تيسيراً لتحليله، فدرس في عملية أولى رواية «الزيني بركات» لجمال الغيطاني دراسة جزئية، ودرس في عملية ثانية أربعة خطابات دراسة كلية هي «الوقائع الغريبة» لإميل حبيبي، و«أنت منذ اليوم» لتيسير سبول، و«الزمن الموحش» لحيدر حيدر، و«عودة الطائر إلى البحر» لحليم بركات، واعتنى على وجه الخصوص بعلاقة الراوي بالمروي له في الخطاب.
وضع يقطين مدخلاً إلى تحليل الخطاب الروائي، عرف فيه الخطاب، وعرض لعناصر تحليل الخطاب الروائي، واتبعها بتصوره لتحليل الخطاب الروائي العربي. وقد وجد أن أولى محاولات تحديد الخطاب كانت مع هاريس وبنفنست، وتطور مع فرانسوا راستيه ود. مانكينو وجان كارون وج. موشلر ومايكل هو وغيرهم.
وميز بعد ذلك بين القصة والخطاب، وتلمس تحديد مفهوم النسق والوظيفة، لينتقل إلى إقامة تصور جديد لتطور الأشكال تاريخياً، وكانت انطلاقته من الشكلانيين الروس مروراً بالبنيويين ونقاد شعرية السرد والنقد اللساني والعلاماتي، ولا سيما تودوروف وجينيت ويلمسليف وموريس جان لوفيف وفاولر ولودج وسوزان روبين سوليمان ورولان بارت، وشلوميت ريمون كينان وغيرهم، فناقش الآراء المتصلة بالاستعمالات الثلاثة للحكي، وهي:
القصة Histoire: المدلول أو المضمون السردي.
الحكي Recit: الدال أو الملفوظ أو الخطاب أو النص السردي.
السرد Narration: الفعل السردي المنتج»( ).
وأعلن يقطين في بحثه لحدود السرديات موقفه من تقسيمات الحكي إلى ثنائية وثلاثية وفق أسس وأهداف معينة في ناحيتين هما:
«الأولى: أعلن فيها انطلاقي من تمييز تودوروف وجينيت الثنائي للحكي إلى قصة وخطاب. ووقوفي في تحليل الخطاب الروائي على ما أسميناه بـ «المستوى النحوي».
الثانية: أدخل فيها مفهوماً هو النص، وضمنه أجدني انتقل من «المستوى النحوي» إلى «المستوى الدلالي» الذي لا يهتم به تودوروف وجينيت، وإن أعطانا تودوروف في «البويطيقا» حضوره كمستوى لم يهتم به السرديون البنيويون بعد. وفي هذه الناحيةأجدني أمارس تقسيماً ثلاثياً للحكي على غرار شلوميت وفاولر وليتش، لكن من منظور مغاير، وإن كانت الأهداف واحدة: الانتقال من البنيوي إلى الوظيفي»( ).
وكان هذا الإعلان سبيلاً للانتقال من المظهر النحوي إلى المظهر الدلالي، ومجاوزة للسرديات البنيوية وتوسيعها بما سماه السوسيو سرديات، فاستفاد من مشروع بيير زيما الذي بُني على السيميوطيقا أولاً، والنظرية النقدية مع جماعة فرانكفورت ثانياً، بينما يريد يقطين مشروعه الآخر المنطلق منه، وهو ما يشكل محتوى شغله في كتابه. وعبر يقطين عن مشروعه بأنه يبحث في علاقة زمن القصة بزمن الخطاب، وعلاقة ذلك ببناء النص. «وإذا كنا في صيغ الخطاب نتحدث عن نوعية العلاقات بين الخطابات وكيفية اشتغالها: خطاب مسرود، معروض، منقول. فإننا في المتعاليات النصية سنتحدث عن علاقة النصوص بعضها ببعض ضمن «نص الرواية». وهكذا لن نتحدث عن خطاب مسرود مثلاً، ولكن عن مناص وتناص وميتا ـ نص.. ونبحث في كيفية اشتغال النصوص، داخل نص الرواية، وأبعادها النصية»( ).
عالج يقطين «الزمن في الخطاب» انطلاقاً من تعريف عام، وتقديم نظري، ونظرة الروائيين الجدد للزمن، ولسانيات الخطاب والزمن، وصولاً إلى موقف الشكلانيين الروس، وتوقف عند «خطاب الحكي» لجينيت، والمحددات الأساسية للزمن مما عالجته يمنى العيد أيضاً، وهي علاقات الترتيب وعلاقات المدة أو الديمومة وعلاقات التواتر. وعرض وجهات نظر كثيرة لجان بويون في كتابه «الزمن والرواية»، وبول ريكور في كتابه «الزمن والحكي»، وناقش إشكالية الزمن في العربية، ليجدد إعلانه مجاوزة تحليل زمن الخطاب من خلال السرديات البنيوية ولسانيات النص إلى «زمن النص» من «خلال العلاقة بين زمن الكاتب وزمن القراءة بوضعها في إطار تحليل النص، وبوضعه في إطار بنية سوسيو ـ لغوية شاملة»( ).
ثم عالج يقطين «صيغة الخطاب» منطلقاً من بيرسي لبوك وصولاً إلى نقاد شعرية السرد، ومؤكداً أن التحليل البنيوي للحكي استوى منذ أواسط الستينيات، وتوقف على وجه الخصوص عند ثلاثة أنواع من الخطاب في كتاب جينيت «حكي الأقوال» هي الخطاب المسرود، وخطاب الأسلوب غير المباشر والخطاب المنقول، وما يتبعها من تقنيات تكشف عن تقديم الحياة النفسية هي:
السيكو ـ سردي: تحليل أفكار الشخصيات التي يتكلف بها الراوي مباشرة.
المونولوج المنقول: وهو تلك الاستشهادات الحرفية للأفكار كما هي ملفوظ بها في الخطاب الداخلي، وليس «المونولوج الداخلي» هنا إلا متغيراً وتنويعاً أكثر استقلالية وذاتية.
المونولوج المسرود: الذي يقوم به الراوي تحت شكل الخطاب المباشر مقيداً كان أو حراً» (ص185)( ).
ويلاحظ أن يقطين يميل إلى تحليل جينيت الذي يأخذ عنه أنماط تقديم الكلام. وثمة تصنيفات أخرى للمادة الحكائية وصيغ سردها بسيطة أو مركبة. وعندما انتقل إلى تعدد الخطاب/ تعدد الصيغ، رصد عناصر الخطاب وأشكال الخطاب، وخصوصية صيغة الخطاب، ممعناً في التفصيلات الكثيرة التي وصل إليها علم السرد، وهي تفصيلات شكلية قليلة الجدوى، مما يذكرنا بتفريعات العلوم البلاغية المتأخرة كما عند السكاكي مثلاً، وتشير خلاصة الفصل الثاني على سبيل المثال إلى الصعوبات التي تحد من طموح مشروع يقطين النقدي من حيث الإمعان في الشكلانية ولسانيات الخطاب الذي يحدّ من توسيع السرديات البنيوية إلى مدار السوسيو سرديات، إذ ظل التحليل النظري والتطبيقي في حدوده البنيوية الشكلانية.
لا يخفى أن الوظيفية تدعيم للبنيوية، ولا تحقق غايات سوسيو سردية. ولعل تأمل شغله حول الرؤية السردية في الخطاب الروائي مما يؤدي إلى هذه الغايات. وقد عاد إلى مفهوم وجهة النظر في النقد الأنكلوسكسوني، ولا سيما لبوك وفريدمان، بوصفه منطلقاً لمفهوم «التبئير» في النقد البنيوي الفرنسي وما تلاه، وفي النقد السوفياتي، ولا سيما أوسبنسكي الذي قدم وجهة النظر على نحو شمول، تتصل «اتصالاً وثيقاً بتوليف العمل الفني بصفة عامة. ولما كان هدفه صياغة مشروع نظري مرتبط بنمذجة الممكنات التوليفية، من خلال ما يسميه «بويطيقا التوليف»، فإنه انطلق من أجل ذلك من «وجهة النظر»، ما دامت تتيح للفنان فرصة توظيف وجهات النظر وتنويعها داخل العمل الذي يتجسد، على مستوى بنائه، من خلالها». وقد رهن اوسبنسكي وجهة النظر بالمواقع التي يحتلها المؤلف، والتي منها ينتج خطابه السردي، وعاين هذه المواقع من خلال أربعة مستويات هي: المستوى الإيديولوجي، والتعبيري، والمكاني ـ الزماني، والسيكولوجي.
أما جينيت فقد استبعد مفهوم «الرؤية» و«وجهة النظر»، وعوضها بمفهوم «التبئير» الذي هو أكثر تجريداً، وأبعد إيحاء للجانب البصري الذي تتضمنه باقي المصطلحات، وقسمه إلى ثلاثة أقسام هي:
«1- التبئير الصفر أو اللاتبئير: الذي نجده في الحكي التقليدي.
2- التبئير الداخلي: سواء كان ثابتاً أو متحولاً أو متعدداً.
3- التبئير الخارجي: الذي لا يمكن فيه التعرف على دواخل الشخصية»( ).
إن انحياز يقطين لجينيت يتعارض مع السوسيولوجي، ويؤثر سلباً في توافر المعرفة الذاتية أو الموضوعية، أو ما يسمى في النقد الاجتماعي التملك المعرفي للعالم عبر تملكه جمالياً. ويزداد الالتباس أو التردد في موقف يقطين من جينيت أنه سجل ملاحظة دالة، فهو على الرغم من كونه «يقدم «التبئير» بديلاً عن باقي المصطلحات الموظفة، فإنه لا يقدم لنا أي تعريف له»( ).
لقد عرض يقطين التطور التاريخي والنقدي لمصطلح «التبئير» يحدد على ضوء ذلك استعماله لهذا المفهوم، وهو استعمال متعسف غارق في الشكلانية وولع ترسيماتها، اقتداء بجينيت بالدرجة الأولى. استعمل يقطين المفهوم «بمعنى «حصر المجال» من خلال اشتغال «الصوت السردي» كراو ومبئر في آن، أي كذات للتبئير هذه الذات «المبئر» تكون إما داخلية أو خارجية، ونفس الشيء يكون «المبأر» موضوع التبئير، سواء كان شخصية أو حدثاً أو مكاناً. ومن خلال نوعية العلاقة التي يقيمها المبئر مع المبأر يمكن أن نتحدث عن «المنظور السردي»، مكان التبئير الذي نحيله إلى نوعية الشكل، و«عمق المنظور» الذي نحيله إلى نوعية «الصوت»، وهكذا»( ).
وأورد تصنيفات وترسيمات كثيرة مثل الرؤية البرانية الخارجية (وتقابل عند جينيت التبئير الصفر)، والرؤية البرانية الداخلية (وتقابل عند جينيت التبئير الخارجي)، والرؤية الجوانية الداخلية والرؤية الجوانية الذاتية (وهما تقابلان عند جينيت التبئير الداخلي).
واختتم يقطين كتابع بالوعد. إنه بصدد معاينة يحتاج إليها مشروعه: إلى أي حدّ يتطابق هذا الخطاب كمستوى نحوي مع النص كمستوى دلالي في علاقته بالبنية النصية والاجتماعية التي أنتج فيها، أي أننا نحاول الانتقال من «البنيوي» إلى «الوظيفي» أو الدلالي، من السرديات إلى السوسيو سرديات»( ) وهو ما سيفعله في كتابه الثاني «انفتاح النص الروائي: النص والسياق» (1989).
سعى يقطين في هذا الكتاب إلى توسيع السرديات البنيوية التي وجدها في سوسيولوجيا النص الأدبي، كما بلورها بييرزيما، بعض تساؤلات مطروحة «بصدد النص في علاقته بالقارئ والسياق الثقافي والاجتماعي الذي ظهر فيه»( ).
وحاول إقامة هذا التصور الذي يتيح الانتقال من الخطاب إلى النص، من البنيوي إلى الوظيفي، من خلال مكونات محددة هي: 1- البناء النصي. 2- التفاعل النصي. 3- البنيات السوسيو نصية. وقد عاد في مدخله إلى مقدمات كتابه الأول «تحليل الخطاب الروائي» للدخول في علاقة الخطاب بالنص، وتوقف ملياً عند فان ديك في كتابه «النص والسياق» (1977) الذي يبين فيه «الفرق الموجود بين الخطاب والنص، من خلال الهاجس نفسه، وهو إقامة نحو عام للنص يأخذ بعين الاعتبار كل الأبعاد البنيوية والسياقية والثقافية، أي من خلال الجوانب الدلالية والتداولية»، وهذا يتطلب، برأيه، «نظرية مركبة تستفيد من السوسيو ـ لسانيات والسيكو لسانيات وغيرهما.. لتتاح إمكانية معاينة النص من خلال خصائص السياق المعرفي والاجتماعي والأيديولوجي للأشكال والدلالات والوظائف»( ). غير أنه ما يلبث أن يظهر ارتياحه للنقاد البنيويون ونقاد شعرية السرد أمثال جوليا كريستيفا وميشيل آريفي وروبير لافون وفرانسوار مادري وبول ريكور أثناء حديثه عن النص ونظريته. ثم يتحرك يقطين بسرعة طائر بين المناهج والنظريات، ليبدي إعجابه بـ«ليننفلت» الذي يجد عنده الطموح نفسه، ولا سيما إعلانه «عن ضرورة توسيع السرديات ومجاوزه الترهينات السردية: الراوي ـ العامل ـ المروي له، التي وقفت عندها السرديات، ويقترح ضرورة إدخال ترهينات أخرى تتصل بالكاتب الملموس والقارئ الملموس. وعن طريق النموذج الذي يقدم يرى أنه يتيح إدماج عناصر أساسية ظلت مهملة مثل أيديولوجية الرواية وسياقها السوسيو ـ ثقافي، وتلقيها من لدن القارئ»( ).
ووضع تعريفاً أو تصوراً للنص على أنه «بنية دلالية تنتجها ذات فردية أو جماعية، ضمن بنية نصية منتجة، وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة». وقد طبق هذه المكونات على الروايات التي عالجها في الكتاب الأول، وكانت النتائج متكلفة ومتعسفة غالباً تحت وطأة الإنهاك الشكلي والتفريعات الزائدة، ففي الحديث عن البناء النصي صال وجال في بناء النص على المستويين الداخلي والخارجي بتفريعات أثقلت التحليل والنقد، كما في هذه النتيجة على سبيل المثال:
«1- زمن القصة: قبلي وخارجي.
2- زمن الخطاب:
- زمن النص (الكتابة): آني وداخلي.
- زمن النص (القراءة): بعدي وخارجي»( ).
وقد ضاعفت من وطأة إنهاكها الشكلي كثرة الترسيمات والأشكال مما يجعل الكتابة النقدية لغزية. ولعل تأمل التركيب الذي وضعه في ختام الفصل يشي بذلك، إذ تعذر تلخيص استنتاجاته، وغابت عنه التفريعات الشكلية.
وحوى الفصل الثاني من كتابه «التفاعل النصي» تمهيداً يوضح استعماله لهذا المصطلح مرادفاً لمفهوم «التناص» Intertxualite أو المتعاليات النصية Trans****ualite كما استعملها جينيت بالأخص، مما يؤكد ولعه بالمنهج البنيوي، وقد فضل مصطلح «التفاعل النصي»، لأن «التناص» واحد من أنواع «التفاعل النصي»، أما مصطلح «المتعاليات النصية» فيفيد دلالات لا يريدها، أو لا يتضمنها مصطلحه «التفاعل النصي».
عرض مصطلح «أيديولوجيم» دون أن يشرحه عند حديثه عن النص والتناص، وتابع تطورات مصطلح التناص باختزال واضح، واعتنى بمصطلح جينيت وتفريعه للمتعاليات النصية، وهي: 1- التناص، 2- المناص، 3- الميتانص، 4- النص اللاحق، 5- معمارية النص، دخولاً في تصوره لمصطلحه «التفاعل النصي». ولدى التطبيق على النصوص الروائية المدروسة، بدا التكلف أيضاً، بسبب الإيغال في الشكلانية وتفريعاتها، ويتأكد هذا في الاستخلاصات الواردة في التركيب بخصوص مقولة انفتاح النص الروائي:
«1- إن البنيات النصية المتفاعل معها مستوعبة ومحولة ومعارضة، ومن خلال ذلك تصبح بنيات لها وجودها الداخلي في النص.
2- بذلك تسهم إلى جانب البنيات التي اعتبرناها «أصلية» في بناء النص وتبنينه (لاحظ هذا الاشتقاق المتكلف أيضاً).
3- إن انفتاح النص على صعيد البناء يوازيه انفتاح آخر على بنيات نصية أصبحت جزءاً منه، وبذلك فهو يتفاعل معها ويحاورها»( ).
وخصص الفصل الثالث والأخير للبنيات السوسيو ـ نصية، وانطلق، على مألوف عادته، من الشكلانيين الروس، ليصل إلى النص في علاقته بالبنية السوسيو نصية، مستلهماً تصور بيير زيما دون مجاراته فيما سماه «الوضع السوسيو لساني»، وقد تألف تصور يقطين من المكونات التالية:
1- الربط بين النص والبنية النصية الكبرى والبنية السوسيو نصية التي أنتج في إطارها زمنياً لمعاينة إنتاجيته أو عدمها.
2- الربط بين النص والمجتمع كما يتجلى ذلك في تفاعل النص مع البنية النصية الكبرى والسوسيو نصية من خلال النص ذاته، على اعتبار كون العلاقة بين هذه البنيات هي علاقات تفاعل وجدل: علاقات هدم أو بناء، علاقات صراع أو تعايش.
3- إن النص والبنية الكبرى والصغرى والبنيات الاجتماعية ليسوا متفقين (هكذا!) على ذاتهم، فالتفاعل المسجل بينهم جميعاً كما يتجلى من خلال النص، نجده أيضاً في علاقاتهم أيضاً مع بنيات أخرى خارجية (أجنبية)، وعلى المستويات جميعاً. ويختلف دور هذا التفاعل مع هذه البنيات الخارجية باختلاف مراحل تطور المجتمع وبنياته السوسيو نصية في تحولاتها.
4- كل هذه التفاعلات علاقات بين البنيات في مختلف تجلياتها لا تتم إلا من خلال تفاعل الذات من خلال فعل مزدوج: الكتابة والقراءة. سواء كانت هذه الذات ذات الكاتب أو ذات القارئ»( ).
أراد يقطين نصاً منفتحاً تكون معه القراءة متفتحة على السؤال والبحث، وقادرة على الاستفادة من الإنجازات الهامة في مجالات علوم الأدب والعلوم اللسانية والاجتماعية بما يسهم في إغناء للوعي بالذات وللنصوص التي تنتج، أي إغناء المنهج الذي به نحلل والنص الذي نقرأ. ولقد استطاع أن يهتدي إلى مشروعه النقدي، وأن يحدد كثيراً من عناصر تركيبه في استهدافه ومرجعيته وطبيعته وإجرائيته، ولكن ثمة ملاحظات تحتاج إلى إعادة صوغ الأسئلة، وإعادة خوض الممارسة النقدية حول اللغة التي تحتاج إلى عناية أكبر، والمصطلح القلق بين مرجعيته الغربية وتعريبه، والتقليل من حدة التأثير الناجم عن توليف مناهج متعددة، وتحديد الموقف من هذه القطيعة المعرفية مع الموروث النقدي العربي.
8ـ نحو علم السرد:
في أواخر الثمانينات، صارت المناهج الحديثة إلى رسوخ، واتسعت الكتابة النقدية النظرية، وظهرت مؤلفات تتناول جوانب من النقد القصصي والروائي والسردي الجديد، فروعاً لشجرة كبيرة نامية هي علم السرد، بالإضافة إلى أشجار أخرى تُسقى من مياه العلوم الإنسانية مثل علم النفس وعلم الاجتماع، لتتأسس في التسعينيات اتجاهات للنقد القصصي والروائي الجديد. ونتابع الجهود النظرية أيضاً.
كان كتاب عبد اللطيف محفوظ (المغرب) «وظيفة الوصف في الرواية» (1989) من أوائل الكتب التي تتناول جانباً محدداً من جوانب نظرية الرواية وفق نهاجيات النقد الجديد. وتكمن أهمية هذا الجهد في إضاءة عنصر الوصف من منظورات نهاجية جديدة، مستندة إلى قدر معرفي باتجاهات نقد الرواية المتأثرة بالعلوم الإنسانية كالتحليل النفسي والنقد الاجتماعي، ولذلك لا ترتهن الكتابة النقدية عنده إلى مرجعيات النقد الجديد كلياً، بل تستفيد منها للإحاطة بمكانة الوصف في مجمل بناء الرواية وتأديتها لوظائفها. وقد اعتمد محفوظ في مدخله على مبدأ النمذجة الكتابية، وهو مبدأ تقليدي متصل بمبدأ المحاكاة، انتعش في حضن النقد الاجتماعي، ولاسيما النقد الأيديولوجي الماركسي، فأعاد قول باختين بأن الرواية جنس أدبي غير مكتمل، لأنها تتطور بفضل التحولات التي تسم النمذجة الكتابية، بما في ذلك النمذجة الأيديولوجية والغريزية والاستيتكية، وهذا التعليل لجوليا كريستيفا. ومن هذا المدخل، يكتسب الوصف أهميته «باعتباره يدخل بامتياز في تكوين النمذجة الاستيتكية، فضلاً عن قدرته الخارقة على المساهمة في خلق باقي النمذجات وإسعافها في تحقيق الغايات والأبعاد التي تتغياها» (ص5)، غير أن محفوظ سرعان ما استعمل المرجعية البنيوية ونقاد شعرية السرد على نحو مضمر غالباً، نعرفه من المتن نفسه، كاستعمال «الخطاب» و«مورفولوجية» و«السرد» و«التزامن» وسواها، كما في تعريفه للوصف أو مناقشته لمورفولوجية الوصف:
«الوصف يعرف عادة بكونه ذلك الخطاب الذي ينصب على ما هو جغرافي أو مكاني أو شيئي أو مظهري فيزيونومي.. الخ، سواء كان ينصب على الداخل أو الخارج. ويمكن أن يحصر الوصف في شكل دليل مركب، في شكل كلمة أو جملة أو متتالية من الجمل»( ).
فرق محفوظ بداءة بين الوصف والأنماط الكتابية التي تقاربه كالاستعارة والصورة، واعتمد في تعريفهما على رولان بارت وباشلار، ودرس وظيفة الوصف في الرواية، باعتباره تعبيراً لغوياً يتعالق مع السرد من خلال إشاراته وأفعاله بما يؤدي إلى تعالق قائم بين الوصف المعطى والشعور الباطني الموجه له، وهو ما يسمى بالعلاقات الممكنة بين حركة الوصف وحركة النفس، ووضع خطاطة لذلك لإبراز التعالقات بين المحفز الضمني، والنص الكائن الرامز، والنص الممكن المرموز إليه.
وانتقل محفوظ إلى قضية أكثر عمقاً تطرحها عملية التشكل، هي مورفولوجية الوصف، وبفضلها يضطلع الوصف بوظيفة خطيرة في خلق الدلالة الكلية للنص الإبداعي، ولها ثلاثة جوانب إشكالية هي مشكل الانتقاء، ومشكل الأوصاف، ومشكل التوارد التدريجي. وقام بتحليل تطبيقي على نصوص متعددة ليربط دلالة الوصف بالنص ككل، عبر المراحل التالية:
1- تحديد العين الواصفة، هل هي عين السارد أم عين الشخصية أم هي عين جماعية؟
2- دلالة النص الوصفي المعزولة.
3- دلالته في سياق الرواية بصفة عامة. ودرس بعد ذلك بالتفصيل علاقة الوصف بالسرد الروائي، محتذياً كلمة مفتاحية لجان ريكاردو، تقول: «كل عمل تخييلي هو مكان احتراب متواصل»، وميز بين الوظيفة السردية والوظيفة الوصفية، مشيراً إلى وجود سرد وصفي حين تندغم الوظيفتان، وإلى وصف موجه من قبل السرد، وهو أكثر تعقيداً، ويخلق احتراباً متفاوت الدرجة بين السرد والوصف، وله ثلاثة مستويات:
1- الوصف البسيط: ويقصد به الوصف الذي يعطى من خلال جملة وصفية مهيمنة قصيرة، لا تحتوي إلا على بعض التراكيب الوصفية الصغرى.
2- الوصف المركب: ويقصد به الوصف الذي ينصب على الشيء الموصوف (العنوان) الذي ينتمي إلى السرد الروائي، شريطة كون هذا الوصف معقداً، إما بفضل الانتقال من الموصوف إلى أجزائه ومكوناته، أو بالانتقال إلى المحيط الضام لهذا الموصوف أو المضموم ضمنه.
3- الوصف الانتشاري: ويقصد به الوصف الذي يراكب الأشياء والمشاهد واللوحات، بشكل يسمح له إعلان نفسه محوراً مهيمناً، يخضع لمشيئته محور السرد.
ويضع محفوظ ترسيمة لتعالقات السرد والوصف تستوعب قابليات علاقة الوصف بالحدث، «حين يصبح السرد وحده مضطلعاً بمهمة سرد أحداث مخبوءة ومتسربة عبر سراديب الجمل الوصفية»( ). وألحقها بترسيمات متعددة لعلاقة الوصف بالزمن، باعتباره يقوم بوظائف مختلفة في مجرى علاقة زمن السرد الروائي (الخطاب) وزمن الحكاية:
«1- حين يكون الوصف معبراً عن الحدث، فإنه يصبح اقتصاداً لغوياً، ومن ثم، فإنه يسرع بزمن السرد على حساب زمن الحكاية.
2- حين يكون الوصف تأملياً، أو ملاذاً لشخصية ما، حيث تبتعثه بصرية الشخصية (سواء كانت البصرية منصبة على الداخل أو الخارج) للهروب من انفعالات منبعثة من أحداث محرجة، فإن العلاقة بين الزمنين تتوازى.
3- حين نكون أمام ما أسميناه بالسرد الوصفي، حيث نكون أمام إبطاء ضئيل يسم الحكاية، وإطالة طفيفة لصالح زمن الخطاب بواسطة الأوصاف.
4- حين يكون الوصف تحليلاً محضاً لنفسية الشخصية، أو يكون توضيحاً للسرد أي حين يكون حشواً بتعبير ريكاردو، فإننا نحصل على زمن شبه متوقف في الحكاية.
5- أما حين يكون الوصف منصباً على الشيء أو المكان أو المظهر الخارجي لشخصية ما دون أن يكون هذا الوصف دالاً على أحداث ضمنية، فإن الحكاية تتوقف تماماً. وبذلك نحصل على علاقة متنافرة بين محوري الكتابة والحكاية، حتى لتبدو كتابة الحكاية، حكاية للكتابة حيث التوقف التام للحكاية»( ).
وقدم محفوظ دراسة تطبيقية منهجية في الفصل الثاني والأخير من كتابه عن «الوصف في مدام بوفاري»، من مستويين: مستوى الطبيعة ووصف الخارج، ومستوى وصف الداخل والأشياء. وعالج في المستوى الأول المناخ العام للوصف والبنيات المشكلة للوصف، والشكل الدلالة، وفي المستوى الثاني دلالة الأشياء في سيرورة الحكي، ودلالة الأشياء في علاقتها مع الشخصيات.
تشير دراسة محفوظ إلى تطور استعمال النهاجيات الحديثة من حيث هي خطوة نحو تعريب المصطلح، ومن حيث هي خطوة في هضم هذه النهاجيات واستيعابها في التنظير.
9ـ رؤية الاتجاهات الجديدة في سياقها التاريخي والمعرفي:
كان كتاب صلاح فضل «بلاغة الخطاب وعلم النص» (1992)، أول محاولة منهجية علمية لرؤية الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية في سياقها التاريخي والمعرفي، وتكتسب هذه المحاولة أهميتها من كونها تصدر عن عالم وناقد عرف بمقدرته التنظيرية، وبممارسته النقدية المتزنة والمتوازنة الذاهبة إلى مدى عميق في تأصيل المناهج الحديثة في الثقافة العربية، كما في كتبه «منهج الواقعية في الإبداع الأدبي» (1978)، و«نظرية البنائية في النقد الأدبي» (1977)، و«علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته» (1982). وينزع في كتابه الجديد منزع «مجموعة من العلماء العرب الطليعيين في المشرق والمغرب، ومهدت له الأسلوبية بصفة خاصة»( ).
نظر فضل إلى عالم السرد وتحليل النص السردي في إطار تشكل بلاغة الخطاب وعلم النص، على أنه تطور لهما في الإطار المعرفي الجديد الذي شهد عمليات تحول كبرى، تنتقل فيها بالتدريج، أعداد متزايدة من العلوم الإنسانية، عن طريق الضبط المنهجي والتراكم المعرفي والتوالد عبر التخصص، إلى منطقة البحث «الأمبيريقي» التجريبي.. بحيث لم يعد كثير منها ينتمي إلى ما يسمى «بعلوم الروح التي لا تقبل الاختبار والتحليل والتقادم، بل أخذ يدخل في مجال «النظرية» بالمفهوم العلمي، ذات الفروض والعناصر المحددة، فشرع في درس تحول الأنساق المعرفية، لأنه مهاد لازم للإطار العلمي الذي تنبثق منه بلاغة النص الجديدة. و«لما كان علم الأدب لا يهتم سوى بالنصوص الأدبية، وعلم النص يتكئ بصفة خاصة على مجال اللسانيات، بدراسة الملفوظات اللغوية بكليتها والأشكال والأبنية المختصة بها، والتي لا يمكن وصفها بواسطة القواعد اللغوية، من هذه الزاوية فإن علم النص يقترب من الميدان الذي كان مخصصاً للبلاغة، بحيث يرى العلماء أنه الممثل الحديث لها. وإذا كانت «التداولية» (Pragmatique) هي أحدث فروع العلوم اللغوية (لا يورد تعريفاً لهذا المصطلح ولا يسوغه منهجياً)، وهي التي تعنى بتحليل عمليات الكلام والكتابة، ووصف وظائف الأقوال اللغوية وخصائصها خلال إجراءات التواصل بشكل عام، مما يجعلها ذات صيغة تنفيذية عملية، فإن اندماج الخطاب البلاغي الجديد في علم النص يتيح له تشكيل منظومة من الإجراءات المنهجية القابلة للتطبيق على المستوى التداولي»( ).
إن مفهوم النسق المعرفي في الفكر الحديث مرتبط بالبحوث التي قدمتها دراسة الأطر الاجتماعية للمعرفة. وقد دار جزء كبير من البحوث الاجتماعية اللغوية حول خواص الأبنية الصرفية الصوتية والدلالية، بما يفيد أن القدر الأوفر من الدراسات الهامة المتعلقة بالخطاب قد أجري خارج نطاق علم اللغة، خاصة في علوم مثل الأنثروبولوجية والاجتماع، بالإضافة للبلاغة الجديدة والشعرية. وتكون فرع هام في مباحث علم الإناسة يسمى «إثنوجرافيا الكلام» حيث تدرس الأنماط المختلفة للخطابات المستعملة في الثقافات العديدة، مثل القص والألغاز واللعب بالكلمات والسباب وغيرها من أساليب السرد والأسطورة. وقد أدى تطور نظريات اللغة ذاتها، برأي فضل، إلى تجاوز الثنائية التي كانت مثمرة في حينها، ولم تلبث أن أصبحت وهمية، والتي تضع المقاربة المنبثقة في مقابل المقاربة الخارجية.
وتوقف فضل عند مفصل هام هو بزوغ البلاغة البنيوية العامة، وهو الاتجاه الذي تبلور في عقد الستينيات من هذا القرن، في كتابات مجموعة من النقاد البنيويين من المدرسة الفرنسية والألمانية، حتى أعلنته «جماعة م Groupe M في بحوثها المتتالية. ويتميز بعدد من السمات، من أهمها قطيعته الفعلية مع التقاليد البلاغية القديمة، وغلبة الطابع غير التاريخي عليه. وارتباطه الوثيق بالتجربة الشكلية. واتخاذ مبادئها وسيلة لإضفاء الطابع العلمي، لا الأيديولوجي على بحوثه. بعد تغير المنظور العام بانتصار البنيوية وما بعدها، خاصة عندما قام علم اللغة بدور العلم القائد، وتزعم في الثقافة الغربية المعاصرة الاتجاه المحدد إلى التحليل التقني. مما برزت معه العلامة Signe باعتبارها نقطة البدء في استكشاف الرسالة طبقاً للمفهوم المتداول في علوم الاتصال الحديثة.
وتلا ذلك استكشاف آليات التحليل التداولي للخطاب وطرائقه مما أفاد علم السرديات “Narratologie”. ثم لم تلبث هذه الاتجاهات في تحليل الخطاب أن أسفرت في تطورها خلال السبعينيات عن منظومة متسقة من الإجراءات المنهجية التي تفيد من المنظور التداولي في اللغة بقدر ما تستثمر إمكانيات التحليل السيميولوجي للوحدات الوظيفية في النصوص تحت عنوان شامل هو تحليل الخطاب.
ثم انتقل فضل إلى دراسة الأشكال البلاغية من ناحيتين الأولى بنية الشكل البلاغي، فيما يخص مفهوم الشكل وتحديد الأشكال وتحرير الوظائف، والثانية هي إعادة رسم الخرائط وصلاتها بالبلاغة والأسلوبية ومستويات التصنيف.
لقد صار ميسوراً لفضل أن يتحدث عن علم النص بعد هذا التمهيد الطويل عن بلاغية الخطاب، إذ إن مفهوم النص يبنى من جملة المقاربات التي قدمت له في البحوث البنيوية والسيميولوجية الحديثة، دون الاكتفاء بالتحديدات اللغوية المباشرة، لأنها تقتصر على مراعاة مستوى واحد للخطاب، هو السطح اللغوي بكينونته الدلالية. من هنا، فإن تعريف جوليا كريستيفا J. Kristiva، على تشابكه، قد ظفر باهتمام خاص، لأنه يطعن في كفاية النظر إلى هذا السطح، ويبرز ما في النص من شبكات متعالقة. فالنص عندها عملية إنتاجية.
وثمة انعطافة أخرى، من انعطافات كثيرة شهدتها عملية تشكل عمل النص، هي تصور لوتمان I. Lotman لآليات التحليل الدلالي للنص الفني يمكن الاسترشاد به لملء فجوة التحليل النوعي للنصوص الأدبية وأبنيتها الخاصة.
ويرى لوتمان بالرغم من ذلك، أن هذه العمليات لن تقدم سوى هيكل عم أولي للنص، إذ أن وصف كل الروابط الماثلة في النص، وجميع العلائق الخارجية له يعتبر مهمة غير واقعية لضخامتها وقلة جدواها. وعندئذ تتجلى ضرورة اختيار المستويات المهيمنة للكشف عن الأبنية الدالة، مع توضيح أسباب الاختيار ونتائجه في إضاءة النص. ولعل تأمل جوهر هذه الانعطافات، في لغتها ومصطلحها وإجرائيتها، يشير إلى مدى إيغال علم النص في الشكلية والتعقيد، وهما مظهران أساسيان للسرديات وعلم السرد بعد ذلك، لأن علوم النص وجدت في هذا المجال ميدانها المفضل لتطبيق مبادئها عليه، كما أوضح فضل في فصله الأخير من كتابه الهام «تحليل النص السردي». وتناول فيه ثلاث قضايا هي «بلاغة السرد» و«أساليب السرد وأنماطه» و«سيميولوجية النص السردي».
التفت فضل عن إغراء كتابه تاريخ لنظريات السرد، إلى «تحديد موقف معرفي آني يبغي اكتشاف تجليات دراسة الخطاب الأدبي في مجال القص باعتباره نصاً مكملاً»( ). وانطلق من كتاب W. Booth «بلاغة القص» الذي ما يزال بعد مضي نحو ثلاثين عاماً على صدوره منبعاً كلاسيكياً للسرديات في النقد العالمي( ).
وعني فضل بموقف بوث من قضية المعنى وتعدده، وعزا ذلك إلى تأثره بالمناخ الثقافي السائد، حين وجد «أن حديث بوث عن أحكام القيمة واهتمامه بطبيعة المضمون الأيديولوجي للنص الروائي كان مرتبطاً بما شاع من تيارات نقدية في منتصف القرن عند انتصار الوجودية والاشتراكية النقدية في أوروبا، وتأثر النقاد الأمريكيين بهذه التيارات، وذلك قبل غلبة النزوع التقني الذي لا يتحرج من تبني المذاهب الشكلية لدى البنيويين، والتعديلات التداولية التي أدخلت عليه فيما بعد، مما سنقف عليه وعلى ما أعقبه من منظور سيميولوجي في علوم السرديات»( ).
وعرض فضل لأساليب السرد وأنماطه الذي تأثرت بإنجازات الرواية الفرنسية الجديدة، واستحضر قولاً لميشيل بوتور، أحد أعلامها، M. Butor مفاده أن الرواية لا تكون شعرية بالمقاطع فحسب، بل بمجموعها. ثم مضى خطوة إلى الأمام مع ميخائيل باختين M. Bajtin الذي كان أهم من طرح نظرية التنميط الأسلوبي للنص الروائي.
أما الخاصية الجوهرية للغة الرواية عنده فهي الحوارية والإنارة بالتعدد، فلغة الرواية هي نظام لغات تنير إحداها الأخرى طوراً. وكان هذا التحليل التقني لأنماط السرد مدخلاً لاستكشاف الأساليب وتوضيح الأنماط النصية، وهي انعطافة أخرى إلى نقاد شعرية السرد، وقد وجد فضل أن النموذج التحليلي الذي قدمه جينيت يكاد يكون «أهم نموذج بعد «بوث» استوعب المقولات السابقة عليه، وقدم تأطيراً منظماً لأسس السرد الفني، فأصبح منطلقاً حتمياً لمن يحاول تعديله وتكييفه مع مقتضيات الخطاب النقدي النظري أو التطبيقي»( ).
وأبدى فضل استغراباً في محله هو أن جينيت «لم يترجم إلى العربية، مع أن كثيراً من الباحثين يتكئون كلياً أو جزئياً عليه، بحيث لا نكاد نتقدم في مجال السرديات خطوة حقيقية دون الإحالة على تصوراته، هذه التصورات التي أصبحت تقع في مركز التحليل التقني للنص السردي»( ).
ثم ختم فضل تحليله للنص السردي بعرض المقاربات السيميولوجية للنص السردي، لما تتيحه من آفاق خصبة في طرح قضايا التحليل التقني في إطار منظومة أشمل لدوائر النص الموسعة. واختار لذلك ما قدمته جماعة م من مقترحات تتصل بالسرديات، حيث يتمازج لديها المنظور البلاغي للخطاب بالتناول النصي، الأمر الذي يفضي ببلاغة الخطاب إلى أن تتحول إلى علم النص، واستند في نظرته إلى أن البحوث الحالية في الأبنية السردية أفضت إلى تصورات جديدة ذات طابع دلالي وإشاري، «فلم تعد تقف عند «سطح النص»، وتجري «على عينات» منه بدلاً من تبادله بأكمله، وذلك على أساس أن «بنية السرد» مستقلة عن الوسائل اللغوية التي تقدمها»( ). ويحتل جريماس مكانة أثيرة في هذا الاتجاه، فقد اعتمدت السرديات السيميولوجية على أسس كثيرة، أوضحها ما يطلق عليه «مربع جريماس» وعلاقته بالفواعل وكيفية الحال ومفهوم الحقيقة في السرد، والتأثير الناجم عن هذه الكيفيات مما يسمى بسيميولوجيا العواطف، وقد عرضنا لمثل هذا في مكان آخر من هذا البحث، لأن جريماس أثير عند أصحاب هذ النقد النظري على وجه العموم.
وثمة محاولات علمية أخرى أفادت من هذه المقولات السيميولوجية ومزجتها بنتائج النمذجة السردية، واجتهدت في إقامة هيكل عام منظور لبلاغة النص السردي هي محاولة «جماعة م»، وهم اعتمدوا في شغلهم على التمييز الذي وضعه يلمسليف I. Hjelmslev بين شكل التعبير ومادته، وشكل المضمون ومادته. وعلى هذا، فإن علامة سوسير Saussure تتحول إلى وحدة مكونة من شكل المضمون وشكل التعبير، وقائمة على التضامن بينهما، مما كان يسميه الوظيفة السيميولوجية، وعندئذ تصبح الوحدة ذات وجهين، مفتوحة على اتجاهين، صوب الخارج حيث مادة التعبير، وصوب الداخل حيث مادة المضمون.
وعالج فضل، في هذا المجال، الفروق البارزة بين أنواع الخطاب الروائي والمسرحي والسينمائي، وما هو متداخل بينها، أو يتبادل التأثير. ومما اعتنى به فضل في سيميولوجية النص السردي «حركة الضمائر وتماهيها وتبادلها في نسيج القص، يرتبط بمشكلات الصوت والمنظور كما رأيناها عند جينيت، وإن كانت «جماعة م» البلاغية تقدم رؤية أخرى مركبة منها، ومن غيرها من العناصر»( ). فقد رهنوها بالأشكال البلاغية من خلال تمثيل الراوي وعلاقة الراوي بالشخصيات، واستخلصوا لذلك الأشكال التالية: الحذف، أو الإضافة، أو حذف وإضافة أو استبدالا، ويخضع التعامل معها إلى أشكال العلاقات السببية في السرد. بيد أنهم طوروا أيضاً أشكال المحتوى اعتماداً على التصنيف الذي قدمه بارت لوحدات القص ووظائفها الأصلية النووية، وعدلوا نموذجه الوظيفي كي يشمل الوظائف التالية:
الأصلية أو النووية.
الشخصيات والمؤثرات.
حوامل المعلومات.
الفواعل وعلاقتها بالشخصيات.
وقاموا في نهاية الأمر بمحاولة طريفة لربط الأدوار السردية بالأشكال البلاغية من كتابة ومفارقة واستعارة على أساس تحليل الوظائف والتأثيرات الناجمة عن حالات السرد في ضوء هذه المعايير.
لم يغفل فضل، في تقديره لهذه المؤشرات النظرية لوسائل وتقنيات تحليل النص السردي، عن مغالاتها الشكلية وسياقها المعرفي الآخر الذي انتج في الغرب، غير أنه رهن جدواها الحقيقية في الأدب العربي الحديث بأمرين: أولهما تطبيقها، وثانيهما عالمية العلم. إن كتاب صلاح فضل علامة من علامات النقد النظري للاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية، للأسباب التالية:
1- التعامل مع هذه المناهج الحديثة وفق منظور نقدي بالنظر إلى موقعها التاريخي والنظري من جهة، وبالنظر إلى مكانتها في امتلاكها سبيلاً من سبل وعي الذات القومية من جهة أخرى.
2- تعريب هذه المناهج النقدية لا مجرد نقلها، على الرغم من أنه قرأها بغير لغاتها، أي عن اللغة الإسبانية، ما دامت غالبية مصنفاتها مكتوبة باللغات الأوروبية الأخرى، الإنكليزية أو الفرنسية أو الروسية أو الألمانية وغيرها.
3- لا ينقاد لهذه المناهج، متلمساً مفاصلها وآلياتها الجوهرية، قاصداً إلى تعريفها، لا الاستغراق في شكلانيتها وتعقيداتها والتباساتها، واضعاً إياهافي لغة نقدية واضحة.
10ـ تنامي عمليات نقد الاتجاهات الجديدة:
تابع عبد الرحيم الكردي جهود النقاد والباحثين العرب الذين وضعوا الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية نظرياً وتطبيقياً نصب أعينهم، وقد اختار لكتابه النقدي عنواناً صريحاً ومباشراً هو «السرد في الرواية المعاصرة: الرجل الذي فقد ظله نموذجاً» (1992)، فهو يعزز النظرة النقدية إلى هذه الاتجاهات نحو تأصيلها في التفكير النقدي العربي، على الرغم من الميل إلى التوفيق بين عدة اتجاهات، ومن الجلي، أن الكردي منشغل بأهمية تحديث المنهجية، ولكنه مدرك تمام الإدراك للإشكالية الناجمة عن ذلك، فبادر إلى ما يسمى بالتفاعل الثقافي الحضاري، أو ما يؤثر بعضهم أن يسميه بالمثاقفة الإيجابية، أي نفي الطابع الاستعلائي المهيمن لثقافة الآخر على الثقافة العربية.
بذا، تصبح كلماته في مقدمة بحثه ذات دلالة، فقد أثبت بحثه «أنه يمكن الاستفادة من المناهج الغربية في تحليل النصوص العربية بعد تطويعها لمنطق العقل العربي، دون أن تؤدي هذه الإفادة للذوبان والتغريب، بل إلى إثبات الذات والبرهنة على القدرة على الأخذ والعطاء»( ).
عدّ الكردي دراسة السرد الروائي من أكثر الدراسات النقدية الحديثة خصوبة وصعوبة، بل عدها من أكثر المقولات تعقيداً، مستهدياً بقول تودوروف. ومرد هذه الصعوبة إلى «ثلاثة جوانب، اثنان منها يتعلقان بمصطلح السرد، وهما: اضطراب مفهومه، وعدم وجود حدود قاطعة لمجالاته، وأما الجانب الثالث فيتعلق بتعدد المناهج والاختصاصات التي تتزاحم على ساحة الدراسات السردية»، وإذا كان هذا الرأي صحيحاً، فإن ذلك لا يعفينا من الإقرار بأن المصطلحات جميعها تشكو من التحديد والتعريف والتنوع الاستعمالي والوظيفي، وكان عبر الكردي نفسه عن ذلك خير تعبير في مقالته الواسعة والمعمقة «أزمة المصطلح في النقد القصصي» (فصول 1987). ولعله أراد من ذلك أن يجلو هدفه من كتابه، و«هو كشف مقومات السرد في الرواية المعاصرة، وتحليل عناصره ووظائفه وتقنياته، تحليلاً منهجياً منضبطاً، باعتبار السرد أكثر العناصر أهمية في النص الروائي، وباعتباره أيضاً أقوى المؤثرات المنشئة للدلالة فيه»( )، ولعله أراد أيضاً أن يسوغ نزعته التوفيقية في توكيده «على أن البحث في استناده إلى هذا المنهج حرص على ألا يذوب فيه، بل حاول الإفادة من أدواته في استكشاف جوانب السرد في الرواية المعاصرة، دون أن يصمّ أذنيه عن أدوات أخرى استخدمها أسلوبيون آخرون غير «ليتش» و«شورت» من أمثال «سبيتزر» و«فاولر» و«لودج» و«باختين»، كما أنه أفاد من قراءته لأعمال الشكلانيين والبنائيين، مكوناً لنفسه اجتهاداً خاصاً في التفسير والتحليل، اجتهاداً لا يقوم على الانتقاء الذي قد تتناكر مفاصله، بل على الاستفادة والاستيعاب لما يقبله الذوق العربي المصقول الضارب بجذوره في أعماق التراث، والمتطلع إلى كل نافذة تشع بضوء جديد»( ).
انقسم الكتاب إلى قسمين، قسم نظري وآخر تطبيقي، ونعرض للدراسة النظرية بالتحليل والمناقشة. وقد عمد، مثل بعض الباحثين والنقاد السابقين في المبحث الأول منها إلى العناية بالمداخل اللغوية في تحليل النصوص، وأشار مثلهم أيضاً إلى «أن المدرسة الشكلية كانت أقدم المدارس التي أفادت من الغويات في مجال تحديد موضوعها في الأدبية وليس الأدب»( ).
وأجمل بحثه في ثلاثة اتجاهات تمثلها ثلاثة نماذج:
النموذج الأول: ويعتمد على أن موضوع تحليل النص الأدبي ليس هو الأدب، وإنما الأدبية، وهذه الأدبية، عالجها «موخاروفسكي» و«توماشفسكي».
النموذج الثاني: وهو لـ«بروب» حيث أفاد من تقسيم «سوسير» للغة إلى «لغة» و«كلام»، وأفاد من أبحاث سائر أعضاء المدرسة الشكلية وأعضاء حلقة براغ اللغوية، عن موضوع الدراسة الأدبية، وحاول كشف النقاب عن الأنماط الثابتة والهيئات المتغيرة في الحكايات الشعبية الروسية.
النموذج الثالث: الذي وضعه ميخائيل باختين وهو يقفز بالفكر النقدي قفزة جديدة، إذ يتعامل مع النص الروائي بوصفه لغة تعبر عن لهجات المجتمع وأصوات أبنائه، فالرواية، حسب رأيه، ليست سوى تقليد للصراع الطبقي، أو تجسيم له، عن طريق اللغة.
ثم جاءت بعد ذلك المدارس البنيوية الأوروبية، ومن نماذجها «رولان بارت» و«ليفي شتراوس» و«تودوروف» و«جيرار جينيت، وكلها أفادت من المدرسة الشكلية ومن الدراسات اللسانية المعاصرة لها. وناقش في هذا الإطار جهود ثلاثة باحثين ونقاد عرب اقتفوا أثر البنيوية الأوروبية، وينتمون إلى بيئات عربية مختلفة، وهم سيزا قاسم ووليد نجار ويمنى العيد. وتناول بعد ذلك «الأسلوبية الحديثة، وهي مدرسة انجلوسكسونية، يقوم منهجها على نقض الأساس الذي قامت عليه البنيوية الأوروبية.
وخصص المبحث الثاني من دراسته النظرية لتحليل السرد، فحدد مفهومه، واتبعه بحديث عن السارد، والفرق بينه وبين كل من الراوي والعاكس، ثم بين أنواع الرواة وأنواع الساردين، والمحتوى السردي ودوره في تشكيل السرد، ووظائف السرد وعلاقتها بالوظائف اللغوية عند «هاليداي»، وأساليب الخطاب السردي أو طرق الاستحضار، أي طرق استحضار الأفعال والأزمنة والهيئات والأمكنة والأحاديث والأفكار. ثم قدم تصوراً لنموذج تحليلي يمكن استخدامه في تحليل السرد الروائي، ويعتمد هذا النموذج على تقسيم السرد إلى ثلاث طبقات هي: لغة السرد وطرق الاستحضار السردي، واتجاه السرد وتركيبه وحجمه. على أنني سأكتفي بعرض بعض المسائل التي لم تلق عناية كافية عند سواه من النقاد والباحثين.
أعاد الكردي حصر أنساق التحفيز، نقلاً عن «نظرية المنهج الشكلي: نصوص الشكلانيين الروس»، وهي: التحفيز التأليفي والتحفيز الواقعي والتحفيز الجمالي، وأضاف إليها تحفيزاً رابعاً هو التحفيز السيكولوجي، ولعل إضافة هذا النوع من التحفيز، لا ينسجم مع تصنيف الشكلانيين لها، لأن التحفيز يتجه إلى اتساق الوحدات الجمالية داخل العمل الفني، أي أنها بعنايتها بالتنامي الفعلي، وهو معنى التحفيز، وبتشكيلها لنسيج أغراض هذا العمل الفني، تفيد فعالية الحوافز، وهي الوحدات القصصية الأصغر، في التركيب، وهنا مكمن تحذير توماشفسكي: «إذا كانت أجزاء العمل سيئة الاتساق، فإن العمل ينحل»( ).
