الرئيسية  الحكم والأمثال   مكتبة التصاميم تفسير الأحلام فوتوشوب أونلاين أذكار المسلم  القرآن الكريم  اتصل بنا

العودة   ملتقى شذرات > مكتبة شذرات الإلكترونية > دراسات وبحوث أدبية ولغوية


النقد الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد

د. عبدالله أبوهيف النقد الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000م

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 15,131

   11-26-2012

 09:28 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي النقد الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

د. عبدالله أبوهيف
النقد الأدبي العربي الجديد
في القصة والرواية والسرد
منشورات اتحاد الكتاب العرب
2000م



البريد الالكتروني : E-mail: unecriv@net.sy
الإنترنت : Internet: aru@net.sy
موقع اتحاد الكتاب العرب على شبكة الإنترنت
www.awu-dam.com
تصميم الغلاف للفنان: صبحي حليمة

الإهداء
إلى نائلة علي


مقدمة
هذا بحث في الهوية، ويتوسل إلى غايته خلل نقد النقد القصصي والروائي والسردي العربي على وجه العموم، فيما يطرح من أسئلة الاستقلال الفكري والثقافي والنقدي في عصر شاهت فيه الحدود، وآلت فيه الأمور إلى ما يشبه «استعمار العقل Decolonising the Mind: The Politics of ******** in African Literature» (1986)، بتعبير نغوجي واثيونغو Ngugi wa Thiong’o ([1])، وفي ظل شروط تاريخية عربية تصارعت فيه إرادة الحرية والاستقلال مع الاستعمار والتبعية والتجزئة والتخلف مما صار فيها الحفاظ على الخصائص الثقافية الذاتية دونه أهوال وأهوال. وينطلق الكاتب من مقاربة واضحة هي أن النقد الأدبي تعبير شديد الدلالة عن حركة الفكر وانشغالاته بمسألة وعي الذات الراهنة إزاء الآخر الغربي المهيمن، فالناقد يصدر عن رؤية فكرية، وفي نقده تتصادى أصوات وعي الذات من أجل أصالة ثقافية منشودة. وغني عن القول، إن ثمة مناهضين لمثل هذا البحث في الهوية، حتى إن جورج طرابيشي (سورية) سمى البحث في التراث «عصاباً»([2])، فهو أدخل في المرض، وليس دلالة على عافية.
لقد شهدت فنون النثر القصصي في الأدب العربي الحديث تطوراً كبيراً، وتبوأت مكانة عالية بين الأجناس الأدبية، غير أن هذه الفنون ما تزال موضع إشكاليات ومشكلات منذ نهوضها المعتبر في مطلع القرن العشرين، وتتصل هذه الإشكاليات والمشكلات بالمؤثرات الأجنبية والمكونات التراثية على وجه الخصوص، فظهرت آراء تفيد أن القصة العربية الحديثة، ومثلها الرواية لاحقاً، تقليد غربي، أي أنها نضجت وأصبحت قصة فنية أو رواية فنية بتأثير الغرب، ولا ينفي ذلك تطور النثر القصصي إلى أشكال سردية مثل القصة والقصة القصيرة والرواية..الخ. ورافق هذا النهوض نقد تقليدي، أكاديمي تعليمي، مدرسي، اتباعي، أو واقعي، أو رومانسي، أو انطباعي، متأثر بالعلوم الإنسانية أحياناً كعلم النفس أو علم الاجتماع، وكان هذا النقد لاحقاً بالنهضة الواضحة لفنون النثر القصصي، أما نقد النقد القصصي والروائي فهو أقل من ذلك بكثير حتى نهاية السبعينيات، حين آل هذا النقد إلى ما يسمى نقد السرديات.
عرفت الأربعينيات والخسمينيات والستينيات ذروة النتاج التقليدي الذي يقتدي بالغرب، ويقايس النثر القصصي والروائي العربي على مثال صورته في الغرب، كما هو الحال عند رشاد رشدي ويوسف الشاروني وعبد الحميد إبراهيم ويحيى حقي ومحمود أمين العالم ومحمود تيمور وشكري محمد عياد وحسين القباني والطاهر أحمد مكي (مصر)، وسهيل إدريس (لبنان)، وبشير الهاشمي (ليبيا)، وعزيزة مريدن وشاكر مصطفى وجميل سلطان (سورية) ومنصور الحازمي (السعودية)، وأحمد المديني (المغرب)، وعبد الله ركيبي (الجزائر)، وعبد الإله أحمد (العراق)، ومحمد صالح الجابري (تونس)، وإبراهيم الخليل وسليمان الأزرعي (الأردن) وغيرهم، ثم كانت الانعطافة في مسيرة النقد القصصي والروائي مع مطلع السبعينيات استجابة لظروف موضوعية تاريخية في حركة الثقافة العربية واستمراراً لممهدات اتصال النقد بالهوية، ولاسيما اتساع الجهود النقدية، بتأثير وعي الذات القومية، وتصاعد النزوع إلى الأصالة من جهة، والنزوع إلى العالمية من جهة أخرى، فقد خاض الأدب العربي الحديث، ومنه فنون النثر القصصي في التجريب والتحديث إلى منتهاه، وتشكلت مذاهب أدبية في فنون القصة والرواية تتنازعها مؤثرات أجنبية ومكونات تراثية، وأسهمت عوامل كثيرة في تشكل هذه الفنون مثل العلاقة بين الفنون وبروز الأفكار وتعبيراتها الفنية كالأساطير والرموز وميادين العلوم الإنسانية الرحيبة التي اعترف بقيمتها الفنية والفكرية مثل التاريخ والاجتماع وعلم النفس واللغة، وقوة الإعلام وثورة المعلومات، وترافق ذلك كله مع تطور نقد القصة والرواية، ونقد السرد.
ومهدت لهذه المذاهب والكتابات القصصية والروائية ورافقتها تجارب نقدية جانبت النقد التقليدي، وغدت في بعض الأحيان والحالات والنماذج اتجاهات نقدية جديدة لا غنى عن درس نشوئها وتكوينها ومعرفة العوامل المؤثرة فيها، وتحديد أشكالها، وتحليل هذه الاتجاهات ومناقشة أهم قضاياها، ولا سيما منزلتها في خريطة النقد القصصي والروائي العربي الحديث، ومنزلتها بين التبعية والتأصيل بما يسهم في تعضيد الهوية القومية للنقد العربي الحديث.
ويستدعي توضيح مفهوم الاتجاهات الجديدة، أن نشير بإيجاز إلى تطور مسار النقد الأدبي الحديث الذي اكتملت صورته في القرن التاسع عشر، مع الإتباعية الجديدة والرومانسية والواقعية، تساوقاً مع نضوج المذاهب الأدبية، غير أن حركة الحداثة دهمت الفكر والأدب والفن في أعمق موجاتها وأوسعها وأكثرها جذرية في مطلع القرن العشرين، وكان حددها بعض النقاد، في المقالات التي حررها مالكولوم برادبري Malcolm Bradbury وجيمس ماكفرلن James Mcarlane في الفترة ما بين 1890 و 1930 في الكتاب الأشهر في هذا المجال المسمى «الحداثة Modernism 1890-1930» (1976)([3])، حين شملت الحداثة الأجناس الأدبية برمتها: الشعر، القصة، الرواية، المسرحية، بالإضافة إلى الفنون ومظاهر الحياة الأخرى، وتشكلت حركات أدبية حدثية مختلفة مثل التصويرية والمستقبلية والتعبيرية والدادائية والسوريالية والانطباعية والوحشية والانحطاطية والتكعيبية وسواها، ثم خاض النقد الأدبي غمار الحداثة، طليعياً حيناً، ومواكباً حيناً آخر، وتميز نقد القصة والرواية لدى مبدعيه أولاً مثل أ. م. فورستر E.M. forster وهنري جيمس H.James وسومرست موم وفرجينيا وولف، ونقاده ثانياً مثل بيرسي لبوك Percy Lubbock وف. ر. ليفز F.R.Leavis ومارك شورر Mark Schorer، وهؤلاء المبدعون والنقاد وأضرابهم هم الذين أطلقوا ما سمي بالنقد الجديد، تطويراً، للإتباعية الجديدة التي مثلت ذروة التقليد الغربي في النقد. ولعل أهم ما تميز به هؤلاء المبدعون هو فهم القص ومكوناته من الراوي إلى السرد والتحفيز والقصد مما كان أساس النقلة التالية في الغرب في الستينيات من نقد القصة والرواية إلى نقد السرد وعلم السرد. ثم آل المشهد النقدي الحديث، فيما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى بروز اتجاهات نقدية جديدة متأثرة بالعلوم الإنسانية، مثل علم النفس وعلم الاجتماع، وعلم اللغة الذي وسم عمليات التحديث برمتها، فكانت الاتجاهات الجديدة المتصلة بالحداثة وما بعدها، مثل الشكلانية الروسية Formaliste du Russe والمعيارية Normative والبنيوية Structuralism، واللسانية Linguistique، والعلاماتية Sémiologique وسواها. وقد يثار سؤال حول الشكلانية الروسية، على سبيل المثال، وانتشارها بعد الحرب العالمية الثانية، وهي التي ظهرت في العشرينيات والثلاثينيات. ونكتفي في هذه المقدمة بذكر أن اكتشاف تراث الشكلانيين الروس متأخر عند الغربيين أنفسهم إلى مطالع الستينيات حين ترجم تودروف بعض نصوصهم إلى اللغة الفرنسية([4]).
الاتجاهات والاتجاهات الجديدة:
يؤثر بعض النقاد والباحثين أن يسمي الاتجاهات النقدية بالمدارس أو المذاهب، غير أنني أوثر مصطلح الاتجاهات، لاقترابه من وصف الحال أو المفهوم مراعياً تغيره في الوقت نفسه، فالمذهب أو المدرسة يشير إلى تكون ناجز للمفهوم النقدي وثباته في مرحلة تاريخية معينة واستقراره في النظرية والتطبيق. وينفر النقاد الغربيون من أمثال هذه المصطلحات، لضيقهم من التأطير، ولمراعاتهم لعنصر التغير في المفهوم وممارسته، ولعلنا نتذكر أن شيخين من شيوخ النقد العربي الحديث، هما إحسان عباس ومحمد يوسف نجم (فلسطين) وضعا تسمية مدارس حديثة لبعض الاتجاهات النقدية التي لم تتأصل بعد لدى تعريبهما لكتاب ستانلي هايمن Stanley E. Hayman المعنون The Armed Vision (1955، مظهر الترجمة في عامي 58-1960).
لقد كانت الاتجاهات النقدية التقليدية الراسخة تتمحور حول النقد الإتباعي والنقد الواقعي والنقد الرومانسي، ثم ظهرت أشكال أخرى من النقد الرمزي أو النقد التفسيري أو النقد اللغوي أو النقد الموضوعي أو النقد الجديد، أو النقد النفسي أو النقد الماركسي ضمن حدود نظرية النقد التقليدي، أي المرتهن لتقاليد النظرية الأدبية فعلى سبيل المثال، انطلق النقد الجديد New Criticism مع ا.ا. ريتشاردز واليوت وجون كرو رانسوم John Crowe Ransom وأقرانه في العشرينيات معتنين بالنص من داخله بالدرجة الأولى، حيث الاهتمام بقراءته قراءة يصحبها الفهم العميق لدلالات الألفاظ، والاهتمام بالأثر الأدبي من حيث بنيته وشكله مستقلين عن شخصية مبدعه أو تأثيره في قرائه المختلفين.
ويفيد الاتجاه بهذا المعنى ما يجذب الأذهان نحو فكرة معينة أو تذوق خاص أو إجراءات موصوفة تستند إلى مجموعة مبادئ أو معايير متصلة ومنسقة لمنهج محدد، بمعنى الانضواء تحت لواء مسار ما أو مجال للتطور، ويفيد هذا المعنى المصطلحات الدالة في اللغة الإنكليزية مثل Approach, Current, Doctrine, Trend، وأقربها هو المصطلح الأول Trend إذ ينصرف المعنى إلى تشكل ميل أو اتجاه أو مسار معين، بينما يشير المصطلح الثاني Approach إلى البعد الأفقي للاتجاه، ويحتفظ المصطلح الثالث Current لمعنى اندراج الاتجاه في تيار سائد، أما المصطلح الرابع Doctrine فيتصل بمعنى رسوخ الاتجاه في مجموعة المبادئ والآراء.
ولعلنا نلاحظ لدى عرضنا لتطور النقد الأدبي العربي الحديث، ومنزلة نقد القصة والرواية فيه، أن تأصيل الاتجاهات النقدية التقليدية قد انطلق في الخمسينيات، ليستوي في العقود التالية متنازعاً مع الاتجاهات الجديدة، ما دام النقد ساحة صراع فكري بالدرجة الأولى، بل هو الأكثر تعبيراً عن صراع الأفكار، فعرفت تجربة النقد الأدبي العربي الحديث جهوداً حثيثة لتأصيل النقد والمضي به إلى اتجاهات محددة، مع محمد مندور (مصر) ومحمد روحي الفيصل (سورية) وميخائيل نعيمة (لبنان)، لتترسخ اتجاهات نقدية إتباعية وواقعية وماركسية وموضوعية ولغوية أسلوبية بالدرجة الأولى، وما لبثت أن تلونت هذه الاتجاهات بتلوينات جديدة بتأثير مناهج النقد الأدبي الحديثة، ومن أهم هذه الاتجاهات النقد الاجتماعي Sociocritique، وهو متطور عن علم اجتماع الأدب Sociologie de la Litterature والنقد الواقعي والنقد الماركسي، والنقد النفسي Psychocritique، والنقد البنيوي Structuralisme بتنويعاته المختلفة النصية La Critique ****uelle والشكلانية Foramlism والشعرية La Poetique والتكوينية La critique Genetigue، وثمة الأسلوبية La Stylistique وقرينتها اللسانية Linguistigue، والعلاماتية أو السيميائية Semiologique والتفكيكية Deconstruction وغيرها.
وقد اتصل النقد العربي الحديث بهذه الاتجاهات الجديدة عن طريق «النقد الجديد» حتى نهاية الستينيات، باتصال الروافد العلمية الأكاديمية المباشر، أو بالترجمة، حتى أن كتاب أ. م. فورستر «أركان الرواية الحديثة Aspects of the Novel» (1927) ترجم إلى اللغة العربية مرات([5])، وعن طريق «البنيوية Straucturalism» وما بعدها، منذ مطلع السبعينيات، بتأثير الباحثين الذين تحصلوا على علمهم في الجامعات الفرنسية ومعاهدها، في بلدان المغرب العربي وبلاد الشام، ولا سيما المغرب وتونس ولبنان وسورية، ثم مصر، ثم انتشرت الاتجاهات الجديدة في الثمانينيات في أرجاء الوطن العربي.
الدراسات السابقة:
قليلة هي الدراسات التي عنيت بنقد النقد القصصي والروائي المتأثر بالاتجاهات الجديدة، وربما ظهرت أول مقالة في كتاب عبد الله إبراهيم (العراق) في كتابه «المتخيل السردي: مقاربات نقدية في التناص والرؤى والدلالة» (1990)([6])، وحملت المقالة عنوان «من أجل نظرية معرفة لتحليل الخطاب الروائي العربي»، وهي موجهة للتعريف بكتابي سعيد يقطين (المغرب) «تحليل الخطاب الروائي: الزمن ـ السرد ـ التبئير» (1989)، و«انفتاح النص الروائي: النص ـ السياق» (1989)، وقصد فيها إلى تقديم عرض موسع للمشروع الأبيستمولوجي (المعرفي) الذي طرحه يقطين، الأول معني بمستوى تركيب الخطاب، والثاني معني بوظائف النص، وأعقب العرض تقديم رؤية نقدية للمشروع التحليلي من أجل بلورة نظرية معرفة لتحليل الخطاب الروائي.
رأى عبد الله إبراهيم أن الكتابين يتضافران لتقديم رؤية نقدية، تنهض على الموروث النقدي للسرديات الحديثة، بفرعيها، أو تياريها الرئيسين، وهما: السردية اللسانية التي تعنى بدراسة الخطاب السردي في مستواه البنائي، والعلائق التي تربط الراوي بالمتن الحكائي أو القصة المتخيلة، وقد استفاد هذا التيار كثيراً من البحث اللساني الحديث والمعاصر، ويمثله رولان بارت Rouland Parthes وتودروف Tzvetan Todorov وجيرار جينيت G.Genetie ومن يشتغل على نحو مشابه لهم. والتيار الآخر هو السردية السيميائية، ويعنى هذا التيار بسردية الخطاب، من خلال عنايته بدلالاته، قاصداً الوقوف على البنى العميقة التي تتحكم به، ومتجاوزاً المستوى اللساني المباشر، ويهدف هذا التيار إلى تقديم قواعد وظائفية للسرد، ومن أبرز أقطاب هذا الاتجاه فلاديمير بروب Vladimir Propp وكلود بريمون Claude Bremond ، وغريماس A.J.Creimas.
اعترف إبراهيم بأن مشروع يقطين جاد، وذكر أمرين لابدّ منهما: أولهما البحث في الأصول التي يتصل بها المشروع، إن كان ذلك على مستوى عرض جهود المعنيين بالسرديات، أو على مستوى النتائج التي توصل الكتابات إليها، ونوه إلى أن شبكة اللسانيات والسرديات معقدة، وغايتها صعبة المسالك، لا يمكن ولوجها دون التسلح بمعرفة جهاز المفاهيم التي تتعامل بها، دون عناية كبرى بما تشتغل عليه، ولهذا يتهمها أعداؤها باللاجدوى والعدمية.
ونلاحظ أن إبراهيم أطلق، بادئ ذي بدء، حكماً هو موضع نقاش، حين وجد أن السردية فرع من أصل كبير هو الشعرية Poetics، اعتماداً على رأي لتودروف في كتابه «الأدب والدلالة Litterature et Signification» يقول فيه إن الشعرية هي نظرية الأدب، وقرر إبراهيم أن الجانب النظري يستأثر بالجزء الأكبر من متن الكتاب، ويتضاءل إزاء ذلك الجانب التحليلي. ولكن هذا التقسيم الملموس في الظاهر، لا يغيب حقيقة أساسية، وهي أن التحليل، إنما ينهض على استفاضة ضرورية لتوضيح آلية التحليل ذاته. وعليه فإن النتائج المتماسكة تحتاج دائماً إلى أرضية صلبة ومتماسكة، وتحتاج إلى مقدمات منهجية تسوغ ظهورها، وهو ما عني به في مراجعته النقدية لمشروع يقطين.
وانتقد إبراهيم في سياق عرضه لمشروع يقطين مرجعيته المطلقة للنقد الفرنسي الحداثي وما بعد الحداثي، غافلاً أو متجاهلاً بعض أهم إنجازات النقد العالمي الأخرى مثل النقد الأنجلوسكسوني، حين يكتفي بالإشارة التاريخية العابرة أو العارضة إلى مثل هذه الإنجازات، كما في حديثه عن نموذج أو «طايبولوجيا Typelogie» للصيغ.
وخصص حميد لحمداني (المغرب) جهداً أكبر لنقد الاتجاهات النقدية الحديثة في كتابيه «النقد الروائي والأيديولوجيا من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي» (1990)([7]) و«بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي» (1993)([8])، ومما يجدر ذكره أن لحمداني يناقش قضية نقدية أو أدبية، فليس دأبه هو تتبع الأعمال النقدية، ولذلك لا تعدّ كتبه ضمن نقد النقد، وإن تعرضت لهذه الاهتمامات النقدية في سياق معالجتها لهذه القضية النقدية أو الأدبية أو تلك.
وتتصف آراء لحمداني على العموم بأنها قاسية ومتعسفة أحياناً، ولا تراعي السياق التاريخي والمنهجي لظهور البنيوية في حركة النقد القصصي والروائي العربي.
وكان الكتاب الثاني الذي تناول جانباً من الاتجاهات الجديدة هو «النقد البنيوي والنص الروائي ـ نماذج تحليلية من النقد العربي: 1- المنهج البنيوي ـ البنيةـ الشخصية» (جـ1: 1991)([9])، و«النقد البنيوي والنص الروائي ـ نماذج تحليلية من النقد العربي: 2- الزمن ـ الفضاء ـ السرد» (جـ2: 1991)([10])، والكتاب بجزأيه، من تأليف محمد سويرتي (المغرب). وأشار مؤلفه إلى أنه أطروحة جامعية بالأصل، وأراد، شأن سواه ممن تصدوا للنقد المتصل بالاتجاهات الجديدة، بأطروحته أن يعالج تمثل النقاد العرب، موضوع البحث، للثقافة النقدية الغربية عامة، وللمنهج البنيوي وأدواته العملية ومصطلحاته النقدية خاصة؟. وأضاف أسئلة أخرى: إلى أي حدّ استشعر هؤلاء النقاد التحولات التي طرأت على المنهج البنيوي عبر مساره الطويل من الجمالية إلى الشعرية؟ ما هي المقولات النقدية التي يمارس هؤلاء النقاد في هديها عملية النقد الأدبي؟ هل اقتصروا على توظيف المنهج البنيوي أم استنجدوا بمناهج أخرى؟ ولاحظ أن مثل هذه الأسئلة تمكنه من رصد مجموعة من العلائق، وهي:
* علاقة النظرية بالممارسة من داخل البنية النقدية ذاتها.
* علاقة المنهج المتوخى ومصطلحاته النقدية بالعمل الروائي المنقود.
* علاقة المنهج البنيوي بالمنهج النفسي والاجتماعي والإيديولوجي والفلسفي، وكذا علاقته بالشعرية.
* علاقة النقد العربي بالنقد الغربي.
ورصد سويرتي هذه العلائق من خلال المتن الذي يضم الأعمال النقدية التالية:
* «ملامح في الرواية السورية» لسمر روحي الفيصل (سورية) (1979).
* «حركية الإبداع ـ دراسات في الأدب العربي الحديث» لخالدة سعيد (سورية ـ 1979).
* «الألسنية والنقد الأدبي ـ في النظرية والممارسة» لموريس أبي ناضر (لبنان ـ 1979).
* «نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة» لنبيلة إبراهيم سالم (مصر ـ 1980).
* «في معرفة النص» ليمنى العيد (لبنان 1983).
* «بناء الرواية ـ دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ» لسيزا قاسم (مصر 1984).
* «القراءة والتجربة ـ حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب» لسعيد يقطين (المغرب 1985).
* «مدخل إلى نظرية القصة» لسمير المرزوقي وجميل شاكر (تونس ـ 1985).
وهي اختيارات لنصوص مبكرة نسبياً، ونلاحظ أنها لا تتمثل على نحو مطلق أو كلي الاتجاهات الجديدة، وإنما تلوّنها بمناهج سائدة، تقليدية، أو واقعية، أو نهاجيات العلوم الإنسانية. مثلما انحاز سويرتي إلى الممارسة، وحددها بفترة قصيرة لا تتجاوز ست سنوات، والتزم بالخطوات التالية:
- قراءة النص الروائي والنص النقدي.
- تصنيف البنيات النقدية وفق محاور تطرح إشكاليات حول النقد الروائي.
- استنباط المنهج المعتمد من طرف الناقد من خلال تصريحاته وتحليلاته، فضلاً عن المفاهيم الإجرائية قصد التحاور في شأن هذا المنهج ومصطلحاته، والكيفية التي مورس بها في تحليل النص الروائي.
- تقديم الإضافات الضرورية.
- تلخيص كل محور في تركيب مكثف وتسجيل الاستنتاجات الخاصة، ثم تكثيف كلّ الاستنتاجات الخاصة بكل المحاور.
ويلاحظ أن سويرتي يحاكم النقاد العرب على المرجعية الغربية، لا أن يكشف عن ممارستهم من داخلها ووفق مفاهيمها وطرائقها. وفعل ذلك في تركيبه الثاني:
«هكذا ينسى هؤلاء النقاد أو يتناسون أنهم إزاء إنجازات تتوسل المناهج البنيوية باعتباره مناهج علمية وضعية تنطلق من البنية الأساسية اللاواعية التي تحكم كل البنيات الداخلية للخرافة وللنص الروائي. وقد تبدو هذه البنية في شكل بسيط أو معقد»([11]).
وهكذا، يعد حميد لحمداني ومحمد سويرتي من أوائل النقاد الذين نبهوا إلى ظاهرة الاتجاهات الجديدة، ومارسوا عمليتي نقد النقد، في جوانب منها، وضمن فترة محددة هي بداءة تمثل النقد القصصي والروائي العربي لهذه الاتجاهات الجديدة، أو الأخذ بأمشاج منها.
وتعرض عبد الرحيم الكردي لأصداء البنيوية في الدراسات العربية في كتابه «السرد في الرواية المعاصرة: الرجل الذي فقد ظله نموذجاً» (1992)([12])، ورأى أن الدراسات البنيوية الأوروبية أخذت تغزو المجالات النقدية في الوطن العربي في السبعينيات من هذا القرن، بينما كانت هناك مدرسة نقدية مستقرة تقوم أسسها على دراسة المضامين الأدبية، ولا سيما الأيديولوجية والسياسية، بل إن جمهرة النقاد والباحثين لم تستسغ البنيوية، مثالاً للاتجاهات الجديدة، على أنها ثمرة لترف فكري، وأنها تستغرق في النموذج الألسني والنقد اللغوي، ولا تمتلك أدوات للمفاضلة بين الأعمال الأدبية، لوضعيتها التحليلية، ولإهمالها دور الذوق في الحكم على النصوص، وفي إبراز الجوانب الجمالية فيها، وهي حجج طالما رددها النقاد الاجتماعيون والماركسيون مثل محمود أمين العالم في كتابه «ثلاثية الرفض والهزيمة» (1985).
وتوفر عرض الكردي على ثلاثة أبحاث عربية تطبيقية، اتخذت من البنيوية منهجاً لها، وقد اختارها لاتصالها المباشر بالنماذج البنيوية الأوروبية بشكل صريح، فهي تمثل الجناح المستغرب من التيار الثقافي العربي في مجال دراسة النص، وهو الجناح الذي أدخل، برأيه، على الدراسات النصية العربية معايير جديدة، وأدوات لم تتح له من قبل، ووقع عليها الاختيار أيضاً لأنها جميعاً اهتمت بالتطبيق أكثر من اهتمامها بالنظريات، ولأنها تنتمي إلى بيئات عربية متنوعة، وهذه الأبحاث هي:
1- «بناء الرواية: دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ». سيزا قاسم. 1984.
2- «قضايا السرد عند نجيب محفوظ». وليد نجار 1985.
3- «تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي» يمنى العيد 1990.
ويتسم جهد الكردي بالسمات التالية: الإيجاز وإيضاح مصادر النقد الجديد في الكتب التي تعرض لها بالنقد، والميل إلى إطلاق الأحكام. وورد نقد جزئي لحامد أبو أحمد (مصر) في كتابه «نقد الحداثة» (1994)، والنقد موجه لصلاح فضل (مصر) حول كتابه «بلاغة الخطاب وعلم النص» (1992). فقد حوى كتاب أبي أحمد مقالات نقدية للنقاد العرب الذين يسترشدون بالاتجاهات الحديثة، بالإضافة إلى بعض المقالات والمراجعات النقدية لعدد من النصوص الأدبية العربية الحديثة، وإلى مقالتين حول «الشعر الحديث في أسبانيا وأمريكا اللاتينية» و«شعراء السبعينيات في أسبانيا». أما النقاد الذين وجه نقده السلبي إليهم، فهم كمال أبو ديب (سورية) وصلاح فضل (مصر) ومحمد خطابي (المغرب)، بينما حظي عبد الله الغذامي (السعودية) بنقد إيجابي يستحقه. ويعنينا من كتابه نقده لفضل لاشتغاله على النص السردي.
استغرق نقد أبي أحمد لفضل فصلاً كاملاً (15) صفحة من أصل (180 صفحة) توزع إلى مقالتين، وتركز نقده السلبي في إبداء نقمة كاملة على النقاد المتعاملين مع الاتجاهات الحديثة، لأن تعاملهم مع العلوم الجديدة أسير منطلقات ثلاثة:
المنطلق الأول: هو التعامل معها من منظور إطلاقي، انبهاراً، أو إدعاء، أو تسرعاً غير مستوعب للظاهرة أو للعلم الجديد.
والمنطلق الثاني: هو سيادة مفهوم لسان حاله يقول «اكتب كلاماً غير مفهوم ينظر إليك على أنك أكبر العلماء»، وقد شهدت، برأيه، الساحة الثقافية العربية خلال عقد الثمانينات ظهور عدد كبير من الكتب لا يفهمها أحد، من القاريء العادي حتى أكثر الناس ثقافة وتخصصاً.
والمنطلق الثالث: هو قيام الترجمة والتأليف في العلوم الجديدة على العجمة والابتسار أو الإدّعاء بالإسهام في تطوير العلم. واستثنى بعض الجهود النقدية. وذكر أبو أحمد مظاهر كثيرة للعجمة والابتسار، وختم مقاربته في المقالة الأولى بالقول:
«فأي مفهوم علمي، وأي منهجية، وأي ضبط، وأي تجريب في كتابه، لا يربط بينها إلا رابط هش هو فقط مسمى علم النص؟! فضلاً عن أنها ـ كما أسلفنا، فقرات طويلة منتزعة من سياقها انتزاعاً، وموضوعة في سياق جديد، ومن ثم فإنك تقرأ السطور، فتجد حالة من الإبهام بصورة قوية جداً مع طبيعة علم النص»([13]).
ولعلنا نلمس في نقد أبي أحمد قسوة وإسرافاً في الاتهام، فثمة فضائل لكتاب فضل ولجهوده النقدية الأخرى التي لا تنكر، لا تذهب كلها مع السلبيات. وأضاف أبو أحمد في مقالته الثانية انتقادات أخرى لفضل هي التدليس والتلفيق، فهو ينتقل من فقرة إلى فقرة، ومن باحث إلى باحث آخر، ومن فكرة إلى فكرة حتى يصل بعد خمس عشرة صفحة بالتحديد إلى ما يشبه عرضاً غير سليم لجهود الآخرين:
«وتصل طريقته في تهميش الآخرين إلى نوع من «التماهي Identification بينه وبين المؤلف الأصلي الذي نقل عنه، فيظن القارئ أن هذه الفقرة أو تلك من كلام الدكتور فضل مع أنه مجرد ناقل لها»([14]).
وأطلق أبو أحمد صفات سلبية ظالمة على فضل مثل الخلط والتجهيل، وأن هذا هو دأبه في كتبه الأخرى، «فقد كنت دائماً أحس بالتوجس من هذه الكتب الغريبة في مناهجها، والتي يبدو وكأنها ألفت بقصد أن تقيم جداراً يفصل بيننا وبين العلوم الحديثة»([15]).
وقد آثرت الإشارة لبعض تفاصيل نقد أبي حامد، لأنه يعبر عن نموذج غالب على نقد النقد الأدبي العربي، بما هو نقد متسرع يفتقر إلى التسويغ الفكري والفني والرؤية التاريخية والإطار المنهجي لميله إلى إطلاق الأحكام بالدرجة الأولى.
ويستفاد من عرض هذه الدراسات السابقة أمران الأول هو التنبيه إلى ظهور مثل هذه الاتجاهات الجديدة، والثاني هو أنها لا تتجاوز حدود الإشارة لما تمثله في حركة النقد الأدبي العربي الحديث. أما قيمتها النقدية فهي محدودة في بابها.
دواعي البحث:
يستجيب هذا البحث لضواغط فكرية ونقدية على وجداني، لعل أولها هو وطأة الإحساس بالهوية العربية، وما تواجهه من إكراهات شديدة تنعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على الوعي بالذات القومية، وثانيها اتصال هذه الوطأة بالحاجة إلى إعمال نقد النقد في شؤون حياتنا كافة تعضيداً للفكر النقدي، وإثراء للتجربة النقدية العربية في ميدانها الأقرب، أعني النقد الأدبي الذي يختزن في محمولاتها هذا الفكر النقدي، وثالثها اختيار مجال أدبي نقدي مندغم بالتاريخ هو نقد القصة والرواية، ونقد السرديات فيما بعد.
أما الدوافع الأخرى لاختيار هذا البحث عن فترته المحددة، فأوجزها فيما يلي:
الأول هو فقر المكتبة العربية بأبحاث نقد النقد، فثمة كتب لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة تتناول ممارسته في هذا القطر أو ذاك، أو هذا الاتجاه أو ذلك، أو لدى ناقد أو آخر. ولاحظنا مثل ذلك لدى استعراضنا للدراسات السابقة، وهي قليلة جداً.
والثاني هو بروز الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، والتأثر الكبير للنقاد والباحثين العرب بها في أقطار الوطن العربي كله، مما يبين شدة المؤثرات الأجنبية الغربية في تكوين الناقد العربي الأدبي الحديث إلى حدّ الاستلاب التام الذي يغيّب معه التواصل مع موروثه الثقافي، ويحدث قطيعة معرفية مع تقاليده الأدبية والنقدية.
والثالث هو أن هذه الاتجاهات الجديدة ظهرت وتصلب عودها في العقود الثلاثة الأخيرة، فطغت على الممارسة النقدية العربية في الثمانينيات والتسعينيات على وجه الخصوص.
والرابع هو شمول الاتجاهات الجديدة لمجالات النقد القصصي والروائي والسردي جميعها، وقد تجلت بإسهامات واثقة لنقاد وباحثين معتبرين من أجيال مختلفة في نقد الموروث السردي الشعبي والأدبي، والنقد النظري، والنقد التطبيقي.
والخامس هو قابلية هذه الاتجاهات الجديدة، في ممارستها النقدية ودورانها على أقلام هذه الكثرة الكثيرة من النقاد والباحثين العرب، على إثارة قضايا ثقافية وفكرية ونقدية في منتهى الأهمية مثل المنهج والمصطلح والتبعية، والعلاقة بالعلوم الإنسانية والمناهج المعرفية والنقدية الحديثة.
وعلى هذا، فقد توزع بحثي إلى مقدمة وثمانية فصول، وخاتمة، وثبت المصادر والمراجع.
جعلت الفصل الأول منه للتطور التاريخي والفني لنقد القصة والرواية، وقد وجدت أن مرحلة النشأة تمتد إلى عام 1945، ومرحلة التكون تستمر حتى عام 1970، حيث شهدت السبعينيات انطلاقة الاتجاهات الجديدة، ثم بلغت ذروتها في الثمانينيات والتسعينيات. وأشرت بإيجاز إلى ملامح نقد القصة والرواية وتطوراتها، وهي استمرار التأليف في نشأة القصة والرواية وتاريخها، والاهتمام بالجانب الفني أكثر مما كان في المرحلة السابقة، واستمرار النقد التعريفي والنظري التقليدي، واتساع نبرة الحديث عن التجربة القصصية والروائية بفضل نمو وعي القاص والروائي العربي بفنه، وتقصيت ملامح هيمنة دراسات المذهب الواقعي في صعودها في السبعينيات، وأفولها التدريجي في الثمانينات والتسعينيات، وعاينت ظاهرة البحث عن التراث القصصي ووعيه، وتوقفت عند تأصيل النقد القصصي والروائي لدى بعض وجوهه البارزة.
وعالجت في الفصل الثاني العوامل المساعدة على في تكوين الاتجاهات الجديدة، مثل الاتصال المباشر، والترجمة، وتطور العلوم والنهاجيات المعرفية، ووسائل الاتصال وثورة المعلومات، وتنامي أبحاث الهوية في الفكر والأدب والنقد، والتطلع إلى الحديث والرغبة في التحديث. والإقبال على التأليف المعجمي والمصطلحي والموسوعي، والعلاقات بين الفنون، ووفرة أبحاث نظرية الأدب ونظرية القصة والرواية بعد ذلك، والانشغال بنظرية الأدب عربياً، وتنامي البحث عن نظرية نقدية عربية.
وناقشت في الفصل الثالث الاتجاهات النقدية الجديدة المتصلة بالعلوم الإنسانية، ولا سيما التاريخ والأفكار والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، وما تمخض عنها من اتجاهات نقدية.
وبينت في الفصل الرابع انتشار هذه الاتجاهات الجديدة المتصلة بالبنيوية وما بعدها، مثل شعرية السرد، والبنيوية الدلالية، والألسنية، والتفكيكية.
وصرفت جهدي في الفصول الثلاثة التالية، الخامس والسادس والسابع، لنقد الاتجاهات الجديدة في أهم نماذجها، فكان الفصل السادس لنقد الموروث السردي، الشعبي والأدبي، والسابع للنقد النظري، والثامن لنقد النقد التطبيقي بأنماطه الثلاثة؛ وهي الدراسات ذات الميل الأقل إلى الاتجاهات الجديدة، والدراسات الانتقائية، والدراسات ذات الميل الأكبر، في فئاتها الثلاث أيضاً: الاشتغال السردي النصي، قضايا في السرد، التحليل السردي النصي.
وعالجت في الفصل الثامن مكانة الاتجاهات الجديدة إزاء بعض المشكلات النقدية والفكرية، واخترت مشكلتين نقديتين هما الواقعية والحداثة، وعالجتهما في إطار النقد العربي الحديث بعامة، ونقد القصة والرواية بخاصة، ومشكلة فكرية هي التبعية والتأصيل، فأوضحت ظاهرة التبعية الثقافية بوصفها عالمية، وظاهرة التبعية النقدية، وانتقلت إلى تطبيق لها، هو حالة نقد القصة والرواية لدى نموذج نقدي عربي هو عبدالفتاح كيليطو (المغرب) الذي طور المنهج التأويلي الحداثي استناداً إلى التراث النقدي العربي، وأفلح كثيراً في تثمير الاتجاهات الجديدة في تدعيم أبحاث الهوية.
منهج البحث:
التزمت في هذا البحث بمنهج موضوعي يستفيد من علم السرد، فأنا أؤمن بمقولة تعدد الأصوات وتضاد الآراء، «ففي كل نظرية يوجد، صراحة أو ضمناً، الصوت المضاد لمنظور نظري آخر، فما حث المنظر على التفكير، إنما هو تفكير منظر آخر» كما يقول والاس مارتن Wallace Martin في كتابه «نظريات السرد الحديثة Recent Theories Of Narrative» (1986وظهرت ترجمته عام 1997)([16])، ويقوم هذا المنهج على التحليل متسلحاً بمعرفة نقدية بعلم السرد، متجنباً قدر الإمكان، إبداء الأحكام والآراء على جهود الآخرين وأعمالهم، لأن المعرفة نسبية، ووجهات النظر متباينة، كاشفاً في الوقت عن قيمة هذه الجهود النقدية في ذاتها وفي سياقها التاريخي، ولذلك تعمدت الإحاطة النقدية بالكتب النقدية المعنية بنقد الموروث السردي الشعبي والأدبي، والنقد النظري، والإلمام بالكتب النقدية التطبيقية التي استرشدت بالاتجاهات الجديدة، بيد أنني أجازف إلى القول إن معالجتي لنقد النقد التطبيقي تستوعب غالبية الجهود المبذولة، ولما أدى ذلك إلى ضخامة حجم البحث، فقد اختزلت شيئاً كثيراً من نقدي للنقد التطبيقي، دون الإخلال بغايات البحث.
ويلاحظ أنني، اتساقاً مع منهجي الموضوعي، عاملت النصوص النقدية من داخلها، ولم أفرض عليها هذا المنهج، فحللتها، وأظهرت أفضل ما فيها، وأشرت، إلماحاً غالباً، أو تصريحاً أحياناً، إلى بعض الملاحظات للهنات أو التناقضات أو إطلاقية الرأي والمرجعية لدى ممارسي ذلك من النقاد والباحثين. ويفيد ذلك أنني لم أحاكم النصوص النقدية على مطابقتها لهذا المرجع أو ذاك، إنما حللت، وفسرت، بما يسعف على تقييم موضوعي غير متعسف.
وحرصت على التحليل المكثف والتفسير الواضح، على الرغم من التباس الاتجاهات الجديدة، وغموض لغتها غالباً، وولوغها في الشكلانية. وكان دأبي في الإجراءات النقدية أن أعرّف نقدياً بالنصوص النقدية وأصحابها، ولو إشارة، ثم أعالج مكانتها في سياقها الثقافي والتاريخي، وأفصح عن قيمتها النقدية والفنية والمعرفية.
لقد عمدت إلى العرض النقدي لأهم الإسهامات النقدية (الكتب بالدرجة الأولى) المتأثرة بالاتجاهات الجديدة ومناقشتها، حتى غدا كتابي أقرب إلى موسوعة لكتب نقد القصة والرواية والسرديات، وهو مركب صعب ركبته، لاعتقادي أن السهل هو تتبع قضية نقدية والاكتفاء بإشارات لبعض المشتغلين بها ولبعض جهودهم. وثمة أمر سيلاحظه المهتمون هو أنني ناقشت جهود النقاد المتأثرين بالاتجاهات الجديدة حسب المجال النقدي الذي مارسوه، لا عرض جهد كل ناقد على حدة، فالنقاش حول قضايا النقد الأدبي العربي الجديد، وليس حول النقاد الممارسين له، فنوقش على سبيل المثال جهد عبدالفتاح كيليطو المتصل بنقد الموروث السردي في فصله الخاص، مرةً لدى نقاش الموروث السردي الشعبي وأخرى لدى نقاش الموروث السردي الأدبي، مثلما نوقش جهد سعيد يقطين (المغرب) أو عبدالله ابراهيم (العراق)، مثالين آخرين، في أكثر من فصل.
ولما كان البحث متصلاً بمراجع الاتجاهات الجديدة ومصادرها، وهي غربية بلغات أوروبية، إنكليزية وفرنسية وألمانية وروسية وأسبانية، فقد أوردت أسماء الأعلام أو المصطلحات باللغة العربية، وبالحروف اللاتينية، حسب استعمالها بلغتها الأصل، الفرنسية أو الإنجليزية، وحسب ذكرها لدى هذا الباحث أو الناقد. وآثرت أن أذكر تاريخ طبعة الكتب الأجنبية لأول مرة بين قوسين، وأوردت اسم الكتاب ومؤلفه بالحرف اللاتيني، كلما تيسر لي ذلك.
وبالنسبة للنقاد والباحثين العرب، فقد وضعت، بين قوسين، القطر الذي ينتمي إليه لمعرفة انتشار هذه الاتجاهات الجديدة في الأقطار العربية، مثلما وضعت، بين قوسين أيضاً داخل المتن، تاريخ طبعة الكتاب العربية الأولى، محيلاً بقية التوثيق ورقم الصفحات إلى ثبت الهوامش في نهاية كل فصل. وتجنبت إثقال المتن وثبت الهوامش بإحالات كثيرة، ولم أضع في ثبت المراجع والمصادر إلا الكتب التي جرى استخدامها في المتن، وهي كثيرة جاوزت الأربعمائة كتاب. وأغفلت توثيق الدوريات، مكتفياً بذلك في ثبوت الهوامش في نهاية كلّ فصل. ولا شك، أن مكتبة هذا البحث واسعة، مما جعلني أنفر من الشرح المستفيض، وألجأ إلى التحليل والتفسير النقديين، في مواءمة تستقيم مع المنهج الموضوعي، ومع سعة البحث وتشعبه، لأنني لا أسعى إلى التوثيق والإحصاء بالقدر الذي أعد فيه شغلي جدالياً يتلمس ظاهرة جلية في نقدنا العربي الحديث، هي قضية على قدر كبير من الخطورة تسهم، كما أسلفت، في استخلاص نتائج مفيدة في معرفة أدبية ونقدية باتجاه تعضيد الهوية القومية في الأدب العربي الحديث، على أن هذا الاتساع والتشعب ليس سبباً لإغفال نتاج نقدي ذي دلالة في مجال البحث، لذلك اعتمدت على مصادر البحث، وهي:
- الكتب النقدية المتأثرة بالاتجاهات الجديدة، أينما طبعت، وقد فاقت مائة وعشرين كتاباً، لنقاد وباحثين ينتمون إلى مختلف الأقطار العربية، ولاحظت أن بعضها مكتوب بأقلام من موريتانيا واليمن ودول الخليج العربي، مما يؤكد وحدة الثقافة العربية، وسيرورة انتشارها وعمليات إنتاجها.
وينبغي التمييز في هذا المجال بين الكتب التي تعد نقداً للمصادر والمراجع، وهي قليلة جداً كما أشرنا في ذكر الدراسات السابقة، وبين الكتب النقدية المتأثرة بالاتجاهات الجديدة، سواء كانت مخصوصة بالنقد النظري، أو بنقد الموروث السردي، أو بالنقد التطبيقي، وقد تناولت بالنقد والتحليل الكتب المعبرة أكثر من سواها عن تمثلها للاتجاهات الجديدة.
- المقالات الأساسية في الدوريات الثقافية والأدبية العربية، وقد ذكرتها في المتن، وأجملتها في ثبت الفهارس. أما مراجع البحث المؤلفة والمترجمة فهي كثيرة أيضاً، ولم أعمد إلى مقايسة مصادر البحث بمراجعها الأجنبية في لغاتها الأوروبية، فهذا لا يتناسب مع حاجات البحث، بالإضافة إلى أنه ينوء عن طاقة فريق باحثين، فكيف بباحث فرد.
لا شك أن الحصول على غالبية هذه المصادر والمراجع كما فصلت، لم يكن ميسوراً، ولكنني ذللت صعوبات كثيرة بالترحال، إلى أكثر الأقطار العربية، وطلب هذه المصادر والمراجع، أو بالمراسلة بمساعدة أصدقاء كثر من النقاد والباحثين أنفسهم من أقطار عربية عديدة، وينوء المقام عن ذكرهم جميعاً.
وكانت الصعوبة الثانية هو توزع الجهد الترجمي العربي، وما يورثه من تأثيرات سلبية على حركة النقد والأدب، إذ ترجمت نصوص بعينها مرات كثيرة، مثلما اختلف المترجمون في الترجمة، ولاسيما المصطلحات وأسماء الأعلام، مثل ترجمة الحافز Motive الذي يترجم بالوحدة القصصية أو الفاعل أو العامل، وترجمة الإنشائية Poetic التي ترجمت بالشعرية أو بالأدبية. ومثل ترجمة غريماس أو قريماس أو جريماس. غير أنني حاولت مجاوزة هذه المشكلات بإعمال النظر وبالحوارات الثمينة مع الأصدقاء النقاد، وهم كثر أيضاً على امتداد الوطن العربي.
وأود أن أشيد في هذا المجال بالحوارات الثمينة مع الأصدقاء النقاد عبد الفتاح كيليطو (المغرب) ومحمد بنيس (المغرب) وسعيد يقطين (المغرب) ومحمد لطفي اليوسفي (تونس) وصلاح الدين بوجاه (تونس) وعبد الملك مرتاض (الجزائر) وعبد الله إبراهيم (العراق) وصلاح فضل (مصر) وحسام الخطيب (فلسطين) وسعيد السريحي (السعودية) ومنذر عياشي وعبد النبي اصطيف وقاسم المقداد (سورية) الذين أمدوني بالمراجع، وأعانونني كثيراً في مناقشاتنا، وفي فهم كتاباتهم وإسهاماتهم النقدية، مما ساعدني على تجنب بعض مزالق البحث.
وأخص بالشكر الأصدقاء النقاد والأساتذة الدكاترة فؤاد مرعي (سورية) ووجيه فانوس (لبنان) وبسام قطوس (الأردن) ووائل بركات (سورية) الذين استفدت كثيراً من ملاحظاتهم النقدية. وإنني لمدين بالكثير للأستاذ الدكتور فيصل سماق لملاحظاته المنهجية الثمينة، ولفضله العميم عليّ. أما الشكر الأوفى فهو لزوجتي نائلة علي، فقد كان هذا الكتاب بعض دأبها وإخلاصها.