ولربما كان استخدام الكردي لتصنيف التحفيزات ناجماً عن هذه التوفيقية التي لازمت شغله، وهي ليست ناجعة أو نافعة دائماً. ثم عرف بنموذج رولان بارت دون أن يعنى بتطور هذا المنهج من مرحلة لأخرى، ودون أن يتقصى ملابسات تبدل المصطلح أو تغير استعماله، كما هو الحال مع مصطلح «الإنشاء» الملتبس مع مصطلح الشعرية، موضحاً أن بارت قصد «من هذا المستوى الجانب اللغوي في النص، أو نظام الرموز الذي يربط بين قطبي النص الروائي: المنشيء، والمتلقي داخل النص ذاته، فالمنشئ هو الكاتب، لكنه الكاتب الكامن في النص، والمتلقي أيضاً هو أحد العوامل المضمنة في النص، مثله مثل الكاتب أو الشخصيات، ووظيفته هي تلقي خطاب المنشيء والتجاوب معه»( ).
وقد اختار نموذج ليفي شتراوس، ولا يعول عليه عادة في السرديات، ولا يفيد القول إنه يدخل «الأساطير والحكايات الشعبية والقصص في دائرة هذا المجال الأنثروبولوجي، باعتبارها جميعاً من نتاج العقل الجمعي»( )، فليس شتراوس ممن اشتغلوا في علم السرد، بل استفاد من السرديات في شغله الإناسي.
ونلاحظ أن الكردي لا يعتمد في تعريفه للنماذج السردية على مصادرها الأساسية أو نصوصها الأصلية، فقد عرف بجوانب من نموذج تودوروف، على سبيل المثال، اعتماداً على مراجع أخرى مثل «النظرية الأدبية المعاصرة» (1991 بالعربية) لرامان سلدن، و«نظرية البنائية في النقد الأدبي» (1977) لصلاح فضل. ويؤثر الكردي الاختزال الذي لا يفي بالغرض أحياناً، كما في عرضه لنموذج جيرار جينيت.
واستخدم الكردي مصطلح الأسلوبية الحديثة لدى تفحصه لتأثير اللغويات على تحليل النص الروائي، معتمداً على إنجازات النقد الانجلوسكسوني، التي لطالما أهملها النقاد والباحثون ذوو المرجعية النقدية الفرنسية، ومن أصحاب هذه الإنجازات ريتشاردز I. A. Richards، وكان تحدث عن الوظائف بوصفها طاقات كامنة في اللغة، تمكن المتحدث من استخدام الشيفرة اللغوية في نقل أفكاره وأحاسيسه ومشاعره إلى الآخرين، ولعل أقدم محاولة لتقسيم اللغة إلى وظائف تنسب إليه، وهذه الوظائف هي المعنى sense (لعله يريد المغزى أو الغرض) والشعور Feeling والنغمة Tone والقصد Intention، وتطورت هذه الوظائف عند بوهلر Buhler إلى وظيفتين، إحداهما لغة المشاعر والثانية لغة الأفكار، وعند جاكوبسون إلى ست وظائف هي: الوظيفة المرجعية Referential والوظيفة الانفعالية Emotive والوظيفة الطلبية Conative والوظيفة التواصلية Phatic والوظيفة الشعرية Poetic ووظيفة التعدية **** linguistic، وعند هاليداي الذي حصرها في ثلاث وظائف هي: الوظيفة الفكرية أي الوظيفة المتعلقة بالتجربة والخبرة Ideational، والوظيفة التواصلية Interpersonal، والوظيفة النصية ****ual، وعند جيليان براون وجورج بيل اللذين حصرا الوظائف اللغوية في اثنتين هما الحاملة أو الناقلة Trans Actional والمتفاعلة Inter Actional.
إن هذا التطور الأسلوبي واللغوي في فهم الوظائف وتحديدها كان أساس الاشتغال عليها في علم السرد. ونلاحظ أن الكردي أيضاً عمد إلى إغفال مراجعه غالباً في مبحثه الثاني عن السرد الروائي، ونذكر مثالاً لذلك ما أورده من تصنيفات متعددة للراوي وموقعه، ومنها تقنية العاكس Reflection، فقد حللها، وبين حالاتها استناداً إلى آراء كثيرة لا نعرف مصدرها، وإن توشحت هذه الآراء بمناقشته الواعي واستبصاراته الحاذقة، كما في خلاصة حديثه عن هذه التقنية: «إن ظهور تقنية العكس في الرواية المعاصرة تعد قفزة بأسلوب الرواية كله من النمط التقريري الإخباري الأحادي الرؤية، إلى ناحية العرض الموضوعي القريب من العرض الدرامي.. ولذلك فإن الروايات التي اعتمدت على تقنية المرايا كبحث عن جماع الراوي، وجعلته مجرد مرآة كبيرة يجتمع في ساحتها شتات الصور المتناثرة على صفحات المرايا المتكسرة والمقعرة والمحدبة، بل جردته من التسلح بأسلحة الوعي والتقنين القائمة على العقائد والأيديولوجيات، وحصرته في مجال الإدراك الحسي أو العقلي للصور المباشرة أو المعكوسة، وفي أحيان أخرى حملته رؤية سوية محايدة، تكون بمثابة المعيار الذي تقوم به سائر الرؤى»( ).
ويكاد الكردي ينفرد بين النقاد والباحثين العرب الذين عنوا بالاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، في حديثه التفصيلي عن استحضار الأفعال والأزمان والصفات والأماكن والأحاديث والتأملات والأفكار، ونورد مثالاً لذلك تصنيفه لاستحضار التأملات أو الأفكار:
الأسلوب المباشر.
الأسلوب غير المباشر.
التقرير السردي.
الأسلوب الحر غير المباشر.
الأسلوب الحر المباشر.
ثمة التباس واضح في هذا التصنيف. فهو لا يعرف بعناصر تصنيفه تعريفاً نظرياً فحسب، بل يتعدى ذلك إلى تطبيقه على روايات عربية، كمثل قوله عن النمط الرابع من هذا التصنيف: «يأتي هذا الأسلوب بكثرة مختلطاً بالتقارير السردية لأفعال الفكر، وهو أسلوب شائع في الروايات المعاصرة، وبخاصة في الروايات السيكولوجية التي اعتمدت على تصوير العالم الروائي كله من خلال ارتسامه على العقل الباطني لواحدة من الشخصيات»( )، ثم يعالج تعرجات هذا النمط وتلويناته على رواية «قصر الشوق» لنجيب محفوظ.
واختتم الكردي دراسته النظرية للسرد الروائي بإضاءة مفهوم التوليف أو الأسلبة Stylisation باعتبار الرواية شكلاً أسلوبياً توليفياً، وينشأ هذا الأسلوب عن تعدد القوالب الأدبية المستخدمة في السرد، أو عن تعدد الأصوات واللهجات. واستعان بشرح هذا الأسلوب بباختين في كتابه «الخطاب الروائي» (بالعربية 1987)، وأكمل جهده بوضع مقياس لتحليل نص سردي اهتدى إليه من هذه الدراسة النظرية، وهو مقياس قابل للتطبيق اختبره في دراسته التطبيقية مما يجعل من كتابه نافعاً في اختبارات المثاقفة، وعضد ذلك بإذكاء محاولته لصوغ رؤية نقدية عربية في السرد، تستفيد من علم السرد بمختلف اتجاهاته الجديدة، ودون أن تتنكر للتراث النقدي العالمي في فهم القص والرواية، ولا سيما النقد الانجلوسكسوني الذي أهمل لدى المشتغلين باللغة الفرنسية وبمناهج أعلامها. وهذا ما جعله مقياسه يصمد للاختبارات بقوله:
«على وجه الإجمال، فإن الباحث يستطيع عن طريق هذه الوسائل الثلاث، «الابتداع والتكرار والإحصاء» أن يرصد الظواهر السردية في أية رواية، بكل مستويات السرد، كما يمكنه أن يقدم وصفاً مقنناً قريباً من الضبط العلمي لأحجام هذه الظواهر، وبذلك يمكن فهم النص والاستمتاع به فهماً واستمتاعاً قائمين على القبول والقناعة والفهم، وليس على التغرير والانبهار والاستسلام»( ).
ولابدّ من ذكر الملاحظات التالية:
- اعتمد الكردي على جهود سابقيه ممن اشتغلوا على هذه الاتجاهات الجديدة أمثال سيزا قاسم وسعيد يقطين ويمنى العيد وسواهم.
- يحتاج الكتاب، مثل غالبية النقد النظري الجديد إلى تدقيق المصطلحات لوفرتها وتعدد استعمالاتها، كما هو الحال مع مصطلح التحفيز Motivation الذي ذكر له معنى آخر هو التغريب، بينما التغريب مصطلح يفيد كسر الإيهام، وقد صار ملازماً للاستخدام البريختي في المسرح.
11ـ بروز النظريات الشكلية:
ومن الواضح، أن غريماس يحتل مكانة كبيرة في علم السرد، فقد ندر أن وجدنا باحثاً أو ناقداً عربياًممن نظروا للسرديات، أو أخذوا باتجاهات النقد الجديدة للقصة والرواية، لم يعتمد في مرجعيته غريماس ونظريته السردية. وعندما افتتحت «الدار العربية للكتاب» على مشارف التسعينيات، سلسلة نقدية بعنوان «مساءلات»، نشرت كتاباً لمحمد الناصر العجيمي (تونس) حمل عنوان «في الخطاب السردي: نظرية قريماس» (1993).
قرر العجيمي في مشكلية دراسته «أن هذه النظرية لم تصادف من نفوس الدارسين العرب هوى، فلم يتوفر على دراستها وتقديمها إلا عدد محدود منهم حتى ليداخلنا شعور بأننا نطرق أرضاً بكراً»( )، ومثل هذا الشعور يجافي الواقع، فقد لاحظنا أن غريماس ونظريته الأكثر وروداً في مرجعية الآخذين بالاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية، ويعزز ذلك قلة إطلاع العجمي على الكتب والدراسات المعنية بالموضوع، فقد ذكر دراسة واحدة عن القصة هي «مدخل إلى نظرية القصة» لسمير المرزوقي (وغفل عن اسم جميل شاكر الذي شاركه التأليف)، ودراسة واحدة في المفهوم لأمينة رشيد، وأربع دراسات في المسرح لسامية أسعد وهدى وصفي وماري زيادة، ولا شك أن ذلك انعكس سلباً على تعريف العجمي بهذه النظرية، فهو مسبوق بجهود علمية سابقة تعريفاً نظرياً أو تطبيقياً أو ممارستهما لدى باحثين ونقاد كثيرين. إذن يستفاد من هذا الكتاب أن باحثاً آخر يضاف إلى قائمة الباحثين المعجبين بهذا الناقد المنظر.
أوضح العجيمي أن غريماس لم يؤلف دراسة تستوعب نظرة تأليفية جامعة جهازاً نظرياً يتيح للدارس مرجعاً ميسور التناول، فعرف بمؤلفاته الأهم بإيجاز، وهي:
1- البنيوية الدلالية (1966).
2- في المعنى (1970).
3- العوامل والقائمون بفعل والصور (1973).
4- مسألة من مسائل الدلالة السردية: الموضوعات ذات القيمة (1973).
وأشار في ملاحظات ثانية إلى جملة من الدراسات المتبنية منهجه تنظيراً أو تطبيقاً أو المتوخية طرفاً من التحليل أكثر وضوحاً، وجميعها باللغة الفرنسية. ولاحظ أيضاً اختلافاً بين هذه الدراسات، على اتفاقها بالمنهج، ومنها الاختلاف على سبيل المثال، في واحد من «أقل المفاهيم إثارة للجدل، وهو الفاعل الذي يصنف عند جميع الدارسين ضمن المحور السردي في المستوى السطحي باعتباره وحدة تركيبية نحوية لاحظنا مع ذلك أنه لا يكتسب صفته تلك إلا بتحميله دلالة الفاعلية الكامنة في المستوى العميق»( ).
وثمة اختلافات في دلالات مصطلحات أخرى مثل «المكون التصويري» و«المؤتي»، ومرد ذلك أن لدى غريماس حشداً من المصطلحات بالغ الوفرة على نحو لا نكاد نجد له نظيراً في المناهج النقدية الحديثة. وحدد أسس عمله بالوضوح والأمانة العلمية، وأنه لن يعرض إلا ما حصل بشأنه إجماع أو شبه إجماع، والانطلاق من الأفكار الأقل تشعباً إلى الأكثر تشعباً، واستعمال المعرب من مصطلحاته مع إعادة النظر فيه وتعديله.
عرف العجيمي بعلم الدلالة بالقدر الذي يسمح بوضع نظرية غريماس في إطارها المعرفي العام. فقد أسس هذا العلم «الألسنيون الذين يركزون على الدال مقصين المدلول من مجال اهتمامهم باعتباره غير قابل للتقسيم وفق الوحدات المميزة»( ). وذكر أن علم الدلالة شامل لعلوم إنسانية، وأن العلاماتية أشمل من اللسانية، ودو سوسور يؤكد أن الألسنية ليست سوى فرع من فروع العلامات العام، بينما يخالفه بارت الرأي، وأن وظيفة علم الدلالة في إبراز حركية الدلالة وإعادة بنائها. وخلص إلى فرضيتين، الفرضية الأولى التي تنتهي الدلالية إلى إفرازها هي أن الدلالة مثلها مثل اللغة شكل وليست مادة، والفرضية التابعة لها والمتفرعة عنها هي أن الدلالة خاضعة ـ قياساً على اللغة كذلك ـ إلى نظام( ).
وأوضح العجيمي أن الدراسة الدلالية عند غريماس تقوم على مبدأين: أولهما الاستقراء الذي يرمي إلى الإحاطة بالواقع الموصوف، وثانيهما التحليل الذي يقتضي الوفاء للمثال النموذجي المنسحب على مكونات المدونة. أما وسيلة الدلالية فهي تفجير الخطاب وتفكيك الوحدات المكونة له ثم إعادة بنائها وفق جهاز نظري متسق التأليف. وأضاف أن الدراسة الدلالية «تلتزم النص وتتقيد به، ذلك أن الغاية المستهدفة من الدراسة هي إبراز آلية النص في خلق المعنى وتبليغ صداه»( ).
وتستكمل الدراسة الدلالية في مستويين:
1- مستوى سطحي، ينشعب إلى مكونين:
- مكون سردي: ويقوم أساساً على تتبع سلسلة التغييرات الطارئة على حالة الفواعل.
- ومكون تصويري أوبياني: ومجاله استخراج الأنظمة الصورية المبثوثة على نسيج النص ومساحته.
2- ومستوى عميق: ويختص بدراسة البنية العميقة استناداً إلى نظام الوحدات المعنوية الصغرى.
وعمد العجيمي إلى التعريف بنظرية غريماس من نصوصه، فعرف بالسردية التي تقوم على مجموعة من الملفوظات المتتابعة والموظفة المستندات فيها لتشاكل ألسنياً جملة من التصرفات الهادفة إلى تحقيق مشروع. وما يسوغ إرساء قواعد النحو السردي هو وجود آليات ثابتة تحكم المتحولات المتنوعة المتجلية في أنماط السرد المعروفة، وتقوم هذه الآليات على عدد محدود من الطاقات الدافعة المنتظمة في أنسقة معينة يجمع بينها «العوامل».
ثم شرح العجيمي عناصر هذه الآليات ومصطلحاتها، مثل النموذج العاملي من حيث هو نظام ثابت، والفاعل والموضوع، والمؤتى والمؤتى إليه، والمساعد والمعارض، والأنموذج العاملي في حركيته، ومضاعفة المشروع السردي وأنواع الانتقال كالتحويل الاتصالي والتحويل المفضي إلى الانفصال، والهبة والاختبار، وبعض هذه العناصر تطوير لتصنيف بروب وللوظائف التي حددها.
وخلص بعد ذلك إلى نتائج مفادها «أن الخطاب السردي ليس معادلاً للسردية. فلكل من المصطلحين مفهومه وحدوده. يدل الخطاب السردي على النص المقروء في حقيقته المادية من حيث هو نص مكتوب، بلغة معينة وتستغرق قراءته وقتاً معلوماً كما تخضع لترتيب زماني خطي. أما السردية فتحيل على النقيض من ذلك على ضرب معين من القراءة وطريقة خاصة في وصف المادة وتنظيمها، أي إعادة كتابتها انطلاقاً من فرضية مؤداها أن المعنى ليس معطى قبلياً، إنما يستخلص من فنون التآلف والاختلاف والتقابل القائمة بين الوحدات التركيبية العاملية والتحولات المتتابعة في المحور السياقي. ولا تختص السردية بالخطاب الأدبي دون سواه، بل يجوز تطبيق مقولاتها على نصوص غير موسومة أدبياً كالنصوص الحضارية الفكرية والسياسية والقانونية»( ).
ويتصل المكون التصويري بالمفردات المعجمية والصورة وبالغرض والدور الغرض، وبالقائم بالفعل. بينما تتألف البنية العميقة من وحدات دلالية صغرى سماها «المعانم» بمستوياتها المتعددة: المعنم من حيث هو سمة مميزة، والمعانم السياقية، والقطب الدلالي والمربع الدلالي.
حرص العجيمي على التعريف بنظرية غريماس، التي تثير جدلاً ونقاشاً مثيرين، وتجنب توجيه النقد لها، لأنها تستمد أصولها من علم هو «علم الدلالة» الذي اعترف بتكلفه ووفرة توليد مصطلحاته الصعبة. وعدّ من فضائلها «مزية إعادة الاعتبار للنصوص، وتجديد نظرتنا إليها، بإزاحة ما علق بها من ركام هائل من التأويلات التي انتهت في أحيان كثيرة إلى تعويض النص الأصلي النص الفعل، (ولو لم يكن للدلالية إلا هذه المزية) لاستحقت أن تحظى بالاهتمام»( ).
يعبر كتاب العجيمي عن استيعاب نظرية من أعقد نظريات علم السرد، فلطالما استعملت نظرية غريماس أو جوانب منها لدى نقاد الاتجاهات الجديدة المتكونة وباحثيها، وكذلك فعل مؤلف هذا الكتاب حين طبق هذه النظرية في خاتمة كتابه على نص «الأرانب والفيلة» لعبد الله بن المقفع من «كليلة ودمنة»، غير أنه، مثل بقية الباحثين والنقاد، اختزل بعض عناصر النظرية أو بسّطها مما يشير إلى إتصافها بالشكلانية والتشكل الأسلوبي اللساني، تشتيتاً للدلالة، أو ضياعاً لها في خضم التفريعات والترسيمات والتصنيفات اللازمة وغير اللازمة.
12ـ ارتهان للمرجعية الغربية:
شهدت التسعينيات، كما لاحظنا، انتشاراً واسعاً للاتجاهات الجديدة المتكونة لنقد القصة والرواية، وارتهاناً كاملاً أو جزئياً للمرجعية الغربية، اندراجاً في التقليد الغربي المجتلب وتطبيقه تعسفاً، أو جوراً على النصوص العربية.
ومن أمثلة ذلك كتاب عبد الجليل مرتاض (الجزائر) وعنوانه «البنية الزمنية في القص الروائي» (1993)، ودرس فيه مؤلفه القص الروائي من وجهة نظر لسانية. وقد ندب المؤلف نفسه لمعالجة هذا الموضوع لاعتقاده أن ثمة إشكالية قائمة هي إشكالية زمن الخطاب والقراءة، مستفيداً من أبحاث اللسانيين من دوسوسور إلى جيرالد برانس، ولاسيما بحثه في القارئ المتغير (المرسل إليه) الذي يشكل، برأيه، أحد العناصر الأساسية لكل عملية سرد قصصي، علاوة على «أنه لولا القارئ المتغير لما كان القارئ الثابت، وبالتالي، لما كان هناك شيء اسمه إبداع أو شيء آخر، وجدير بهذا القارئ المتغير ميزة أنه يشكل وظيفة أساسية في أي إبداع حتى أن بعض النقدة يرى أننا نكتب دائماً في سبيل أن نقرأ»( ).
ولا يخفى ما في هذا الكلام من اختلاط يحيل الإبداع كله، بل وأي شيء آخر مثل معنى الوجود وأصل الحياة، وما لا أعرف، إلى مفهوم «القارئ المتغير». (يا للعجب!). ولكننا نتابع عرض هذا الكتاب بإيجاز لنتعرف على مدى التأثير الغربي المطلق على بعض الباحثين المأخوذين بهذه الاتجاهات الجديدة، دون درس كاف.
ذكر المؤلف أنه يحلل النصوص، جرياً على عادة الباحث اللساني من حيث دالها ومدلولها ودرساً لأضدادها وتعارض أصواتها وطريقة نطقها مجهورة أو مهموسة، وهو ما سيقوم به مع البنية الزمنية، والوقوف عليها «من خلال الأزمنة المتعددة المتغايرة (ماض، حاضر، مستقبل)، وما يقوم مقام الأزمنة من أدوات أخرى أو سياقات.. الخ، بواسطة عملية الاستبدال، بمعنى أن الزمن الماضي يظهر علاقة استبدال بينه وبين الزمن الحاضر في سياق كلامي حاضر أو ماض أو هما معاً، وبعبارة أخرى يتم هذا التعامل حين نتأكد أو نلاحظ أن العنصر «أ» يظهر علاقة استبدال بينه وبين العنصر «ب» في سياق كلامي «ج»، مثلما ورد في مدونتنا الموضوعة سلفاً للدراسة الزمنية»( ).
واختار لدراسته مجموعة قصص «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» للطاهر وطار. أما مراجعه فهي مزيج من اتجاهات متعددة لرونالد ليوار (من خلال ترجمة كتابه «مدخل إلى اللسانيات»، وقام بالترجمة بدر الدين القاسم (سورية)، وصدر عن جامعة دمشق عام 1980)، وقاسم المقداد وتودوروف وميشال بوتور وسمير المرزوقي وجميل شاكر ورولان بارت وغيرهم، أي أنه يستفيد من البنيوية والشكلانية ونزعات النقد اللغوي الجديد عند اللسانيين وسواهم، كأن يأخذ من تودوروف في مسألة القراءة والتأويل فيما هو قابل للتوظيف أو هو «ناشز» عن السياق، فاسترجع كلام البنيويين السرديين عن الزمن، زمن التاريخ، زمن التخيل، الزمن المحكي، زمن الكتابة أو زمن الخطاب (وسماه أيضاً الزمن الحاكي)، وتؤلف، برأيه، مستويات القراءة الداخلية، وألصق كلمة تودوروف لتدعيم مثل هذه الاختلاطات: «وكل منا يعلم أثناء الممارسات أنه توجد قراءات أكثر وفاء من قراءات أخرى، رغم أنه لا توجد قراءة تامة الوفاء»( ) ثم وضع ترسيمة لزمن القراءة، وشرحها على النحو التالي:
«1- القراءة الداخلية:
زمن التاريخ (أو الزمن المحكي) ـ زمن الكتابة (أو زمن الحكي) ـ زمن القراءة.
2- القراءة الخارجية:
زمن الكاتب  زمن القراءة  الزمن الخارجي.
وما دام عملنا متصلاً بالمجال اللساني التطبيقي، فيمكن أن نصرح بأن القراءة الخارجية أو الزمن الخارجي لا مانع من أن يمثل على المحور الأفقي التركيبي SYNTAGMTIQUE في حين تمثل القراءة الداخلية أو الزمن الداخلي المحوري العمودي PARADIGMATIC الدال على علامات الإبدال»( ).
واتبعها بتوصيفات وترسيمات للوظائف الزمنية، وللنحو الروائي والمسار الزمني، ولتقنية الحركات الزمنية الروائية، ولتنظيم البنية الزمنية والأحداث، ولسرعة السرد الزمني، والقياس الزمني الفونتيكي للنص الزمني، والقياس الزمني بالنسبة للمقاطع المشهدية، وتضارب الزمن الموضوعي، والبنية الزمنية داخل الخطاب. والنتيجة هي تراكم في التحليل لا يستقيم في منهجية واضحة، ولا يؤدي «إلى منهج نقدي لساني صارم»( ) كما أراد.
13ـ هيمنة المؤثرات الأجنبية:
يعبر كتاب سعيد بنكراد (المغرب) «مدخل إلى السيميائيات السردية» (1994) عن ضعف التواصل الثقافي العربي، إذ ينطلق مؤلفه من تقرير واقعة حركة النقد الأدبي العربي الموارة بانشغال مجموعة من العلماء العرب الطليعيين في المشرق والمغرب بالأطر المعرفية والنقدية الجديدة، وهو الواقع الذي انطلق منه صلاح فضل في كتابه السالف الذكر «بلاغة الخطاب وعلم النص» (1992)، ويتشابه هذا التقرير مع مقدمات محمد الناصر العجيمي التي ترى أن ساحة النقدية العربية خلو من الجهود النظرية في ميدان السرديات. وهذا هو بنكراد يجهر بأنه «نادراً ما نعثر على عرض شامل وكامل لنظرية واحدة بحدودها المعرفية وامتدادها داخل الحقول الأخرى». ويسمي ذلك قصوراً، ويعزوه إلى «تلقف» عجول للمعرفة الوافدة، «فغالباً ما تكون هذه المنشورات عبارة عن ترجمة لمقالات أو أجزاء من كتب، وأحياناً تعاليق مختصرة عن نظرية أو مجموعة من النظريات. ورغم أهمية هذه المنشورات وقيمتها العلمية، فإنها تظل ناقصة، ومضللة أحياناً»( ). ومن الواضح، أن بنكراد يطلق الكلام على عواهنه، ربما لعدم إطلاعه، على شغل يمنى العيد أو صلاح فضل أو عبد الرحيم الكردي أو محمد الناصر العجيمي.. الخ، لأن جهده مسبوق أيضاً في التعريف بنظرية غريماس وما بعده، مما يشكل السيميائيات السردية. وهذا مما جعل كتابه تعبيراً عن ضعف التواصل الثقافي العربي، بالنظر إلى جدية الشغل والرغبة في تأسيس معرفي نقدي للمناهج الجديدة.
وبطبيعة الحال، يظل هذا الجهد نافعاً لو أخذناه مفرداً، توكيداً للقطيعة المعرفية التي يمارسها مع التقليد النقدي العربي، لأنه قائم على الانبهار المطلق، مثل باحثين ونقاد كثر، بنظرية غريماس، إلى حد الاستسلام لمصطلحها ولآلياتها واستهدافاتها. وقد فعل بنكراد ما فعله العجيمي، عارضاً «نظرية واحدة هي نظرية غريماس بأكبر قدر من الشمولية والوضوح معتمدين في المقام الأول على أعمال صاحب هذه النظرية، وعلى بعض الأعمال الشارحة لهذه النظرية في المقام الأول»( ). بيد أن جهد بنكراد، يضيف إلى عرض النظرية تدقيقاً للتراث البروبي وللنماذج المستمدة منه، لأنه حاضنة هذه النظرية «الكريماصية» حسب تعريبه (عرّبها العجيمي قريماس).
تتميز نظرية كريماص عند بنكراد عن باقي النظريات الأخرى في المجال السردي بخاصية أساسية يمكن تحديدها في صيغة بسيطة: مشكلة المعنى أولاً، وبشموليتها في التصور والتحليل ثانياً، والشمولية هنا لا تعني إلغاء التاريخ، لأنها محكومة كأي أثر معرفي بالزمنية الإنسانية، ولا تعني إلغاء النظريات الأخرى، إذ لا وجود لنظرية تقدم نفسها بديلاً لنظريات أخرى، وتتميز ثالثاً بقدرتها نظرياً وتطبيقياً على معانقة خطابات أخرى غير الخطاب السردي، فعلى الرغم من أن المنطلق الرئيس في مسيرة كريماص كان هو الحكاية الشعبية أو النص السردي بصفةعامة، فإن نظريته تستخدم أيضاً كأداة لمقاربة ظواهر نصية بالغة التنوع مثل النصوص القانونية والظواهر الاجتماعية والخطابات السياسية. وتتأسس نظرية كريماص على التراث البروبي بوصفه انعطافة هامة في علم السرد، مما دعا بنكراد إلى التمعن في صنيع بروب، فعرض تصنيفه، وأوجز فرضياته حول الحوافز والعناصر والوظائف والأفعال. ولم يغفل عن ذكر القراءات الناقدة للمشروع البروبي، ولا سيما قراءة كلود ليفي شتراوس التي انصبت على الشكلانية، «فالفصل بين المستوى التوزيعي Axe Syntagmatiqe والمستوى الاستبدالي Axe Paradigmatique هو الذي قاد بروب إلى الفصل بين المضمون والشكل، والشكل وحده، حسب بروب، قابل للإدراك، أما المضمون فلا يشكل سوى عنصر زائد، ولا يملك أية قيمة دلالية»( ). مثلما تنصب قراءة شتراوس «في مرحلة ثانية على الوظائف نفسها، أي نمط اشتغالها وعددها وتتابعها. فإذا كانت العناصر المتحولة في التحليل البروبي، هي ما يشكل كنه الحكاية عند شتراوس. فإن الوظائف في تتابعها وعددها قابلة لأن يعاد فيها النظر، فاستناداً إلى تقاطع التوزيعي مع الاستبدالي، وإمكانية إسقاط المحور الأول على الثاني، يمكن تقليص عدد الوظائف، ما دام عدد كبير من هذه الوظائف قابلاً للمزاوجة». ويهدف شتراوس بهذا التقليص إلى «تكسير التتابع ـ إحدى الفرضيات التي قام المشروع البروبي عليها ـ وبالتالي رفض التعريف الذي يعطيه بروب للحكاية باعتبارها تتابعاً لواحد وثلاثين وظيفة، وهذا التكسير هو ضرب للبعد الكرونولوجي للحكاية. وتلك كانت نقطة الانطلاق في قراءة كريماص للمشروع البروبي»( ).
واستند بنكراد في عرض هذه القراءة على كلود زلبرياغ C. Zilberbeg. وتابع عرضه للسرديات بعد بروب، الذي استطاع تحويل اتجاه السرديات نحو الاهتمام بما يشكل العنصر المميز للنص السردي، أي نحو البحث عن معنى الحكي في ما يجعل من كل عناصر النص عناصر متماسكة داخل كل بنيوي تام، وهو ما ترسخ وحفر مجراه في علم السرد مع انطلاقة جديدة قام بها كريماص بإصدار كتابه الأول عام 1966 «الدلالة البنيوية»، فأضيف اللسانيات إلى الإرث الشكلاني، لتصبح السرديات أكثر تطوراً وتماسكاً. وقد حدد أهم المحاور التي تشكل العمود الفقري للتصور الكريماصي، فيما يلي:
1- التنظيم العميق Organization، إذ ترد السيميائيات السردية إلى أصول متنوعة يمكن تحديدها في المنابع التالية:
- الإرث اللساني السوسيري.
- مدرسة براغ.
- أعمال برونديل وهلمسليف.
- تراث الشكلانيين الروس وخاصة بروب.
- الإرث الفرنسي (تنيير وسوريو).
2- التنظيم السطحي: وتبدو فيه البنيات السيميائية السردية المشكلة للمستوى الأكثر تجريداً، في حدود كونها محفلاً أولياً داخل المسار التوليدي، على شكل نحو سيميائي وسردي، ومن ثم فإنها تحتوي على مكونين: مكون تركيبي، ومكون دلالي. وتستدعي البنيات العاملية النظر من زاويتين هما الزاوية الأولى وتحدد النموذج العاملي كنسق، وتحدد الزاوية الثانية هذا النموذج كإجراء. لا شك، إن عرض نظرية كريماص ونقدها غير متيسر في صفحات قليلة، وما فعله بنكراد هو عرض يميل إلى الإيجاز والاقتصار على بعض العناصر. ومن هذه الناحية، يعد شغل العجيمي أشمل، وأكثر مقاربة، لأنه ألحقه بنقد تطبيقي، وهو الأمر الذي نشده بنكراد ولم يقم به، على أهميته، في «مدنا بمعرفة أكبر لهذه النظرية، وعلى تحديد مردوديتها وقصورها ومواقع ضعفها»( ).
وتطرح هذه الدراسة، مثل مثيلتها، هيمنة المؤثرات الأجنبية على الممارسة النقدية التي تتوسم الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، في التفكير الأدبي برمته، على سبيل الترجمة، لا التعريب، وهذا جلي في الاختلاف البين في نقل هذه المناهج الحديثة، سواء في التركيب أو المصطلح أو التوصيف.
14ـ استواء المؤثرات الأجنبية:
نسترد مع محمد القاضي (تونس) في كتابه «تحليل النص السردي» (1997) اللغة الناصعة المشرقة الدقيقة والوظيفية في محمولها الاصطلاحي والمنهجي والمعرفي، تلك اللغة التي عرفناها عند صلاح فضل وشيوخ النقد وأساتذته الآخرين أمثال حسام الخطيب وجابر عصفور وفاروق عبد القادر وغيرهم، فهذا الكتاب إشارة لاستواء المؤثرات الأجنبية في الحركة النقدية العربية الحديثة، فلا جور ولا استعلاء ولا استغراب، فقد استطاع القاضي أن يقدم نموذجاً ساطعاً للناقد العربي الحديث في لحظة وعي فارقة بالهوية، موقفاً واضحاً وصريحاً من المؤثرات الأجنبية، ومنها المناهج الحديثة.
وتكمن مزية القاضي أنه وضع المناهج الحديثة بمصطلحها وبإجرائها النقدي المعقد في لغة عربية نقدية صافية تدعو إلى الإعجاب دون حذلقة أو فذلكة، معرباً وفق استجابات نقدية شديدة الوضوح في بيان عربي فصيح، لا مترجماً ينقل المعارف ويراكمها على سبيل الإعجاب أو الانبهار، مجتهداً في تعريبه بما ينفع في تطوير مناهج نقدية عربية حديثة، لأنه يعول على الممارسة النقدية المستهدية باستيعاب معرفي يصير إلى نسيج هذه الممارسة، فهو يؤمن «أن التحليل يتجاوز دائماً المنهج، فبقدر ما يفتح المنهج آفاقاً للقراءة، تسهم القراءة في تطوير المنهج وزحزحته عن «مواقعه» التقليدية، لأن في المنهج الكثير من ثبات المؤسسة ووقار السنة، أما القراءة ففيها حرارة الكشف وألق الدهشة. ولذلك عدت القراءة المولدة كتابة للنص الجديد، ولذلك أيضاً كانت القراءة الحقيقية عملاً لا يعاد ولا يستعاد»( ).
إن القاضي يصدر عن رؤية للتعامل مع هذه المناهج الحديثة، فلم يشرحها لمجرد التعريف، بل للتمحيص بغية تثميرها، ولهذا لم يجعل التطبيق صدى للتنظير، ولم يلتزم «بتطبيق المناهج بحذافيرها تطبيقاً آلياً، وإنما توخيت طريقاً وسطاً، فحللت كل نص من حيث مكوناته: أعمالاً وفواصل، ومن حيث هو صياغة قولية أي خطاب، وختمت بإدراجه في سياق تاريخي، فتتبعت دلالاته ومختلف الصلات التي تنشأ بينه وبين الأنساق المحيطة به آن إبداعه، أو آن قراءته»( ).
كان المنهج الشكلاني هو قاعدة علم السرد، عند القاضي، فدرس نشأة هذا الاتجاه، ومراحل تكونه، وانتقال أصحابه من الشكل، إلى التطلع إلى علم للأدب مستقل أساسه المقومات التي تنفرد بها المادة الأدبية، وعماده الوعي النظري والتاريخي للظواهر المتصلة بالفن الأدبي في ذاته. فليس الأدب موضوع علم الأدب، إنما هو الأدبية، أي ما يجعل من أثر ما أثراً أدبياً، وليست الأفكار موطن الأهمية في الأدب، وإنما هي الوقائع التعبيرية. وهكذا، اتجاه الشكلانيون إلى تحليل عناصر العمل، وفرقوا بين الخبر أو القصة fable والبناء sujet، ثم فرقوا بين القصة والرواية، ذلك أن الرواية تقوم على ثلاث مراحل: تمهيد فتأزم فانعراج، أما الأقصوصة فنهايتها التأزم. وميزوا بين العمل وصاحبه، فليس الأثر انعكاساً لتجربة صاحبه النفسية، ولا يمكنه البتة أن يكون كذلك.
ولاحظ القاضي، مثل الكثيرين، أن بروب هو الذي أفرد لمعالجة النصوص السردية مؤلفاً كاملاً استطاع به أن يغير مسار الدراسات السردية وهو علم بنية الخرافة» (وربما كانت هذه الترجمة أكثر الترجمات توفيقاً). فشرح عمل بروب وتطور أبحاثه من السرد إلى السيميائية السردية.
ثم عرف القاضي بالمنهج الإنشائي La Poetique (وهو تعريبها بتونس، بينما تعرب في المشرق العربي والمغرب الأقصى الشعرية)، وترتد اللفظة بأصولها إلى اليونانية، فلا عجب أن تتخذ معاني مختلفة بحسب العصور والسياقات.
وتابع القاضي رحلة المصطلح ومحاولات تشكله في نظرية أدبية من أرسطو إلى هوراس Horace وبوالو Boileau وسكاليغار Scaliger وكاستيلفيترو Castelvetro وفيلهلم شليغل Wilhelm Schlegel وفردريك شليغل، ونوفاليس Novalis وهولدرلين Holderlin، وكولريدج Coleridge، إلى القرن العشرين حيث تستوي الإنشائية مبحثاً نظرياً مستقلاً. وقد تجلى ذلك في حركات أربع ظهرت في بلدان مختلفة:
1- الشكلانية الروسية، وتكمن أهميتها في انصراف أصحابها إلى البحث فيما به يكون الأثر أدبياً، وهو الأدبية، فلم يعيروا الآثار كل اهتمامهم، وإنما انشغلوا بالكشف عن البنى السردية والسمات الأسلوبية، والبنى الصوتية، وإن لم يغضوا الطرف عن التطور الأدبي وصلة الأدب بالمجتمع.
2- مدرسة علم البنية lecole morphologique بألمانيا، وقد نشطت بين سنتي 1935 و1955، وكان همهم منصباً على وصف الأجناس والأشكال التي يرد فيها الخطاب الأدبي، أكثر من انصبابه علىوصف «أسلوب» كاتب مخصوص.
3- النقد الجديد New criticism: إن القسم الأكبر من النقد الانجلوسكسوني ـ بما فيه النقد الجديد ـ معاد لكل نظرية، ومن ثم فإنه معاد للإنشائية، مقبل كل الإقبال على تأويل النصوص. ولكن منذ العقد الثاني من هذا القرن ظهرت دراسات تتعلق بعمل المعنى في الأدب على نحو ما نرى في أبحاث ريتشاردز Richards وامبسون Empson، وبمسألة الراوي في القصة، وقد اهتم بها خاصة لبوك Lubbook. وبعد ذلك انكب القوم على دراسة الصورة الشعرية. وقد كان كتاب ويليك Welleck ووارن Warren الموسوم بـ «النظرية الأدبية» حصيلة تيارين، هما الشكلانية الروسية والنقد الجديد.
4- التحليل البنيوي Annlyse structurale: وقد ظهرت في محاولاته الأولى في الستينيات متأثرة بالبنيوية في علم الإناسة واللسانيات، وباتجاه فلسفي أدبي يمثله موريس بلانشو Maurice Blancho. وقد دفعت إلى هذا الاهتمام الجدير بالإنشائية دوافع شتى من أهمها انتشار اللسانيات الحديثة، وظهور التحليل البنيوي للأسطورة، وترجمة نصوص الشكلانيين الروس إلى الفرنسية.
ومضى القاضي إلى تعريف الإنشائية على أنها «كل نظرية للأدب داخلية. ومن ثم فإن مقصدها إقامة مقولات نستطيع بها أن نتبين وحدة كل الآثار الأدبية وتنوعها»( ).
ينظر المنهج الإنشائي في النص السردي عند القاضي من زاويتين: باعتباره مجموعة من العناصر (أحداث ـ شخصيات ـ إطار مكاني ـ إطار زماني)، أصطلح عليها باسم الخبر Histoire، وهو مفهوم قريب مما سما الشكلانيون القصة Fable، وباعتباره تنضيداً لتلك العناصر على نحو مخصوص يختلف باختلاف أعوان السرد والرؤية، وسمي هذا المستوى بالخطاب Discours، وهو قريب مما أطلق عليه الشكلانيون اسم البناء أو الحبكة Sujet. واختار القاضي علمين من أعلام الإنشائية هما بارت، وتودوروف في مستوى الخبر، وتودوروف في مستوى الخطاب، وحذا فيه حذو جونات (يقصد جينيت).
وانتقد القاضي بارت لدى حديثه عن نظام القصة الذي يختلط بمعاني تعدد الدلالات Ploysemie، ويوجز انتقاده «بأن الروح التي تحرك هذا المقال أقوى من الجهاز الذي أفرزه». ويميز القاضي بين منهج بارت ومنهج تودوروف، فقد سعى الأخير إلى «تقديم نموذج شامل لتحليل النصوص السردية حاول فيه أن يستخرج مقولات القص الأدبي». من خلال مفهومي المعنى والتأويل، ويقول تودوروف: «إن وصف الأثر يهدف إلى استخراج معنى العناصر الأدبية، أما النقد فغايته تأويل تلك العناصر» ( ).
بين القاضي أن الفصل بين الخبر والخطاب منهجي بحت، وشرح مستويي الخبر: منطق الأعمال والشخصيات وعلاقاتها، وركز على درس القصة من حيث هي خطاب عند تودوروف الذي يهتم في هذا المستوى بالقصة من حيث هي كلام يرسله الراوي إلى القارئ، ويصنف القضايا في ثلاثة أصناف:
زمن القص: ويعالج الصلة بين زمنية الخبر وزمنية الخطاب.
أنماط الرؤية: ويتساءل فيه عن الطريقة التي يدرك بها الراوي الخبر.
أساليب القص: وهي تتعلق بنمط الخطاب الذي يتوخاه الراوي ليعلمنا الخبر.
ويلفت القاضي إلى أن تودوروف ينسج في مسألة الزمن على منوال جيرار جينيت في تحليله الذي أورده في كتابه «وجوه 3» في القسم الموسوم بـ«خطاب القصة». وقضايا هذا المستوى هي الترتيب والمدة والتواتر، وكنا عرضنا لها في كتب سابقة، ومثلها أنماط الرؤية وأساليب القص. غير أن الحس النقدي للقاضي حاضر على الدوام، فقد وضع الإنشائية في سياقها التاريخي والمعرفي والنقدي، حين رأى «أن الإنشائية تميزت عن الشكلانية بالوعي النظري الصريح لموضوع البحث ومنهجيته. ومن ثم فإن وصف الظاهرة السردية جاء عند الإنشائيين أكثر وضوحاً وتماسكاً وشمولاً وانتظاماً مما كان عند أسلافهم. وربما كان هذا من أهم الأسباب التي أتاحت للمنهج الإنشائي الرواج، وحققت لمقولاته الرئيسية التمكن في مجال تحليل النصوص السردية»( ).
وثالث المناهج التي عالجها القاضي هو «المنهج النصاني»، فاحترز في بداءة حديثه من أمرين، أولهما أن إطلاق اسم «المنهج» عليها هو من باب التجوز، فبارت (الصاحب الأهم لهذه الطريقة)، لم يهتم بضبط الخصائص البنائية للأثر بقدر ما انكب على قراءة له حاول أن يبين منطلقاتها ومصطلحاتها، وهي قراءة تسعى إلى تفجير النص، لا إلى ردّه إلى بنية مخصوصة واختزاله فيها. وثانيهما أن بارت لم يتوخ في عمله هذا أسلوباً «علمياً»، وإنما صاغه في لغة تكاد تكون شعرية، في كتابه «س/ز» S/Z، ومنه أخذ القاضي تعريف النصانية. وتقع هذه الطريقة في صلب بنيويته، وما استلزمته من مزايا القراءة التي آلت إلى مناهج ما بعد البنيوية.
أحال بارت قيمة النص إلى ممارسته، لا إلى العلم أو الأيديولوجيا، لأن القيمة الأيديولوجية لنص ما هي قيمة تمثيل لا إنتاج، وهو ما يبيح للقارئ الخروج من الكسل والسلبية والجد إلى ضرب من اللعب والاندراج في فتنة الدال وشهوة الكتابة. ويتحقق ذلك للقارئ بالتأويل، ولا يعني هذا المصطلح أن يغطي نصاً معنى، بل تعني أن نتنبه إلى أنه نص جمع، أي متعدد الشبكات، هو بعبارة بارت مجرة من الدوال، لا بنية من المداليل.
ويضاعف هذا أهمية القراءة المستمرة نظراً لتعدد الأنظمة، ولاتصال القراءة بالنسيان، «فلست أقرأ إلا لأنني أنسى». وهكذا، ينفتح الباب على مصراعيه لعلم النص، «فالنص الواحد ليس طريقاً تجوز منها إلى نموذج Modele، وإنما هو مدخل لشبكة لها ألف باب»( )، وعلى دأبه، لا يبالغ القاضي في قيمة هذه المناهج أو الطرائق كما في رأيه في النصانية التي تعتمد على القراءة: ففي «هذه القراءة ـ أو القراءات ـ لا يبحث بارت عن أجوبة نهائية بقدر ما يريد أن يؤكد أن هذه الأقصوصة نص جمع، وأن القراءة يمكن أن تكون عملاً إبداعياً يفوق من بعض النواحي عمل الكتابة نفسها»( ).
إن شغل القاضي النظري متميز في وعي الناقد العربي لذاته، إذ استوت في ممارسته النقدية المؤثرات الأجنبية لتصبح مقوماً من مقومات الاتجاهات الجديدة، على أنها عنصر تحديث يدعم أبحاث الهوية، بخصائصها المعرفية والنقدية واللغوية. ويتجلى ذلك أيضاً في تطبيقه.
تغدو المثاقفة في نقد القاضي إدغاماً لوعي الآخر في وعي الذات، مثلما يسهم في تطوير النقد العربي الحديث بموقفه النقدي الواضح من المناهج الحديثة. حلل في تطبيقه أربعة نصوص سردية هي «مثل الأسود وملك الضفادع» لابن المقفع، وخبر «محبوبة جارية المتوكل» للنويري إشارة لدراسته المطولة عن الخبر في التراث السردي العربي، و«المقامة الخمرية» للهمذاني، وأقصوصة «الرحلة» ليوسف إدريس. ويتصف موقفه النقدي بأنه لا يستغرق في متاهة الشكليات وتعسف التصنيفات، مؤثراً التدرج في فهم المصطلح في حاضنته التاريخية وتشكلاته المعرفية والنقدية وصولاً إلى البعد الدلالي. ويوضح القاضي مستوى الخطاب وبقية المصطلحات المعقدة دون إدعاء أو تعقيد، ومرد ذلك إلى هضمها وتمثلها وانتظامها بقلمه إلى مدى الحاجة إليها واستجابتها للأجهزة النقدية العربية، ويعتمد على النصوص الأصلية المنقودة لأصحابها، ملتفتاً عن المراجع غير الوظيفية، فهو يدقق في مرجعيته ومراجعه مما يؤكد البعد الدلالي. وضع القاضي كتاباً مختزلاً، ولكنه عميم الفائدة، يصير فيه النقد إلى فعاليته المعرفية والنقدية. ولعلنا نعود إلى تطبيقه النقدي لاحقاً.
15ـ ظلال التأثير الأجنبي المستمرة:
تبدو صورة النقد النظري المتأثر بالاتجاهات الجديدة مهيمنة على الممارسة النقدية في بعض البيئات الثقافية والأدبية العربية كالمغرب وتونس والعراق ومصر والأردن إلى حد كبير، وبعض الأقطار العربية الأخرى إلى حد أقل. وثمة جهود نقدية كثيرة منها تدغم هذا التأثير الأجنبي في عمليات استيعاء ذاتية، أشرنا إلى عدد منها، وثمة جهود أخرى تستظل بظلال هذا التأثير الأجنبي، وتكاد تكون منقطعة عن موروثها النقدي وأنساقه الثقافية، كما هو الحال مع شعيب حليفي (المغرب) في كتابه الهام والممتع والمبتكر «شعرية الرواية الفانتاستيكية» (1997) ( ).
وجد حليفي الرواية مؤلفاً للتخييل، بالإضافة إلى كونها موقفاً فكرياً وثقافياً وفنياً واجتماعياً، وخلاصة مواقف تتشرب أصوات عصرها، فرصد أربع بنى أساسية اهتمت بها الرواية العربية، وهي تنظر إلى الواقع مرتادة دهليزه المظلمة، وإلى الإنسان، مكسرة الحواجز الوهمية حتى تخترق لا شعوره، فتسائل أحلامه وكوابيسه:
1- تجسير الفجوة ـ في الخطاب الروائي ـ بين ما هو عاطفي واجتماعي، أي بمعالجة قاسية ومتفردة للأحلام الناعمة للفرد، داخل شروط اجتماعية تحكم العلاقات العامة والخاصة.
2- الاهتمام بالشعور الباطني ـ اللاوعي في الإنسان، عن طريق استبطان أحلامه بالتأمل ورسم التعقيدات النفسية، وما تولده من كوابيس، وعقد نفسية وهلوسات.
3- العمل على تطويع مكونات الخطاب الروائي، من أدوات سردية متنوعة، وأوصاف تبئيرية تتقصد الهامشي المخبوء، واستنطاق المسكوت عنه في فضاءات موبوءة تتفاعل وسط زمان يعتبر هو الحامل لسيرورة المرارة عند الكائن العربي، مثلما كان، والاهتمام باللغة وتطويعها حتى تنبض بالشيء الذي تحكي عنه، في إطار علاقة الكلمات بالجملة، بالسياق، وبالبنية البلاغية مع بروز أدوات أسلوبية متجددة أضفت على النسيج الروائي جمالية متقدمة.
4- التشكيل ومعمارية الرواية في استغلال أشكال تعبيرية كالفانتاستيك لتفسير تجربة الكائن، وتكسير الرتابة التي هيمنت على ذائقة القارئ طولياً، بخلق غرابة مقلقة، والنفاذ إلى الشعور والذاكرة وتفتيتهما إلى ذرات مرتبكة( ).
وأشار حليفي إلى الأشكال والأساليب النثرية القديمة للعجائب، ومظانها هي:
1- القصص الشعبية، ومنها «ألف ليلة وليلة».