الفصل الأول
التطور التاريخي والفني
لنقد القصة والرواية في الوطن العربي
1- نظرة إلى نشأة نقد القصة والرواية:
تُعزّز النظرة إلى نشأة نقد القصة والرواية في الأدب العربي الحديث أن النقد تالٍ للأدب، إذ ظهرت أعمال قصصية وروائية، وكان النقد مقصراً عن بلوغ شأوها الفكري والفني خلال ما اصطلحنا على تسميته المرحلة الأولى، فإذا كانت هذه الفنون شهدت نهوضها باتجاه الحديث والمستحدث في خضم النهضة العربية في القرن التاسع عشر، فإن النقد الأدبي الحديث لم يخرج من مخاضه العسير إلا في النصف الأول من القرن العشرين. ولو أنعمنا النظر في نشأة النقد الأدبي العربي الحديث، لعرفنا أن نقد القصة والرواية كان الأصعب مخاضاً لغلبة نقد الشعر على بدايات النقد ومراحله الأولى. وعلى هذا، فإن نظرتنا إلى نشوء نقد القصة والرواية في الأدب العربي الحديث وأهم ظواهره وقضاياه حتى عام 1970 تتوزع إلى مرحلتين، الأولى منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، والثانية منذ 1945 حتى عام 1970م.
1-1 المرحلة الأولى (حتى عام 1945):
تتسم الأصول الأولى للنقد الحديث باستغراقها في نقد الشعر، ولاحظ أحد نقاد تلك المرحلة، وهو عز الدين الأمين (مصر) في كتابه «نشأة النقد الأدبي الحديث في مصر» (1957)، أن النقاد في الربع الأول من هذا القرن، مثلوا مذهبين، هما:
«1- المدرسة القديمة التي تعنى بالنقد اللغوي، كما كان يفعل نقاد العرب القدماء، فتحفل بالصيغ والألفاظ والنواحي البلاغية، وربما تحمل على المذاهب الجديدة في النقد.
2- المدرسة الحديثة التي تعنى بالتجربة الشعرية والصياغة الفنية، وينصب نقدها على الناحية الموضوعية، وتنهج نهجاً غربياً في نقدها، ولا تهمل العناية بالنقد الفقهي»([17])، أي أننا لا نقع على نقد يتصل بالقصة أو الرواية لدى رواد هذا النقد في هذه المرحلة، وهم ينحصرون، حسب تصنيف عز الدين الأمين، بمصطفى صادق الرافعي، والمستشرق الإيطالي كارلو نلينو (درس في مصر وانتخب عضواً في المجمع اللغوي بمصر، وألف أهم كتبه في مصر)، وعباس محمود العقاد، وإبراهيم المازني، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وزكي مبارك، وأحمد ضيف.
ولا تختلف كثيراً صورة النقد الأدبي الحديث في ربع القرن الثاني، كما يظهره عبد العزيز الدسوقي (مصر) في كتابه «تطور النقد العربي الحديث في مصر» (1977) ، وهو يعالج موضوعه منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى مشارف الحرب العالمية الثانية، ففي حركة الانبعاث نشأ مناخ أدبي جديد، بعثت فيه مقاييس النقد العربي، وكان عبد الله فكري ونجا الأبياري وصالح مجدي ومصطفى جميعي أهم شخصيات حركة هذا الانبعاث، واتجه اهتمامهم إلى النقد اللغوي للشعر، وكشف الدسوقي عن شخصية مجهولة في حركة النقد آنذاك، هو محمد سعيد وكتابه «ارتياد السمر في انتقاد الشعر»، وكان أحمد فارس الشدياق ومحمد عبده وحسين المرصفي الأهم بين نقاد زمنهم. وتطورت الحركة النقدية إلى حركة التجديد، التي عنيت بالنقد النظري والتطبيقي للشعر: الدعوة إلى تطوير شكل القصيدة العربية ـ التمحيص العلمي للنصوص ـ موسيقى الشعر. وبرز تجديد الدراسة الأدبية في كتاب «منهل الوراد في علم الانتقاد» لقسطاكي الحمصي الذي يعد علامة من علامات تطور النقد الأدبي الحديث، ربما بسبب تأثره بالنقد الأوروبي، وقد تميز الكتاب بما يلي:
1.أول كتاب في النقد النظري باللغة العربية، تعرض فيه نظريات النقد الأوروبي واليوناني والروماني على تلك الصورة المرتبة.
2.أول كتاب عربي في مطلع القرن العشرين يرى أن النقد الأدبي علم له أصول وقواعد.
3.العناية بقواعد النقد الأدبي والناقد والاهتمام بالبيئة الزمانية والمكانية.
4.العناية بالنقد التطبيقي، وتقسيم الفنون الأدبية تقسيماً جديداً يهتم بالمسرحية والملحمة والقصة والرواية والمقالة، أي أن جنس القصة والرواية ورد ذكرهما باسمهما الصريح لأول مرة.
5.وقد قرر في الكتاب «أن الشعر التمثيلي باب لم يؤلف به العرب شيئاً، بل لم يكتب به إلا أفراد من المعاصرين كالشيخ خليل اليازجي وأديب إسحاق والشيخ نجيب الحداد، والثلاثة كانوا من نوابغ الكتاب المعاصرين.. وقد نسجوا على منوال الأفرنج».
6.وفي الكتاب عناية بالفنون الجميلة كالرسم والتصوير والحفر وغيرها من الفنون([18]).
ورأى الدسوقي أن تيارات للنقد العربي الحديث قد تكونت في الربع الثاني من القرن، وهي المدرسي والتاريخي (حمزة فتح الله وسيد المرصفي وجرجي زيدان ومصطفى صادق الرافعي)، وتيار التجديد (طه حسين ومحمد حسين هيكل ومصطفى صادق الرافعي)، وتيار الثورة (عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري)، على أن غالبية النقد اتجه إلى الشعر. وتلمس الدسوقي اتجاهات للنقد العربي الحديث، فوجدها التاريخي والنفسي والموضوعي والجمالي والاجتماعي، وقد «أثيرت، منذ وقت مبكر، معظم القضايا الجديدة التي ترددت فيما بعد على ألسنة رواد التيارات والاتجاهات كقضية الوحدة العضوية في الشعر، والصدق الفني، والتعبير عن الكتاب والجوهر، والاهتمام بالتجربة الفنية. كما اهتم كثير من رواد البعث والتجديد بإثارة قضية موسيقى الشعر والتجديد فيها، وأخذ الاهتمام على نحو ما، بالقصة والرواية والمسرح يظهر في ذلك الوقت المبكر»([19]).
وحدد عبد الكريم الأشتر (سورية) المعالم البارزة في النقد العربي الحديث، ووجدها تتمثل في كتب ثلاثة هي: «الديوان» (1921) للعقاد والمازني، و«الغربال» (1957) ليمخائيل نعيمة (المقالات منشورة في العشرينيات)، و«في الميزان الجديد» (1944) لمحمد مندور. أما نقد القصة والرواية فيها، فبدأ يبرز في ثالثها في نقده لبعض أعمال توفيق الحكيم وبشر فارس ومحمود تيمور وطه حسين، فقد تناول فيها «مسألة الأساطير في الأدب واستخدامها في التعبير عن مقاصد النفس البشرية الكبيرة، ومطامحها وأشواقها، حتى يعمق فهمنا لها، وفهمنا لأنفسنا من خلالها... وتناول في نقده لنداء المجهول (لمحمود تيمور) تيار الواقعية في الأدب القصصي ومعانيها في تصوير الشخصيات وسوق الحوار، ومشاكلة الواقع في نقده لدعاء الكروان (لطه حسين)، وضرورتها في خلق الأحداث ووصفها وحوار شخوصها»([20]).
ولدى معاينته للنقد الأدبي الحديث في سورية فيما بين 1918و1945، توقف سمر روحي الفيصل (سورية) عند المؤثرات الرئيسة في النقد الأدبي، وهي المجمع العلمي العربي والبحوث العلمية، والصحافة، والتراث العربي، والنقاد والأدباء المصريون، والنقاد الأجانب، وعدد أنواع النقد الأدبي، وهي النقد اللغوي والنقد الانطباعي، والنقد التاريخي، ورأى استمرارية للنقد اللغوي القديم وبحثاً دؤوباً عن نظرية لنقد الشعر، وغلبة للمساجلات النقدية، أي أن نقد القصة والرواية كان نادراً، وأن مواكبة النقد في سورية للنقد المتطور في مصر وفي المهجر لم تكن مرضية، فما «كان في قدرة النقاد السوريين تجنب عيوب المرحلة، من اهتمام بالنظرات الجزئية، وبعد عن النظرية النقدية، وإغراق في النقد الانطباعي، وخلط بين النقد اللغوي والنقد البياني، وانصراف إلى المقالة النقدية دون الدراسة والبحث، واهتمام بالنقد الفرنسي أكثر من النقد العربي القديم، وضمور في الخلفية الفلسفية التي تستجيب لتطلعات الشعب الثقافية»([21]).
وتقصى نبيل سليمان (سورية) واقع النقد الأدبي في سورية خلال الفترة الممهدة للاستقلال (في الفصل الثاني من كتابه)، فرأى صعود فن القصة، إشارة إلى كتاب جميل سلطان «فن القصة والمقامة» (1944)، وكتاب نزيه الحكيم «محمود تيمور رائد القصة العربية» (1944)، والكتابان يتوازيان «من ناحية تحديث أدوات الناقد السوري، لكن لكتاب نزيه الحكيم بعد ذلك ميزات خاصة به. أولى هذه الميزات تتعلق بطبيعة الدراسة نفسها، فهي حقاً كما سجل صاحبها على غلافها الخارجي «دراسة تحليلية»، تتناول علم القصة العربية الأول في حينه. إن دراسة الحكيم، بهذا المعنى تطبيقية، تتصل بالواقع الأدبي الراهن في أدق مفاصله: القصة»([22]).
ولم يقتصر ظهور طلائع النقد القصصي والروائي على سلطان والحكيم، فثمة نقاد أدب اهتموا بهذا النوع مثل عبد الغني العطري وخليل هنداوي ووداد سكاكيني.
ولا يخفى أن الدراسات الكاشفة عن المراحل الأولى من النهضة العربية حتى خمسينيات هذا القرن، ما تزال محدودة توثيقاً إحصائياً، أو تحليلاً نقدياً، فقد كشفت عن ناقد مجهول، يدعى الشيخ راغب العثماني (سورية)، ونشرت بحثي عنه عام 1986 في مجلة «المعرفة» الدمشقية، وفي كتابي «الأدب والتغير الاجتماعي في سورية» (1990)، والشيخ العثماني من أهم نقاد القصة والرواية في فترة ما بين الحربين، من خلال كتابه «القصة والقصصي» المنشور خلال الثلاثينيات، و«لا أعرف كتاباً بكامله في النقد الأدبي العربي عن فن القصة حتى تاريخه بهذا الوعي النقدي والنماء الذوقي والبراعة الأسلوبية»([23]).
ضم كتاب «القصة والقصصي» فصولاً عن الموضوعات التالية: أدب القصة ـ مهمة المؤلف القصصي ـ القصة في الأدب العربي ـ القصة في الأدب الوجداني ـ القصة في الشعر العربي ـ القصة في الأدب الروسي ـ القصة في الآداب الغربية ـ القصة في القرآن الكريم ـ القصة في السير النبوية ـ القصة في تاريخنا القومي ـ القصة في عالم السينما ـ القصة والرواية والتمثيل ـ القصة في العهدين الأموي والعباسي ـ القصة في الأدبين السوري والمصري. ولدى تحقيقي للكتاب ودراسته، وجدت ميزات كتابة الشيخ العثماني في نقده للقصة على النحو التالي:
1.النبرة الذاتية والميل الذوقي.
2.إيثاره لدور المربي في التوجيه الأدبي وتطوير فن القصة.
3.الوعي النقدي بفن القصة وبمصطلحها النقدي.
4.الإيمان بالتطور، وربط الأدب بالمجتمع.
5.نقد واقع القصة العربية.
«ويبدو أن العثماني كان متابعاً لحركة التأليف القصصي العربية، وأن عزوفه عن النقد التطبيقي عائد إلى مستوى الكتابة القصصية التي لم يكن راضياً عنها، فانصرف إلى كتابة مبحث يسهم في التوجيه الأدبي وتقدم فنّ القصة، كتب العثماني: وقد لا نتجنى على أحد إذا قلنا أن القصة في بلادنا ما زالت في أول مراحل تطورها، وإننا إذا استثنينا بعض قصص متناثرة هنا وهناك لما وجدنا قصصاً حقيقية جديرة بالتقدير الأدبي الصحيح»([24]).
إن طلائع نقد القصة والرواية تنتمي إلى فترة ما بين الحربين في مصر وبلاد الشام على وجه الخصوص، وهذا ما تؤكده دراسات نشأة القصة والرواية في الأقطار العربية المختلفة كما سنلاحظ فيما بعد لدى استعراض بعض هذه الدراسات. على أنني توقفت عند نموذج مرجعي واحد في قطر عربي هو المغرب، والنموذج هو كتاب عبد الرحمان طنكول (المغرب) «الأدب المغربي الحديث: ببليوغرافيا شاملة» (1984)، إذ تمتد الفترة التي تغطيها ثبوته من سنة 1960 إلى 1984، وعلل اختياره لهذا التاريخ بأن «الكل يعلم أن بداية الستينيات عرفت تكاثف الصراع السياسي وسط القطاعات المضطهدة من أجل تحقق الديمقراطية المنشودة. كما أنها عرفت ظهور عدد كبير من المجلات الثقافية والنصوص الإبداعية التي لعبت دوراً فعالاً في فرض ما يطلق عليه اليوم اسم الأدب الطلائعي بالمغرب، أي الكتابة الأدبية التي تطمح إلى تحقيق التغيير على المستوى المعرفي والاستتيقي والإيديولوجي. لكن تركيزنا على هذه الفترة لم يمنعنا من محاولة رصد بعض الدراسات التي صدرت في نهاية الخمسينيات، نظراً لأهميتها»([25]).
لا يماري أحد في منزلة مصر وبلاد الشام في الفكر النهضوي العربي، وهذا ما يؤكده أيضاً هاشم ياغي (لبنان) في كتابه «النقد الأدبي الحديث في لبنان» (1968)، وهو يقع في جزأين، الأول «الحركة النقدية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية» والثاني «المدارس النقدية المعاصرة». وقد تتبع ياغي جهود النقاد الممهدين للمدارس في الجزء الأول أمثال خليل مطران وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، على أن المعالجات النقدية الأبرز ظهرت في الثلاثينيات والأربعينيات عند عمر فاخوري وخليل تقي الدين وتوفيق يوسف عواد. أشار فاخوري إلى شأن القصص في الآداب الغربية وإلى شأنه في الآداب العربية، وبيّن الأثر الذي تركه في القصص عندنا عنصرا اللفظية والبعد عن الحياة في أدبنا، وعرض إلى جانب هذه القضايا، لناحية فنية في القصص تتصل بالحوادث والأشخاص والصدق والتجارب، في أضواء هذه العلاقة بين القصة والحياة.
أما خليل تقي الدين فيعنى بقضايا في نقد القصة لعل من أهمها صلة القصة بالحياة أيضاً وميزاتها الاجتماعية، وأهداف القصة والقصاص، والقصة في الأدب العربي، والإشارة إلى منزلة القصة في الأدب الغربي، وبعض أمور فنية في القصة كالحوادث والعقدة، ثم تطور القصة بتطور الإنسانية، بينما لاحظ ياغي اهتمام توفيق يوسف عواد بقضية الصلة بين القصة والحياة، ومكانة القصة وسعتها الآن وطبيعتها، ورأيه في أن الأدب العربي لم يعرف القصة بالمفهوم الحديث، وحكمه في قياس الآداب بالجودة لا بالأنواع، وما رآه من تطور في الأدب، ومن ثم في القصة([26]).
ولدى بحثه عن مصادر نقد الرواية في الأدب العربي الحديث في مصر، وقع أحمد إبراهيم الهواري (مصر) على 930 مادة صحفية، عن الرواية في الدوريات الصادرة بمصر، وكان محرروها غالباً هم الكتاب دون ذكر الأسماء، وظهر لأول مرة اسم كاتب معروف في عام 1910، هو صلاح الدين القاسمي في مقالته «نظرة في النظرات»، ثم توالت مقالات لكتاب على سبيل التقريض أو التعريف مثل محمود كامل (1918)، ومحمود تيمور (اعتباراً من عام 1920)، وعيسى عبيد (اعتباراً من عام 1922)، وحسين فوزي وعباس محمود العقاد (اعتباراً من عام 1925)، وإبراهيم المصري (اعتباراً من عام 1926)، ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى (اعتباراً من عام 1929). غير أن كتب نقد الرواية تأخر ظهورها مثل تطوره، فقد رصد الهواري نماذج من النصوص النقدية حول نظرية الرواية في وحدات ثلاث هي المهمة والطبيعة والنقد التطبيقي، وهي رحلة طويلة حتى بلغ نقد الرواية أشده وقوي ساعده. وقد كانت كلمات الهواري دالة على التطور البطيء لنقد القصة والرواية:
«وما أحوج التنظير النقدي أن يتسلح بالروح العلمية الهادئة في معالجة قضايا نظرية الرواية من حيث مهمتها (الوجه الاجتماعي) وطبيعتها (الوجه الفني). وقد اتخذت من تاريخ ظهور العمل الروائي نواة تدور حولها الرؤى النقدية المتعاقبة، مما يتيح أمام القارئ أن ينظر من خلال الثابت (العمل الروائي) إلى المتغير (النظرة النقدية) بما يشي بالمنحى التاريخي للفكر النقدي»([27]).
هذه هي بدايات النقد القصصي والروائي، ومنها انطلقت الجهود النقدية الواسعة تالياً.
1-2 المرحلة الثانية (1945-1970):
تطورت الكتابة القصصية والروائية في هذه المرحلة، باتجاه تأصيل جنس أدبي هو القصة، كما عبر عن ذلك ناقد معتبر هو شكري محمد عياد (مصر) في كتابه «القصة القصيرة في مصر ـ دراسة في تأصيل جنس أدبي» (1969)، وباتجاه تحول الرواية إلى جنس أدبي مكتمل صارفي نهايات القرن إلى الجنس الأدبي الأول والأهم، والمتوج، بعد ذلك، بفوز نجيب محفوظ جائزة نوبل للآداب عام 1988، وهو اعتراف بقيمة الرواية العربية ورسوخها واندراجها في تقاليد السرد العربي. ويمكننا أن نحدد ملامح نقد القصة والرواية في هذه المرحلة فيما يلي:
1-2-1- التعريف بنشأة القصة والرواية:
مضى النقد إلى التعريف بنشأة القصة أولاً وبالرواية ثانياً وإثبات تاريخيتها، وتحديد نشأتها وخصائصها في كل قطر عربي، كما هو الحال في مؤلفات شاكر مصطفى «محاضرات في القصة في سورية حتى الحرب العالمية الثانية» (1957-1958)، ومحمد يوسف نجم «القصة في الأدب العربي الحديث ـ في لبنان حتى الحرب العظمى» (1952)، ويحيى حقي «فجر القصة المصرية» (1966)، وعباس خضر «القصة القصيرة في مصر منذ نشأتها حتى عام 1930» (1966)، وعبد الله ركيبي «القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر» (1969)، ومحمد زغلول سلام «القصة في الأدب السوداني الحديث» (1970).. الخ.
كان كتاب محمد يوسف نجم (فلسطين) الأسبق في التأليف التعريفي النقدي، ولذلك حمل مواصفات الدراسات الأولى، مما اضطره إلى إجراء تعديلات كبيرة عليه بنفسه في طبعته الثالثة عام 1966، من الحذف إلى الإيجاز إلى أنها لا تمثله اليوم «وإن كنت راضياً كل الرضى عن أكثر ما جاء فيها، وعن الجهد الذي بذلته في إعداد مادتها وتيسيرها للقراء والباحثين»([28]).
واكتفي بذكر بعض الملاحظات التي ما تزال راهنة:
أ- قلق التعليل في تفسير نشأة القصة العربية الحديثة، فهو يرى ظهورها من مدرسة «المقامات» التي تطورت إلى المقالة القصصية، كما في أعمال الشدياق، ثم يجد القصة التاريخية امتداداً للغرب، وليس لعنترة والهلالية، ويعتقد أن النهضة الحقيقية للقصة الغربية في القرن التاسع عشر، وهذا ما جعل طانيوس عبده وأمثاله من أكبر المترجمين، ويتبدى هذا القلق في حكمه على القصص الاجتماعية على سبيل المثال:
«وعيبه الثاني (يقصد قصص سليم البستاني الاجتماعية)، ولعل مرده روح العصر أيضاً، وطبيعة الأدب الذي كان شائعاً في أوروبا والشرق آنذاك، هو خضوعه التام للقيم الرومنطيقية الفنية التي طبعت الأدب بهذه المبالغات التي لم نعد نقرها اليوم، بعد أن نما ذوقنا الأدبي وتهذب بفعل التطور الزمني واختلاف التقاليد والقيم الأدبية. إلا أن تلك القيم كان من الممكن أن تنتج أدباً رائعاً، كما حدث في أوروبا عندما تناولها أدباء عظام مثل هيجو وسكوت»([29]).
ب- يعتمد نجم على التلخيص وإبداء الرأي ومراعاة المستوى الفني في حينه، واقتطف مثالاً من حديثه عن زينب فواز العاملية (1860-1914):
«أما أسلوبها فهو خليط من النثر البسيط والنثر المسجع، وهي تستعين بالسجع، وهو شعر النثر، في تصوير العواطف المتأججة أو الحوادث المثيرة. وتكثر من التمثيل بالأشعار، على طريقة الرومنطيقيين الذين نشأ في ظلهم سليم البستاني، ونشأت هي في ظله. وأسلوبها يشبه أسلوبه من حيث الركاكة وضعف التركيب وانعدام الشاعرية وضآلة الأوصاف الجميلة الملهمة. وهي تمتاز عنه بقلة الحشو والاستطراد والتخلخل»([30]).
ومن الواضح، أن أدوات نجم النقدية أدخل في النقد اللغوي منه إلى معاينة الفن القصصي.
جـ- ارتباك نجم في استخدام المصطلح، ونلمس الحيرة بين التأثير الأجنبي ومقايسة الموروث، ففي حديثه عن جبران خليل جبران، يذكر أنه حاول أن يكتب «رواية»، ويشرح في هامش أنه «يعني بها قصة Novel ويعني بالقصة، أقصوصة Short Story»([31]).
وتكاد تكون مثل هذه الملاحظات ملازمة لنقد القصة والرواية في هذه المرحلة، وأولها الإلحاح على تعبير القصة الفنية، والقصة «غير الفنية» للكتابات القصصية التي لا تحوز على مستوى جيد، وثانيها الإلحاح على معالجة المضمون بالدرجة الأولى، وثالثها الحيرة الناجمة، بتأثير الملاحظتين السابقتين، من التقليد الموروث أو التقليد الغربي في فهم القصة، وهذا جلي في كتاب عباس خضر (مصر) «القصة القصيرة في مصر منذ نشأتها حتى سنة 1930» (1966)، وقد صرح في مقدمة كتابه أنه سعى إلى تبيين «القصة من اللا قصة: القصة الفنية الحديثة من غيرها. وقد وجدتني في بحر متلاطم الأمواج من القصص التي كانت تكتب بدوافع ولأغراض مختلفة: بعضها لكسب الرزق، وبعضها خلقي يتخذ وسيلة الحكي للجذب والتشويق، وبعضها للعرض الأسلوبي وإظهار المقدرة التعبيرية، وأقومها ما صدر عن إيديولوجيا إصلاحية، وكانت جميعها تتجه إلى الفن الغربي تحاول احتذاءه، وإن كان الكثير منها يقف على أرض التراث العربي القصصي، وخاصة فنّ المقامة»([32]).
وعندما رصد تطورات القصة والرواية في مصر صنفها وفق هذه الملاحظات: المحاولات الأولى، القصة القصيرة الفنية المتكاملة، وفيها التفريعات الأصغر: القصة القصيرة الحديثة، القصة العربية الحديثة ولماذا تأخر صدورها، الثورة الفكرية العامة والمدرسة الحديثة، الثورة الأدبية، الثورة الاجتماعية، نشوء القصة القصيرة، الرواد، رواد آخرون. ويتضح هذا النظر النقدي المقلقل في نتائج المحاولات الأولى، كمثل هذه النتيجة:
«أما الأمر الثاني فهو انشغال كتاب القصة بالتعبير عن المجتمع واهتماماته، باستثناء قليل من قصص التسلية، وقد امتد هذا الانشغال إلى ما جدّ بعد هذه المحاولات من قصص فنية متكاملة، وبهذا لم يرج عندنا مذهب «الفن للفن» في معظم ما كتب من قصص»([33]).
وحملت الدراسات اللاحقة تطوراً باتجاه النقد القصصي والروائي في مصطلحه ولغته ومنهجه، كما هو الحال مع دراستي عبد الله خليفة ركيبي (الجزائر) ومحمد زغلول سلام (مصر). فقد اهتدى ركيبي إلى مصطلحات نقدية تقارب هذا البزوغ القصصي الجديد في عصر النهضة مستفيداً من الموروث ومن الصحافة ومن التأثير الأجنبي، فصنف الكتابات القصصية إلى البدايات حيث النشأة والمؤثرات والمقال القصصي والصورة القصصية والقصة الفنية. وعلل المقال القصصي بأنه «الشكل البدائي الأول الذي بدأت به القصة الجزائرية القصيرة. وقد تطور المقال القصصي عن المقال الأدبي، بل تطور عن المقال الإصلاحي بالدرجة الأولى، ذلك أن الوظيفة التي وجد من أجلها المقال القصصي هي الوظيفة التي قام بها المقال الأدبي والمقال الديني الإصلاحي. وارتباط الحياة الأدبية بالحركة الإصلاحية هو الذي جعل المقال القصصي يسير في خطها. فلم يكن الدافع إلى كتابته دافعاً فنياً أدبياً بقدر ما كان الدافع خدمة الفكرة والدعوة الإصلاحية أو «التبشير» على حد اصطلاح محمد السعيد الزاهري» ([34]).
أما الصورة القصصية فقد قامت «بدور واضح لملء الفراغ الذي أحس به الأدباء والكتاب لانعدام هذا اللون من الأدب. ولكن دورها الأساسي كان معالجة موضوعات قد تبدو الآن جاهزة وعادية، ولكن في تلك الظروف التي مرّ بها الشعب كانت موضوعات الساعة التي شغلت أذهان الناس فسجلتها الصورة القصصية كنقد للواقع ومعالجة له، وإن لم تعتمد على المعالجة الفنية التي تتطلبها القصة القصيرة. وعلى كل فإنها شكل من أشكالها، وإن تكن شكلاً لم ينضج بعد»([35]).
وعلى هذا النحو، سار النقد القصصي والروائي في مسار إجراءاته وأدواته ومنهجه شيئاً فشيئاً، أي افتراقه عن النقد اللغوي والأسلوبي السائد آنذاك. لقد بدأ النقد القصصي والروائي يستقيم في دروبه، ومن مظاهر هذه الاستقامة ما كتبه محمد زغلول سلام إلى حد ما، إذ عني بأطوار القصة السودانية في مقاربة لموضوعاتها وتطور أشكالها، وجهد لإبداء الرأي فيها دون تعسف ظاهر، كما في هذا الشاهد:
«وتصيب القاص في هذه المرحلة بعض آفات الكتابة القصصية، مثل المبالغة في التصوير، والميل إلى التهويل في العبارة، واستخدام القوالب الإنشائية الجوفاء أو محاولة القاص الظهور والكشف عن نفسه بين السطور ليسوق الموعظة أو ليلقي بالنصح، ويستخرج العبرة، كما يسوؤها سرد الأحداث وإخضاعها للمصادفات أو تدخل الأقدار، وافتعال المواقف المأسوية العنيفة»([36]).
ولعل سلام من أوائل النقاد الذين عمدوا إلى التحليل الفني لقصص بعينها في دراساتهم عناية بالشكل والموضوع والوصف والحوار وبعض التقانات الفنية مثل المفارقة والسخرية واللون المحلي. ولعله أيضاً من أوائل النقاد الذين حللوا أدب الطيب صالح، فضّم كتابه تحليلاً فنياً لكتابه القصصي «عرس الزين» (1967) الذي ضم الرواية أو القصة المتوسطة التي تحمل اسم الكتاب، بالإضافة إلى مجموعة قصص، حملت في الطبقة الثانية للكتاب اسم «دومة ود حامد» (1972) بمعزل عن الرواية المذكورة التي صارت تطبع وحدها. ويلفت النظر تدقيقه للمصطلح حين حديثه عن «عرس الزين»، فهي قصة، برأيه، وليست أقصوصة ولا رواية([37]). ونلمس مثل هذا التدقيق في مناقشته لرواية «النبع المر» (1967) لأبي بكر خالد، في حديثه عن واقعيتها، أو روايتها بضمير المتكلم، أو إيقاعها البطيء، وحوارها المتنوع.
1-2-2- محاولات شاملة لرؤية تطور القصة والرواية:
ثم شرع النقاد في تقديم نظراتهم الشاملة لنشأة القصة العربية وتطورها وقالبها، وظهر هذا جلياً في كتاب عبد العزيز عبد المجيد (مصر) المكتوب بالإنكليزية، وعنوانه «الأقصوصة في الأدب العربي الحديث: نشأتها، وتطورها، وقالبها» (1958)«The Modern Arabic Short Story»، وقد وضع له عنواناً ثانياً هو: «تطور شكلها وتحولاتها Its Emergence Development and Form»، وقد رأى ثلاث مراحل لتطور القصة هي:
المرحلة الأولى ـ البدائية The Embryonic Stage.
المرحلة الثانية ـ التجربة The Trial Stage.
المرحلة الثالثة ـ التشكيل وهي الحاضرة The Formative Stage.
وربما كانت المرة الأولى التي يمحص فيها ناقد عربي مصطلحات القص الموروثة: قصة Qissa، سيرة Sira، حديث Hadith، حكاية Hikaya، السمر Samar، خرافة Khurafa، أسطورة Ustura، رواية Riwaya، نادرة Nadira، خبر Khabar، مثل Matbal، مقامة Magama ([38]). ومما يجدر أن كتابة هذه المصطلحات بحروف لاتينية من وضعه، وهذا أول اعتراف بخصوصية مصطلحات القصة العربية، لا إملاء مصطلحات أجنبية عليها.
ولكتاب عبد المجيد أهمية خاصة، كونه يحوي ببليوغرافيا للكتب التي تناولت القصة والرواية حتى وقته، بالإضافة إلى الروايات والمجموعات القصصية، كما ضم الكتاب مختارات قصصية لعدد غير قليل من القصاصين من سليم البستاني ولبيبة هاشم إلى عبد الملك نوري وفكتوريا نجيب.
1-2-3- بواكير محاولات وعي الكتاب لفنهم القصصي والروائي:
انخرط كتاب القصة أنفسهم في الكتابة عن تجاربهم أو في الكتابة النقدية، مثل كتاب محمود تيمور «دراسات في القصة والمسرح ـ فن القصص» (1964)، وكتاب عبد الحميد جودة السحار «القصة من خلال تجاربي الذاتية» (1966) وعبد السلام العجيلي «أشياء شخصية» (1968)، ويوسف الشاروني «دراسات في الرواية والقصة القصيرة» (1967).
وتفصح أمثال هذه الكتابات عن وعي القصاصين والروائيين لتجاربهم الأدبية والفنية، وتتداخل فيها المقالة النقدية والبحث الأدبي ومفهوم الشهادة والسيرة الشخصية، على تباين بين الكتاب أنفسهم.
ونستعرض نموذجاً ما ورد في كتاب السحار، فقد كتب عن أول عهده بالقصص وقصته الأولى، ونظر إلى الكاتب بوصفه ناقداً نفسه، فتناول الفكرة، والأسلوب، والحوار، والعامية والفصحى، وحبكة القصة، وطريقة عرض الحوادث (الترجمة الذاتية، وطريقة السرد المباشر، وطريقة الرسائل المتبادلة أو الوثائق، والمونولوغ الداخلي أو تيار الوعي)، والتفرقة بين القصة والموضوع، والواقعية والقصة، وخلق جو القصة، ,القصة التاريخية، والشخصيات الحية، والصراع والشخصية، مصدر الإلهام، والاقتباس من أكثر من شخصية حية، وخلق شخصيات من الخيال، وتقديم الشخصيات، الموقف من الشخصيات، تمرد الشخصيات، القصة والتحليل النفسي، القصة والجنس، القصة والرمز. الفكاهة والحزن، والنقد.

[1]. واثيونغو، نغوجي: «تصفية استعمار العقل» (ترجمة سعدي يوسف)- مؤسسة الأبحاث العربية- بيروت 1987.

[2]. طرابيشي، جورج: «المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي». رياض الريس للكتب والنشر - لندن - بيروت - 1990.

[3].برادبري (مالكوم) وجيمس ماكفارين: «الحداثة» (ترجمة مؤيد حسن فوزي)- دار المأمون للترجمة والنشر 1989.
وقد ظهر الكتاب بالإنجليزية لأول مرة عام 1976، وترجم بعد ذلك إلى العربية أكثر من مرة، آخرها الترجمة التي ظهرت عن وزارة الثقافة بدمشق عام 1998.

[4]. انظر مقدمة ابراهيم الخطيب لترجمته لنصوص الشكلانيين الروس في كتاب:
- «نظرية المنهج الشكلي - نصوص الشكلانيين الروس» - الشركة المغربية للناشرين المتحدين - الرباط ومؤسسة الأبحاث العربية - بيروت 1982 ص ص9-13 .

[5]. ظهر الكتاب بالإنجليزية لأول مرة عام 1927، وترجم إلى العربية أكثر من مرة، كان آخرها ترجمة موسى عاصي عام 1993 عن دار جروس بطرابلس- لبنان.

[6]. ابراهيم، عبدالله: «المتخيل السردي: مقاربات نقدية في التناص والرؤى والدلالة»- المركز الثقافي العربي- بيروت- الدار البيضاء 1990.

[7]. لحمداني، حميد: «النقد الروائي والأيديولوجيا من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي»- دار الثقافة- الدار البيضاء 1990.

[8]. لحمداني، حميد: «بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي»- المركز الثقافي العربي- بيروت- الدار البيضاء 1991 - ط2.

[9]. سويرتي، محمد: «النقد البنيوي والنص الروائي- نماذج تحليلية من النقد العربي- المنهج البنيوي- البنية- الشخصية» (جـ1)- أفريقيا الشرق- الدار البيضاء 1991.

[10]. سويرتي، محمد: «النقد البنيوي والنص الروائي- نماذج تحليلية من النقد العربي-الزمن- الفضاء- السرد» (جـ2)- أفريقيا الشرق- الدار البيضاء 1991.

[11]. المصدر نفسه - ص 129.

[12]. الكردي، عبد الرحيم: «السرد في الرواية المعاصرة: الرجل الذي فقد ظله نموذجاً» - دار الثقافة للطباعة- القاهرة 1992.

[13]. أبو أحمد، حامد: «نقد الحداثة» سلسلة كتاب الرياض- مؤسسة اليمامة الصحفية- الرياض 1994. ص58.

[14]. المصدر نفسه ص63.

[15]. المصدر نفسه ص65.

[16]. مارتن، والاس: «نظريات السرد الحديثة» (ترجمة حياة جاسم محمد) المجلس الأعلى للثقافة- القاهرة - 1998- ص11.

[17]. الأمين، عز الدين: «نشأة النقد الأدبي الحديث في مصر» ـ دار المعارف بمصر ـ القاهرة ـ ط2 ـ 1970 ـ ص122.

[18]. الدسوقي، عبد العزيز: «تطور النقد العربي الحديث في مصر» ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 1977 ـ ص ص 194-195.

[19]. المصدر نفسه ص492.

[20]. الأشتر، عبد الكريم: «معالم في النقد العربي الحديث: الديوان ـ الغربال ـ الميزان» ـ منشورات دار الشرق ـ بيروت 1974 ص ص 88-89.

[21]. الفيصل، سمر روحي: «النقد الأدبي الحديث في سورية 1918-1945» ـ دار الأهالي ـ دمشق 1988 ص124.

[22]. سليمان، نبيل: «النقد الأدبي في سورية/ الجزء الأول» ـ دار الفارابي ـ بيروت 1980 ص49.

[23]. أبو هيف، عبد الله: «الأدب والتغير الاجتماعي في سورية» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1990 ص140.

[24]. المصدر نفسه ـ ص151.

[25]. طنكول، عبد الرحمان: «الأدب المغربي الحديث ـ ببليوغرافيا شاملة» ـ منشورات الجامعة ـ الدار البيضاء 1984 ـ ص5-6.

[26]. ياغي، هاشم: «النقد الأدبي الحديث في لبنان» ـ دار المعارف بمصر ـ القاهرة ـ 1968 الجزء الثاني ص ص 144-150.

[27]. الهواري، أحمد إبراهيم: «مصادر نقد الرواية في الأدب العربي الحديث» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ 1979 ص10.

[28]. نجم، محمد يوسف: «القصة في الأدب العربي الحديث، في لبنان حتى الحرب العظمى» ـ دار مصر للطباعة ـ القاهرة 1952 ص6.

[29]. المصدر نفسه ص77.

[30]. المصدر نفسه ص137.

[31]. المصدر نفسه ص148.

[32]. خضر، عباس: «القصة القصيرة في مصر منذ نشأتها حتى سنة 1930» ـ الدار القومية للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة 1966 ص5.

[33]. المصدر نفسه ص69.

[34]. ركيبي، عبد الله خليفة: «القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر» ـ دار الكاتب العربي ـ القاهرة 1969 ـ ص53.

[35]. المصدر نفسه ص139.

[36]. سلام، محمد زغلول: «القصة في الأدب السوداني الحديث» ـ معهد البحوث والدراسات العربية ـ القاهرة 1970 ـ ص80.

[37]. المصدر نفسه ص115.

[38]. عبد المجيد، عبد العزيز:
Abdel Al-Mageed, Abdel Aziz “The modern Arabic short story” Dar Al-Maaref. Gairo 1958. ص ص 11-27.
المصدر: ملتقى شذرات


hgkr] hgH]fd hguvfd hg[]d] td hgrwm ,hgv,hdm ,hgsv]





Eng.Jordan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #2

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 15,131

   11-26-2012

 09:32 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

إن فكرة السحار عن القصة (بوصفها تشمل أنواع النثر القصصي كله) هي السائدة في فهم القصاصين والروائيين في تلك الفترة، وهي فكرة تنهل من المعين التقليدي لفكرة القصة كما تلقاها هؤلاء الكتاب عن الغرب بالدرجة الأولى.
1-2-4- التعريف بفن القصة:
بادر الباحثون والنقاد إلى التعريف بفن القصة وطبيعتها وسماتها الأسلوبية وعناصرها الفنية، وهذا واضح في كتب رشاد رشدي «في القصة القصيرة» (1959)، ومحمد يوسف نجم «فن القصة» (1959)، وشاكر النابلسي «تشيكوف والقصة القصيرة» (1963)، وحسين القباني «فن القصة» (1965).
وقد استمد هؤلاء النقاد هذا التعريف من التقليد الغربي لفهم القصة التي غدت راسخة بتقاليدها ومعاييرها وعناصرها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ومنها صاغ هؤلاء النقاد رؤاهم.
أشاع رشاد رشدي فهمه للقصة القصيرة المأخوذ عن الغرب في مطلع كتابه، على أن «القصة القصيرة ليست مجرد قصة تقع في صفحات قلائل، بل هي لون من ألوان الأدب الحديث ظهر في آواخر القرن التاسع عشر، وله خصائص ومميزات شكلية معينة»([1]). ثم بنى كتابه على تطبيقات نقدية لقصص غربية، باستثناء إشارة سريعة لقصة «لقيطة» (1952) لمحمد عبد الحليم عبد الله، قاصداً إلى شرح بناء القصة ونسيجها ووحدة البناء والنسيج.
وسار على منواله غالبية النقاد والباحثين الذين عنوا بتعريف فنها مثل شاكر النابلسي في كتابه: «تشيكوف والقصة القصيرة_» على أنه مثال يحتذى، ولا غضاضة في ذلك، وذكر بعض الكتاب العرب الشبان الجادين الذين كانوا أوفياء واعين لفنّه أمثال يوسف إدريس ومحمد أبو المعاطي أبو النجا. وكان النابلسي جزم أن الدراسة الوحيدة لفن القصة القصيرة عامة في المكتبة العربية هي كتاب رشاد رشدي([2]).
1-2-5- انطلاقة الدراسات الواقعية:
انطلقت الدراسات الواقعية للقصة والرواية في هذه الفترة، ولا سيما جوانبها المضمونية الأبسط والعقائدية الأكثر تشابكاً وتعقيداً، وقد كرست هذه الدراسات مع كتاب محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس «في الثقافة المصرية» (1955)، وكتاب حسين مروة «دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي» (1965).
2- مدخل لفهم نقد القصة والرواية في المرحلة المدروسة:
بدأت الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية بالتكون في مطلع السبعينيات، وحملت معها بذور الصراع مع اعتمال النقد بهويته وتعرفه إلى مقوماته التراثية. فنشط النقد، وتوسعت فعاليته في حياة منتجيه وحياة الجمهرة العريضة من الكتاب والقراء. وامتد إلى الساحات الأكاديمية والعلمية والاتصالية، وانتظم في صفوفه عشرات النقاد في غالبية الأقطار العربية، وانتشر تعليم اللغات الأجنبية وارتفعت أعداد الموفدين إلى جامعات ومعاهد أجنبية لدراسة الأدب والنقد، وتضاعفت أعداد المستعربين والمستشرقين المقبلين على دراسة الثقافة العربية وأدبها ونقدها، وقويت حركة التنظيمات الأدبية في الوطن العربي، باتحاداتها وروابطها وجمعياتها ولجانها ومؤتمراتها وأنشطتها الدورية على نطاق قومي عربي أو قطري، وحظيت القصة والرواية ونقدهما بعناية يعضدها تقدم هذين الجنسين الأدبيين على بقية الأجناس الأدبية، القصة منذ الخمسينيات، وتبوأت الرواية المكانة الأولى بوصفها ديوان العصر وموئل التبدلات الاجتماعية والحضارية، والأكثر تعبيراً عن الذات القومية والمصير الإنساني.
وأشير في هذا المدخل بإيجاز إلى ملامح نقد القصة والرواية في هذه المرحلة المدروسة، تمهيداً لمعرفة منزلة الاتجاهات الجديدة:
2-1- استمرار التأليف في نشأة القصة والرواية وتاريخها:
شغل الباحثون والنقاد بدراسة نشأة القصة والرواية وتاريخهما وتطورهما في أقطارهم، واهتموا بالجانب الفني أكثر مما كان في المرحلة السابقة بقليل أو كثير حسب الباحث أو الناقد، فظهرت عشرات الكتب مثل: «القصة التونسية: نشأتها وروادها» (1975) لمحمد صالح الجابري (تونس)، و«تطور النثر الجزائري الحديث» (1978) لعبد الله ركيبي (الجزائر)، و«القصة الجزائرية المعاصرة» (1986) لعبدالمالك مرتاض (الجزائر- يكتب مرتاض اسمه عبدالملك على كتاب، وعبدالمالك على كتاب آخر)، و«فن القصة القصيرة بالمغرب في النشأة والتطور والاتجاهات» (1980) لأحمد المديني (المغرب)، و«خلفيات التكوين القصصي في ليبيا ـ دراسة ونصوص» (1984) لبشير الهاشمي (ليبيا)، و«فن القصة في الأدب السعودي الحديث» (1983) لمنصور إبراهيم الحازمي (السعودية)، و«البناء الفني في القصة السعودية المعاصرة ـ دراسة نقدية تحليلية» (1983) لمحمد نصر عباس (مصر)، و«الرواية السورية» (1984) لفيصل سماق (سورية)، و«القصة القصيرة في الخليج العربي ـ الكويت والبحرين ـ دراسة نقدية تحليلية» (1981) لإبراهيم عبد الله غلوم (البحرين)، و«الأدب القصصي في العراق، منذ الحرب العالمية الثانية» (1977 جزءان) لعبد الإله أحمد (العراق)، و«القصة اليمنية المعاصرة 1939-1976» (1977) لعبد الحميد إبراهيم (مصر)، و«دراسات في القصة والرواية الأردنية» (1985) لسليمان الأزرعي (الأردن)، وغيرها. واختار بعض النماذج المتباينة للتعرف إلى هذا التأليف في هذه المرحلة، فبعد أن خص ركيبي القصة بكتاب كامل (1968)، عاد إلى درس «الحداثة» (يقصد الجديد) في النثر الجزائري الحديث، وهذا واضح في مقدمته، «فالحداثة التي نقصدها في النثر تعني أن هناك جديداً في الموضوعات وفي الأساليب والأشكال الأدبية، أو بتعبير آخر تعني الجديد في الصياغة والشكل، والواقع أن التجديد الذي نعنيه هو أن هناك تغييراً حدث في لغة النثر وطريقة التعبير فيه منذ عام 1930، ذلك أن أسلوب النثر في الفترة السابقة على هذا التاريخ هو أسلوب تقليدي، بل أسلوب ضعيف فيه تكلف وتحمل، يكثر فيه السجع والصور الجامدة المخطوطة والروح الفقهية والصياغة الركيكة فيما عدا النادر والقليل» ([3]).
واستعان ركيبي لدراسته بمنهج النقد التحليلي وبالتاريخ إلى حد ما، حسب تعبيره، وعرض للأشكال النثرية التقليدية، وهي: الخطب والرسائل وأدب الرحلات والمقامات والمناظرات والقصة الشعبية، وللأشكال النثرية الجديدة، وهي: المقال الأدبي والقصة القصيرة والرواية العربية والمسرحية والنقد الأدبي. ويحفل هذا الكتاب بتعليلات الناقد ركيبي لعوامل نشأة هذه الفنون وتطورها من وثائقها ومخطوطاتها ومتونها، وعن ظهور الرواية، يرى أنها ظهرت متأخرة في السبعينيات، بالرغم من أن هناك بذوراً بذرت «بعد الحرب العالمية الثانية يمكن أن نلحظ فيها بدايات ساذجة للرواية العربية الجزائرية سواء في موضوعاتها أو في أسلوبها وبنائها الفني، فهناك قصة مطولة بعض الشيء كتبها أحمد رضا حوحو واسمها «غادة أم القرى»، وتعالج وضع المرأة، ولكن في البيئة الحجازية، ثم هناك قصة كتبها عبد المجيد الشافعي، وأطلق عليها عنوان «الطالب المنكوب»، وهي قصة مطولة أيضاً، رومانسية في أسلوبها وموضوعها فهي تتحدث عن طالب جزائري عاش في تونس في أواخر الأربعينيات، أحب فتاة تونسية، وسيطر عليه حبها حتى إنه كان يغمى عليه من شدة الحب، ومضمونها ساذج مثل طريقة التعبير فيها»([4]).
وازدادت العناية بالشكل الفني في غالبية المؤلفات التالية، لذلك عمد النقاد والباحثون إلى تصدير مؤلفاتهم بكلمة تشير إلى ذلك، مثل «فن القصة»، أو وضع عنوان فرعي يشير إلى أنها «دراسة نقدية تحليلية». وينتمي إلى هذه النماذج النقدية عمل الحازمي والمديني وغلوم، فقد تقصى الحازمي معالم التجديد بين الحربين العالميتين في الأدب السعودي الحديث، ولا سيما الرواية والقصة القصيرة، وعاين ملامح تطور الرواية، وأبدى وجهة نظر خاصة حول التفاعل الحضاري والثقافي بالنسبة إلى المؤثرات الأجنبية وطوابع البيئة المحلية.
و«تطبيقاً لهذا القانون، يقصد محاكاة أو تقليد المغلوب للغالب، مما وضعه ابن خلدون، فإننا نرى أن العالم العربي لا يزال منذ يقظته في أوائل القرن الماضي يستورد من مواطن القوة في العالم الغربي العديد من الأفكار والقوالب والاتجاهات. وهذا هو شأن كافة الشعوب النامية التي تستورد الأشكال والفنون، كما تستورد السلع والتكنولوجيا. وإذا كانت مصر ولبنان قد تفوقتا في القصة والرواية والمسرحية فما ذلك إلا لأن اتصالهما بمواطن هذه الفنون الغربية المستحدثة كان أسبق من اتصال بقية الشعوب العربية الأخرى. ومن المعروف أن اتصال أدبائنا بالحضارة الغربية قد جاء متأخراً، ولم يكن في معظمه اتصالاً مباشراً، بل عن طريق الوسيط اللبناني أو المصري أو المهجري» ([5]).
وصنف الرواية إلى تعليمية إصلاحية ورواية تاريخية ورواية مغامرات ورواية فنية، أما مصطلح «الفنية» فقد استخدمه للتمييز بين الرواية الفنية والأنواع الأخرى، والرواية الفنية. بهذا المفهوم([6]) ينبغي أن تكون نسيجاً محكماً لا ينفصل فيه الفعل عن الشخصية الفاعلة، ومن أهم سماتها تماسك البناء وتوافر الصراع، وتقيدها بقانون السببية وتطوير الشخصية، واكتفاؤها بمعالجة قطاع معين من المجتمع أو قضية محددة من القضايا الإنسانية»([7]). وبالنظر إلى «الفنية» إياها، ذهب أحمد المديني إلى القول «بأن المحاولات الأولى في انتهاج الكتابة القصصية القصيرة انطلقت بين أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات، وبأن هذه الفترة هي التي تشهد ميلاد مرحلة التأسيس»([8]). ويؤكد المديني أن نهاية الستينيات هي المرحلة التي قطعت فيها القصة القصيرة «شوطاً برزت فيه خطوطها، وتحددت فيه مياسمها، فتكامل معمارها، واستقام هيكلها الفني»([9]).
ثم سار المديني في مسار ركيبي في دراسته للقصة الجزائرية، فأوضح أسباب تأخر ظهور الفن القصصي بالمغرب، والعوامل التي أدت إلى النشأة، والمقامة، ومنزلتها من نشأة الأقصوصة وتطورها، والمقالة القصصية الرومانسية والاجتماعية والصورة القصصية التاريخية والاجتماعية والنضالية، والتداخل بين الصورة والأقصوصة الفنية وخطوات التطور القصصي وأسبابه، وهذا كله بمرتبة تمهيد لدرس الاتجاهات: الاجتماعي، الواقعي النقدي، الواقعية الجديدة، وختم مجلده الكبير بفصل عن البطل في القصة القصيرة.
ويلاحظ عند المديني احتذاء المصطلح النقدي الغربي في رسم الاتجاهات وتحديد طوابعها الفنية إلى حدود الابتسار والتضييق، كما هو الحال مع مصطلح الواقعية الجديدة دون أن يوضح مفهومه، وعندما تحدث عن محمد زفزاف صنف كتابته ضمن الاتجاه الواقعي النقدي، ثم ما لبث أن صنفها في الواقعية الجديدة، ونلاحظ التضييق في استخدام المصطلح في محاولة استيعاب تطور أدواته الفنية: «ولذلك فنحن نعتبر كل قصة كتبت في الطور الثاني من عمر القصة المغربية محاولة لاستكمال النقص وإشادة البنيان ورأب ما حدث من صدع أو شروخ في الطور الأول، كل قصة نعتبرها مساهمة في رفع خطى هذا الجنس الأدبي نحو الطريق الفني السليم والصحيح، الخالي من التردد والهنات والعثرات، وفوق ذلك كله، وكمنشد أساس تجاوز المرحلة تقويم الأعوجاج وربط المتمزق في البناء والرؤية إلى خلق البديل واقتراح الجديد وصوغ الإبداع القصصي ذي النظرة الجديدة التي تساوق التطور الذي يعرفه الفرد والتبدل الذي يجنح نحوه المجتمع»([10]).
ولا يخفى ما تعانيه لغته النقدية في اندراجها في لغة النقد الأدبي، وهي سمة تلازم غالبية النقد المكتوب بتأثير هوس التأريخ والأيديولوجية. غير أن نقاداً آخرين مثل إبراهيم عبد الله غلوم تخففوا إلى حد كبير من هذا الهوس باتجاه نقد قصصي وروائي أمين للغته ومصطلحه ونهاجياته، فقد كتب غلوم مجلداً ضخماً يقع في (736) صفحة من القطع الكبير عن نشأة القصة في الكويت والبحرين نموذجاً لمنطقة الخليج العربي، فعالج أثر التغير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وأثر البيئة الثقافية العامة والصحافة المحلية، تمهيداً لبحث القصة الاجتماعية ومعالجاتها الإصلاحية والتعليمية، والرومانسية وصورها الشديدة الخيبة، وبوادر القصة الواقعية. ثم رأى تطور القصة في استمرار الرومانسية مع قلق التغير في المجتمع أولاً، والتعايش بين الرومانسية والواقعية وتطور الموقف والشكل في القصة ثانياً، والواقعية الفنية وتنويعات النزعة التحليلية ثالثاً، والواقعية الفنية بين نقد الواقع والرغبة في تغييره رابعاً، ونحو تجربة واقعية جديدة للقصة خامساً.
وتتميز لغة غلوم بابتعادها عن النزوع الأيديولوجي، وبمقاربتها الأكثر للنقد القصصي، فلا قسر على تطبيق المفاهيم أو المذاهب على تجربة قصصية لها خصائصها، ما دام لا مفر من المقايسة النقدية في ظل «المثاقفة»، كما في هذا المثال: «وتكشف دراستنا للقصة القصيرة في الفترة الثانية أن تطور هذا الفن شكلاً ومضموناً في الكويت والبحرين لم يقترن بشيء قدر اقترانه بظهور القصة الواقعية ووضوح تصوراتها الفكرية والجمالية، فقد ارتبطت هذه الواقعية منذ بوادرها الأولى بتطور حركة القوى الاجتماعية فاستمدت من وضوح الشخصية المحلية ومن رغبتها في إدراك خصائص استقلالها، وتفردها، تنويعات الأسلوب التحليلي الذي رصد لنا تفاصيل نفسية دقيقة تعمل عملها في تكوين الشخصية المحلية في مجتمع الخليج العربي، واستفادت من أجل ذلك بكل ما يعينها على هذا الرصد الداخلي من التحليل النفسي، وأسلوب تيار الوعي، والوسائل التعبيرية، والمزج بين الواقع والرمز، ونحو ذلك»([11]). واهتدى سمر روحي الفيصل (سورية) بأسلوب حسام الخطيب (فلسطين) (سنعرض لأعماله في مكان آخر من بحثنا) الذي وضع كتاباً عن «الرواية السورية في مرحلة النهوض» (1975)، فكان كتاب الفيصل «نهوض الرواية العربية الليبية» (1990) مثالاً آخر على البحث في نشأة الرواية وتطورها في قطر عربي، من خلال الاحتكام إلى القيمة الفكرية والقيمة الفنية التي سادت ساحة النقد القصصي والروائي في الثمانينيات والتسعينيات، أي انتظام نقد القصة والرواية، على تباين في المستوى والمنهج بين ناقد وآخر، في سيرورته الخاصة والمتميزة، فلا جور على الفن، ولا تضييق في استخدام المصطلح، ومقاربة أفضل لطبيعة النقد القصصي والروائي.
2-2- استمرار النقد التعريفي والنظري التقليدي:
لم تتوقف عناية الباحثين والنقاد العرب بالنقد التعريفي والنظري التقليدي بفهم القصة والرواية، فوضع يوسف الشاروني (مصر) كتابه الهام في بابه «القصة القصيرة نظرياً وتطبيقياً» (1974)، وتنبع أهميته من صدوره عن قاص وناقد في الوقت نفسه، يفهم القص ظاهرة ملازمة للإنسان منذ طفولته وطفولة البشرية، ثم تطورت معها وحملت في تطورها خصائص الأمم والشعوب التي أنجبتها، وكان ذلك مدخلاً لأول مقاربة علمية أفادت كثيراً في فهم مغاير للمثاقفة. صحيح إن فاروق خورشيد (مصر) ـ أشار إلى مثل ذلك في سياق بحثه للرواية العربية، ولكن الشاروني جعلها منطلق فهمه الحديث للقصة.
وفي ظل هذا المناخ، شرع النقاد العرب يطرحون أسئلة القصة القصيرة في سياقها الثقافي العربي، وفي علاقتها بالتراث الإنساني والتراكم المعرفي حول نظريتها، ويظهر ذلك جلياً في كتاب الطاهر أحمد مكي «القصة القصيرة: دراسة ومختارات» (1977)، وحاول مؤلفه فيه أن يستعيد شيئاً من تاريخ القصة العربية، وأن يشرح بعض ملامح القصة الجديدة من خلال أعلامها الكبار، وأن يحدد خصائص القصة القصيرة: ماهيتها، بناءها، صلتها بالرواية. على أنّ مكي تجنب الخوض في النظرية، فما سعى إليه هو تقديم نماذج مميزة من القصة الجديدة والجيدة، «ثم أدعه معها، يفهم منها ما يريد، في ضوء إمكاناته الثقافية، وأبعاده المزاجية، وحركة عمره، ولحظة تأمله، ولست أرى للفن تفسيراً واحداً هو الصحيح. إنه متجدد دائماً ومتطوراً أبداً»([12]).
ثم وضعت عزيزة مريدن (سورية) كتابها «القصة والرواية» (1980) الذي يورد فهماً تقليدياً متكاملاً لفن القصة والكتاب، كما صاغها النقد القصصي والروائي حتى حينه.
2-3- ارتفاع نبرة الحديث عن التجربة القصصية والروائية:
نما وعي القاص والروائي العربي بفنه، ولا سيما علاقته بموروثه القصصي والحكائي وعلاقته بالقص الغربي، وعلاقته بالطرائق الفنية وبالتعبير عن الأفكار وشاعت أحاديثهم عن تجاربهم الإبداعية في بحوث ومقالات ومقابلات وشهادات لا تحصى، واكتفي بالتدليل على ذلك، ببعض ما ورد في الكتب بالدرجة الأولى، فوضع صبري حافظ (مصر) كتابه «أتحدث إليكم» (1977)، وهو مجموعة حوارات مع نجيب محفوظ، وكتب يوسف الشاروني ملاحظات على مجموعتيه «العشاق الخمسة» و«رسالة من امرأة» في كتاب «الخوف والشجاعة_ ـ دراسات في قصص يوسف الشاروني» (1971) وجمع عبد السلام العجيلي (سورية) بعض كتاباته عن تجربته القصصية والروائية في كتابه «السيف والتابوت» (1971).
ويعد حنا مينه (سورية) وعبد الرحمن مجيد الربيعي (العراق) وإدوار الخراط (مصر) أكثر القصاصين والروائيين حديثاً عن تجاربهم الإبداعية. إن الروائيين والقصاصين ليسوا بدعاً في ذلك، بل إن عنايتهم بمعاني تجاربهم الإبداعية وشروطها واستحقاقاتها، وبإثارة أسئلتها ومحاولات الإجابة عليها، مما يحمدون عليه. ولا شك، أن الأدب والنقد يتجهان إلى استقلاليتهما نحو التقليل من تبعية النقد للأدب، غير أن النقد في سعيه لاستقلاليته يحتاج إلى بعض البيانات حول النص الأدبي في تاريخه وظروف تشكله، وقد باتت الحاجة إلى ذلك أكثر راهنية واستجابة لمتطلبات إنتاج المبدعات الأدبية مع شيوع النقد النصي وانتشار الاتجاهات النقدية الجديدة التي تعول كثيراً على فهم الظاهرة الأدبية، ولا سيما عمليات إنتاجها ضمن تاريخها وحاضنتها الاجتماعية والفكرية، فليس النص الأدبي نبتاً شيطانياً غريباً عن تاريخه واستحقاقات إنتاجه. إن مثل هذه البيانات أو الشهادات عن تجربة إبداعية ما من شأنها أن تعزز النقد، ومثله الدراسة النصية والنقد النصي.
على الرغم من تواضع حنا مينه المعلن، في حرجه الشديد من الحديث عن تجربته، إذ لم يقتنع «أن ثمة تجربة روائية خاصة بي يمكن أن أتحدث عنها، أو يمكن أن أنّظر للعمل الروائي من خلالها»([13])، فإنه من أكثر الروائيين العرب حديثاً عن تجربته، وتنظيراً لفن الرواية مستعيناً بمعرفته البسيطة والعميقة في آن واحد بالنظرية الواقعية الاشتراكية، كما في حديثه عن عناصرها من خلال تجربته في كتابه «هواجس في التجربة الروائية» (1982)، مثل: البطل الإيجابي، أهمية المعاناة والمعرفة، البراءة والدهشة، الواقعية والمأساة الاجتماعية، صداقة الرجال، الفرح والكفاح والرومانتيكية، محاوراتي مع أبطالي، حلاق وكاتب مسلسلات (الإشارة إلى منبته العمالي الكادح).. الخ.
وأضاف أحاديث أوسع عن تجربته وتنظيره الروائي والفني في كتابه «كيف حملت القلم» (1986) الذي يعد توسيعاً لآرائه في كتابه الآنف الذكر، وعالج فيه الموضوعات التالية: الأديب والمعاناة والموهبة ـ الأديب والشباب والحس التاريخي ـ الأديب والنقد والحس التاريخي ـ الرواية والزمن والحلم والالتزام ـ الرواية والحياة والواقع والانعكاس ـ الرغبة في الكتابة غير الكتابة ذاتها ـ الثقافة أساس السياسة والتراث ثروة قومية ـ غوركي والناس.. الخ.
كشف حنا مينه الكثير من أسرار صنعته الروائية، ولكنه، وهذا هو الغالب على كتابيه، مدافع عنيد عن مذهبه الإيديولوجي، وإن افترقت ممارسته في الكتابة عن حدود هذا المذهب. وقد عضد آراءه بتجارب كتاب آخرين مثل فلوبير وبلزاك وغوركي وسواهم في كتابه الثاني. وجمع محمد دكروب (لبنان) كتاب حنا مينه الثالث في هذا المجال، وهو «حوارات.. وأحاديث في الحياة والكتابة الروائية» (1992)، وحوى الكتاب سبعة وعشرين مقابلة أجراها معه صحفيون ونقاد عرب من أكثر من قطر عربي، أمثال حليم بركات ومحي الدين صبحي، ونصر الدين البحرة وفيصل دراج وأبو المعاطي وأبو النجا وسهيل الخالدي وبدر الدين عرودكي وعبد الرزاق عيد وفايز سارة وعبد الله صخي ونديم جرجورة. ومن المستغرب، أن حنا مينه، ومحمد دكروب محرر الكتاب، أعادا نشر بعض المقابلات مما ورد في كتابه «كيف حملت القلم» مثل مقابلتي بدر الدين عرودكي وعبد الرزاق عيد.
وقد وجد محرر الكتاب الثالث محمد دكروب في حنا مينة ناقداً أدبياً ومنظراً للرواية، على العكس مما يرى حنا مينة في نفسه:
«أما نحن فنزعم أنه في هذه الكتابات إضاءات لامعة في النقد الأدبي، وتنظيرات عفوية رهيفة في فنّ الرواية، وكشوفات في التقنية والأساليب، واستشرافات في الرواية العربية وآفاقها، وفيها أيضاً نقد النقد الأدبي عندنا.. وهذه الرؤى النقدية إنما جاءت استجابة لطروحات وتحديات وتساؤلات جابهها الفنان، وتحدث فيها وحاور وأجاب.. ودائماً من قلب التجربة الروائية نفسها»([14]).
ولا شك في أن شهادة حنا مينة عن فنه الروائي والقصصي الأكثر بلاغة ووعياً فكرياً وجمالياً بفنه بين الروائيين العرب لما حفلت به من تفاصيل حياتية وعناية بالتكون المعرفي والفني، وبالانشغال الفكري والعقائدي، وبفهم المذهب الذي يمضي في إهابه مبدعاً. ويقارب إدوار الخراط حنا مينة في إقباله على النقد والتنظير لتجربته القصصية والروائية، على أن الخراط يجاهر بممارسته للنقد، وله فيه أكثر من كتاب في النقد الأدبي والتشكيلي ومئات الأبحاث والمقالات النقدية، ومنها كتابه «الحساسية الجديدة ـ مقالات في الظاهرة القصصية» (1993) الذي يفسر فيه الملامح التي أفضت إلى الاتجاهات الحداثية، ويناقش تقنيات الحساسية منذ الثلاثينيات إلى اليوم، متوقفاً عند مجلة «جاليري 68» التي أسهمت إسهاماً كثيراً في توجيه الحداثة وما بعد الحداثة في الأدب القصصي في مصر، ومنها انبثقت تيارات الحساسية الجديدة.
وقد رأى الخراط في سياق الحساسية الجديدة تيارات أساسية خمسة هي: تيار التشييء أو التبعيد أو التغريب، والتيار الداخلي أو تيار التورط على الطرف الآخر النقيض من الحياد والتشييء، وتيار استيحاء التراث العربي التقليدي التاريخي أو الشعبي حيث يضفر الكاتب عمله بشرايين الفولكلور، أو يبتعث الحكاية الشعبية، ويمتح، على الحالين، من رصيد غني في الذاكرة الجماعية للناس، والتيار الواقعي السحري أو تيار الفانتازيا والتهاويل، حيث تسقط الحدود بين «ظاهرية» الواقع العيني المرئي المحسوس، وبين شطحات الخيال والاستيهامات المضفورة أحياناً بنسيج الواقع، والتيار الواقعي الجديد، ولا يسميه بذلك إلا افتقاراً منه لتسمية أدق وأوفى، فهو يدرك كم هذه التسمية فضفاضة ومرواغة([15]).
وقد آثرت أن أدمج الحديث عن هذا الكتاب بوعي القصاصين والروائيين، لأن إبداعه القصصي والروائي أدخل في هذه الحساسية الجديدة، ومن علاماتها المميزة، وعرض الخراط نظرته لمفهوم الحساسية الجديدة، وسماها، تجوزاً، منهجاً. ثم عالج نماذج ما قبل الحساسية الجديدة لدى محفوظ وإبراهيم عبد القادر المازني وطه حسين ومحمود البدوي ويوسف إدريس ويحيى حقي، وصوراً من الحساسية الجديدة لدى عدد كبير من الكتاب مثل بهاء طاهر وعبده جبير ومحمد حافظ رجب وإبراهيم أصلان وعلاء الديب ومحمود الورداني وخيري عبد الجواد وربيع الصبروت، وختم دراسته بتذييل على مشهد الحساسية الجديدة الآن، في محور التغير والقص. ولا يخفى أن الخراط كان يتحدث في كتابه عن أسلوبه ومفهومه ونظرته للكتابة القصصية والروائية. وما لبث أن أوضحه، فيما بعد، في كتابين، هما «أنشودة الكثافة» (1995)، و«مهاجمة المستحيل ـ مقاطع من سيرة ذاتية للكتابة» (1996).
نفى الخراط في كتابه «أنشودة الكثافة» أن تكون مقالاته أو تأملاته مما يدخل في باب التنظير الأدبي أو التقرير النقدي، بمعناهما الدقيق، وهذا ما قاله حنَّه مينا أيضاً، ولعلنا سنجد أيضاً أنها مقالاتٌ وتأملاتٌ أدخل في التنظير. وجد الخراط أن مقالاتِهِ ينتظمها، «على تنوعها، قدرٌ من الاتساق نابع من أنها تندرج في إطارٍ فكريٍ وشعوري واحد مهما تباينت صياغات التعبير عنه»([16]).
وميز بين النظر والنظرية داعياً إلى التحريض على التفكير في التجربة الأدبية، ووعد أنه ببوحه الشخصي سينظر في تجربته الإبداعية، أمَّا مقالة «أنشودة للكثافة» فتتناول موقفه من الصنعة القصصية والروائية، ولا سيما اللغة، لأنها جوهر كتابته، وقد كان محقاً في قوله: «في واقع الأمر أتصور أن الكثافة اللغوية التي لا تنفصل عن كثافة المادة القصصية، لا تنفصل أيضاً عن مادة الخبرة الفنية التي تنبع منها، ولا تفرض عليها»([17]).
وناقش الخراط في بقية المقالات مشكلات التعبير الفني، ومفهومه للرواية والقصة القصيرة، وفهمه لوظيفة الأدب والرواية اليوم، والقاص ناقداً، وأهمية ألف ليلة وليلة بالنسبة إلى أمثاله، وكتابته في زمن متغير، والأصالة الثقافية والهوية القومية ودور الأدب في التغيرات الاجتماعية، وتنوع الثقافة العربية ووحدتها، ومعنى أن يكون عربياً، والقمع والحرية، وما وراء العامية، والشكل الأسطوري المعاصر في الفن، والدفاع عن التجريبية والتجديد، والكتاب الأقباط والموضوعات المسيحية.. الخ.
ومن المفيد، أن نشير إلى صراحة الخراط وجرأته في عرض مواقفه السياسية والفكرية والفنية، ففي حديثه عن معنى أن يكون عربياً، أعطى العروبة صفة نضالية فالعربي عريق مستمر من سبعة آلاف سنة، بقوله: «أنا العربي المصري خلال سبعة آلاف عام غيرت ديانتي ثلاث مرات، لكنها ظلت في صميمها واحدة أو متقاربة، وغيرت لغتي ثلاث مرات، لكنها ظلت لغتي أنا مصرية وعربية في آن. وهي لغة قدسية وأرضية، موسيقية وصارمة الدقة، استطاعت حمل فلسفة اليونان وعلومهم من اليونانية إلى اللاتينية، ومنها إلى لغات اليوم المعاصرة، لغة هي اليوم على تعدد مستوياتها ولهجاتها رباط وثيق بين كل أخوتي من المغرب الأقصى إلى الخليج»([18]).
غير أن الخراط ألف كتابه الثالث في هذا المجال «مهاجمة المستحيل ـ مقاطع من سيرة ذاتية للكتابة» توضيحاً لأسلوبه في الكتابة، من خلال مفهومه للقص، وحرية الإبداع، وفعل الكتابة، وانهيار الاشتراكية أم سقوط القناع. وثمة تكرار لآراء كثيرة بين الكتابين، وفي الكتاب نفسه، كما هو الحال مع هذه الآراء، على سبيل المثال لا الحصر من فصل واحد:
ليست القصة واقعة سرد وحكاية.
لا أكتب القصة إلا بعد أن تعيش معي.
التدفق اللغوي العضوي والرؤيوي الشعري.
التضافر بين الواقع الخارجي والواقع الداخلي.
العمل الفني له لغة خاصة.
خصوصية اللغة العربية.
الإسكندرية: ماذا تعني؟
القيم الأساسية هي قيم الإيمان المحرق بحرية الإنسان.
الفن، في ظني، خبرة من أعمق خبرات السعي إلى معرفة كلية.
ليس ما اكتبه قصة تقليدية.
الكتابة سلاح تغيير.
لمن أكتب؟
الناقد الكاتب.
مثلما كرر رأيه في اللغة العربية وسيلة تعبير صالحة للفنون المستحدثة:
«إنني لعميق الإيمان، وعميق العشق أيضاً. بهذه اللغة التي ورثناها، ونكاد نبددها أو نهملها. هذه اللغة العربية بارعة المدخل إلى النفس، وأظن أننا لا نكاد نعرف منها إلا أطرافها. العلاقة بيني، على الأقل، والعربية ليست فقط علاقة عشق وتدله، بل هي علاقة تشابك حياتي غني أطمح أن يكون مثرياً من الجانبين. إن سعيي هو أن انطق بهذه اللغة حساسيتي وفكري في سياق العصر، بل في ما آمل أن يكون سياق المستقبل أيضاً»([19]).
أما الربيعي فيخصص كتاباً بعينه لبياناته أو شهاداته عن كتابته الإبداعية، فقد وضع جانباً منها في كتبه النقدية الكثيرة، مثلما بادر إلى جمع بعض الحوارات التي أجريت معه في كتاب حمل عنوان «مدخل لتجربة عبد الرحمن مجيد الربيعي في 38 حواراً» (1984)، ولعل التأمل العاجل لبعض كتبه النقدية يشير إلى اتساع عنايته بمثل هذا النوع من الكتابة التي تفتقر إليها حركة التأليف العربي، أو هي قليلة لا تفي بالحاجة. وأورد إحصاء لهذه الكتابات مما حوته كتبه:
· «الشاطر الجديد: قراءة في كتاب القصة العربية» (1979)، وفيه مقالة واحدة هي «القصة ضمن حدود تجربتي الخاصة: محاولة للإضاءة» (ص36-42).
· «رؤى وظلال: نقد ودراسات» (1994) وفيه مقالتان هما: «مداخل لاختيار شخصيات قصصي» و«حكايتي مع القمر والأسوار» (ص237-260).
· «من النافذة إلى الأفق: قراءات ومواقف» (1995)، وفيه أربع شهادات (ص391-407).
· «من سومر إلى قرطاج: قراءات في الأدب العربي المغاربي» (1997)، وفيه عشر شهادات (ص331-353).
إنها حصيلة وافرة في الكم والنوع، وهي تُعنى، بالأساس، بالتقنية ومصادر الكتابة وحرية التعبير، وأوهام الكتابة والكاتب. فقد اهتم الربيعي بتقنيته القصصية والروائية، وبذل جهوده مبكراً لوعيها وتطوير الخصائص الفنية، مثلما التفت إلى قضية الاتصال بين الفنون واستفادته من تقنيات الرسم. وصرح دائماً أن اهتمامه الكبير باللغة هو الذي قرب بعض صفحات قصصه ورواياته من التداعيات الشعرية: «كما أنني لا أتوانى عن وضع مقاطع شعرية داخل القصة وإن وجدت ذلك يخدم الفعل القصصي»([20]).
ويستفاد من توكيد الربيعي على الاتصال بين الفنون على أن التقنية مفتوحة: و«ليست هناك تقنية جاهزة يمكن تعريفها، أو الحديث عنها، فالتقنية ليست موديل بدلة ولا خارطة بيت. إنها إبحارٌ، انشغال، دأب، استشراف، حركة، رصد، استنتاج، وكل كاتب محمل بخصوصياته وتجاربه وحياكة أساطيره»([21]).
يوضح استطلاع آراء الربيعي، مثل كثيرين من أبناء جيله، أن لديه نزوعاً إلى الأصالة وتثمير أشكال قصصية من تقليدها الموروث، ولكنه ما يلبث أن تداخله حيرة في الممارسة وفي النظر.
2-4- القضايا الأساسية التي عالجها نقد القصة والرواية:
عالج نقد القصة والرواية قضايا رئيسة تتصل بالمحتوى وبالشكل هي الأكثر دوراناً على أقلام النقاد بالإضافة إلى ما ذكرنا، ولعلنا نشير إلى بعض هذه القضايا.
2-4-1- قضايا تتصل بالمحتوى:
اتجهت عناية الباحثين والنقاد إلى الموضوعات القومية أولاً والموضوعات الاجتماعية ثانياً، وما يتصل بها، واذكر جملة منها:
احتل الموضوع القومي المنزلة الأولى، فنوقشت موضوعات السجن السياسي، مثل «أدب السجون» (1981) لنزيه أبو نضال (الأردن)، و«السجن السياسي في الرواية العربية» (1982) لسمر روحي الفيصل (سورية)، ثم موضوعات الآخر الغربي، مثل «المغامرة المعقدة» (1977) لمحمد كامل الخطيب، و«شرق وغرب: رجولة وأنوثة» (1977) لجورج طرابيشي (سورية)، و«وعي الذات والعالم ـ دراسات في الرواية العربية» (1985) لنبيل سليمان (سورية)، و«الرحلة إلى الغرب في الرواية العربية الحديثة» (1991) لعصام بهي (مصر)، و«الأنا والآخر في الرواية العربية الحديثة» (1994) لمنصور قيسومة (تونس). ثم موضوعات المثقف والحرية والسلطة، مثل «المثقفون العرب والسلطة: بحث في روايات التجربة الناصرية» (1992) لسماح إدريس (لبنان)، و«شخص المثقف في الرواية العربية المعاصرة» (1993) لمحمد الباردي (تونس)، ثم الموضوع القومي في إطاره العام، مثل «انكسار الأحلام ـ سيرة روائية» (1987) لمحمد كامل الخطيب. و«الاتجاه القومي في الرواية العربية» (1994) لمصطفى عبد الغني (مصر)، أما الدراسات التي تناولت القضية الفلسطينية وجوانبها المختلفة فكثيرة أيضاً.
ثم موضوعات المدينة والريف مثل «أزمة الجنس في الرواية العربية» (1972) لغالي شكري (مصر)، و«الريف في الرواية العربية» (1989) لمحمد حسن عبد الله (مصر).