2- الخطابات الرمزية، ونموذجها «كليلة ودمنة»، ومنها ما يعتمد على الحلم مثل «رسالة الغفران».
3- كتب التاريخ، وما حوته من بعض الأخبار العجيبة، مثل «مروج الذهب» أو كتب الرحلات.
4- مؤلفات الصوفية مثل ابن عربي في فتوحاته المكية، والكتب السحرية وكتب الفقهاء( ).
ومن الواضح، أن حليفي لا يستقصي الأنواع والأشكال التراثية المتاحة، وكنا أشرنا إلى أهمها في موقع سابق، ولا يتقصى مفاهيم العجيب في التراث العربي، والسردي بخاصة. مثلما جاوز البسط النظري لمفاهيم بحثه بعامة، إلى تلمس التصوري النظري لشعرية الرواية الفانتاستيكية مباشرة، وعلى الرغم من اعتماده على عبارتين مفتاحيتين الأولى لتودوروف والثانية للكندي، فإن حليفي اعتمد كلية على مأثور الاتجاهات النقدية الجديدة، ولا سيما شعرية المفارقة والتردد، مما اعتنى به تودوروف، فتوقف عند المقاربة التاريخية بإيجاز شديد في بضعة أسطر، والمقاربة الدلالية، بالاهتمام نفسه، والمقاربة البنيوية باتساع، من خلال تصورات بعض أعلامها البارزين، مثل تودوروف، وإرين بيسيير Irene Bessiere، وروجيه كايوا Roger Caillois، ولوي فاكس L. Fax، وعدّ ذلك ممهدات نحو تصور لمفهوم الفانتاستيك في الرواية العربية، وأردفها بعنوان صغير: «مجازفة نظرية». وشرع في مجازفته النظرية من مسألتين مهمتين:
1- الأولى، وهي أن الروائي العربي يحتمل جداً، (لاحظ قلة العناية باللغة)، أن يكون مطلعاً على الآداب الفانتاستيكية في الغرب، إما بشكل مباشر أو عبر الترجمة، وبالتالي، فهو قد يتمثل هذه المكونات والعناصر ليضفرها في تصوراته الفكرية.
2- المسألة الثانية، وهي الرجوع إلى بعض الآثار النثرية القديمة وتمثلها ما دام الإنتاج العربي النثري القديم يحتوي على بذور ناضجة للعجائبي( ).
ثم خلص حليفي إلى استنتاجات لبناء استراتيجية الحديث عن الفانتاستيك في الثقافة العربية، مفادها أن الفانتاستيك ليس جنساً أدبياً قائماً بذاته، ولكنه صيغة، ومعنى هذا أنه ليس هناك جنس الفانتاستيك، بل هناك تقنية الفانتاستيك( ).
ودقق حليفي علاقة الفانتاستيك بالمجالات القريبة منه: العجائبي والغرائبي، ومنه العجائبي المبالغ فيه Hyperbolique، العجائبي الدخيل Exotique، العجائبي الأداتي Instrumentale، العجائبي العلمي ـ أو الخيال العلمي، ثم الفانتاستيك والحكاية السحرية، ثم الفانتاستيك والخيال العلمي، ثم الفانتاستيك والرواية البوليسية، ثم الفانتاستيك واليوتوبيا، ثم الفانتاستيك والأسطورة، ثم الفانتاستيك والفكاهة السوداء، ثم الفانتاستيك والعلوم، ومنها علوم السحر والتنجيم، وعلم النفس والتحليل النفسي، وما وراء علم النفس ****pshycique.
وعالج حليفي موضوعات الفانتاستيك، والإشكالات التي تثيرها، أما الموضوعات فهي أولاً: الامتساخ والتحول، ومنه امتساخات الإنسان، والحيوان، والنبات المؤنسن، وثانياً تغير السببية/ الزمن ـ الفضاء، ومنه الزمن والمكان، وثالثاً الاختلالات. ورابعاً لعبة المرئي واللامرئي.
وعني حليفي بالتفسير العقلي والتفسير فوق الطبيعي للخطاب الفانتاستيكي، حيث تتساكن داخل الخطاب الفانتاستيكي خطابات أخرى مفتوحة، غير منتهية تخضع للتطور، وتعتمل داخلها أيضاً العناصر التي تعطي العمل الروائي أهميته، وإمكانية التواصل مع المتلقي. و«الرواية الفانتاسكية، برأي حليفي تحديداً، هي رؤية وشهادة، رؤية على واقع حقيقي تصور بشرايينه دماء متباينة ومفارقة، وشهادة باعتبارها جواباً متحركاً، على أسئلة ثابتة وقدرية، كالموت والقهر والكبت والاستبداد والجنون، كلها أسئلة تتخفى خلفها قاطرات من أسئلة كونية تدخل، بدورها، في إطار الإرث الذي تتجاسر على حمله في تاريخنا»( ).
واهتم بالتفسير بوصفه مكوناً أساسياً من المكونات الداخلية للمحكي الفانتاستيكي، فهو يستعمل لتبديد الغموض الذي يؤكد الحدث، وله وظيفة امتصاصية إزاء الحيرة والقلق المتولدين عن الأحداث، ويتولد عن التفسير بين ما هو فانتاستيكي والمجالات القريبة منه مظهران هما:
المظهر الأول: يتجلى في التفسير بأنواعه، وهو الذي يكون السارد فيه محدود المعرفة، يعاين ويصف، ثم يتكفل بنوع من التأويل، فتأتي بعض أوصافه التي يصف فيها باطن الشخوص، وبعض أسرارهم، من باب التأويل والحدس.
ولاحظ حليفي بعداً عمودياً للفانتاستيك، تنتظم فيه الموضوعات/ الثيمات من خلال صور فوق طبيعية أساساً هي «انعكاس مرآوي لمتخيل يعكس وعياً جمعياً، وإحساساً ذي إيماضات تضرب في ألياف ذات الكائن، وموضوعات الواقع، صور شبكية كرؤى صادمة تتصيد الغريب والعجيب على محور عام للفوق طبيعي، ويُعد جد مربوط بالمخيلة»( ) ويحيل حليفي هذا الرأي إلى بيير ميسنيه Pierre MESNIER. وهناك وظائف للمحور الأفقي، كالربط بين ما هو واقعي، وماهو فوق طبيعي، ووظيفة تأجيلية، تستهدف، أساساً، تأجيل حدث فوق طبيعي، تشويقاً لفترة، وهذا الغرض يتم عبر التضمين والتناوب. أما المحور العمودي، فيتم استغلاله من طرف المحكي الفانتاستيكي في بعدين عمقي، يستمد موضوعاته من الموروث القديم الديني والسحري والفولكلوري، ومائل.
وأشار حليفي إلى ما يسمى «البعد الرابع»، وهو المجال الذي يشتغل فيه الفانتاستيك والخيال العلمي بحرية كاملة بحيث إن هذا البعد لا يقتصر على الزمان والمكان فقط، من خلال وصف أمكنة لا توجد إلا عمودية، وإنما يطال الزمان بدخوله في بُعد رابع لا يرى ويضبط. وذكر حليفي أنماط التفسيرات العقلية، مثل التفسير بالحلم، والتفسير بالهذيان والهلوسة، والتفسير بالجنون، وأوضح حليفي حضور التفسير فوق الطبيعي في المحكي الفانتاستيكي، مما يميز الخيال العلمي والرواية البوليسية، وينتج عنه حالات غموض التفسيرات في ثلاث خانات تتكامل فيما بينها، وتعضد الواحدة الأخرى: الزيغ الكرونولوجي Aberrations ، ثم الأشباح، والروحانيات. وتوصل حليفي إلى استنتاج تركيبي عام، وهو أن ثمة مكونين أساسيين، يساهمان في إبراز الفانتاستيك، وهما الشرط وجواب هذا الشرط، ويمثل الشرط الحدث، فوق الطبيعي، والذي قد يجسده الشبح أو أحد المسوخ، بينما يمثل جواب الشرط التفسير الذي تقدمه الرواية لذلك الشرط. وخصص حليفي الفصل الثاني من كتابه للخطاب في الفانتاستيك، معالجاً مكونات السرد الفانتاستيكي، ولاحظ في هذا المجال أربعة أنماط مفتوحة تتناص فيما بينها، هي: سردية التاريخي، وسردية اليومي، وسردية الطابو، وسردية التعجيب. وفصل القول في السرد/الوصف، وتكونه للخطاب الفانتاستيكي خلل أنماطه الأربعة أيضاً وهي:
السرد اللاحقNarration Ultérieure.
السرد المتقدم Narration Antéieure.
السرد المتزامن Narration Simultanée .
السرد المدرج/المتخلل Narration Intercalée.
وذكر ثمة وظيفتين تعملان بدرجات متفاوتة في الخطاب الفانتاستيكي، هما وظيفة ذات علاقة تفسيرية Fonction Explicative، وعلاقة ثيمائية (يقصد موضوعاتية) Relation Thématique.
ووصف السارد الفانتاستيكي، وهو«كائن تخييلي يعمد المؤلف إلى خلقه، حتى يدهم سلطة السرد، انطلاقاً من وضعيته التي هي وضعية إنتاج كلام، وسط تعددية أصوات تشكل النسيج الحي للرواية، ويأتي مبعث السارد الفانتاستيكي، في هذا الباب، ضمن نسق نظري عام يعي مزالق البنيويين، وينظر إلى السارد ضمن رؤية جدلية، انطلاقاً من المتون الروائية الفانتاستيكية التي تحقق فرادة ساردها، وجدليته التي تسمح ببناء نسق تأويلي للمحكي»( ). وحاول حليفي تصنيف أنماط السارد، مستنداً إلى جيرار جنييت وروجيه كايوا، حيث ثمة سارد ملتحم بالحكايةNarateur Homodiegetique ، وهو السارد المتضمن في الحكاية، ويشغل وظيفتين في آن واحد، فهو راو ومشارك في الأحداث، وسارد غير ملتحم بالحكاية Narateur Hétérodiegetique، وانطلاقاً من هذين الضربين، ميز رؤية السارد من خلال ثلاثة أنماط هي:
السارد- البطل، وهو الذي يظهر ملتحماً بالحدث.
السارد- الشاهد، وهو الذي يروي الأحداث، ليس بوصفه مشاركاً، ولكن باعتباره شاهداً.
السارد- المجهول، وهو الذي يبقى مجهولاً، لا متعيناً، في نظر المتلقي، تفاجئه الأحداث، وهذا النمط نادر.
أما الأنماط المميزة للمنظور السردي، فقد كيفها مع المنظرين الفرنسيين في المناهج النقدية الحديثة، ولاسيما نقاد شعرية السرد، على النحو التالي:
أ- الرؤية من خلف، أو التبئير الصفر، بتعبير جينيت، حيث السارد يعلم أكثر من الشخصية، فهو كلي العلم وكلي الوجود عالم بخفايا الأمور.
ب- الرؤية مع، أو التبئير الداخلي للكواليس، ويكون السارد في تساو مقصود مع الشخصية، لا يعمل إلا على تقديم كلامها، فهو يرى كل شيء من خلال وعي الشخصية، كما يكون متعدداً بانتقاله من شخصية إلى أخرى، ثم العودة إلى الأولى، أو رؤية الحدث نفسه عن طريق شخصيات روائية.
جـ- الرؤية من الخارج، أو التبئير الخارجي، حيث السارد هو مجرد راصد للحركة الخارجية، يقف في حياد تام ليحقق موضوعية تكون معرفة السارد فيها أقل من معرفة الشخوص، ثم كيّف حليفي وظائف السارد الفانتاستيكي، مما هو شائع لدى نقاد شعرية السرد، وهي الوظيفة السردية، ووظيفة التنسيق، ووظيفة الإبلاغ والتواصل، ووظيفة انتباهية، ووظيفة الاستشهاد.
وتوقف حليفي عند الوصف الفانتاستيكي، في مستوياته وأنواعه ووظائفه، وعند الكرنوتوب والخطاب الفانتاستيكي، والكرونوتوب مصطلح أطلقه باختين، ويفيد أن الزمان والمكان شيئان متقابلان بعكس تصورات نيوتن النظرية، فالفضاء الفانتاستيكي، أو هندسة التعجيب، «يتحدد انطلاقاً من علاقته بالزمن، ثم بانفلات الفضاء عن الأبعاد الآقليدية إلى أبعاد متعددة مفتوحة، فالعالم الروائي، لا يتكون من الوجوه الهندسية البسيطة، ولكنه يستنتج من أشكال جد معقدة» يتعبير موريس ليفيMaurice Levy( ).
ثم درس الشخصية الفانتاستيكية، سمات وأنواعاً، وأدواراً، وعلاقات، وخلص إلى استنتاج يميز الرواية الفانتاستيكية، ويعمق سبل بحثها بآليات ونهاجيات الاتجاهات الجديدة: «إن من أهم خصائص الفانتاستيك تأكيد المفارقة وبعث الحيرة، ولاشك في نفس المتلقي، عن طريق إبراز ما فوق طبيعي، وتقليص دور ماهو طبيعي حيناً، أو استغلاله للإيهام مرة ثانية، كما يتم اللجوء إلى خرق ومسخ هذا الطبيعي، أو تدميره في مرة ثالثة، مثلما اوضحت ذلك الطروحات، التي عرضنا لها، وخصوصاً تصورات إرين بيسيير، وجان بلمين نويل، المتقدمة في هذا المجال، والتي حاولت الاستفادة مما جاء به تودروف في تحديداته الدقيقة، وسيجموند فرويد بخصوص مفهوم الغرابة المطلقة، ما يستتبعها من استيهامات واضطرابات نفسية»( ).
واختار حليفي لتطبيق مفهومه عن «سردية التعجيب» «فقهاء الظلام»(1987) لسليم بركات (سورية)، ويشير جهد حليفي برمته إلى الأخذ الكامل لمعطيات الاتجاهات الجديدة في تنظيره وممارسته النقدية.





Eng.Jordan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #7

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 14,121

   11-26-2012

 09:27 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

16ـ استمرار الجهد التوفيقي:
لا يستطيع الناقد العربي الحديث أن يلتفت عن الاتجاهات الجديدة كلياً أو جزئياً، ولعله اعترف أخيراً ألا جدوى من مجانبتها والاكتفاء بالموروث العربي النقدي وحده، مما دعاه إلى الانخراط في جهد توفيقي بين مكونات الموروث النقدي ومؤثرات الاتجاهات الجديدة. واختار مثالاً لذلك ناقداً عربياً منتمياً إلى الموروث النقدي كلية في مرحلة تكونه الأولى، هو عبدالملك مرتاض (الجزائر)، وعرضت نموذجاً لهذه المرحلة كتابه «فن المقامات في الأدب العربي» (ط2 -1998 - وهو مكتوب في أواخر السبعينيات)، ثم ما لبث أن أخذ بالاتجاهات الجديدة، ولاسيما العلاماتية غالباً والتفكيكية قليلاً، وهذا واضح في كتبه، وكنت ناقشت عدداً منها، مثل ألف ليلة وليلة: تحليل سيميائي لحكاية حمال بغداد» (1993)، و«تحليل الخطاب السردي: معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية زقاق المدق» (1995)، و«مقامات السيوطي: تحليل سيميائي»(1996) فهو منذ مطلع الثمانينيات غاص عميقاً في محيط الاتجاهات الجديدة، ساعياً إلى نمذجة نظرية تتواءم مع الموروث النقدي في كتابين نظريين لمثل هذا الجهد التوفيقي، هما: «النص الأدبي: من أين؟ وإلى أين؟» (1983)، و«الكتابة من موقع العدم: مسارات حول نظرية الكتابة»(1999). كان الكتاب التنظيري الأول مقاربة نظرية وتطبيقية لمفهوم النص الأدبي لدى أصحاب الاتجاهات الجديدة، أما التطبيق فاتجه إلى نص للتوحيدي من كتابه «الإشارات الإلهية» (ص ص337-338)، وإلى إمعان النظر في مفاهيم البنى الإفرارية والبنى التركيبية والزمان والحيز والصورة والتركيبات الصوتية، وجلي أنها مفاهيم طالما اشتغل عليها العلاماتيون واللسانيون، وهم النقاد الذين مال إلى شغلهم النظري، بيد أن كتابه الثاني «الكتابة من موقع العدم»(1999) يعالج نظرية الكتابة في مسار أكثر استقلالية في رحاب الجهد التوفيقي بين الموروث العربي والجديد الغربي، مما يشي بوعي حاد للمعضلة، فثمة إقرار بألا سبيل لفهم نظرية الكتابة بمعزل عن إنجازات الاتجاهات الجديدة.
ويندرج كتابه «في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد» (1998) ضمن محاولاته التوفيقية، في تسع مقالات هي:
- الرواية: الماهية والنشأة والتطور.
- أسس البناء السردي في الرواية الجديدة.
- الشخصية: المهاية - البناء - الإشكالية.
- مستويات اللغة الروائية وأشكاله.
- الحيز الروائي وأشكاله.
- أشكال السرد ومستوياته.
- علاقة السرد بالزمن.
- شبكة العلاقات السردية.
- حدود التداخل بين الوصف والسرد في الرواية.
ويلتمس المرء مؤيدات الجهد التوفيقي في الأمور التالية:
أولاً: تكييف علم السرد (من إنجازات الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية التقليدي)، وثمة توكيد على التوفيقية في فصله بين نقد القصة ونقد الرواية، لأن علم السرد لا يفصل بينهما، ولأن غالبية النقد التقليدي ينظر إلى فنون النثر القصصي، ومنها القصة والرواية، نظرة واحدة، لتكون الفروق بينهما داخل الجنس الأدبي الواحد. ويوضح عنوان مرتاض أنه يجمع بين نظرية الرواية في مأثورها التقليدي، وبين تقنيات السرد مما نهض بها علم السرد بفضل تطور الاتجاهات الجديدة، فقد رأى مرتاض «أن الكتابات العربية التي كتبت حول نظرية السرد بعامة، ونظرية الرواية بخاصة، تحتاج إلى إغناء وبلورة، وخصوصاً فيما يتمحض للتقنيات الخالصة التي تكتب بها الرواية»( ).
ثانياً: اضطرار مرتاض للتعويل في كتابة مادة هذا الكتاب على المؤلفين الغربيين، ولاسيما الفرنسيين وما ترجموه عن الإسبانية والروسية والألمانية والإنجليزية والإيطالية، حتى إنه اعترف بتعامله المطلق مع المؤلفين الغربيين في معظم مسار البحث( ).
ثالثاً: المزج بين نقد القصة والرواية التقليدي ونقد السرديات، على أن مراجعه لنقد السرديات من أرقى الكتب في بابها، ومن المعروف أن نقد القصة والرواية التقليدي صار إلى نقد أعم وأشمل وأكثر علمية في الغرب في الستينيات، هو علم السرد، بتأثير اكتشافين، أولهما نصوص الشكلانيين الروس، وثانيهما البنية، وكانت انطلاقة الاكتشافين من فرنسا بالدرجة الأولى، فكانت المراجع بالفرنسية هي الأهم والأكثر في مكتبة هذا الكتاب، وإن اعتمد على عدد من كتبه السابقة، وفي مقدمتها كتابه «تحليل الخطاب السردي: معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية زقاق المدق» (1995). وكنا لاحظنا في كتبه المتجهة لنقد الموروث السردي المتأثرة بالاتجاهات الجديدة أنه يجمع بين العلاماتية والتفكيكية والبنيوية. أما مراجعه بالفرنسية فتنتمي في غالبيتها إلى مأثور نقاد الاتجاهات الجديدة مثل بارت وتودوروف وغريماس وجينيت وبروب، بالإضافة إلى لوكاتش وجان ريكاردو وآلان روب جرييه وميشيل زيرافا على نحو أقل.
رابعاً: ينحو الكتاب منحى الكتابة الوظيفية استجابة لعاملين من نتاج الجهد التوفيقي، الأول تطلُع مرتاض إلى معرفة التقنيات والفنيات التي يصطنعها كبار الروائيين بوصفه روائياً أيضاً، والثاني ماله صلة بالرواية وكتابتها ولغتها ومكوناتها السردية بوصفه معلماً معنياً بتدريس هذا الفن. على أنه لم يقصد إلى كتابة هذا الكتاب عامداً، بل تجمعت له جذاذات وطوامير صارت إلى مقالات تسع( ). ويفيد هذا السعي إلى محاولة مرتاض تكييف مؤثرات الاتجاهات الجديدة مع حاجات الكتابة السردية العربية.
ولعلي أورد بعد ذلك بعض الملاحظات على محاولة مرتاض التوفيقية، وهي:
أولاً: يتعالى مرتاض على الجهود النقدية السابقة المكتوبة بالعربية في نظرية الرواية، وفي النصوص الروائية، وفي ترجمة الرواية الأجنبية إلى اللغة العربية، فالمترجَم، عنده، هزيل اللغة وضعيف الصياغة الأسلوبية، والمؤلَف ضعيف اللغة أيضاً( ). ولاشك في أن هذا التعالي أدخل في لغة التعممم غير النافعة.
ثانياً: تكاد الممارسة النقدية في هذا الكتاب تفتقر إلى المرجعية، لأن مرتاض لا يعيد نصه إلى مأثور محدد أو اتجاه معين، فثمة مرجعيات واتجاهات متعددة تتساكن في النص الواحد.
ثالثاً: لا يطرح الكتاب نظرية نقدية محددة متأثرة بهذه الاتجاهات الجديدة، لأنه لا يحيل إلى نظرية بعينها.
رابعاً: لا يوافي مشروعه النقدي جهود المؤصلين وكأنه يحرث في أرض بكر، بينما يشير واقع الحال إلى جهود كثيرة سابقة عليه، وقد عرضت لأغلبها، مثلما آل هذا المشروع إلى قطيعة معرفية مع التراث العربي النقدي الذي يعرفه مرتاض حق المعرفة في المصطلح من جهة، وفي مواصلة التقاليد السردية من جهة ثانية، ففي المصطلح لا يعتمد مرتاض المصطلح الموروث، ولا يعني بتطويره، بل يجتهد على الدوام وحيداً، على الرغم من وفرة الجهود السابقة، وأذكر أمثلة لتجاهله أو إغفاله للجهود الناجزة، فقد ترجم المأساة La tragédie بالمشجاة، والدراما La drame بالمأساة، والحكاية La fable بالملهاة..الخ، ولا يخفى أن المشجاة هي تعريب كلمة ميلودراما Melodrame. ثم عرّب Récits بالسرديات، والأفضل والأنسب هو قصص.
ويغفل الجهود السابقة في تعريبه للأسماء كأن يعرف التاء بطاء، وأن يرسم حروف الأسماء حسب تهجئتها مثل فولكنير، بينما تواضع المترجمون على فوكنر، وجينات (المقصود هو جينيت)، ويتضح ذلك في تعريبه للأسماء التالية:
ناتالي صاروت (يقصد ساروت)، وبالزاك (يقصد بلزاك)، وبيطور (يقصد بوتور) وهيسرل (يقصد هوسرل).
ويبلغ التجاهل مداه الأقصى في إنكاره لتواضع المترجمين على مصطلحات وأسماء مؤلفات، مثل La monologue (لا يذكر مصطلح النجوى)، ورواية ميشيل بوتور التعديل أو التحويل (يسميها العدول أو التحوير)، ورواية كافكا المسخ (يسميها التحول) ( ).
خامساً: الأخذ المطلق بالمصطلح الغربي كما عُرف بالفرنسية، وأتوقف عند جزء من المقالة الثامنة «شبكة العلاقات السردية» وعنوانه «العلاقة بين السارد والمؤلف والقارئ»، فقد غلبت على النص اللغة الفرنسية في المصطلحات والمفاهيم والأعلام( ).
أما هوامشه وعددها تسعة في هذا الجزء فكانت جميعها مأخوذة عن اللغة الفرنسية، أو هي مترجمة إلى الفرنسية مثل كتاب بوث المعروف عن «شعرية السرد»، أو كتاب كايزر «ما هي الرواية؟»، باستثناء الإحالة الوحيدة إلى مشاهد من مقامات الحريري( ).
17ـ ملاحظات عامة:
لاحظنا أن النقاد والباحثين قد شرعوا يأخذون بمعطيات من الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية منذ أواخر، ثم كانت محاولاتهم النظرية، تعريفاً بهذه الاتجاهات مترافقة مع نزوعهم وتلهفهم لتطبيق هذه الاتجاهات الجديدة، وحوت غالبية الكتب النظرية تطبيقات نقدية، ويمكننا أن نورد الملاحظات التالية:
أ- انحصر التحديث حتى مطلع السبعينيات بما يعرف بالنقد الجديد لدى النقاد الآنجلو سكسونيين، وعرب أحياناً باسم النقد الموضوعي( )، أو النقد التقويمي( )، أو النقد التقويمي التكاملي( ). ثم مال النقاد والباحثون، على نحو ضيق أو واسع، إلى التحليل البنيوي.
ب- نادراً، ما عمد الباحثون والنقاد العرب إلى الالتزام بمنهج نقدي ومعرفي واحد أو محدد في تنظيرهم، وإن عرفوا بمنظر أو بناقد بعينه مثل غريماس، أو لوسيان غولدمان، أو جيرار جنييت.
جـ- سعى بعض النقاد والباحثين إلى تصورات نظرية منهجية لشغلهم النظري، ولاسيما سعيد يقطين الذي قدم مشروعاً رائداً وكبيراً لتوطين منهجية علم السرد في النقد العربي الحديث، على الرغم من الملاحظات والانتقادات الكثيرة لهذا المشروع.
د- سادت عمليات الأخذ عن الغرب في النقد النظري، اجتلاباً وتكييفاً، مقابل القلة القليلة من المحاولات والاجتهادات لتأصيل هذه الاتجاهات الجديدة في النقد العربي الحديث. ولذلك غلبت الشروح والتعريفات والنقل التعريفي، على اعتمال النقاد والباحثين العرب بالحاجة إليها في بناء نقد عربي حديث.
هـ- يلاقي المرء صعوبة في الاهتداء إلى مصطلحات محددة لعلم السرد، لتوزع الجهود وتباين استيعاء هذه الاتجاهات الجديدة لدى المشتغلين بها، ما دامت الغلبة للترجمة والتعريب في النقد النظري ، وليس للتأليف والتأصيل.
و- ثمة ولع بالشكلانية لدى المهتمين بالعلاماتية وشعرية السرد أيضاً، فتكثر الرسوم والترسيمات والأشكال في نقدهم، فيما يلزم وما لايلزم.
ز- يكاد المرء يقع على شيء من قطيعة معرفية ومنهجية لغالبية النقاد والباحثين مع موروثهم النقدي وسيرورة تقاليد النقد الأدبي العربي الحديث.


الفصل السابع
نقد النقد التطبيقي المتأثر بالاتجاهات الجديدة
يصعب الفصل، كما ألمحنا، بين النقد النظري والنقد التطبيقي، فغالباً ما يضع النقاد والباحثون مقدمات نظرية تسوغ التطبيق تاريخياً أو اصطلاحياً أو منهجياً، أو استهدافاً، أو طريقة وأسلوباً. وقد لاحظت أن عدداً من الكتب التي ندبت نفسها للحديث نظرياً عن الاتجاهات الجديدة حوت دراسات تطبيقية كذلك، أي أن الفصل بينهما تستدعيه حاجات البحث. ولما كانت الدراسات التطبيقية هي الأغزر إنتاجاً قياساً إلى النقد النظري وقلته، فقد اخترت نماذج وافية تعبر عن المطلوب، وهو تلمس الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية والسرد في الممارسة، وعرضت نماذج متعددة مع مناقشة نقدية لعدد منها في كل منحى، وأوجزت بحثي للنقد التطبيقي في ثلاثة اتجاهات هي:
- دراسات ذات ميل أقل إلى الاتجاهات الجديدة.
- دراسات انتقائية للاتجاهات الجديدة.
- دراسات ذات ميل أكبر إلى الاتجاهات الجديدة.
1- دراسات ذات ميل أقل إلى الاتجاهات الجديدة:
تعامل عدد كبير من النقاد على استحياء مع الاتجاهات الجديدة، فمازجت لغتهم أو طرائقهم أو منهجيتهم أمشاج من هذا الاتجاه أو ذاك، وهي دراسات نقدية يغلب عليها العناية بالموضوع أو التطور التاريخي، أو دراسة الاتجاه. وكانت مثل هذه الدراسات الأكثر دوراناً على أقلام النقاد والباحثين العرب إلى وقت قريب، وهي تقوم على محاولات تطعيم النقد القصصي والروائي بأدوات فنية، ومزاوجة النقد التاريخي، بشيء قليل أو كثير، وهو نادر، من النقد الفني، ولربما كانت دراسة إلياس خوري (لبنان) الموجزة «تجربة البحث عن أفق: مقدمة لدراسة الرواية العربية بعد الهزيمة» (1974) الأكثر مراودة لتطعيم النقد التقليدي بروح جديدة، ولذلك تتداخل المصطلحات التاريخية والجمالية والاتجاهية والفنية في الدراسة الواحدة، كما في دراسة واسيني الأعرج (الجزائر) الواسعة «اتجاهات الرواية الجزائرية في الجزائر: بحث في الأصول التاريخية والجمالية للرواية الجزائرية» (1986)، وتنهض دراسات هذا النمط على تقصي جوانب الموضوع المعالج بوصفها فكرة تعبر عنها الرواية، أو كأن الرواية مطية لحمل هذه الفكرة، فيتحرك الباحث مع التاريخ السياسي غالباً، والاجتماعي والثقافي، بحدود متفاوتة، فيعرف بموضوعات الروايات، ويتلمس، على عجل، جوانب من فنيتها وجماليتها، دون أن يلتزم باتجاه نقدي معين، ومن أبرز ممثلي هذا النمط أذكر مصطفى عبد الغني (مصر) في كتبه «الخروج من التاريخ: عبد الرحمن منيف ومدن الملح» (1993)، و«نقد الذات في الرواية الفلسطينية» (1994)، و«الاتجاه القومي في الرواية» (1994).
استعان عبد الغني لكتابه الأول بعبارة مفتاحية من الرواية المدروسة لعبد الرحمن منيف «مدن الملح»، تشي بسمة دراسته الموضوعية في حضن التاريخ والأفكار معاً، والعبارة المفتاحية هي: «وقت الهزائم، وفي المنافي، يطيب الحديث عن التاريخ أو وهم التاريخ»( ). وقد غلب عبد الغني هذه الدراسة الموضوعية، أي دراسة الموضوعات، على الفنّ، حين سوغ منهجه التاريخي، المطعم بشيء من الفن، في مقدمته التي حملت عنوان «قبل القراءة»، وألحق كتابه بنص مهم، «هو بعض نصائح هاملتون ـ رجل المخابرات الإنجليزي الميكيافيللي ـ للأمير العربي المعاصر، وذلك لدلالتها في السياق الروائي»( ). أما موضوعات الدراسة، وهي فصول كتابه، فكانت: البطل الشعبي ـ الغرب القبيح ـ الرأسمالية التابعة ـ الخروج من التاريخ ـ العنوان والمفتتح ـ نهايات المدن ـ عن عناصر البناء، وهذا يعني أن عبد الغني التفت إلى الفن الروائي قليلاً في فصلين هما: «العنوان والمفتتح» و«عن عناصر البناء»، في صفحات قليلة من دراسته. أما كتاباه التاليان، فيخبر عنوانهما عن المنهج النقدي الذي يعنى بالموضوعات والأفكار بالدرجة الأولى، بينما ختم الكتاب الثالث بثلاثين صفحة من مجموع صفحات الكتاب الطويل (412 صفحة) عن أثر الاتجاه القومي في الشكل.
ضم الكتاب الثاني فصولاً عن عقدة الذنب في الأدب الإسرائيلي، اعتماداً على متواتر القول لدى نقاد الأدب الإسرائيلي والصهيوني مثل رشاد الشامي (مصر)، والانتقال من عقدة الذنب إلى نقد الذات في الأدب العربي الفلسطيني، في تيارات التمرد والتحرير والتعبير والغضب، والانتقال بعد ذلك من نقد الذات إلى استشراف المستقبل. وقد اعترف عبد الغني بخصائص منهجه على النحو التالي:
«استفدت هنا من عديد من المناهج التي هي أقرب لموضوعي من أية مناهج أخرى، فقد أفدت كثيراً من المنهج التاريخي والتحليلي، وأيضاً استفدت من المنهج الوصفي، وسعيت إلى أن أكون أكثر وعياً بالمنهج الموضوعي في تعاملي مع النصوص»( ).
ويستسلم عبد الغني لمنهجه التاريخي الذي يعنى بالموضوعات والأفكار، مع ملاحظات نزرة عن تأثير الاتجاه القومي في الشكل في كتابه الثالث، وعلى الرغم من إشارته في المقدمة إلى اعتماده على عدة مناهج هي النزعة التاريخية والنزعة الاجتماعية والنزعة البنائية، فإن سعيه لاكتشاف العلاقات بين البنى الذهنية والفكرية القائمة في النصوص الأدبية ومجموعات اجتماعية معينة، تتمثل في مرحلة زمنية محددة، ظل شاحب الملامح، وظلت العناية بالموضوعات والأفكار طاغية. وحاول عبد الغني الاعتذار عن ذلك بالإشارة التالية في المقدمة:
«لم نحرص على الحكي الروائي إلا بالقدر الذي يصل بنا إلى الخطاب الروائي، ومن هنا لم نول التسلسل البنائي للعمل أهمية كبرى، وإن لم نهمله تماماً فخصصنا له فصلاً كاملاً»( ). أما أبواب الكتاب فتناولت التحولات والبحث عن الهوية، ومن الوحدة إلى الهزيمة، ومن الثورة إلى الانتفاضة. وغني عن القول، إن مصطلح «الخطاب» يشير إلى النص السردي في علم السرد بما هو الحكي تمييزاً له من القصة، على أنها المدلول أو المضمون السردي، بينما نلاحظ تداخلاً في مفهوم الخطاب الروائي، والحكي الروائي في فهم عبد الغني وممارسته النقدية.
والناقد الثاني البارز في هذا النمط هو عبد الرحمن أبو عوف (مصر) في كتبه «الرؤى المتغيرة في روايات نجيب محفوظ» (1991)، و«يوسف إدريس وعالمه في القصة القصيرة والرواية» (1994)، و«قراءة في الرواية العربية المعاصرة» (1995)، و«فصول في النقد والأدب» (1996).
وقد وضع أبو عوف كتباً في القصة والرواية قبل ذلك، كان أولها كتابه المميز «البحث عن طريق جديد للقصة القصيرة» (1971)، وهو احتفاء بالأصوات الجديدة التي ظهرت في الستينيات في مصر، وتعبيرها عن حساسية فنية مختلفة، غير أن كتبه، في مجملها، لا تخرج عن منهجيته النقدية: العناية بالموضوعات والأفكار، والاهتمام قليلاً أو كثيراً بالفّن، ففي الكتاب الأول عن نجيب محفوظ، نقرأ الفصول التالية: الزمن الروائي عند نجيب محفوظ، بعد الواقع وبعد الفّن في رواية أفراح القبة لنجيب محفوظ، نجيب محفوظ والرؤى المتغيرة في رواياته، حضرة المحترم: الرؤية الفكرية ومستوى إبداعها، الواقع والحلم في حكايات حارتنا، الواقع والأسطورة في ليالي ألف ليلة وليلة لنجيب محفوظ، بعد الواقع ونجيب محفوظ في المرايا، مصداقية شهادة نجيب محفوظ على مرحلتي عبد الناصر والسادات، أنشودة الجنون في قصص نجيب محفوظ، نمط المثقف اليساري في روايات نجيب محفوظ، تحت المظلة وأنشودة القلق، نجيب محفوظ في خمارة القط الأسود، المرأة في أدب نجيب محفوظ. ونلاحظ في الفصل الأول الذي يحمل عنوان «الزمن الروائي عند نجيب محفوظ»، أنه سرعان ما تحدث عن المأساة الاجتماعية والمأساة الوجودية، واستغرق في شرح الموضوعات والأفكار، كمثل هذا المقتطف: «بمعنى آخر توحي هذه الروايات بأشكال ثلاثة للتمرد على أمراض هذه الطبقة الدائمة التشكل والتذبذب:
• التمرد الفردي وإتقان لعبة التسلق والتطلع والتحايل.
• ترديدات انتقائية لنوعيات متباينة لإيديولوجية يسارية تبشر بحل جذري.
• تلمس بناء رؤية مثالية جديدة تخلط بين منابع الدين الإسلامي والعلم، لها برامجها العملية الإصلاحية لحل المسألة الاجتماعية»( ).
وعندما خصص كتاباً ليوسف إدريس وعالمه القصصي والروائي، سار على المنوال نفسه، كما في هذه الفصول: دلالة الرؤية في العالم القصصي ليوسف إدريس، بعد الواقع والدلالة في رواية الحرام ليوسف إدريس، اغتيال الشرف في حادثة شرف، الطفولة، يوسف إدريس بين مرحلتين، آخر أعمال يوسف إدريس: نيويورك 80 ـ مبدع ينتهي أم مبدع يتعثر؟، الجنون في قصص يوسف إدريس، دلالة صمت يوسف إدريس عن الإبداع القصصي، عودة أمير القصة القصيرة يوسف إدريس للإبداع، غربة يوسف إدريس في بيت لحم، أمير القصة القصيرة يقرأ المستقبل. ولا يخفى أيضاً الطابع الصحفي على نقد أبي عوف وغلبة أسلوب مراجعة الكتب والتعليقات النقدية في دورية ما، كأن يختتم أحد الفصول على النحو التالي:
«هكذا هو يوسف إدريس عندما يتوهج يبدع إبداعاً فذاً، ويثير أكثر من مشكلة فنية وفكرية، ولكن في النهاية يجب أن نشير إلى أن المقدمة طويلة، وليست ملحومة عضوياً بموضوع القصة، ولكن هذا لا يمنع من روعتها»( ).
وعلى الرغم من أن كتابه «قراءة في الرواية العربية المعاصرة» تصدر بكلمة «قراءة»، فإن العناية بالشكل أو المبنى أو الفن الروائي ظلت على هامش بحوث الكتاب، مثل ذات والرواية الوثائقية، وانهيارات وتفكك المجتمع في وكالة عطية، ومصداقية الرؤية في العالم الروائي لبهاء طاهر، والهزيمة في بيوت وراء الأشجار، والبناء الأسلوبي في وردية ليل، والرواية عند إبراهيم عبد المجيد، وانكسار الروح لجيل الثورة، وقلب الليل. الرؤية والدلالة، ونموذج القبطي وإنتاج الدلالة في ثلاثية نجيب محفوظ، وبعد الواقع والأسطورة في أدب الطيب صالح، وغربة الفلسطيني في روايات جبرا إبراهيم جبرا، والخطاب الروائي والقمع عند عبد الرحمن منيف، الواقع والحلم في ثلاثية أحمد إبراهيم الفقيه، لغة الرمز في الحي الخلفي لمحمد زفزاف. ولو اخترنا فصلاً حمل عنواناً يشي بعناية بالفن، وهو «البناء الأسلوبي في وردية ليل» لما اختلف منهج أبو عوف النقدي في تغليب اهتمامه بالموضوعات والأفكار في ثوب المراجعة الصحفية غير الدقيقة أو الموثقة، كما في هذا المقتطف:
«ويتأكد هنا قول الناقد الروسي ميخائيل باختين: ظلت الرواية ردحاً طويلاً من الزمن موضع دراسة إيديولوجية مجردة وتقويم اجتماعي دعائي فقط.. كانت المسائل الشخصية لأسلوبيتها تهمل إهمالاً تاماً أو تدرس عرضاً، وبلا مبدئية. كانت الكلمة النثرية الفنية تفهم كما تفهم الكلمة الشعرية بالمعنى الضيق للكلمة، وبالتالي، كانت تطبق عليها تطبيقاً غير انتقادي مقولات الأسلوبية التقليدية، وأساسها المجاز، وكان يكتفي بتقويمها بأوصاف فارغة من تلك التي تطلق على اللغة كالتعبيرية أو التصويرية والجزالة والبيان، وما إلى ذلك دون تضمين هذه المفاهيم أي معنى أسلوبي محدد ومدروس»( ).
ولا يقع المرء في نقد أبو عوف على توثيق أو مرجعية، كما يظهر في هذا المقتطف، ولا نعرف متى يبدأ قول باختين ومتى ينتهي؟ وما حدود وظيفته النقدية؟ إنه كلام نقدي فني عام يستخدم بعض لغة الاتجاهات الجديدة ومصطلحاتها على سبيل الزينة والوشي. وأورد نماذج أخرى لمثل هذا النمط، ومن الكتب المعنية بالموضوعات والأفكار أيضاً، «عبد الرحمن الربيعي وتجديد القصة العراقية» (1977) لسليمان البكري (العراق)، و«الأدب الروائي عند غسان كنفاني» (1982) لرفيقة البحوري بن رجب (تونس)، و«المرأة الأنموذج في الرواية العربية الحديثة» (1985) لشمس الدين موسى (مصر)، و«القصة الطويلة في الأدب الأردني» (1985) لمحمد العطيات (الأردن)، و«القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية» (1987) لسحمي ماجد الهاجري (السعودية)، و«الكتابة القصصية عند البشير خريف» (1988) لفوزي الزمرلي (تونس)، و«في نقد القصة والرواية بتونس» (1989) لنور الدين بن بلقاسم (تونس)، و«وعي العالم الروائي: دراسات في الرواية المغربية» (1990) لمحمد عزام (سورية)، و«التجربة الوجودية في اليوم الأخير لميخائيل نعيمة» (1990) لمحمد إبراهيم الحصايري (تونس)، و«صانع الأسطورة الطيب صالح» (1990) لأحمد شمس الدين الحجاجي (مصر)، و«العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر: دراسة نقدية 1914-1986» (1991) لمراد عبد الرحمن مبروك (مصر)، و«الأنا والآخر في الرواية العربية الحديثة» (1994) لمنصور قيسومة (تونس)، و«الذات والموضوع: قراءة في القصة القصيرة» (1994) لمحمد قطب عبد العال (مصر)، و«النص والحرية: عبد الرحمن منيف» (1994) لأحمد مشول (سورية)، و«الوقائع والمصير: دراسة في أدب حسن صقر» (1994) لوفيق خنسه (سورية)، و«صورة المرأة في الرواية الأردنية» (1995) لأروى عبيدات (الأردن)، و«الإبداع الأدبي: المصادر/ المخاطر» (1995) لحسين عيد (مصر)، و«الشحاذ: أزمة وعي وانهيار عالم» (1996) لعبد الرزاق الهمامي (تونس)، و«ليلى العثمان: رحلة في أعمالها غير الكاملة» (1996) لعبد اللطيف الأرناؤوط (سورية)، و«الرواية العربية: الإشكال والتشكل» (1997) لمنصور قيسومة (تونس)، و«غائب طعمة فرمان: حركة المجتمع وتحولات النص» (1997) لخالد المصري (العراق).
وتنتمي إلى هذا النمط أيضاً الدراسات التي تعرف بالرواية الأجنبية، معتنية بالتاريخ وتطور الفن الروائي بصورة عامة، مثل «تفاحة آدم: دراسة في النظرة الفلسفية عند د. هـ. لورنس» (1980) لحنا عبود (سورية)، و«دراسات في النظرية الإنجليزية» (1981) لإنجيل بطرس سمعان (مصر)، و«الرواية اليابانية الحديثة» (1986) لعبد الواحد محمد (العراق)، و«مطالعات في الرواية الفارسية المعاصرة» (1986) لإبراهيم الدسوقي شتا (مصر)، و«دراسات في الرواية الأمريكية المعاصرة» (1989) لعنيد ثنوان رستم (العراق، والكتاب ترجمة وتحرير).
واكتفي بعرض بعض الملامح الدالة لهذا النمط:
1-1- عناية مفرطة بالأفكار: فقد وضع حنا عبود كتابه «تفاحة آدم» ليبرهن عن فلسفة د. هـ. لورنس الخاصة، كما في تقديمه الصريح: «وقد جرت العادة أن تستعرض المؤلفات حسب التدرج التاريخي. بيد أني اكتفيت برواية واحدة هي «عشيق الليدي تشاترلي» معتمداً على النسخة غير المعدلة ولا الملطفة، لأني اعتبر هذه الرواية ليس قمة أعماله فقط، بل اعتبرها خلاصة نظرته وفلسفته، ففيها يحدد مواقفه من قضايا عدة إلى جانب القضية الأساسية التي يوليها كل اهتمام، وهي قضية العلاقة بين الرجل والمرأة التي يعتبرها صلب كل أدب»( ).
1-2- اهتمام أساسي بالموضوعات: غلب على نقد النقاد والباحثين الاهتمام الأساسي بالموضوعات، حتى أن ناقدة أكاديمية تلتزم بمنهج النقد الموضوعي بممارسته الانجلو سكسونية هي إنجيل بطرس سمعان (مصر) تسوغ مثل هذا الاستخدام، وترهن استحداث الأساليب الفنية بالموضوعات:
«وتقدم الفصول الأربعة الأولى نماذج لتطور الرواية في فتراتها المختلفة هي فترة مولد فني أدبي جديد على يد أحد رواده الأول هو دانيال ديفو، ثم نموذج لفترة النضج على يد روائي كبير هو تشارلز ديكنز، ثم بعض ما شغلت الرواية الحديثة والمعاصرة ذاتها به من مشاكل الفرد في العصر الحديث، ومن استحداث لأساليب فنية تتفق وما تعالجه من موضوعات»( ).
ويشير استعراض فصول كتب نقاد وباحثي هذا النمط، كما رأينا عند عبد الرحمن أبو عوف ومصطفى عبد الغني إلى تغليب الاهتمام بالموضوعات على الفن.
فقد عالج أيضاً وفيق خنسه (سورية) في كتابه «الوقائع والمصير: دراسة في أدب حسن صقر» موضوعات عديدة مثل القضية الوطنية والقومية، وقضية فلسطين، من خلال التحالف العنصري النازي ـ الصهيوني، والطبيعة والمدينة وقضايا أخرى، بينما خصّ الفن بفصول قصيرة وقليلة مثل التهكم وبنيان القصة، وما يميز معالجته للموضوعات غلبة الحدوس، لذلك تكررت كلمة حدس وحدوس كثيراً، وجرى تجاهل السرد والفن القصصي، ومال إلى شرح المضمون والعناية الشحيحة بالدلالات والرموز، بينما تنعدم العناية بالتوثيق والمرجعية، وتتوالى الأحكام غير المعللة وغير المدلل عليها، كما في حديثه عن «المدنية في قصص حسن صقر» حين يورد أسماء شعراء، والأحكام على شعرهم، من دون الإشارة المرجعية المطلوبة، بينما كان الأولى أن تكون المقارنات مع قصاصين وروائيين مثل حسن صقر( ).
ويفصل خالد المصري (العراق)، نموذجاً آخر، دراسة الموضوعات عن دراسة الفن في كتابه «غائب طعمة فرمان: حركة المجتمع وتحولات النص»، وإن كانت لغته النقدية أقرب إلى لغة الاتجاهات الجديدة من سواه، كما في قوله:
«إن فرمان، بهيمنته على كلية العمل الروائي، يخلق شخصياته، ويخلق معها آلامها وآمالها وهمومها وأفكارها، ويلقي بها في أرضية الصراع، وهو عندما يتيح المجال لشخصياته أن تتصارع أمامه وأمامنا يوهمنا أنه يقف في منطقة الحياد. إن فرمان كثيراً ما يسمح لشخصياته أن تعرض أفكارها وتطرح همومها، وهو بهذا يسعى لتشخيص حالة ما باستظهار كافة جوانبها، يحدد هويات الشخصيات، ويدفعها في مسارات تتعرف من خلالها على الأفكار المتعارضة والمواقف المتقاربة والمتناقضة. وقد تجلى هذا كثيراً في أعمال فرمان الروائية التي اعتمدت، في معظمها، على بناء مؤسس على إبراز وجهات نظر متعددة»( ).
وعندما نمعن النظر في هذا الصوغ النقدي نعرف أن المصري لا يلتزم بمنهج جديد من المناهج التي تستهدي بالمناهج النقدية الحديثة مثل علم الاجتماع الأدبي، وهو الأقرب لكتابة المصري، بينما يرتهن المصري للنظرية الماركسية في فهم الواقعية الاشتراكية، ولا سيما الانعكاس والمطابقة بين مجتمع الرواية ومجتمع الواقع، بينما للرواية مجتمعها الخاص، كما في قوله:
«ولدى تصدينا لبعض أعمال فرمان الروائية ألفينا أن هذه الأعمال تنوي إثارة قضايا مركزية، والتنبيه عليها، وهي تتوزع على المحاور التالية:
جدل الثبات والتحول.
البحث عن الفعل الحقيقي.
البحث عن الذات.
نقد الذات.
وفي نقاشنا لهذه المحاور وكشفنا عن أبعادها، كما تعتمل في النص الروائي سنميل، أحياناً، إلى التنقل بين مجتمع الرواية ومجتمع الواقع، لأن الأخير هو المرجع الذي صدرت عنه بعض الأحداث والأفكار الجاهزة التي أدرجت، فيما بعد، ضمن بنية فنية فغدت مكوناً من مكوناتها الرئيسة»( ).
1-3- اهتمام أساسي بالتطور التاريخي: يضعف الاهتمام بالفن لصالح الاهتمام بالتطور التاريخي، واخترت دراسة سحمي ماجد الهاجري (السعودية) نموذجاً في كتابه «القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية منذ نشأتها حتى عام 1384هـ 1964م»، فهو يخص التطور نحو الفنية والصياغة الفنية بأقل من ربع صفحات كتابه الكبير (465 صفحة من القطع الكبير). ويستخدم الناقد مصطلحات حديثة على سبيل الشرح وإيضاح الموضوعات( ).
وهذا الاهتمام بالتطور التاريخي واضح لدى نقاد وباحثين آخرين، مثل عبد الواحد محمد (العراق) في كتابه «الرواية اليابانية الحديثة»، كما في عرضه لكتاب نقدي ياباني عن جوهر الرواية الذي يشير إلى تطور النظرة إلى فنية الرواية:
«وهذه الموضوعة هي أن الرواية شكل من أشكال الفن الخالص الذي لا يحتاج إلى تبرير يتعدى وجوده المجرد. وأنه مهما تعلم القاريء، أو استمد منها من دروس أخلاقية أو روحية، فستظل تلك الدروس عرضية بالنسبة لقيمة الرواية النهائية كعمل فني»( ).