2-4-2- قضايا تتصل بالشكل:
وعني الباحثون والنقاد في الوقت نفسه بقضايا الشكل، وبدأوا بدراسة المؤثرات الأجنبية مثل «سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية ـ دراسة تطبيقية في الأدب المقارن» (1974) لحسام الخطيب، و«أثر الأدب الفرنسي على القصة القصيرة» (1985) لكوثر عبد السلام البحيري (مصر)، ثم دراسة قضايا فنية محددة مثل «الرواية الإنسيابية وتأثيرها عند الروائيين العرب» (1985) لأحمد سيد محمد (مصر)، و«الذات والموضوع ـ قراءة في القصة القصيرة» (1994) لمحمد قطب عبد العال (مصر) و«جماليات المكان في الرواية العربية» (1994) لشاكر النابلسي (الأردن)، و«درسات في الأدب المقارن والنقد» (1996- يوجد في الكتاب أكثر من دراسة عن القصة والرواية) لغسان السيد (سورية) و«تداخل النصوص في الرواية العربية» (1997) لحسن محمد حماد (مصر)، و«فن الرواية العربية بين خصوصية الحكاية وتميز الخطاب» (1998) ليمنى العيد (لبنان) و«في بناء النص ودلالته: محاور الإحالة الكلامية» (1998- يوجد عدة قراءات نقدية لبنية السرد في بعض الأعمال القصصية والروائية بالإضافة إلى ممهدات نظرية حول مفهوم القصة والخطاب والقص..الخ) لمريم فرنسيس (سورية).
ثم دراسة تكون الرواية العربية وتطورها، مثل «تكوين الرواية العربية ـ اللغة ورؤية العالم» (1990) لمحمد كامل الخطيب (سورية)، و«محتوى الشكل في الرواية العربية: 1- النصوص المصرية الأولى» (1996) لسيد البحراوي (مصر)، ثم دراسة القصة والرواية الأجنبية: مثل: «جارسيا ماركيز وأفول الديكتاتورية: دراسة في رواية خريف البطريرك» (1988) لحسين عيد (مصر)، و«ملامح من أدب أمريكا اللاتينية ـ الرواية نموذجاً» (1994) لبدر عبد الملك (البحرين).
أما الدراسات الفنية الأكثر فهي المخصوصة بدراسة روائي أو قاص أو رواية أو عمل قصصي بعينه، وشاع ذلك في الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، وهو ما سنقف عليه في الفصول التالية.
2-5- هيمنة دراسات المذهب الواقعي:
هيمنت دراسات المذهب الواقعي ورؤية الواقع على حركة نقد القصة والرواية لفترة طويلة، وقد دشن في هذه الفترة محمد حسن عبد الله في كتابه «الواقعية في الرواية العربية» (1971) وعبد المحسن طه بدر (مصر) موجة الدراسات الواقعية، استمراراً لجهود محمود أمين العالم وحسين مروة على وجه الخصوص في الخمسينيات والستينيات. وقد انطلق من فرض «يتمثل في أن الأديب يرتبط بالواقع الذي يعيشه بعلاقة إيجابية ودينامية يتبادل فيها طرفا العلاقة التأثر والتأثير»([22]).
ولاشك في أن بدر ليس استثناء من مجموعة النقاد التبشيريين الأيديولوجيين الذين نظروا للواقعية في النقد الأدبي الحديث، إذ عمد بنفسه إلى «إلقاء بعض الضوء على أهم العقبات التي تحول بين بعض أدبائنا العرب المحدثين وبين الإحساس العميق بواقعهم»([23]).
وفي مقدمة الطبعة الثانية من كتابه (عام 1981) أبدى بدر ضيقه من هيمنة الاتجاهات الجديدة التي لم تتح فرصة اختبار فروضه، لتتحول هذه الفروض من مجرد كونها فروض إلى «دراسات علمية جادة، ينشأ عنها تأصيل نقدنا، وظهور مدارسه المتميزة، بدلاً من اللهاث المستمر المحموم خلف ما تطرحه علينا الثقافة العالمية، مما لا يدع لنا فرصة التجريب والتأصيل»([24]).
ومن الملاحظ، أن الكتابة النقدية عن الواقع والواقعية هي السائدة في السبعينيات والثمانينات، ويشير كتاب عمر الطالب (العراق) «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية» (1971) في اطمئنان الناقد المذكور، في اختياره لموضوعه وحماسته في مباشرته دون ممهدات نظرية، إلى شيوع الفكرة النقدية الأيديولوجية عن الواقعية ورؤية الواقع، فهو لم يعن بإشكاليات النظرية أو المصطلح أو المنهج، ودخل في موضوعه على عجل، وأطلق آراء وأحكاماً تفتقر إلى التعليل الفكري أو الفني، كمثل قوله:
«ولا تصور الرواية الواقعية واقع الحياة بخيره وشره تصويراً تسجيلياً، وإنما هي تفهم الحياة والأحياء، وتفسرها من وجهة نظر خاصة ترى منها الحياة، ولكنها تتغذى من الواقع وتتزاوج وإياه في الشخصيات، وتستمد منه مطلع الطريق، لتنتهي إلى خلق الأثر الذي هو في الظاهر يماثل الواقع، ولكنه في الخفاء ينفصل عنه انفصالاً تاماً، وجوهر الواقعية في الرواية العراقية ليس ما يحدث بالفعل، وإنما الكشف عن الدلالة الكبرى لما يحدث، وليس تصويراً فوتوغرافياً، ولا صدقاً خلفياً، بل التصوير الممكن والصدق الفني»([25]).
وأعاد حسين مروة (لبنان) طباعة كتابه «دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي» (1976)، طبعة مزيدة ومنقحة، وأراد من استبعاد بعض الفصول أن يكشف عن التطور في منهجه، فتلك «الفصول المستبعدة كانت قاصرة عن استيعاب شروط المنهج نفسه الذي أجهد دائماً أن أكون أميناً له في عملي النقدي، وعملي الفكري على السواء»([26]).
وأضاف مروة محورين هما «الموقف الثوري في الأدب» و«الموقف الثوري من التراث»، «أي أن هناك قضيتين تدفع بهما أزمة الواقع العربي في هذه المرحلة ذاتها، إلى مكان الصدارة من قضايا الأدب والفكر والأيديولوجيا التي هي الوجه الآخر غير المباشر لقضايا الواقع العربي المباشرة، من هنا تتحدد ضرورة خروج هذه الطبعة بهذه الإضافة»([27]).
واستدرك مروة بالنظر إلى غياب مسألة النقد الأدبي عن كلامه، أن مسألة «النقد الفكري ـ الأيديولوجي تقع في الصلب من اهتمام كلا المحورين، فهما بمضمونهما وبتوجههما ـ أساساً ـ دراستان نقديتان، بمعنى أنهما يشكلان محاولة جديدة في مجال إعادة النظر بكثير من المقولات النقدية التي كانت، في المرحلة السابقة لهذه المرحلة ـ الأزمة، أساس التعامل النقدي مع الإبداعات الأدبية المعاصرة من جهة، ومع الأدب والفكر التراثيين من جهة أخرى»([28]).
إن كلام مروة ينفي النقد الأدبي لصالح النقد الفكري ـ الأيديولوجي كلياً، ولا شك، إن نقداً غير قليل أوغل في التبشير والإيديولوجي إيغالاً أفضى إلى معارك أدبية وفكرية ونقدية بين التيارات المختلفة لم يهدأ أوارها إلى وقت قريب، ولكن بعض النقاد تداعوا إلى تمحيص «منهج الواقعية في الإبداع الفني»(1978)، وفي مقدمتهم صلاح فضل (مصر) الذي درس وجوه الواقعية من خلال نشأة المذهب الواقعي وتطوره والرؤية الغربية للواقعية النقدية وأصول الواقعية الاشتراكية، والأسس الجمالية للواقعية، ولا سيما فكرة المحاكاة وفكرة الانعكاس الموضوعي والنموذج والنمذجة، ونقد الواقعية للمذاهب الأخرى، وعمليات الانتقال من السياق الأدبي إلى السياق الاجتماعي. ودعا إلى أخذ التطورات التي ألمت بالواقعية بعين الاعتبار، فقد اقتصرت الواقعية في نقدنا العربي على تيارين:
«أحدهما: يعرض لها بشكل مبتسر عام، ويخلط بينها وبين الطبيعة التي تتسم بالتشاؤم، وتغرق في مستنقع السلبيات الآسن، وتغفل ما في الحياة من قدرة على التفوق والشعر.
والثاني: يغرقها في الحمام الإيديولوجي الماركسي بطريقة مذهبية متعصبة، متجاهلاً انتصار الواقعية النقدية في الآداب الغربية والعربية على السواء»([29]).
واستشهد فضل بالتنويعات الإقليمية لتطورات الواقعية، في منطقتين هما: أوروبا تعيد تقييم الماضي، وأمريكا اللاتينية والواقعية السحرية، بالإشارة إلى نموذج العالم الألماني إيريش أورباش في كتابه «الواقع كما يتجلى في الأدب»، حيث نقطة الانطلاق في منهجه هي النص نفسه، «فلا ينبغي أن نصدر عن مجموعة من القيم نحملها إلى العمل، أو نحمل العمل عليها وننسقه طبقاً لها، وإنما يجب أن ننطلق من خاصية تاريخية تكشفها فيه وتبرزها وتطورها بشكل تضيء به العمل نفسه في أدق ملامحه، ويغمر ضوؤها أشياء أخرى ترتبط علائقها به، لذلك فإن المنطلق النموذجي دائماً بالنسبة له هو تفسير مشاهد ونصوص بذاتها»([30]).
إن مثل هذه التنويعات الإقليمية أدت إلى إثراء مفهوم الواقعية برؤى فنية وحضارية جديدة، مما يجعلنا، برأي فضل، نتساءل عن موقفنا في الأدب العربي من الواقعية: «ماذا أخذنا من مبادئها وأصولها الجمالية؟ وماذا أضفنا إليها من روحنا القومي الخاص؟»([31]).
ثم جاوزت دراسة فيصل سماق (سورية) «الواقعية في الرواية السورية» (1979) مدى التبشير العقائدي الذي يسربل في إهابه النقد الأدبي برمته، فنحت دراسته، على حد تعبير حسام الخطيب، «منحى منهجياً بالغ الدقة، إذ تبدأ بتحديد المفهومات النظرية ثم تنتقل إلى دراسة البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية التي نبتت الرواية الواقعية السورية في إطارها، وبعد ذلك تدرس الظواهر المشتركة التي تجمع الروايات المدروسة، وتصنف اتجاهاتها بين واقعية انتقادية وواقعية طبيعية وواقعية اشتراكية، وتقدم بين يدي ذلك الأمثلة والشواهد المجتزأة، ثم تردف دراسة كل اتجاه بنموذج مدروس بالتفصيل»([32]).
يتصف نقد سماق بتحليل معمق للظاهرة الفنية المدروسة، وبربطه لها بتطورات البيئة من حولها، وبدقة في الأحكام، كما في حكمه على تأثر الروائيين جميعاً بالتقنيات الروائية الغربية، «كما استفادوا من التجربة الواقعية في الأدب الاشتراكي العالمي بدرجات متفاوتة أظهرت تبايناً في قدرتهم على استيعاب التقنيات الحديثة وتجسيدها في أعمالهم الفنية. ويكاد يجمعهم مسار مشترك واضح المعالم، وهو الانفتاح على المؤثرات الأجنبية المختلفة، ولا سيما ما كان متصلاً منها بالنواحي الفنية، وفي الوقت نفسه محاولة الدخول عمقاً في فهم الواقع المحلي ومعالجته. وكان أوفرهم حظاً من النجاح هم أولئك الذين أحسنوا توظيف المؤثرات الفنية الأجنبية من أجل معالجة قضايا الواقع من حولهم»([33]).
وفي الفترة نفسها، تصاعد النقد الموجه للدراسات الواقعية، فأصدر محي الدين صبحي (سورية) كتاباً جريئاً سماه «دراسات ضد الواقعية في الأدب العربي» (1980)، وقصد به «أن يعلن نهاية مرحلة الأدب الواقعي ويدعو إلى بداية جديدة»([34]). وما دعا إليه صبحي هو «أن الأدب بناء لفظي يقدم رؤيا، وأن وظيفة النقد الكشف عن تماسك البناء واتساق الرؤيا»([35]). وقد حوى الكتاب دراسات عن «أزمة الواقعية في واقع الأدب العربي»، و«سيزيف العربي يمشي على محيط الدائرة: دراسة في خواتيم رواية السبعينيات»، و«في المضمون القومي والطبقي لفكرنا الحديث»، و«ماذا تعني مشكلة المضمون عند حسين مروة»، و«الحداثة ضد الحداثة»، و«الحكيم عند سرير بروكروست»: نقد كتاب جورج طرابيشي عن توفيق الحكيم، و«قصيدتان وقضية»: «بابي يار» لايفتوشنكو و«السفح الآخر غربي القدس» ليوسف الخطيب.
يفصح استعراض الأسس التي رأى صبحي أنها قمينة باستعادة النقد، بمعناه الكلاسي، ومنزلته الأدبية عن تصحيح كامل الفكرة الواقعية، كما صاغها النقد الجديد الأنكلوسكسوني، ومن هذه الأسس نذكر:
«- بما أن الأدب أدب والواقع واقع، فإن هذا ينطوي على مفارقة أن الأدب شمولي والواقع محلي مرحلي. وللتوفيق بينهما وإدراجهما ضمن المرحلة التاريخية التي نعيشها ـ وهي مرحلة النضال القومي في سبيل إنشاء مجتمع عربي اشتراكي ديموقراطي موحد ـ اقترحنا أن تدور الرؤيا حول مستقبل الدولة القومية المرتجاة. وبذلك يسهم الكاتب في كسر حدود القطر والمرحلة في الرؤيا على الأقل علماً بأن من حق الأدب أن يحمل أي رؤيا، ولكن ليس من حقه ألا يحمل أي رؤيا»([36]).
ولا يخفى أن صبحي قد ناهض الإيديولوجيا بإيديولوجيته القومية، أي أن نقده لا يختلف عن النقد الإيديولوجي في مراميه التبشيرية أيضاً.
ثم توالت الدراسات النقدية التي تعيد، بأشكال ومستويات مختلفة، وصف الأزمة العامة التي تعاني منها الواقعية، وقد عزاها حنا عبود (سورية) في كتابه «واقعية ما بعد الحرب في الأدب والنقد والشعر» (1980) إلى عدة مصادر هي الأيديولوجيا والسياسة، والجماهيرية، وضعف الاهتمامات الفنية. ولعلها تلتقي جميعاً عند التبشير العقائدي الذي أُدينت ممارسته المتطرفة في المنهج الواقعي بتطبيقاته في النقد الأدبي العربي الحديث فقد «ارتبط الإنتاج الإبداعي بإطار عام للإيديولوجيا. هذه العلاقة بين المصدر الإيديولوجي والأثر الإبداعي تشكل مظهراً من مظاهر أزمة الواقعية... والواقعية من بين جميع المذاهب الأدبية الأخرى، متهمة بالرضوخ السياسي، حتى قيل لا واقعية بلا سياسة. إلا أن هذه التهمة تنقلب إلى فضيلة للواقعية على غيرها، إذا استطاع الواقعيون «تأديب» السياسة بحق، كما استطاع أعلام الواقعية المشهورون تحقيق ذلك»([37]).
وقال عبود عن الجماهيرية إنها جرت «كثيراً من السلبيات، لعل أهمها حجب نظر الكاتب عن رؤية الأعماق النفسية التصارعية. إن الإيمان بمقولات إيديولوجية وسياسية مسبقة جعل الجماهيرية ذاتها تصبح مقولة فنية، فتفرض البراءة والإدانة، والصفاء والفساد. وتغدو بحد ذاتها مقياساً فنياً.. ما تبعد الأدب الواقعي بذلك عن الواقع بدلاً من أن يتعمقه من خلال شمولية النظرة الإيديولوجية والسياسية»([38]).
وتبين دراسة عبد القادر الشاوي (المغرب) «سلطة الواقعية» (1981) ميل الدراسات الواقعية إلى النقد الاجتماعي، فتعددت معالجاته الواقعية من الواقعية الاجتماعية (عبد الكريم غلاب نموذجاً) والواقعية في الذاتية (إدريس الخوري نموذجاً) إلى بلاغة برجوازية (محمد زفزاف) والسيرة القاسية (محمد شكري) والرواية في الرواية (خناثة بنونة).
وجد الشاوي أن الواقعية في القصة وفي الأدب المغربي الحديث عموماً، تحددت في الممارسة الأدبية الإصلاحية كممارسة سياسية. وعرض لذلك ثلاث فرضيات:
1.إن وجود الأدب المغربي الحديث جاء في شروطه تعبيراً عن وجود البورجوازية الوطنية الناهضة، وكان هذا الأدب هو الناطق الرسمي بوجود وعي بورجوازي بأهمية الأدب ودوره.
2.إن الواقعية في القصة ـ كاختيار أدبي ـ فني، يتناسب مع واقع التطور الثقافي الذي كان عليه المجتمع، ومع التوجه البورجوازي الوطني على عهده في نفس الوقت. كان اختياراً أدبياً أساسياً في مواجهة التأثير الثقافي ـ العربي ـ الاستعماري، وذلك ما حدد توجهها إلى الوقع بما فيه.
3.وبأن الواقعية في القصة وفي الأدب بشكل عام، إنما جاءت كوعي بضرورة ربط القصة والأدب بمستوى النهضة الوطنية، وتحددت الإصلاحية في الممارسة السياسية والاجتماعية»([39]).
إن الواقعية عند الشاوي تنفتح على المجال السوسيو ـ ثقافي والتاريخ أيضاً، بالنظر إلى «ما عانت منه الواقعية/ الواقعيات من اختلاف وتنوع»([40])، وقد نتج عن ذلك ثلاث ظواهر هي: تشوه المفهوم الواقعي عن الواقع، وغياب الخصائص الفكرية والفنية المحددة للواقعية، وطغيان التناول الشعبوي، وهو يستمد عناصر وجوده في القصة من أمرين: التناول السياسي المباشر والتصور الذاتي للواقع، أي أن سلطة الواقعية في النص نفسه، وليس في المرجع، ما دام لها طابعها الرمزي أيضاً وهكذا، تميز نقده بعنصرين: الأول هو أن التجربة الواقعية في القصة المغربيةلا يمكن دراستها إلا كتجارب واقعية، أي كنماذج إبداعية تستقل برؤيتها الخاصة للعالم، والثاني هو أن الواقعية نفسها، في التجربة الأدبية المغربية الحديثة، لم تحظ بأي اهتمام، ولم يتفرغ للنظر في أحوالها أي باحث، برأيه([41]).
وطور عبد القادر الشاوي رؤيته للواقعية في كتابه «النص العضوي- سلخ الجلد نموذج دراسي» (1982)، وهو دراسة نقدية تحليلية لمجموعة محمد برادة القصصية لا تحيل إلى الواقع، بل تتعامل مع واقع تصوغه القصة، لتصح «أن تكون خصوصية الواقع مترادفة مع خصوصية التعبير عنه»([42]). ولتتحدد بنية النص الواقعي حسب تحليله بكونها بنية التناقض والتغيير([43]).
لقد خفتت أصوات التبشير العقائدي في نقد الثمانينيات، بفضل التعرف إلى نظرية الأدب ومفاهيم المحاكاة والتطورية والاتجاه الاجتماعي. ونلمس في كتاب حلمي بدير (مصر) «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية الحديثة في مصر» (1981) نبرة تكاد تكون حيادية إزاء تطور مفهوم الواقعية، ولكن الناقد يتوقف عند إقرار المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب السوفييتي (وليس الروس كما كتب!) عام 1934 لمصطلح الواقعية الاشتراكية. وثمة واقعيات أخرى، جديدة أو سحرية أو تعبيرية، بما يجعل الواقعية مذهباً فضفاضاً! إن عرض حلمي بدير لمفهوم الواقعية بأنواعها ليس كافياً أو دقيقاً في قوله:
«فتناولت المفهوم العام للواقعية من حيث كونها المذهب الأدبي الذي يلجأ للواقع وللعادي المألوف من الحياة اليومية يستقي منه مادته، بعد أن اقتصرت الأعمال الأدبية، ومنها الروائية على الأبطال الكلاسيكيين فترة طويلة، حتى أصبح الأدب جزءاً من الأبراج العاجية للفكر. ثم عرضت للواقعية النقدية ومفهومها الذي حمل لواءه بلزاك في الأدب الفرنسي، والذي طوره من بعده أميل زولا ليصل به إلى حدود العلم التجريبي فيما عرف بالطبيعة، ثم عرجت على الواقعية الاشتراكية والتي وجدت لها أرضاً خصبة في الأدب الروسي ووجدت لأفكارها متسعاً لدى الروائيين الروس، قبل أن تتحول لتصبح دعوة عامة يشارك فيها المفكرون الروس جميعاً، وامتدت إلى أنحاء العالم المختلفة بعد المؤتمر الأول للكتاب في روسيا سنة 1934»([44]).
درس بدير بدايات الواقعية في الرواية العربية من حيث المضمون والشكل الفني، وانتقل إلى مرحلة تالية تتنازع فيها الواقعية والرومانسية، وخصص الباب الثاني لدراسة الواقعية النقدية في روايات لتوفيق الحكيم (يوميات نائب في الأرياف) ويحيى حقي (قنديل أم هاشم) ونجيب محفوظ (خمس روايات والثلاثية)، وكان الباب الثالث للواقعية الاشتراكية، وعالج فيها روايتين لعبد الرحمن الشرقاوي (الأرض) وإبراهيم عبد الحليم (أيام الطفولة).
وعلى الرغم من ملاحظته أن الدراسة لا تزعم أنها قدمت ثبتاً متقصياً لما ظهر في الرواية العربية في مصر من أنواع الواقعية المختلفة كافة، فإنه قصر دراسته على نماذج قليلة، وتعسف في تقليص حدود مفهومه للواقعيات التي عالجها.
ويظهر هذا التخفف من وطأة الايديولوجية على استحياء في كتاب محمد مصايف (الجزائر) «الرواية العربية الجزائرية الحديثة بين الواقعية والالتزام» (1983)، ومرد ذلك أن الناقد رأى في الواقعية سبيلاً إلى الالتزام بقضايا مجتمعه، وليس التعبير العقائدي، في نشدانه لمنهج يقوم على الموضوعية في البحث، والاعتدال في الحكم، واحترام شخصية الكاتب ومواقفه الفنية والايديولوجية، منطلقاً قدر الامكان من النص الذي يدرسه.
وكانت دراسة سمر روحي الفيصل (سورية) «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية» (1986) خطوة أكبر في تخليص الدراسات الواقعية من نزعة التبشير العقائدي، وعزا الفيصل جانباً من ذلك إلى التأليف المشترك في لجنة تأريخ القصة والرواية في اتحاد الكتاب العرب التي تألفت عام 1980، برئاسة حسام الخطيب، وعضوية عبد الله أبوهيف ومحمود منقذ الهاشمي ومحمود موعد وسمر روحي الفيصل، حين راحت هذه اللجنة تتفق على مصطلحات الدراسة وحدودها وطبيعتها ومنهجها.
حدد الفيصل في مدخله سمات لمفهوم الواقعية رافضاً تقييدها «وتضييق الخناق عليها، وهي (يقصد الواقعية) الاتجاه الأدبي الواسع الشامل الذي يصعب حصره ضمن حدود لا فكاك منها. لهذا السبب لم يكن هناك بد من المرونة في أثناء تطبيقها، ومن مراعاة موهبة الروائي التي يصعب تقنينها ووضع مقاييس ثابتة لها»([45]).
ويغلب على حديث الفيصل عن المنهج الفني للواقعية تكييفه لمقتضيات دراسة الرواية العربية السورية، اعتماداً على كتاب صلاح فضل الآنف الذكر، كما في هذه المبادئ الجمالية الأساسية التالية للواقعية النقدية.
«- الكشف الشامل عن العالم الداخلي للإنسان كما يطرحه العالم الاجتماعي.
- تعميم الحياة في شخصيات وظروف نموذجية.
- التحليل الاجتماعي والنفسي للشخصيات في صلاتها بعضها ببعض.
- النظرة التاريخية.
- موضوعية التصوير.
- إعادة خلق حقائق الحياة في أشكال الحياة الواقعية ذاتها».
بينما استند المنهج الفني للواقعية الاشتراكية إلى المبادئ التالية: الروح الشعبية ـ الالتزام ـ النزعة الإنسانية ـ الروح الحزبية ـ النزعة التاريخية ـ الروح الاجتماعية ـ النزعة النفسيانية ـ نموذجية التصوير الأدنى»([46]).
ثم ما لبث أن وسع الفيصل المعاني المتداولة للمنهج الفني للواقعية، فيما يلي دون التفصيلات التي أوردها:
الالتزام في الواقعية الاشتراكية.
التاريخية (النظرة التاريخية.
التطور الذاتي للشخصية.
الحتمية الاجتماعية.
الحتمية السيكولوجية (تبعية الإنسان للتطور الذاتي للشخصية).
الخلق الفني (ثقافة الكاتب وموهبته).
الروح الاجتماعية.
الروح الحزبية في الواقعية الاشتراكية.
الروح الشعبية (الشعبية).
الشخصية النموذجية (النموذج).
الصدق الفني.
الظروف النموذجية (انطواؤها على صفات اجتماعية تاريخية مهمة).
المجتمع الروائي.
المعرفة الفنية.
منظور المستقبل.
الموضوعية (قدرة الفنان على أن يفهم الموضوعات كما هي بمعزل عن شخصيته).
النزعة الإنسانية (الإنسانية).
النزعة النفسانية في الواقعية الاشتراكية.
النمذجة الفنية (قدرة الفنان على أن يضّمن الصورة الفنية أكمل تعبير وأقواه عن جوهر الظاهرة أو الشخصية التي يصورها).
الواقع الموضوعي([47]).
تألفت دراسة الفيصل من الاتجاه المضموني، فاصلاً بين الشكل والمضمون، ويتضمن الرواية الاجتماعية والرواية الوطنية والسياسية، والرواية التاريخية، وعالج في الرواية الاجتماعية: الرواية الاجتماعية الوصفية، ورواية الصيغة الاجتماعية، والرواية الوصفية الشخصية، ورواية الصيغة الشخصية، والرواية الريفية والرواية المدينية. وعني في الباب الثاني والأخير من كتابه بالاتجاه الفني للرواية الواقعية، فيما يخص تطور المضمون وتطور الشكل الفني والمنهج الفني والتأثر الفني بالرومانسية والكلاسية، وبالاتجاهات الأدبية الأخرى، وبالاتجاه الواقعي العربي، وبالاتجاه الواقعي في العالم.
وأدغم نجيب العوفي، الدراسة الواقعية بنهاجيات الاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية في كتابه «مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية، من التأسيس إلى التجنيس» (1987)، ولعله نتيجة وعيه الحاد بالهوية، إذ جعل المنهج الواقعي إطار قراءة وبوصلة هادية للبحث، تعين على رؤية «التشظي السردي، آية على التشظي الاجتماعي والتاريخي الذي لا حت بوادره، وتتالت مظاهره منذ مطلع القرن العشرين»([48]). وأعتقد أن العوفي أفلح كثيراً في قراءة واقعية النصوص من خلال قصصيتها، وقصصيتها من خلال واقعيتها، وتتضمن هذه الممارسة النقدية اختلافاً بيناً عن "الدوغما" السائدة في فهم الواقعية.
غير أن دراسات الواقعية شهدت تراجعاً عن المستوى الفني والفكري الذي وصلت إليه، كما لاحظنا، فظهرت أعمال نقدية تعاني من التبشيرية وغلبة الإنشاء اللفظي على لغة النقد والانطلاق أحياناً من التماهي بين الروائي وعمله، والفصل بين المضمون والشكل، واخترت لذلك نموذجاً هو كتاب «الرواية العربية الجزائرية ورؤية الواقع: دراسة تحليلية فنية» (1993) لعبد الفتاح عثمان (مصر)، وقد اتصل الناقد بموضوعه أثناء تدريسه، معاراً، في جامعة وهران (1985-1988).
عمد عثمان إلى دراسة نقدية لبعض الروايات على أساس موضوعاتها: «واقع الكفاح الثوري المسلح»، و«واقع الثورة الزراعية»، و«واقع النقد الذاتي»، و«واقع الاغتراب». ويظهر حرصه على التماهي في قوله: «إن الدراسات النقدية الحديثة تحاول الآن إيجاد توازن حقيقي بين المضمون الاجتماعي الأيديولوجي، والشكل اللغوي الجمالي للنص، كما يتمثل عند أصحاب المنهج النقدي الجدلي، خاصة عند جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان. وقد آثرنا اختيار العنوان «الرواية العربية الجزائرية ورؤية الواقع»، لأن الروائي لابدّ أن تكون له رؤية، فمهما اختفى وراء شخصياته، وزعم الحيدة يبقى أنه في النهاية يمسك الخيوط كلّها في يده، فيصنع المواقف ويحرك الأحداث، ويحدد المصائر، ويبتكر الشخصيات، ويعرف النهاية سلفاً»([49]).
وتجنب عثمان الموضوعية في درس المتن الروائي الجزائري حين أبعد روايات رشيد بو جدرة «لأن رؤيته للواقع الجزائري مشوشة مضطربة ضبابية»([50]).
وثمة آراء قبلية تحكمت في نقد عثمان كمحاكمة إلى عقيدة الكاتب أو إلى تحزبه أو انتمائه السياسي، وهي تحكميات جاوزها النقد العربي الحديث منذ زمن، كما في رأيه برواية «الزلزال» للطاهر وطار:
«ويذكر أنه لجأ إلى الرمز في استخدام كلمة الزلزال التي تعبر عن الخطر الداهم والعالم السفلي الذي يرمز إلى الطبقة الكادحة المطحونة، والعالم العلوي الذي يرمز إلى الطبقة الإقطاعية التي ينتمي إليها أبو الأرواح. إن تضخم شخصية أبو الأرواح، والإكثار من اللوحات الوصفية، والابتعاد عن ميدان المعركة الحقيقي، وهو الأرض، وبروز أفكار الكاتب في تبني الاتجاه الشيوعي قلل من القيمة الفنية لهذه الرواية، وإن كان هذا لا يعني الغض من تأثيرها وقيمتها المرموقة في تطور الرواية الجزائرية الحديثة»([51]).
وينبغي علينا أن نشير إلى أن التحليل الفني لا ينتظم في منهج معين، ولا يخضع لترابط ما من قواعد النقد ومعاييره، فهو يمزج بين داخل النص وخارجه.
واستكمل سمر روحي الفيصل دراسته للاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية بمعاينة التطور الفني في كتابه «التطور الفني»، وذكر أسباباً ذاتية كثيرة دفعته إلى اختيار موضوعه، ومنها اهتمامه بفن الرواية، واعتقاده أن الرواية الواقعية في سورية لم تعبر عن الواقع الموضوعي، إضافة إلى قلة الدراسات التي عالجت الواقعية في الرواية العربية السورية، وعزوفها عن الخوض في التطور الفني، وانصرافها إلى تحليل المضامين دون أي نزوع انتقادي أو معرفة بالمنهج الفني الذي يضبط عمل المضامين والأشكال الفنية، وإيمانه بأن تحليل التطور الفني يخدم النقد الأدبي العربي حين يقدم له منهجاً نقدياً نابعاً من التطور التاريخي للواقعية في العالم، صالحاً لتعديل الفهم السائد لعلاقتها بالواقع العربي عموماً والسوري خصوصاً.
عرف الفيصل الرواية بأنها اسم اصطلاحي للفن النثري الحكائي الذي يخلق عالماً فنياً يوازي العالم الحقيقي، وأن حدها الأدنى هو النص النثري الحكائي الذي يوفر شيئاً من الحوادث والشخصيات والصراع والسرد، وقدراً من التماسك الداخلي، على أن يرتضي صاحبه تدوين كلمة «الرواية» عليه. وليس هذا التعريف نافعاً كله، فماذا لو رضي كاتب أن يضع كلمة «رواية» على كتاب في الرياضيات أو الأحياء الدقيقة.
واختار منهجاً ملائماً لدراسة الروايات التي صح انتسابها إلى الواقعية هو المنهج التحليلي الكلي الذي يوفر نظرة فلسفية للموضوع مستندة إلى نتائج تحليل النصوص. ومهد لدراسته بالتعرف إلى نشأة الواقعية واتجاهاتها ودلالة مصطلحها، وتطوراتها بين الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية، ونشأة الواقعية في مصر ولبنان وسورية، والواقعية في الخمسينيات، والاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية: من نشأته ونقده إلى المنهج الفني في دراسته. ثم درس طبيعة التطور الفني والتأثر الفني بالاتجاهات الأدبية، وألقى نظرة نقدية في التطبيقات الروائية لاتجاهين واقعيين هما الانطباعية الواقعية، والواقعية النقدية.
يؤشر كتاب سمر روحي الفيصل (1996) إلى انشغال نقد القصة والرواية الواسع بالواقعية، وإلى نمو عمليات انتقاد النقد الواقعي من خلال بعض مستوياته المتأرجحة بين الاندراج في السائد أو محاولة مجاوزته، وإلى مدى حرية التعبير في النقد والدراسات النقدية، كما في مثل هذه الملاحظة:
«أثرت في الاتجاه الواقعي تأثيراً سلبياً قضية التبعية للماركسية لدى طائفة من الروائيين السوريين. فقد اعتنقت هذه الطائفة الأفكار الماركسية، وانتمت في الغالب إلى الحزب الشيوعي السوري، وعملت ما وسعها الجهد على جعل الرواية تعبر عن الأفكار المستمدة من النظرية السياسية، وحاربت من أجل ذلك الداعين إلى معرفة الواقع الموضوعي السوري أو الباحثين فيه عن صحة هذه الأفكار. وقد شوهت هذه الطائفة الاتجاه الواقعي في سورية حين جعلته نسخة من الاتجاه الواقعي في الاتحاد السوفييتي، إضافة إلى ادعائها نسبة أفرادها إلى الواقعية الاشتراكية ليس غير. وقد عنيت بتوضيح الآثار السلبية لهؤلاء الماركسيين في الرواية الواقعية، وأكدت أن الاتجاه الواقعي في سورية لم يعرف الواقعية الاشتراكية، وليس هناك احتمال لوصوله إليها في المستقبل، لأن المجتمع السوري لا يعبر عن نسيج اشتراكي على الرغم من حرص النظام على ادعاء ذلك»([52]).