1-4- اهتمام قليل بالفن: تتحول الاستفادة من لغة الاتجاهات الجديدة أو مصطلحاتها أو بعض طرائقها، إلى غلبة لشرح المضمون، فقد عالج محمد محمود عبد الرزاق (مصر) في كتابه «فن معايشة القصة القصيرة» موضوعات عديدة مستفيداً من الاتجاهات الجديدة على نحو قليل، ففي مناقشته لأسلوب القص عند صلاح عبد السيد، على سبيل المثال، نلاحظ أن النقد الفني برمته يصير إلى شرح للمضمون( ).
وثمة نموذج ساطع لذلك لدى فوزي الزمرلي (تونس) في كتابه الكبير «الكتابة القصصية عند البشير خريف»، فهو يعرف الاتجاهات الجديدة، وإمكانيتها الهائلة في العناية بالفن القصصي وعلم السرد، ولكنه لا يذهب عميقاً في استخدام معرفته( ).
1-5- الحيرة المنهجية: تعكس الكتابات النقدية لدى بعض نقاد هذا النمط وباحثيه شيئاً من حيرة منهجية، وقد اعترف بمثل هذه الحيرة مراد عبد الرحمن مبروك (مصر) في كتابه «العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر: دراسة نقدية 1914-1986»، فهو يعتقد أن الشكل في الرواية العربية «كان شكلاً أوروبياً يحاكي الأشكال الروائية الأوروبية، بينما كانت المضامين تراثية تعتمد على صياغة الأنماط التراثية في شكل روائي»( ). ولا شك في أن هذا الرأي لا يمكن تعميمه، فليس الشكل الروائي العربي كله تقليداً أوروبياً( ). ثم يعترف بحيرته المنهجية في دعوته لتشكيل نظرية بصدد ظاهرة استلهام التراث في الرواية العربية:
«ووقعت في حيرة وتردد بين الأشكال الأوربية ومقتضيات واقعنا العربي الحاضر، فقد أثبت تطور الأشكال الأدبية أن الحياة لا تقبل إلا ما ينسجم معها ويلبي حاجاتها»( ).
1-6- الحديث عن الفن زينة: يستخدم بعض الباحثين والنقاد في نقدهم حديثاً فنياً يستعين بعلم السرد، دون توظيفه، فيبدو وكأنه زينة أو توشيح للنقد، كما في كتاب محمد قطب عبد العال (مصر) لذات والموضوع ـ قراءة في القصة القصيرة» (1994)، فهو، مثل كثيرين، من النقاد الجادين الذين يطورون نقدهم باتجاه الاستفادة من الاتجاهات الجديدة على قلة، ولكن هذا الاستخدام لا يجعل منه منهجاً، بالقدر الذي يتلفع فيه النقد بشيء من علم السرد توصيفاً، لا تحليلاً شاملاً للنص السردي( ).
2- دراسات انتقائية للاتجاهات الجديدة:
سعى عدد كبير من النقاد والباحثين إلى الاستفادة من اتجاه معين أو أكثر، قاصدين إلى مواءمة منهجية، أو إلى تعديل مناهجهم السابقة، وممارسو هذا النمط واثقون غالباً من اتجاهاتهم التقليدية التاريخية أو الأيديولوجية أو الأسلوبية.
2-1- الإيديولوجيا: تبرز الانتقائية لدى النقاد والباحثين المتمترسين وراء أيديولوجيات معينة، ولا سيما الماركسية، واذكر نموذجاً لهم كاسوحه (سورية) في كتابه «المنفى السياسي في الرواية العربية: حيدر حيدر حنامينة» (1990)، و«الرؤية الإيديولوجية والموروث الديني في أدب حنا مينة» (1991)، ولربما كان الكتابان نموذجاً صارخاً للنقد الإيديولوجي بوصفه معوقاً من معوقات تقدم النقد الأدبي العربي، فالناقد يعترف بطغيان النقد السياسي والفكري عما سواه من العناصر الأخرى، فيحترز بالقول: «فإنه لابدّ من الإشارة إلى أن «وليمة لأعشاب البحر» هي رواية سياسية ذات بعد إيديولوجي مميز وواضح، لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن إخضاعها إلى مناهج نقدية متعددة ومختلفة»( ).
ويشير إلحاح الناقد على التماهي والانعكاس والنمذجة، ضمن مفهوم المحاكاة التي تعني النقل المباشر للواقع إلى ابتسار النقد الإيديولوجي واحتباس الرؤية وضيق الأفق، كما في هذا الرأي عن حنا مينة:
«تبقى رواية «الثلج يأتي من النافذة» عبارة عن محاكاة صادقة وأمينة للواقع في مرحلة تاريخية معينة عاشها بطل الرواية فياض في خارج وطنه. لكنها، في الوقت نفسه تظل تفتقر إلى عنصرين أساسيين هما: التشويق الروائي، والتخييل الأدبي، وهذا ما جعلها تندرج ضمن الواقعية الميكانيكية الباهتة»( ).
ومن الواضح، أن هذا النقد الإيديولوجي ميكانيكي أكثر من اللزوم، فكيف تصح هذه الآراء التي تنفي عن رواية جيدة أهم عنصرين فيها؟ وكيف يبيح الناقد لنفسه حق إطلاق الأحكام جزافاً، دون تسويغ، على أنها جزء سيري، نافياً عنها صفتها التخييلية( ).إن الناقد مولع بالأحكام خلل وهم الواقعية وانعكاس الواقع، كمثل قوله:
«لقد بقيت رواية «الربيع والخريف» لاهثة خلف الواقع، ولم تستطع حتى مواكبته، فالواقع لم ينعكس في هذا العمل الروائي بشكل صحيح، كما لم يكتسب فيه مضامين جديدة، بل بقي أغنى وأعمق بكثير مما صوره به حنا مينة الذي أثبت عجزاً واضحاً في مسألة التخييل الروائي عندما كتب الرواية السياسية»( ).
وأعاد الناقد إنتاج أحكامه المطلقة المتعسفة في كتابه الثاني «الرؤية الإيديولوجية والموروث الديني في أدب حنا مينه»، على الرغم من استعانته ببعض مصطلحات النقد الأدبي، وثمة دراستان في كتابه من أصل سبع دراسات مأخوذتان من كتابه الأول. واستخدم كاسوحة المفاهيم الجدانوفية حول أهمية الكاتب البارزة، «بينما طروحاته في التغيير الثوري لعلاقات الإنتاج، لم تكن تتناسب مع حجم طموحاته، بل جاءت متخلفة عنها كثيراً»( ).
ولا يعرف المرء كيف ذلك؟ ما قيمته نقدياً؟ وكذلك تتردد في متنه مصطلحات غير نقدية، مثل الأحكام القاسية حول الفعل النضالي والتعبير عنه بعد الاستقلال، وروح المهادنة، وبروز الميول الإصلاحية والتصالحية، وفتح الثقة التامة للبورجوازية الصغيرة، وسقطة الروائي الفنية والسياسية في روايته «المرصد»، وغلبة التهويمات السياحية في «الربيع والخريف»، ووصف الروائي بمثقف بورجوازي صغير ممتلئ بالانفعالات العاطفية، واستمراره عند عقلية الخمسينيات نتيجة دوغمائية عقائدية، والإدانة الشاملة لبطله الذي تخطاه الزمن.. الخ( ).
وهذه الأحكام القاسية نموذج لنقد يتذرع بالمصطلحات الفنية للإدانة الجائرة والتعسف المطلق، ولعلنا نكتفي بمثل هذا الشاهد المنفر:
«وقد لمسنا افتقار أعمال حنا مينه إلى البعد الفلسفي والعمق النقدي، وإلى الاستبطان السيكلوجي لشخوص رواياته الذين تميزوا بضحالة فكرية واضحة»( ).
2-2- الجمالية: استطاع شاكر النابلسي (الأردن) أن يطوّع نقده الأسلوبي لاحتضان بعض معطيات الاتجاهات الجديدة بما يكشف عن جمالية القصة والرواية، كما في كتبه الكثيرة، ولا سيما «مذهب للسيف ومذهب للحب: رؤية نقدية لأدب نجيب محفوظ من خلال روايته الشاملة ليالي ألف ليلة» (1985)، و«فض ذاكرة امرأة: دراسة في أدب غادة السمان» (1989)، و«مدار الصحراء: دراسة في أدب عبد الرحمن منيف» (1991)، و«جماليات المكان في الرواية العربية» (1994).
كتب النابلسي نقده للقاريء العادي حسب اعترافه في مقدمة كتابه «مدار الصحراء»( )، وأنه لم يلتزم بمدرسة نقدية معينة، بقدر ما أخذ «وسائل نقدية مختلفة، من مدارس نقدية متعددة.. ذلك أنني اعتقد بأنه من مصلحة القارئ، وهو مستهلك النقد الأول، أن يتم الفصل النقدي من خلال أدوات مختلفة، وصولاً إلى الفعل النقدي التام»( )، واعترف أيضاً أنه اعتمد في دراساته على ما سوف يكتشفه بنفسه في ضوء ما قرأه من جماليات المكان في الرواية الغربية( ).
يقوم نقد النابلسي على قراءة ذوقية انطباعية للرواية موظفاً بعض تقانات الاتجاهات الجديدة، على نحو شديد التبسيط، مما ينم عن استيعاب واضح لآليات النقد الجديد في الغرب، ومتجنباً في الوقت نفسه الارتهان لهذه الآليات، ولذلك تتصادى في نقده مصطلحات: بناء الشخصيات المعماري، كيمياء الرمز، بطولة إلى المكان، دوالي الزمن، الهندسة الروائية، التكوين اللغوي، معمارية الشخصيات، جماليات المكان وتشكيلات الزمان، معمارية الخلايا التعبيرية، بنائية الملحمة الروائية، دلالات الصور الفنية الطبيعية، جماليات أمكنة المجمعات السكنية، جماليات أمكنة المسارات والمصبات، جماليات أمكنة السكن الكبرى، جماليات أمكنة السكن الصغرى، جماليات أمكنة المأكل والمشرب، جماليات الأمكنة الطبيعية، جماليات أمكنة الليل والنهار، جماليات سجون الإنسان والأشياء، جماليات الفصول الأربعة كأمكنة.
غير أن دراسة علي نجيب إبراهيم (سورية) لجماليات الرواية أكثر منهجية واتساقاً في كتابه «جماليات الرواية: دراسة في الرواية الواقعية السورية المعاصرة» (1994)، فهو يمهد في فصله الأول لفهم الانتقال من علم الجمال العام إلى جماليات الرواية، شارحاً منهجه التطبيقي في سيرورته الجمالية ووسائله التقنية ومثله الجمالية، ويمعن النظر في البطولي والسامي في الرواية الواقعية السورية بعامة، وفي روايتي «الياطر» و«الشراع والعاصفة» بخاصة، وفي التحولات الاجتماعية والقيم الجمالية في الرواية الواقعية السورية بعامة، وفي رواية «الخيول» بخاصة، وفي سقوط المثل الأعلى الوطني بعامة، وفي رواية «قلوب على الأسلاك» بخاصة، وفي القيمة الجمالية بين صعود البورجوازية الصغيرة وسقوطها بعامة، وفي رواية «ينداح الطوفان» بخاصة، وفي الثورة الجمالية للشكل الروائي والثورة الاجتماعية في «ألف ليلة وليلتان»، وفي المسافة الجمالية بين عالم الرواية وعالم الواقع. وتفصح الخاتمة عن فلاح الناقد في تناول الرواية في سياقها الجمالي والتاريخي، مستعيناً ببعض منهجية البنيوية، كما في قوله:
«لكننا نميز في إطار أوسع ضربين من المقولات الجمالية الظاهرة في الشكل الروائي للنصوص التي حللناها:
أ- مقولات بنيوية إيجابية كالتناسب المحقق في رواية «الياطر» عن طريق التناقض بين القوى المحولة وقوى التوازن، وإن كان يمكن صقله أكثر لو أن الكاتب نظم قليلاً أفكار الراوي المصبوبة في جملة واحدة لا تقسيم فيها ولا فواصل.
ب- مقولات بنيوية سلبية كالتفكك الذي يعتري حكاية رواية «المذنبون»، والخلل الداخلي في حبكات رواية «ينداح الطوفان» الناتجة عن تدخلات الكاتب المستمرة في حياة شخصياته، وفي مخابئ مشاعرهم وأفكارهم»( ).
نقد علي نجيب إبراهيم جمالي فني تقني يوازن بين البنية والدلالة إلى حدود مقبولة، مما أتاح للناقد استبصاراً دلالياً نابعاً من فهم البنية في تشكلاتها الجمالية والفنية، ولا تخفى استفادة الناقد من بعض معطيات الاتجاهات الجديدة.
ونقع على مثل هذا النقد، لدى محمد بدوي (مصر) في كتابه «الرواية الحديثة في مصر: دراسة في التشكيل والإيديولوجيا» (1993)، في تصديه لدرس علاقة الشكل الروائي بالبنية الاجتماعية، متخذة من الإنتاج الروائي لروائيي الستينيات ميدان عمل لها. وعلى الرغم من الأخذ المنهجي والنظري عن الغرب، فإن الناقد ينقد أيضاً المركزية الأوروبية النقدية:
«ويرى الباحث أن كثيرين ممن يلوكون هذه المقولة غير جادين في استعمالها. ما دام عملهم النقدي، يبدأ من مقولات جاهزة تقسر النص العربي على الانصياع لها. إننا نحيا في إهاب ثقافة فقدت عقلها النقدي، ولكي نجاوز شرك التبعية. ينبغي أن نعاند لاستخلاص جناحها العالق بهذا الشرك. شريطة أن نعي أن جناحنا عالق حقاً به. وأول شروط نجاح هذه المعاندة كامن في البدء بالنصوص.
لست أدعو طبعاً إلى ضرب من الانطباعية. ولكني أدعو إلى أن نأخذ النظريات الغربية بوعي وحذر»( ).
التفت بدوي إلى مغامرة الشكل الروائي، من خلال بعض آليات الاتجاهات الجديدة: جدل التاريخ المعيش والذاكرة التاريخية، استراتيجية السمر الريفي، جماليات التشكيل الفولكلوري، قناع التاريخ والمعارضة النصية، النص المغاير، أسطرة المكان والشخصيات، استراتيجيات تعدد اللغات والمنظورات. ودرس، بالتفصيل، الجمالي في السياق التاريخي والاجتماعي. ولعل استعراض جانبمن تحليلاته واستبصاراته النقدية، يوضح استخدام بدوي اليقظ لعديد من آليات الاتجاهات الجديدة:
«فالبوليفونية تتجلى في «الزيني بركات» وتتفاعل في «التجليات»، وتكسر الأزمنة جلي في «نجمة أغسطس»، ويكاد ينعدم في «اللجنة». ورواية الصوت الواحد موجودة في «رامة والتنين»، شاحبة في «الزمن الآخر». وجماليات التشكيل الفولكلوري واضحة في «أيام الإنسان السبعة» بالغة الشحوب في «محاولة للخروج». وعلى مستوى آخر، نجد الترميز واللجوء إلى القناع التاريخي والمعارضة في «الزيني بركات» متجاوباً مع سيادة القهر وتضخم أجهزة أمن الدولة. لكننا نجد في الفترة نفسها شكلاً مغايراً محطماً للمواضعات واللغة المتعالية غير التاريخية في «تلك الرائحة»( ).
3-2- السردية: عمد عدد غير قليل من النقاد والباحثين إلى استعمال بعض آليات عمل السرد، كما هو الحال مع بدري عثمان (لبنان) في كتابه «بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ» (1986)، فقد اختار هذا الناقد شيئاً من خصائص البنائية( ) والسردية، اعتماداً على الموروث البروبوي والبارتي (نسبة إلى بروب وبارت). فقد أورد عثمان في مقدمته آراء عجيبة، كأن يجزم «أن الأشكال الروائية التي ظهرت قبل روايات نجيب محفوظ، أو معها، لا تتجاوز نطاق الإرهاصات الأولى»( )، أو أن ينسب كتاباً اسمه «إبراهيم الكاتب» لمصطفى ناصف، وهو رواية لإبراهيم عبد القادر المازني في الصفحة نفسها، أو أن يستنكر في الصفحة التالية إطلاق كلمة رواية على روايات نجيب محفوظ التاريخية، وبعض الروايات الأولى لتوفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل، أو أن يغفل عن التراث القصصي العربي، أو أن يغرق في الكلام الإنشائي الذي لا طائل وراءه( )، أو أن تأخذه السذاجة والتبسيط المخل، حين يشبه كلاماً لمحمود أمين العالم بمفهوم الجاحظ للأدب( ). غير أن عثمان ما يلبث أن يستعين بمعطيات بنيوية سردية، مثل أنماط بناء الشخصية: الواقعي التصويري التركيبي للشخصية الرئيسية، وأن يسوغ منهجه البنيوي جزئياً، وأن يحصره ببعض المصطلحات: «وقد استعان الدارس ببعض المصطلحات الحديثة المستخدمة في المنهج البنائي، ولكن في حدود ضيقة جداً وذلك لأن هذه المصطلحات، تعبر عن قاموس نقدي جديد لم يستقر بعد، كما أن الإيغال في استخدامها، قد يخرج العمل الفني عن طابعه الإبداعي الذي لا يساوي فيه إلا نفسه»( ).
إنها آراء غريبة لا تنتظم في منهجية محددة أو متآلفة، فغلبت على الدراسة شكلية وبنيوية ودلالية مما يندرج في المنهج العلامي، وثمة استخدام واسع لوظيفة التصوير اللغوي، وللوحدات اللغوية والوظائف، وللتصوير والوصف في تحليل بناء الشخصية الرئيسية.
وختم عثمان كتابه بالدعوة إلى نقد نصي، الرواية بما هي لغة، واستنتج ما يلي:
• اتخاذ الشكل أو القالب اللغوي مقياساً أساسياً في بناء نجيب محفوظ للشخصيات الرئيسية.
• جاءت المحاولات التحليلية مرة، والوضعية الاستنتاجية مرة ثانية، لبنية الشخصيات الرئيسية، قائمة على ما للغة من نشاط دلالي فعال.
• كشفت الدراسة التحليلية للنصوص الروائية، على شيء مهم في عالم هذا الفنان، وهو أنه يوجد وراء مختلف الأبعاد المحسوسة والمرئية للشخصيات الرئيسية، رؤية فنية وفكرية شاملة تبدو بمثابة الينبوع الذي بتوقفه، تفتقد الحياة توازنها وعطاءها، وهو يتمثل في توقف معنى العدل الإنساني عن التحقق في الحياة.
• بنيت شخصيات نجيب محفوظ الرئيسية، باعتبارها مجموعة صور لوجود تناقض صارخ بين ما هو كائن فعلاً في الحياة، وبين ما يجب أن تكون عليه.
• محاولة تقديم طريقة خاصة في التحليل اللغوي للنصوص الروائية.
• يرى الدارس أن نجيب محفوظ، كظاهرة لغوية فنية، لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات البناءة القائمة على فحص اللغة وتحليلها( ).
ثمة تداخل في معالجة عثمان للسرد، جعله يمزج بين عدة مناهج وصفية وبنيوية وسردية. وقد اختار مدحت الجيار (مصر) بعض معطيات السرد في كتابه «السرد النوبي المعاصر» (1994)، فدرس «مجمل النصوص النوبية المعاصرة، كظاهرة واحدة، ذات تجليات مختلفة، تحتاج إلى تأمل نقدي وجمالي ومضموني»( )، وهكذا، عني الجيار بالسرد الأدبي من خلال روايات نوبية معينة، باحثاً عن سياق السرد النوبي، وخصائصه بين التناص والتعالق النصي. وتحفل صفحات كتابه بتحليلات ذكية للسرد، ولو على سبيل الإجمال والشرح:
«كما تزدحم الرواية بصيغة السؤال، فلا تخلو صفحة في هذه الرواية من علاقة استفهام أو تعجب، وهذه التقنيات اللغوية الأسلوبية، تواءمت مع موضوع هذه الرواية السياسية التي غلب عليها حس المحقق، والسائل والمسؤول، وانتظار الإجابة»( ).
2-4- التاريخ والفن: يواءم بعض النقاد والباحثين العرب بين التاريخ والعنصر في ممارستهم النقدية، فينجزون نقداً تقليدياً مطعماً بمعطيات من الاتجاهات الجديدة، كما هو الحال عند محمد رجب الباردي (تونس) في كتبه «شخص المثقف في الرواية العربية المعاصرة» (1993)، و«الرواية العربية والحداثة جـ1» (1993)، و«حنا مينه روائي الكفاح والفرح» (1993).
يلتزم الباردي إلى حد كبير، بنهاجية النقد التقليدي الشارح الواصف، وتكاد تندرج دراسته عن شخص المثقف في دراسات الموضوع، كأن ينصرف إلى تصنيف بيئة المثقف أو تنزيل الصورة في المكان، وعمر المثقف أو تنزيل الصورة في الزمان، ووضعية المثقف الاجتماعية أو تنزيل الصورة في البيئة الاجتماعية، ووضعية المثقف السياسية والدينية أو تنزيل الصورة في البنية الفوقية. وثمة معالجة لسلوك المثقف تجاه قضيته، والمثقف ومواقفه من المثقف والمرأة والجنس والثورة والغربة، بيد أن الباردي لا يبين ذلك من خلال دراسة النص أو السرد، ناهيك عن إغفاله الإجابة عن أسئلة أخرى، فماذا عن المثقف المنفي إزاء مهاجره وانتمائه؟ وماذا عن المثقف والسلطة؟ وماذا عن أشكال المثقف المناضل والعضوي؟.( )
ويتناول الباردي في كتابه عن الرواية العربية والحداثة علاقات التأثير والتبادل بين الرواية الجديدة في فرنسا والرواية الحديثة في مصر من خلال أعمال صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني ويوسف القعيد، فترد بعض طرائق الاتجاهات الجديدة ومصطلحاتها في نقده، ويلاحظ على مستوى الشكل التناص في الرواية المصرية وغيابه في الرواية الفرنسية، وعلى مستوى المضمون بروز معاني السخرية والجنس والسلطة في الرواية المصرية بينما تكاد تغيب في الرواية الفرنسية. إنه منهج تقليدي ذو تلوينات بنيوية وشكلية في تتبع تفاصيل الحكاية أو الحبكة أو طبيعة الشخوص( ).
وتكثر في السياق التباسات المعلومات وضعف التدقيق في المصادر والمراجع مثل:
• مجلة «غاليري»، وليس فاليري ص21.
• ذكر أن أدوار الخراط شرع في كتابة روايته «الحيطان الأربعة» في الأربعينيات، ولكنه نشرها لأول مرة سنة 1958. والصحيح أن العنوان هو «حيطان عالية»، وأنها قصص، وليست رواية. ص22.
• استخدام مصطلح «ما بعد الحداثة» دون تحديد ص54.
• لا يلتزم المأثور لدى مترجمي أعمال الرواية الجديدة الفرنسية.
• رواية الغيطاني الأولى هي «الزيني بركات»، وليس «الزويل» ص54 (قارن مع ص124).
• بدأ الغيطاني النشر في مجلة «القصة» (القاهرة) ص57، وليس كما ذكر الناقد.
• أولغا بارنال أنثى، وليست ذكراً ص7.
• ثمة طبعة صودرت من «تلك الرائحة»، بينما نشرت، على نطاق عربي، مجلة «شعر» البيروتية الرواية في أحد أعدادها ص87.
• لا يوضح مصطلح «كتاب» أو «رسالة» ص108.
• الطبعة الأولى من «رسالة في الصبابة والوجد» هي طبعة دار الهلال، وليست طبعة دار الشروق ص125.
وأشير إلى بعض مظاهر النقد التقليدي وتطعيمه ببعض معطيات الاتجاهات الجديدة:
• اصطناع أوجه تشابه بين الرواية الجديدة الفرنسية والرواية الحديثة في مصر ص61 (قارن ص366).
• تعريف مفهوم السرد التقليدي ينتمي إلى النقد الأنجلوسكسوني ص95.
• الاستشهاد، على ندرة، بالشكلانيين الروس - توماشفسكي ص209، والبنيويين - تودروف ص210، والميثاق السردي للالتزام 282، واستخدام مصطلح الوظيفة Motive للحافز، شأن كثير من النقاد في المغرب العربي، ص248.
• التعويل المبالغ فيه على تصريحات المؤلف إزاء مؤلفاته؟! ص302.
وكان الباردي واضحاً في منهجيته التقليدية في كتابه عن حنا مينة، فتناول سيرة حنا منيه إنساناً وكاتباً، مطابقاً بين السيرة الشخصية والكتابة الروائية، ومسمياً بعض رواياته بالروايات الأوتو بيوغرافية (السيرية) معتمداً على لوجون( )، وعد «الربيع والخريف» جزءاً ثالثاً من ثلاثيته السيرية «بقايا صور» و«المستنقع»، بينما الجزء الثالث هو «القطاف».
وثمة ملاحظة تصيب مثل هذا النقد المولع بأحكام القيمة والتفضيل، فقد رجح أن أهم ما قرأناه عن حنا مينه هو كتاب محمد كامل الخطيب وعبد الرزاق عيد «عالم حنا مينه الروائي» (1976)( )، وهناك كتب وأبحاث كثيرة عن حنا مينه تتسم بمنهجية ودقة علمية وموضوعية لا مجال لتعدادها.
واستخدم طرائق النقد التقليدي في التعريف، فعدّ بعض روايات مينة تسجيلية، على أن التسجيلية هي الأسلوب الصحفي في كتابة السرد( )، وليست التسجيلية كذلك، وليس ثمة روايات تسجيلية عند مينة. ثم استفاد من بعض معطيات الاتجاهات الجديدة في دراسته للخصائص الفنية في روايات حنا مينة، على سبيل التحليل السردي المبسط، مثل الحبكة، وطبيعة الأفعال، والبطل الروائي أو الإيجابي أو الإشكالي، والمكان والزمان، والسرد والسارد، ولعبة الضمائر، والرؤى، وتهشيم السرد والتعامل مع الزمن، ويعلن أنه توخى منهج جينيت بالنسبة لتراكم الحكايات والرموز ونظام الزمن ووصف الأشياء.
عول الباردي كثيراً على المساعدات الخارجية في دراسة أدب حنا مينه كالنقد المكتوب عنه، ومواقف القراء من أدبه، واعترافاته وكتاباته وأفكاره السياسية وآرائه الفلسفية، والعوامل الخارجية المؤثرة، النفسية والاجتماعية والثقافية. ولربما يفيد عنوان الكتاب في التعرف إلى طبيعة ممارسته النقدية «حنا مينه روائي الكفاح والفرح»، فمما لا شك فيه أن كلمتي الكفاح والفرح، لا تشيران إلى مصطلح نقدي، أو دلالة محددة.
وعلى العموم، نلمس انتقائية لبعض معطيات الاتجاهات الجديدة وآلياتها ومصطلحاتها في هذه الكتب، بالإضافة إلى كتب أخرى كثيرة نذكر منها «فصول في النقد» (1984) لغالب هلسا (الأردن)، و«دراسات في الرواية العربية» (1987) لإنجيل بطرس سمعان (مصر)، و«الأدب الحديث والمعاصر: إشكاليات الرواية 1» (1990) لمصطفى الكيلاني (تونس)، و«تيار الزمن في الرواية العربية المعاصرة» (1991) لمحمود محمد عيسى (مصر)، و«وهم البدايات: الخطاب الروائي في الأردن» (1993) لفخري صالح (فلسطين)، و«الزمان، المكان، النص في الرواية الأردنية» (1993) لغسان عبد الخالق (الأردن)، و«عبد الله العروي وحداثة الرواية» (1994) لصدوق نور الدين (المغرب)، و«عالم عبد الرحمن منيف الروائي ـ تنظيروإنجاز» (1995) لصبحي الطعان (سورية)، و«أفق النص الروائي: دراسات تطبيقية في الرواية والقصة القصيرة» (1995) لعبد العزيز موافي (مصر)، و«تأملات في إبداع الكاتبة العربية» (1997) لشمس الدين موسى (مصر)، و«الأرض والصدى: دراسة نقدية لرواية الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي» (1997) لمحمد البدوي (تونس).
وتظهر الدراسات والبحوث الصادرة خلال الأعوام الأخيرة (1998-1999) غلبة التوفيقية والانتقائية في التعامل مع الاتجاهات الجديدة، وكأن حال الناقد الأدبي العربي الحديث هو مجاراة الجديد داخل بنى النقد التقليدي المأثور عن الغرب أيضاً، ولعلنا نورد إيضاحات أخرى لمثل هذا النقد التطبيقي الانتقائي والتوفيقي:
2-4- الالتزام المنهجي:
لا يخفي ممارسو هذا النقد التزامهم المنهجي بمنهج تاريخي أو وصفي، أو ما يحظى بتسمية خاصة من هذا الناقد أو ذاك، فقد أعلنت بثينة شعبان (سورية) في كتابها «100عام من الرواية النسائية العربية» (1999) أن منهجها استقرائي في معالجتها التاريخية والفنية لموضوعات الرواية النسائية العربية خلال القرن العشرين، وهو عمر هذه الرواية، التي تراها في موقع الريادة من الكتابة الروائية العربية، لا كما تنسب للرجل مثل رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل أو سواه، وهكذا كان شاغلها «حل خيوط العناصر الاجتماعية – السياسية والثقافية التي أنتجت العمل، والأهداف الأدبية والسياسية التي سعى العمل لتحقيقها»( ).
بينما أعلن نقاد آخرون التزامهم بمنهج تحليلي مقارن كما هو الحال مع كتاب «تولستوي ودوستيفسكي في الأدب العربي» (1999) لممدوح أبو الوي (سورية)، ويستطلع مؤلفه فيه مدى انتشار هذين الكاتبين العظيمين في الأدب العربي الحديث، ولاسيما تأثيرهما على بعض كبار القصاصين الروائيين من فرح أنطون إلى أمين الريحاوي وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران ونجيب محفوظ وسواهم، أساليب وتقنيات ومعالجة موضوعات.
2-5- المزج الأسلوبي:
غالباً ما يعلن ممارسو هذا النقد أنهم يمزجون في أساليبهم بين إجراءات النقد التقليدي وبعض مصطلحات أو تقانات الاتجاهات الجديدة، وأذكر مثالاً لذلك كتاب شرين أبو النجا (مصر) «عاطفة الاختلاف: قراءة في كتابات نسوية» (1998)، الذي يركز على الآليات النصية من خلال العلاقة بين البناء والمتن Praxis، إذ تستخدم مؤلفته العوامل المساعدة مثل التعرف إلى تجربة الكاتبة وآرائها لتحديد مدى التداخل والتشابك ما بين التجربة الذاتية والعمل الأدبي، أو أن تتكرر على استحياء مصطلحات الخطاب السردي والخطاب الهامش والخطاب المهيمن، والإشارات اللانهائية والتناص( ).
وكان صرح نذير جعفر (سورية) في كتابه «رواية القاريء» (1999)، أنه سعى في نقده التطبيقي إلى التحرر، قدر الإمكان، من سطوة النص وسطوة المؤلف وسطوة الانتماء الإيديولوجي، مستفيداً من علم النص وعلم السرد، في دراساته، التي تتناول أعمال ستة روائيين من سورية، بالإضافة إلى نجيب محفوظ (مصر) وعبدالقادر عقيل (البحرين) وعبدالإله عبدالقادر (العراق).
2-6- تسويغ نقد الموضوعات:
ثمة دراسات كثيرة يستفيد من الاتجاهات الجديدة دون أن تسميها، فتتلامح في ممارستهم النقدية إشارات ودلالات من النقد الجديد، ونذكر نموذجاً أول لمثل هذه الدراسات كتاب عماد العبدالله (لبنان) «الأرض الحرام: الرواية والاستبداد في بلاد العرب» (1997)، والكتاب بمجمله يعتمد نقد الموضوعات، ولكنها يسوغها باستفادته البصيرة من الاتجاهات الجديدة في نقده التحليلي التأويلي، لصوغ نصه النقدي صوغاً دالاً بلغة اتصالية ثرية.
على أن نقاداً آخرين يسوغون نقد موضوعاتهم ببعض معطيات الاتجاهات الجديدة وذكر مرجعياتها، وثمة أمثلة كثيرة لذلك. يأخذ حسان رشاد الشامي (فلسطين) في كتابه «المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1986» (1998) ببعض إجراءات المنهج البنيوي التكويني في جانب الدراسة الفنية، وهو الجانب الأقصر في كتابه، فيورد إشارات عن دراسة نماذج الشخصية وبنائها والمكان والزمن النفسي وحركتي الزمن السردي، والاسترجاع والاستشراف وأنماط السرد، وعلاقاته بالخطاب والحوار والوصف واللغة.
ويميل محمد نديب التلاوي (مصر) إلى المنهج الدلالي أو العلاماتي قليلاً في كتابه «الذات والمهماز: دراسة التقاطب في صراع روايات المواجهة الحضارية» (1998)، ولاسيما جانب دراسته التطبيقية، وهو الأوسع في كتابه.
وهذا ما فعله مصطفى الضبع (مصر) أيضاً في كتابه «رواية الفلاح، فلاح الرواية» (1998) الذي يستعمل لغة الاتجاهات الجديدة في السرد والوصف من خلال بحث وضعية السارد، وأثرها في السرد، وقد خصص الفصل الثالث والأخير للمسات الفنية لرواية الفلاح وأثره في هذه تشكيل هذه البنية من خلال بنيات ثلاث هي: العنوان الروائي، والسرد والوصف والحوار، وما يلحقها من دراسة البنية الوصفية للمكان وأشيائه، والرمز وجماليات البنية.
ومضى في هذا المسار شريبط أحمد شريبط (الجزائر) في كتابه «تطور البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة 1947-1985» (1998)، فهو يعنى بتحليل النصوص استهدافاً لدراسة الموضوعات، ومستنداً إلى عناية جلية بالنقد القصصي والروائي التقليدي، ولاسيما البنية الفنية للحدث القصصي وبناء الشخصيات، يتخللها على استحياء بعض مصطلحات علم السرد مثل صيغ سرد الأحداث( ).
2-7- انتقائية داعمة أو متمثلة:
عمد عدد كبير من النقاد والباحثين إلى تدعيم نقدهم القصصي والروائي ببعض معطيات الاتجاهات الجديدة أو تمثيلها ضمن خصوصية ممارستهم النقدية. وقد برع عبده عبود (سورية) في تمثل الاتجاهات الجديدة دون مبالغة على أنها تراث للناقد أينما كان، ويظهر هذا التمثل الواعي في دراساته الاستقبالية للنثر القصصي الألماني في اللغة العربية، ولاسيما كتابه الأخير في مجاله «القصة الألمانية الحديثة في ضوء ترجمتها إلى العربية» (1996)، فتشير ممارسته النقدية التطبيقية لنصوص محددة ولكتاب بعينهم إلى مدى انتشار القصة والرواية العالمية في الأدب العربي الحديث، وإلى الشأو العالي لتمكن الناقد العربي الحديث من الاتجاهات الجديدة، في تعامله مع نظرية الاستقبال والتلقي ونقد المثاقفة.
وهذا واضح أيضاً في شغل إدوار الخراط (مصر) النقدي، الذي يتمثل ما يناسبه من الاتجاهات الجديدة في رؤيته للحداثة، كما في كتابه الأخير «أصوات الحداثة» (1999) الذي يتقصى فيه الاتجاهات الحداثية في القص العربي مستعيناً إلى حد كبير بالمناهج الحديثة مثل الاتجاه الفنتازي (ما بين الواقع)، والأسطورة والشعر في القص، والتشييء وشبه الحياد وتحديث التراث..الخ.
ويظهر شيء من هذا التمثل في ممارسة بعض النقاد والباحثين في الكتاب المشترك «دراسات في الرواية العربية» (1998)، أمثال غسان عبدالخالق (الأردن) وعواد علي (العراق) وطراد الكبيسي ( العراق)، ففي دراسة عبدالخالق «نجيب محفوظ واستدخال النص التراثي: ليالي ألف ليلة.. نموذجاً» استعمال محدود لمنهج كريستيفا ومفاهيمها للتناص، بينما يلجأ عواد علي في بحثه «من زمن التخيل إلى زمن الخطاب: قراءة في رواية جمعة الفقاري لمؤنس الرزاز» إلى بعض تقانات علم السرد، كما أوضحها حسن بحراوي في كتابه «بنية الشكل الروائي» (1990).
واعتمد الكبيسي في بحثه «الرواية العربية المعاصرة والتراث: سيميولوجيا الهدم والتكوين - سابع أيام الخلق أنموذجاً» على المغريات المعرفية عند فوكو، والعلاماتية عند كريزنسكي وكايزير والدلالالة عند تودوروف.
وقد اقتصد نضال عبدالقادر الصالح (سورية) في تمثله للاتجاهات الجديدة في كتابه «تحولات الرمل: الحكائي والجمالي في القصة القصيرة في قطر» (1999)، فدرس بواكير التجربة القصصية القطرية وشواغل القص في تجارب الثمانينيات والتسعينيات كالمرأة وقضاياها وتجليات المثقف والتحولات الاقتصادية، قم انتقل إلى درس السمات الفنية متمثلاً بعض معطيات الاتجاهات الجديدة مثل تقنيات القص ورؤاه ولغته.
3- دراسات ذات ميل أكبر إلى الاتجاهات الجديدة:
تظهر خريطة النقد القصصي والروائي العربي في التسعينيات على وجه الخصوص، الإقبال المتزايد للنقاد والباحثين العرب على الأخذ بالاتجاهات الجديدة، أو إخلاصهم لهذا الاتجاه أو ذاك، أو تطوير استخدام هذه الاتجاهات على نحو ما.
3-1- الاشتغال السردي النصي:
عني النقاد والباحثون العرب بالسرد، كما رسخه علماء السرد، واتجهوا إلى دراسة الاشتغال السردي النصي بمظاهره المختلفة: أساليب السرد، البنى السردية، لغة السرد، تقنيات السرد، عتبات النص.
وضع صلاح فضل (مصر) كتابه «أساليب السرد في الرواية العربية» (1992) بتأثير انتعاش السرديات الحديثة إذ عدّها «من الدوائر اللافتة التي تقترب عندها جملة البحوث النقدية من منطق الخطاب النقدي بمناهجه الحركية المضبوطة، فقد استطاعت في العقود الثلاثة الماضية فحسب أن تؤسس معرفة متنامية ودقيقة بالنصوص السردية في تجلياتها المختلفة حتى غدت نموذجاً مشجعاً لما يسمى بعلم الأدب في تشكله المتطور الدؤوب، المتجدد بقدر ما ينبثق في المخيلة الإنسانية من إبداع»( ).
ورأى أن نقده التطبيقي يندرج في دراسة أشكال الصيغ والكيفيات المختلفة لأنماط السرد وعمليات التركيب في أجرومية الرواية ووظائفها، مما عرض له بالتفصيل في كتابه «بلاغة الخطاب وعلم النص» (1992). واتساقاً مع موقفه الناقد للشكلانية المغالية في هذه الاتجاهات الجديدة، فقد أثار سؤالاً ميز بموجبه، إزاء لغة النقد الحديث واستعصائه على القارئ العادي، بين نقد توزع فيه الوظائف الطليعية التجريبية على المجال الأكاديمي، ونقد تطبيقي موجه على النطاق الثقافي العام، فليس نافعاً «أن نقوم بتطبيق هذه المفاهيم ـ بطريقة آلية ـ على جميع ما نتناوله من نصوص سردية، فنحيلها إلى عدد من الرسوم والجداول البيانية المجافية للحس الفني والتذوق النقدي لألوان الشعرية المتفاوتة»( )، مثلما رفض فضل أيضاً أن يتحدث النقد «عن المادة القصصية اعتماداً على مضمون الخطاب السردي وتوجهاته المذهبية، فقد انتهت سيادة الإيديولوجية وشعاراتها القديمة. ولم تعد النوايا الطيبة هي التي تحدد مستويات الأعمال ودرجة أهميتها، فقد اتضح أن مستويات التوظيف ترتبط بالإنجازات التقنية والجمالية، ودخلت علوم اللغة بصرفها ونحوها ودلالتها، ومباحث الأسلوب بإشكالياتها المتعددة وأدواتها الإجرائية، ثم علم النص بما أسفر عنه من طرق تحليلية للأبنية الصغرى والكبرى وكيفية تراتبها، جاءت كل هذه العلوم لتصنع خرائط جديدة للحقول الإبداعية، واستحدثت معها مصطلحاتها وآلياتها، وقامت السيميولوجيا عن طريق تنظيم مجالات الإشارات وترابطاتها الرمزية بالتوسط لفض إشكالية التعارض المزعوم بين البنية المنبثقة والسياق العام للنص»( ).
استند فضل إلى هذه الإنجازات التي تحققت لعلم السرد، وأقام على مكتسباتها تصنيفاً نوعياً جديداً، يسمح برصد ما يسمى بالأساليب السردية.
وعمد فضل في تصنيفه لأساليب السرد العربي المعاصر، إلى التوافق بين ثلاث مجموعات ثنائية من العناصر الروائية هي الإيقاع والمادة والرؤية. والإيقاع ناجم عن حركتي الزمان والمكان أساساً، كما أن المادة تتمثل في حجم الرواية، أي امتدادها الكتابي من ناحية، وطبيعة لغتها من ناحية ثانية. بينما تبرز الرؤية من خلال كيفية عمل الراوي وتوجيه المنظور. وأهم خاصية لهذا الطرح هو التعالق والتراتب، فالفصل بين تلك الوحدات إنما هو مجرد إجراء تحليل يضع في اعتباره أصلاً طبيعة تداخلها. وافترض نتيجة لذلك وجود ثلاثة أساليب رئيسة للسرد العربي هي:
1- الأسلوب الدرامي: ويسيطر فيه الإيقاع بمستوياته المتعددة من زمانية ومكانية منتظمة، ثم يعقبه في الأهمية المنظور، وتأتي بعده المادة، وعالج في إطاره روايات «يوم قتل الزعيم» لنجيب محفوظ، و«الولاعة» لحنا مينه، و«خالتي صفية والدير» لبهاء طاهر.
2- الأسلوب الغنائي: وتصبح الغلبة فيه للمادة المقدمة في السرد حيث تتسق أجزاؤها في نمط أحادي يخلو من توتر الصراع، ثم يعقبها في الأهمية المنظور والإيقاع. وطبق ذلك على روايات «الآن.. هنا» لعبد الرحمن منيف، و«هاتف المغيب» لجمال الغيطاني، و«تجربة في العشق» للطاهر وطار، و«كناسة الدكان» ليحيى حقي، و«سرايا بنت الغول» لأميل حبيبي.
3- الأسلوب السينمائي: ويفرض فيه المنظور سيادته على ما سواه من ثنائيات، ويأتي بعده في الأهمية والإيقاع والمادة. وفحص في هذا النمط روايتين هما «وردية ليل» لإبراهيم أصلان، و«ذات» لصنع إبراهيم.
ونوه فضل في تمهيده لبحثه إلى أنه لا توجد حدود فاصلة قاطعة بين هذه الأساليب، إذ تتداخل بعض عناصرها في كثير من الأحيان، و«كل رواية تتضمن قدراً من الدرامية والغنائية الذاتية أو الملحمية والسينمائية، لكن تفاوت النسب، وتراتبها، ومستويات توظيفها في النص ككّل هي التي تحدد موقعها. كما أن المقاربة النقدية لكلّ نص على حدة تهدف إلى اكتشاف شعريته الخاصة وما يثيره من مجالات تتجاوز نطاق العناصر الأسلوبية المعتمدة في هذا السلم، بحيث لا تصبح الدراسة جدولاً برهانياً لفرضية التصنيف، تعمي عما عداه من مناطق الإثارة الجمالية والدلالية في النص»( ).
يدقق فضل مصطلحه ويضبط إجراءاته النقدية، وعندما تناول رواية «يوم قتل الزعيم» لمحفوظ، حدد نوع هذه الرواية بأنها سياسية، بينما القراءة السردية بطبيعتها جمالية، وأطل عليها خلل «مقاربة تقنية، تنبثق مكوناتها مما يتجلى من عناصر مهيمنة في النص، وقد برز منها عنصر هام عند تحليل العنوان ذاته، وهو «المفارقة» التي تقرض وجودها على القارئ منذ الوهلة الأولى كذلك». واستخدم لقياس الإيقاع في الرواية نموذجاً اهتدى إليه الباحثون يعتمد على سرعة عملية القص ذاتها، و«ذلك بأن تؤخذ لحظة المشهد الحواري الذي يبرد أثناء السرد باعتبارها نموذجاً لتطابق الزمنين، وحالة قصوى من تعادل القول مع الفعل. ثم يقاس على نمطها التباين بين هذه الأطراف كثافة ورهافة، أو سرعة وبطءً»( )، ويضمن ذلك سلم إيقاع مكون من خمس درجات هي الخوف والاختصار والمشاهدة والتباطؤ والتوقف.
يبدو استيعاب فضل للاتجاهات الجديدة، وإعادة إنتاجها في ممارسته النقدية مثار إعجاب، كما في معالجته لتعادل الإيقاع الدرامي على سبيل المثال. فوقف عند دلالة هذا الشكل الذي يعتمد على منظور ثلاث شخصيات تتبادل السرد فيما بينها بنظام لا يتسرب إليه الخلل، بل يمثل ذروة ما ينتهي إليه المؤلف من الصرامة والضبط والدقة. ثم شرح نظام السرد ووحدات القص المكونة لإيقاع الرواية الكتابي، وأورد ملاحظاته.
وأوضح فضل ميزة الأسلوب السردي في هذه الرواية وهو المفارقة بوصفها مجاز الرواية، متجنباً الغوص في الخصائص الشكلية، لأنها إما أن تعقد فوقها غشاوة، وإما أن تغيب أمام المحتوى الذي تكشف عنه بصفاء... لذلك يجب أن يكون الفن والأدب المتميز بتوظيف المفارقة مشتملاً على السطح والعمق، الغشاوة والصفاء، كما يجب أن يستحوذ على انتباهنا على مستوى الشكل إذ يوجهنا نحو مستوى المحتوى. ولهذه الخاصية الجوهرية في المفارقة، باعتبارها عوناً على ازدواج الرؤية، أو لنقل تجسيدها من أبعاد عديدة، إسهامها في تعدد دلالات النصوص الأدبية بطريقة موضوعية بارزة.
وحدد الأسلوب الغنائي بخصائصه الذاتية وبالفيض الإنشائي اللغوي والاسترسال الصوري (جمع صور)، وبإحلال الذات محل الموضوع، وبالإلصاق، وبالبعد السيري.. الخ، مما يدفعه إلى التسلح بالتأويل، فلعل الغنائية خيار فني لمواجهة شروط التاريخ الباهظة في بذخ أسطورية الواقع، تقيه، أو إحاطة بالحدود المتلاشية بين الواقع والخيال.
وأفاض في وصف خصائص الأسلوب السينمائي، وكان الأسلم والأفضل أن يسميه الأسلوب الوثائقي أو التسجيلي، نظراً لخصوصيته في تنظيم نسق خطابه، لأن الأسلوب السينمائي لا يقتصر على تقنية الوثيقة فنياً فقط، بل يتعداها إلى تقنيات أخرى تفعل فعلها في صياغة الأسلوب، فليس يكفي التقطيع أو تتالي المشهدية، أو حركية المنظور، أو الوصف الخارجي. لكن فضل يجتهد في صوغ خاص غير متكلف لأساليب السرد، حريصاً على فك مغاليق النصوص وتفريد نظامه السردي ومنظومته القيمية، لاستخراج دلالاته الكامنة، ولعله أفلح في ذلك كثيراً، كمثل قوله عن اللعبة السردية لصنع الله إبراهيم في رواية «ذات»( ).
يتجلى في كتاب «أساليب السرد في الرواية العربية» تمثل الاتجاهات الجديدة وهضمها وإعادة إنتاجها، ومحاولة الاستغناء عن شكلانيتها المفرطة، على أن فضل لا يخل بشروط قراءة منفتحة على التأويل مؤمناً أن للنص خطابه الخاص الذي ينبغي تفكيك وحداته وآلياته. بيد أن المرء يتساءل عن تعمد المؤلف في تجاهله أو إهماله لتوثيق مرجعيته ومصادره، ولا يسوغ ذلك دعواه أو دعوته لتطبيق نقدي موجه على النطاق الثقافي العام.
ويقدم عبد الله رضوان (الأردن) نقداً تطبيقياً مختلفاً عن فضل في كتابه «البنى السردية: تقنيات القص في القصة القصيرة الأردنية» (1995)، إذ يعمد إلى تقسيم شكلي متعسف غالباً، وفي الوقت نفسه لا يلتزم بالشكلانية أو بالبنيوية، أو بهما معاً. إنه أقرب إلى نقد لغوي شكلي يكاد يغيّب الأغراض أو المحتوى. ويصرح رضوان أن كتابة إلياس خوري عن القصة القصيرة في ندوة مكناس (1983) حفزه لإنجاز هذه الدراسة عن تقنيات القص في التجربة القصصية الأردنية منطلقاً من افتراضات ترى أن القصة «نظام»، أو «بنية»، أو «قول لغوي أساساً»، أو «تقنيات حيادية يوظفها القاص لتقديم خطابه ـ قوله ـ فتتخلى عن حياديتها، وتصبح جزءاً من بنية القص»، ثم اعتمد على البنيويين، ولا سيما بارت، والشكلانيين الروس، من أجل خطاطة رئيسة لأشكال تقنيات القص تشمل: السرد: أشكاله وأزمانه ومستوياته، الحوار، الوصف، التداعي، المونولوغ، اللغة باعتبارها أداة القص ـ أداة صياغة واستخدام التقنيات القصية المختلفة.
وآثر اللجوء «إلى تقسيم تاريخي قد يبدو في ظاهرة جائراً، ولكني رأيته معبراً عن تطور حركة القص في مجال استخدام تقنيات القص المتعددة، وقد اعتمد هذا التاريخي مع وعيي الكامل بتداخل النصوص القصصية بحيث لا ينجح هذا التقسيم كثيراً في وضع مفاصل مقنعة في سياق تطور ـ تجديد ـ القص»( ).
وأختار لتقسيمه منطق الأجيال، على صعوبته، وهي: الرواد الأوائل، الرواد الشباب، الشباب، الجيل الجديد، وهذا التقسيم متعسف أيضاً وغير نقدي، لأنه يعول على عمر القاص بالقياس إلى الفترة التي مارس فيها كتابته القصصية لأول مرة، وإلا كيف يكون رائداً وشاباً؟ وما الفرق بين الرواد الشباب، والشباب، والجيل الجديد؟. بالإضافة إلى سؤال هام يتصل بتجربة الرواد الأوائل الذين لا تصمد قصصهم أمام النقد الفني بالنظر إلى مستواها المتواضع.