ولا يخفى أن مثل هذا النقد يبتعد عن داخل النص وعلائقه الخاصة ليخوض في مسائل خارجية تجوز عن منهجية الدراسة المعلنة.
ولعل أهم نقد واجهته الدراسات الواقعية، ولاسيما الواقعية الاشتراكية، ما كتبه وائل بركات (سورية) في كتابه «الواقعية الاشتراكية: المغامرة والصدى- دراسة مقارنة» (1997)، وكأنه يعلن أفول هذا المذهب الذي حظي بانتشار واسع بين الكتاب، وحافظ على حضور دائم في الأبحاث الأدبية القديمة والحديثة، «وما تزال الواقعية بأشكالها المتعددة ونزعاتها المختلفة تشكل مادة خصبة للدراسات الأدبية والنقدية رغم ما شهدته الساحة الأدبية في العقود الأخيرة من توجه نحو الاعتناء بقضايا الشكل والبنية والأسلوب والنص تحت أسماء كثيرة مثل البنيوية واللسانية والأسلوبية والعلامية ونقد النص وغيرها من التسميات التي تركز جل اهتمامها على مسألة الصياغة الأدبية وطبيعة النص الأدبي»([53]).
نظر بركات إلى الواقعية الاشتراكية بوصفها مغامرة «أرادت تسخير الأدب لخدمة السلطة، لكنها فشلت في صياغة كيانها المستقل الذي يضمن لها الاستمرار والإبداع، ولأن هذه التجربة انتقلت إلى الكتاب التقدميين الفرنسيين في صيغتها المشوهة، ثم كرس الحزب الشيوعي الفرنسي هذا التشويه بقراراته الملزمة لكتابه، رأينا أن الواقعية الاشتراكية في فرنسا اتخذت شكل الصدى، مع بعض التعديل، للمغامرة السوفيتية»[54].
وقد اعتمد بركات على المصادر السوفيتية والفرنسية المطبوعة باللغة الفرنسية، وكأنه يقول أيضاً أن صدى الواقعية الاشتراكية في فرنسا لا يختلف عنه في بقية البلدان التي قلدت هذه المغامرة، فتتبع نشوء المذهب من الجذور إلى الأدب البروليتاري ومن البروليتكولت إلى قرار عام 1932، تأسيس اتحاد الكتاب السوفييت، وما تلاه من توجيه كامل للأدب من السياسة، إلى مرحلة تكون النظرية والمنظرين لمفهوم الواقعية الاشتراكية، إلى تمحيص عناصرها، إلى جهود منظريها الكبار، إلى عودتها ونهايتها، بعد الحقبة الستالينية، حيث أصبحت تنتمي فعلاً إلى الزمن الماضي.
وعالج بركات في القسم الثاني من كتابه التلقي الفرنسي من الأدب البروليتاري إلى الواقعية الاشتراكية الفرنسية، وقد تميزت معالجته لإشكالية الشكل ببصيرة حاذقة ولغة نقدية دقيقة ومستوى فكري رفيع، وتعليل صائب لتحولات النظرية الأدبية في الممارسة، واستخلص الأسباب التي أدت إلى تشويه هذه النظرية وانحرافها عن المسار الصحيح لها، وأجملها فيما يلي:
خضوعها لسياسة الإرهاب الستالينية وتعرض الكتاب لضغوطات مختلفة، وهذا ناتج عن الخلط غير الواعي بين السياسة والأدب، واستغلال هذا الأخير في سبيل خدمة مصالح ذاتية سياسية.
رُبطت الرواية الواقعية الاشتراكية مباشرة وآلياً بوجهات نظر القادة السياسيين والحزبيين، وهذا ما أفقدها موضوعيتها ومصداقيتها.
الخلط بين انعكاس الواقع في تطوره الثوري الذي هو من الواقعية الاشتراكية، والتصوير الحرفي للواقع الذي هو من الطبيعة، رغم التحذير من الوقوع في هذا الخلط، فإننا نراه حاصلاً في معظم الروايات السوفيتية التي كتبت وفق منهج الواقعية الاشتراكية([55]).
2-6- البحث عن التراث القصصي ووعيه:
غدا النقد القصصي والروائي للتراث السردي على مفترق طرق في الستينيات مع صدور بحث فاروق خورشيد «في الرواية العربية ـ عصر التجميع» (1959). ويعد هذا الكتاب انعطافة أشرت إلى أهمية البحث عن التراث السردي العربي ووعيه اعتماداً على نصوص تنتمي إلى ما قبل التدوين والتجميع حيث التراث الشفاهي والأسطوري مثل «التيجان في ملوك حمير» لوهب بن منبه، و«أخبار ملوك اليمن» لعبيد بين شرية الجرهمي، و«السيرة النبوية» لابن إسحاق الذي رواه ابن هشام وسواها، ولعل هذه الإشارة تفصح عن اختلافها المضمر غالباً، والصريح أحياناً، مع النقد التقليدي الذي يرى القصة والرواية فنوناً سردية ذات مواصفات خاصة أخذت من التقليد الغربي لفهم هذه الفنون السردية المرافق لنشأتها وتطورها منذ مطلع عصر النهضة الأوروبية حتى مطلع القرن العشرين.
أطلق فاروق خورشيد نظرة مختلفة في فهم القصة والرواية تعترف بالتقليد العربي المتكون في ذلك التراث الشفاهي والأسطوري الطاعن في القدم والعراقة مما صار إلى قدامة لابد من فهمها، وهي مستمرة وموصولة في الممارسة القصصية والسردية في العصور التالية. إن هذه النظرة ساعدت على وصل السرديات الحديثة وتطورها بالسرديات العربية القديمة.
2-6-1- التراث السردي الشعبي:
عني فاروق خورشيد، أكثر من سواه بالإضافة إلى سبقه وريادته بوعي التراث القصصي والسردي العربي في إطاره الثقافي العام، وفي إطاره الفني الخاص كما في كتبه المتتالية «أضواء على السيرة الشعبية» (1959) و«الجذور الشعبية للمسرح العربي» (1992) وقبله «فن كتابة السيرة الشعبية» (1978) بالاشتراك مع محمود ذهني، و«في الأصول الأولى للرواية العربية» (1993)، ويلخص الكتاب الأخير نظرته إلى الموضوع، مثلما يبين باختزال واضح، جهوده المبكرة والدؤوبة لترسيخ هذا الوعي. يعيد خورشيد الفهم القصصي والروائي المغلوط والسائد للتراث السردي بوصفه قضية وعلامة هوية إلى خطأ الدارسين في اعتبارهم للأشكال الدرامية المختلفة للأدب العربي وافدة مع معالم الحضارة الغربية([56]). وعد دعوات ربط المنطقة بحضارة البحر الأبيض المتوسط، رفضاً للارتباط بالمعنى الحضاري العربي، ومن ذلك الدعوات التي تقفز فوق الفترة العربية والإسلامية، لتثير انتماءات إلى ما قبل الوجود الإسلامي في هذه الأقاليم، فهي مرة فرعونية، ومرة بابلية، ومرة آشورية، ومرة فينيقية، بل ومرة حميرية أيضاً. ووصل الأمر إلى الضجر من اللغة العربية نفسها ونحوها وصرفها، بل وحروف كتابتها، وظهرت الدعوة إلى التبسيط، وإلى إحياء العاميات، وإلى هجر الحروف العربية إلى حروف لاتينية في الكتابة نفسها([57]).
وعزا خورشيد ذلك إلى رسوخ قناعات غير سليمة تجافي طبيعة التراث القصصي، ونقد أسبابه، ملاحظاً أن دراسة الأدب الشعبي قد أسهمت في تغيير بعض هذه القناعات، لأن التراث القصصي محمل بالآثار الطقسية القديمة، وبمعطيات أسطورية وملحمية ودرامية وعقائد وثنية، ثم أثر الإسلام كثيراً، فيما بعد في صياغة ولادتها الجديدة، مؤكداً، أن الموروث العربي الروائي الذي وصل إلينا كان ثرياً وغنياً، وكان مليئاً بالعطاء الفني القصصي الذي يسر للكثيرين من المؤلفين أن يقدموا لنا كتب عصر التجميع التي احتوت هذه الأعمال بصياغتها الجديدة، كما يسرت لنا الإطلاع على مؤلفات عصر الإبداع الفني في السير الشعبية والحكايات المهمة، حاملة عطر شبه الجزيرة العربية وفنها الروائي، الذي لم يفقده العلاج الإسلامي شيئاً، بل لعله وظفه توظيفاً إنسانياً قريب الروح للمعنى الإسلامي، وقريب الدفاع من موقف الإنسان من الكون والله والإنسان الآخر، كما يفهمه الإسلام ويقره([58]).
أمعن خورشيد النظر في منابع الرواية العربية مطمئناً إلى وجود الفن الروائي العربي، ضارباً بجذوره في عمق التاريخ، مثل قصص الجنوب حول ملوك اليمن الحميريين التبابعة وغزواتهم وفتوحاتهم وأبطالهم، وقصص الفتوة والحروب قبل الإسلام بين القبائل العربية، ومنها أيام العرب، وقصص الأنبياء في كتب التفسير والتاريخ على أن هذا النوع من القصص قومي، وانتقد كعب الأحبار والإسرائيليات، وربط تفسير القرآن بالتوراة، ومثلها الطرائف، ومنها سجع الكهان وتفسير الأحلام والحكايات والنوادر وقصص الحيوان، ليخلص إلى نتائج هامة، ما تزال قيد الرفض والقبول، وهي «أن القصص الجنوبي يمثل بطولة الجنوب المتفوقة وموقف سيادة ملوك الجنوب القحطانية، وأن قصص الفتوة تمثل مرحلة الانتماء والتعرف على مكونات بطولة العربي، وإذا قلنا أن القصص الديني يمثل التبشير بالأديان والعقائد، فإننا نستطيع أن نقول: إن حكايات النوادر تمثل العمق الاجتماعي والمتبقيات السلوكية والقيم الأخلاقية للإنسان العادي في تفاعله مع الأحداث ومع عمقه التاريخي، ومع الموروث المعروف في عالمه كلّه بحثاً عن الرؤية الواضحة لمسيرة الإنسان»([59]).
وقد تزامن نقاش هذه الأطروحات على استحياء ونبرات تقليدية، في أعمال نقدية مبكرة أو تالية تسبح في مائها، مثل: «تاريخ القصة والنقد في الأدب العربي» (1956) للسباعي بيومي و«القصة في الأدب العربي القديم» (1960) لمحمود ذهني، و«القصة في الأدب العربي القديم» (1968) لعبد المالك مرتاض، و«القصص في أدب العرب» (1978) لمحمود تيمور، و«الفن القصصي العربي القديم» (1975) لعزة غنام، و«القصة العربية في العصر الجاهلي» (1977) لعلي عبد الحليم محمود، وغيرها.
ويعد الكتاب الأخير أكمل نموذج للمحاجة الصادقة والمتحمسة دفاعاً عن أصالة القصة العربية على الرغم من غلبة المنظور التقليدي في فهم القصة على البحث، كما في تعريفاته للقصة والقصة القصيرة والرواية والحكاية والأسطورة والخرافة، والتزامه بهذه التعريفات، في مجادلته من ينكرون هذه الأصالة، مما جعله يقع في تناقضات مع أطروحته المركزية، كما في قوله عن القصة القصيرة: «هذه التسمية لنوع من القصة لم يعرف في الأدب العربي إلا حديثاً، متأثرة بالأدب الغربي، ثم أخذت تنمو وتتطور حتى أصبح لها كيانها الخاص وموقعها المستقل وموضوعها الأصيل الذي تستقيه من واقعنا بما فيه من آمال وآلام، ومن وجداننا مما ينطوي عليه من أحاسيس ومشاعر»([60]). لا يعول المختصون كثيراً على بحث علي عبد الحليم محمود إلا في فائدته التوثيقية لآراء بعض المستشرقين في القصة العربية وتعليقه على هذه الآراء ومناقشته لها من جهة، وعلى جمعه لأنواع القصص الباقي من العصر الجاهلي، وجذورها من جهة أخرى. وبلغت العناية بوعي التراث القصصي والسردي إلى ذرى متعددة نشير إلى ذروتين منها، الأولى هي وعي التراث السردي الفولكلوري، ولا سيما السير الشعبية، والثانية هي وعي التراث الأسطوري.
شهدت الستينيات انطلاقة البحث في التراث الشعبي ولا سيما القصص والسير بفضل جهود عبد الحميد يونس ومحمد فهمي عبد اللطيف (وكان أصدر أول دراسة في مصر عن الأدب الشعبي هي «أبو زيد الهلالي»)، وفؤاد حسنين، وشوقي عبد الحكيم، ونبيلة إبراهيم وأحمد مرسي وغيرهم.
ويوجد أمثال لهؤلاء الرواد والباحثين في أكثر الأقطار العربية، ففي سورية نشير إلى جهود إلفة الإدلبي في كتابها «نظرة في أدبنا الشعبي» (1972) وعادل أبو شنب في كتابه «كان يا ما كان» (1972)، وبسام ساعي في كتابه «الحكايات الشعبية في اللاذقية» (1974) وغيرهم، وفي فلسطين نذكر جهود عمر عبد الرحمن الساريسي في كتابه «الحكاية الشعبية في التجمع الفلسطيني: دراسة ونصوص» (1980)... الخ.
ومن المفيد أن نشير إلى غالبية هذه البحوث لم تصدر عن متخصصين بالأدب الشعبي، أي أن تنبيه الرواد إلى قيمة الأدب الشعبي الحكائي والملحمي والسيري دفعت هؤلاء الأدباء والباحثين إلى وعي هذا الموروث السردي جمعاً بالدرجة الأولى، وتحليلاً فنياً على نحو قليل.
لقد صرح عادل أبو شنب في مدخل دراسته المشار إليها، وهي دراسته اليتيمة في هذا الميدان، إلى انبثاقها من وعي بالهزيمة في حرب حزيران 1967، مما يشير إلى ارتباط مثل هذه الأبحاث بمعاني وعي هذا التراث في تعضيد الذات القومية، وهي نغمة مكرورة في غالبية أبحاث وعي التراث الشعبي، وقد قطع أبو شنب جازماً بسلبية قيمة المتوارثة على نحو شعاري مما يتعارض مع بحوث آخرين، «فالحكاية إرث متوارث معشش في كل بيت، يبث الخرافة، ويعلم ما هو غير منسجم مع عصر التكنولوجيا، ويعود بالإنسان العربي إلى عصر الانحطاط»([61]).
واعترف محمد بسام ساعي في كتابه «الحكايات الشعبية في اللاذقية» (1974) أن بحثه حصيلة خمسة أعوام من البحث تمتد ما بين عامي 1965 و 1969، هي الفترة نفسها التي اتجه فيها الرواد والباحثون إلى دراسة السرد الشعبي، ومهد ساعي للحكايات التي جمعها بدراسة إجمالية لا تعنى بالفن أو السرد إلماحاً إلى تعبير هذه الحكايات الاجتماعي، وهو ما يطبع غالبية الدراسات آنذاك، وقد التفت ساعي عن طرق تصنيف الحكايات المعروفة عالمياً، مكتفياً بتقسيم الحكايات إلى ثلاثة أقسام بالنظر إلى موضوعها، ثم أحس بوقوع ثغرات «عندما كنت أقف طويلاً أمام بعض الحكايات، وأنا حائر في أية فئة أصنفها»([62])، مما يوضح ذلك الإقبال على وعي التراث السردي الشعبي دون عدة كافية لدى دارسيه وباحثيه. وكذلك فعل محمد خالد رمضان في جمعه لـ«حكايات شعبية من الزبداني» (1977) حين عني بجمع الحكايات دون أن يبذل، أدنى مجهود، في بحثها وتبيان قيمتها الفنية.
غير أن وعي التراث السردي الشعبي تطور خلال فترة قصيرة إلى أبعد من جمع الحكايات، باتجاه بحثها فنياً ودرسها دراسة مقارنة، كما في كتاب عمر عبد الرحمن الساريسي «الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني: دراسة ونصوص» (1980). ولا شك في أن دوافع هذه الأبحاث المعلنة مخصوصة بتزجية البعد القومي، حين ذكر الساريسي بين يدي بحثه أنه دلف «إلى مكتب الدكتورة نبيلة إبراهيم في كلية الآداب بجامعة القاهرة في يوم قائظ من صيف عام 1969 (لاحظ التاريخ!) وطلبت إليها أن تساعدني في خدمة قضية وطني المنهوب، عن طريق الإشراف على بحث في المأثورات الشعبية «الفولكلور» الفلسطينية»([63]).
كان عبد الحميد يونس الرائد الأكثر أهمية في التنبيه إلى القيمة السردية والفنية للقصص الشعبي من خلال كتابيه «الهلالية في التاريخ والأدب» (1968)، و«الظاهر بيبرس في القصص الشعبي» (1969). وتتلامح في شغل يونس أمور ثلاثة أولها العناية، بعد إهمال، للأدب الشعبي بوصفه الأدل على بيئته من أدب الخواص وأشباه الخواص، والذي يترجم مشاعر عامة أكثر مما يترجم عن مشاعر خاصة، لأن الأدب الشعبي هو الوحيد الذي يندرج فيه الأدب الجماعي، وثانيها بعده القومي، فالأدب الشعبي يدعم البحث التاريخي، ويعزز جهود الأصالة الثقافية، ويقارب قيمة الوثائق التاريخية التي لا يرقى إليها الشك، في أسلوبها، من باب ارتباط الأدب بالتاريخ، فالآثار الأدبية لا يمكن أن تفهم على وجهها الصحيح إلا على أساس من التاريخ، مثلما يصبح الأدب الشعبي مصدراً من مصادر التاريخ، وكان عبد الحميد يونس أصدر كتابه الشهير «دفاع عن الفولكلور» (1973) لمواجهة النزعات المعادية لدراسة الأدب الشعبي، وللتوكيد على أن الأدب الشعبي حافظ للهوية القومية، وليس مشتتاً لها، وثالثها الحرص على القيمة الجمالية والتعبيرية للأدب الشعبي عبر الأخذ بمنهج النقد الفني، «وهي تقتضينا كذلك أن نتعرف إلى المنشئ، وأن نرصد مدى المطابقة بينه وبين ما أنتج من صور التعبير، ثم تتخطى ذلك إلى مرحلة أخرى، فنقيس انعكاس صور التعبير هذه في نفس المتذوق»([64]).
ويبدو اهتمام يونس بالبعد القومي للأدب الشعبي الأكثر جلاء في مقارناته للهلالية بين التاريخ والمجتمع والأدب، وبين الهلالية وسيرة الظاهر بيبرس، كما في قوله: «وتزاوج هذين العنصرين الغنائيين الأساسيين الغرامي والحربي، أو الحب والبطولة هو الذي تكونت فيه سيرة بني هلال في صورتها الأخيرة، وقد بلغ هذا التزاوج أوجه في الديوان الخاص بالجازية الذي يقوم على إيثار الحبّ القومي العام على الحب الخاص»([65]).
ولم يغفل يونس، وهو يتقصى الأبعاد القومية والجمالية والحكائية للهلالية، عن مناهضة آراء بعض المستشرقين الجائرة بحق الموروث السردي للشعب العربي، فنافح عن السير الشعبية العربية إزاء رأي المستشرق الفرد بل Bel، الذي زعم أن سيرة بني هلال لا تبلغ أغنية رولاند، لا من حيث التركيب، ولا من حيث الأبطال، ولا من حيث الواقع. و«هو يرى أن الفرنسية قد صدرت عن إيمان عميق ووطنية خالصة، في حين أن العربية إنما هي في أغلب أجزائها حلقات متصلة من الغدر والاغتصاب والسرقة. فإن تتبع القصائد المعبرة عن الوقائع والحروب المشجعة عليها تنقض هذا الزعم من أساسه»([66]).
وتوج يونس جهوده في البحث عن الفولكلور وتشجيع الوعي به، إصداره لـ«معجم الفولكلور» (1983).
وتمثل أبحاث شوقي عبد الحكيم (مصر) الوعي بالتراث السردي الشعبي بما هو وعي بالتاريخ، فأفاد أن منطلقات البحث التراثي التاريخي الذي يجري تطبيقاته على نماذجه العينية الميدانية والمستهدف إعادة التبصير بالتراث، وصنوه التاريخ، أثنوغرافية لعلم الثقافة.
لقد عمد عبد الحكيم في كتابته لسيرة الزير سالم إلى جعل الحكايات رموزاً وعلامات وشعائر، إذ «عادة ما يتوارى التاريخ في ثنايا مثل هذه السير والملاحم الأسطورية العربية، ذلك أن التاريخ الأسطوري أو الطوطمي، تخالط الخرافة فيه التاريخ العيني أو الأركيولوجي»([67])، ليبدو الزير سالم تجسيداً للبطل الشعبي المقاتل و«ما أشبه هذا البطل الشعبي الفلسطيني المقاتل المهلهل بشعبه الذي نبت من صفوفه، في افتقاده لكلا أرضه وتراثه»([68]).
استفاد عبد الحكيم قليلاً من العلامية والأسلوبية ولم يوضح سنده أو مرجعيته العلمية، معولاً على الارتهان السياسي لهذه العلامات، كأن يقول:
«فلعلنا بإزاء ملحمة فلسطينية موغلة من القدم، بطلها الزير سالم، وسلم، الذي يشير اسمه إلى تسمية القدس أو أورشاليم، أو مدينة سالم، كما أنه نبت وتربى في وادي بير سبع أو بئر سبع، قبل تواجدها التاريخي ـ الفلسطيني الحالية، واتخاذها، كما ستخبرنا السيرة موطناً ومنفى»([69]).
وجه عبد الحكيم اهتمامه الرئيس إلى الأساطير والحكايات الشعبية العربية، في كتبه «أساطير وفولكلور العالم العربي» (1974)، و«الفولكلور والأساطير العربية» (1978)، و«الحكايات الشعبية العربية» (1980)، وحذا حذو يونس، فوضع «موسوعة الفولكلور والأساطير العربية» (1982)، وقد أكد في كتابه «الفولكلور والأساطير العربية» على أن «معظم السير والملاحم والقصص الشعرية الطقوسية التي يجمعها دارس الفولكلور في مصر، يمكن أن يعثر على متنوعاتها زميله التونسي والعراقي والليبي في بلاده، مثل: سيف بن ذي يزن، وسيرة الهلالية أو بني هلال، وسير وملاحم التبابعة ـ جمع تبع ـ مثل الزير سالم، وعزيزة ويونس، ويوسف وزليخة، وسارة وهاجر، والقميص، قميص النبي محمد(ص)، وزرقاء اليمامة، وبراقش، وعلي الزيبق، والأميرة ذات الهمة»([70]). كان عبد الحكيم صريحاً في إعلان موقفه القومي الصريح في بحثه عن الأدب الشعبي العربي في موسوعته، مثلما طور هذا الموقف ذاته من الإطار المصري إلى رحاب العروبة، فاختار موضوعات موسوعته «من منطلق عربي قومي، خاصة التراث الموغل في كلا العراقة والقدم للجزيرة العربية بأوطانها وكياناتها المختلفة، وما كان يسود تراثها منذ أقدم العصور من سمات وخصائص وإخصاب جارف، تمثل في أن وطننا العربي يعتبر اليوم من أهم المخزونات الإنسانية على المستوى القاري»([71]).
وثمة إسهامات أخرى لعدد من الباحثين والنقاد في دراسة الأدب الشعبي، متضمنة استعادته في أشكال سردية حديثة، مثلما فعل أحمد عباس صالح (مصر) في كتابه «ثأر ابن عنترة ـ دراسة تطبيقية في الأدب الشعبي» (1973)، وقد أراد أحمد عباس صالح، من معالجته الجديدة للسيرة، نفحة إرادة قومية، لأن «البطل العربي المعاصر، وإن يكن في مأزق حقاً، إلا أن عليه أن يفتش عن مخرج، وبما أن ليس هناك مأزق كامل، فلابد من وجود المخرج. إن روح الإصرار، والذكاء الخارق الذي تقدحه الأزمة. هو ما يمثله عنترة، وهو دائماً، وكما تصوره العقل العربي، يجد مخرجاً، ويحقق الانتصار»([72]).
وتندرج في هذا الاتجاه عشرات الأبحاث والدراسات العربية الأخرى، كما في دراسة علي الخليلي «البطل الشعبي في الحكاية الشعبية» (1979) «التي تلح على تكريس وجودنا التاريخي بالتشبث الواعي والمدروس بتراثنا الشعبي»([73]). وقد آثرت أن أشير إلى هذه الدراسة لأنها مكتوبة بقلم فلسطيني يعيش في ظل الاحتلال الصهيوني في مدينة نابلس، علامة من علامات وحدة الوعي العربي.
2-6-2- البحث عن التراث السردي الأدبي:
طفق الباحثون والنقاد العرب يبحثون عن تراثهم السردي، وتميز عقدا السبعينيات والثمانينات بوفرة الجهود العلمية في هذا المنحى، وكانت «المقامة» الفن الأقرب منالاً والأكثر مقاربة لمفهوم السرد الناجز، فتعددت محاولات تصنيفها وشرحها ودرسها، وكان كتاب شوقي ضيف (مصر) التعريفي الموجز «المقامة» (1954) منطلقاً لدراسات هذا الفن السردي جنساً قصصياً وأدبياً عربياً، كما في أعمال «فن المقامات في الأدب العربي» (1970) لعبد المالك مرتاض (الجزائر)، و«أثر المقامة في نشأة القصة المصرية الحديثة» (1971) لمحمد رشدي حسن (مصر)، و«فن المقامات بين المشرق والمغرب» (1979) ليوسف نور عوض (مصر)، و«مقامات بديع الزمان الهمذاني» (1982) لفاروق سعد (لبنان)، و«مقامات بديع الزمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد» (1983) لإكرام الفاعور (لبنان)، و«أزمة الذات في مقامات الهمذاني» (1996) للمنصف شعرانة (تونس).
وربما كانت دراسة عبد المالك مرتاض «فن المقامات في الأدب العربي» الأنموذج الأكمل في البحث عن هذا الفن السردي الموروث، فهي تمثل دراسة مرتاض مزايا النقد التقليدي ومحدوديته، ولا سيما تكرار متواتر القول حول الموضوعات المدروسة، إذ تغلب على الدراسة حدود المقامة اللغوية وتطورها عن النثر العربي القديم من سجع الكهان إلى الشبه بين الاسكندري وخالد بن يزيد، بطل الجاحظ، إلى تلمس أصولها في أحاديث ابن دريد، وهي صلات شاحبة واهية لصلتها بمقامات الزهاد. وقد استطرد في تقصيه دون أن يجزم في رأي، أو يضيف إلى الآراء المعروفة، وعلى الرغم من عثوره على مقامات غير معروفة، فإن تتبعه لنشأة المقامات لا تغطي ذلك التباين الواسع في أنواع المقامات وأعدادها، فهو أشار على سبيل المثال إلى مقامة السيوطي الإيروتيكية، ثم جاوزها، وجاوز مقامات أخرى عند حديثه عن تطور فن المقامات مقتصراً على طرائق ابن قتيبة والبديع والزمخشري، وعلى إلماحة عجلى لمقامات سارت على خطط فنية مختلفة غير مستوعبة لبقية خطط المقامات.
ونلاحظ أن معالجة مرتاض للخصائص الفنية للمقامات عنيت بالمضمون أولاً، وبالخصائص الفنية للشكل ثانياً، تغليباً للغة على حساب البنية القصصية، وعندما ناقش نصيب القصة والخيال في المقامة سار على غرار الشكل القصصي الغربي الناجز، مرتهناً لأدوات النقد التقليدي وتواضعه الإبداعي حين يحصر تأثير المقامات في الأسلوب واللغة فحسب، كدراسة التشبيهات وإبراز خصائصها الفنية، ودراسة الاستعارة والكناية في المقامات، وفن البديع ولا سيما المقابلة والطباق والتورية والجمع والألغاز والسجع والاقتباس والتضمين والقلب ورد العجز على الصدر، وتعليل انعدام الموازنة.. الخ، ومن شأن هذا الاستغراق اللغوي أن يغيّب السرد وخصائص الحكائية، ويتضح ذلك في مجموعة العناصر التي تقوم عليها المقامة، وكانت حوصلة بحثه:
«أولاً: القالب العام للمقامة ودراسته من مختلف النواحي.
ثانياً: الأسلوب والصياغة، وقد تضمن دراسة اللغة والتراكيب بتوسع، مع وقوف عند الغريب، والأنيق من اللفظ.
ثالثاً: التصوير البياني، وقد تضمن:
- دراسة التشبيهات وإبراز خصائصها الفنية بتوسع.
- دراسة المجازات والاستعارات، بشيء من التوسع.
رابعاً: فن البديع في المقامات، وتضمن البحث فيه دراسة معظم المحسنات البديعية الواردة في المقامات مع الإتيان بأمثلة لها، وقد تناولت الدراسة ما يلي:
- المقابلة.
- الطباق.
- التورية.
- الجمع.
- الألغاز.
- الجناس بتوسع، مع الإتيان بأمثلة كثيرة من مختلف المقامات.
- السجع، بتوسع أيضاً، ويجلب طوائف كثيرة من الشواهد النصية من المقامات.
- الاقتباس والتضمين، بتوسع وتفصيل.
- الموازنة.
- القلب، أو ما لا يستحيل بالانعكاس.
- رد العجز على الصدر.
- العكس»([74]).
ثم استدرك مرتاض فيض بحثه اللغوي والنحوي والبديعي الخالص إلى دراسة خجولة لقضية القصة في المقامة، ومدى قوة الخيال فيها أو ضعفه، ليخلص إلى اشتمالها على الحبكة والشخصيات والعقدة، ولكنه درسها أيضاً من منظور لغوي وبلاغي.
2-6-2-1- القصة:
وما لبث البحث عن التراث السردي أن وقع على نماذج من القصص العربي بصورها الأولى من الجاهلية أو المتطورة عنها بتأثير الإسلام، اعتماداً على تصنيف دارسي الأدب العربي القديم المتمثل في جهود محمد أحمد جاد المولى وزملائه في كتابهم المعروف «قصص العرب» (1939)، أو تثميراً لاجتهادات دارسين متأخرين أمثال موسى سليمان في كتابه الضخم «الأدب القصصي عند العرب» (1983)، وحسين أحمد أمين في كتابه «ألف حكاية وحكاية من الأدب العربي القديم» (1984). ورضوان السيد في تحقيقه لـ حكاية «الأسد والغواص» (1978).
أما الأبرز في جهود البحث عن التراث السردي فهو موسى سليمان في كتابه السالف الذكر، ويقع في خمسة مجلدات، حوى المجلد الأول دراسة نقدية للقصص العربي في أنواعه وألوانه جميعها، وخصص المجلدات الأربعة الأخرى لمختارات من القصص العربي الدخيل (لاحظ التسمية!) والأصيل، لأنه يوزع القصص إلى دخيل أو منقول، وهو الذي اقتبسه العرب عن غيرهم اقتباساً، وقصص موضوع أو عربي صميم، وهو من وضع العرب، ومن نماذج المنقول «كليلة ودمنة» و«هزار افسانه» عن الفارسية، و«سندباد الكبير والصغير» و«ألف ليلة وليلة» أو بعض حكاياتها عن الهندية، وهذا رأي لم يعد مقبولاً إثر اكتشاف أصول عربية لهذا السفر الخالد([75]).
ولا نغفل في هذه الإلماحة عن قصص العشاق النثرية التي دعمت البحث في التراث السردي، وتزخر كتب التراث بهذا النوع القصصي الذي نشأ في أحضان الإسلام الأول، واتسع في العصرين الأموي والإسلامي، ونفع في تطور الفن القصصي الذي كان يواجه الاستنكار والإكراه، ويلحظ عبد الحميد إبراهيم (مصر) في كتابه «قصص العشاق النثرية في العصر الأموي» (1972) أن شخصية الراوي ظهرت في هذا النوع القصصي أقرب إلى النضوج، إذ فقد اسم «الراوي» المعنى الحقيقي، وهو الحرص على صحة الخبر، والرجوع به إلى مصادره الحقيقية، و«أصبح ـ كما في القصص الشعبي ـ خيالاً يخترع للحلية والتمويه. وهذا يجعلنا نتحرج أشد الحرج في قبول أسماء كثير من الرواة فما أسهل أن يخترع اسم راو، كما يخترع بطل قصة، أو كما يخترع أي عنصر من عناصر القصة، وإذا كان أحد الشعراء قد سئل عن ليلى التي يشبب بها، فقال هي قومي، فليس ببعيد أن يسأل رجل عن هذا الراوي الذي ذكره، فيقول: هو عصاي»([76]).
2-6-2-2- الخبر:
وعني الباحثون والنقاد بفن الخبر على أنه مقاربة لفن القصة مقايسة للقصة القصيرة في معمارها الغربي، كما أوضحت في كتابي «القصة العربية الحديثة والغرب» (1994)، ونمت نظرة جديدة إلى فن الخبر على أنه فن قصصي، كما في الأبحاث التالية «فن الخبر في تراثنا القصصي» (فصول 1984)، و«النص الأدبي: مظاهر وتجليات الصلة بالقديم» (1988) لصدوق نور الدين (المغرب).
2-6-2-3- المسامرة والمنادمة:
رأى الباحثون في أخبار الجلساء والندماء مادة سردية غنية بالأحاديث والحوارات، بل إن كثيراً منها يتلفع بمتن حكائي. وقد صوب جمال سرحان (فلسطين) في كتابه الرائد في هذا المجال «المسامرة والمنادمة عند العرب حتى القرن الرابع الهجري» (1981) النظرة إلى مفهوم مجالس المسامرات والمنادمات، إذ لم تكن مخصصة للعبث واللهو ومعاقرة الخمر، ولكن، وبعد عرض تاريخي استطاع الدارس أن يزيل ذلك عندما تناول المجالس المختلفة في بلاط ذوي السلطان، فوجد أن جانباً من تلك المجالس كان مخصصاً لإنشاد الشعر أو المناظرات العلمية، أو الأحاديث الدينية أو الدنيوية، هذا بالإضافة إلى جانب آخر عني بالغناء والعبث والمجون»([77]).
ومن الواضح أن سرحان اهتم بأثر المسامرات والمنادمات على الأدب بعامة، دون أن يتقصى طابعها السردي، بينما حفل كتابه بمسامرات ومنادمات على هيئة الخبر أو الحكاية أو القصة.
2-6-2-4- المناظرات:
ووجد الباحثون في المناظرات والجدل مادة قصصية وسردية، مما جعلها مجالاً من مجالات البحث عن التراث السردي. ولا يخفى أن النقد الأدبي غفل عنها باستثناء إشارات لدى مؤرخي الأدب العربي القديم، وقد غمط بعض
[1]. رشدي، رشاد: «فن القصة القصيرة» ـ دار العودة ـ بيروت ـ الط2 ـ 1975 ص7.