باشر رضوان نقده التطبيقي دون مقدمات نظرية أو منهجية مكتفياً بقدر قليل من الشرح اللغوي أو التوصيف الشارح لا تلتزم باتجاه محدد أو بمنهجية محددة، فقد داخل بين تقنية وأخرى، وذكر تقنية السرد، وعزلها عن تقنية الوصف، ثم ما لبث أن عاد إليها في السياق، جاعلاً من التقنية سمة لغوية فحسب، كما في هذا الشاهد الدال على ممارسته النقدية المبسطة، واستعماله غير الدقيق للمصطلح إذ صار فيه «التحفيز»، وهو مصطلح أساس في علم السرد، مرادفاً للحركة، أي الاقتصار على معناه اللغوي: «مسألة أخرى تبرز في تقنية الوصف التي يستخدمها الرواد في قصصهم، متعلقة بأن الوصف: «يتناول تمثيل الأشياء الساكنة»( )، مما يقلل من جمالية النص القصصي القصير، الذي يظل بحاجة إلى التحفيز والحركة ليستمر بعيداً عن جمود الوصف»( )، ناهيك عن أن رضوان لم يخبرنا عن مصطلحه، ولم يوضح دلالة ملفوظيته، فما معنى «جمود الوصف» على سبيل المثال؟.
وقد راكم رضوان معلوماته عن السرد مستعيناً بمراجع مختلفة تنتمي إلى سياق واحد إلى حد كبير، هو الشكلانية الروسية وتطوراتها لدى البنيوية وما بعدها. نلمح الربط المستمر بين الشاهد المدروس من قصة ما، وبين الرأي النقدي قاصداً إلى تبسيط شارح لا يصل بنقده إلى مستوى عام أو نموذجي اعتمالاً بظاهرة أو قضية أو خاصية. واستتباعاً لذلك، فإن رضوان يمهد لكل نقد يتناول مجموعة قصصية بكلمات عامة حول السرد أو عنصر من عناصره، ويستشهد برأي أو قول أو تصنيف لناقد أو باحث أو منظر غربي غالباً، أو عربي قليلاً جداً، كما في حديثه عن مجموعة «أبو مصطفى وقصص أخرى» لأمين فارس ملحم:
«وقصص هذه المجموعة قد كتبت معظمهما في فترة الخمسينيات، ولعل ما يميزها سردياً هو بروز صيغتين سرديتين، إذ نلتقي فيها بالشكلين التاليين:
- السارد صاحب المعرفة الكلية.
- السارد الذي يشكل إحدى شخصيات الحكاية.
مع بروز لصيغة ضمير المتكلم، في تقديم السرد، وفي هذا السياق نشير إلى الأنماط النظرية التي حددها «نورمان فريدمان» في دراسته لأنماط السرد التي تبرز في صيغ تقديم الحكاية من وجهة نظر الراوي ـ السارد»( ).
أما الأنماط الذي أوردها فلا تنسب لفريدمان، بل استخدمها مثل الباحثين والنقاد الآخرين. ومن الملحوظ، أن رضوان لا يعنى بتحديداته النظرية ومرجعياتها، واذكر أمثلة لذلك ما يلي:
1- الإفراط في النقد الشكلاني: حتى لتفقد النصوص دلالتها ومعناها، أو هي تشحب وتغيب خلف تحليل سردي متقطع غالباً، وغير متجانس أحياناً، ونقتطع جزءاً من كتابته النقدية عن مجموعة زليخة أبو ريشة «في الزنزانة» مثالاً: «وهكذا تختلف بنية السرد في كل مقطع، مع بقاء شخصية المرأة قائمة في مجمل المقاطع، إن قصة «في الزنزانة»، بما تحويه من تداخلات في أزمان السرد، وتعدد في مستوياته، وتناوب في أشكال السرد تمثل أنموذجاً للقصة الأردنية المعقدة بناء، ولكنها تظل متماسكة قادرة على أن تكون قولاً قصصياً، ففي إطارها السردي يمكن أن نميز فيها الترتيب السردي التالي:
- راوٍ أكبر من الشخصية، ويعلم أكثر من الشخصية حيث تتجلى سردياً: الرؤية من الوراء.
- راوٍ مساوٍ للشخصية، يعلم ما تعلمه الشخصية بحيث تنضج سردياً: الرؤية مع.
- راوٍ أصغر من الشخصية، يعلم أقل مما تعلمه الشخصية يبرز سردياً من خلال الرؤية من خارج»( ). وشاهد الترتيب السردي مأخوذ من «بناء الرواية» لأدوين ميوير( ).
2- التداخل غير المسوغ بين الفني والأخلاقي، وكذلك مع مفاهيم ومصطلحات أخرى، كما هو الحال مع مناقشة قصص لمحمد طملية، مازجاً بين الكاتب وقصصه دون تسويغ فني أو فكري( ).
ولاشك أن أحكام رضوان السيرية والأخلاقية لا تتناسب مع نقده للبنى السردية.
3- يحول رضوان نقد لغة القصة إلى نقد لغوي مباشر، ونادراً ما يربط استطاعته اللغوية بجمالية البناء القصصي كما في إشارته عن لغة القصة عند جمال أبو حمدان، التي لم «تعد مجرد وسيلة لإيضاح الفكرة أو لإبراز السرد وأحداثه، وإنما أصبحت أداة جمالية مستهدفة لذاتها وبذاتها»( ).
4- يغلب على كتابة رضوان النقدية طابع المراجعات النقدية أو المقالات المفردة، ولا سيما القسم الثاني الذي يستأثر بصفحات كتابه من ص83 إلى ص 352. ويتناول هذا القسم أعمال تسعة عشر قاصاً، بل إن القسم الأول الذي يتناول تقنيات السرد يبدو أنه مكتوب في فترة تالية للكتابة المراجعات والمقالات الإفرادية لهذا القاص أو ذاك ليكون بمثابة التمهيد الذي يسوغ جعلها في كتاب واحد.
هنالك شهوة واضحة للأخذ بالاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، وميل كبير لاستخدام تقنياتها ومفاهيمها السردية، بيد أن ممارسته النقدية تعجز عن حمل ذلك كلّه، وإن كانت قد تطورت كثيراً باتجاه الاستفادة من الاتجاهات الجديدة عن كتابه النقدي «أسئلة الرواية الأردنية: دراسة في أدب مؤنس الرزاز الروائي» (1991) الذي يبطن هذه الشهوة ولا يظهرها، إذ غلب على نقده حينئذ الدينامية والمقدرة على التحليل والتفسير والمقارنة والحكم والميل التقليدي إلى الموضوعية وبعض لوازم المنهج الموضوعي.
على أن تغلغل الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية يتجلى صريحاً لدى النقاد والباحثين الجدد، ونذكر مثالاً لذلك أنموذجين من المغرب واليمن. أصدر عبد الفتاح الحجمري (المغرب) كتابه «عتبات النص: البنية والدلالة» (1996)، معتمداً على جيرار جنيينت في دراسته «عتبات» (1987)، بقصد تحليل بعض العتبات نصياً، وإضاءة طبيعة العلاقة التي تقيمها مع أشكال متنوعة من الخطابات، واستخلاص الروابط الممكنة بينها وبين باقي مكونات النص، ضمن بنية دلالية شمولية تراعي سياق إنتاج الخطاب وشرطه وتداوله، وتشغيل مفاهيم محددة ضمن تمثلات وتمثيلات نصية متنوعة: عتبات النص في الخطاب الإبداعي (رواية «الضوء الهارب» لمحمد برادة)، والمقدمة كعتبة في الخطاب النقدي (مقدمات عبد الفتاح كيليطو النقدية)، والحوار والاستجواب كعتبة نصية موازية لمقاربة بعض مقومات الخطاب النقدي ومساءلتها (الحوار والاستجواب عند عبد الكبير الخطيبي).
وأكد الحجمري أن تحليل العتبات يرتبط بالاختبارات التي يقدمها تصور النص الموازي Le Para****e، والأخذ بالاعتبار خاصية التجنس مدخلاً أولياً لتقريب علائق النص بالموازي النصي وفهمها في إطار شمولي، ينطلق من إنتاج العلم الأدبي، ويقف عند حدوده وأنماط تلقيه.
وتنهض خاصية التجنس على اعتبارات أساسية تخص جملة من المظاهر النصية تندرج في مفهوم التناص: معمارية النص، أنماط التعالي النصي، العبر ـ نصية، التناص أو التعالق النصي، النصية اللاحقة، الميتا نصية (هكذا كانت الترجمة؟!).
واستخلص من تحليلاته النصية ثلاث قواعد، لا تمثل قصدية حضور العتبة النصية أو غيابها فحسب، وإنما تمثل أيضاً طرائق اشتغالها، وإن على مستوى معيارية التلخيص أو التوجيه، وفي ارتباط بأطروحة المؤلف والمؤلف وتصوراته النظرية والمنهاجية في الكتابة والتحليل، والقواعد هي:
«القاعدة الأولى، وتقف عند المظهر التركيبي للعتبة النصية من حيث قدرتها التمثيلية على احتواء شروط الإنتاج النصي وبدائله، إنها قاعدة تنظر إلى العتبة في إطارها العام كنص مواز لسياق العمل الأدبي والنقدي والفكري.
القاعدة الثانية، وتعتبر العلاقة النصية علاقة تضمينية تحقق نوعاً من التجاور والتحاور بينها وبين بقية مكونات هذا العمل أو ذاك، والتضمين مقترح مركزي يستفاد منه تفصيل الحديث عن جملة من المقدمات التي تحقق نوعاً من التحليل السياقي الذي يجعل من العتبة بنية نصية ضرورية لإنتاج المعنى.
القاعدة الثالثة، وتعرض لها خاصية القراءة المتعددة التي ترتبط بتوظيف العتبة باعتبار سياقها النصي أو النصي الموازي المنفتح على مقاصد المؤلف وإمكانات الكتابة»( ).
اعتمد الحجمري، كما أشرنا، في تحديد العتبات إلى الضوابط التي وضعها جينيت، «كأسماء المؤلفين والمقدمات والعناوين والإهداءات والعناوين المتخللة والحوارات والاستجوابات وغيرها بوصفها عتبات لها سياقات توظيفية تاريخية ونصية، ووظائف تأليفية تختزل جانباً مركزياً من منطق الكتابة»( ).
إن العتبات إذن علامات تدخل في التركيب الدلالي للنص الروائي، وتحيل على مجموعة من العلاقات المشكلة للعلاقة (القصة) كمعنى، تحدد جملة من الوظائف التي تعين العمل الأدبي أو مضمونه، أو تمنح النص قيمته منجزاً بذلك ثلاث وظائف: تسمياتية، تعيينية، إشهارية. ثم يبالغ الحجمري في قيمة هذه العلامات، شأن نقاد العلاماتية السردية، فيذكر مستويات للعنوان:
اعتبار العنوان نصاً (بخصوص النص).
تحقيقه لسرّ الملفوظ الروائي.
إنتاجه لفائدة النص.
لقد عوّل النقد العلامي السردي على استراتيجية العنوان أو التسمية، ولكن اللسانيين بتركيزهم على الملفوظية وسعوا المدى اللغوي إلى مستوى النص بكامله لما يقيمه العنوان من علاقات متشابكة مع بنية النص، وعلائقه الداخلية، ولذلك كان تحذير جينيت من العتبات، وكأن إهمالها أو التقليل من شأنها يضعف الدلالة ولا يستقيم هذا مع الاستغراق الشكلاني الذي يخمل المخيلة، ويحيل النقد إلى مظهر سكوني واصف، كما في هذه المبالغة القصدية حين تضفى على التحليل، ولا تنبثق منه:
«من هذا المنظور، يتخذ عنوان رواية «الضوء الهارب» لنفسه وضعاً خاصاً في التشكل والاشتغال. إنه نواة الحكاية وبؤرتها التخييلية. وهو أيضاً أول عتبة تلج من خلالها عوالم النص، وهذا الوضع هو ما يجعل «الضوء الهارب» حضوراً وظيفياً ضمن البنية الحكائية لنص الرواية، وحضور تمظهره بقية العتبات، هكذا تستعيد القصدية المعنية لاختيار عنوان الرواية صيغاً نصية تتضمن بعضاً من أبعاده التركيبية في العديد من الفقرات والمقاطع السردية»( ).
وتتبدى هذه المبالغة أيضاً في تناوله لعتبة «أخرى هي كلمة غلاف الرواية ومقارنتها بنص الرواية، وكان الحجمري نظر إليها على أنها تتبادل التأثير مع نص الرواية أو النص عموماً، لأن الأغلفة تتغير بتغير الطبعات، وإذا كانت عتبة العنوان داخلية، فإن عتبة كلمة الغلاف خارجية، فقد لا تكون هناك كلمة، وقد يوضع تعريف بسيرة المؤلف، وقد يضطر المؤلف إلى مراعاة قضية الانتشار كالصناعة والتوزيع وأسئلة الرواج.
ووجد الحجمري في عتبة ثالثة مثل الإهداء أهمية خاصة لتعالقاته النصية، بوصفه «أحد المداخل الأولية لكل قراءة ممكنة للنص، وفق ما رام هذا التحليل إلى إبرازه وتوضيحه». ولربما كانت عتبة الاستهلال وظيفية أكثر من بقية العتبات، لأننا نقتطع النص ـ المطلع، والحجمري لا يتقصى المصطلحات المستعملة، فالاستهلال، برأيه، استشهاد موضوع في الحاشية، عادة في بداية العمل الأدبي، أو في خارج العمل.. وإنما تعني بعد الإهداء، إن وجد هناك إهداء، وقبل المقدمة. من هنا يصبح التساؤل عن متلفظ الاستهلال أمراً أساسياً لفهم سياق توظيفه، فمن هو المؤلف الواقعي أو الوهمي لنص الاستشهاد، ومن الذي يختاره ويقترحه». ويطلق النقد على نص الاستشهاد مصطلح «العبارة المفتاحية» وقد يكون المؤلف هو واضعها، وقد تختفي أمثال هذه العبارات المفتاحية عن كتاب برمته، ولكن الحجمري يعاملها كمتلفظ( ). ويستفاد من هذا الملفوظية قاسم بغداد التوضيح أن الملفوظية نتاجتوجيهه الداخلي، أما العبارات المفتاحية فهي نتاج خارجي، وقد لا تندغم في معنى النص، أي أن الاستهلال المفضي إلى عبارة مفتاحية قد يكون مطية. والسؤال هو إلى أي حد نعد الاستهلال المقبوس من غير نصوص الكاتب، في فعلية النص، وهو موجه خارجي؟ وهل هو جزء من القول الفاعل Illocutoire؟ وكان مؤلف «الملفوظية» أوضح «أن الألسني الذي يسعى إلى تعريف مفاهيم فعّالة Operatoircs لا يمكنه الاستفادة من مفهوم الموّجه إلا إذا قلل من عموميته، وإحدى الطرق الممكنة لذلك هي، قبل كل شيء، استلهام المفهوم المنطقي، والاهتمام الشديد بأقل الأدلة Indice الشكلية لخاصية وتوجيهية معينة، وأيضاً وضع حد مهما كان واهياً ـ بين الموّجه من جهة، والإنجازية Performativite من جهة أخرى، وإذا ما اتبعنا هذه الطريقة فسنصل إلى تمييز الموجّه عن الظاهرة العامة التي ينتمي إليها، والتي يمكن تسميتها بالتوجيه Roodalisation، وتعريفها على أنها انعكاس في اللغة لحقيقة أن ما يمكن للإنسان أن يكونه، أو يشعر به أو يفكر به، أو يقوله، أو يفعله يندرج في إطار منظور خاص»( ).
ورأى الحجمري في عتبة أخرى هي «عتبة الشكر والتنويه» «إعلاناً للحكاية وعناصرها من داخل الحكاية. إنها أيضاً عتبة هامش مرجعي توظفه رواية «الضوء الهارب» في نهاية مادته الحكائية على مستويين:
1- استثمار حكاية شفوية لأحمد المرابط «مرض الزمن» على لسان صديق العيشوني (الرواية ص ص 32-33).
2- استثمار حكاية «آحاد الآنسة بونون» لجاك لوران ضمن المحكي، وعلى لسان فاطمة (الرواية ص130 وما بعدها).
من هذا المنظور، تبرز هذه العتبة انفتاح المحكي في «الضوء الهارب» على بنيات حكائية لها علائق محددة بسياقات الحديث الروائي ومواقف شخصياته، وهي المواقف التي تكشف عنها طبيعة اختيار الحكاية، وتمظهرها نوعية البنية التعليقية المصاحبة لها، لاستثمار الحكاية إذن، بمستواها الأول والثاني، في هذا النص الروائي، مقصدية موجهة تمنح لاختيار الفضاء مقاماً أولياً لتأكيد سياقات التعالق الحكائي»( ). وهذا يعني أن الحجمري يوسع مفاهيم التناص إلى المرجعية التاريخية والسيرية، أي إحالة داخل النص إلى ما هو خارجه في غير ما هو مدون، إتاحة لمدى التأويل الذي يبلغه في معاينة المؤشر الزمني بانفتاح الرواية على زمن الكتابة، لتغدو «عتبة الشكر والتنويه مكوناً مرجعياً مدمجاً ومنصهراً ضمن نص الرواية، متصلاً غير منفصل عنه»( ).
ربما كان هذا لا ينسجم من نقد يعنى بالبنية ويتوسل إلى دلالتها نهاجية معرفية تدعي العلم، بينما هو، كما لاحظنا يعاني من التعميم ويستعين بمرجعية خارجية تسوغ تعالقاته مع مؤشرات ووقائع غير مدونة. واعتقد أن الخوض في الاتجاهات الجديدة تطبيقياً يستدعي تدقيق صلاحياتها لنصوص أدبية عربية، والأهم تمحيص مفاهيمها وآلياتها الداخلية ضمانة للاتساق والانسجام نحو التقليل من التعسف والمبالغة والولع بالشكلانية، وهذا واضح أيضاً في مبحثي الكتاب الأخيرين عن عتبة المقدمة في كتابات عبد الفتاح كيليطو النقدية وعتبة الحوار والاستجواب عند عبد الكبير الخطيبي، وإن كانت أقل اندفاعة في ذلك الولع الذي ساد المبحث الأول، أي أن قابليات تطبيق الاتجاهات الجديدة مرهونة باستعمالها النقدي والمعرفي على ثرائها وتنوعها وتعقيدها.
والتزمت آمنة يوسف (اليمن) الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، ولا سيما المنهج البنيوي الشكلي في كتابها «تقنيات السرد في النظرية والتطبيق» (1997)، وأبدى عبد الملك مرتاض ارتياحه، في تقديمه للكتاب، لاجتهادها وحرصها الشديد على التعلق بالجديد، وعلى الرغم من أنها سلكت المنهج البنيوي «الذي كأنه اغتدى اليوم من قبيل التاريخ»، إلا أن ذلك «لا يقلل من أهمية بحثها الذي نود أن يظفر فيه القراء الأكارم بفائدة وغناء، لأن المناهج والمذاهب الأدبية التي تذبل وتتساقط في مواطنها (وينصرف الوهم هنا إلى فرنسا خصوصاً، وهي البلد الذي صدّر المذاهب الأدبية بمقدار ما صدّر الألمان المذاهب الفلسفية)، قد نكون نحن لا نبرح لها من الجاهلين»( ).
وبينت الباحثة نفسها أن تقارب عدداً من التقنيات السردية التي تنطلق من بنية الرواية اليمنية، لأسباب كثيرة ذكرت منها جدة الموضوع الذي لم تجد الباحثة دراسة منهجية سبقتها إليه، وتوافر المعطى الروائي الذي يسمح بمقاربة عدد من تقنياته السردية المختلفة، وقصد التجريب الفني الذي ينطلق من المنهج البنيوي الشكلي الذي يقارب بنية السرد الروائي من الداخل (الفني)، لا من الخارجي (المرجعي)، «والشعور بمسؤولية النقد التي تتبلور، مثلاً، في إضاءة الطريق أمام الروائي كي يكتب شكلاً حديثاً، ذا اتجاه محدد الرؤية والهوية الفنية»( ). وقد آثرت يوسف أن تقرن النظرية بالتطبيق، في دراستها لثلاثة نماذج روائية تنتمي إلى ثلاثة اتجاهات مختلفة، نسبياً، وتتفاوت برأيها، من حيث المستوى الفني لكل واحدة منها عن الأخرى، وهي:
«الرهينة» لزيد مطيع دماج، نموذجاً للرواية الواقعية (التقليدية).
«السمار الثلاثة» لسعيد عولقي، نموذجاً لرواية تيار الوعي (الحديثة).
«مدينة المياه المعلقة» لمحمد مثنى، نموذجاً للرواية الجديدة (أو الواقعية المعاصرة).
أوضحت يوسف أنها لا تتوخى المنهج البنيوي الشكلي الذي ظهر منذ أوائل هذا القرن، لدى الشكلانيين الروس،ثم انتهى، مات (هكذا؟!)، بل «المنهج البنيوي المعاصر السرداني (الحي) الذي تبلورت (وبرزت) آراء منظريه، منذ أواسط هذا القرن.. وعلى يد جملة من النقاد الفرنسيين على وجه الخصوص من قبيل: ستيفان (والأصح هو تزفيتان) تودوروف، وجيرار جينيت ورولان بارت وجوليا كريستيفا وسواهم.. ممن انطلقوا، في رصد آرائهم النقدية، متأثرين، أساساً، بآراء مدرسة الشكلانيين الروس (1915-1930)، وبأبحاث العالم اللغوي السويسري دي سوسير (1857-1913)». على أن مثل هذه الآراء قابلة للنقاش، فكيف تموت الشكلانية وما تزال مؤثرة في المنهج البنيوي الشكلي الذي تلتزمه؟ وكيف تجد أن هذا المنهج الذي تلتزمه تبلور منذ أواسط القرن، بينما اكتشفت نظرية المنهج الشكلي في فرنسا في مطلع الستينيات؟.. الخ. إن ثمة آراء غير سليمة وتجافي الواقع الذي تطور فيه المنهج البنيوي الشكلي.
لم تخفي يوسف تآثرها بجينيت على وه الخصوص، وإن غلب على تطبيقها النقدي مسوح من التبسيط، تجنباً لتعقيدات منهجه، والمنهج المختار عموماً. وقد قاربت تطبيقها من خلال عدد من الرؤى السردية وأنواع الرواة، وفي ذلك تتبدى نزعتها التبسيطية، على النحو التالي:
1- الرؤية الثنائية، التي تنطلق من بنية السرد في رواية «الرهينة»، وتجتمع فيها رؤيتان سرديتان هما: الرؤية الداخلية، والأخرى الخارجية (التقليدية). وهنا نجد أن الباحثة لا توضح معنى التقليدي، وتتعدد استعمالاتها لهذا المفهوم، كما في وصفها للواقعية/التقليدية، ولا يشير تاريخ المذاهب النقدية إلى مثل هذا المذهب.
مثلما يجتمع فيها راويان اثنان، هما: الراوي بضمير «الأنا»، الذي ينطلق من أسلوب السرد الذاتي، والراوي بضمير «الهو»، الذي ينطلق من أسلوب السرد الموضوعي، وهما راويان، افترضت الباحثة أنهما ينتميان إلى النوع الثاني من أنواع الرواة في السرد الروائي العربي، الذي يبرز فيه راويان متصارعان أو متناقضان، بالقياس إلى موضوعهما المشترك. ولعل الباحثة تشير إلى مبدأ التعدد الحواري الذي لا يؤدي بالضرورة إلى التصارع أو التناقض، وإنما التنوع والتعدد والاختلاف.
2- الرؤيتان السرديتان، المتعددة (الحديثة) والخارجية (التقليدية)، وهما الرؤيتان اللتان تنطلقان من بنية السرد في رواية «السمار الثلاثة»، حين يتناوب الراوي التقليدي، بضمير الهو، مع أبطاله الثلاثة، في الرواية عن حياتهم الفنية والاجتماعية، مفسحاً المجال لهم كي يعبروا عن رؤاهم السردية المتعددة، عبر ضمير الأنا. ومنحازاً من ثم، إلى رؤاهم ومواقفهم المختلفة، على غرار النوع الأول من أنواع الرواة. ولا يخفى أن الباحثة قصرت مصطلح «وجهة النظر» في النقد الإنجلوسكسوني، ومصطلح «التبئير» في النقد الفرنسي الجديد، إلى أضيق حدوده على أنه يعبر عن رؤية سردية أو منظور سردي.
3- وعاينت الباحثة ثلاث رؤى مختلفة في رواية «مدينة المياه المعلقة»، هي الرؤية الداخلية التي تجيء في شكل مناجاة (مونولغ داخلي) على طريقة تيار الوعي، والرؤية الخارجية (التقليدية والجديدة) (وكانت سمتها الحديثة من قبل!) التي يبرز فيها تارة الراوي بضمير الهو، الذي ينطلق من أسلوب السرد الموضوعي، في بنية الرواية التقليدية (الواقعية). وتارة أخرى، يبرز فيها الراوي الشاهد، الذي ينطلق ـ أيضاً ـ من أسلوب السرد الموضوعي. غير أنه في بنية الرواية الجديدة، الأسلوب الأكثر موضوعية، الذي تكون فيه عينا الراوي، الشاهد بمثابة الكاميرا السينمائية التي تلتقط الصور والأشياء التقاطاً، آلياً، خارجياً، محايداً. وتتلامح في هذا الاستعمال للاتجاهات الجديدة إشارات للتراث السردي في النقد الانجلوسكسوني كما عند ا.م. فورستر في «أركان الرواية»(1927)، وبوث في «بلاغة القص» (1961)، وهما أسبق بكثير من النقاد الفرنسيين الذين أشارت إلى امتلائها بهم. ولدى مناقشتها لبنية الزمان السردي، اقتصرت الباحثة في مقاربة معظم التقنيات على نموذج روائي واحد، يكاد يكون زمانياً خالصاً في مجمل بنيته السردية، هو رواية «السمار الثلاثة»، التي تسيطر عليها، إلى حدّ كبير، تقنيات تيار الوعي الحديثة، المنهمرة عبر الذاكرة والتداعي الحرّ والخيال والحلم والمونولوغ الداخلي، وما إلى ذلك، ونلاحظ أن هذه التقنيات لا تنتمي لجنييت وأضاربه، بالقدر الذي تبسط فيه أيضاَ تقنيات من المنهج الموضوعي الباشلاري وما سمي بالنقد الجديد الانجلوسكسوني.
وفي مستوى تال، انطلاقاً من مستويات الزمان السردي الثلاثة، حسب تصنيف جينيت، قسمت الباحثة التقنيات إلى قسمين، هما:
أ- تقنيتا المفارقة السردية، أي التقنيتان اللتان تقعان في مستوى النظام، الأول، حين لا يتطابق النظام في الزمنين، زمن السرد وزمن الحكاية، وينشأ عنهما تقنية الارتداد، بأنواعه الثلاثة: الخارجي والداخلي والمزجي، وتقنية الاستباق (أو الاستشراف).
ب- تقنيات الحركة السردية، وهي التقنيات التي تقع في مستوى «المدة» الثاني، الذي يُعنى بقياس سرعة السرد، التي تترواح بين التسريع والإبطاء، بشكل تبرز معه التقنيات أو الحركات الأربع: تقنية التلخيص، وتقنية الحذف، وهما تعملان على تسريع حركات السرد، وتقنية المشهد وتقنية الوصف، وهما تعملان على إبطاء حركة السرد، بشكل يوهم القارئ بتوقفها عن المضي، أو بتطابق الزمنين، زمن السرد وزمن الحكاية، مما يسهم في الكشف عن الأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصيات الروائية، ويفيد ذلك تعديل الباحثة لتقسيم جينيت ليسهم في الكشف المذكور، بالإضافة إلى التبسيط . وقد اعترفت الباحثة بمثل هذا التعديل والتبسيط، لاعتقادها أن المنهج البنيوي الشكلي، منغلق على نفسه، انغلاقاً جعلها «لا تطيل الوقوف كثيراً عند بعض الوظائف البنيوية التي تؤديها للسرد، تقنياته المختلفة»( )، متنبهة إلى انغلاقها عن الأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصيات الروائية، مما دعا إلى تعديل حذر «خشية الانزلاق إلى مناهج أخرى، كالمنهج النفسي أو الاجتماعي.. أو سواهما.» واعتقدت أن المراجع الناجزة في منهجها قليلة، وليس ذلك صحيحاً، كما رأينا من قبل، ولعله تعذر حصولها عليها أو الاستفادة منها. ودافعت عن هذا المنهج الذي يتهمه خصومه بأنه يلغي التاريخ والمجتمع والإنسان( ).
ثمة التباسات في تقدير الباحثة لمفهوم الإحالة الخارجية، لأن المناهج الاجتماعية والنفسية والأسطورية لا تستند إلى مثل هذا المفهوم، وهي تطورت كثيراً وصارت في صلب الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، غير أن الباحثة قامت بمحاولة جريئة تؤكد الامتلاك المعرفي والمنهجي لهذه الاتجاهات الجديدة لدى طلائع النقد في الوطن العربي.
3-2- قضايا في السرد:
غلب على النقد التطبيقي المتصل بالاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية العناية ببعض قضايا السرد. وكانت جهود عبد الله إبراهيم (العراق) من المحاولات الأكثر استفادة والأكثر تماسكاً منهجياً، وهذا واضح في كتابه «المتخيل السردي: مقاربات نقدية في التناص والرؤى والدلالة» (1990)، وقد جمع فيه عدداً من مقالاته وأبحاثه، مشيراً إلى اشتداد عود التحليل السردي للقصة والرواية العربية باعتباره مظهراً من مظاهر هذه الاتجاهات الجديدة.
واختار نماذج من التأليف القصصي في العراق، بالإضافة إلى مجموعة قصصية من مصر لبهاء طاهر. وانطلق في مقارباته النقدية من إشكالية الرؤية والمنهج في النقد الأدبي العربي الحديث، وهي طالما عولجت على أقلام الباحثين والنقاد، وها هو ذا إبراهيم يعزف كثيراً من المعزوفات المتواترة، فيحدد مفهومي الرؤية والمنهج، موضحاً مدى تداخل هاتين الركيزتين في العملية النقدية، وموجهاً اهتمامه إلى ضرورة «إعادة النظر في المنجز النقدي العراقي الحديث المتعلق بالقصة القصيرة والرواية، للوقوف على حالة هذا المنجز النقدي!» ( ). وقرر ابتداء أنّ المتابعات النقدية السريعة في الصحف والمجلات تفتقد تماماً الرؤية والمنهج، وهو تعميم لا يجدي في تشخيص الوضعية واستنطاقها دلالات معينة، فثمة ما تنشره المجلات ذو قيمة نقدية، يضاف إلى ذلك أن وضعية النقد تؤخذ من الكتب بالدرجة الأولى.
وثمة تعميم آخر لا يتناسب مع الدقة العلمية والسلامة المنهجية التي يتحلى بها نقد عبد الله إبراهيم التطبيقي، حين يقول: «لقد بدأ النشاط النقدي في مجال دراسة القصة القصيرة والرواية ونقدهما في العراق انطباعياً، وكان البحث فيه متركزاً حول قدرة الكاتب التعبير عن مكونات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي»، ومن دواعي الحكم بالتعميم أيضاً أن الناقد لا يحدد فترة البداية ويتصف بحثه على العموم بلغة التعميم، كأن يذكر «أن معظم الدراسات النقدية التي نحت هذا المنحى، لم تكن تهدف إلى مقاربة حقيقية للنص، بل كانت دراسات وبحوثاً اجتماعية أو نفسية أو تاريخية، لسبب بسيط، كونها تدور حول النص، ولا تتجزأ على ملامسته، وإن حدث، واستطاعت أن تقترب إليه، فذلك لكي تسقط عليه مما توفرت عليه من مقولات الواقع الخارجي، أي جعله حقلاً لمجموعة من المعارف المتراكمة عبر التاريخ»( ).
الصحيح، أن حال النقد لا تختلف كثيراً عما ذكر، غير أن جوانب أخرى مختلفة لا تحتمل لغة التعميم، والأجدى أن يورد نماذج مؤيدة لأحكامه المطلقة، وكذلك كان حكمهُ على شيوع النقد الأيديولوجي في مراحل محددة: «وصار النص المثالي هو الذي يتيح للناقد، بسهولة، تطبيق موروثه الفكري وحيثيات النظم الأيديولوجية التي وصفت في كتب الفكر، أو استمدت من الواقع»، بيد أننا سنلتفت عن هذه الاطلاقية، إلى الجوهر المهم في بحثه، وهو نقد الأخذ الحرفي للاتجاهات الجديدة دون مراعاة منهجية جديدة توافي النصوص العربية، فتتحول «العلمية النقدية التي تستعير آليات التحليل عن ذلك المنهج، وجهاز مفاهيمه الخاص، إلى عملية قسرية لا تهدف غير استنباط ما يتفق وآليات المنهج المستعار، وتبدأ آنذاك قضية رغاية في الخطورة، ألا وهي الاستغناء عن كل ما لا يتطابق ومفردات المنهج، وحشد كل ما يتطابق معه، ويصبح الهدف هو المطابقة بحدّ ذاتها، لا المقاربة النقدية الخاصة»( ). وأورد مثالاً لذلك تطبيق المنهج المورفولوجي الذي اجترحه بروب عن بنية الحكاية الخرافية الروسية، ومحاولة تطبيقه على القصة القصيرة أو الرواية. إنّ أي استعارة كاملة لآليات منهج دونما مراعاة خصوصيته موضوع الدرس ـ حسب عبد الله إبراهيم ـ يقود دون شك إلى إخضاع المادة الأدبية كلية إلى موقف مسبق، وسيتم إقصاء كل ما ليس له علاقة بذلك المنهج، وعمل غير هادف مثل هذا سيقود إلى الوقوع في العدمية، ويتبع هذا أن يتحول النص القصصي أو الروائي إلى مجموعة من المقولات الجامدة التي تستظل بظلال المصطلح الجديد الذي فرضه منهج بروب، دونما تمثل لما تنطوي عليه من رؤية ومن خصوصية في المعالجة والتحليل حسب الجنس أو النوع الأدبي، أو حسب الظاهرة الإبداعية.
يفيد حديث الخصوصيات الثقافية عند ابراهيم في تدعيم أبحاث الهوية في الأدب والنقد. ولذلك دعا إبراهيم إلى بديل نقدي يحول «العملية النقدية إلى معرفة إبداعية أصلية»، وإلى حسم القضايا الإجرائية الأولية، ليستطيع النقد الجديد «أن يواصل حفرياته بالاتجاه الذي يختار، وبالعمق الذي يستطيع، فأرض الخطاب الإبداعي واسعة وخصبة، ولا بد من تحقق المعرفة في الذي ينتدب نفسه لذلك، ولا بدّ أن يكون نتاج حفرياته معرفياً، كيما يكون عمله مسوغاً»( ).
لقد ميز إبراهيم شغله في النقد التطبيقي بحرصه على الهوية المتمثلة في وعي الخصوصية، ونلمس ذلك في تعضيد مشروعه النقدي، متفرداً برؤيته الخاصة في السرد، حين عبر بصراحة أن بحثه «يصدر عن رؤية ترى أن المعارف تتحاور ولا تحترب، وعليه فإنه مدين لبعض ما توصلت إليه البحوث المعنية بالسرد، لكنه يبدأ من تصور مغاير، فهو، لا يتعمد على ثنائية الخطاب والحكاية أو مستوى الأقوال والأفعال، شأن التيارين الرئيسين في السرديات التي وقفنا بإيجاز على اتجاهاتها». وشرح اختلافه في رؤيته «أن المادة الحكائية» ما هي إلا «متن مصاغ» صوغاً سردياً، وهذا المتن، إنما هو خلاصة كما هي العناصر الفنية الأساسية، وهي الحدث والشخصية والخلفية الزمانية ـ المكانية، بالوسائل السردية التي نهضت بمهمة نسجها وصياغتها. وعليه، فالمتن، لا يمكن أن يكون، بالنسبة لهذا البحث، هو الحدث لوحده ـ أو الوظائف التي تنهض بها الشخصيات، أو الإطار الذي ينتظمها. إنه «كتلة» متجانسة مصاغة صوغاً فنياً، وتتكون خصوصيته من تداخل عناصره على نحو خاص يميزه عن غيره، وبهذا، فإن الصوغ ذاته لا يتجزأ عن المتن، بل يعطيه صورته ووجوده»( ).
وقد أعمل إبراهيم اجتهاده في رؤيته تطبيقياً على قصص وروايات من العراق، مثل تصنيفه للمتون في مبحث الزمن، ما دام ثمة أربعة نظم أساسية، تستأثر بالصياغات البارزة في الخطابات السردية التي انتهت بوصفها عينة للبحث، وهي التتابع والتداخل والتوازي والتكرار، وثمة تعديل في هذه النظم بتأثير النظرية النسبية والنظرة العلمية ما انعكس على تناوب الضمائر في صلتها بالزمن، فأحدث نمط التكرار، ولا تكتفي فيه بعض المتون بأن تقدم مرة واحدة، وإنما تعتمد نظاماً يكررها أكثر من مرة، تبعاً لعدد الشخصيات المشاركة في المادة الحكائية، وهذا يؤدي إلى أن يعاد تقديم أجزاء كبيرة من المتن، وربما المتن كله أكثر من مرة.
تتميز تعليلات إبراهيم بطزاجتها وخصوبتها واستنادها إلى اختبار لمصدرها، وفي استعمالها المباشر في نقد النصوص، استيعاباً وتطويراً للسرديات في النقد العربي الحديث. ولنلاحظ نموذجاً لذلك في تقديره النهائي لنظام التكرار، والمتن فيه تعاد روايته، وهذا يؤدي إلى ضمور حركة الزمان في الحركات اللاحقة حيث تعاد الخلفية الزمانية والمكانية ذاتها. كما تتكرر الوقائع والأحداث والشخصيات، فجميع مكونات المتن، باستثناء رؤية السارد، تظل ثابتة، لكن الرؤية مختلفة عن غيرها في كل مرة، بما لا يخلخل تعاقب المتن زمانياً( ).
أثار إبراهيم العديد من قضايا السرد في كتابه، بلغة نقدية مستوعبة ودقيقة، ومنها: تناص الحكاية في القصة القصيرة، وظيفة الرؤى في القصة القصيرة، استنطاق الخطاب وتعويم المرجع، نظم صوغ المتن الروائي، الوظائف البنائية للرؤى في الرواية. ويتصف نقده التطبيقي بالصفات التالية:
المعرفة النظرية وتجانسها.
الوضوح المنهجي واتساقه.
معارضة المرجعية الفرنسية بمرجعيات أخرى مثل الإنجليزية.
الانشغال بإثارة أسئلة النقد.
الصدور عن مشروع نقدي.
النفور من الاستطراد والشرح إلى بلاغة جديدة قابعة ضمن المتن الحكائي نفسه.
ومن الواضح، أن إبراهيم يطوع إنجازات الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية لرؤيته النقدية بما يجعل من ممارسته النقدية، ولا سيما اجتهاداته البينة، خطوة على طريق الاستقلال الفكري، فهو ينطلق من موقف نقدي صريح لهذه الاتجاهات الجديدة.
ولا يعفينا ذلك من الإشارة إلى شيء من غلبة الدرس السردي بمفاهيمه وآلياته وإجراءاته وشبكة علاقاته على مطمح شغله المعلن «التناص والرؤى والدلالة»، وهو شغل يحتفي بالمعنى بالدرجة الأولى، لابالشكل، وهذا ما استدركته مناهج متعددة لما بعد البنيوية.
وأعلن فاضل تامر (العراق) في مفتح كتابه «الصوت الآخر: الجوهر الحواري للخطاب الأدبي» (1992)، ضرورة مواجهة التحدي الحضاري الجديد وهذا الانفجار النقدي والنظري والمعرفي الواسع والانهماك بشكل جدي في عملية إعادة تشكيل رؤياه النقدية في ضوء كشوفات العصر الكبرى»، وربط ذلك، صريحاً أيضاً، بسعي «الناقد العراقي لإعادة اكتساب ذاته، بل وأدرك هذا الناقد أهمية أن يكتشف بتجربته الخاصة طريقه النقدي الخاص وصولاً إلى التميز والخصوصية، ولكي لا يضيع صوته بين حشد الأصوات المتشابهة»( ). وظهر ميل تامر الرئيس إلى التعامل مع الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية على أنه ينادي في ممارسته النقدية بما سماه «رؤيا نقدية سوسيو ـ شعرية جديدة» ترفد عمليات الوعي النقدي المحتدمة في الواقع النقدي في العراق منذ أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينات، وتتبدى مظاهر هذا الوعي النقدي «بإعادة بعض النقاد المعروفين تشكيل رؤاهم النقدية في ضوء الكشوفات والمعطيات النقدية والمعرفية الجديدة، كما اقترن ذلك بظهور أصوات نقدية شابة تفتحت تجاربها النقدية داخل إطار الوعي النقدي الجديد»( ).
يعتقد تامر بتساكن المنظورات والمقاربات والمناهج والقراءات النقدية داخل هم حداثي مشترك يتركز على النص الأدبي ذاته. وينتقد تامر الامتثال إلى النظرة المحايثة للنص، وهي خصيصة شكلانية، تكتفي بكشف المستويات الألسنية والسيميولوجية «الإشارية» للنص، قاصداً إلى «استكناه الخيوط السرية التي تشدّ النص إلى سياقه ومرجعه الخارجيين: التاريخ، الواقع، المؤلف، القارئ، منظومة القيم الاجتماعية والأيديولوجية، اللغة، التراث، وكّل الأشياء المادية والروحية المرئية وغير المرئية التي تقع خارج النص، وتتشكل فنياً داخله على مستوى التناص، بوصفها مكونات نصية داخلية، لا بوصفها مقولات مجردة، أو مظاهر معنوية أو أشياء حسية ملموسة ومعزولة عن تشكلها الجمالي والبنائي داخل فضاء النص». ويلاحظ أن تامر معني بتبعات الموقف من قضية الشكل مما هو سائد في الساحة النقدية العربية إلى وقتنا الراهن، فيجد أن رؤياه «نقدية واقعية حداثية ترفض تغييب الإيديولوجي و السوسيولوجي والتاريخي لحساب الجمالي والشكلاني والنهلستي (العدمي)» ( )، أي أن نقده ليس بمنجاة من ذيول هذه القضية المزمنة، فدعا، لتجنب ذلك أو التقليل من وطأته إلى «ضرورة الدمج الفعال والجدلي بين الأدوات المنهجية والإجرائية للرؤيا النقدية الحداثية، بما فيها من وصف وتحليل وتأويل من جهة، وبين منظومة القيم الإنسانية والاجتماعية التي تزخر بها التجربة الإنسانية وصولاً للكشف عن «رؤيا العالم» التي يكشف عنها النص على حد تعبير لوسيان غولدمان»( ). وهكذا، اهتدى تامر في صوغ طريقته بالبنيوية التكوينية، وعالج في ضوئها بعض قضايا السرد في الباب الأول «الصوت الآخر في الخطاب القصصي والروائي»، ولعله نظر إلى التقنيات أدوات إجرائية لا تستلزم صدورها عن طبيعة تكون نهاجيته الجديدة، فاستعار مصطلحي «البوليفونية» و«المونوفونية» من باختين في بحثه «من رواية الصوت الواحد إلى الرواية متعددة الأصوات»، وتتبع جانباً من رحلة المصطلح في الاتجاهات النقدية الجديدة، عند اوسبنسكي وليون سومرليان من كتابه Technigues of Fiction Rriting ولوكاش وباختين من دراسة لبرابها كراجها في مجلة ديوجين (1986)، ممهداً لدراسته «النزعة الحوارية في النزعة متعددة الأصوات» على أنها تعادل تعددية أشكال الوعي، بينما وضحها، تالياً اعتماداً على باختين نفسه، مجموعة العناصر الحوارية المختلفة، بالإضافة إلى اللغات وأصوات الشخصيات الأجنبية والغيرية ضمن تأليف نغمي وسمفوني متكامل شبيه بالفوغ بلغة الموسيقى الحديثة. ثم استغرق في نظرية باختين شارحاً إياها، فذكر على سبيل المثال أن النزعة الحوارية تتمظهر في العمل الروائي مجسدة في الأنماط الحوارية الثلاثة التالية: التهجين، العلاقات المتداخلة ذات الطابع الحواري بين اللغات، أو ما يسمى بتعالق اللغات القائم على الحوار، والحوارات الخالصة. وكانت هذه الشروح النظرية تمهيداً لاستقصاء بعض مظاهر تشكل الرواية، متعددة الأصوات في مسيرة الرواية العراقية، من خلال أربع روايات عراقية، كمرحلة أولى، ظهرت خلال عقود العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات هي «جلال خالد» لمحمود أحمد السيد، و«مجنونان» لعبد الحق فاضل، و«الدكتور إبراهيم» لذي النون أيوب، و«اليد والأرض والماء» لأيوب أيضاً. ولاحظ أن السمة الغالبة على نتاج تلك المرحلة «يتسم بهيمنة النمط المونولوجي الذي يهيمن فيه صوت المؤلف ورؤياه وأفكاره على العمل الروائي، مما يجعل هذه الروايات تنتمي إلى نمط رواية الصوت الواحد، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة غياب بعض ملامح البوليفونية داخل هذه الأشكال الروائية الرائدة»( )، وبذلك انغمس تامر فيما حذر منه عبد الله إبراهيم وسماه «إخضاع المادة الأدبية كلية إلى موقف مسبق»، وكان الأجدى لو عاين هذه النصوص من داخلها مثلما ألزم نفسه بمفاهيم نظرية وفكرية وإجرائية في مفتتح كتابه. ومن الواضح، أن تغليباً لهذه النزعة طغى على كتابته النقدية، كما في مثل هذه الاستنتاجات( ).
بيد أن هذه النزعة تخفت في مواقع أخرى، تراعى معها خصوصية النص إلى حد مقبول، كما هو الحال في تناوله للتناص والنص الغائب في رواية «اللعبة» ليوسف الصائغ، وفي تناوله للمنظور السردي ووجهة النظر عاملاً من العوامل المساعدة على إنضاج المنظور البوليفوني في الرواية متعددة الأصوات، وهو تمهيد آخر لدراسة الرواية العراقية في الستينيات وبدايتها الناضجة للرواية متعددة الأصوات، ولا سيما رواية فؤاد التكرلي «الرجع البعيد» بوصفها ذروة الصوغ الفني للرواية متعددة الأصوات.
يمثل شغل فاضل تامر حول بعض قضايا السرد خطوة أخرى في التملك المنهجي للاتجاهات الجديدة من منظور نقدي، على الرغم من النزوع الإملائي لتقنيات سردية قد تجافي خصوصية النصوص العربية، ونلمح هذه التباينات في أكثر من مقالة وبحث، مثل «المروي له: وظيفته وموقعه في البنية السردية» و«من ثنائية المتن الحكائي/ المبنى الحكائي إلى ثنائية القصة/ الخطاب».
وواجه أحمد اليبوري هذه الإشكالية في كتابه «دينامية النص الروائي» (1993)، فهو يعتمد على السيميائيات الدينامية اقتراباً من المعنى الذي أعطاه إياها جورج ماري G. Mary في دراسته «من الصور إلى البنيات»، وفي الوقت نفسه ينطلق من النص أساساً، تفكيكاً وإعادة تركيب، ومتقيداً بهذه النصوص، في خصوصيتها وتنوعها «بما يجعلنا في مأمن نسبي من الوقوع في أوهام التصورات المسبقة، والتأويلات المرتبطة بها»( ).
وكان اليبوري أوضح أن عمله «استفاد من السيميائية والسيميائية الدينامية، والسوسيو نقد والتحليل النصي في إطار لا شعور النص، ومن نظرية التلقي، وغيرها من المناهج التي تسعى إلى تأسيس مقاربة ملائمة للنصوص الأدبية عامة، والروائية بصفة خاصة، وذلك ما يعني تحليلها وفق قواعد ومفاهيم إجرائية، في إطار التكامل المعرفي»( )، أي أن اليبوري يعتمد ثلاث مسائل متلازمة، الأولى حرصه على نهاجية معرفية ونقدية مستمدة من الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، والثانية الابتعاد عن النزعة الإسقاطية والإضفاء المسبق، والثالثة انطلاقته من النصوص نفسها، بعيداً عن أحكام القيمة والتأويل المبالغ فيه، لأن كل رواية تطرح أسئلتها الخاصة، سواء على مستوى التكون الأجناسي أو المستويين البنائي والدلالي، فرصد اليبوري في مرحلة أولى، مسألة التكون النصي في روايتي «الزاوية» للتهامي الوزاني، و«المعلم علي» لعبد الكريم غلاب، وعلاقة المرجعي بالاستطيقي في مرحلة ثانية، في «الغربة» لعبد الله العروي، و«لعبة النسيان» لمحمد برادة، واشتغال النصي في اللاشعور في «المرأة والوردة» لمحمد زفزاف، و«بدر زمانه» لمبارك ربيع، و«اشتباكات» للأمين الخمليشي في مرحلة ثالثة، بينما رأى أن التنويع على «العلاقة» في إطارها العبر لساني، وما يقتضيه من تطويع لأدق تقنيات السرد والبناء، من أهم سمات المجموعة الروائية الأخيرة: «الجنازة» لأحمد المديني، و«أخلاق بقرة» لمحمد الهرادي، و«المباءة» لمحمد عز الدين التازي.
لا يرتهن اليبوري لإنجازات السردية بصورتها الناجزة لدى أعلامها، بل يتعامل مع أطروحاتهم في صوغه الخاص لها، وهو يطبقها على نصوص روائية عربية، فيكتفي بعرض موجز لطريقته وتعريف دقيق لشبكة مفاهيمه النقدية. ومما يجدر ذكره أن اليبوري نفور من الشرح والإنشاء اللغوي من أجل ممارسة نقدية تعي ذاتها، وتستقيم في لغة دالة منضبطة، وعندما تحدث عن النص، على سبيل المثال، لاحظ أن النظرية السيميائية لدى غريماس تثير ست مقولات تحيل على النص، بينما تفيد مساهمة يوري لوتمان في ضبط مفهوم النص، غير أن كريستيفا ميزت «بين النص والخطاب من جهة، وبين البنية والتبنين من جهة أخرى، فبعد تعريفها للنص بأنه ممارسة دالة وصيرورة لإنتاج المعنى، أبرزت أن النص لا يمكن أن يدرس كبنية جاهزة، ولكن كتبنين، أي كجهاز لإنتاج وتغيير المعنى، قبل أن ينجز ذلك المعنى ويدخل مرحلة التداول»( )، أما ريفاتير فقد عدّ النص فضاء لنصوص متعددة، تخترقه وتتفاعل فيه عن طريق أشكال شتى من الحوار والجدل، وهي النظرة التي طورها جينيت ليصل إلى نتيجة تتلخص في أن ما يهمه ليس هو النص، ولكن التسامي النصي الذي يشمل التناص والميتانص وموازي النص وجامع النص، مما يؤكد خاصية التعددية النصية Hype rtex tualite التي تعني العلاقات القائمة بين نص معين وعدة نصوص أخرى مثلت بالنسبة إليه نماذج أجناسية، كما يتضح من فحص ما سماه الباحث نفسه بالإشارات والسمات والآثار الأجناسية.