[2]. النابلسي، شاكر: «تشيكوف والقصة القصيرة» ـ دار الفكر القاهرة 1963 ـ ص ص 12-13.

[3]. ركيبي، عبد الله: «تطور النثر الجزائري الحديث» المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر- 1978 ص ص 5-6.

[4]. المصدر نفسه ص ص 199-200.

[5]. الحازمي، منصور إبراهيم: «فن القصة في الأدب السعودي الحديث» دار العلوم للطباعة والنشر- الرياض، ص39.

[6]. يستند الحازمي هنا إلى أدوين موير في كتابه المعروف باللغة العربية «بناء الرواية»، ولكنه عاد إليه في نصه الإنجليزي.

[7]. المصدر السابق نفسه ص52.

[8]. المديني، أحمد: «فن القصة القصيرة بالمغرب ـ في النشأة والتطور والاتجاهات» ـ دار العودة بيروت 1980 ـ ص ص 7-8.

[9]. المصدر نفسه ص8.

[10]. المصدر نفسه ص ص 257-258.

[11]. غلوم، إبراهيم عبد الله: «القصة القصيرة في الخليج العربي ـ دراسة نقدية تحليلية» ـ منشورات مركز دراسات الخليج العربي ـ جامعة البصرة ـ مطبعة الإرشاد ـ بغداد 1981 ـ ص713.

[12]. مكي، الطاهر أحمد: «القصة القصيرة: دراسة ومختارات» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ الط2 ـ 1978 ـ ص5.

[13]. مينة، حنا: «هواجس في التجربة الروائية» ـ دار الآداب ـ بيروت ـ 1982 ـ ص5.

[14]. مينة، حنا: «حوارات: وأحاديث في الحياة والكتابة الروائية» (تحرير وتقديم محمد دكروب) ـ دار الفكر الجديد ـ بيروت 1992 ـ ص7.

[15]. الخراط، أدوار: «الحساسية الجديدة ـ مقالات في الظاهرة القصصية» ـ دار الآداب ـ بيروت ـ 1993 ـ ص ص 15-19.

[16]. الخراط، أدوار: «أنشودة الكثافة» ـ دار المستقبل العربي ـ القاهرة ـ 1995 ـ ص5.

[17]. المصدر نفسه ـ ص9.

[18]. المصدر نفسه ـ ص121.

[19]. الخراط، إدوار: «مهاجمة المستحيل ـ مقاطع من سيرة ذاتية للكتابة» ـ منشورات المدى ـ دمشق 1996 ـ ص4.

[20]. الربيعي، عبد الرحمن مجيد: «رؤى وظلال: نقد ودراسات» ـ نقوش عربية ـ تونس 1994 ـ ص256.

[21]. الربيعي، عبد الرحمن مجيد: «من سومر إلى قرطاج: قراءات في الأدب العربي المغاربي» ـ دار المعارف للطباعة والنشر ـ سوسة ـ تونس 1997 ـ ص235.

[22]. بدر، عبد المحسن طه: «حول الأديب والواقع» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ الط2 ـ 1981 ـ ص6.

[23]. المصدر نفسه ص10.

[24]. المصدر نفسه ص3.

[25]. الطالب، عمر: «الاتجاه الواقعي في الرواية العراقية» ـ دار العودة ـ بيروت 1971 ـ ص11.

[26]. مروة، حسين: «دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي» ـ دار الفارابي ـ بيروت ـطبعة ثانية مزيدة ومنقحة ـ 1976 ـ ص6.

[27]. المصدر نفسه ص7.

[28]. المصدر نفسه ص7.

[29]. فضل، صلاح: «منهج الواقعية في الإبداع الفني» ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1978 ـ ص8.

[30]. المصدر نفسه ص273.

[31]. المصدر نفسه ص333.

[32]. سماق، فيصل: «الواقعية في الرواية السورية» ـ مطابع دار البعث الجديدة ـ دمشق 1979 ـ ص7.

[33]. المصدر نفسه ص223.

[34]. صبحي، محي الدين: «دراسات ضد الواقعية في الأدب العربي» ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشرـ بيروت 1980 ـ ص7.

[35]. المصدر نفسه ص6.

[36]. المصدر نفسه ص8.

[37]. عبود، حنا: «واقعية ما بعد الحرب في الأدب والنقد والشعر» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1980. ص ص 5-8.

[38]. المصدر نفسه ص ص 8-9.

[39]. الشاوي، عبد القادر: «سلطة الواقعية ـ مقالات تطبيقية في الرواية والقصة» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1981 ص12.

[40]. المصدر نفسه ص27.

[41]. المصدر نفسه ص34.

[42]. الشاوي، عبد القادر: «النص العضوي ـ سلخ الجلد نموذج دراسي» ـ دار النشر المغربية ـ الدار البيضاء 1982 ـ ص5.

[43]. المصدر نفسه ص131.

[44]. بدير، حلمي: «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية الحديثة في مصر» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ 1981 ـ ص7.

[45]. الفيصل، سمر روحي: «الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية» ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 1986 ـ ص24.

[46]. المصدر نفسه ص28.

[47]. المصدر نفسه ص ص 33-37.

[48]. العوفي، نجيب: «مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية من التأسيس إلى التجنيس» ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ الدار البيضاء ـ 1987 ـ ص7.

[49]. عثمان، عبد الفتاح: «الرواية العربية الجزائرية ورؤية الواقع ـ دراسة تحليلية فنية» ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1993 ـ ص10-11.

[50]. المصدر نفسه ص14.

[51]. المصدر نفسه ص147.

[52]. الفيصل، سمر روحي: «التطور الفني للاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية» ـ دار النفائس ـ بيروت 1996 ـ ص ص 225-226.

[53]. بركات، وائل: «الواقعية الاشتراكية ـ المغامرة والصدى ـ دراسة مقارنة» ـ منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق 1997 ـ ص3.

[54]. المصدر نفسه ص6.

[55]. المصدر نفسه ص194.

[56]. خورشيد، فاروق: «في الأصول الأولى للرواية العربية» ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1992 ـ ص7.

[57]. المصدر نفسه ص ص 14-15.

[58]. المصدر نفسه ص ص46-47.

[59]. المصدر نفسه ص ص158-159.

[60]. محمود، علي عبد الحليم: «القصة العربية في العصر الجاهلي» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ الط2 ـ 1979 ـ ص19.

[61]. أبو شنب، عادل: «كان يا ما كان ـ دراسة أدبية اجتماعية للحكايات الشعبية وأثرها في تكوين شخصية الفرد» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1978 ـ ص ص7-8.
ونلاحظ أن لغة الباحث تعاني من هيمنة الشعارات، ناهيك عن قلق التعبير، وافتقاده لدلالته الاصطلاحية، كما في استعمال «يبث الخرافة»، على أنها صفة مذمومة، بينما «الخرافة» نوع من أنواع النثر القصصي القديم.

[62]. ساعي، أحمد بسام: «الحكايات الشعبية في اللاذقية» منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي ـ دمشق 1974 ـ ص37.

[63]. الساريسي، عمر عبد الرحمن: «الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني ـ دراسة ونصوص» ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1980 ـ ص5.

[64]. يونس، عبد الحميد: «الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي» ـ دار المعرفة ـ القاهرة ـ الط2 ـ 1968 ـ ص15.

[65]. المصدر نفسه ص159.

[66]. المصدر نفسه ص158.

[67]. عبد الحكيم، شوقي: «الزير سالم أبو ليلى المهلهل» ـ ابن خلدون ـ بيروت 1981 ـ ص8.

[68]. المصدر نفسه ص9.

[69]. المصدر نفسه ص17.

[70]. عبد الحكيم، شوقي: «الفولكلور والأساطير العربية» دار ابن خلدون ـ بيروت 1978 ـ ص17.

[71]. عبد الحكيم، شوقي: «موسوعة الفولكلور والأساطير العربية» ـ دار العودة ـ بيروت 1982 ـ ص19.

[72]. صالح، أحمد عباس: «ثأر ابن عنترة ـ دراسة تطبيقية في الأدب الشعبي» ـ كتاب روز اليوسف ـ القاهرة 1973 ـ ص34.

[73]. الخليلي، علي: «البطل الفلسطيني في الحكاية الشعبية» ـ دار ابن خلدون ـ بيروت ـ الط2 ـ ص1979 ـ ص8.

[74]. مرتاض، عبد الملك: «فن المقامات في الأدب العربي» ـ المؤسسة الوطنية للكتاب ـ الجزائر والدار التونسية للنشر ـ تونس ـ الط2 ـ 1988 ـ ص ص 544-545.

[75]. لا يماري أحد اليوم في نسبة «ألف ليلة وليلة» إلى الثقافة العربية الشعبية، فقد كشف محسن مهدي (العراق)، أستاذ الدراسات العربية بجامعة هارفرد عن مخطوطات عربية قديمة، طبعها في شركة بريل للنشر بليدن (هولندا ـ 1984) تحت عنوان كتاب «ألف ليلة وليلة من أصوله العربية الأولى»، وقد كتبت عن هذه القضية مقالة فاحصة في كتابي «عن التقاليد والتحديث في القصة العربية» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1993 ـ ص ص285-298.

[76]. إبراهيم، عبد الحميد: «قصص العشاق النثرية في العصر الأموي» ـ دار الثقافة ـ القاهرة 1972 ـ ص125.

[77]. سرحان، جمال: «المسامرة والمنادمة عند العرب حتى نهاية القرن الرابع الهجري» ـ دار الوحدة ـ بيروت 1981 ـ ص5.





Eng.Jordan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #3

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 15,131

   11-26-2012

 09:33 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

الباحثين قيمة المناظرات السردية والقصصية، وإن أقروا باتساع الخيال ضمن خصائصها، وفي أحاديثها الحكائية، كما في كتاب أحمد أمين مصطفى (مصر) «المناظرات في الأدب العربي إلى نهاية القرن الرابع» (1984) الذي يؤكد مؤلفه «أن المناظرات كانت سبباً مهماً من الأسباب التي عملت على وضع قواعد علم البلاغة وتأليف صحائف في علم البلاغة، حيث كان المتناظرون حريصين على كلّ ما يمكن لهم عند المستمعين، ويجعل كلامهم يصل أعماق القلوب»([1])، ويفيد هذا الرأي أن أمثال هؤلاء الباحثين لم يلتفتوا إلى القيمة السردية للمناظرات على الرغم من أن غالبيتها تصاغ بأساليب السرد. وثمة آراء مضللة لدى أحمد أمين مصطفى بتأثير الاستشراق حين تعريفه للمناظرة، أو حين حديثه عن نشأتها، جازماً «أن فن المناظرة لم يعرف إلا بعد ظهور الإسلام»([2]).
ثم تطور البحث في المناظرات نحو الاهتمام بما تحمله من أصول الأجناس الأدبية السردية كالقصة والرواية، وفي اكتناز نصوصها للتخييل، كما في كتاب عبد الله التطاوي (مصر) «الجدل والقص في النثر العباسي» (1988). وقد أعلن في مقدمته عن وقفته المتأنية «عند ملامح القص باعتبارها ظواهر فنية متميزة لدى بعض مثقفي العصر ممن أعجبتهم مواهبهم الخاصة، فراحوا يرصدونها فناً جماهيرياً يستمتعون بانعكاساته على الناس»([3]).
وغني عن القول، إن الانتباه لقابليات الجدل القصصية، وهي مادة المناظرات الأساسية، ساعد في معرفة الانتقالات الكبرى في مناهج الكتابة النثرية باتجاه تطور فنّ القصّ، ويوضح التطاوي كيفية تأثير الجدل على تطور عناصر القصة في المقامة المغيرية مثالاً، وتطور أسلوب القص الواقعي في مقامات الحريري من خلال «المقامة الإسكندرانية» وطبيعة القص الخيالي في «رسالة الغفران»، وهي كتابات تندرج في ذلك الجدل الذي استخدم باتساع في الأدب العربي القديم.
2-6-2-5- السيرة الذاتية:
ونشط البحث عن السيرة الذاتية بذاتها، ثم بوصفها سرداً، وأطلق لأول مرة شوقي ضيف (مصر) في كتابه «الترجمة الشخصية» (1956)، وتلاه محمد عبد الغني حسن (مصر) في كتابه «التراجم والسير» (1957). وتعزز البحث في السيرة عبر إقدام نشر سير تراثية أو إعادة صوغها، مثلما فعل فريد جحا ومحمود فاخوري (سورية) في نشرهما «لسيرة ابن سينا» (1981)، أو مصطفى نبيل (مصر) الذي أعاد صوغ بعض السير في كتابه «سير ذاتية عربية» (1992).
غير أن شوقي محمد المعاملي (مصر) خطا خطوات واسعة في البحث عن التراث السردي من خلال السيرة الذاتية في كتابه «السيرة الذاتية في التراث» (1992)، أقر بأن السيرة الذاتية اصطلاح مستحدث، في الوقت الذي رأى فيه أن تراثنا حامل نتاج غزير ينتمي إلى هذا الجنس الأدبي، مثلما لاحظ تسرع بعض النقاد والدارسين في إنكار وجود عدد من الفنون في تراثنا كالقصة والمقالة والسيرة الذاتية، وفي هذا كله شيء من التناقض، سرعان ما بدده إيمانه أثناء دراسته «للترجمة الذاتية في أدبنا الحديث أن مجرى هذا الفن في ثقافتنا العربية موصول لا ينضب، وليس صحيحاً ما يتوهمه بعضهم من أن الذين ترجموا لأنفسهم في العصر الحديث كانوا مقلدين للغربيين في جميع الأحوال»([4]).
غدا المعاملي مدافعاً عن أصالة السيرة الذاتية في الموروث السردي، فانتقد آراء المستشرقين أمثال فرانز روزنتال وكارل بروكلمن، ومن احتذاهم أمثال شوقي ضيف في كتابه «الترجمة الشخصية» (1956)، كما انتقد المعاملي نقاداً ممن سبقوه أمثال إحسان عباس في كتابه «فن السيرة» (1956)، وهي، برأيه، دراسة «لم ترسم الخط البياني لتطور السيرة بالإضافة إلى إغفالها الكثير من النماذج الهامة»([5]).
أوضح المعاملي بعض ملامح تطور السيرة الذاتية في الأدب العربي، فأشار إلى أن استخدام العرب لكلمة «سيرة» أسبق من استخدامهم لكلمة «ترجمة»، لأن أول من استخدم كلمة «ترجمة» هو ياقوت الحموي (ت 626 هـ)، غير أن حصيلة المعاملي من بحثه لم تكن بالشأو الذي طمح إليه نفسه، سواء في التوصل إلى تعريف جامع مانع للسيرة الذاتية، أو في حدود ممارسة العرب لكتابة السيرة الذاتية، وفيها بعض التأثير الفارسي واليوناني المبكر على أن ذلك «تعميم لا يؤيده دليل قوي، فالسير الذاتية قد تعددت مناهجها بعد ذلك، وتباينت أغراضها وغايتها، فمنها ما كتب لاجترار (؟!) الذكريات استمتاعاً باستحضار الماضي، ومنها ما كتب للاعتبار، ومنها ما كتب للتطهير والتخفف من ثورة وانفعال، ومنها ما كتب للتحدث بنعمة الله وشكره على مننه كما... في سيرة عبد الوهاب الشعراني»([6]).
ربما كان كتاب المعاملي هو الأوسع استقصاء للسيرة الذاتية في التراث، ولا سيما السيرة المغمورة أو البعيدة عن الأضواء، كالسير في إطار التكوين الفكري والنتاج العلمي (سير العلماء)، وسير الإحساس بالذات إزاء الكون (سير المتصوفة)، وسير الاعترافات، وسير صور الذات ملتحمة مع الآخرين، كالسيرة المؤيدية ومذكرات الأمير عبد الله بن زيري، وسيرة عمارة اليمني، ورحلة ابن خلدون. ثم محص المعاملي عناصر الفن القصصي في السيرة الذاتية الموروثة، بأدواته النقدية التقليدية، واعتماداً على متواتر القول لنقاد سابقين مثل إحسان عباس، الذي وجه إليه في مقدمته، نقداً قاسياً، بينما أعاد بعض آرائه النقدية (انظر ص 240 على سبيل المثال)، ناهيك عن غلبة الدراسة اللغوية الوصفية لأساليب السيرة الذاتية، غافلاً مصطلحات نقد السيرة كالسرد والحكائية وسواه، مؤثراً التعامل مع أدوات النقد التقليدي، كتقصي الدلالة والدوافع والغايات، والكشف عن أثر الوراثة والبيئة والصدق والصراحة وتصوير الصراع والبناء بعبارات عامة.
ثم وضعت مها فائق العطار (سورية) كتاباً كبيراً عن السيرة في جزأين، الأول «السيرة الفنية في الأدب العربي حتى أوائل الثمانينيات» (1995)، والثاني «فن السيرة الذاتية في الأدب العربي حتى أوائل الثمانينيات» (1997). وقد فعلت العطار، مثل بقية دارسي السيرة الفنية والسيرة الذاتية، فعرفت بالسيرة، وتتبعت نشوئها في الغرب وعند العرب، ودوافع كتابتها عند العرب، وارتباط ذلك بسيرة الرسول الكريم (ص)، وأنواع السيرة العربية القديمة، وموازنة بين السيرة العربية والغربية، والأسباب التي أدت إلى تأخير ظهور السيرة الفنية في الأدب العربي الحديث، ونشأتها وأهم السير الفنية، ومناقشتها من جوانبها المختلفة وتحليلها تحليلاً نقدياً. ودرست في الكتاب الثاني السيرة الذاتية، والسيرة الذاتية العربية ونشأتها في الأدب العربي الحديث، وأهم السير الذاتية عند طه حسين وميخائيل نعيمة وكاظم الداغستاني وسلمى الحفار الكزبري ومراد السباعي، والخصائص الفنية. إن كتاب العطار بجزأيه هو الأوفى والأشمل حتى وقت صدوره، ويتميز عن سواه بتحليلاته الفنية الغنية.
2-6-2-6- العجائب والغرائب:
واهتم الباحثون والنقاد العرب بالسرد العجائبي والغرائبي بذاته أيضاً. إن ثمة عجائبية وغرائبية في كثير من النصوص السردية التراثية، ولكن التراث السردي العربي عرف ألواناً من السرد العجائبي والغرائبي ما تزال موضع إدهاش حتى يومنا هذا، وهي مبثوثة في المصنفات العربية القديمة، ولا سيما الجغرافية أو ما يتصل منها بأدب الرحلات. وقد أعاد عدد من النقاد والباحثين العرب نشر مختارات منها، مثل «عجائب الهند» (1992) ليوسف الشاروني و«جغرافية الوهم» (1993) لحسني زينة، و«ذخيرة العجائب العربية ـ سيف بن ذي يزن» (1993) لسعيد يقطين. وقد ذكر صبري حافظ أن كتاب حسني زينه تعبير عن «الأقاليم التي ابتدعتها المخيلة العربية. تصنع عالماً كاملاً، ينهض من ثنايا تلك المختارات المدهشة، ليرد عن المخيلة العربية الكثير من الاتهامات الظالمة التي لحقت بها»([7]).
وأورد سعيد يقطين في تقديمه لمختاراته أسماء بعض المصنفات الكثيرة في هذا المجال، وحقق بعضها، ونشر مثل «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» للقزويني في عام 1973.
2-6-2-7- الأسطورة:
وقد اشتدت العزيمة لبحث الأسطورة تالية لعمليات وعي التراث السردي الشعبي والأدبي، ومتداخلة معها، لاكتناه آفاقها في الذهنية العربية من جهة، وتثميراً لإمكاناتها السردية من جهة أخرى. وثمة أبحاث ودراسات كثيرة حاولت الإحاطة بالبعد الأسطوري في المكونات الثقافية العربية وامتدادها المستمر والراهن، وهذا واضح في الأعمال التالية على سبيل المثال، لا الحصر: «في طريق الميتولوجيا عند العرب» (1958) لمحمود سليم الحوت (فلسطين)، و«المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» (1970) لجواد علي (العراق)، و«الطوفان في المراجع المسمارية» (1975) لفاضل عبد الواحد علي (العراق)، و«مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة» (1976) لفراس السواح (سورية)، و«الأساطير: دراسة حضارية مقارنة» (1979) لأحمد كمال زكي (مصر)، و«البطل في الأدب والأساطير» (1979) لشكري محمد عياد (مصر)، و«ملاحم وأساطير من أوغاريت» (1980)، و«ملاحم وأساطير من الأدب السامي» (1989) لأنيس فريحة (لبنان)، و«من الأساطير العربية والخرافات» (1980) لمصطفى الجوزو (لبنان)، و«إمبراطورية إبلا» (1989) لعلي القيم (سورية)، و«الوعي الجمالي عند العرب قبل الإسلام» (1989) لفؤاد مرعي (سورية)، و«الأسطورة عند العرب في الجاهلية» (1988) لحسين الحاج حسن (لبنان)، و«الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة» (1992) و«العنف والمقدس والجنس في الميتولوجيا الإسلامية» (1994) لتركي علي الربيعو (سورية)، و«موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها» (1994) لمحمد عجينة (تونس).. الخ.
كان خليل أحمد خليل من أوائل المفكرين العرب الذين طرحوا أسئلة الأسطورة على الثقافة العربية الحديثة في كتابه «مضمون الأسطورة في الفكر العربي» (1973). وعلى الرغم من تأثره الواضح بأفكار عالم الإناسة البنيوي المعروف ليفي شتراوس، فإنه مس عدداً من القضايا الراهنة حول حضور الأسطورة في نسيج التعبير الشعبي والسلوك الاجتماعي في الوقت نفسه، على أن الأسطورة، بعد ذلك «تشكل جزءاً مهماً من البنية الأيديولوجية للمجتمع يمكنها من أن تغير أو تؤخر المجتمع حسب موقعها من بنيته الحتمية»([8]) حسب تقديم فؤاد شاهين للكتاب، وما يعنينا هو ارتياد خليل أحمد خليل لمناطق بحث بكر، ولا سيما دراسته للأسطورة بوصفها فلسفة العرب الأولى، من خلال أسطوريتين عربيتين صرف هما «ناقة الله»، و«ارم ذات العماد»، ومتابعته «لمسلسل الأساطير الإسلامية والشرقية الذي ظل يتكرر حتى أواخر العصور الوسطى»([9]).
وثمة رأي قابل للنقاش حول التجارة محوراً للاحتفالية العربية القديمة، مما سيكون مثار أبحاث تالية مثل بحث فكتور سحاب (لبنان) «إيلاف قريش: رحلة الشتاء والصيف» (1992)، وبرهن خليل عن نظرته بتخصيص الفصل الأطول من كتابه «لأسطورية الجنس والتجارة في ألف ليلة وليلة»، وهي نظرة لا تخلو من آثار المثاقفة بالتركيز على الفنطزة والغرائبية.
وتحتل أبحاث فاضل عبد الواحد علي (العراق) أهمية خاصة في الكشف عن السرد الأسطوري القديم، كما في كتابه «الطوفان في المراجع المسمارية» (1975)، ويقدم فيه نصوصاً أدبية وسردية عن قصة الطوفان، لا تسجل فقط «تفاصيل وافية عن هذه الكارثة المروعة التي تعرض لها الجنس البشري في قديم الزمان، وإنما لأنها تحتوي أيضاً ـ وخاصة النسخة البابلية ـ على تفاصيل دقيقة في غاية الأهمية عن معتقدات السومريين والبابليين بخصوص خلق الإنسان»([10]).
وتابع علي جهوده بعد قرابة عقدين من الزمن، في كتابه «سومر أسطورة وملحمة» (1997)، ويحوي الكتاب آخر ما استجد في حقل النصوص الأدبية المسمارية التي دونت بالسومرية والأدبية/ البابلية. ويؤكد في كتابه أن نظرة سريعة على تفاصيل محتويات هذا البحث «ترينا أن السومريين لم يتركوا ضرباً من ضروب الأدب إلا طرقوه: الملحمة والأسطورة، أدب الحكمة وأدب السخرية، كما أنهم ألفوا في الغزل، وكتبوا التراتيل والصلوات لتمجيد آلهتهم، ونظموا قصائد في رثاء ذويهم وأعزائهم، وفي رثاء مدنهم»([11]).
ويؤشر كتاب حسين الحاج حسن (لبنان) «الأسطورة عند العرب في الجاهلية» (1988) إلى آفاق البحث العربي عن الأساطير العربية القديمة، تطويراً لشغل باحثين سابقين أشرنا إلى أبرزهم، فيخصص فصلاً لتعريف الأسطورة ونشأتها، وفصولاً للأساطير الاجتماعية، الحياتية والخيالية، والأساطير الدينية، العبادات المختلفة وعبادة الأصنام. ومن تفصيله للأطوار التي مرت بها الشعوب البدائية، يذكر حسن: عبادة الأشخاص، عبادة الجن، تشكل الجن، عبادة الملائكة، عبادة الروح، عبادة الشمس، عبادة القمر، عبادة النار، عبادة الأشجار، عبادة الكواكب([12]).
غير أن «موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها» لمحمد عجينة هي الأوفى في بابها، إحاطة شاملة بموضوعها: مدخل إلى الأساطير، أساطير الخلق والأصول، أساطير الكواكب، أساطير المظاهر الطبيعية، أساطير الكائنات اللامرئية، أساطير البطولة والمؤسسات الإنسانية، مميزات الكون الأسطوري عند العرب ودلالاته. ولا يماري أحد في الثراء الأسطوري العربي، فثمة تعريفات لكل نوع، وتفريعات لهذه التفريعات، وسأذكر نموذجاً من أساطير المظاهر الطبيعية، فهي تحوي الأنواع الرئيسة التالية:
الأساطير ذات الصلة بالتربة والحجارة والجبال.
الأساطير ذات الصلة بالماء والآبار ومنابع المياه.
الأساطير ذات الصلة بالنار.
الأساطير ذات الصلة بالشجر والنبات.
الأساطير ذات الصلة بالهواء والريح.
أساطير الحيوان.
الأساطير ذات الصلة بالحيوانات الوحشية.
تقديس الحية ـ الجان.
الطير في الأساطير.
حيوانات أسطورية.

أما النوع الفرعي الأخير، فيضم:
الهامة.
أسطورة العنقاء.
العنقاء وخالد بن سنان العبسي.
العنقاء وحنظلة بن صفوان.
العنقاء والبوم وسليمان في قصة رمزية.
البراق([13]).
إنه بحث واسع وعميق عن الموروث السردي العربي، وهو شديد الثراء، في تنوعه وتعدد دلالاته. صحيح أننا عرضنا لأشكال من التراث الأدبي الشعبي، ولكن هذه الأشكال جميعها سردية، وهي في أساس تطور السردية العربية القديمة، وكان ظهر كتابٌ شاملٌ عن «التراث القصصي عند العرب» (1991) لمؤلفه مصطفى عبدالشافي الشوري (مصر) يرى فيه أن هذا التراث ممتد بجذوره في الثقافة العربية وممتد في العصور الأدبية كلها، غير أنه لا يضيف شيئاً إلى جهود البحث عن هذا التراث، لأنه مسبوق وغير دقيق. ومن المفيد أن نشير إلى أن الغربيين أنفسهم صاروا يعترفون بقيمة هذا التراث وتأثيره على تراث الإنسانية عموماً، كما في كتاب ا.ل. رانيلا «الماضي المشترك بين العرب والغرب: أصول الآداب الشعبية الغربية» (1986- وقامت بترجمته نبيلة ابراهيم عام 1999).
2-7- تأصيل النقد القصصي والروائي:
لم تبدأ الاتجاهات الجديدة من فراغ، ولم تتكون فجاءة. وإذا كانت الاتجاهات الجديدة في جوهرها تعبيراً عن نزوع علمي ومعرفي، وتعبيراً عن التطلع إلى التحديث، فإن عشرات النقاد المنتشرين في الوطن العربي قد مثلوا الانعطافة إلى الاتجاهات الجديدة من خلال سعيهم إلى تأصيل المناهج النقدية طلباً للموضوعية والعلم والتقليدية، بمعنى إدراج النقد ضمن تقاليده الأدبية والنقدية، والتأصيل يعني في الوقت نفسه استنهاض الأصول والاستمرار في السعي المشترك لتحديثها. وقد اخترت في هذا المنحى نقاداً ألمعيين عرفوا بجهودهم في تأصيل النقد العربي الجديد في رحلة التحديث الشائكة والمعقدة، لا تشغلهم الاتجاهات الجديدة المغالية، ولا يلتزمون بنهاجياتها، مؤثرين تثمير الأنساق الثقافية والنقدية واللغوية معرفة نقدية أصيلة، بما يتيح في الوقت نفسه المناخ لإدغام الاتجاهات الجديدة في اعتمال الناقد العربي الحديث بتاريخه وذاته، وهذا جلي في أعمال خلدون الشمعة ومحي الدين صبحي وانطون مقدسي (سورية)، وجبرا إبراهيم جبرا وسلمى الخضراء الجيوسي وإحسان عباس وحسام الخطيب (فلسطين)، وخليفة التليسي (ليبيا)، وعبد العزيز المقالح (اليمن)، وعبد الواحد لؤلؤة (العراق) ولويس عوض وغالي شكري وعز الدين إسماعيل ورجاء النقاش وشكري عياد وعبد القادر القط ومصطفى ناصف وفاروق عبد القادر (مصر) ومحمود طرشونة (تونس) وسواهم. واكتفي بعرض نماذج تمثيلية لشغل بعض هؤلاء النقاد للتدليل على طبيعة التأصيل وشؤونه ومناحيه ومراميه.
وابدأ مع مصطفى ناصف، وهو ناقد صاحب مؤلفات نظرية وتطبيقية في النقد والقضايا النقدية، دعا فيها إلى تطوير التراث النقدي بالاستفادة من المناهج الحديثة، ولا سيما النقد الأنجلوسكسوني في عنايته بالمعنى ومعنى المعنى، والكشف عن المستويات المتعددة لفهم النص، انطلاقاً من النص بالدرجة الأولى. وقد توقفت عند كتاب مبكر له، لأهميته في هذا السياق، ولا سيما نقد القصة والرواية، هو «رمز الطفل في أدب المازني» (1965). إنه عمل ريادي في النقد الحديث للقصة والرواية، لا يقطع وشائجه مع تراث النقد النقدي والبلاغي، ولا يسقط على النص المؤثرات الخارجية، بل يبدأ من الأعمال ذاتها باحثاً عن البعد الآخر للمعنى في دراسة قائمة على مسألة الرمز والاستعارة والمعنى وقضية التفسير. لا يثقل ناصف نقده بالمراجع والحواشي أو التمهيد المنهجي أو معاضلة تنسيب الكاتب إلى اتجاه أو مدرسة أو مذهب معين، مستعيناً بقدر من التعاطف والمحبة، ومتسلحاً برؤية نقدية وبآلياته التفسيرية والشارحة، تلمساً لفكرة أبعاد المعنى. إنه نقد تأويلي يستخدم لغة النقد الموضوعي وبعض إجراءاته، ويثير هذا الشغل مدى نضوج الاتجاهات النقدية. وقد أوضح ناصف أنه ليس معنياً بمجادلة «الذين أحسنوا إلى أدب المازني بدراستهم له، وإنما عناني أن أقدم تفسيراً أو قراءة متميزة بوجه ما فيما أعتقد. ومن حق كل كاتب أن يقرأ قراءات مختلفة، ومن الممكن أن يحمل أدبه على وجوه متنوعة. ومن أجل ذلك وقفت، في بعض الأحيان، عند أعمال معينة تثير مسائل أساسية في فن القراءة وفهم المازني. لم يكن مقصدي ـ إذن ـ هو ما نسميه التكنيك، وإنما قصدت ـ دائماً ـ إلى أن أقرأ النص قراءة متعمقة، أو أن أبحث عن المعنى»([14]).
أعلن ناصف أن هدفه من مناقشة المازني هو قراءة العمل قراءة تحليلية من أجل الكشف عن أغواره ودلالته على عقل المازني([15])، وهو لا يأتي العمل من خارجه، بل من داخله، مقاربة لشبكة علاقاته في مستواها البسيط، والعميق المجازي. وغالباً ما يبعث ناصف في نقده وفرة معرفية قوامها خزانة ثقافية ينهل منها الناقد ما يعين على سبيل القصد وعلى ثراء اللغة بالمعنى. كما في مثل هذا التحديد الصارم:
«مقصد الساخر إذن يختلف عن مقاصد غيره من الكتاب. حقاً إن الكتاب الساخرين يختلفون، كثيراً، في المزاج والتناول. ولكن مقصدهم جميعاً مقصد عملي واحد، هو التأثير في اتجاه القاريء واعتقاداته أو أفعاله»([16]).
وتتضح لغة ناصف في استعماله المحدد لمصطلحات النقد الجديد، الموضوعي في عنوانات فصول كتابه: النظام والتجربة الفردية، التوتر والمفارقة في تجربة الفنان، الحب ومعنى الثقافة، الموت: رمز العودة إلى الطفولة، أبعاد فكرة الموت، المعرفة والتعاطف، متاعب الطريق إلى الفن، المازني الناقد ومشكلات فنه، رمز الطفل. غير أن ناصف أخضع هذه المصطلحات لصوغه الخاص بما يجعل قراءته شديدة الجاذبية والثراء، وبما يساعد على إدغام نقده في جهود جيله التأصيلية. ويفيد مثل هذا الرأي أن الناقد لا يتأثر باتجاه محدد، أو يكون أميناً له.
ووضع حسام الخطيب مؤلفات نقدية كثيرة في نظرية الأدب والأدب المقارن والأدب الأوروبي، ونقد النقد، بالإضافة إلى ثلاثة كتب في نقد الرواية والقصة، هي علامات في مسيرة النقد الأدبي العربي الحديث على تأصيل النقد المخصص لهذه الأجناس الأدبية الحديثة، والكتب الثلاثة، هي «سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية الحديثة» (1973)، و«الرواية السورية في مرحلة النهوض» (1975)، و«القصة القصيرة في سورية: تضاريس وانعطافات» (1982). وقد سمى الخطيب منهجه تكاملياً جديداً، يستند إلى إنجازات النقد الأنجلوسكسوني الجديد، غير أنه يشد الركاب إلى منهجه الخاص خلل تفاعل مكونات شغله النقدي الذي يقوم على التحليل والتفسير والتقييم والتذوق والانتقائية([17])، ومراعاة خصائص الجنس الأدبي المنقود في فنيته ونظامه الداخلي وانتمائه إلى نسق ثقافي تاريخي، وهذا واضح في إيضاحاته المسبقة لمصطلحاته ومنهجه وأهداف دراسته، فهو متمكن من آلياته النقدية، ومتملك لفكر نقدي متواصل مع أصول النقد العربي واستمراريته، بالقدر نفسه الذي يتفاعل فيه مع التراث النقدي العالمي، وربما لهذا السبب كانت دراسته النقدية الأولى المعتبرة بحثاً في «المؤثرات الأجنبية» أمام ناقد معني بالهوية الثقافية لأدبه ولنقده العربيين. إنه مولع بالنقد الأصيل الذي يستجيب لطبيعة الأعمال الأدبية العربية، ويحافظ على محليته وهو يتحرك في فضاء الإنجاز النقدي العالمي الحديث. ولنلاحظ شيئاً من دقته وحدوده الصارمة ولغته النقدية الصافية:
«بالنسبة للمؤثرات الأجنبية، يعنى البحث الحالي بإبراز المؤثرات القصصية المباشرة والتركيز على دراسته الشكل الذي اتخذته في القصة السورية الحديثة، مع إظهار المؤثرات الأخرى الفكرية الفنية بمقدار ما يكون لها من علاقة بالموضوع المدروس. أما المقدمات الطويلة عن تأثير الغرب في الشرق، وعن تاريخ عصر النهضة، وعن التأثيرات العقائدية، فتلك أمور، على الرغم من أهميتها في بحث كالبحث الذي أقدمه، تدخل في نطاق اختصاص باحثين من نوع آخر. ومن واقع الدراسات الأدبية العربية التي قرأتها يخيل إلي أن الباحث الأدبي لا يستطيع أن يعطي في مثل هذه الأمور إلا آراء ذات طابع عام من جهة، ومن جهة ثانية هناك خطر الانزلاق وراء مثل هذه البحوث والتركيز عليها أكثر من التركيز على الظاهرة النوعية المدروسة»([18]).

ومن المأمول ألا يوحي ذكر هؤلاء المؤصلين بأنهم ينتمون إلى اتجاه واحد، فهم يتفقون في الاشتغال على التأصيل، ويختلفون في مناهجهم ويتفاوتون في تمثلهم أو تمثيلهم لهذا المنهج أو ذاك.
مهد الخطيب لنشأة القصة السورية الحديثة وتطورها في إطار القصة العربية، وأجاب عن أسئلة التطورات الثقافية والمؤثرات الأجنبية في المراحل الثلاثة لهذا التطور: المرحلة الأولى (1937-1949)، المرحلة الثانية (1950-1958)، المرحلة الثالثة (1959-1967)، وتقصى الملامح الخاصة للتيار الوجودي وأدب الضياع في القصة السورية، إذ برز التيار الأول ابتداء من الخمسينيات في المرحلة الثانية، بينما شاع أدب الضياع على أقلام القصاصين والروائيين منذ أواخر الخمسينيات في المرحلة الثالثة.
وأورد دراستين تطبيقيتين للمؤثرات الأجنبية من خلال مثالين متباينين هما «في المنفى» (1963) لجورج سالم مقارنة مع «المحاكمة» (1963) لفرانز كافكا، والمثال الثاني هو «العصاة» (1964) لصدقي إسماعيل والمؤثرات الأجنبية، وقد اختارهما مثالاً للتأثر المباشر عند جورج سالم، ومثالاً للأبعاد المختلفة التي تمثلت فيها المؤثرات فكراً وفنّاً. وقد تميز نقد الخطيب، بوجه عام، بتحليله العميق وتقييمه الحصيف لطبيعة العمل الأدبي ولاستهدافه الفكري، كمثل قوله: «الحاكم في رواية سالم، كالقاضي في رواية كافكا، ظل مختفياً ومجهولاً، ولم يستطع أحد أن يعرفه أو يتوصل إليه، وكان يُعرف بأعماله وآثاره، لا بشخصيته، وفي رواية كافكا بوجه خاص تبذل جهود مضنية لمعرفته أو التوصل إليه، وتنتهي بإخفاق تام»([19]).
ويلفت النظر في نقد الخطيب أنه لا يبتسر تحليله، أو يمده فيما لا طائل وراءه في اللغة أو إبداء الرأي، بل يجعل من نقده صوغاً مكثفاً دالاً على طبيعة العمل ومعناه، كما في تحليله لرواية «العصاة»: «إنها رواية أفكار، لا رواية ناس، وحتى من الناحية الكمية الخالصة، يمكن أن نقول إن صفحات المناقشة والتحليل الفكري تغلب كثيراً على صفحات القص، وفي الوقت نفسه تتغلب المادة السياسية حجماً وعمقاً على ما سواها. وإن كان لها منافس آخر في الرواية، وهو المادة السيكلوجية التي حسب لها الكاتب حساباً كبيراً خلال الرواية حتى لنحسب أنه أسرف فيها إسرافاً لا تحتمله رواية ذات موضوع شامل كهذه مما يجعل الحديث عن هذا العنصر يشكل مستقل ضرورياً عند الحديث عن شخصيات الرواية»([20]).
من الواضح، أن الخطيب يستعمل مصطلح «القصة» للدلالة على أشكال النثر القصصي كلها، ما لم يردف المصطلح بوصف «القصيرة» تمييزاً لها من «الرواية». وكذلك فعل في كتابيه التاليين.
انطلق الخطيب على الدوام من إيمانه المطلق بوحدة المناخ الثقافي العربي، وهو ما أكده في كتابه «الرواية السورية في مرحلة النهوض»، فإن أية دراسة إقليمية لابد من أن يفضي بالضرورة إلى بيان عمق الرابطة بين الإطار المحلي والإطار القومي الشامل، بل لابد من أن تفضي إلى تأكيد وجود هذه الرابطة، مثلما أعلن حرصه على هذا المنهج القومي، فليست العبرة في أية دراسة حدود موضوع، وإنما منهجها، ويجب أن يوجه النقد إلى تلك الدراسات التي تتعمد التناول المنفصل للظواهر المحلية، وترتكب في ذلك بالطبع، حسب تعبيره، مخالفة منطقية ومنهجية شديدة، بالإضافة إلى المخالفة القومية.
يشابه نقد الخطيب ما سماه ف. ر. وليمز التمحيص «Scrutiny»، وهو اسم المجلة النقدية التي احتضنت تجربة النقد الجديد، ولذلك ظهرت عنايته الفائقة بالنظرية الأدبية، ولا سيما جلاء الموقف من قضية المؤثرات الأجنبية، ومن قضية التقاليد الأدبية والنقدية وأهمية تجذيرها في الفعالية النقدية. وتتسم أعمال الخطيب النقدية جميعها بهذه السمات: العمق، الوضوح، صواب الاتجاه، والعزيمة في السعي إليه، المعايير الدقيقة، ولا يقصر هذه السمات على مصنفاته التي صُنفت على أنها كتاب، وإنما في مقالاته وأبحاثه التي جمعها في كتاب مثل «القصة القصيرة في سورية: تضاريس وانعطافات»، وقد صرح الخطيب في مقدمة هذا الكتاب بسمة أخرى من سماته النقدية، أعني بها الانتقائية بقوله: «إن المحاولة الحالية ـ بوصفها انتقائية ـ لا يمكن أن تكون حصرية»([21])، ولعل دراسته الأولى عن مجموعة عبد السلام العجيلي «بنت الساحرة» (1948) نموذج طيب لشغله النقدي، فهو يضع العجيلي في مقامه الأدبي، والمجموعة في منزلتها الفنية والفكرية، ثم يفرد حكمه التقييمي، لتكون الدراسة برمتها برهاناً: «إن الفن عند العجيلي هو محاولة دائمة لاستكشاف الحياة وأسرارها، والحياة في عالمه القصصي مفعمة بالغرابة والغموض والتعقيد والتداخل»([22]).
ولا يخفى أن الخطيب دبج بحثاً نقدياً في خمسين صفحة من القطع الكبير ليعلل هذا الحكم التقييمي. وكان البحث الثاني، مختلفاً، تقصى فيه ظاهرة محددة هي «نهوض القصة القصيرة في الخمسينيات»، فحدد منهجه والخطوط العامة للمرحلة ونشاط الإنتاج القصصي، ونشوء تجمعات وقيم أدبية، لتتبوأ القصة القصيرة بعد ذلك الصدارة. ويتبدى في هذا البحث، على وجه الخصوص، اندغام إجراءاته النقدية، ما بين التحليل والتقييم، كما في مثل هذا الرأي المعلل أو المبرهن عليه:
«على أنه يمكن القول إن معظم كتاب المرحلة ادعوا الصلة بالواقعية بطريقة أو بأخرى، وأحبوا دائماً أن يزعموا لقرائهم أنهم منبثقون عن الواقع متحمسون بحرارة مشكلاته. وكما يمكن أن يستنتج من كل ما ذكر سابقاً كان التياران السائدان في الكتابة الأدبية، وهما التيار القومي والتيار الواقعي الاشتراكي، يؤكدان مسوغ وجودهما في التصاقهما الملح بالوقائع السياسية والاجتماعية للمرحلة»([23]).
وتمتح لطيفة الزيات (مصر) من المعين الأنجلوسكسوني إياه، مع ملاحظة التنازع بين اتجاه النقد الموضوعي في مؤلفات مثل «نجيب محفوظ: الصورة والمثال» (1989)، و«فورد مادوكس فورد و.. الحداثة» (1996)، وبين الميل الإيديولوجي في مؤلفات مثل «من صور المرأة في القصص والروايات العربية» (1989).
يوصف نقد الزيات بأنه أشبه بالإضاءة الفنية والفكرية لاحتفائه بالتحليل والتفسير العقلاني المنطقي لعناصر النص، فيعنى نقدها بالتقنية أولاً، وبالمضمون لاحقاً. بيد أن الزيات تسارع إلى إيضاح فترة كتابتها لغالبية مقالات وأبحاث كتابها التي تعود إلى مطلع الستينيات، وكانت في حينها شديدة الافتتان بمنجزات الرواية الأوروبية الحديثة، فاتجهت لدراسة تقنيات الرواية قصد «محاولة فهم المعنى العام للنص، واستنباط هذا المعنى من أطره الفلسفية المدرجة في كل رواية، وتأصيل الأسس الفلسفية لهذه الأطر»([24]).
عمدت الزيات إلى التصريح بأسلوبها النقدي، وهو إلقاء الضوء على عالم نجيب محفوظ القصصي من زوايا جديدة تقنية ومضمونية، ورهنت تحليلها إلى أهمية تحديد قيمة نجيب محفوظ تقنياً وفنياً مثل: «أن يخرج من نطاق التسجيل الفوتغرافي إلى نطاق التصوير الرمزي الذي يغني التجربة الواحدة بمستويات مختلفة من المعاني»([25])، فاستخدم نجيب محفوظ في «اللص والكلاب» (1965) ألوان التكنيك التي تتبع مجرى الشعور، وتمثل إنجازه في «إحداث التوازن المطلوب بين الحقيقة الخارجية والحقيقة الداخلية، ربما لأول مرة في تاريخ القصة المصرية»([26]).
اعتنت الزيات بوجهة النظر للكشف عن نفسية الشخصية وطريقة تفكيرها، وعالجت بعمق وبنفاذ بصيرة تقنية توارد الخواطر: الذاكرة والحواس والمخيلة، والتفتت إلى المونولوغ الداخلي المباشر وغير المباشر. وانتقلت في مقالتها الثانية إلى معاينة نقدية للشكل الروائي من «اللص والكلاب» إلى «ميرامار» (1967).
رهنت الزيات بحثها عن المعنى بصوابية المنهج وسلامة التحليل وانسجامه، أما استخلاص الرؤية فتؤول إلى انبثاق ما يدعم الوعي من حقائق موضوعية. لا تورد الزيات المعلومات النظرية لذاتها، فتسري في نسغ النص بما ينفع في إضاءة تقنيات الرواية المدروسة التي تتمحور حول «الأغراض» وسبل بلاغتها وإبلاغيتها: وجهة النظر، المنازع النفسية، النجوى والحوار، البنيان والأسلوب، مستويات المعنى، مسار الشخصية، مفاهيم القدرية والحتمية، الحدث كوحدة فنية، نمط التوليف أو «المونتاج الروائي»، وعي الشخصية، النسق الفكري.
ولا تباشر الزيات أيضاً إطلاق أحكامها في تحديد فكر العمل الأدبي أو «غرضه» أو «قصده»، كما في هذا الرأي في رواية «الطريق» (1964): «في ظل هذه الخلفية في الطريق نستطيع أن نتبين مستويين للمعنى، أحدهما سطحي وملموس، والآخر أكثر تأصيلاً، وأن استخفى، وينطوي التعارض بين المستويين السافر منهما والمستقر على مفارقة حادة تعلق على طبيعة الوجود»([27]).
أفلحت الزيات في تأصيل النقد القصصي والروائي العربي الحديث، بمقدرتها العالية على استشفاف مطاوي الروايات ومعانيها، وبفطنتها الرحيبة على رؤية عالم هذا الروائي العظيم وتنازعه بين الواقع والمثال، وتحديد مصادره في فلسفة هيجل.
ونشرت الزيات كتابها «فورد مادوكس فورد و.. الحداثة» (1996) بعد قرابة عقدين من الزمن من كتابته الأولى باللغة الإنكليزية فيما بين عامي 1964 و 1970. وتعطي هذه المقالات فكرة دقيقة عن منهجها الموضوعي الذي ينهض من تراث نقدي أسهم بفعالية في مسعى الحداثة. والكتاب، بعد ذلك، برمته، إضاءة لاتجاه الحداثة من السياق النقدي والتنظيري للأدب في الغرب. تناولت المقالات ما يلي:
فورد رائداً من رواد المفارقة بمعناها الحديث كعنصر بناء في العمل الفني.
مقومات الحداثة في النقد الأدبي لتوماس هيوم وفورد: النظرة للحقيقة.
أسبقية فورد على اليوت فيما يخص العمل الفني وعضويته.
نظرية فورد النقدية ونقده التطبيقي والانفصام بين النظرية والتطبيق.
التفسير التحليلي لروايته شديدة الحداثية: «العسكري الطيب» (1915).
لا يماري أحد في نصاعة لغة الزيات النقدية، ودقتها، وتجنبها لغواية الإنشاء أو الذاتية، وتقليلها من الاعتماد على ملكة التذوق، إذ يندرج نقدها في المنهج الموضوعي. لنلاحظ هذا النموذج: ويتيح «استخدام ضمير المتكلم للراوي أهدافاً أخرى، كما ذهبت في تحليلي للرواية، وهو كحيلة أسلوبية يسبغ على الرواية طابعها البنائي القائم على اللبس والازدواج والأوجه المتعددة للتجربة الواحدة، كما يمدها بعدد لا نهاية له من التعديلات والتبديلات المبنية على المفارقة»([28]).
وبالقدر الذي كانت فيه وجهود الزيات النقدية جسراً إلى الحداثة، فإن كتابها عن فورد مادوكس فورد يسهم في توطين الاتجاهات الجديدة في وعي نظري جديد، وفي تطبيق مقارب لحدود الموضوعية التي تجعل من النقد الأدبي معرفة بذاتها.
بينما كان كتابها «من صور المرأة في القصص والروايات العربية» أقرب إلى التبشير العقائدي على إيمانه بتعدد المناهج، فالغالب على نقدها ميله الاجتماعي والأيديولوجي والتبشير الصريح. يرضي هذا الكتاب التوظيف المباشر للأدب في صراع الأفكار، وهي صفة غالبية هذه المقالات، وهي جعلت من موضوع المرأة مادة دراسية لتبيان مدى تأثير الأفكار في البناء الفني: المرأة كبش فداء، وبلغت وطأة الأفكار حداً أقصى، حين صار النقد الموضوعي أيضاً إلى نقد موضوعات، كمثل مناقشتها لأسلوب زكريا تامر، الذي يمسك «بالحقائق الرئيسية في مجتمعنا العربي الراهن، وهو يخوض أزمته الراهنة في إيجاز موجع، (لاحظ الخروج عن النقد!) وفي تصوير كاريكاتوري صارم يخرج بقصصه من باب التخصيص إلى باب التعميم. وكل قصة من قصص زكريا تامر عالم صغير متكامل مستقل بذاته يوحي إيحاءً دالاً ومكثفاً بالواقع العربي الذي نعيشه. وكل جزئية يتناولها زكريا تامر تحمل بذور الكلية أو بذور المجتمع مكتملاً، والكل هو جماع جزئياته، والكاتب يهتم بكل جزئياته، ويتمتع بالبصيرة التي تتيح له إدراج كل جزئية من الجزئيات في كليتها أياً كانت هذه الجزئية. وزكريا تامر إذ يحكي قصة حب أو زواج، أو جوع أو قتل، أو لحظة صفاء يكدرها عنف، يحكي قصة واقع بأكمله بكل مقوماته»([29]).
وبعد ذلك كله، يبين نقد الزيات كم تفسد الأيديولوجيا والتبشير بها النقد. قد يكون رأيها في قصص زكريا تامر صائباً، ولكنه إسقاط على النص دون تحليل، ولو في حدّه الأدنى، بينما استوى نقدها في كتابيها السالفين في المنهج الموضوعي الذي ترسخ خلال السبعينيات إشارة إلى أصالة نقدية.
ويمثل محمود طرشونة (تونس) نموذجاً آخر من نماذج تأصيل النقد، كما في كتابه «مباحث في الأدب التونسي المعاصر» (1989)، رابطاً بين التراث والحداثة داعياً إلى قراءة شمولية شرع بممارستها منذ دراسته للتراث السردي «مائة ليلة وليلة» (1979).
يعتمد طرشونة في تحليله الأسلوبي تسميات قصصية من التراث، ولا يجازف باستعمال مصطلحات السرد، فالحداثة عنده موصولة بلغتها وخصوصياتها الأدبية والثقافية، ورأى أن تضافر أربعة عناصر من شأنه أن ينشئ أدباً كونياً ذا إشعاع عالمي، وهي:
«- استلهام التراث.
- الانطلاق من قضايا المحيط الذي يعيش فيه الأديب.
- البعد الإنساني.
- القيمة الفنية»([30]).
وقد تحققت هذه العناصر في أدب محمود المسعدي الذي خصه بقسم من كتابه، شمل خمسة أبحاث وحواراً، والمسعدي رائد كبير من رواد التحديث بالموروث السردي العربي. أما منهج طرشونة فعماده التحليل والتفسير النصي أساساً، والعوامل المساعدة قليلاً.
أما محي الدين صبحي (سورية) فيغلب عليه المنهج الموضوعي مع ميل لا يخفى إلى إحلال التذوق مكانة أكبر في التطبيق، وقد خصّ نقد الرواية بكتابين هما «البطل في مأزق ـ دراسة في التخييل العربي» (1979)، و«أبطال في الصيرورة ـ دراسات في الرواية العربية والمعربة» (1980)، وهما يظهران جهده التأصيلي في مقاربة المنهج الموضوعي في بواكير تمثله الأولى في النقد الأدبي العربي الحديث، حيث تمازجه نزوعات نفسية أو فكرية، وأحياناً شعارية حين يجعل من الموقف الاجتماعي قيمة فنية في نقده لليلى بعلبكي، وهي روائية عربية من لبنان شغلت الساحة الأدبية والنقدية في الستينيات في أعمالها «أنا أحيا» (1958)، و«الآلهة الممسوخة» (1960)، و«سفينة حنان إلى القمر» (1962). وتخترق مثل هذه النزوعات كينونة العمل الأدبي، فتنزلق إلى اختلاطات التماهي بين الروائي أو القاص وأبطاله، وإلى التداخل بين مجتمع الرواية، وفعالية الكاتب، كما في هذه العبارة الختامية لنقد أعمال بعلبكي:
«وفي النهاية لابد من الاعتراف، بأن ليلى بعلبكي قد أضافت شيئاً أصيلاً إلى الرواية العربية.. وحاولت أن تكون فتاة طليعية في معركة التحرر الاجتماعي»([31]).
ويشير وضع العنوان ذاته إلى طريقة النقاد الموضوعيين حين يختزل أهم ما في الكتاب، أو يكون عاماً يدل على منحى الدراسة وموضوعها، وفكرة البطل في مأزق تختصر، برأيه، تصور الروائي للوضع البشري في مجتمعه، فالقاسم المشترك الذي يجمع بين أبطال الروايات والقصص جميعها هو أنهم كلهم في مأزق لا سبيل لهم إلى الخلاص منه. وما يلبث صبحي أن يدلل على ظاهرة غالبة على أبطال التخييل العربي، عندما يجد السرد يتوقف عند المأزق ويترك البطل فيه. ثم يوسع الدلالة لتغدو أوضاع هؤلاء الأبطال مستوعبة لحال الإنسان العربي، إذ تعكس عجزه عن تغيير الواقع، «ولذلك، فإن الأبطال جميعهم يذهبون ضحايا تصديهم لهذا الواقع ومحاولة تغييره»([32])، وهذا أحد وجوه الظاهرة، وما يريده صبحي هو التحليل الذي يكشف عن المعنى، وليس مجرد الأحكام، غير أن هذا التحليل يحيل إلى المجتمع، ويسقط إحالاته على مجتمع الرواية. ولعل صوغ القصة القصيرة لا يبيح النظر إلى مقدرتها الفنية على صوغ مجتمعها الخاص مثل الرواية. وينطوي هذا الرأي على أن صبحي لا يعتني العناية اللازمة بالتجنيس الأدبي أو معياريته، فهو لا يكتفي بالنص، بل غالباً، يحيل إلى خارجه، إلى حدّ اتهام المؤلفة ليلى بعلبكي في الدراسة السالفة الذكر بالجهل، فالفوز دائماً لنقد الأفكار، كما يؤمن بها صبحي نفسه، وهذا واضح في نقده لعبد النبي حجازي، فقد جعل رواية «قارب الزمن الثقيل» (1969) تمثيلاً لهزيمة حزيران بين الانخلاع الطبقي والانحلال الخلقي، ورواية «الياقوتي» (1977) رواية التعطيل نحو المطابقة بين احتقار الذات واحتقار المجتمع، ويلفت النظر أنه يورد «التعطيل» ترجمة عربية صحيحة لمصطلح Suspense، ويضيف أن علماء الكلام المعتزلة استعملوه، ومن المثير أن المعنى يمتد إلى تعليق الفعل أو إرجائه، وقد مدّه صبحي إلى «التعطيل» أو «العطالة»، ولكنه يمضي في التحليل قليلاً أو كثيراً ليكشف عن أفكار العمل الأدبي وحدها، وليست هذه طريقة نقدية مرغوبة أو مأمونة في عرف النقاد الموضوعيين أنفسهم، ولا يكتفي النقد عادة بأسطر قليلة عن التقنية في ذيل النقد، كأن يقول الناقد: «والتقنية في الرواية مبسطة جداً، فالروائي خجول يستنكف عن عرض مهاراته التقنية بحيث يقتصر على طريقة واحدة في السرد دون تغيير يراد به إرباك القارئ»([33]).
ولا يختلف في كتاب «أبطال في الصيرورة» كثيراً عن سابقه، بل إنه يعيد نشر دراستين منه، وهما الدراستان المكتوبتان عن أحمد إبراهيم الفقيه (ليبيا) وعادل أبو شنب (سورية). وقد حاول صبحي تسويغ دراساته في كتاب لتندرج جميعها في عنوان كتابه الجديد الذي وجده «أصلح تعبير عن الشخصية العربية، في المرحلة الراهنة، كما صورتها مخيلة الروائيين العرب، فهذه الشخصيات جميعها غير مكتملة الملامح إلى حدّ بعيد. إنها في صميمها تعيش وضعاً انتقالياً بين ذاتها وذاتها، وبين وضعها ووضع آخر تتطلع إليه وبين مجتمعها كما هو والمجتمع الذي تصبو إليه، وهي تعي هذا الانتقال وتتقصده وتكافح من أجله»([34]).
ثمة آراء متداخلة وأحكام غير معللة، ولكن صبحي جاوز حدود الدراسة المفردة مما حواه الكتاب إلى إثارة قضايا نابعة من استعمال المنهج الموضوعي من أجل تصليبه ونفوذه في السيرورة النقدية الحديثة، ومنها الاستعانة بالتحليل النفسي، أو الولع بأحكام القيمة، أو البحث عن الهوية، أو استخدام مصطلحات وعبارات في غير محلها.. الخ، وتتلامح بعامة في كتابه مظاهر الإلحاح على الموضوع، وكأن الحرص على تجنب المنهج غاية بذاته، فيصير الناقد معلماً شارحاً لموقفه، ففي نقده لرواية رشاد أبو شاور «العشاق» (1979) يخرج عن النقد إلى حديث سياسي مباشر، حيث يشرح فترة العشرين عاماً الفاصلة بين الاحتلالين، واقتطفت منه بضعة أسطر:
«أما الأراضي العربية المعرضة للعدوان فتلقى كل قرية مصيرها وحدها دون نصير ولا معين. لذلك يخرج القارئ من الروائيين مظللاً بسحابة سوداء من الشك في المستقبل العربي، بعد أن يرى أن ثلاثين عاماً من الصراع لم تطور الاستجابة العربية كثيراً»([35]).
ينشغل صبحي بالأفكار كثيراً، ولكنه لا يغفل عن السرد كلية، وإن بدا أن اهتمامه بالسرد مطية أحياناً لقول هذه الأفكار، كما في تعليقه على «رباعية الإسكندرية» (1957-1960) للورنس ديرل. وفي دراسات أخرى يوازن صبحي في قراءة الرواية بين طوابع السرد ونداء الأفكار، كتحليله الماتع والمفيد عن مستويي السرد وصلتهما بالبطل الإشكالي في رواية عادل أبو شنب (سورية) «وردة الصباح» (1976).
نقد محي الدين صبحي نموذج لمجاهدة تكون المنهج الموضوعي في النقد إزاء مشكلات التعبير عن الأفكار والأخلاق والموقف القومي والمرحلية والمحلية والسيرة (طلب التماهي بين سيرة المؤلف وأبطاله)، ولعلها مشكلات تضاعفت وطأتها في إلحاحه على رؤية التخييل العربي في مدار ضاغط هو «البحث عن الهوية» كما في نصحه للروائيين العرب في كلمة كتابه([36]).
وأختتم حديثي عن تأصيل النقد ونماذج النقاد العرب الذين عنوا بفعالية النقد مستقلة، منهجية، كاشفة عن رؤية معرفية وجمالية وذوقية بفاروق عبد القادر (مصر)، وهو ناقد محترف ومدقق وجريء وشجاع، ولا ينساق وراء عقيدته والأيديولوجيا التي يؤمن بها، على الرغم من إعلانه لها، فيظهر ميل إيديولوجي شفيف في تلافيف نقده متلفعاً بحساسية نادرة إزاء التاريخ والراهن، إنه لا يخشى في الحق لومة لائم، وإن بدا له أن هذا الحق هو ما يراه وما يعتقده، وقد خاض عبد القادر معارك طويلة ومديدة مع رموز السلطان الثقافي في مصر، وهم على سدة عروشهم، ونشر مقالاته وأبحاثه في الدوريات الثقافية في مصر، وأعادها في كتب صدرت في مصر أيضاً، وتشير عنوانات كتبه إلى موقفه الفكري الجريء في رؤية واقع الثقافة العربية في مصر، وهي «أوراق من الرماد والجمر» (1988)، و«أوراق أخرى من الرماد والجمر» (1990)، و«من أوراق الرفض والقبول: وجوه وأعمال» (1993)، و«من أوراق التسعينيات: نفق معتم ومصابيح قليلة» (1996)، ويضيء موقفه الفكري والنقدي انتماء صريح وثابت للعروبة، وابدأ عرض صورة النقد عند عبد القادر من مقدمة كتابه الأخير، التي تحمل عنوان «مقتطفات من سيرة ذاتية ثقافية»، وكان منطلقه في الكتابة نبرة قلما يعترف بها المشتغلون في الفكر والأدب والنقد، وقلما يمارسونها:
«ليس للحقيقة وجه، وأن نفس الهدف يمكن بلوغه من أكثر من سبيل»([37])، ولعل أهم ما في هذه المقتطفات ثلاثة أمور، أولها تكوينه التربوي والثقافي حيث الشأو العالي للوالد، عاشق القرآن، «يرتله في الفجر وقبل الغروب، وكان حسن الصوت، سليم النطق، إنما عن ترتيله هذا، بشكل أساسي، حفظت معظمه، وألفته، وقرّ في قلبي»([38])، وتعلقه بالتراث العربي القديم والحديث، ودراسته لعلم الاجتماع والنفس، وأساتذته الذين أخذ عنهم ووجهوه إلى دروب العلم والنقد: مصطفى زيور ويوسف مراد ومصطفى صفوان، رواد علم النفس في الجامعة المصرية، وثانيها تجربته مع الأحزاب والعمل ومعترك الحياة: الأخوان المسلمين والماركسيين وفرص العمل الضائعة، ربما بسببهما، والأمن والوظيفة في الإعلام ومجلة «الطليعة» القاهرية التي صدّرت أعدادها بعبارة: «طريق المناضلين إلى الفكر اليساري المعاصر»، وثالثها اعتزازه بالحرية وصلابته في الدفاع عن الفكر التقدمي والقومي ومكابدته من أمثال يوسف السباعي «إيان سميث أو مكارثي الثقافة المصرية»([39])، لأنه ليس ثمة أثمن من الحرية بالنسبة إلى الكاتب.
سعى عبد القادر إلى منهجية النقد الموضوعي، وقد حقق أشياء، وفاتته أشياء، وهذا شأن مخاض تأصيل النقد، فهو يستغرق في النقد التطبيقي وينفر من التنظير، ويمتاز بالتحليل الفني والفكري الذي لا يفرط بالصوغ الفني، ولا يستسلم لشرح الموضوع أو الأفكار، ولا يمعن في الخروج عن نقد النص إلى خارجه لدواعي التبشير أو العقائدية، التي نلمح ظلالها على قلة في مطاوي نقده. إن عبد القادر يخرج عن نقد الأعمال الروائية والقصصية إلى معاينة وطأة الراهن لأسباب تتعلق ببروز نبرته الشخصية واعتزازه برأيه في تزجية أحكام القيمة، لأن منهج عبد القادر يقوم على التقييم، بمراعاة الميل النفسي والأيديولوجي قليلاً، والأهم بمراعاة الصوغ الفني. فقد ذكر في مقدمة كتابه «أوراق أخرى من الرماد والجمر» بعض أشجان المشتغل بالنقد، وشخص واقع النقد، رافضاً اجتلاب المناهج الغربية، وانتقد النقد البنيوي، ومن أمثلته صلاح فضل وكمال أبو ديب لإغفالهما الالتزام بقضايا المجتمع والواقع، وانتقد أيضاً الاعتماد على النص وحده في القراءة النصية أو النقدية، ودافع عن عناية النقد بسياقه، ومنها مجمل أعمال الكاتب، وطالب بالوقوف عند رسالة العمل، وبالاستعانة بشتى الأدوات والمناهج التي تقوم عليها العلوم الإنسانية، وبالوضوح الفكري في النقد، متجنباً تسمية الإيديولوجيا باسمها، وبالاقتصاد والتركيز، وبجمال الصياغة في اللغة العربية، ونفر من الاستغراق في استعمال المصطلحات، ودافع، دائماً، عن رسالة الكتابة «تلك الشهوة القديمة المتجددة لإصلاح الكون الفاسد.. إنما نحن ـ مثلما قال واحد من شعرائنا الراحلين ـ نلهث كي نكتب شعرنا في الليل، قبل أن يسفر النهار عن نثر أيامنا البغيض. وإنما القابض على يقينه ـ هنا والآن ـ مثل القابض على الجمر»([40]).
فاروق عبد القادر نسيج وحده في النقد، وعلامة على أصالته دون فذلكة أو ادعاء. وقد ضمّ كتابه، الأول، لأن كتبه تضم مقالات في الأجناس الأدبية المختلفة وفي الواقع الثقافي العربي، «أوراق من الرماد والجمر» إحدى عشرة مقالة نقدية عن نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف ويوسف إدريس وصنع الله إبراهيم وبهاء طاهر وحيدر حيدر ولطيفة الزيات وسليمان فياض، وحوى كتابه الثاني «أوراق أخرى من الرماد والجمر» ثماني عشرة مقالة عن نجيب محفوظ، وعبد الرحمن منيف، وفتحي غانم، ويوسف إدريس، وسحر خليفة، وجبرا إبراهيم جبرا، وعلاء الديب، ومحمد شكري، وحنان الشيخ، وجمال الغيطاني، ونعيم تكلا، وضم كتابه الثالث «من أوراق الرفض والقبول» مقالات عن وجوه أدباء عرب، ومنهم روائيون وقصاصون، بالإضافة إلى قرابة عشرين مقالة عن نجيب محفوظ وفتحي غانم وحنا مينه واميل حبيبي ويوسف إدريس وبهاء طاهر وعبد الفتاح الجمل وأبو المعاطي أبو النجا وأحمد إبراهيم الفقيه وعلاء الديب وجميل عطية إبراهيم وسلوى بكر وسحر خليفة. أما الكتاب الأخير «نفق معتم ومصابيح قليلة» فحوى قرابة ثلاثين مقالة عن عبد الرحمن منيف ولطيفة الزيات وبهاء طاهر وإبراهيم أصلان ومحمد البساطي وحيدر حيدر ويوسف الشاروني واعتدال عثمان وفؤاد التكرلي وفتحي غانم وأبو المعاطي أبو النجا ومحمد شكري وأمين معلوف وإبراهيم الكوني وغيرهم.
ويتميز الكتاب الأخير بتنامي عناية عبد القادر بالصوغ الفني، وبالتدقيق في لغته ومصطلحه، وبارتفاع نبرة الصراحة في مواجهة مشكلات الحياة الثقافية، وبميل نادر إلى التواضع، وبخلفية ثقافية معمقة، دون أن يثقل النص بالمراجع والمصادر، مما يجعل مثل هذا النقد مختلفاً عن النقد السائد، ومحتفظاً بقدر عال من العلمية والمنهجية والمسؤولية.
ولعلنا نشير في خاتمة حديثنا عن هؤلاء النقاد المؤصلين أنهم سعوا، وبدرجات متفاوتة، إلى منهجية النقد الموضوعي التي عرفت في النقد الانجلوساكسوني، فتلونت هذه الموضوعية بأساليب ممارستهم، لغةً ومصطلحاً وإجراءات نقدية.