ثم عرض اليبوري لمصطلح الرواية، وتوقف عند طابعها التركيبي، إذ أن إنتاج الرواية ينشأ، برأي أحد الباحثين، «عن توترات تتم، ضمن حركة مراوحة، بين سيناريوهات إيديولوجية وإحالية وأخلاقية وتناصية واستطيقية ونزوية»( )، بيد أن توكيده المستمر على وفرة الإحالات إلى مراجع متعددة يثير أسئلة ما تزال قيد الاشتغال النظري والمعرفي والنقدي، حول أهمية تعريب الاتجاهات الجديدة أو النظر إليها مجرد وسائل وتقنيات وإجراءات في منظومة فكرية ونقدية جديدة؟!، وحول النظر إلى اندراج النقد التطبيقي في سياق معرفة الآخر أم إدغامه في ممارسة نقدية عربية تراعي خصوصية النصوص العربية!؟. لا يخفى اليبوري نزوعه إلى التأصيل، ولكنه في الوقت نفسه لا يعتني بتعريب المصطلح وما ينتج عنه من إشكاليات، وهو جلي في صلب استخلاصاته من النماذج المدروسة، كمثل هذا الرأي: «ويمكن بصفة عامة، أن نستخلص أيضاً أن تكون الرواية المغربية قد ارتبطت بأنماط تفكير معينة، وبجدلية الحركة السوسيو ثقافية، وخاصة ببداية تشكل وعي إيديولوجي ـ استطيقي متأرجح بين قيم الماضي ومستلزمات الحاضر، متردد في الشروع في حوار مع الآخر»( ).
وفي مواقع أخرى، يحيل اليبوري إلى مصطلحات غير مندمجة في سياق ممارسته النقدية مثل «التنسيب والانشطار والميتاحكي»( ) على أنها مثيلات لعناصر بنائية مكونة للرواية المغربية على مستوى الرؤية والتعبير مثل الواقع والتاريخ، ولماذا لا يعرب «الاستطيقي» وعشرات المفردات والمصطلحات؟ ولماذا لا يبين مفهومه الخاص أو استعماله الخاص لهذه المفردات والمصطلحات؟. إن الإجابة على هذه الإشكاليات تستجيب للمستوى العميق والنافذ والحاذق للتحليل السردي في ممارسة اليبوري.
ويتعزز نزوع اليبوري للتأصيل لدى تحليله لرواية مبارك ربيع «بدر زمانه» أنموذجاً من نماذج لا شعور النص، يلاحظ تجاور أرقى تجليات التحليل النفسي مع النسق السردي التراثي، حيث «يحيل التحليل النفسي على مفاهيم وتقنيات واتجاهات متشعبة، من بين أهدافها دراسة الميكانيزمات التي من خلالها، يتم التعبير عن الرغبة اللاشعورية، بينما يمكن تقديم تعريف للنص، وبصفة مؤقتة ومحدودة، بأنه بناء لغوي يتمظهر داخل سلسلة تركيبية ودلالية متعددة المسارات والمستويات»( ).
ولعلنا نحترز أيضاً من الاستغراق في العلاماتية السردية التي تبدو أقرب إلى البناء «اللغزي»، وتبدو عناصر التحليل السردي أقرب إلى أنساق ملتبسة بعيداً عن الأغراض المهملة، فالعلامات نفسها تلتبس على التلقي، وأذكر مثالاً لذلك خلل دراسته لرواية التازي «المباءة»: كيف تندرج البنية السردية في شكل استعارة في حديثه( ).
لا شك، أن اليبوري ميال إلى الاختزال والتكثيف الاصطلاحي في الوقت نفسه، مما يجعل من نقده التطبيقي شبكة مفاهيم تستلزم إطاراً نظرياً محدداً، ومسرد مصطلحات واضحاً من شأنه أن يضيء هذا الشغل النقدي المتميز، على أن الملاحظات الختامية الواردة في تركيبه العام أشد اختزالاً وتكثيفاً اصطلاحياً، حين لم يهتم اليبوري بالإضاءة المطلوبة. ونذكر من هذه الملاحظات ما يلي:
• لاحظنا أن جلّ الروايات وظفت الحكي الشعبي بمختلف سجلاته الأسلوبية.
• وإذا كان التراث السردي العربي مندساً بأشكال مختلفة في ثنايا النصوص الروائية المدروسة، فإنه برز بقوة في «الجنازة» للمديني من خلال التناص مع القرآن والحديث النبوي، وبشذرات من كتب أخرى.
• وليست طرائق السرد الغربية بأقل حضوراً، فجميع الروايات المدروسة، لها وعي بدرجات مختلفة، بهذه الأساليب السردية، كما أن لها قدرة على توظيفها.
• تكاد جل روايات المتن تلتقي في استعمال تقنية الحلم، كوظيفة سردية، وكمجال لتمظهر الرغبة المرتبطة بالهو.
• جل روايات المتن تتضمن أشكالاً من «التحول» الذي استعمل جزئياً عند زفزاف لإبراز الصراع بين «الأنا» و«الآخر».
• تم تشغيل المفارقة في جل روايات المتن، عنصراً ساهم في تشييد النصوص وصياغاتها.
• ارتقى التعبير في هذا المتن إلى مستوى اللغة الروائية، في دقتها وتنوعها وشفافيتها.
• تطرح روايتا «لعبة النسيان» و«الجنازة»، بطرق مختلفة حيناً، ومتقاربة حيناً آخر، مسألة البحث عن الجذور واللحظات البدئية في عالم مليء بالمفاجآت والتغيرات.
• انخراط الروايات بدرجات متفاوتة في الواقع وانشغالها بأسئلة الراهن.
• الاهتمام المتزايد بالشكل والبناء.
إذا كانت كل رواية، كما يقال، تخضع لاستراتيجية سردية، وفق نموذج دينامي، يؤشر على التجاوزات في الدرجة الأولى، فإن ما لاحظناه إلى جانب ذلك، هو أن جل هذه الروايات كتبت وفق نموذج منطقي يربط بين البدايات والنهايات، رغم اختلالاتها، ووفق تصميم هندسي ضمني، رتبت على أساسه المسافات والمواقع والأشكال والألوان، وهكذا يبدو أن الاختراقات التي سجلناها في إطار دينامية النص، تخضع هي نفسها لاستراتيجية تقيم التوازن بين المعيار وخرقه من أجل تشييد كتابة روائية جديدة، تدخل في اعتبارها أفق انتظار محفل التلقي»( ).
تعبر كتابة اليبوري في هذا النقد التطبيقي عن تنازعات في وجدان الناقد العربي ووعيه إزاء التعامل مع الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية: إدماجها في المسار النقدي العربي أم تعريبها، وقد تجنب اليبوري حدة هذه الأسئلة، مؤثراً ممارسة نقدية تستهدي بحلولها داخل عمليات تطورها، والتجربة مفتوحة على زمنها والزمن.
ويقدم محسن جاسم الموسوي (العراق) معادلة أخرى مختلفاً عن غالبية نقاد السرد في الاطمئنان إلى أن فن السرد العربي الحديث مدين إلى الموروث السردي، وليس إلى التقليد الغربي، وهذا هو المعنى الذي يشير إليه عنوان كتابه «ثارات شهرزاد، فن السرد العربي الحديث» (1993). والموسوي، كما ذكرنا من قبل، ممن اشتغلوا على مقولة «المثاقفة المعكوسة» التي تقول بأن الموروث السردي العربي أثر في السرد الغربي منذ أزمان بعيدة، مع «ألف ليلة وليلة» وسواها، ولربما، لهذا السبب، نظر الموسوي إلى الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية على أنها ذخيرة من ذخائر تراث الإنسانية الغني والمتفاعل، فاستخدم إنجازاتها حيث وجد ذلك نافعاً ومناسباً، فحفلت أبحاثه ومقالاته بالإشارات المرجعية إلى عشرات الفلاسفة والنقاد والأدباء والباحثين الأجانب، فوردت في مدخله وحده أسماء: بول اندريه لوسور، هايز نبيرغ، ييتس، هيدجر، بول دي مان، Peck الناقد من القرن التاسع عشر، اليوت، بارت، باشلار.. الخ، ويضاف إلى ذلك أنه لا يعنى بتدقيق هذه الأسماء، ولا يورد مقابلها الأجنبي، ولا يوثق مصادره ومراجعه، إلا فيما ندر، وهو العالم والناقد الأكاديمي المعروف، ولا يبوب أو يصنف كتابته، فليس ثمة أفكار محددة مرتبة، وإنما هناك ثراء فكري ونقدي يصير معه النص النقدي إلى مجاز مرسل ومتعة ذوقية. يبطن الموسوي خبرته المعرفية والمنهجية وموقفه من السرديات، وكأنه يسترخي على مراح خصيب من تطور التقليد السردي العربي، مستفيداً من توافر عوامل متعددة أدبية واتصالية، كانت في صلب تحولات السرد العربي واستراتيجياته، ولا يهتم الموسوي بنقل منهجية الاتجاهات الجديدة، باستثناء ما يضيء هذه التحولات وتعبيرها التاريخي والمجتمعي والفني، فالفن الروائي فن اتصال، ويميزه استعانته بالأجناس المدخلة، وطبيعة مشكلات خطابه الخاص، والتعبير المجتمعي عن النص الروائي، إفراز الخطاب الروائي لمشكلات مختلفة. تتراكم الأفكار والإشارات المغذاة بمصطلحات الاتجاهات الجديدة إلماحات متوالية لعقل نقدي خصيب ونير، كما في مثل هذا الشاهد:
«والنص هنا ليس مطابقاً لما يسمى بـ «ما وراء النص»، لكنه يخلخل جزئياً سنن التعارف التي تلجأ إلى تأكيد سمات التمثيل أو المشاكلة والعرض. فبعد أن يعتمد هذه طوال سرد خطي يتشكل في وقائع متتالية ضعيفة التوتر، يطمئن القارئ ويخرجه من الإبهام، منبهاً إلى أنه كان سارداً لا غير. ومثل هذه الخلخلة تأخذ أشكالاً عدة في نص سليم بركات «الريش» الذي مرّ ذكرهُ»( ).
إن نقد الموسوي التطبيقي أشبه بنظرة طائر على نصوص روائية وإحالات معرفية ومنهجية إلى الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية على وجه الخصوص. ولكننا، في هذا الركام الغني الذي يفتقر إلى التنظيم والتبويب، نتلمس خصائص ممارسته النقدية:
1- يمتحن الموسوي خصوصيات السرد العربي الحديثن في نصوص روائية كثيرة، في شكلها وتقنياتها وسرودها، ولا سيما غوصها في موروثها الذي يراه معيار الخصوصية، وهي جهود أصبحت غالبة على أقلام النقاد والباحثين العرب. غير أن الموسوي يأمل في «ظهور «خصوصيات» أخرى للكتابة، تجعلها أكثر عمقاً، فملامسة السطوح بقيت واحدة من مشكلات التأليف والإبداع العربيين كلما جرت المقارنة بين الكتابة العربية وبين ما هو متميز في الرواية العالمية»( ).
إن مجرد طرح سؤال المقارنة مع الرواية العالمية باهظ الثمن في مجال البحث عن الخصوصية، لما يعنيه من لزوم أحكام القيمة، والقياس إلى «الآخر»، والمرجعية الواقعية والتاريخية. وفي ضوء هذا الاستنتاج نستطيع أن نفهم هذا الرأي الذي يجافي إلى حدّ كبير شغل الموسوي نفسه في تأصيل السرد العربي: «إذا لم يزل العديد من النقاد والدارسين العرب والأجانب يرون أن الواقع يبقى أعتى وأكثر ثقلاً وثراء ورهبة وقسوة مما تتمكن النصوص منه، حتى أكثرها واقعية. والغريب أن خصوصيات الرواية العربية الأخرى لم تزل «خصوصيات غياب» مقارنة بالقليلة الحاضرة منها في القص أو في الخطاب». ويتكرر هذا الرأي صراحة في مطلع بحثه الموسوم «الحداثة والتجريب في الأدب القصصي: دراسة في ثلاثة نصوص»، وينطلق الموسوي فيه من «فرضية مفادها أن الأدب القصصي العربي لم يستكمل نضجه أو دورته التقليدية عندما داهمته صدمة الحداثة»( ).
2- لا يقف الموسوي على منهجية محددة في قراءة السرد، فغالباً ما يلجأ إلى تحليل سردي خاطف ممتزج بالشرح والنبرات الموضوعية والدلالية من جهة، وإلى تداخل بيّن بين لغة النقد وإيثار تعميم الرأي وأحكام القيمة. لقد درس، على سبيل المثال، في بحثه المشار إليه ثلاثة نصوص هي «السؤال» لغالب هلسا، و«أنت منذ اليوم» لتيسير سبول، و«اعترافات كاتم صوت» لمؤنس الرزاز، وانتهى إلى آراء نقدية قاطعة، ولكننا لا نعرف كيف وصل الناقد إلى هذه الآراء، كأن يقول عن رواية «السؤال» ببساطة، أنه يمكن اختصارها «إلى الثلث دون خلل واضح في السرد الوظيفي». ويضيف جازماً: «ومثل هذا الورم السردي لا يخص «السؤال» وحدها: فالرواية التقليدية لا ترى ضيراً في التمدد ما دام يؤكد سنن الاحتمال»( ).
ولا أعتقد أن هذا الرأي صائب أو يصمد للتحليل السردي المنهجي، وهو يذكرني بغضب هاني الراهب شاباً من طول روايات ديستويفسكي، مما دعاه إلى اقتراح حذف مئتي صفحة من الرواية الواحدة دون أن يؤثر ذلك على مسارها السردي أو قيمتها الفكرية والفنية( ).
3- لا يدقق الموسوي مصطلحه النقدي، استتباعاً للملاحظة السابقة، فقد تواضع النقد على تسمية الرواية الجيلية بالرواية «النهر»، أو «الرواية الإنسيابية»، بينما اكتفى بتسميتها بـ«الخطية» بقوله: «وما ظهر في ثلاثيات نجيب محفوظ ومحمد ديب يتماشى مع هذه «الخطية» حيث الزمن عمر يمتد من جيل إلى آخر، تنتقل فيه بعض البذور وتضيع أخرى، مزعزعاً بالمصادفات مرة، وبالذكريات مرة أخرى»( ). لا شك، أن من حق الموسوي مثل أي ناقد وعالم من وزنه أن يفترق في مفاهيمه واصطلاحاته عن التواضع المتفق عليه شريطة أن يحددها من منظوره النقدي. وثمة مثال آخر لاستخدام مصطلحات الموروث السردي الصوفي التي استبدلها أو داخلها بمصطلحات حداثية تؤول مرجعيتها إلى «الواقعية السحرية» في رواية أمريكا اللاتينية. ولدى مناقشته للزمن في رواية سليم بركات «الريش»، أفاد أن الزمن في هذا النص المتميز والفريد يتعدى بعده السردي المألوف ليستجمع الخارق والأخروي والأسطوري بالدنيوي والدارج مرة واحدة.
4- يشير نقد الموسوي التطبيقي إلى تملك معرفي هائل في تحليل السرد العربي، وهذا واضح في بحثيه «ثارات شهرزاد في ألف ليلة: ستراتيجيات السرد عند نجيب محفوظ» و«النص خارجاً على الواقع القائم: ستراتيجيات الانشقاق في الكتابة العربية المعاصرة»، إذ حلل بمهارة نقدية بارعة تقنيات السرد المحفوظي: المفارقة، اللفظية، الموقعية، الدرامية، المحاكاة الساخرة، العجائبي والخارق، المقابلات العديدة، القطع والترقيع والرصف والمزج، ليكشف بعد ذلك دلالة النص: «يفضح الاستبداد ويشرحه ويعيد مخاطبته كما هو أمره في العصر الراهن»( )، مثلما أكد ذلك لدى تحليله لعدة نصوص روائية وغير سردية بقوله: «أي أن أنماط المراوغة والتزويغ في نقد الأوضاع القائمة تشكل بمجموعها ستراتيجيات الانشقاق عن حالات السكون والتلفيق في آن واحد. وعندما تتهافت الأسماء وتلوذ أخرى، بالسكون، وتندفع مجموعة في جوقات التلفيق، تصبح الكتابة اليقظة الحية جزءاً من هوية الخروج على المأزق»( ).
وتتبدى هذه المهارة البارعة في استخدام مصطلح «رواية النص» الذي اقترحته باتريشيا واف Patricia Waugh في كتابها «رواية النص: نظرية الرواية الواعية بذاتها وتطبيقاتها» (1984)، ويشير إلى «الكتابة الروائية التي تستدعي الانتباه إلى ذاتها بشكل واع ومقصود ومنتظم على أنها صنعة، لكي تثير التساؤل حول العلاقة بين التخيل والواقع»( ).
وعلى الرغم من أن هذا التملك المعرفي الهائل مفيد في غنى التحليل السردي باتجاه أصالته، إلا أن الموسوي ما يلبث أن يردد فكرته التي تنتقص من الجهود الروائية العربية الحديثة برمتها بقوله: «وعدا هذا السياق، فإن الروائي العربي لم يكن صاحب علاقة متكاملة أو حقيقية مع النوع الروائي، رغم علاقته الوثيقة بالحكاية الشعبية»( ).
3-3- التحليل السردي النصي:
بلغ النقد التطبيقي المتأثر بالاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية شأواً عالياً في ميادين التحليل السردي النصي لأعمال روائية وقصصية بعينها، وهو نقد واسع أقبل إليه حشد غير قليل من النقاد والباحثين. وقد اخترت من عشرات الكتب خمسة منها تعبر عن ميل أكبر للتمثل المعرفي والمنهجي والنقدي لهذه الاتجاهات إلى حدّ الاستسلام لمنجزاتها. وأبدأ مناقشتي للكتابات المعبرة عن هذا الميل بكتاب الصادق قسومة (تونس)، وعنوانه «النزعة الذهنية في رواية الشحاذ لنجيب محفوظ» (1992)، ويلحظ ذلك في متن الكتاب، بينما حوت التوطئة والمقدمة معلومات غير دقيقة، وغير مستوعبة، وغير وافية عن النزعة الذهنية في مجال الرواية، وموقع نجيب محفوظ في مجال الرواية العربية، وموقف النقاد من محفوظ وأدبه، وموقع المرحلة الذهنية ومواقف النقاد منها، ومواقف النقاد من رواية الشحاذ. وينطبق هذا الرأي على عروضه للنقاد والنقد الجديد عن الرواية، كأن يجزم أن الرواية وليد حديث متأثر بالغرب، و«أن ممارسة النصوص الروائية لم تكن ميسورة لحداثة عهدنا بالمناهج القصصية، ولطبيعة ثقافتنا التي لا سند فيها لمثل هذه البحوث»( ).
جنح قسومة إلى رفض التقيد بمنهج قصصي معين (يقصد منهجاً نقدياً معيناً) لصعوبة هذه النظريات والمناهج الغربية، ولإبهارها، ولعدم نضوجها واكتمالها، معولاً على التطبيق بالدرجة الأولى، استئناساً بقول جينيت «إن أفضل السبل استنباط طريقة مقاربة من النص ذاته»، وقد أعلن في توطئته، ولا تصح الإعلانات دائماً، أنه «لم يكتب لنصرة مذهب أدبي معين، ولا لتطبيق نظرية مخصوصة في الشرح أو التأويل، ولا استنباط أحكام نهائية جازمة، وإنما مقصدنا لفت الانتباه إلى بعض القضايا الجديرة بالنظر في رواية الشحاذ». أراد قسومة أن يكون بحثه «نوافذ على بعض الأفكار، ومفاتيح لمعالجة بعض التقنيات القصصية»( )، ولكنه ما لبث أن اعتمد مباشرة على جينيت الذي سماه «الطبّ بالنصوص القصصية وطرق مقاربتها»( )، فعرض وقائع الرواية في أطوارها الأساسية، وهي:
الطور الأول: الإحساس بالاختلال ومحاولة تشخيص أعراض الأزمة.
الطور الثاني: محاولة العلاج والبحث عن سبل التجاوز من خلال التحرر من وطأة حياته السابقة، وتجربة الفن، وتجربة الجنس.
الطور الثالث: الهروب والانعزال.
وكانت هذه الوقائع سبيله لدراسة الأدوات الروائية والتأويل، فاعتمد ثانية على جينيت في تحديد مكونات العمل القصصي: الحكاية والسرد والنص ذاته، وفي تحديد مكونات السرد: النظام الزمني وطرائقه في إيراد السوابق واللواحق ووظائف هذه اللواحق، والتواتر وضروبه الثلاثة، القص المفرد والقص المكرر والقص المؤلف، والديمومة، وضروبه الأربعة، السرد المجمل والإيقاف أو القطع المؤقت، والإسقاط أو الغياب الكلي، والمجانبة أو الغياب الجزئي، والمشهد والوصف، ووصف الأماكن من الرمز والتعبير عن باطن الشخصية، وعناصر الطبيعة، ووصف الشخصيات، ووظائف الوصف: خدمة الأحداث، والتفسير، وتمثيل الموجودات، واستبطان الشخصية، وتكثيف الأبعاد الرمزية، والتنوع الكيفي، والوفرة الكمية، والحوار وتندرج هذه القضايا في قسمين: قضايا ذات صبغة فكرية، وقضايا ذات صبغة وجدانية، وخصائص الحوار، ووظائف الحوار: ‘رضية، واستبطان، وتمثيل أو تصوير، وتطوير، وتأويل، وإثراء الزمن، وتقنيات كشف الباطن وأساليبها: الحوار الباطني (النجوى)، والحوار الباطني الموجه إلى قائله، والحوار الباطني الموجه إلى شخصية أخرى، والحوار الباطني السردي، والتحليل النفسي، والرؤى وأحلام اليقظة، والتذكر، والتداعي.
ولا يخفى إن دراسته للأدوات الروائية تستند أساساً إلى جينيت في كتبه «الخطاب القصصي الجديد» (1983) Nouveau Discours du Recit «وصور 2» (1969) Figure 11، و«صور 3» Figure 111، وتستند إشارات إلى جان روسي وميشال زيرافا وناتالي ساروت وفيليب هامون والبيريس وتيبودي ودي جردان، أي أن هذا النقد التطبيقي مرتهن كلياً، مع نزوع لتبسيط المنهج إلى العلامية السردية في مستوياتها الشكلانية البنيوية، ولا سيما جينيت. وربما لهذا السبب غلبت التعليمية الشارحة على التطبيق، كما في هذا المثال عن «وظيفة تأويل»:
«يؤديها حوار تأويلي Dialogue Interpretatil وهو حوار يفسر بعض الجوانب، لكنه لا يؤدي إلى تطوير الأحداث، ولا إلى تغير في حركية القص، وإلى هذا النوع ينتمي الحوار الذي دار بين عثمان وصديقيه في الفصل 15، وفيه فسر كل منهم ماضي حياته، لكنه لم يخرج عن الوضع الذي عرفناه له في الحيز السابق من النص»( ).
وقد وجد قسومة أن أدوات المنهج الذي التزمه لا تلبي حاجات دراسة التأويل، فعمد إلى منهج ظواهري تأويلي اعتماداً على نقاد وباحثين كثر، فاعتنى بالوجه النفسي، والوجه الاجتماعي، والوجه الذهني، والمنزع الفكري: منزلة الفن والعلم والفلسفة، وعلاقة الفن بالإنسان والمجتمع، ومعنى الحياة، والمنزع الوجودي: أدموند هوسرل، سورين كيركجورد، أهمية مفهوم القلق، التحول والصيرورة، الاختيار، والحرية، والمسؤولية، وطبيعة الأزمة، وأهمية الوحدة، ومبدأ الإغراب، وقيمة الحرية، والمنزع الصوفي: أهمية القلب، الإحساس بالوارد والمجاهدة، والمنزع العبثي. وتحفل مناقشاته لوجوه التأويل ومنازعه بتصنيفات شكلية مماثلة، وبشروح خارجة عن السياق النقدي، أو هو يسقطها عليه، وكثيراً ما اعتمد على أقوال خارجة عن النص في تأويله كقول محفوظ نفسه: «إنني ضعيف الإيمان بالفلسفات، ونظرتي إليها فنية أكثر منها فلسفية»( )، أي أنه يسقط على النص معاني وأفكار من خارجه، ولا يتسق هذا مع منهجه العلاماتي السردي، فهو غالباً ما اعتمد على نقاد آخرين مثل محمود أمين العالم في الصفحة 94، أو على وقائع خارج الحدث كذكره لهزيمة عام 1967 في الصفحة 95، بينما الرواية مكتوبة عام 1965.
إن قسم التأويل أقرب إلى الشروح التعليمية تلمساً للمعاني والأفكار على طريقة الإسقاط، كما في هذا المثال الذي يتحدث عن «أهمية القلب»: «هو عند المتصوفة باب الروح ونافذة الوجدان، وهو عند عمر أداة رئيسية لتحريك الذات وهزّ الإحساس عبر نشوة تطلب متسامية من قيود العقل وتحديد العلم، ذات خصائص لا جدال فيها ولا منطق»( ).
وحوى كتابه قسماً ثالثاً هو أنموذج تطبيقي، شرح فيه نصاً من الفصل الخامس من «الشحاذ»، ووضع حدوداً لتحليله «على النحو الذي وردت عليه، لأننا اعتبرنا النص مقطعاً قصصياً واقعاً بين بداية ونهاية تفصلهما وحدات متباينة في أحجامها مختلفة في وظائفها، ومن علاقاتها جميعها تبرز خصائص النص وتتضح دلالاته»( )؛ وقد مهد لتطبيقه بإلماحة عن تحليل النصوص، ليتوسل إلى شرح نصه بطرق مختلفة بدل أن يتقيد بمنهج واحد، فدرس وحدات النص على أساس الأغراض، وفق مذهب جريماس، والنص في مستوى النظام الزمني، وفق مذهب جينيت، واكتفى بالحد الأقصى من التحليل البنيوي الشكلي، وبالحد الأدنى من التأويل، لأن قسومة أخذ بالاتجاهات الجديدة على أنها تقنيات فحسب، وليست منهجاً فكرياً وفنياً يشكل في مطاويه وانثناءاته وتجلياته البنية والدلالة في آن واحد.
ويندرج كتاب شكري المبخوت «سيرة الغائب ـ سيرة الآتي: السيرة الذاتية في كتاب الأيام لطه حسين» (1992) في منوال احتذاء الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية في جنس أدبي ملتبس هذه السيرة الذاتية التي طالما درست في إطارها التاريخي والنفسي، بينما اختار المنجوت النظر إليها، متأثراً بالنهاجيات المعرفية والنقدية الجديدة، «من حيث هي نص أدبي»، وهو مدرك صعوبة ما أقدم عليه. لقد اهتدى بالأبحاث الجديدة في مجال السيرة الذاتية، ولا سيما كتابي جورج ماي G. May المعنون «السيرة الذاتية» “L’Autobiographie” (1979)، وفيليب لوجون Pb. Lejeune، وعنوانه «الميثاق السير ذاتي» Le Pacte Autobiographique (1975)، الكتاب الثاني، كما أشرنا في الباب الأول، معني بالإجابة على إشكالية صلات السيرة الذاتية بالواقع التاريخي المخصوص، وبشخصية صاحبها ونفسيته، فأخذ عنه تعريفها:
«قصة استعادية نثرية يروي فيها شخص حقيقي قصة وجوده الخاص مركزاً حديثه علىحياته الفردية، وعلى تكوين شخصيته بالخصوص»( ).
وتضمن هذا التعريف شكل الكلام (السيرة الذاتية قصة منثورة) وموضوعها (مدار السيرة الذاتية حياة المتكلم الفرد وتاريخ شخص ما)، ووضعية المؤلف (أن يكون الكاتب ويحيل اسمه على شخص حقيقي متطابقاً مع الراوي)، ووضعية المؤلف (أن يكون الراوي متطابقاً مع الشخصية الأساسية أولاً، ومتشبثاً بالمنظور الاستعادي للقصة ثانياً).
واختبر المبخوت نظرياً هذه المعايير التي لا مناص منها، ولا سيما وحدة الراوي والشخصية، ووحدة المؤلف و«الراوي ـ الشخصية»، معتمداً على لوجون كما ذكرنا. وناقش تالياً السيرة الذاتية والأجناس القريبة منها، من خلال الميثاق، إذ يقاس على غراره ميثاق روائي( ).
وعاين المبخوت في الباب الثاني «ظاهرة السيرة الذاتية تاريخاً وثقافة، فلها تاريخ يضبط نشأتها وتطورها، وسياق ثقافي يكتنفها، وأرخ لها، ونظر في شروط إنتاج نص سير ذاتي حديث كما يبرزها التاريخ الثقافي العربي، راصداً بعض التحولات القيمية والمعرفية التي أسهمت في نشأة السيرة الذاتية، «فهي من جهة كونها نمطاً في الكتابة ـ لا تخضع لرغبة الفرد في الحديث عن نفسه رغم أنها كتابة لتاريخ شخصي بقدر ما تخضع لموقف ثقافي عام من الفرد مفهوماً ومنزلة ووجوداً»( )، وأورد جانباً من تاريخ السيرة الذاتية في الأدب العربي القديم وأنواعها، وجانباً من تاريخ السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، دخولاً في سيرة طه حسين، على «أن السيرة الذاتية لا تمثل إشكالية فنية (شكل ـ تعبير) فحسب، بل تمثل بالخصوص إشكالية ثقافية اجتماعية بها يمكن أن تقاس بعض فضاءات الحرية في المجتمع»( )‎.
أجرى المبخوت تدقيقاً لافتاً للنظر في صلة «الأيام» بقضية الجنس الأدبي، واستعرض نماذج من نقد هذا الأثر الباقي لعدة نقاد، ثم أوجز المواقف من جنس الأيام، وهي: أولها صعوبة الجزم بانتماء «الأيام» إلى جنس السيرة الذاتية، ومثله الجزم بأنه رواية يعسر قوله، وثانيها أن تردد الدارسين بين الرواية والسيرة الذاتية لا يرتكز في جل الأحيان على معايير صارمة تضبط الفوارق بين الجنسين الأدبيين، وثالثها النقاط التي تشترك فيها مختلف المواقف من «الأيام» هي أن الدراسات ظلت تحوم حول إشكالية الجنس الأدبية لسببين لم يتبينهما جل النقاد بوضوح: أولهما غياب عقد القراءة و«الميثاق السير ذاتي»، وثانيهما كتابته بضمير الغائب، مما أسهم في جعل جنس «الأيام» الأدبي ملتبساً، فاستخلص المبخوت من قراءة ماكتب عن «الأيام» ثلاث طرق في حل هذه الإشكالية:
الطريقة الأولى قائمة على التخمين وإقامة ضروب من المشابهة بين النص وما يعرفه الناس عن حياة طه حسين.
الطريقة الثانية، ويكاد ينفرد بها الباحث فؤاد القرقوري، وقد أجمل الموقف بوضوح في قوله: «إن كتاب «الأيام» لا جنس له، إنه قتل للجنس، لأن قدره أن يكون بلا جنس» (واعتقد أن هذا الكلام لا معنى له لأن القرقوري نقضه، حين أقر في بحثه بأن الأيام سيرة ذاتية لتلك اللحظة المتناقضة. هكذا؟!).
والطريقة الثالثة، وهي متضمنة في سياق عرضه لرأي محمد القاضي، الذي ينفي عنها مفهوم السيرة الذاتية انطلاقاً من غياب التطابق بين أعوان السرد أساساً. غير أن المبخوت ترك مسألة انتساب «الأيام» إلى جنس أدبي معين مفتوحة، «فميزة «الأيام» فنياً كامنة في ضروب التقنع التي تكشف عنها لعبة الضمائر فيه.. وربما كان الفرق كامناً في أن القراءة اليقظة تنال متعتين مجتمعتين من طيبات نص «الأيام»: متعة التعرف إلى البطل في كفاحه من أجل المعرفة ومتعة ذهنية مصدرها ما يقوم بين أعوان السرد من ألوان الاتصال والانفصال»( ).
لقد أفادت المقدمات كثيراً في مقاربته لكتاب «الأيام» بالتباسه وخصوصيته، مما ييسر سبل قراءة هذا النص المخادع والمخاتل برأيه، «فهو من النصوص التي لا تفصح عن وجوه الفن فيها، ولا عن مقاصدها إلا بعد معاشرة ومجاهدة، فقد تطالعه ولا تجد فيه ما يشدك إليه عدا بعض وجوه كفاح بطله من تحت كيانه واستحقاق منزلة في الإنسانية رفيعة»( ). وعلى الرغم من راويه الماكر، فقد استحق كتاب الأيام مكانة لا تبلى على الزمن، «لأن صاحبه بناه على خلق مسافات جمالية بين النص وجنسه الأدبي، وبين زمن التلفظ وزمن الملفوظ، وبين الراوي والمؤلف والشخصية الرئيسية. وأدخل في لعبته السردية القارئ، على نحو من الأنحاء، وفي هذه المسافات كان بعض السرّ الذي جعل «الأيام» نصاً حياً اخترق ظروف إنشائه ليستمر إلى الأبد»( ).
أفصح المبخوت عن ميله الكبير للاتجاهات الجديدة في مستويات تناوله للصنعة والسرد في كتاب «الأيام»، وأثار في الباب الأول لتحليله سؤالاً مشابهاً لأسئلة الشكلانيين الروس: كيف صنع كتاب الأيام؟ ومضى مع كشوفاتهم السردية التي طورت فيما بعد، ودرس طريقة طه حسين في البناء التي تقوم على انفصال الفصول واتصالها في آن، من خلال مبدأين هما التكثيف والتوسع من جهة، والتعليل من جهة أخرى. ففي مبدأ التكثيف، يدور كل فصل من فصول الأيام على محور دلالي يستقطب الأحداث على تنوعها، والملفوظات المكونة للنص. وهذه المحاور تتوسع في الفصل وتنتشر فتحدد ما يجب أن يتحدث عنه الراوي. «إن مبدأ التكثيف والتوسع ليس مجرد وسيلة تصل بين المتباعدات التي يدعو بعضها بعضاً على سبيل الاستطراد، وإنما هو مبدأ محكم في تنظيم الفصول يجمع ما تماثل وتشابه، ويرده إلى نواة دلالية واحدة منسجمة»( ).
ويعاضد مبدأ التعليل المبدأ السابق، «فالأيام» بحث مستمر عن الظل والأسباب الكامنة وراء المواقف والحالات أو الأفعال والأقوال وعن آثارها ونتائجها. ولا يلغي انفصال الفصول مزايا الاتصال، ولا يمنع من رؤية بعض العلاقات القائمة بينها، من خلال الروابط الظاهرة مثل مبادئ الاستعادة والتداعي والتتابع، والروابط العميقة، استعانة بالحفر المعرفي واللغوي، وقد أفضت هذه الطريقة إلى فهم الدلالة العامة للبناء الذي ينخرط في التخييل من أوسع الأبواب، «إن مؤلف الأيام، برأيه، لا يستعيد ما انقضى من أحداث استعادة محاكاة عمادها الإيهام بالتطابق بين المادة الوقائعية والمعطيات السردية الخطابية. فلم يستعد بذاكرته عالمه «الواقعي» بكل تفاصيله وإحداثياته المكانية والزمانية مما يشي بقلة «الضبط» وعدم الاحتفال بالدقة»( ). ولاحظ المبخوت توكيداً لطاقة التخييل التي تطبع «الأيام» أيضاً استعمال مبادئ دالة تخرق «الميثاق السير ذاتي» مثل مبادئ الانتقاء والتفسير الغالبة على الصنعة أو الصوغ، فهو نص أدبي لا مفهومي «أو لنقل يظل نصاً أدبياً تندس في أعطافه أفكار خالقة سواء، شاء ذلك أم أبى»( ) لا يأنس المبخوت للأفكار المسبقة مؤثراً الغوص في جنبات «الأيام»، وممعناً في التحليل السردي: لعبة الأزمنة ـ لعبة الضمائر ـ سياسة الكلام، ومطوعاً النهاجيات المعرفية والنقدية لحاجات نقد تطبيقي متطور في سيرورته واستشرافه للنصوص وقضاياها. ولعمري، أن نقد المبخوت يياسر إلى آلياته الحديثة، سلساً طيعاً، زاهي العبارة في فض مغاليق النص واستنطاقه الدلائل والبنيات.
ولعلنا نوجز سمات شغل المبخوت في معاينة الأنموذج التطبيقي مما حلله سردياً، وهو الفصل الأول من كتاب «الأيام»، حين يضيق النص بطاقات المنهج المحدودة، وحين يستعان بطاقات المنهج المحدودة لتحليل نص شديد الثراء. لقد عمد المبخوت إلى نهاجيات الاتجاهات الجديدة في تحليله دون تعسف أو ابتسار، وقصر نقده على النص من داخله، وهذا ما يجعل نقد المبخوت التطبيقي من النماذج الأكثر إشراقاً بيانياً والأكثر تملكاً معرفياً ونقدياً لنهاجيتها النقدية الجديدة في حركة نقد القصة والرواية في العقدين الأخيرين.
من اليسير أن نلاحظ أن الميل إلى الأخذ بنهاجيات الاتجاهات الجديدة قد طغى طغياناً واضحاً على قطاع غير قليل من ممارسي النقد التطبيقي في التسعينيات، فيستفيد هؤلاء بقدر كبير من العلامية البنيوية وشعرية السرد على وجه الخصوص. وهذا واضح في كتاب بهاء الدين محمد مزيد (مصر)، وعنوانه «خالتي صفية والدير بين واقعية التجديد وأسطورية التجسيد» (1995). واختار رواية بهاء طاهر «خالتي صفية والدير»، لأنها، برأيه، معين خصب«للتحليل الأسلوبي بما تشتمل عليه من تجليات أسطورية وجدل مستمر بين الواقع والرمز، بين التجسيد والتجريد، بين اللغة والميتا لغة، والرواية والميتا رواية، ووعي بما تحمله اللغة من دراما وصراع يعكس الواقع بما فيه من تناقض وتعارض». وقد مهد مزيد لتحليله بإيجاز موضوع الرواية، ملاحظاً طابعها الرمزي، أو حرص مؤلفها على البعد الرمزي، «فالثيمة Theme البارزة في الرواية هي الحب في مواجهة الثأر، لكن بهاء طاهر يريد لعمله أن يكتسب طابعاً قومياً وطنياً، فلا يكتفي بتصوير وحدة المدافعين عن الحب في القرية في مواجهة الثأر والانتقام، بل يحاول توسيع نطاق هذه الوحدة لتصبح القرية رمزاً للوطن مصر، بل ورمزاً للوطن الأكبر ـ العرب ـ في مواجهة العدو المشترك»( ). ولا اتفق مع مزيد في هذا الرأي، فلو اقتصرت موضوعة الرواية على «الحبّ في مواجهة الثأر» لما كان لها هذا الشأو الذي سامقته في الكتابة الروائية العربية، ولغدت إحدى الروايات الاستهلاكية التي لا نفع منها ولا ضرر، فما يميز الرواية هو طابعها الاستعاري الذي وصفه بالرمزي ثم ما لبث أن غفل عنه، مشيراً إلى «ضعف جزء النكسة وإقحامه على النص»، بل إن قيمة الرواية في مقاصدها الإنسانية والقومية المفعمة بثراء بنيتها الداخلية ومستوياتها السردية العميقة. وكان أوضح مزيد أن أول ملمح لهذه الرواية هو «تجليات الأسطورة»، إذ «تنفتح الرواية على عوالم لا حصر لها من الرموز الدالة والأساطير القارة في وعي الكاتب والمتلقي على حد سواء، فتبدو متعددة الوجوه، وقابلة للتأويل على مستويات مختلفة»( ).
أعلن مزيد أن منهجه تحليلي، ولكن استعان بآراء نقاد آخرين أشاروا إلى «ما تحمله الرواية من إحالات إلى تلك العوالم الأسطورية التراثية التاريخية»، وإلى التناص الذي يجعل الرواية «مفتوحة لقراءات جديدة للتناص مع يهوذا وسيدة الآلام وحادثة الصلب ودخول أورشليم وقصة الرسول (ص) والنجاشي وهابيل وقابيل والحسن والحسين»( ). وذكر مزيد عنصراً آخر هو النبوءة، كان له دور كبير في إضفاء الأسطورية على صفية بطلة الرواية إنها تغني لحربي غناء حزيناً كأنها تحس بما يحمله القدر لها وله.
أوضح مزيد أن «الدير» المركز الأهم للدلالات، بالإضافة إلى البيت والسراي والمسجد والسجن، وعني ملياً بالعلاقة بين هذه الأماكن متبعاً تحليلاً أسلوبياً متضافراً مع سبع ترسيمات لحركة الدلالات التي تنقل «حقيقة مهمة وهي أن المسلمين والمسيحيين لا بديل لهم من التعايش والتعاون في وجه المصير المشترك؟ كلاهما منتصر في حال تعاونهما، وفي حالة الفتنة كلاهما مهزوم»( ).
ثم اهتم مزيد بالتحليل السردي لجوانب أخرى من الرواية: الميتا لغة والميتا رواية، دراما اللغة، أجرومية السرد، لغة الرواية، تجليات الواقع، الرواية كميتا نص، دلالات ودروس. أما الملاحظات على هذا النقد التبطيقي فنوجزها فيما يلي:
1- يعتمد مزيد على بعض خصائص العلامية البنيوية كما شرحها بعض النقاد والباحثين العرب، وبعض الباحثين الإنجليز، ممن لا يشكلون عمدة في بابهم، بل أنه يبدو غير معني بذكر مرجعيته كما في حديثه عن مفاهيم الميتا لغة ************ والميتا نص ******** والميتا رواية ****fiction، وتعني على الترتيب: الكلام عن الكلام (التعليقات اللغوية على اللغة)، ونص عن نص (تعليق نص على نص آخر، رواية عن الرواية (تعليقات في رواية على كتابة الرواية حيث يصبح الفن سؤالاً ملحاً عن ماهية الفن)( ).
2- لا يحدد مزيد منهجه النقدي أو مرجعيته النقدية، وهو يخرج أحياناً عن خصائص العلامية البنيوية إلى نقد لغوي أو اجتماعي. وهذا واضح في تناوله لتجليات الواقع، المرأة، الثأر وبعض التجليات الأخرى. ولا ينفع في هذا المجال قوله أن «المنهج ينبع من النتاج، وليس من مبادئ مسبقة، وكل عمل أدبي مستقل بذاته»، لأن العبرة دائماً بالممارسة النقدية.
3- ثمة تعارض بين التزام منهجية تقترب من العلم، وبين الحدس الذي رأى فيه محور العمل( ).
4- ثمة استطرادات تخرج النقد التطبيقي عن مساقه التحليلي، كمثل الحديث عن الاختيارات المطروحة بين الفصحى والعامية( ).
5- يبسط مزيد نهاجيته النقدية إلى حدود الاختزال المخل، ويتوضح ذلك في مواقع كثيرة مثل المقارنة بين هذه الرواية، ورواية اميلي برونتي «مرتفعات وذرنج» Wuthering ******s التي لا تحتل إلا صفحة واحدة( ).
ولا يختلف محمد الصالحي (المغرب) وسعيد الحنصالي (المغرب) عن سابقهما في إظهارهما لنهاجيات الاتجاهات الجديدة، غير أنهما يتميزان بسوية علمية أقرب منالاً، وأكثر انسجاماً في التحليل السردي. وقد وضع محمد الصالحي كتابه «قنديل أم هاشم: قراءة وتحليل» (1995) قاصداً تحليل السارد في هذا النص الروائي، وطبيعة المحكي، والتعرف الزمني. ومن الواضح، أن الكتاب تعليمي، موجه لإرواء حاجات الدرس النقدي المشبع بالاتجاهات الجديدة، فغالباً ما نظر إلى الأعمال الأدبية «باعتبارها أعمالاً فكرية ذات بعد تاريخي أكثر، نظر إليها كأعمال أدبية». لقد نظر إلى هذا النص الروائي «كسرد حادثة ذات صبغة تاريخية حضارية، من خلال مجموعة أحداث صغرى تتعاقب في الزمن، وأنها بداية ونهاية، وكذلك مساءلتها كنص ذي بناء ووظائف، أي النظر في البنية والشكل ومحاولة فهم معنى النص من خلال شكله»( ).
استملح الصالحي التبسيط، وقصر استخدامه في التحليل السردي على جوانب دون أخرى، واستعاد وظائف السارد الخمسة، كما حددها جينيت: الوظيفة السردية، وظيفة التوجيه، وظيفة التواصل، وظيفة الشهادة، الوظيفة الإيديولوجية.
وفعل ذلك في درسه لطبيعة المحكي، سواء محكي الأحداث ومحكي الكلام ومحكي الأفكار، ونسب ترسيمة تحدد ثلاثة أنواع ضمن محكي الأفكار، إلى دوريت كوهن "Dorit Cohen”، وهي المحكي السيكولوجي والمونولوغ المستحضر والمونولوغ المسرد، وعندما ننعم النظر في شرحه للمحكي السيكولوجي لطبيعته، وذكر نموذجيه: التنافر والتناغم، نجد أن أمثلة الصالحي كانت من نصوص روائية مغربية مثل «تجاعيد الأسد» لعبد اللطيف اللعبي، و«العشاء السفلي» لمحمد الشركي؛ ولا يتسق هذا مع تحليل نصي محدد هو «قنديل أم هاشم»، وكأن نقده شارح لتقنيات سردية.
إن الصالحي يتعامل مع هذه التقنيات السردية في نقده التطبيقي على أنها تسود المشهد النقدي، فيأخذ من باحثين ونقاد عرب بادروا إلى التعريف بها مثل وليد نجار وعبد اللطيف محفوظ وحميد لحمداني وسيزا قاسم، ولاحظنا من قبل ما يعتريها من تداخل، والأولى أن يعود إلى المصادر الأساسية. ولربما كانت مناقشته للتصرف الزمني خير تمثيل لطريقته في النقد:
1- مهد الصالحي لنقده التطبيقي بشروح عن زمن السرد وزمن الحكاية، من أجل الحديث عن زمن السرد وزمن المحكي في «قنديل أم هاشم»، ثم ما لبث أن أثقل شروحه برسوم وأشكال لا تنفع ولا تضر، شأن الكثيرين المولعين بالشكلية ومجاراة ضروب الادهاش بحجة العلمية ومبالغات ما يسمى بعلم النص.
2- عرض الصالحي أن رهان نقده التطبيقي هو الانتقال من القراءة الطامسة إلى القراءة العالمة، ولا أعرف ما الفائدة من نهاجية تمضي بشكليتها إلى حدود قصوى؟ وكيف تصبح قراءة عالمة مع الرسوم التوضيحية للسرد الأربعة: السرد المتداخل، السرد المتزامن، السرد اللاحق، السرد الاستباقي، ودوائرها وأسهمها وإنهاك البنية السردية بما يؤدي إلى إبهام الدلالة؟ إن المضي إلى القراءة العالمة يفيد الكشف عن الدلالة، وما حصلنا عليه هو تناثر الدلالة في تحليل شكلي ينغلق على المعنى الشمولي، أو ما يسمى عند الشكلانيين الروس «الأغراض»، وفي هذه الحال يصير الحديث عن تحليل اللعبة السردية غاية بذاته، ويحتاج إلى إدغامه في القراءة الشمولية، ولعلنا نأخذ مثالاً لذلك في حديثه عن الوقفة من تقانات السرعة السردية، واذكر هذا المثال عن «التردد المفردي» برمته، ولنلاحظ أنه منقطع عن مدى التحليل الشمولي باتجاه الوصول إلى «الأغراض»:
«التردد المفردي، وهو عكس التعددي، وفيه نذكر مرة واحدة ما حدث مرة واحدة، ويبرز خاصة في بداية النص حيث يفصل الكاتب المشهد العام للرواية قبل الدخول في تفاصيل الحكاية:
«... فما كاد يرى ابنه الأكبر يتم دراسته في الكُتّاب حتى جذبه إلى تجارته ليستعين به..».
«.. ولكن الشيخ رجب سلمه بقلب مفعم بالآمال إلى المدارس الأميرية..».
«ومال الرجل للفتى واختصه بحنانه، هذا الحنان هو الذي حمله ذات ليلة على الإفضاء إليه بسر لم يُفض به إلى أحد غيره...».
وكلما تقدمنا في قراءة النص، قلّ التردد المفردي وكثر التردد التعددي»( ).
وقد دافع الصالحي عن طريقته في خاتمة بحثه، بقوله أنه «لا يكفي أن نعرف ماذا قال يحيى حقي في قنديل أم هاشم، لكن المطلوب والضروري، أن نعرف كيف قال. والسؤال عن الكيف يدفع إلى، وضع اليد على التقنيات السردية الموظفة، من غير وعي غالباً»( )، أما سؤالنا فهو أن السؤال عن الكيف ينبغي أن يكون غائياً في النقد التطبيقي، لأن النقد في أساسه وطبيعته ومرتجاه: قراءة وظيفية للكشف عن المعنى.
ويندرج كتاب سعيد الحنصالي «بداية ونهاية: قراءة وتحليل» (1995) في الإطار نفسه لشغل محمد الصالحي، فالكتاب يتبنى نهاجيات الاتجاهات الجديدة، نفوراً من «قراءة انطباعية عفوية»، واشتغالاً على «قراءة تدعي أنها تتبنى حداً أدنى من شروط العلم: قيام التحليل على بنية مفهومية، ثم انسجام هذه البنية مع أوضاع النص اللغوية والتعبيرية والجمالية والمعرفية. السؤال الذي ألح علينا قبل وأثناء هذا التحليل هو: كيف نمارس القراءة بوعي أداتي منهجي؟»( ).
وانسجاماً مع هذه النهاجية الجديدة، أعلن الحنصالي أنه اختار الوجهة التحليلية التي تراعي الشكل والمحتوى والوظيفة، وقسم كتابه تبعاً لذلك إلى:
• ما قبل النص، ويتضمن مدخلين، مدخل تعريفي، ومدخل تأطيري.
• البنيات، ويدرس فيها: البنى الكبرى، البنى الفوقية، بنيات التحول.
• الوظائف، درس فيها السياق التواصلي التداولي للنص.
• المكونات: ودرس فيها الزمان والمكان والمنظور.
• الموضوعات.
• خلاصة تركيبية.
غير أن الحنصالي، وهو يستعين «بالعديد من المفاهيم الجديدة التي تنتمي إلى نظرية الخطاب ونظرية السرد، والتي تفسح مجال التعرف على الداخل النصي وخارجه وفهمه بالشكل الذي يوافق سياقه الاجتماعي والنفسي والتاريخي واللغوي وكشف المكونات الأساسية للخطاب وتفكيكه بنيوياً ودلالياً وتداولياً»، لا يخفي عنايته بالشكل بالدرجة الأولى، فهو ضروري و«ناقل لما يتضمنه النص من محتويات ومعارف ومرتبط بها، وإن مقاربة هذا الشكل لا يمكن أن تتم دفعة واحدة، لأن عناصر العمل متراكبة»( )، وهذا يعني أن الحنصالي مهتم بالتحليل النصي كما أوضح بنفسه: زمن الخطاب، مضمون الخطاب، مقاصد الخطاب، صياغة الخطاب، متلقي الخطاب.
وضع الحنصالي مدخلاً تعريفياً لمفاهيم الرواية التي آلت مع الاتجاهات الجديدة إلى خطاب سردي مرتهن لتطورين: «تطور طبيعي محكوم بقوانين التكون وتطور نصي يتلاعب بهذه القوانين وتحكمه الفوضى. هذا التلاعب بالدلائل هو الذي يؤدي إلى التباسها وكثافتها داخل النص الأدبي»( )، ثم ألحقه بمدخل تأطيري عن نجيب محفوظ والواقعية ومبدأ الاحتمال السردي، ومكانة «بداية ونهاية» في تطور كتابته الواقعية الاجتماعية الكلاسيكية، وكان الأنسب أن يسميها «واقعية نقدية»، لأنها كذلك، بينما يعتري هذا التصنيف خلل في نسبتها بين الكلاسيكية والواقعية، فالكلاسيكية (الإتباعية) سابقة على الواقعية، ومتميزة عنها.
ولدى مقاربة النص ودرس بنياته، استعاد شروح نقاد علم النص وشعرية السرد، ولا سيما فان ديك وجيرار جينيت، لمعالجة الحكاية من خلال الغلاف والعنوان، والخطاب من خلال البنى الفوقية والخطاطة السردية الكبرى للنص، والخطاطات المتفرعة، وبنيات التحول، ونلاحظ هنا استغراق الحنصالي، شأن الصالحي، في شكلية لا يسهل إدغامها في البنية الدلالية، ما دام يحرص على «ما ينقله النص» بجلاء. وهذا مثال لذلك مأخوذ من تحليله لإحدى بنيات التحول:
«من حالة مُرضية إلى حالة غير مرضية (أو العكس) حسن: حالة مرضية: ما قبل الانحراف. الرغبة: اختراق جدار الفقر.
العائق: غياب إمكانية العمل.
إمكان الرغبة: العمل (مغني، فتوة).
التحول: تجارة المخدرات.
المصير: الهروب.
من الصعب هنا التمييز المطلق بين حالة مرضية وأخرى غير مرضية، لأن أي واحدة منهما هي كذلك بالنسبة لحالة سابقة، فحالة حسن مرضية عند موت الأب بالنسبة لما سيأتي من انحراف، وغير مرضية بالنسبة لما سبق من تمرده على الأسرة وعدم الرغبة في الدراسة أو العمل»( ). ومما يجدر ذكره أن هذا هو نموذج جينيت، وبالنسبة لفان ديك فقد أخذ عنه، في تحليله للوظائف، السياق التداولي أو النص كفعل كلامي، وفيه مقاربة أفضل للدلالة، عوداً على البنية العميقة للنص، بوصفها «بنية تحولية تعكس كيف يواجه الأفراد قدرهم ومصائرهم، ويحاولون تغييرها انطلاقاً من مجمل الأفعال التي يمارسونها، والتي تمثل الطبيعة التكوينية للغة: التواصل ضمن مجال إنساني اجتماعي اقتصادي»( ).
أما الموضوعات، فقد اعتمد الحنصالي على نقاد المنهج الموضوعي، طلباً أعمق لدلالية النص، وهو استدراك مفيد، لولا انفصامه عن الآليات والطبيعة المنهجية لنقاد علم النص وشعرية السرد. ومن نافل القول، أن نشير إلى أن المنهج الموضوعي يلبي ما ينشده الحنصالي من تحليليه السردي دون اللجوء إلى مثل هذا التلازم المنهجي. ولعل الاستخلاصات التي أوردها في خاتمة بحثه ناتجة عن استخدامه للمنهج الموضوعي، بأفضل مما فعل في الاستغراق الشكلي.
إن نقد الحنصالي التطبيقي مثال للولع بالاتجاهات الجديدة، وللحيرة المنهجية، التي تجعل من هذا النقد باحثاً عن صوته، على أن هذا البحث سبيل لابد منه من أجل الهوية والاستقلال الفكري.
ولعل استعراض بعض الدراسات النقدية التطبيقية خلال السنوات الأخيرة يوضح مدى الأخذ بالاتجاهات الجديدة ميلاً أكبر وانتشاراً أكبر، ففي كتاب «مكونات السرد في الرواية الفلسطينية» (1999) ليوسف حطيني (فلسطين) انطلاقة واضحة من عناصر السرد الروائي، وهي بعض مكونات علم السرد وتوثيقها مع النقد القصصي والروائي السائد مثل بناء الشخصيات ونمذجتها وتصنيفها، والحدث الواقعي والتخيلي، والحوافز المشتركة والحوافز الحرة، والفضاء الروائي (المواصفات والمكونات والوظائف)، والزمن الروائي، واللغة في مستوياتها المجازية والاجتماعية والرؤيوية والإيقاعية، والتناص.
واعتمدت أمينة رشيد (مصر) في كتابها «تشظي الزمن في الرواية الحديثة» (1998) على التقسيم الباختيني «بين مبدأي المعمار L,archite ctonique والإنشاء La composition للرواية، يمثل المعمار المبدأ الشكي التأسيسي للرواية الذي يحكم بنيتها الفنية، وقيمتها الجمالية، بينما يقوم الإنشاء على إبداع وتنظيم وترتيب التقنيات التي تحقق إنجاز هذه البنية المعمارية»( ).
واستخدم مراد عبدالرحمن مبروك (مصر) في كتابه «بناء الزمن في الرواية المعاصرة» (1998) مصطلحات النقد الموضوعي، ولوّنها ببعض مفاهيم الشكلانيين الروس وخلاصات علم السرد لدراسة مفهوم الزمن في قضاياه الرئيسة: الترتيب والتتابع والتواتر والدلالة.
وتبنى صالح سليمان عبدالعظيم (مصر) إلى حد كبير التحليل البنيوي التكويني في كتابه «سوسيولوجيا الرواية السياسية» (1998)، مثل البنية الدالة، والوعي الفعلي والوعي الممكن، ورؤي العالم بين الرواية والواقع والأديب، وهي مصطلحات مستمدة من مناهج: الشكلانيين الروس والبنيوية، والبنيوية التكوينية.
وتعمق خيري دومة (مصر) في منهجية الاتجاهات الجديدة في دراسته التطبيقية «تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة 1960-1990» (1998)، وحاول تفسير تطور الأنواع القصصية فيما يشبه التمرد على الشكل الدرامي للقصة القصيرة بتقاليدها الكلاسيكية ومجاوزتها لاستيعاب الغنائية بما هي أدوات شعرية كالإيقاع والمجاز من جهة، وإدراج الأشكال السابقة كاللوحة والنجوى والحكاية في نسق سردي جديد، والتفاعل مع الأشكال والأجناس الأخرى مثل الرواية والقصيدة والمشهد الدرامي والحكاية والمقال من جهة أخرى، واستخدم دومة في محاولته تحليلات النص لا تحليلات النوع، حواراً بين النص المفرد والنوع الجامع، مازجاً بين النقد التقليدي والاتجاهات الجديدة وما أعطته لعلم السرد عند الشكلانيين الروس وبارت وجينيت وتودوروف وغيرهم.
وأظهر سليمان حسين (فلسطين) ميلاً كبيراً للأخذ من الاتجاهات الجديدة وتوفيقها مع الاجتماعي والسياسي في الخطاب الروائي في كتابه «مضمرات النص والخطاب: دراسة في عالم جبرا ابراهيم جبرا الروائي» (1999)، فقد درس روايات جبرا من خلال النص وبنيته، أو ما سماه هيكلية النص، وأفرد التحليل للمكان والسرد والحوار والحدث الروائي والشخصيات واللغة الروائية والتصوير الروائي، فيمتزج التحليل بأدوات النقد القصصي والروائي التقليدي السائد مع معطيات كثيرة لعلم السرد، داعياً إلى منزع تكاملي في دراسة النص الروائي.
4- ملاحظات ختامية:
يفيد نقدنا للنقد التطبيقي المتأثر بالاتجاهات الجديدة الملاحظات التالية:
1. لانقع على ناقد يأخذ كلياً باتجاه أو آخر.
2. يعسر علينا أن نفصل بين النقد النظري والنقد التطبيقي، إذ يجمع غالبية النقاد بينهما، على تباين في المستوى والتوجه.
3. غلب على النقاد الآخذ بالاتجاهات الجديدة المتصلة بالبنيوية وما بعدها، بينما ضعف تأثير الاتجاهات الجديدة المتصلة بالعلوم الإنسانية كالنقد النفسي والاجتماعي.



الفصل الثامن
منزلة الاتجاهات الجديدة
إزاء بعض المشكلات النقدية والفكرية

1- منزلة الاتجاهات الجديدة إزاء بعض المشكلات النقدية:
بدا جلياً خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم غورباتشيوف أن المتغيرات قد عصفت بكل شيء، ولا سيما النظرية والأيديولوجيات برمتها، وكنت قد نشرت عام 1989م مقالة عن «التفكير الأدبي العربي وآفاق التسعينيات» وجدت فيها أن المتغيرات قد مست «في عواصفها الشديدة جذور التفكير الأدبي العربي المغالي في تبعيته، والمغالي في أوهام تنظيره، والمغالي في قبليته، فقد انكشفت أوهام كثيرة، ومتابعة وعي الذات في هذا البحران الهائج هي السبيل إلى هزيمة الأوهام الأخرى»( ).
ولعل من السخرية أن يقرن حديث المتغيرات في ميادين الأدب والثقافة بحدث سياسي في بلد ما، غير أن واقع الحال وتطور حركة الأدب العربي الحديث يؤيد ذلك تماماً، لأن التفكير الأدبي العربي الحديث منذ الخمسينيات مرهون بتحكميات سابقة على التجربة الأدبية وخارجة عنها، مظهرها القبليات المتعددة، وباعثها نزوعات النظرية والأيديولوجيات المختلفة التي غالباً ما أضيفت إلى المبدعات الأدبية والفنية من خارجها، فاحتدمت الساحة الثقافية العربية غالباً بمعارك وهمية أو موهومة، زائفة أو غير أصيلة، وحوكمت المبدعات باسم التحزب أو التسييس أو الالتزام من جهة، أو الشكل والمضمون أو التجديد أو التجريب من جهة أخرى؛ وسادت صراعات «على الهوية» بالتعبير الدارج، أو وفق تصنيفات خارجة عن عمليات الإبداع، وربما كانت معارك الأدب الملتزم الأكثر دوراناً، بل ذهب ضحيتها مبدعون كثر، تهميشاً أو إهمالاً أو خنقاً بطيئاً بفعل الاستعداء أو الاستخذاء أو التقية، مما يجعل حديث المثقف العربي والسلطة أو السلطان أحد أكثر جذور موضوعنا متانة، وهو حديث ذو شجون، ومن المفيد أن نلتفت عنه لنبحث عن ضغوط النظرية أو الأيديولوجيات على حركة النقد الأدبي العربي الحديث، ونتملى تأثير المتغيرات على الإبداع النقدي من خلال تمحيص بعض الأوهام، قاصدين إلى استجلاء منزلة الاتجاهات الجديدة إزاء قضية محددة هي مصطلح الواقعية أولاً، ومصطلح الحداثة ثانياً.
ويلاحظ أنني عالجت هذه المشكلات في إطار النقد بعامة، ونقد القصة والرواية بخاصة، لأنه يعسر علينا أن نعزل النقد الخاص بالقصة والرواية عن السيرورة النقدية العامة حين نعالج قضية من قضاياه:
1-1- وهم الأيديولوجيا أو وهم الواقعية:
سنبدأ الحديث عن وهم الأيديولوجيا أو وهم الواقعية، بتوكيد أن الثمانينيات شهدت انقلاباً في المفاهيم الأدبية مما طبع التفكير الأدبي برمته بطوابع جديدة مفارقة لما ساد من حساسيات أدبية فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وإذا كانت عملية النقد الواسعة قد أشارت إلى هذه الحساسيات في مطلع الثمانينيات فإن تأثيرات المتغيرات، أو ما سمي بالبروسترويكا في أول الأمر، قد عجلت في سيرورة هذه الطوابع الجديدة. كان «تغييراً في عمق التفكير»، كما سماه علي عقلة عرسان إثر حضوره ندوة الكتاب السوفييت بمناسبة الذكرى السبعين للثورة (1-3/ 10/1987م)، مما فاجأ مثقفين عرباً كثيرين ما زالوا موهومين بفكر أدبي مسلح بنظريات خاضت معارك ضارية في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات في مفاهيم الواقعية والالتزام والتسييس وتكون الاتجاهات والمدارس والهوية والمثاقفة وسوى ذلك من ظواهر وقضايا أضرت كثيراً بالممارسة الناهضة آنذاك.
أجل فاجأت مقالة عرسان( ) الكثيرين بأطروحات جديدة تصاغ بقوة في النظرية الاشتراكية، وهي بالأساس لا تجيب على تعقيدات التفكير الأدبي والتباساته، حتى إن ما سمي بالواقعية الاشتراكية ليس منهجاً بقدر ما هو توجيه رسمي للسلطة الستالينية، فقد ورد هذا التعريف رسمياً في المعاجم الأدبية على اختلافها، في إحدى مواد دستور اتحاد الكتاب السوفييت الذي وضعه أول مؤتمر عام لهذا الاتحاد سنة 1934م، ونص المادة هو: «إن الواقعية الاشتراكية هي المنهج الأساسي للأدب والنقد الأدبي السوفييتيين، وهي تتطلب من الأديب تمثيله الواقع في حالة نموه الثوري تمثيلاً صادقاً. وعلى هذا فإن صدق التمثيل الفني للواقع يجب أن يرتبط بنوعية العمال، وبدعم إيمانهم بروح الاشتراكية».
وكان استخدم هذا المصطلح لأول مرة في الاتحاد السوفيتي سنة 1932م ليعبر عن حركة احتجاج جديدة ظهرت ضد الإنتاج المسرحي والأدبي التقليدي الذي كان يقدمه فنانون غير واقعيين من أمثال ميير هولد (1873 ـ 1943)، وقد كان هذا الكلام مرفوضاً في تلك المرحلة( ).
وفي غمرة الانصياع للنظرية، أغفلت الجوانب الإيجابية للواقعية الاشتراكية كما أظهرها منظروها الكبار مثل جورج لوكاتش وأرنست فيشر وروجيه غارودي مثل التوفيق بين الذاتي والموضوعي، على توهمه كونه يقاس على مثال سياسي، ومثل الفهم الجمالي للوعي التاريخي تمييزاً له من الوعي الزائف، على تزمته كونه بالنتيجة جزءاً من نظرية سياسية حديثة، تفرضها سلطة تعتقد أنه شيء لا يمكنه تحديه( ).
تكشف الصراعات حول الواقعية ذلك المدى الشاسع في تحكم النظرية بالأدب، فبالقدر الذي تشبث فيه دعاة النقد الأيديولوجي وما جاوره بالواقعية وصولاً إلى الواقعية الاشتراكية، فإن الكثرة الكثيرة من المبدعين رأت أن الواقعية هي إفساد الواقع على حد تعبير والاس ستيفنز، ويمثل هذه الكثرة محي الدين صبحي في كتابه «دراسات ضد الواقعية في الأدب العربي»(1980م).
كان أساس الصراع بين هؤلاء المنظرين والمختلفين معهم هو تحرير الخيال العربي من إسار الأيديولوجيات. ثم ارتفع الصوت عالياً في مناهضة التنظير فهو «ليس نقداً ولا بديلاً عن النقد، لأنه لا يستطيع أن يقوم بمهمة النقد في الكشف عن بنية العمل الأدبي وحتى في مضمونه»، مثلما جهر المختلفون «بإلغاء محاكمة (العمل) الأدبي على ضوء المواقف السياسية والأصول الطبقية لصاحبه، والعودة إلى قراءة النص بدلاً من قراءة شجرة العائلة، لأن وعي الأديب يحدد انتماءه أكثر من أصوله الطبقية»( ).
ولعلنا نعود إلى جذر الصراع في الخمسينيات مع كتاب عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم «في الثقافة المصرية»(1995م)، حين ضحي بالعمل الأدبي، باسم الدلالة الاجتماعية العامة، أو الدلالة الوطنية والسياسية والموقفية للالتزام بالنظرية المادية.
ومن الملحوظ أن قرابة أربعة عقود من الزمن وما شهدته من تطور، بل ما شهدته من عواصف في السبعينيات والثمانينيات على وجه الخصوص، لم تغير من آراء مؤلفيه، وهاهما في الطبعة الثالثة للكتاب (1989م) يقولان: «إننا مازلنا نرى الجوهر الفكري والمعرفي للكتاب ما يزال صحيحاً من الناحية الاجتماعية الخالصة. فما تغيرت وجهة نظرنا في الدلالة الاجتماعية العامة للعمل الأدبي، وما تغيرت وجهة نظرنا في العلاقة العضوية البنيوية الديناميكية بين الصياغة والمضمون، بين القيمة الإبداعية الجمالية والدلالة المعرفية والموقفية. إلا أننا نقر أننا في الكثير من تطبيقاتنا النقدية، كانت العناية بالدلالة الاجتماعية والوطنية للعمل الأدبي تغلب على العناية بالقيمة الجمالية»( ).
لقد مرت مياه كثيرة تحت الجسور وما تزال الممارسة الأيديولوجية باسم الأدب هي السائدة في أمثال هذا الذي يسمى بالنقد. ومن باب التجوز نقول مع عبد الله الغذامي إنه «نقد اللحظة أي أنه حديث المناسبة والظرف الآني، ولم يكن نقداً منهجياً يعتمد على أية نصوصية، وإنما كان يعني بالمعاني الظاهرة للنص مهما كانت ساذجة أو بسيطة، ولم يكن يغوص في الأعماق، أو يطمح إلى دراسة الدلالات الضمنية للنص».( ) ولقد قيل مثل هذا الرأي في نقد محمود أمين العالم الأيديولوجي الذي لم ينفع معه التورط في استعارة لباس النقد الألسني، وهو ما فعله في كتابه «ثلاثية الرفض والهزيمة»(1985م).
هل علينا أن نشير إلى بعض هذه المياه الصافية أو العكرة التي مرت تحت الجسور؟ لتقل إن النقاد الأيديولوجيين، وغالبيتهم شغلوا بالتنظير، لم يروا إلى هذه المياه وهي تتلاطم بالقرب منهم، ما داموا لا يرونها في مظانها، في بلاد النظريات والعقائد. ولنشر إلى جهود بعض المنظرين الأيديولوجيين ممن نقلت أعمالهم إلى العربية منذ أواخر الستينيات، كما هو الحال مع المنظر والمفكر الكبير جورج لوكاتش، إذ ترجم له خلال ثلاثة أعوام أهم أعماله النظرية في الواقعية، وهي: «دراسات في الواقعية»(1970م)، و«معنى الواقعية المعاصرة»(1971م)، و«دراسات في الواقعية الأوروبية»(1972م). بل إن بعض تطبيقات لوكاتش قد نقلت إلى العربية كما في دراسته البديعة «غوته وعصره»(1984م)ناهيك عن تعريب أعمال أخرى كثيرة لا رنست فيشر وروجيه غارودي في أواخر الستينيات، ثم تضاعف جهد التعريف من نقد الواقعية في بلد النظرية الماركسية إلى جذور النظرية الجمالية المادية التي أدت إلى التأكيد على أهمية الفن الاجتماعي، وهذا واضح في مؤلف الناقد الديمقراطي الثوري الروسي تشرنيشفسكي «علاقات الفن الجمالية بالواقع»(1983م). وفي العام نفسه ظهر تعريب كتاب «في سبيل الواقعية» لمؤلفه لافريتسكي عن هؤلاء النقاد الثوريين الروس بيلينسكي وتشرنيتشفسكي ودبروليوبوف الذي يقر بالتناقضات الأساسية للنقد الواقعي فما يخص المجتمع الطبقي أو النمذجة أو التفاؤل المجاني وتعارضه مع العقيدة أو طبيعة الموهبة وفرديتها أو استقلالية مجتمع العمل الأدبي..الخ، وهي تناقضات رافقت نشوء المذهب الواقعي في القرن التاسع عشر، وبدلاً من أن تجد حلولاً تالية لها، نلاحظ أنها تمترست في جدران النظرية وحمى إيديولوجياتها، وفارقت الحياة والواقع لصالح الشعار أو الدعاوي أو الطوبي في أحسن تقويم.
وفي العام نفسه ظهر تعريب كتابين: الأول هو «الواقعية النقدية»(1983م) لبتروف الذي تنفتح فيه الواقعية على النظرية والتاريخ، فليست الواقعية بنت القرن العشرين، ولم تنشأ في القرن التاسع عشر، بل تعود إلى عصر النهضة، ومن هذا المنظور كان للواقعية سيرورتها التاريخية وتشكلاتها الفكرية في واقعيات. وفي «موسوعة المصطلح النقدي»، وفي فصل «الواقعية» على وجه التحديد، وقد ظهرت ترجمته في العام نفسه أيضاً، وهي موسوعة تختلف أيضاً مع دعاة النقد الأيديولوجي ومنظريه، رأى ديمن كرانتأنك تقع على واقعيات بعدد حروف الأبجدية أو أكثر مما ورد ذكره في نقد القرن العشرين مثل: «الواقعية النقدية، الواقعية المستديمة، الواقعية الناشطة، الواقعية الخارجية، الواقعية الجموح، الواقعية الشكلية، الواقعية المثالية، دون الواقعية، الواقعية الساخرة، الواقعية المقاتلة، الواقعية الساذجة، الواقعية القومية، الواقعية الطبيعية، الواقعية الموضوعية، الواقعية المتفائلة، الواقعية المتشائمة، الواقعية التشكيلية، الواقعية الشعرية، الواقعية النفسية، الواقعية اليومية، الواقعية الرومانسية، الواقعية الهجائية الاشتراكية، الواقعية الذاتية، الواقعية فوق الذاتية، الواقعية الرؤوية»( ).
أما الكتاب الثاني «الإبداع الفني والواقع الإنساني»(1983م) لخرابتشينكو، فهو يمثل من زاوية ما انفتاح النظرية على الاتجاهات الأخرى الواقعية وسواها، كالسريالية واتجاهات النقد البنيوي والدلالي واللغوي والتحليل المنظومي للأدب. بينما استكان فهم الواقعية لدى النقاد الأيديولوجيين لدى الحدود الجدانوفية. إنها ليست مفارقة أن رئيف خوري الذي عرب تقرير جدانوف إلى مؤتمر الكتاب السوفييت السيء الذكر «إن الأدب كان مسؤولاً»(1948م)، قد أصدر في أواخر الستينيات كتابه «الأدب المسؤول»(1968م) تيمناً وتمثلاً، وفيه ما فيه من استمرار الانساق النقدية إياها حيث تلعلع عبارات مثل «التوجيه في الأدب» و«نريد نقداً عقائدياً». وليست مفارقة أيضاً أن يستمر النهج الجدانوفي، إذ أصدر جلال فاروق الشريف كتاباً مشبعاً بتأثيرات الجدانوفية المستمرة، ويحمل عنوان تقرير جدانوف نفسه، وهو «إن الأدب كان مسؤولاً»(1978م)، ولا يبتعد كثيراً عن ذلك النزوع ما تصدر واجهات التفكير الأدبي في تلك المرحلة، ومنه ما صدر من مناقشات عن «علاقات السياسة والثقافة»(1986م) التي جمعت في كتاب، تشبث فيه غالبية الكتاب الماركسيين بالفهم الجدانوفي الستاليني للأدب.
ثمة مثال آخر يتبدى في كتاب عبد المعين الملوحي «الأدب في خدمة المجتمع»(1980م)، ففي المقالة التي يحمل الكتاب عنوانها شرح لأفكار جدانوف. ولعل هذا الشاهد يكشف محنة هذا التتبع الأعمى لما يصدره التوجيه الرسمي للأدب. ولنلاحظ أن هذا الشاهد يتناول مأساة شاعرة عظيمة هي أخماتوفا في ظل الستالينية، بينما يسمي الملوحي ذلك جريمة حسب الإعلام السوفييتي آنذاك:
و«المشكلة أن هذا الكتاب ـ يقصد مغامرات قرد لزوتشكينو ـ راج في روسيا ومثل على مسارحها عدة مرات… فلماذا انتشر لو لم يكن هناك ما يدعو إلى انتشاره. أما جريمة أخماتوفا، فهي أنها تتحدث عن حياتها الخاصة، وأنها انبثقت من صفوف الرمزيين، وراحت ترفع لواء الشعر الصالوني الأرستقراطي الأجوف المادة، الذي يمثل نزعة فردية متطرفة في الفن، شعرها شعر امرأة أرستقراطية مدلعة تترجح ترجحاً محموماً بين مخدعها وكنيستها، توكيدها الرئيسي على موضوع الحب الجنسي»( ).
والحق أن الواقعية، تحت وطأة النقد الأيديولوجي، غدت موضة عقدي السبعينيات والثمانينيات مسايرة لهيمنته ومجاراة للسائد فيما يندرج بشكل أو بآخر في الرياء الأدبي، أو توقي النبذ والخسران، فظهر على سبيل المثال كتاب حنا عبود «المدرسة الواقعية في النقد العربي الحديث»(1978م)، وعلى الرغم من النقد الخجول الذي وجه في هذا الكتاب إلى الواقعية حيث «جملة من الأخطاء والتشددات والكبوات والانحرافات كما نجد أحياناً تدنياً في مستوى التعبير، وقلة اتقان للصورة الفنية وبعض الشح في استخدام الأخيلة والرموز»، فإن حنا عبود يرى أن الواقعية «تظل المذهب الأقدر على الانفتاح واستيعاب شتى التيارات والتعامل والتفاعل مع شتى المذاهب والمدارس فتغتني وتغني وتتطور وتطور»( ).
وفي هذا كله مفارقة أخرى، فقد أصدر حنا عبود كتاباً آخر هو «واقعية ما بعد الحرب»(1980م)، أراد أن يكون علامة في تغير النظرة إلى الواقعية من أجل تحديد أعمق وأجدى للواقعية، غير أن نقد هذه الواقعية في الأدب والنقد والشعر، وهو ما فعله الناقد، لا يستقيم مع حديثه عن مذاهب غير واقعية تحت اسم الواقعية، مثلما بدت ملاحظة تأثيره للأزمة العامة التي تعاني منها الواقعية غير أصيلة في إشارته للأيديولوجيا والسياسة والجماهيرية وضعف الاهتمامات الفنية، إنه يتابع ولعه بالواقعية ويجر إلى حظيرتها أدباً لا ينضوي تحت لواء هذا المذهب العريق.
من الواضح أن صنيع حنا عبود لا يختلف عن عشرات الدراسات التي ظهرت في عقدي السبعينيات والثمانينيات عن الواقعية في الأدب العربي الحديث. لنذكر على سبيل المثال الكتب التالية التي تناولت الرواية العربية وحدها مثل: «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية الحديثة في مصر»(1981م) لحلمي بدير، و«الواقعية في الرواية العربية السورية»(1980م) لفيصل سماق، و«الاتجاه الواقعي في الرواية السورية»(1987م) لسمر روحي الفيصل، و«الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي»(1985م) للحمداني حميد…الخ.
وفي هذا المدار سنتوقف عند إلماحات أخرى نلاحظ فيه سطوة النقد الأيديولوجي الذي طوّر إلى حد ضئيل دراسة الواقع، ثم تلون في الثمانينيات بتلوينات الاتجاهات أو المذاهب النقدية الأخرى، وربما كانت دراسة لحميد حمداني، وهي بنيوية تكوينية، الأكثر اعترافاً «بسياقية الجدل الروائي وسياقية الجدل الاجتماعي»، كما يقول محمد الكتاني في مقدمة الكتاب، فقد تطور النقد الأيديولوجي إلى توازن بين المنهج اللغوي والمنهج الاجتماعي، فاندغم «مستوى البنية الفنية بمستوى العلاقة مع الواقع باعتبارها مكوناً للرؤية الأيديولوجية»( ).
أجل لقد أثار عقد الثمانينيات على وجه الخصوص حساسيات جديدة في التفكير الأدبي العربي، ومن أبرز هذه الحساسيات، كما لاحظنا، ذلك التغير الواضح في المفاهيم النقدية ولا سيما الاتجاهات والمذاهب الأدبية ومدى تعبيرها عن حركة الأدب العربي من جهة، ومدى إسهامها في تطوير الإبداع العربي من جهة أخرى، ولا شك أن أهم هذه المفاهيم هو مفهوم الواقعية فيما بعد الحرب العالمية الثانية. فمنذ مطلع الخمسينيات، وما تزال العبارة التقليدية متواترة حتى نهاية الثمانينيات: إن المسألة تدور حول الواقعية. وحتى وقت قريب صار هذا المفهوم إلى مرتكز لفهم الأدب وحزبيته وطبقيته، بل امتدت إلى تعبيراته الفنية كالشكل والمضمون والنمذجة، والانعكاس أو التمثيل… الخ.
وقد لاحظنا أن المتغيرات العاصفة في الثمانينيات هي وحدها التي حدت من التطبيق المباشر والميكانيكي على نشوء الاتجاهات الفنية وتطورها لمفاهيم الأدب العربي مما لا يوافي طبيعة الأدب العربي الحديث وتكون أجناسه واتجاهاته. وبتأثير الطغيان الأيديولوجي، ممثلاً بالنقد على وجه الخصوص، على التفكير الأدبي العربي في الخمسينيات والستينيات، احتل المذهب الواقعي موقع الصدارة في المفاهيم النقدية المتداولة، فاستخدم غالباً كسيف انكشاري في وجه من لا يعتقدون بها، أو من لا يرون جدارة نسبتها إلى هذه التجربة أو تلك. وليس من المفيد أن نستعيد الذكريات المريرة للمعارك النقدية الجائرة بحق مبدعين وبحق إبداع لا يقاس بمسطرة المؤدلجين والنظريين المتحزبين, وإذا كانت هذه المعارك قد سميت بتسميات لطيفة في مطلع السبعينيات كالرأي والرأي الآخر، فإن الحال لم تكن كذلك في الخمسينيات والستينيات، حيث أخضع الأدب لممارسة الخطاب السياسي والعقائدي التي سربلت في تلافيفها طبيعة الأدب ووظائفه غير المباشرة بوصفها تخييلاً ضمن أنساقه المعرفية والفنية.
لقد أشرنا إلى إسهامات نقدية كثيرة ظهرت في ميادين النقد الأدبي العربي الحديث منذ منتصف الستينيات باحثة «عن واقعية بلا ضفاف» ـ بتعبير روجيه غارودي ـ ومتجاوزة الاختلاط بين الممارسة الأدبية والممارسة السياسية العقائدية، وأعيد النظر في مفهوم الواقعية وجذورها التاريخية، كما في كتاب صلاح فضل «منهج الواقعية في الإبداع الأدبي»(1978م)، في إطار تلك الجهود النقدية والنظرية المعرّبة والمؤلفة إلا أن غلاة المنظرين الأيديولوجيين ضيقوا الواقعية إلى مجرد فكرة في موازاة العمل الأدبي، ولعل الإشارة إلى كتاب نبيل سليمان وبوعلي ياسين «الأدب والأيديولوجيا في سورية»(1974م)، تفصح عن هذا المآل بصورة أكثر جلاء، فقد رفض هذا الكتاب رفضاً قاطعاً من غالبية المبدعين والنقاد في سورية ممن تناولتهم سطوة الأيديولجيا ومسطرة التنظير وسلاح النظرية والعقيدة وسواهم، وقد فعل مؤلفاً الكتاب، بالإضافة إلى محمد كامل الخطيب، خيراً حين جمعوا بعض ردود الفعل الناجمة على هذا الكتاب بأقلام هاني الراهب ومحمد عمران وزكريا تامر ورياض عصمت وغيرهم، وثمة مبدعون كثر تجاهلوا الكتاب بالصمت أو التعتيم، لأنه برأيهم لا يستحق مجرد التعليق، ولنقرأ بعض العنوانات الناقمة مثل: «عندما تخلو الأيديولوجيا والأدب من الأيديولوجيا والأدب»، و«جدانوف عربي»، و«الفهم الميكانيكي للأدب الأيديولوجي»، و«حكي الأدباء الأصفار»، و«مشانق الأيديولوجيا تلتف حول أعناق الأدباء السوريين». وبلغت النقمة حداً لا يخفى عند المبدعين الذين من المفترض أنهم ينتمون إلى هذا المذهب، فقد كتب شوقي بغدادي نقده تحت عنوان: «محاولة رائدة هامة ولكن». ولا بد أن نشير إلى أن نبيل سليمان حتى مطلع الثمانينيات قد ضيق المفهوم الواقعي وضيق النقد الأيديولوجي إلى منتهى حدود التضييق، ليس في الكتاب السالف وحده، بل في نقده للنقد الأدبي في سورية وللرواية السورية في كتبه: «الرواية السورية»(1983م)، و«النقد الأدبي في سوريا ـ الجزء الأول»(1980م)، و«مساهمة في نقد النقد الأدبي»(1983م). لقد تفاوتت مواقف النقاد الأيديولوجيين كثيراً تحسساً مبكراً لهذه المتغيرات، أو تزامناً معها، أو رضوخاً لمنطقها الجديد، ويعد نبيل سليمان ويمني العيد من النقاد الأيديولوجيين الذين استشرفوا المتغيرات منذ مطلع الثمانينيات، بينما كان محمود أمين العالم نموذجاً للنقاد الأيديولوجيين الذين دهمتهم المتغيرات، وحاولوا مجاراتها دون جدوى.
ثمة بون شاسع بين نقد السبعينيات عند نبيل سليمان ويمني العيد ونقد الثمانينيات وما تلاها، وسع نبيل سليمان فهمه للواقعية بعد قرابة عقد من ممارسته للنقد مع كتابهالمشترك «الأدب والأيديولوجيا في سورية»، وتلمس مثل هذه الرحابة في فهم الواقعية لدى منظري الماركسية بالدرجة الأولى في كتابه «أسئلة الواقعية والالتزام»(1985م)، ثم توضحت مثل هذه الرحابة في كتابيه: «وعي الذات والعالم ـ دراسات في الرواية العربية»(1985م)، و«في الإبداع والنقد»(1989م). وفي هذين الكتابين يعرف نبيل سليمان بأمرين، سينقلانه فيما بعد مع هذين الكتابين إلى نقد يختلف إلى حد كبير أو قليل مع النقد الأيديولوجي الأول، الأمر هو تغير النظرة إلى مناهج الفكر النقدي الحديث وإلى توظيف تلك المناهج في نقدنا، والثاني هو تقليص أو انتفاء تلك النظرة الوثوقية واحتكار المرجعية الفكرية حين أكد على أن ما يقدمه يحتاج إلى المزيد من الإغناء والتدقيق، ثم تعلل بمحدودية الجهد الفردي أيضاً، أما آخر كتاب في هذا المسار لنبيل سليمان وهو «فتنة السرد والنقد»(1993م)، فهو تكريس للاختلاف مع المرجع القديم، لأنه يحفل أساساً بالسرد وفتنته، أي بتجليات الشكل بالدرجة الأولى. وهكذا انتقل نقده من خارج العمل الأدبي وسطحه إلى داخله وإلى أعماقه وشبكة علاقاته المعقدة.
وعجلت يمنى العيد إلى تغيير موقعها بتأثير النقد البنيوي التكويني الذي سعى إلى تطوير النظرية لعلاقات النص البنائية والشكلية. كان كتاب يمنى العيد الأول، بعد كتبها التعليمية، هو «ممارسات في النقد الأدبي»(1975م)، وفيه اقتراب من المنهج البنيوي التكويني على استحياء في بعض دراسات الكتاب، ولكن كتابها التالي «الدلالة الاجتماعية لحركة الأدب الرومانطيقي في لبنان بين الحربين العالميتين»(1979م)، تساؤل حائر ومترددد حول تغير مضامين الأدب وأشكاله وكيفية هذا التغيير، ثم انحازت إلى أثر الواقع الاجتماعي في الأدب، أو تحويل النقد إلى بحث عن الدلالة الاجتماعية التي يحملها الأدب، ولا يغير من ذلك سعي الناقدة للبرهنة على كون الأدب أثراً ينتجه الواقع الاجتماعي، وذلك بتحديد، ربما أكثر وضوحاً ودقة علمية، لأثر هذه العلاقة الإنتاجية في شكل القول وصوره وعالمه»( ). ثم لازمت هذه الإنفتاحات النقدية على مناهج حداثية كتابها «في معرفة النص»(1983م)، لتنتج بعد ذلك، ثلاثة كتب نقدية هي أقرب إلى المنهج البنيوي منها إلى أي منهج آخر، كما في: «الراوي الموقع والشكل»(1986م)، و«تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي»(1990م)، و«الكتابة تحول في التحول» (1993)، وفي الكتاب الأخير ميل واضح إلى الشكلانية، بل إن بعض مقالاته تغوص في النقد التأثري أو الانطباعي الذي عماده تفتيق اللغة عن اللغة في جمالية لفظية أو وجدانية.
غير أن محمود أمين العالم حاول مجاراة التغيرات دون جدوى. كان من الصعب على ذلك التكوين الميكانيكي والشعاراتي والسطحي لفهم الأدب أن يتبدل على الرغم من النوايا أو سواها. دخل العالم إلى النقد الأدبي في مطلع الخمسينيات مستنداً إلى النظرية، وجبه الحياة الثقافية بإجاباته الجاهزة لقضايا الأدب والنقد من الجدانوفية والستالينية وصوت الشعارات السياسية الطنان، وتلك هي حصيلة كتابه المشترك الشهير «في الثقافة المصرية»، وفي العقود التالية توفر العالم على النقد الأدبي في غمرة مشاغله الفكرية والسياسية، فكتب من منظورات أيديولوجية أخف وطأة كتابيه: «تأملات في عالم نجيب محفوظ» (1970)، و«توفيق الحكيم مفكراً فناناً» (1983)، وجهد نفسه ما وسعها الجهد، فاستخدم النقد الألسني بروحية النقد الأيديولوجي القديم في كتابه «ثلاثية الرفض والهزيمة» (1985).
ومن اللافت للنظر أن كتاباً مؤخراً صدر للعالم يعود فيه بجلاء إلى مواقع النقد الأيديولوجي الذي مارسه وسواه، وكان موضع نقمة كبيرة، هناك مقالتان في كتاب «مفاهيم وقضايا إشكالية» (1989)، تبعثان على الأسى، وتشيران إلى بؤس ذلك النقد الأيديولوجي، وهاتان المقالتان هما: «ملاحظات حول نظرية الأدب وعلاقاتها بالثورة الاجتماعية» و«الجذور المعرفية والفلسفية للنقد الأدبي الحديث والمعاصر». وليس بذي طائل أن نورد شواهد لمثل هذا البؤس. ونلمس رحابة العالم في التعامل مع نقده الأيديولوجي في كتابه «أربعون عاماً من النقد التطبيقي» (1994).
وفي فترة الثمانينيات نفسها تلمس نقاد آخرون دروب الإبداع ودروب الواقعية في غير النقد الأيديولوجي وهيمنته الطاغية، مثلما فعل فيصل سماق في كتابه _4الواقعية في الرواية السورية» في وقت مبكر، فكان النزاع إلى انبثاق الاتجاه الفكري والفني من النصوص نفسها، وسيعلن ناقد على سبيل المثال، صراحة، خلافه ليس مع منهج النقد الأيديولوجي فحسب، بل مع نتائجه في دروس الواقعية، كما فعل سمر الفيصل في كتابه آنف الذكر «الاتجاه الواقعي في الرواية السورية»، ولا سيما ملاحظته الجديرة بالتأمل والنظر: «أما الرواية الواقعية في سورية فأمرها مختلف جداً، إذ لم تتأثر بالمنهج الفني للواقعية النقدية أو الاشتراكية، ولم يكن لها تاريخ تستفيد منه. لهذا السبب بدت صورتها اقتطافية، امتصت الأفكار الاشتراكية عن العمال والفلاحين والمظالم والاستغلال من الشارع السياسي الذي تبني هذه الأفكار، ومن العقيدة الماركسية التي فسح لها الشارع نفسه مكاناً محدوداً تعمل فيه. وقد استفادت الرواية الواقعية في سورية خلال تاريخها القصير من الرومانتيكية والكلاسيكية والطبيعية والتعبيرية، لكن تأثرها الفني لم يكن منظماً، وإنما كان عشوائياً إلى حدًّ من نمو العناصر الواقعية فيها»( ).
وضمن هذه الرحابة في فهم الواقعية بتأثير المتغيرات، اكتفي في هذا المجال بذكر شيء من هذه الحالة في سورية، أعيد تقويم مبدعين كثر طالما غمط إبداعهم تحت سطوة النقد الأيديولوجي مثل وليد إخلاصي وأديب نحوي وحيدر حيدر وعبد السلام العجيلي وزكريا تامر، فالتفت النقد الأيديولوجي بتلويناته الجديدة، أو المتأثر بالمتغيرات إلى هؤلاء الأدباء الذي تجاهلهم، أو أهملهم، أو عاداهم، عداء صريحاً ومعلناً أو مبطناً، فقد كانوا برجوازيين وبرجوازيين صغاراً وممثلي الإقطاع والرجعية، أو كانوا عدميين تجريبيين حداثيين منقطعين عن جذورهم وعن جمهورهم وعن طبقتهم.
ثم شهدت أواخر الثماينيات أبحاثاً وكتباً نقدية عن هؤلاء الأدباء بالذات في أضواء جديدة مثل عبد الرزاق عيد في كتابه «عالم زكريا تامر القصصي. وحدة البنية الذهنية الفنية في تمزقها المطلق» (1989). وأحتفي من جهة أخرى بكتاب أمثال وليد إخلاصي وعبد السلام العجيلي في الدوريات الأدبية الماركسية وفي الاحتفالات الثقافية بحجة أنهم أصبحوا قريبين من دائرة الأدب الوطني ودائرة الواقعية في الوقت نفسه، فما الذي تغير؟ لا شك أن هؤلاء الأدباء لم يتغيروا، والأصح أنهم رسخوا ممارستهم الأدبية بوعي حاد بالنظرية الأدبية حسب مفاهيمهم ونظراتهم الفكرية وما يتطلبه شغلهم الفني، كما هو الحال مع العجيلي وإخلاصي وتامر وحيدر. إن الطبيعي هو التغير في الاتجاه نفسه، لا الانقلاب على الثوابت.
لربما كان التفكير الأدبي لهذه الجماعة أو تلك، لهذا المنهج النقدي أو ذاك، هو الذي قارب المواقع الفنية والأيديولوجية لهؤلاء المبدعين لا العكس، وعلى هذا الأساس نفهم انخراط بعض هؤلاء المبدعين في كتابه الرواية التسجيلية أو كتابة رواية التأرخة التي تقرّب مفهوم الرواية الواقعية أو الملحمية من الرواية التاريخية، وهذا واضح في أعمال نبيل سليمان وخيري الذهبي وحنا مينه وعاصم الجندي وغيرهم.
هل تغير مفهوم الواقعية، وهل تغيرت النظرة إلى الاتجاه الواقعي؟ إن الإجابة على ذلك تتطلب بحثاً أكثر استقصاء، وشمولاً، ولكن الأشارات التي قدمناها تمهد لمثل هذا البحث.
إن أفول الواقعية بدأ في مطلع الثمانينات، ويسجل كتاب وائل بركات «الواقعية الاشتراكية- المغامرة والصدى- دراسة مقارنة» (1997) ذروة النقد في هذا الاتجاه.
ومن الملحوظ أن حساسية أدبية جديدة في فهم الواقعية تكاد تشكل قطيعة معرفية وفنية مع التراث النقدي الذي ساد طويلاً في الأدب العربي الحديث، ومثل هذه الحساسية الأدبية الجديدة على أنها ليست مذهباً معزولاً عن التجربة الأدبية يطبق برمته على مسار ونصوص قد لا تقبل مثل هذه الأنظمة المعرفية والمنهجية، ثم جرت إعادة نظر في معالجة تطور الأجناس الأدبية ضمن تاريخها وعلاقته بصراع الأفكار وانبثاقه من تقاليده الثقافية العريقة، فالواقعية عناصر قائمة في كل تجربة أدبية قديمة أو حديثة... الخ.
إن تغير النظرة إلى الواقعية بدأ مع الإقرار بصعوبة تطبيق مصطلح مجرد على تجربة أو تجارب أدبية محلية معنية في خصوصيتها، وكانت بوادر هذه النظرة مع توسيع استخدام مصطلح الواقعية الذي اختلط، وما يزال مع اتجاهات أخرى كالتعبيرية والانطباعية والتأثيرية، ثم طبعت هذه النظرة بطوابعها الاعتراف بالواقعيات الجديدة. الخ، فأطلقت الواقعية التعبيرية على أعمال لغادة السمان وزكريا تامر، وعرفت واقعية عبد السلام العجيلي بالنقدية لاحقاً... وهكذا، إن الواقع الأدبي، والنقد المتصل به، يحتدم بالصراعات تحت وطأة المبتغيرات الهائلة التي عصفت بالممارسة الأدبية، وأثرت أيما تأثير على وجدان الأديب. وقد جرى التحذير دائماً من الجدانوفية وآثامها في تاريخ الواقعية، وتكشف الحساسيات الأدبية الجديدة في التفكير الأدبي العربي عن البضاعة الجدانوفية الكاسدة بمظاهرها المختلفة، مثلما تعلن عن بوادر تفكير أدبي جديد، أشرنا إلى بعض ملامحه إزاء قضية واحدة هي الواقعية.
1-2- وهم الحداثة أو وهم المثاقفة:
صارت الحداثة إلى هوس في الإبداع العربي الحديث، وفهمت، حتى وقت قريب، على أنها الاقتداء بالغرب وتمثل التقليد الغربي، وكانت الأطروحة المركزية للنقد الأدبي العربي الحديث منذ مطلع الخمسينيات هي التطلع إلى نقد حديث، فاختلط مفهوم حديث بمفاهيم مجاورة مثل «جديد»، وعومل «القديم» في مراحل متعددة على أنه نقيض «الحديث»، واقترنت «الحداثة» بنقض «الماضي» حتى بلغ النقض حد القطيعة مع «التراث»، مادام التراث من ذلك «الماضي». وهكذا أنجب الموقف من الحداثة تيارين هما الأبرز في مسار النقد الأدبي العربي الحديث، الأول المحافظة. في وجه الحداثة على انها مروق عن الأصول وهدم للقديم، وتشبث المحافظون منوقت لآخر بمواقعهم جهلاً أو تعصباً أو تخلفاً عن مواكبة العصر، ويعد موقفهم لدى غالبية ممثليه استمراراً لذلك الصراع الأبيد بين القديم والجديد.
ويكشف كتاب محمد الكتاني الكبير «الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث»(1983م) تاريخاً طويلاً متعثراً وباهظ التكاليف لتردي النقد العربي الحديث في وهدة الإعاقة الذاتية، فكان أن جرى عصر النهضة، وهو عصر التحولات العظيمة، من الانفتاح والحركة والتحديث. إنه تاريخ مليء بالإحباط واليأس والخيبة، ولكنه يعج أيضاً بالحركة بالثقة والأمل، فقد طال الصراع بين القديم والحديث شؤون التأصيل والتحديث جميعها في قضايا الأدب والنقد كالوعي والهوية من خلال الصراع حول العامية والفصحى، أو الصراع حول قضايا الشعر، أو الصراع حول مناهج الدراسة الأدبية وتقويم التراث، وفي العقود الثلاثة الأخيرة، الصراع حول تشكل الأجناس الأدبية، أو الصراع حول المذاهب في ظل التبعية، أو اتصال الصراع بأنماط الحياة وأشكال الوعي الأخرى.
وفي آخر كتاب حول القديم والجديد، جمع محمد كامل الخطيب نصوصاً من فكر النهضة حول مقدمات مسألة القديم والجديد، ومشكلة كتاب في الشعر الجاهلي مثالاً للمعارك الفكرية حول القديم والجديد، وقضية الطربوش أم القبعة إشارة إلى تواصل الصراع بين الأدب والحياة أو تعبير الأدب عن الحياة. لا يضيف كتاب الخطيب «القديم والجديد»(1989م) إلى جهد الكتاني كثيراً، ولكنه، يعطي انطباعاً مستمراً عن ضغط دعاة القديم ضد الجديد، أو ضد الحداثة، لا فرق.
أما التيار الثاني فهو نابع من التيار الأول، ويعنى بالتراث أو بالتقاليد الثقافية والأدبية والنقدية، فكان درس التراث المعمق ومكانته الكبرى في تحقق الذات والتأصيل عماد التحديث، وثمة مكتبة كاملة لشغل المبدعين والنقاد العرب الحديثين في التراث الأدبي والنقدي من منظورات حديثة، ونذكر منها على سبيل المثال لأهميتها في وعي الذات النقدية العربية كتاب محمد مندور «النقد المنهجي عند العرب» (1944م) وكتاب مصطفى ناصف «نظرية المعنى في النقد العربي»(1965م) وكتاب إحسان عباس «تاريخ النقد الأدبي عند العرب»(1971م) وكتابي جابر عصفور «الصورة الفنية في التراث النقدي»(1974م) و«مفهوم الشعر دراسة في التراث النقدي»(1977م).. الخ.
وفي هذا المناخ المحموم تنامى التفكير النابذ للتراث، لأن الحداثة عند كثيرين لا تكون مع مكونات الهوية بعناصرها الأصيلة أو الخاصة أو الذاتية، بل في اجتلاب الآخر المتقدم لاالحديث، إذ ليس بالمستطاع كما دلت التجربة التاريخية العربية للنهوض القومي التوفيق بين عناصر الذات والحداثة. صار هذا المناخ عدائياً، وتولدت فيه ثنائيات عانى منها النقد الأدبي كثيراً، مثل ثنائية الشرق ـ الغرب، وثنائية الذات ـ الآخر، وثنائية الأصالة ـ المعاصرة، وهي كلها استمرار لثنائية القديم ـ الجديد؛ فغرق النقد في وهاد التبعية، توهماً على «موضات» ما تلبث أن تتبدل كلما ظهرت موضة نقدية أحدث، وهذا شأننا مع الفرويدية أو الوجودية أو البنيوية أو تمازجاتها مع مناهج نقدية أخرى.
هل نستطيع القول: إن السائد في ساحة النقد الأدبي حتى مطلع الثمانينيات هو تأثير المثاقفة بالدرجة الأولى؟ لعل الإجابة بنعم لا تكون مغالية في تقدير حجم تأثير ثقافة غازية قاهرة مثل الثقافة الغربية في ثقافة مغزوة مقهورة مثل الثقافة العربية، وهذا هو معنى المثاقفة بإيجابيات هذا التأثير وسلبياته. لقد شكلت المثاقفة تحكمية أخرى في التفكير الأدبي تحت وطأة هذا الهوس بتقليد الغرب سواء أكانت الثقافة الفرانكوفونية أو الأنجلوسكسونية. وإذا كانت الأخيرة باهتة التأثير إزاء الأولى. فلأن الأولى تدعم عمليات انتشارها تمويلاً وإجراءات ليس في الأدب وحده، بل في الفنون والنشاطات الثقافية الأخرى. وثمة مراكز متعددة لإشاعة هذه الثقافة ورموزها ونقدها في المغرب العربي ولبنان على وجه الخصوص؛ فجرى تسويق الوجودية في الخمسينيات والستينيات غير ان الهزيمة المنكرة في عام 1967م، أرغمت التفكير الأدبي العربي على نقد ذاتي موجع ما تزال أصداؤه تقرع الآذان حتى اليوم؛ وفي تضاعيف هذه الأصداء إحساس مرير بأزمة ذاتية متفاقمة دفعت نقاداً كثيرين إلى «تلقف» البنيوية في السبعينيات متداخلة مع اتجاهات تطورت عنها، أو زامنتها وماثلتها.
لعل كتاب الناقد جلال العشري المسمى «ثقافتنا بين الأصالة والمعاصرة»(1968م) هو الأسبق والأكثر اكتمالاً لوصف الأزمة التي عانى منها النقد الأدبي الحديث. حوى الكتاب فصولاً عن أزمة النقد من خلال جهود النقاد محمد مندور ولويس عوض ورجاء النقاش، وقد حاول العشري أن يتعرف إلى كنه النقد العربي وجوهره، من حيث هو نقد له سماته الخاصة وملامحه الذاتية التي ليست ترجمة أو اقتباساً لمذاهب النقد الأجنبية، فكانت محاولة توفيقية تؤكد الأزمة ولا تجد إجابة لها. منذ الصفحات الأولى في المقدمة «البحث عن نظرية»، يصدمنا في دراساته «البحث عن منهج» اطمئنانه إلى أن مجاوزة الأزمة تكمن في ضوء ثقافة أجنبية هادفة، وفي ضوء تجربتنا الاشتراكية (هكذا؟!)، وهذا ما عبر عنه بمفهومي الأصالة والمعاصرة: في أن نصدر عن ذواتنا الحقيقية لا عن غيرنا من الذوات، والمعاصرة في أن نحيا تجربتنا الواقعية دون أن نقطع صلتنا بتراثنا الماضي، ودون أن ننعزل عن العالم من حولنا»( ).
ومن الملحوظ، أن ثمة غلبة للشعارات والعبارات الجاهزة شاهت معها اللغة النقدية، وتسطح النقد، وغدا أسير المثاقفة أكثر من ذي قبل، وصار الصراع النقدي والفكري بين مؤثرات أجنبية معلنة وصريحة.
أما الصوت النقدي الأنقى، فكان يسعى إلى عقلنة المؤثرات، كما في نقد جبرا إبراهيم جبرا وإحسان عباس وخليفة التليسي ومحمد مندور وغيرهم، بينما النقد في عمومه يوغل في نقد بلاغي أو تعليمي أو صحافي. وكانت معركة الشعر الحديث، مثل معارك أخرى، مثالاً نموجياً لحال النقد حتى نهاية السبعينيات حيث الصراع بين الماضي والجديد الذي التبس طويلاً مع مفهوم «الحديث»، وتعد كتب جبرا إبراهيم جبرا شهادة حية عن تلك الحال المؤرقة المستمرة بشكل أو بآخر، إذ تلخص راهن الموقف من الحداثة، في الثمانينيات أيضاً. من «الحرية والطوفان»(1960م) إلى «الرحلة الثامنة»(1967م) إلى «النار والجوهر»(1975م) إلى «ينابيع الرؤيا»(1979م) يشكل جبرا إبراهيم جبرا في نقده سيرة لحداثة النقد دون الإرتهان للمثاقفة، إذ تعامل معها باتزان وثقة.
لقد حفل نقده بما ينزع الأوهام عن الممارسة النقدية، فاتجه إلى إبداع نقد خلاق يزهو ببعده المعرفي، وحصافته الفكرية، ودقته الإجرائية، وتأسيس على فهم واضح للنقد والناقد وعدته ولوظائفه. أما الحداثة فهي التثمير الواعي للتراث المشترك بمنأى عن الجهل والتعصب. وبالقدر الذي نقرأ جبرا على أنه صورة للناقد العربي الحديث، فإنه أيضاً صورة لحداثة النقد. وفي مقالته «جدلية النقد والإبداع: من الخاص إلى العام» المنشورة في كتابه «معايشة النمرة وأوراق أخرى»(1992م) يشرح جبرا نظرته إلى تكونه في ظل المؤثرات الأجنبية التي طواها في دخوله إلى النقد الجديد، أيام كنا نفضل كلمة «الجديد» على «الحديث» لشعورنا منذ ذلك الحين بأن «الحديث» (الذي كانت بداياته الحقيقية في أواخر القرن الماضي) غدا مستهلكاً و«غير حديث» وأنّ الجديد يبقى متصلاً بالماضي وهو ينطلق نحو المستقبل، ليجهر بالقول: «إن الناقد كالفنان وارث لحضارة الإنسان كلها، وإلا فإنه لن يكون ذا قيمة تذكر»( ).
وقد أوضح جبرا في وقت لاحق «أن في التراث قوة نستمدها ولكن يجب أن نضيف إليها قوة جديدة، بحيث تكون الحداثة انطلاقاً سهمياً لا دوراناً انكفائياً. يتصور بعض الناس أنك بالعودة إلى التراث تجدده وهذا غير صحيح. فالعودة إلى التراث لا تجدد شيئاً، لكن بالإنطلاق منه، وبالإضافة إليه تجدد قوته إذ بالإضافة فقط تهيء المسار المستقبلي للنسغ الحي الكائن فيه»( ).
غير أن صورة النقد الحداثي لم تتغير كثيراً حتى وقت متأخر، ولعل المقارنة بين نقد جبرا ونقد ناقد حداثي بارز في الثمانينيات هو عبد الله الغذامي تبين ذلك، فالحداثة لا تعني القديم، وليست «الديمومة» إلا عصارة إبداع حي باق على الزمن. أوضح جبرا أن مشكلة الشعر الحر هي مع النقد الخاطئ الذي يجانب العصر ويمضي في الجهل وعناد التاريخ. كتب جبرا عن الماضي لدى المجددين بوصفه قوة اندفاع وتحليق: «فالماضي لدى المجددين جذر ومنبت وجذع تستمد منها اللغة طاقتها، ويستمد منها الإبداع عصارة الديمومة. فيصبح كل جديد فرعاً آخر من دوحة عظيمة، دون أن يعيد الفرع شكل الفرع الآخر. وهنا سرّ حيوية هذا الجديد: أنه جزء من الطبيعة التي لا تنتج ورقتين متشابهتين. بله الأغصان. أما الماضي لدى غير المجددين بأن يعود خط التطور فيستدير نحو أوله. وهذا تناقض أساسي في فهم الماضي وعظمته وقوة إيحائه»( ).
أما عبد الله الغذامي فيلتم على المنطلقات إياها في مواجهة مناوئي الحداثة، ويدعم تجربة النقد الحداثي بأدلة فكرية وفنية في وجه الحملة العنيفة على الحداثة خروجاً على التقاليد الأدبية، وقد خصص كتابين صريحين يعطيان الحداثة من قلب التقاليد الأدبية نفحاً صادقاً وصافياً تسنده حجج دامغة في كتابيه: «الصوت القديم الجديد ـ دراسات في الجذور العربية لموسيقى الشعر الحديث (1987م)، و«الموقف من الحداثة ومسائل أخرى»(1987م).
ويبدو أن الكتابين متصلان وكأن الأول برهان على الثاني، يكشف الغذامي في الموقف من الحداثة حقيقة المعارضة للتجديد من ثلاثة جوانب أساسية، هي أصول المعرفة النقدية، وعليها يتوقف مصير الرؤية النقدية صحة أو خطأ. والجانب الأول هو الموقف النقدي، ويعني به وجود نظرية أدبية تستند إلى أسس علمية مدعمة بالراهين وموثقة بالعلم الصحيح. والجانب الثاني هو قصور المعرفة لدى مناوئي التجديد، ويتجلى ذلك بعدم فهمهم للجديد، وهذا مرض متأصل فيهم منذ القديم. والجانب الثالث في استجلاء حقيقة موقف معارضي الحداثة، وهو في عدم فهمهم لوظيفة اللغة في الشعر». وأخيراً يتضح لنا أن مناوأة الحداثة نابعة من قصور معرفي لدى المناوئين، أسبابه ثلاثة:
• عدم وجود موقف نقدي لديهم.
• عدم فهمهم لفلسفة التجديد ومفهوم الحداثة.
• ضيق حدود نظرتهم في فهم اللغة( ).
إن تأمل هذا الرأي يفضي إلى الرأي المشابه له الذي أطلقه جبرا قبل ثلاثة عقود من الزمن. غير أن الغذامي أضاف جهداً نقدياً أصيلاً إلى هذا الرأي في كتابه «الصوت القديم والجديد»، الذي يكشف عن «حقيقة العلاقة بين اللغة كموروث حضاري والنص الأدبي كتمثل لهذا الموروث، لهي من القوة والوضوح بما هو كاف للتأكيد على أن التجربة الشعرية الحديثة تستند على فنيات شاعرية عربية، لأن مجرد قبول النص الأدبي الفصيح لهذه الفنيات دلالة على أنها جماليات نصوصية مخبوءة داخل لغة هذا النص»( ).
ولنا أن نقول بعد ذلك إن كتاب الغذامي يكشف «العلاقة الفنية بين اليوم والأمس، بين قصيدة الشعر الحديث والمعلقة الجاهلية بأدلة تاريخية نصوصية تقيم العلاقة العضوية الأكيدة داخل اللغة العربية، بل كل أنماط الكتابة الإبداعية فيها»( ).
لا يركن الغذامي للجاهز في النقد بل يمضي فيه على أنه كشف في التاريخ الأدبي وفي النص، فالحداثة بهذا المعنى، وهو الناقد الألسني، وعي للتاريخ الأدبي والنقدي مثلما هي وعي لسيرورة الإبداع في تجربته الخاصة، وقد برهن في كتابه «القصيدة والنص المضاد»(1994م)، أن النقد الحداثي هو الأجدر بكشف التجربة الإبداعية العربية كما في بحث «جماليات الكذب». هذه إشارة إلى معركة الحداثة في التباسها بمفهوم الجديد وفي مواجهة مناوئي التجديد، وهي صوت يجهد لأن يكون أصيلاً مما يفيد كثيراً في رد أطروحات التمسك الأعمى بالقديم الساكن الثابت والمحافظ وفي دفع أطروحات دعاة الحداثة في أحضان التلقف العجول للاتجاهات أو المؤثرات الأجنبية وربما كان تمحيص النقد البنيوي في انتشاره داخل الإبداع العربي مفيداً في استجلاء وهم المثاقفة أكثر.
مع مطلع السبعينيات، تغلغل النقد البنيوي اجتلاباً في سنوات كثيرة خاض فيها النقد الأدبي العربي الحديث في التيارات اللغوية والفلسفية، وفي إشاعة نماذج مختلفة للتحليل الأدبي، وفي شيوع الحديث عن النظرية الأدبية والمستويات الأدبية ونظريات الأجناس الأدبية ولغة الفنون وجماليات الإبداع وتشريح النصوص واندراجها في النظم المعرفية الألسنية والأخرى المستمدة من العلوم الإنسانية كالنقد الاجتماعي على وجه الخصوص، وكان أول مبادر إلى تطبيق البنيوية هو كمال أبو ديب في كتابه «جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر»(1979م). وتنبع أهمية هذه المبادرة في أنها تطبيق كامل على الشعر العربي القديم بمنهجية ومصطلحات البنيوية إلى حد الميكانيكية. وفي تلك الفترة ظهر كتابان يعنيان بالنظرية البنيوية، الأول رحابتها الفلسفية وهو كتاب زكريا إبراهيم «مشكلة البنية»(1977م).
والثاني في علاقات البنيوية باتجاهات النقد المجاور أو المماثل، وهو كتاب عبد السلام المسدي «الأسلوب والأسلوبية: نحو بديل ألسني في نقد الأدب»(1977م). ولأن الداخل كان قائماً في التعريف بذلك الاتجاه النقدي، وجدنا المسدي ينقح الكتاب في طبعته الثانية بعد سبع سنوات، ويميز الأسلوبية من البنيوية، ويبين ناقداً في الفهرست الملحق بلغته الهادئة سرعة انتشار هذه المناهج النقدية الحديثة بما أطلق عليه نعت «طفرة الرائجات وشكلية البدائل»( ). فدل المسدي وهو يعرف بهذا المنهج الحديث على غلبة «النقل» لدى النقاد العرب.
ثم توفر ناقد بارز آخر على درس البنيوية في النقد هو صلاح فضل في كتابه «نظرية البنائية في النقد الأدبي»(1978م)، وهو كتاب كبير يعرف بأصول البنائية في مدرسة جنيف الرائدة وفي ميراث الشكلية الروسية وحلقة براغ اللغوية وفي علم اللغة الحديث، ويخصص فصولاً طويلة للبنية والبنائية وتطبيقاتها في العلوم الإنسانية، ولا سيما علاقة البنية بالتاريخ. أما الفصل الأكبر فهو البنائية في النقد الأدبي حيث يفصل القول في مستويات التحليل الأدبي وشروط النقد البنائي ولغة الشعر وتشريح القصة والنظم السيميولوجية. ولا مجال هنا لنقد هذا الكتاب التعريفي الذي يعتمد أساساً على التعريب، ولكننا نشير إلى العنوان الهامشي في خاتمة الكتاب، وهو «محاولات تطبيقية في النقد العربي» ويقع في أقل من عشر صفحات ضمن كتاب جاوزت صفحاته خمسمائة صفحة. كان صلاح فضل في صفحاته الأخيرة القليلة يشير إلى دراسات تطبيقية لنازك الملائكة. ولا نعتقد أنها كذلك، والطاهر لبيب وحسين الواد، بينما وضع باحث وناقد آخر هو فؤاد أبو منصور كتاباً آخر كبيراً عن النقد البنيوي من مواقع قريبة منه تضمن حوارات مباشرة بين المؤلف وبعض أعلام هذا النقد في أوروبا، مثلما تضمن استقصاء تاريخياً لملامح النقد البنيوي في لبنان، وخصص فصولاً مطولة لبعض النقاد مثل سعيد عقل وأنطوان غطاس كرم وأدونيس وخالدة سعيد وكمال أبو ديب وكمال خير بك وإلياس خوري وناهدة طويل، وليسوا جميعاً نقاداً بنيويين بالمعنى الاصطلاحي لهذا النقد ولطرائقه.
وضع أبو منصور لكتابه عنواناً طويلاً طموحاً هو «النقد البنيوي الحديث بين لبنان وأوروبا: نصوص ـ جماليات ـ تطلعات»(1985م). ربما كان هذا الكتاب موسوعة نقدية عربية تتناول مدارس النقد الأوروبي والمحاولات النقدية اللبنانية العربية، ولكن كلمة البنيوي لا تنطبق تماماً على ما ذكر ومن ذكروا، ناهيك عن الارتهان الكامل للمثاقفة.
قبل ذلك بزمن كانت البنيوية، تعلن إفلاسها في الغرب، وتواجه نقداً من الماركسيين وسواهم، وفي ذلك الوقت الذي جرى التلقف العجول للبنيوية، عرّب جورج طرابيشي أحد هذه الكتب التي تنقد البنيوية وأيديولوجيتها، وهو كتاب روجيه غارودي «البنيوية فلسفة موت الإنسان»(1979م)، وكان ظهور هذا الكتاب لأول مرة بالفرنسية عام 1969م ـ ثم عرّب محمد مصطفى بدوي كتاب جورج واطسون «الفكر الأدبي المعاصر»(1980م)، علامة على تراجع فكر التلقف على سبيل الموضة أو الادعاء أو مجانية الواقع الثقافي وسيرورة الإبداع العربي ونقده. وظهر هذا الكتاب باللغة الإنكليزية لأول مرة عام 1978م، وهو مخصوص بكشف آليات المناهج النقدية والأدبية الحداثية التي أفرزتها الثقافة الفرنسية، وانتشرت انتشار النار في الهشيم في الثقافة الأوروبية والأميركية، وبعد ذلك في الثقافات التابعة، وقد رآى معرب الكتاب أن الكتاب غاضب، ومؤلفه غاضب، ومعربه غاضب، فقد «حدثت تطورات في النقد الأدبي الغربي في العقد السابع من هذا القرن كان لها أثر خطير في ميدان الدراسات الأدبية. وكان منشأ هذه التطورات فرنسا منبع الموضات، وسرعان ما انتشرت في غيرها من البلاد ولا سيما أميركا، وهي سوق الموضات. ومن شأن الموضات أنها ظواهر عابرة، وحين تقتصر على النواحي السطحية الخارجية من الحياة لا يكون لأثرها ضرر ذو بال. ولكن الوضع يختلف عندما تغزو الموضات الحياة الفكرية، فحينئذ قد يكون الضرر بليغاً»( ).
ضمن واطسون كتابه نقداً عنيفاً للبنيوية والنقد الجديد الفرنسي واللغويات الجديدة مؤكداً «أن الشكل والبنية في الفن العظيم لا يستحقان التعليق إلا لكون الفن العظيم أكثر من مجرد بنية وشكل»( ). ويعزو واطسون غضبه على أمثال هذا النقد لسببين: «أولهما أن التفكير الأدبي تخلى عن زعمه أن مكانه هو في مركز الدراسات الإنسانية أو قريباً منه وقنع فيما يبدو بالإنسحاب إلى مكان جانبي، وثانيهما هو أنه توقف عامداً عن أن يظهر بمظهر الذي يضيف حقائق هامة عن الطبيعة البشرية، فهو في تحمسه لعلاقاته بفروع المعرفة الأخرى تحول ذاته إلى لون من اللعب. وهذه نتيجة تكاد تكون ضرورية لتخليه عن زعمه بأن مكانته هي المركز بالنسبة للأشياء فحين فقد ثقته بمركزه من حيث هو معرفة تحول إلى ضرب من التسلية»( ).
في هذا المناخ النقدي الجديد اتسعت عمليات نقد «التلقف» ليوضع حد للمثاقفة باتجاه وعي أصلب لفعل الحداثة من سيرورة التقاليد الأدبية، فثمة تغير في الموقف من الحداثة أسهمت المتغيرات في تعضيده استناداً إلى مقاربة الهوية وإلى الوعي العميق بالذات من أجل فاعلية أقوى للذات وضد جموح الذات ومن أجل تأصيل الذات. فالحداثة بعد «مفهومي» وليست بعداً «زمنياً»، لأنها وعي الكتابة لأسلوبها ووظيفتها في التاريخ، اتفاقاً مع أكثر التعبيرات الحضارية، واستجابة لتحديات الحداثة نفسها، كما أفادت شهادات عشرات المبدعين العرب التي جمعتها في كتابي «الأدب العربي وتحديات الحداثة»(1987م).
وفي مجال البنيوية أيضاً بوصفها نقداً حداثياً شرع الناقد العربي ينظر إليها اتجاهاً ضمن الاتجاهات لها ما لها وعليها ما عليها، وأنها تقدم هيكلاً من الأفكار والطرائق ضمن مجموعة من الطرائق والأفكار المختلفة أو المغايرة، ويمثل تعريب كتاب «البنيوية في الأدب»(1984م) لروبرت شولز علامة في هذا النقد، وهو كتاب ظهر بالإنكليزية لأول مرة عام 1977م. حوى الكتاب عرضاً موضوعياً للبنيوية ويتعامل مع إنجازاتها دون غلو، ثم وضع عبد السلام المسدي كتاباً سجل فيه موقفاً حول هذه القضية الفكرية والنقدية أعني «قضية البنيوية»، من جانبه ومن خلال منتخبات النقاد العرب في تعاملهم مع البنيوية، وأفصح عن تدرجات الموقف من البنيوية في النقد الأدبي العربي الحديث ضمن منطق تاريخي جدلي من «النقلي» إلى «التأصيل»، فثمة منتخبات للتأسيس أو الأطروحة، وأخرى للاعتراض أو نقيض الأطروحة، وأخرى ثالثة للتجاوز أو التركيب الجديد حيث جرى هضم ما تتيحه البنيوية في المعرفة بأبعادها التكوينية والمنهجية والفلسفية والمعرفية والمذهبية والنقدية والتربوية على صعوبة الفصل بين هذه الأبعاد. وفي هذه المنتخبات عن البنيوية تتلامح أسماء عد كبير من المبدعين والمفكرين والنقاد العرب هم زكريا إبراهيم وسالم يفوت وصلاح فضل وفؤاد زكريا وجابر عصفور ونبيلة إبراهيم وكمال أبو ديب وموريس أبو ناضر وشكري عياد ورشيد الغزي ومحمد بنيس وحسين الواد وسمير حجازي ونجيب العوفي ومحمد سبيلا وحمادي صمود وحسن جمعة ومحمد جمال باروت وعز الدين اسماعيل ومحمود طرشونة وسمير المرزوقي وجميل شاكر وعبد الله الغذامي وصالح القرمادي وجمال شحيد وعبد الفتاح كيليطو وسامية أحمد أسعد ومحمد الهادي الطرابلسي ويمنى العيد ومحمد مفتاح وتوفيق بكار. ولا شك أن في هذه الأسماء غالبيةالنقاد العرب المهمين من أجيال مختلفة ومع منتخبات التجاوز أو التركيب الجديد يتأصل فعل الحداثة إلى أبعد من مظلة «المثاقفة» إلى عقلنة لوعي الذات في تقصيها المعرفي بتعقيداته المتشابكة.
وتتفق أكثر التجليات الثقافية والنقدية في مضمار الحداثة على أنها نهوض أو تجديد حيث فعل الحداثة هو فعل خروج من المثاقفة ليعلن الناقد العربي هزيمة وهم المثاقفة بالمزيد من اكتشاف الذات ونقدها.
في كتاب محمد جابر الأنصاري «تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها مهام عاجلة أمام المثقفين العرب»(1993م) تكثيف شديد الخصوبة وشديد الدلالة على أهمية محاكمة وهم الحداثة المجتلبة أو المنقولة وفك نزاعاتها أو ارتباطاتها بالأوهام الأخرى، ولا سيما وهم تناقضها مع التراث. ألم يجعل باحث عربي هوبولس الخوري التراث في مواجهة الحداثة وهو يستقريء حركة الفكر العربي الحاضر، ويحدد أهم مراجعة في كتاب «التراث والحداثة»(1983م)، فبدا التحديث العربي أو تعريب الحداثة، «بابتكار نموذج اجتماعي ثقافي جديد، بنقل الثقافة والمجتمع العربيين من شكلهما التقليدي إلى شكل حديث»( ). أي أن هذا الانتقال يعني حل إشكالية التراث بالدرجة الأولى، كما رأى ذلك عند معظم من توسلوا إلى الحداثة. إن المثاقفة لا تعني المؤثرات الأجنبية، لأن الأخيرة لازمة للحداثة ومفيدة إذا جاوزت مجرد النقل إلى إدغامها وتفعيلها في نقد حديث أو أصيل.
في دراسته الرائدة والثمينة «سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية»(1973م) لاحظ حسام الخطيب أن المؤثرات الأجنبية أفادت كثيراً التطور القصصي العربي، وأن الستينيات بدأت تشهد تمثلها في إبداع عربي حديث.
ولو تأملنا نقد ناقدين في الثمانينيات على سبيل المثال هما عبد الفتاح كيليطو ومحمد لطفي اليوسفي لهالنا كم تغيرت صورة النقد الأدبي العربي الحديث بعيداً عن أوهام المثاقفة، وأولها الخروج من التبعية بأصالة تنهض من وعي الذات، والآخر، بإنجازهما معاً، القديم والحديث، حيث التراث المشترك يتألق في الخصوصية الذاتية. إن ناقداً مبدعاً مثل عبد الفتاح كيليطو يظهر في نقده أفضل تجليات الحداثة النابعة من فهم عميق للتقليد الثقافي والنقدي العربي. وتشهد دراساته «الكتابة والتناسخ. مفهوم المؤلف في الثقافة العربية»(1985م) و«الغائب ـ دراسة في مقامة للحريري»(1987م) و«الحكاية والتأويل ـ دراسات في السرد العربي»(1988م) على ابتعاده عن المظاهر الشكلية في المناهج الغربية أو اصطلاحات النقد على الرغم من اشتغاله بها، جاهداً أن يصوغ منهجه ومصطلحه من قبل الممارسة الذاتية الموصولة بتراثها العريق حين تندغم بوجدان الأمة وتبدع أدبها ونقدها الأصليين.
وفي مثال ساطع آخر، يؤصل محمد لطفي اليوسفي نقده الحديث من الانجاز الغربي، ليكون له إنجازه الخاص، في كتبه التطبيقية «في بنية الشعر العربي المعاصر»(1985م) و«لحظة المكاشفة الشعرية»(1992م)، و«كتاب المتاهات والتلاشي ـ في النقد والشعر»(1992م)، وفي كتابه التاريخي النظري «الشعر والشعرية: الفلاسفة والمفكرون العرب. ما أنجزوه وما هفوا إليه»(1992م).
يعترف اليوسفي أن الشعر العربي شهد «نوعاً من الانعطاف عصف ببنيته المتعارفة، فانفجرت انفجاراً لا عهد لها بمثله. ولقد جاء هذا الإنعطاف في الحقيقة بمثابة الصدى المباشر للمفارقات التي هزت الذات العربية لحظة التصادم مع الغرب واكتشاف الذاات في مرآته عزلاء عاجزة عن الصمود في وجه طاقاته الهائلة على إيقاع الآخر في نوع من الإرباك الحضاري وتقديم مقولاته الفكرية وبضاعته كحلول للمشكلات الخصوصية»( ).
وقد وجد اليوسفي التخطي ممكناً بمجاوزة التأزم بحداثة متأصلة في الذات، ومن هذا المنطلق كان توكيده على أن البنية في هذا الكتاب لا تعني الإمحاء في فضاءات المنهج البنيوي والتورط في مزالقه ومفارقاته، بل يعني التسليم بأن النص إشكالي بطبيعته»( ).
دعونا إذن نردد مع اليوسفي أن الحداثة تفتح «مجراها متكئة على نص مؤسس أصيل هو نفسه: ترسي لتعرف نفسها قانون غبطتها وترحل، ولا شيء يعنيها سوى إيقاعها»( ).
إن المؤثرات الأجنبية غير المثاقفة، لأن الأولى تدخل في ميدان التأثر والتأثير بين الآداب المختلفة، أما المثاقفة فتفضي إلى التبعية الثقافية والنقدية. ولعلنا نستخلص من هذا التتبع، أن النقد الأدبي العربي، في ظل المتغيرات في الثمانينيات على وجه الخصوص حيث نقد التبعية وشيوع قيم المجتمع المدني وانتشار عمليات وعي الذات في مواجهة الاستعمار والعولمة وغيرها، يخرج من آثار المثاقفة السلبية إلى سيرورته، من تقاليده إلى نقد عربي حديث. ليس الغرب ضاغطاً ومخيفاً كما كان، لأن نقد الذات المستلبة حمل في تضاعيفه نقد الآخر المستعلي، وشرع يصوغ حداثته في الإبداع العربي نفسه إذ تتكشف الحداثة رؤية مجاوزة وتخط للمستقبل، وبالتحقق الذاتي.
2- منزلة الاتجاهات الجديدة بين التبعية والتأصيل:
2-1 ظاهرة التبعية الثقافية:
عندما استرد الكاتب الكيني الكبير نفوجي واثيونغو اسمه الأفريقي ولغته الأفريقية، لم يكن يفعل شيئاً استثنائياً، لأنه عبّر، ضمن مسار غالب على اختيارات الكتاب التابعة، عن محاولة، توصف أحياناً باليائسة أو المدمرة، لاسترداد الهوية ومواجهة الإمبريالية الثقافية أو الاستعمار الثقافي، أو ما سماه واثيونغو نفسه «استعمار العقل»، ولم يكتف واثيونغو بالمواجهة، بل دعا إلى «تصفية استعمار العقل» (1986)، فقد وجد أن الخلل اللغوي والثقافي، باستعمال اللغات الإمبريالية أو الاستعمارية وثقافاتها هو خلل علاقة مع المستعمر أو الإمبريالي المهيمن والغاشم. لقد أدرك واثيونغو أنه يكتب عن نفسه مثلما يكتب عن سواه من الكتاب الأفارقة، وهذا ينطبق على الكتاب في البلدان التابعة كلها، «فالإشكالات الراهنة لأفريقيا لم تأت في الغالب بسبب اختيار شخصي، بل إنها نتيجة وضع تاريخي. كما أن الحلول أيضاً ليست مسألة قرار شخصي بقدر ما هي تحول اجتماعي أساسي لبنى مجتمعاتنا يبدأ من قطيعة حقيقية مع الاستعمار وحلفائه من الحكام المحليين»( ).
كانت تجربة واثيونغو تتويجاً للمواقف المناهضة للإمبريالية والاستعمار في مجالهما الأعمق، أعني الثقافة واللغة، غير أن سيرة المناهضة ليست بنت العقدين الأخيرين، فهي تعود إلى عقود مبكرة من هذا القرن في آسيا وأفريقية وأمريكا اللاتينية، وقد شهدت الثقافة العربية منذ سنوات النهضة الأولى في منتصف القرن التاسع عشر عمليات متعددة ومختلفة للوعي الذاتي، إلا أن ثمة عنصراً جوهرياً مفقوداً، بقدر أو بآخر، في هذه العمليات هو الانبثاق من التاريخ الذي يصنعه بالدرجة الأولى الاستعمار أو الإمبريالية.
ثم كان التحدي الأبرز فيما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تراكمات الاستعمار والإمبريالية التي تجذرت لدى ورثتها المتحالفين أو التابعين، على نحو علني أو خفي، فكان الشعور المرير بوعي الآخر المستعمر أو الإمبريالي في قلب الوعي الذاتي نتيجة التناقض القومي مع الاستقلال والتنمية والحرية والماضي والميراث الديني والعقائدي في ظروف ما بعد الاستعمار، أو في ظروف استتباب الهيمنة الإمبريالية ليس على خرائط الحاضر، بل على خرائط المستقبل أيضاً، وهو ما أكدته ظاهرة معاداة الاستعمار والإمبريالية من قبل رموز قومية ووطنية باءت بالخيبة والفشل والخذلان، وما يوصف في الوطن العربي بالهزائم المتوالية منذ عام 1948 حتى اتفاق «غزة ـ أريحا أولاً» عام 1993، واتفاق "وادي عربة" وما تلاهما من اتفاقيات جائرة بحق الأمة العربية.
لقد انقضت حقبة معاداة الاستعمار والإمبريالية، واستبدلت خلال العقدين الأخيرين بالاستقلال والحرية والهوية على أنقاض أوهام مغامرة وعي سميت معقدة لأول مرة في رواية الأفريقي السنغالي المسلم الشيخ حميدو خان «المغامرة المعقدة» (1953)، فعندما اختار الأفريقي الشاب طريقاً غريبة هي طريق الغرب الاستعماري، كان يعلن هزيمة المغامرة ذاتها: «يبدو لنا فجأة أننا طوال سيرنا لم نكف عن التحول. وأننا أصبحنا أخيراً مختلفين، وأحياناً لا يتم التغيير كاملاً، وقد يستقر بنا هذا التغيير عند مرحلة التهجين وتركنا فيها عندئذ ننزوي وقد ملأنا بالخجل.. لقد اخترت الطريق التي تؤدي إلى الهلاك أكثر من غيرها»( ).
إن كاتباً هو محمد كامل الخطيب استعار في منتصف السبعينيات عنوان الشيخ حميدو خان في توصيفه لمحتوى وعي القاص العربي الحديث بالآخر المستعمر أو الإمبريالي، وهو وعي كان قاصراً مشحوناً بالدونية والعلاقة غير المتكافئة، وبلغ الإحساس بالتبعية مبلغاً لا يحسد عليه لدى جورج طرابيشي الذي لاحظ أن «عامل المثاقفة، أي استيراد الثقافة المتروبولية ـ حاسم الأثر في إلباس العلاقات الحضارية رداء جنسياً، حسبما يتجلى في الأدب الذي يتصدى لهذه العلاقات، ومنه، فإن الأمة المستعمرة تستمر بتبعيتها، أي دونيتها الأنثوية، من خلال عملية المثاقفة»( ).
وخلال العقد التالي، عقد الثمانينيات، سيتوفر ناقد وكاتب عربي آخر هو نبيل سليمان على درس هذا الوعي من منظور الهوية القومية المباشر بما هو «بلورة الكيان، الهوية، وعي الذات الفردية والقومية». ولاحظ أن الهوية القومية محاصرة بالعطالة والسلبية في سوق الكلام والشعارات والأطروحات والمقولات والمجالات التي غالباً ما تطيح التوازن بين الفن والخطاب الإيديولوجي، أما الصوت الأقوى في مواجهة الآخر فهو الانكفاء والتدميرية، و«فمنذ الستينيات أخذت تتردد في الأدب أصداء الانكفاء المتصاعد والخيبات المتواترة، ولئن كانت الأعمال التي رادت الهزيمة 1967 وما سبقها نزوة، فإن ما تلاه في سائر الأجناس الأدبية كان وفيراً، سواء فيما طفا على سطح المرحلة، أم فيما تعمقه». و«بما أن دور المثقف كان راجحاً في الأحزاب والحركات التي تنطعت للتقدم والتحرر، فصنعت الانكفاء وبما أن أغلب الإنتاج الثقافي العربي هو في الأدب، وذلك واحد من الأعراض المرضية على كل حال، فقط جاء العديد من النصوص الروائية التي تجسد مسار الهزيمة أو الهزائم كتجربة ذاتية لمثقف مهزوم، بكل ما يترتب على ذلك في رؤية التاريخ ومغامرة الفن»، وقد بلغت هذه الرؤية التدميرية ذروتها في رواية «عودة الذئب إلى العرتوق» لإلياس الديري (1982) التي قدمت الشريحة البرجوازية الصغيرة، فاقدة الرؤية التاريخية «وغرقت في مساراتها الوجودية العبثية التي لا ينفع معها طفولة يسارية ولا تطرف ولا إرهاب. إنه العجز عن وعي الذات ووعي الآخر، عن وعي العالم، ذلك الوعي المنشود»( ).
اعترف الكاتب العربي منذ مطلع الثمانينيات بظاهرة التبعية، وأن ثقافته تندرج فيها، وأن عليه أن يندرج في سياقها أيضاً، أو أن يتخذ موقفاً آخر، وفعل كثيرون ذلك متخذين سبيلين، الأول هو وعي ظاهرة التبعية تمهيداً للوعي الذاتي وتجذيره وتصليبه من خلال إعمال البحث في الأصالة الثقافية على أن تراث الإنسانية كله، ومنه الثقافة العربية، تراث للثقافة العربية الحديثة، فحفلت الممارسة الثقافية العربية خلال العقدين الأخيرين بعشرات المحاولات التوفيقية أو المنعزلة أو المقهورة لمعضلة الأصالة والتحديث إزاء صدمة الغرب بتعبير أدونيس (1978) أو صدمة الإقرار بأن الثقافة العربية تابعة. وقد رأت كاتبة أخرى هي رضوى عاشور متفائلة في بحثها للرواية في غرب أفريقيا أن «التابع ينهض» (1981)، وهذا هو عنوان كتابها أيضاً. ووجدت «أن كتاب الرواية في غرب أفريقيا يؤسسون أدباً قومياً يعكس الثقافة الوطنية لشعوب المنطقة التي يمتزج فيها حضور التاريخ باللحظة المعاشية»، أي أن أفرقة الرواية برأيها على الرغم من استعمال الروائيين للغات غير أفريقية، ساعدهم على استلهام «تراثهم الثقافي الأفريقي، والاستفادة من الإنجازات الثقافية الغربية»( ).
أما السبيل الثاني فهو اتصال عمليات الوعي الذاتي بالرؤية الثقافية التاريخية من جهة، وبالحفريات المعرفية التي من شأنها تشخيص فعل الاستعمار وتأثيره على الثقافات القومية من جهة أخرى، وربما كان أدوار سعيد من أهم الكتاب الذين عنوا بهذا السبيل عناية من موقع النقد المتبصر والعارف في إطار مشروعه لنقد الاستعمار والإمبريالية في بعدهما الثقافي، وقد أسس له في كتابه الكبير «الاستشراق» (1978)، الذي يربط سلطة المعرفة بالقوة، وهو جوهر تجربة الاستعمار، في كتابه التالي «تغطية الإسلام» (1981) الذي يفضح المحاولات الاستعمارية والإمبريالية لتشويه الإسلام كقوة حضارية في العالم الحديث.
وفي عام 1987، أعلن سعيد بمرارة مشوبة بالقلق أن الإمبريالية الثقافية تحتاج إلى الدرس والفهم والإسهام الفعلي الذاتي في حضارة العصر، لا التجنب أو المراقبة أو الانكفاء أو التدمير: «إن ما نبصره اليوم في المشهد القوي وفي البانوراما الرأسمالية بأسرها، هو باختصار السؤال القلق والمثير للقلق حول علاقاتنا بالآخرين: الثقافات الأخرى، الدول الأخرى، التواريخ الأخرى، التجارب الأخرى، التراثات والشعوب والمصائر. صعوبة السؤال تتبدى في عدم وجود أفضلية خارج واقعة العلائق بين الثقافات، بين القوى غير المتكافئة الإمبريالية وغير الإمبريالية، وبين مختلف «الآخرين»، الأفضلية التي قد توفر للمرء امتيازاً ابستمولوجياً في الحكم والتقدير والتأويل بمعزل عن المصالح المتزاحمة، والعواطف، والالتزامات الخاصة بالعلائق القائمة ذاتها. حين ننظر في ارتباطات الولايات المتحدة الأمريكية ببقية أرجاء العالم، فإننا ـ بصدد الارتباطات تحديداً ـ لسنا خارجها أو فوقها. ذلك يوجب علينا، كمثقفين وإنسانيين ونقاد علمانيين، أن نفهم دور الولايات المتحدة في عالم الأمم والجبروت من داخل الواقعة وكمشتركين فيها، لا كمراقبين خارجيين معزولين نحتسي بدعة ووثوق أكوام عسل أذهاناً مثل أوليفر غولد سميث في عبارة ييتس البديعة»( ).
ولعل هذا ما دعاه إلى تخصيص كتاب كبير لهذه القضية هو «الثقافة والإمبريالية» (1993) يحلل فيه، نظرياً وتطبيقياً، آليات الإخضاع والحرية في خطاب التبعية وسبل مجاوزته.
إن صنيع سعيد ينخرط في جهد ثقافي عالمي موجه لنقد التبعية الثقافية، وفي مقالة صبحي حديدي اللامعة «الخطاب ما بعد الكولونيالي في الأدب والنظرية الأدبية» ذكر ونقاش لأمثال هذا الجهد لدى مفكرين ونقاد وأكاديميين ولدوا في المستعمرات أو العالم الثالث أو الدول التابعة، وطوروا مناهجهم في الجامعات والمؤسسات الثقافية الغربية أمثال غاياتري شاكراً، وفورتي سبيفاك، وهومي بابا، وعبد الرحمن جان محمد، وبيتيا باري وإعجاز أحمد، وكوامي انطوني أبيا، وقمقم ساري، وعقل بلغرامي، وهو جهد يتراكز على استجواب الخطاب الأوروبي واستراتيجاته بوصفه خطاباً استعمارياً وإمبريالياً، ويعنى «بتدقيق الوسائل التي أتاحت لأوروبا فرض وصيانة خطابها في سياق إخضاعها لثلاثة أرباع البشر الذين يقطنون العالم الراهن»( ).
2-2- ظاهرة التبعية النقدية:
على الرغم من صعوبة تلمس المؤثرات الأجنبية في النقد الأدبي العربي الحديث، كما يقر كثير من الباحثين( )، فإن ظاهرة التبعية الثقافية أكبر من حدود المؤثرات الأجنبية، لأن المؤثرات الأجنبية صحية غالباً. وقد نظر باستمرار إلى النقد الأدبي العربي الحديث على أنه نتاج هذه المؤثرات الأجنبية بالدرجة الأولى ويلخص مثل هذه النظرية المستشرق ف. كانترانيو بقوله: «إن النهضة الحديثة التي يمكن ملاحظتها اليوم في الثقافة العربية، وبالتالي في وعيها الأدبي ـ هي أقل منها استمراراً لتراث عظيم، وأكثر منها نتاجاً للحضارة الغربية، مما يودّ الأدباء العرب أن يعترفوا به ـ والنظرية الأدبية العربية الحديثة أيضاً هي تشعب (أو نتيجة) عن النظرية الأوربية أكثر منها تطويراً للنظرية التراثية العربية»( ).
ولا يجد كثير من النقاد العرب غضاضة بالإقرار بمثل هذا الرأي، وأوردوا أسباباً كثيرة لذلك منها التقليل من شأن إنجاز النقد الأدبي العربي القديم في النظرية النقدية على وجه العموم، وفي النظرية النقدية الحديثة على وجه الخصوص. في منتصف الستينيات، تقصت سهير القلماوي المؤثرات الدافعة، حسب تعبيرها التي جعلت النقد الأدبي عند العرب القدامى منصرفاً في معظمه إلى الشروح اللغوية للقطعة المنقودة. إنه «ميراث رهيب تكاتفت فيه عوامل وعوامل على تفتيت القصيدة إلى وحدة البيت وعلى تفتيت البيت إلى وحدة اللفظ، وكان لابد من صيحة بل صيحات حتى تخرج القصيدة العربية من أسر هذا الميراث الدامع عبر كل هذا التاريخ الطويل»( ). وبعد حوالي ثلاثة عقود من الزمن، تتردد الآراء نفسها في جهد أكثر إحكاماً ودقة لشكري محمد عياد (مصر) في كتابه «المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين» (1993). محص عياد التراث النقدي بحثاً عن مذاهب، فتوقف عند مصطلحات «مذهب الأوائل» للآمدي و«الصنعة» للجاحظ و«المنازع» لحازم القرطاجني، ولكنه التفت عن ذلك كله إلى القول بأن المذاهب فضفاضة على تلك التجارب الأدبية والنقدية القديمة مؤكداً الآراء التالية:
«- في أن مناقشاتنا حول المذاهب الأدبية المعاصرة تعكس موقفاً تاريخياً من ثقافة الغرب،
- وفي أن اقتباس المذاهب الأدبية الغربية ملازم لاقتباس الأشكال الأدبية،
- وفي المذاهب الأدبية تعكس خصوصية تاريخية للثقافة العربية»( ).
لقد انتعشت هذه الآراء في مناخ التبعية الثقافية الذي عززه صراع الأفكار منذ الخمسينيات إلى يومنا هذا وهو صراع بين دعاة الهوية ودعاة التغريب.
إن تشخيص شكري محمد عياد يقارب إلى حد كبير تطور الموقف العربي من النظرية الأدبية، وإن كنا لا نوافق على تقديره للتراث النقدي العربي، فقد بات واضحاً أن هذا التراث غير مكتشف تماماً وغير مدروس تماماً، وما يزال عنصراً غير أساسي في تكوين الناقد العربي الحديث. ثمة من يعترف بقيمة حية ومعاصرة لهذا التراث، ويتحدث عن إنجازات باقية على الزمن هي قيم نقدية تنفع في تحديث النظرية الأدبية العربية، حتى إن نقاداً دعوا إلى «نظرية عربية في الأدب» بصريح العبارة، مثل حسام الخطيب الذي أسند مقترحاته المبدئية إلى «ثلاث انطلاقات أساسية تشكل مثلثاً للنظرية التي يمكن تصورها هي: الأولى الانطلاق من الواقع الأدبي المعاصر، والثانية الانطلاق من موقف تراثي محدد، والثالثة الانطلاق من المناخ الأدبي العالمي المعاصر»، «وإذا يمكن للمرء أن يتصور نظرية الأدب على شكل مثلث تتفاعل أضلاعه الثلاثة في جدلية دائمة تضمن لكل عنصر أن يوازن العصر ويتداخل معه ويؤثر فيه، فالموقف من التراث مثلاً يتحدد بفعل تصادمه وتوازنه مع العنصرين الآخرين: الساحة الأدبية الفعلية والمؤثرات الأجنبية، والموقف من المؤثرات يتحدد بفعل العاملين الآخرين، وهكذا دواليك. فهناك إذن حركة ديالكتية تصادمية توالدية تتداخل عناصرها المثلثة وتتفاعل لتخرج تركيباً جديداً حياً دينامياً قادراً على توظيف العناصر الثلاثة في نزوع مستمر إلى الخلق والإبداع والتجدد.
إنها نقاط في مثلث دائمة الحركة ودائمة الصيرورة وقادرة على إخراج تركيب كيماوي كاشف»( ) ومن الواضح، أن هذا الرأي تخيلي أكثر منه واقعياً، لأنه لا يعاين الواقع بالدرجة التي يتجه فيها إلى تركيب جديد. ولعل تأمل موقف الخطيب من قضية «البنيوية والنقد العربي القديم» (1986) يشير إلى تغليب الانطلاق من المناخ الأدبي العالمي المعاصر في مقارنة متعسفة، بتقديري بين مذهب حداثي وبين النقد العربي القديم، كأن نقول إن البنيوية تفرق تفريقاً فرزياً بين العمل ذي البنية وبين العمل الذي يفقد البنية، وإن هذه الناحية غائبة تقريباً عن النقد العربي القديم.. الخ( ).
وفي الجانب المقابل، آل هذا الصراع المستمر إلى بروز ظاهرة التبعية إلى جانب ظاهرة الهوية، وإذا كانت التبعية في أشد مظاهرها هي التكون النقدي الغربي، الاستعماري أو الإمبريالي، فإن الهوية لاذت بالتراث والتراث النقدي مؤملاً لاحتضان نظرية عربية حديثة في الأدب والنقد.
ويبدو النقد الأدبي العربي الحديث اليوم، أكثر من أي وقت مضى أسير التبعية الثقافية من مجرد «التلقف» الذي شاع منذ مطلع الخمسينيات حيث اجتلاب المذاهب الأدبية والنقدية دون تمثلها أو هضمها في النقد الأدبي العربي الحديث، ولنتذكر على سبيل المثال الوجودية في الخمسينيات ومزاوجاتها القومية والفرويدية من جهة، ومزاوجات الماركسية في أسوأ تمظهراتها الستالينية والجدانوفية ومفاهيم الالتزام الميكانيكي التي أفرزتها من جهة أخرى، وقد تحكمتهذه «التلقفات» في الممارسة الثقافية والنقدية العربية حتى مطلع السبعينيات وأبرزت ـ فيما أبرزت ـ أشكالاً من التبعية النقدية حيث المرجعية الغربية هي المحك لكل قيمة نقدية أو أدبية، وحوكم أدب عربي كثير وفق معايير نقدية خارجية بتأثير هذه التبعية، مثل وهم الاتجاه أو المذاهب، أو وهم العقيدة والتحزب، أو الانتماء أو وهم الالتزام.
غير أن سنوات السبعينيات والثمانينيات شهدت ظواهر أخرى للتبعية النقدية، أو بتأثيرها، أولها الارتهان المطلق للمرجعية الغربية في نقل المذاهب النقدية وغالباً بعد تراجعها في الغرب كما هو الحال مع البنيوية في إطار هيمنة أطروحات الحداثة التي فهمت على أنها النسج على منوال الغرب أو هي تقليد غربي وكفى. وتلا ذلك نقل مذاهب أخرى نقلاً مباشراً دون تمثلها التمثل اللازم عضوياً في الثقافة العربية كأن تكون مؤثراً أو مكوناً من مكوناتها، لا أن تكون مسخاً مشوهاً أو استعمالاً غير أصيل لها، ونذكر منها: الأسلوبية، والعلاماتية، والتفكيكية. وثمة شكوى اليوم من طغيان اجتلاب أو نقل هذه المذاهب النقدية على سيرورة النقد الأدبي العربي الحديث، فأما أن تكون بنيوياً أو لن تكون ناقداً، وإما أن تحذو حذو جينيت، أو غريماس، أو تودورف، أو دريدا، أو هارتمان، أو بول دي مان، أو أنك لا تكتب نقداً، ناهيك عن تحويل النقد إلى جداول إحصائية وأشكال هندسية وكتابة لغزية أشبه بالمتاهة أو التجريب الذي لا طائل منه.
ومن الظواهر التي نتجت عن هيمنة التبعية النقدية ظاهرة تأصيل النقد العربي الحديث في تاريخه وفي بيئته الثقافية، فاتجه البحث لدى كثيرين إلى استيعاب القيم التراثية النقدية من خلال درس شامل لتطور الثقافة العربية عبر العصور، ونذكر من هذه المحاولات ما قام به عبد الفتاح كيليطو في كتابه عن «مفهوم المؤلف في الثقافة العربية» وعنوانه «الكتابة والتناسخ» (1985)، وفيه إعادة نظر جذرية للمبدعات العربية المكتوبة كتناسخ المقطوعات الشعرية والتبني وطرق الحديث والنوادر وغيرها، مؤكداً أن للثقافة العربية خصوصية تمثلها تقاليدها الراسخة في عصرها الذهبي، العصر الإسلامي حتى القرن الخامس الهجري، ففي «الثقافة العربية الكلاسيكية، لا يكتفي لقول ما أن يتوفر على «انتظام خاص» كي يعتبر نصاً، فضلاً عن ذلك أن يصدر عن، أو أن يرقى به إلى قائل يقع