الفصل الثاني
العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة
لنقد القصة والرواية
نهض النقد الأدبي في الخمسينيات والستينيات نهضته المعتبرة، باتجاه أصالته، وانتشاره، وعلميته، معرفياً ومنهجياً، مصطلحياً ونظرياً وتخصيصاً، (النقد النوعي والمتخصص للأجناس الأدبية). غير أن اتجاهات نقد القصة والرواية الجديدة، بدأت بالتشكل والظهور في السبعينيات، وقد ساعد على هذا التشكل والظهور عوامل كثيرة أثرت تأثيراً بالغاً في الرواية والقصة ونقدهما بنهاجيات حديثة، مثل الترجمة، ووسائل الاتصال وثورة المعلومات، وتطور العلوم والنهاجيات المعرفية، وأبحاث الهوية، والتطلع إلى الحديث والحداثة، وهي العوامل الأهم، بالإضافة إلى الاتصال الشخصي بمصادر الاتجاهات الجديدة ومراجعها مباشرة، نتيجة لتعلم اللغات الأجنبية، ولوفرة الروافد العلمية والأكاديمية العربية، ممن درسوا في الجامعات والمعاهد الأجنبية.
وتسارعت عوامل أخرى لدى جمهرة عريضة من النقاد والباحثين، وهي في غالبيتها نتاج العلاقة المؤرقة بين الذات والآخر، بين التقليد العربي والمؤثرات الغربية، مثل التأليف المعجمي والمصطلحي والموسوعي في الأدب بعامة، والقصة والرواية بخاصة، والعلاقات بين الفنون، وأبحاث نظرية الأدب ونظرية القصة والرواية بعد ذلك، والبحث عن نظرية نقدية عربية:
1- الترجمة:
لقد نشطت الترجمة كثيراً خلال فترة البحث، ولاسيما ترجمة القصة والرواية وبحثهما. ويشير الكتاب الذي أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بجزأيه «دراسات عن واقع الترجمة في الوطن العربي» (1985) إلى النضج الذي بلغته الترجمة في أقطار عربية كثيرة، فقد «استأنف العرب، بتعبير شحادة الخوري، سعيهم في ميدان الترجمة، بعد أن حققت البلدان العربية استقلالها، وملكت حريتها، فجعلوا منها رافداً لثقافتهم الخصبة الأصلية التي يعتزون بها». و«المهم في الوقت الراهن معرفة الواقع والانطلاق منه إلى حال أفضل، بإحداث المؤسسات، وإصدار التشريعات، وسد الثغرات، واستنباط الوسائل التي تكفل التقدم والنجاح وتحقيق الهدفين الكبيرين: تعريب العلم والتعليم والمجتمع، والتواصل مع الثقافة الأجنبية إغناء لثقافتنا العربية، وتعريفاً بالعبقرية العربية وقدراتها الإبداعية في الأمس واليوم، وفي الغد»([41]).
إن شحادة الخوري، وهو الخبير المعروف في ميدان الترجمة، يؤكد بلوغ العرب مستوى النضج في الترجمة، استعادة للفترة الذهبية في عصر المأمون وبيت الحكمة في القرنين الثاني والثالث للهجرة، ويأمل الانطلاقة إلى حال أفضل تجعل الترجمة رافداً أساسياً من روافد الإبداع. ولعلنا ندرك هذا المستوى من النضج حين نقارن واقع الترجمة خلال فترة البحث، بواقعها في الفترات السابقة، فقد أقر حسام الخطيب (فلسطين) لدى دراسته لسبل المؤثرات الأجنبية في القصة السورية، أن الترجمة «قطعت شوطاً عظيماً في الخمسينيات، ولاسيما في المجال القصصي، وترجمت روايات وقصص كثيرة عن الفرنسية، وأحياناً عن الإنكليزية، وعن طريق هاتين اللغتين ترجمت آثار قصصية كثيرة عن آداب (أوروبية) أخرى كالروسية والألمانية والإيطالية والهندية والأسبانية والصينية وغيرها»([42]).
وما ذكره الخطيب لا يتجاوز عشرات الكتب، أما في فترة البحث فجاوز العدد المئات، ناهيك عن النضج في مستوى الترجمة وتخصصها، بفضل التطور في معرفة اللغات الأجنبية، إذ لم تعد مقتصرة على اللغتين الإنكليزية والفرنسية، وفي احترافها وتطور تقاناتها، وتوافر الأعداد الكبيرة من مترجمي النصوص الأدبية الذين يتحلون بالشروط اللازمة لمثل هذه الترجمة([43])، وفي تعدد دور النشر العامة والخاصة التي زادت على المئات في بعض الأقطار العربية.
ونورد إشارات عن ترجمة القصة والرواية ونقدهما في فترة البحث:
1-1- ترجمة الرواية والقصة:
اقتصرت ترجمة الرواية على روايات ومجموعات قصصية قليلة في كل عقد حتى نهاية الستينيات، ولكن الانطلاقة الكبيرة حدثت في السبعينيات بتخصيص سلاسل خاصة بالرواية والقصة العالمية لدى عدد من دور النشر العربية، أو اعتماد سياسة نشر مستمرة للروايات والقصص العالمية.
كانت دار الهلال، تنشر رواية كل شهر، من الروايات البوليسية أو الاستهلاكية أو المقتبسة، ونادراً ما نشرت روايات أو قصصاً مما يعد نماذج طيبة لهذين الجنسين القصصيين. وشرعت دور نشر عامة وخاصة بنشر رواية أو روايتين كل عام، على تفاوت في الستينيات، مثل «دار اليقظة العربية» (دمشق)، و«دار الآداب» (بيروت)، و«المكتبة الحديثة» (بيروت)، و«دار المعارف» (القاهرة)، و«مكتبة الأنجلو المصرية» (القاهرة)، و«الإدارة العامة للثقافة بوزارة التعليم العالي ـ سلسلة الألف كتاب» (القاهرة) و«الدار المصرية للتأليف والترجمة ـ سلسلة الجوائز العالمية» (القاهرة)، و«دار الكاتب العربي ـ سلسلة من الأدب العالمي ـ وسلسلة من الشرق والغرب» (القاهرة)، و«دار مجلة شعر» (بيروت)، ثم كانت الانطلاقة الأكبر في السبعينيات والثمانينيات، واذكر بعض الملامح:
· الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة): سلسلة «روايات عالمية»، بالإضافة إلى عشرات الروايات، ومثلها عشرات المجموعات القصصية، والأعمال الكاملة لديستويفسكي.
· وزارة الثقافة (دمشق): سلاسل «روايات عالمية» و«القصة العالمية»، بالإضافة إلى عشرات الروايات والمجموعات القصصية، والأعمال الكاملة لليو تولستوي.
· دار الآداب (بيروت): أصدرت مئات الروايات العالمية، من اليابان وفرنسا وأمريكا وغيرها.
· دار عويدات (بيروت): أصدرت عشرات الروايات الفرنسية.
· دار الهلال (القاهرة): تابعت سلسلة «روايات الهلال» نشر الروايات العالمية، وقد عدلت في سياسة النشر كثيراً، فنشرت روايات ومجموعات قصصية هامة وجادة.
· دار النهار (بيروت): نشرت بعض الروايات العالمية، ومنها «جناح السرطان» لسولجنتسين.
· مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت): نشرت سلسلة «ذاكرة الشعوب»، وفيها أكثر من أربعين رواية عالمية مزودة بمقدمات نقدية شارحة، وبعض المجموعات القصصية.
· دار الفارابي (بيروت) ودار العودة (بيروت) ودار ابن رشد (بيروت) ودار سعاد الصباح (الكويت)، وعشرات دور النشر المماثلة: نشرت عشرات الروايات والمجموعات القصصية.
· دار التقدم ودار رادوغا (موسكو): نشرتا مئات الروايات والمجموعات القصصية الروسية والسوفييتية، والأعمال الكاملة أو شبه الكاملة لبعض القصاصين والروائيين مثل انطون تشيخوف وديستويفسكي وتورجينيف ومكسيم غوركي.
· المكتب الإعلامي البلغاري (دمشق): نشر عشرات الروايات والمجموعات القصصية البلغارية لدى دور نشر صغيرة بدمشق.. الخ.
وتحتاج حركة نشر القصة والرواية المترجمة إلى دراسة خاصة للتعرف النوعي والكمي والأسلوبي والفكري لاستقبالهما في الوطن العربي، استمراراً لما فعله عبده عبود (سورية) في دراساته المتعددة لاستقبال الرواية الألمانية في الثقافة العربية، كما في كتابيه: «الرواية الألمانية الحديثة: دراسة استقبالية مقارنة» (1993) و«هجرة النصوص: دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي» (1995).
1-2- ترجمة نقد القصة والرواية:
نشطت ترجمة نقد القصة والرواية أيضاً، فظهرت عشرات الكتب المترجمة للمنظرين والنقاد والباحثين أمثال جورج لوكاتش، وبيرسي لبوك، وايان واط وارنولد كيتل، وروجر ألن، وفرانك كيرمود، وجان ايف تادييه، وجان ريكاردو، ومارت روبير، ويانكولافرين، وريتشارد فريبورن، وللروائيين والقصاصين أمثال انييس نن وآلان روب جرييه وميشيل بوتور وغابرييل غارسيا ماركيز ونغوجي واثيونغو.
مثلما ترجمت عشرات الكتب عن روائيين وقصاصين ومنهم أمثال ديستويفسكي (ظهرت عنه أكثر من خمس كتب مترجمة) وتولستوي وبلزاك ومارسيل بروست واندريه مالرو وتشيخوف.
ويلاحظ، أن الكتب المترجمة اتجهت إلى الموضوعات التالية([44]):
1- الرواية الإنجليزية.
2- الرواية الفرنسية.
3- الرواية في أوروبا.
4- القصة في أوروبا.
5- القصة والرواية الروسية.
6- القصة في أوروبا.
7- الرواية الجديدة الفرنسية.
8- الرواية والقصة في أمريكا اللاتينية.
9- القصة والرواية العربية، أي ما كتبه المستشرقون والأجانب عن القصة والرواية العربية.
10- القصة والرواية في اليابان.
2- الروافد الأكاديمية:
مارست الروافد الأكاديمية من خريجي الجامعات والمعاهد العليا بأطروحاتها العلمية تأثيراً متزايداً في تنمية نقد القصة والرواية، وفي إشباع البحث العلمي بالمنهجية المعرفية الحديثة. إن نظرة إلى حجم الأطروحات والرسائل الجامعية في الدراسات الروائية والقصصية في فترة البحث قياساً إلى الفترة ما قبلها يوضح حركة حركة النقد القصصي والروائي، ففي دراسة لمختار بوعناني (الجزائر) عن «بيبلوغرافيا الرسائل الجامعية في الدراسات الروائية» (تجليات الحداثة 1994) بين أن عدد الأطروحات بلغ اثنتين وعشرين أطروحة في مختلف الجامعات العربية والأجنبية حتى عام 1970، بينما نوقشت أكثر من مائة وخمسين أطروحة فيما بين عامي 1970 و 1984، بعد استدراكي لبعض الأطروحات التي غفل عنها الثبت، وقدم عدد مماثل من الأطروحات حول القصة القصيرة. ويلاحظ أن اهتمامات الأطروحات وفق التالي:
اهتمامات بالطفل: 3 أطروحات.
اهتمامات بالمرأة: 8 أطروحات.
اهتمامات بالمجتمع: 10 أطروحات.
اهتمامات بالأرض: أطروحتان.
اهتمامات بالشخصية الروائية: 9 أطروحات.
اهتمامات بالاتجاهات الروائية: 16 أطروحة.
اهتمامات بالأثر الروائي والتطور الاجتماعي: 7 أطروحات.
اهتمامات بالمؤثرات الأجنبية: 5 أطروحات.
اهتمامات بالدراسة المقارنة: 3 أطروحات.
اهتمامات بالصورة من خلال الرواية: 7 أطروحات.
اهتمامات بالبناء الروائي: 21 أطروحة.
اهتمامات بالقضية الجزائرية: أطروحتان.
اهتمامات بالرواية المكتوبة بالفرنسية: 3 أطروحات.
اهتمامات لها صلة بفن الرواية: 6 أطروحات.
اهتمامات بالبطل الروائي: 7 أطروحات.
اهتمامات بالتطور الروائي: 3 أطروحات.
اهتمامات بالرواية التاريخية: 7 أطروحات.
اهتمامات بالرواية والروائي: 13 أطروحة.
اهتمامات بالرواية الخاصة ببلد عربي: 5 أطروحات.
اهتمامات بالمكان والزمان: 5 أطروحات.
اهتمامات بالتأثر والتأثير وبالصراع بين الرواية العربيةوالرواية الغربية: 3 أطروحات.
اهتمامات بقراءة الرواية: أطروحتان.
اهتمامات بالخطاب الروائي: 5 أطروحات.
اهتمامات بالرواية الجديدة: 10 أطروحات.
ولو تأملنا هذه الاهتمامات لوجدنا أن العناية بالفن وقضاياه تفوق العناية بالموضوعات وقضاياها، واذكر ملمحين لذلك، فقد كانت دراسات الرواية التاريخية، باستثناء دراستين، قد نوقشت في الجامعات قبل عام 1970:
· روايات جرجي زيدان التاريخية ودورها في الرواية المصرية ـ همداني علي ـ جامعة القاهرة 1961 (ماجستير).
· الرواية التاريخية في الصحف المصرية ـ محمود الشريف ـ جامعة القاهرة 1969 ـ (ماجستير).
· الرواية التاريخية في الأدب ـ عبد الرحمن أبو علي 1968 (دكتوراه).
· الرواية وتطورها في الأدب العربي الحديث في مصر 1891-1939 ـ محمود الشريف (ماجستير).
· الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث ـ منصور إبراهيم الحازمي ـ جامعة لندن 1966 (دكتوراه).
· الرواية التاريخية عند جورجي زيدان ـ حسين التلباني ـ جامعة الجزائر 1983 ـ (دكتوراه).
· الرواية التاريخية في الأدب العربي في سورية ـ عبد الرحمن برمو ـ معهد الاستشراق ـ بموسكو 1993.
أما الملمح الثاني فهو أن دراسات الخطاب الروائي، على سبيل المثال، جرت في التسعينيات:
· مكونات الخطاب الروائي في «شكاوى المصري الفصيح» ليوسف القعيد ـ إلهام الإدريسي القاسمي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط 1991 (ماجستير).
· مكونات الخطاب الروائي ـ فاطمة بنطاتي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط 1991 (ماجستير).
· خطابات المستنسخ في الرواية العربية: نموذج حليم بركات ـ أحمد حفيظ ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ 1991 (ماجستير).
· الخطاب الروائي: نشأته وتطوره في الأدب العربي الحديث 1834-1980 ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ 1991 (ماجستير).
· بحث في الأنساق الخطابية للواقعي والتخييلي في الخطاب الروائي العربي من خلال: الوجوه البيضاء. بدر زمانه. مالك الحزين. عبد الفتاح الحجمري ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ 1991 (ماجستير)([45]).
ولعلنا نذكر قائمة تفصيلية للأطروحات (الماجستير والدكتوراه) التي قدمت في جامعة حلب وحدها، على سبيل تدعيم القول في مدى تأثير الروافد العلمية في الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، وتوكيد أن هذا الثبت غير دقيق في الوقت نفسه:
الباحث
الموضوع
عام المنح
محمد حسن عبدالمحسن
الأدب الشعبي في موسوعة حلب للأسدي
1983
محمد الصالح محفوظ
البطل في القصة القصيرة الجزائرية
1987
عبدالناصر مباركية
الثورة التحريرية في الأدب القصصي الجزائري
1987
عبدالله تزروتي
المرأة في روايات نجيب محفوظ
1987
عبدالله بن قرين
اتجاهات النقد الأدبي الحديث في الجزائر
1987
حسين محمد قحام
صورة الأرض في الأدب القصصي العربي في الجزائر
1987
إالهام طه نجار
المنهج الواقعي في النقد الأدبي في سورية ولبنان
1987
محمد علي يحيى
القصة القصيرة في اليمن 1939-1980
1989
سهام عبدالقادر ناصر
نقد القصة القصيرة في سورية من نشوئه إلى عام 1985
1990
أحمد عبدالرحيم الحسن
دراسة في نقد الرواية السورية من 1930 إلى 1985
1990
أمية ترمانيني
المرأة وصورتها في الأدب الروائي السوري إلى 1967
1990
خالد أعرج
المؤشرات البنيوية في النقد العربي في سورية ولبنان
1991
يوسف اسماعيل
النزوع الوطني في سيرة الأميرة ذات الهمة
1991
مرشد أحمد
جماليات المكان في روايات عبدالرحمن منيف
1992
محمد عادل حمادة عرب
المعالجة الفنية للتاريخ في الرواية السورية حتى عام 1961
1992
نضال الصالح
الأرض في الرواية العربية الفلسطينية
من 1965 إلى 1982
1992
محمد رياض وتار
شخصية المثقف في الرواية العربية السورية
من 1967 إلى 1990
1996
خالد أعرج
النقد العربي المعاصر في مصر والمشرق العربي
1999
سهام ناصر
المصطلح النقدي وعلاقته بالتيارات الأدبية والاجتماعية
1999
ويستفاد من هذه المقارنة تعاظم النقد القصصي والروائي المستند إلى الاتجاهات الجديدة في فترة البحث بتأثير الروافد العلمية لحركة النقد والبحث الأدبي بنهاجيات علمية حديثة.

3- تطور العلوم والنهاجيات المعرفية:
ثمة علاقة ظاهرة للعلوم وتكنولوجيا المعلومات بالأدب، وقد اخترت جانبين لهذه الظاهرة، الأولى هي تأثير العلوم والعلم، والثانية هي تأثير تكنولوجيا المعلومات:
3-1- تأثير العلوم والعلم:
عولج تأثير العلوم والعلم على الأدب والنقد في عدة مصنفات ترجمت إلى العربية خلال العقدين الأخيرين، مثل: «على مشارف القرن الواحد والعشرين: الثورة التكنولوجية والأدب» (بالروسية 1984) لفالنتينا ايفاشيفا([46])، بترجمة فخري لبيب (مصر)، و«الفن في عصر العلم» (بالروسية 1978) لأرسيني غوليكا([47])، بترجمة جابر أبي جابر ومراجعة شوكت يوسف (سورية)، و«النقد الأدبي الحديث بين الأسطورة والعلم» (1988) لعدة مؤلفين([48])، بترجمة محي الدين صبحي (سورية).
وكانت هذه المعالجات عامة لمفاهيم التقدم والنمذجة والجمالية والأخلاق في استخدام العلوم والعلم في الأدب، ولتقصي آفاق العلم في الفن والأدب، فدرس غوليكا، على سبيل المثال، التقدم في الفن وجمالية الكشف العلمي وموقف الفن من العلم والأخلاق، ووصف المؤلف عمله بأنه «دراسة معضلة وشاملة، لتفاعل الفن مع التقدم العاصف للمعرفة العلمية، إذ يتميز الفن بقدرته على استباق الزمن في تصويره للواقع، وهذه الصفة بارومتر المناخ الروحي. فالفنان لا يرى فحسب، بل ويتنبأ، وحين تكون ظواهر الحياة في بداية تشكلها، يتفاعل حدس الفنان مع النتائج المحتملة. إن الفن في عصر الثورة العلمية التقنية هو فن القرن العشرين الذين يشارف على نهايته، وقد حان الوقت لاستخلاص بعض النتائج التمهيدية في ضوء سيرة الفن السالفة»([49]).
ولا يختلف اثنان على التأثير العميق للعلم على الأدب، كأن تكون فكرة الفن أسلوباً في المعرفة، أو أن تكون الرواية بحثاً كما عند ميشيل بوتور وروائيي الرواية الجديدة، أو أن تكون الرواية سجلاً للواقع والمجتمع كما في الرواية التاريخية والإنسيابية، أو أن تكون الرواية تفسيراً للسلوك الإنساني والنفسي، أو أن تكون الرواية أو القصة وثيقة تاريخية، أو أن تصاغ الرواية أو القصة وفق النظرة النسبية، وقد مارسها عدد من روائيي العصر ممن كان لهم تأثيرهم البالغ على الرواية العربية ونقدها، وأخص بالذكر وليام فولكنر ولورنس داريل، ولا سيما روايتيهما «الصخب والعنف The Sound and the Fury» (ترجمها جبرا إبراهيم جبرا إلى العربية عام1961)، و«رباعية الإسكندرية Al-Exandrian Quartrian» (ترجمت الجزأين الأول والثاني ـ سلمى الخضراء الجيوسي عام 1962، ثم ظهرت الأجزاء الأربعة عام 1993 من قبل مترجم آخر).
ويؤكد عدد من نقاد داريل، على سبيل المثال، أن اكتمال فهمنا لمؤلف «رباعية الإسكندرية» غير ميسور ما لم نحط علماً بنظرية النسبية التي يدعو إليها، ويطبقها في أدبه. ويستمد داريل هذه النظرية من نظريات اينشتاين في الرياضة. ويشرح لنا هذا الكاتب نظريته الأدبية في النسبية التي يسميها «استمرار الزمان والمكان». ويضيف رمسيس عوض في كتابه «دراسات تمهيدية في الرواية الإنجليزية المعاصرة» (1971)، أن ديرل دافع عن نفسه بقوله: إنه أراد بكل بساطة أن يقوم بأداء بعض الألعاب الشعرية على فكرة نسبية الزمان والمكان بوصفها إحدى الأفكار الكونية الهامة في العصر الحديث. ويقول ديرل: إنه يعبر في رباعيته عن هذه النسبية، وإنه يتوسل إلى ذلك بالشخصيات، بدلاً من الأرقام التي يستخدمها علماء الرياضة([50]).
3-2- تأثير تكنولوجيا المعلومات:
أوردت فالنتينا ايفاشيفا في كتابها المذكور شهادات عدد من الأدباء عن تأثير التكنولوجيا على الأدب، ففي نهايات الستينيات، عبر البرتو مورافيا عن حنقه من أن الأدب سيصبح أكثر فأكثر وثيقة أو سجلاً، وأن الرواية الخيالية ستختفي تدريجياً، وأن العنصر الروائي الخيالي سيجتث، أو على الأقل، سيختزل لحده الأدنى، ولخصت الباحثة السوفييتية أثر التكنولوجيا الحديثة على الأدب في ثلاثة توجهات رئيسة: توجه الأدب والدراما نحو الوثائقية، ورواج روايات الخيال العلمي، وميل الأدب إلى الفلسفة([51]).
والتفت النقاد إلى تعاظم هذا الأثر على الأدب، فترجم أحمد المديني (المغرب) بحث كربال سبينغ «التكنولوجيا والرواية» (الثقافة الأجنبية (1984). غير أن النقاش الأهم لهذا الأثر ومداه في الأدب العربي الحديث، قام به نبيل علي (مصر) في مقالته «ذات صنع الله إبراهيم من منظور معلوماتي» (إبداع 1992)، وكتابه «العرب وعصر المعلومات» (1994)، فقد خص هذه القضية بفصل مطول في كتابه، واستنتج فيه الخلاصات التالية:
- بروز الوثائقية كإحدى ظواهر أثر التكنولوجيا الحديثة على الأدب.
- فقر الأدب العربي بأدب الخيال العلمي، لأن معظم كتابه من العلماء خاصة، ويفتقدهم الأدب العربي الحديث.
- الكتابة الروائية في نظر أهل الذكاء الاصطناعي نوع من توليد النصوص **** Generation، وهم قانعون، على الأقل حالياً ـ بأن تكون حدود مغامراتهم في مجال الإنتاج، لا الابتكار، ولكن لا يفوتهم أن يذكرونا بأن معظم الروايات الاستهلاكية، بل ومنها تلك الأكثر رواجاً، تندرج تحت فصيلة الإنتاج، لذا فلا يقلل من طموح الآلة في رأيهم أن تحذو حذوها.
- إمكانية إنتاج قصص عبر النظم الآلية: صانع الحبكة Plot Maker، صانع عالم الرواية World Maker، محاكي الأحداث Events Simulator، ناظم السرد Narrator، مولد النص **** Generator.
- تصاعد الاتجاه نحو التركيز على دراسة «أدبية» النصوص من داخلها، وتشترك نظرية الأدب والذكاء الاصطناعي في العديد من الأسئلة المتعلقة بطبيعة المعنى والفهم([52]).
4- وسائل الاتصال وثورة المعلومات:
4-1 وسائل الاتصال والرواية الاستهلاكية:
إن التطور الهائل في وسائل الاتصال وثورة المعلومات قد أثر في الإبداع العربي برمته، ولا سيما الرواية ونقدها، فطالت التبدلات العميقة التعبير الروائي والقصصي ونقدهما، وهي تبدلات عنيفة لا سبيل إلى الفكاك منها، لأنها مست الثقافة العالمية، وآدابها في الجوهر وفي الشكل. والتمس لملاحظة مثل هذه التبدلات مثالين هما الرواية الاستهلاكية للتعرف إلى تأثير وسائل الاتصال، واللغة العربية للتعرف إلى تأثير ثورة المعلومات.
لم تصل موجة الروايات الاستهلاكية إلى السوق الأدبية العربية إلا متأخرة على استحياء وظهرت بوادرها في الثمانينيات في الكتابة لوسائل الاتصال بالجماهير كالصحافة والإذاعة والتلفاز والسينما، ويدل هذا التوصيف الواقعي والتاريخي على أن الكتابة الروائية العربية ما تزال بعيدة عن ضغوط السوق التجارية، أن ثمة شروطاً يفرضها الآن منتج البرامج والأشرطة التلفزيونية والسينمائية أو ممول المسرح أو ناشر الجريدة أو المجلة لقبول إعادة إنتاج الأدب عبر هذه الوسائل وقنوات الاتصال، ومما يؤيد مثل هذا الرأي أن بعضاً من أهم الروائيين العرب ما زالوا بعيدين عن قوانين السوق التجارية، فلم تتأثر جماليات الرواية عندهم بمعطيات التغيير الثقافي الكلي كما هو الحال في أوروبا وأمريكا، ونذكر منهم عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وغالب هلسا وادوار الخراط وعبد السلام العجيلي والياس الديري ومحمد الصالح الجابري وعبد الرحمن مجيد الربيعي ونبيل سليمان، وإنما بدأت تداخل أساليبهم أنواع من الاهتمام بتأثير وسائل الاتصال.
ويقودنا مثل هذا الاستنتاج إلى أن إسهام الروائي العربي أكبر في تحديد جماليات روايته، وأن هذا الإسهام أكبر بعد ذلك في تثمير أدوار الأديب في عمليات التفكير الثقافي العاصفة في حياتنا. على أننا سنذكر إشارات أخرى حول موجة الرواية الاستهلاكية بالنظر إلى تأثير التغير الثقافي في صياغة معايير الرواية وتوجيه جمالياتها ونقدها في الوقت نفسه من أجل قرائن أكثر مع جماليات الرواية العربية وانبثاقها من عمليات التغير الثقافي الواسعة والعميقة منذ الخمسينيات، وما يستدعيه من حساسية نقدية جديدة.
كيف تنتشر الرواية الاستهلاكية؟ وما هي محاولات ترويجها باللغة العربية؟.
لاحظنا أن الرواية الاستهلاكية العالمية، وهذه هي حدود نشأتها، قد ترافقت مع نمو الحس الاستهلاكي فيما سمي ملء أوقات الفراغ بادئ الأمر، والاندراج في التسلية التي شرع المشتغلون بعمليات الاتصال يحسبون لها حساباً في برامجهم لكسب الجمهور، ثم شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى حمى محاولات كسب الجمهور عن طريق وسائل الاتصال، ولاسيما فنون الصوت والصورة المكتشفة آنذاك من جهة، وفنون الصحافة الراسخة من جهة أخرى، فتطورت الكتابة الروائية في منحى الاستهلاك الذي يراد منه التسلية وتزجية أوقات الفراغ بالدرجة الأولى إلى إدخال الرواية والقصص بشكل عام في دائرة تزييف الوعي، أي تفريغ هذا الجنس الأدبي من الفكر والتاريخ والمجتمع خلل صياغة كتابات روائية وقصصية خاضعة لتصنيفات موصوفة مسبقاً لا تبتعد عن إدهاش السرد والمقدرة الحكائية الجذابة التي يقدم من خلالهما أو بوساطتهما حبكات مدروسة بعناية بما يجعلها نفورة من الهموم أو الاهتمامات الجدية، وقد تصدر هذا التصنيف مجموعة من التوابل أولها التركيز على العواطف المنفصلة غالباً عن جذرها الاجتماعي والنفسي، فيجري الولع بالأفعال العاطفية وردودها ضمن آليات رتيبة متوقعة، مثلما يحرص كّتاب هذه القصص والروايات على أن تدور الأحداث والوقائع، إن وجدت وقائع، لأن الوقائع مما ينتمي إلى التاريخ، في بيئات ثرية لا يعاني أفرادها الفاقة أو البؤس أو الحرمان، اللهم إلا الحرمان من فقدان التوافق في الحب.
وثمة خصائص أخرى نذكر منها تجميل الواقع من أجل قبوله، ووضع المتلقي في بهرج التعلق بنمط الحياة الذي تعرضه هذه الكتابات الروائية والقصصية، وغالباً ما يسمون هذا التعليق بأنه أحلام، فالمرء قادر بتقديرهم، على تغيير وضعه، واللحاق بهذا النمط، والذين تابعوا الأفلام «الهوليودية» في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات يدركون ذلك الحرص على ترويج هذه الخصائص ولوازمها مثل الرجال الوسيمين الجذابين، والنساء الساحرات، والطبيعة الخلابة، والطابع السياحي الجميل للأماكن الباذخة. والشعور بالوفرة إلى حد التخمة غالباً، والحرية المطلقة بعيداً عن قيود المجتمع والأسرة والدين والالتزامات الأخرى.. الخ، ولقد عاشت السينما المصرية على تقليد هذه الأفلام إلى وقت قريب اقتباساً أو تعريباً بشكل من الأشكال، ومع طغيان الأنماط الاستهلاكية على الحياة العربية مع مطلع السبعينيات بدأ تيار الرواية الاستهلاكية العربية يتشكل إثر هجمة التلفزيون على مختلف أجهزة الثقافة والإعلام واكتساحه لفنون الاتصال الأخرى، ولا سيما السينما والمسرح.
ثم تفاقمت هيمنة التلفزيون مع استتباب التبعية للغرب الذي بات متحكماً بالخبر والصورة معاً، ومحتكراً لصناعتهما عبر الشركات الاحتكارية الكبرى المشهورة إلى جانب وكالات الأنباء المصورة وسواها. ومن أمثلة المسلسلات التلفزيونية الرائجة والمنتشرة في الوطن العربي كله «دالاس» و«داينتسي» و«سفينة الحب» و«سانتينال»، بالإضافة إلى مئات البرامج والمسلسلات المأخوذة عن الروايات المعروفة باسم «الأكثر رواجاً» أو «بست سيللر Best Seller».
بدأ إقبال الروائيين والقصاصين العرب على الكتابة لوسائل الاتصال بالجماهير على استحياء غير أن الهبّة النفطية، وانتشار محاولات توظيف رأس المال العربي ولا سيما النفطي في مراكز البحوث والمشروعات الإعلامية، ودخول مخاطبة الإنسان العربي، ولا سيما بعض الجماهير الخاصة مثل النساء والأطفال والفتيان في برامج الدوائر الإعلامية الأجنبية، قد جعل غالبية الروائيين والقصاصين في تطلع مستمر لتوظيف إنتاجهم في آلة التلفزيون وبقية وسائل الاتصال الأخرى، وفي سورية، على سبيل المثال، يندر أن نجد روائياً أو قاصاً معتبراً لم يكتب المسلسلات التلفزيونية، أو أن يخضع فنه الروائي والقصصي لحاجات الوسائل الإعلامية مثل هاني الراهب وعلي عقلة عرسان وخيري الذهبي وعبد الكريم ناصيف ودياب عيد وحنا مينة وألفت الإدلبي وناديا خوست وعبد النبي حجازي وغيرهم، بل أننا، وضمن دراسة متقصية، نلمس حساب هذه الوسائل الاتصالية كالتلفزيون والسينما في تفكير الروائي والقاص الأدبي ذاته، فتأثرات جماليات الرواية والقصة بشروط هذه الوسائل، أي أن الكاتب صار معنياً بقابليات ظهور روايته أو قصته في مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي أو مسلسل إذاعي قبل مراعاته لصدورها في كتاب!([53])
ومن المفيد أن نشير إلى روائيين وقصاصين رائجين من كتاب الرواية الاستهلاكية في سورية أيضاً، نذكر محمد حسين شرف ووفاء حمارنة. وقد يستغرب المرء غزارة إنتاج هذين الكاتبين وسرعة انتشار رواياتهم وقصصهم حتى إن بعض رواياتهم طبعت طبعتين أو ثلاث طبعات خلال عشر سنوات، أما الروايات والقصص التي لم يعد طبعها فقد نفذت طبعتها خلال أقل من عامين، ولو استعرضنا عنوانات رواياتهما وقصصهما وموضوعاتها، لوجدنا إلحاحاً على تعابير الحب والمرأة والعبارات الوجدانية الموحية أو الغامضة من جهة، وموضوعات الميوعة العاطفية وطوابع المشجاة (الميلودراما) من جهة أخرى. فقد نشر محمد حسين شرف خلال السبعينيات والثمانينيات أكثر من عشر روايات نذكر منها: «قمر الغرباء» (1970). و«فينوس» (1973)، و«همس الغروب» (1976)، و«ملح على جرح» (1978)، و«دستور الحب» (1980)، و«الغزل عطر النساء» (1985)، و«هؤلاء الأوغاد» (1986)، و«تنهدات العذارى» (1987)، و«لابد من المرأة» (1991).
أما وفاء حمارنة فقد نشرت خلال الثمانينيات أكثر من خمس روايات نذكر منها: «خواطر عن الحب والحياة» و«مملكة الحب الدامية» و«موعد مع السعادة» و«صراع مع النساء» (ولم نذكر تاريخ الطبعات، لأنه غالباً غير مذكور).
ويبدو أن موجة الرواية الاستهلاكية تحتاج إلى تعديل في خطط النشر، تأليفاً وتعريباً وطباعة وتنويعاً، وهذا ما يفسر تعدد السلاسل والحرص على ابتكار أساليب جديدة للمخاطبة لتحقق أهدافها كاملة، لأن القيمين عليها غالباً ما يجرون دراسات وبحوثاً مطولة تسبق إصدارها، أو في أثناء إصدارها، فقد أجريت استطلاعات رأي بين الشباب العربي، ولا سيما الفتيات والنساء لمعرفة مدى تقبل هذا النوع من الرواية. ولزيادة التأثير، فقد رأى القيمون على «سلسلة عبير» إصدار سلسلة «روايات عبير العربية»، فطلب إلى العديد من الكتاب والروائيين العرب إنتاج روايات تناسب هذه الموضوعات، فبادر عدد منهم إلى الكتابة بأسمائهم الصريحة أو المستعارة، وقد صدرت بعض الروايات، ولكن المشروع أخفق، لأن قارئات «عبير» و«قلوب عبير» وقراءها مشدودون إلى أرض الأحلام أو الأوهام، لا فرق، وليس إلى واقعهم الذي يدركون أنه لا ينبت الأحلام، ولا تكتمل فيه صياغة الأوهام، فالتفتوا عن المخاطبة العربية مكتفين بالترجمة، أو الاقتباس، أو الاختصار أو الهزال، لأنها الأقرب للرواج والربح السريع.
غير أن نمط الرواية الاستهلاكية، وهو لاشك، إفراز لنمط الحياة الاستهلاكية وأساسها تأثير وسائل الاتصال، قد انتشر في الحياة الثقافية العربية بأشكال متعددة. كان الروائي أو القاص العربي معزولاً عن وسائل الاتصال بالجماهير، أو «هوجة» مخاطبة الجماهير مباشرة، لأن وسائل الاتصال بالجماهير نفسها لم تكن لها مثل هذه السلطة المتفاقمة التي نراها عليها اليوم، ولأن الجماهير نفسها لم تكن موضع الحفاوة والتقدير والاهتمام التي يجري الحرص عليها اليوم، فأخلص الروائي أو القاص العربي من قبل لفنّه، واستغرق في صومعة أفكاره، ولعل تأمل رسائل توفيق الحكيم إلى زوج ابنه حتى مطلع الثمانينات تكشف عن العوز الذي واجهه مفكر وأديب وروائي ومسرحي عربي كبير([54]). وثمة أنموذج آخر أكثر سطوعاً يتبدى في مسيرة نجيب محفوظ، فهو كتب حتى أواخر الستينيات الرواية بعيداً عن حسابات الإيصال الإعلامي، وغّلب في أدبه حاجات الفنّ والفكر على شهوة الانتشار، وإن خصّ السينما بوصفها فناً رائجاً بقصص كثيرة مكتوبة خصيصاً لهذا الفن الجماهيري الواسع الانتشار، فلم يثنه عمله أو كتابته لوسائل الاتصال عن سعيه الأصيل لإنجاز فنه الروائي العظيم، فميّز بين الرواية ومثل هذه الكتابة. وثمة كثيرون، كما أشرت، لا يعرفون أن نجيب محفوظ كتب عشرات الأفلام أو الأعمال الإذاعية لهذه القنوات مباشرة، وما تزال هذه الأعمال مخصوصة بما كتبت له، ولم تظهر نصوصها في كتب.
وظل هذا الوضع سارياً حتى مطلع السبعينيات حين صارت بعض روايات نجيب محفوظ، بتأثير شهوة الانتشار وهيمنة الإعلام، قابلة بيسر للإندراج في طبيعة وسائل الاتصال بالجماهير، فخالط روايات كثيرة له شيء من لوازم الرواية الاستهلاكية، كغلبة الإخبار على السرد، أو العناية برسم الشخصيات على حساب الوصف أو التأملات الفكرية، أو صوغ الرواية برمتها بأسلوب «السيناريو»، أو اختزال الوقائع إلى تركيب مشهدية ما.. الخ، وهذا واضح في روايات كثيرة له مثل «حب تحت المطر» و«يوم قتل الزعيم» و«الحرافيش».
ونستطيع أن نجد روائيين وروايات عربية كثيرة، قد تأثرت بنيوياً وسردياً وهيكلياً بتقنيات الإيصال وشهوة مخاطبة أوسع الجماهير بدغدغة مشاعرهم، وطلب التواصل العاطفي أو الاندماجي في تلقيهم. وكان برع في ذلك من قبل روائيون كثر أمثال إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي اللذين راجت أعمالهما منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الستينيات على وجه الخصوص. لقد خاطبت رواياتهما العواطف والمشاعر إلى أبعد ما تفعله الاتجاهات الرومانسية الهادئة أو المغالية، وإلى أبعد ما تعتمله اتجاهات المشجاة (الميلودراما) المتطرفة، ونادراً ما عبرت هذه الأعمال عن الوجدان العام أو الضمير القومي أو الوعي بالتاريخ. وفي هذه الأيام بتأثير حاجات التلفزة والقنوات الفضائية يعاد إنتاج روايات إحسان عبد القدوس في مسلسلات وسهرات تلفزيونية مثل: «لا أكذب ولكني أتجمل»، و«لن أعيش في جلباب أبي».
من الواضح، أن الرواية الاستهلاكية تنتشر عربياً بتسارع متزايد، لأن المعرفة نفسها في تصارع متصاعد مع الإعلام، ولا يماري أحد أن الثقافة الرفيعة الحّقة هي اليوم أشبه باليتيم على مائدة «اللئيم» الذي هو «الإعلام». وليس تأثير الرواية الاستهلاكية في جماليات الرواية العربية هيناً خلال نصف قرن من الزمن، فهو يدخل في تفكير الروائي العربي، وفي بناه السردية، وفي نسيج حبكه، وفي تشكل صوغه الفني، وما يزال التصارع قائماً بين النزوع الاستهلاكي إلى منتهاه، ونزوع الجمالي إلى منتهاه. وثمة روائيون يمثلون هذا الفريق أو ذاك. ولكننا يندر أن نجد روائياً عربياً معتبراً بمنجاة من هذا التصارع، وهذا واضح في أعمال جبرا إبراهيم جبرا وحنا مينه ووليد إخلاصي ونبيل سليمان (سورية) وعبد الرحمن الربيعي (العراق) وبهاء طاهر وفتحي غانم (مصر) ومحمد صالح الجابري (تونس) وغيرهم.
وقد استدعى ذلك مواكبة نقدية تراعي طبيعة التغير الثقافي، ولاسيما تأثير وسائل الاتصال في الأدب والنقد.
4-2- اللغة العربية والمعلوماتية:
تبدلت النظرة إلى اللغة العربية تبدلاً كبيراً خلال العقدين الفائتين بتأثير ثورة المعلومات، بل جاوز التبدل إلى التأثير العميق في خصائص منظومة اللغة العربية وعلائقها الداخلية والتعبيرية والوظيفية في الكتابة الإبداعية الروائية والقصصية، وفي نقدها الذي مال إلى المناهج الحديثة وطرائقها البحثية، وقد ساهم التفجر المعلوماتي في تكونها من الحاسوب، إلى «المالتي ميديا»، إلى الأنترنت، وهي شبكة معلوماتية كونية ومحلية جعلت التواصل المعرفي ونهاجياته وتقاناته وإجراءاته مختلفة عما كانت عليه قبل هذين العقدين، وصار الحديث عن الكتاب الإلكتروني باستعمال الكتابة الحاسوبية وقابليات التأليف والتوثيق وثراء تعدد الوسائط، في متناول اليد، مما يتدخل إلى حدّ كبير في تنظيم عمل المخيلة الإبداعية، وفي انتظام منهجية محددة للعمل النقدي في آن واحد.
ويظهر هذا التبدل العميق في اللغة العربية في تأملنا لتطور استجابة اللغة العربية لهذا التفجر المعلوماتي، منذ الدورة السابقة لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي (الرباط 1989)، فقد تفاقمت الحساسية العربية إزاء التحديات التي تواجه اللغة العربية، فحملت الدورة شعاراً شديد الدلالة هو «اللغة العربية هويتنا القومية».
قدم لهذه الدورة أكثر من عشرة بحوث لعدد من كبار الخبراء والاختصاصين أمثال شكري فيصل وتمام حسان وعلي الشابي وإبراهيم عبد الله رفيدة وجميل عيسى الملائكة والطيب البكوش وإبراهيم بن مراد ومحمد رشاد الحمزاوي ومحمد مصطفى بن الحاج وزكي الجابر، ومحمد السويسي ومحمد خليفة الدناع ويوسف الخليفة أبو بكر، وطبعت هذه الأبحاث في كتاب «من قضايا اللغة العربية المعاصرة» (1990).([55])
إن ثمة نظرة جديدة وتعاملاً جديداً للغة العربية في البحث العلمي، ومنه النقد، لابدّ من أخذهما بالحسبان، فقد توصل الباحثون العرب إلى نتائج هامة تتعلق بالمعالجة الآلية للبيانات العربية، منها:
- طرق تخزين البيانات واسترجاعها.
- المعاجم العربية لإصلاح التهجئة.
- برامج تدقيق الإملاء الصرفية والنحوية.
- المحلل الصرفي.
- برامج تحليل الإعراب النحوي.
- برامج التحليل الدلالي.
- برامج توليد الكلمة في اللغة العربية([56]).
ثم صدر مؤلف من «قضايا فكرية» عن «لغتنا العربية في معركة الحضارة» (1997)، والبارز في مقالاته وأبحاثه المكتوبة بأقلام نخبة من المفكرين والعلماء والأدباء والنقاد، ثلاثة أمور، الأول توكيد منزلة اللغة العربية في تدعيم أبحاث الهوية، والثاني هو مقدرتها على التجدد والأصالة، وفي صلب ذلك مواجهتها للتحدي الاتصالي والمعلوماتي، والثالث هو استجابتها البطيئة والقاصرة والتخلف على الرغم مما تحقق لها من تجديد وتطوير وتطويع نسبي لمقتضيات العصر وحاجات التطور المجتمعي العربي بجوانبه الإبداعية والتنموية والإنتاجية جميعها.
وكانت شهادة خليل النعيمي (سورية)، وهو روائي وطبيب وجراح. درس الطب والفلسفة في جامعة دمشق، ويعمل حالياً في مستشفيات باريس، في منتهى الأهمية عن ثراء اللغة العربية واستجابتها الدائمة للتجدد والتأصيل، مما يفسر سيرورتها وبقاءها واحتضانها للغة العلوم والمعلوماتية:
«أما الصبغيات (الكروموزوم)، والمعلوماتية (الأنفورماتيك)، والعصب الودي (السمبتاوي)، والبطين (فالتريكول)، وهو بطين القلب التشريحي، والشغاف (بيريكارد) وهو الذي يحيط بالقلب، ويحميه، أي شيء أكثر تعبيراً عن هذه المهمة من الشغاف؟. ولابد أن كلمة الشغف، اشتقاقاتها جاءت من هذه الإحاطة الحميمة، وغير هذه من التعابير والكلمات المعربة التي درسناها في جامعة دمشق، وهي التي باستطاعتها أن تضفي بعداً جديداً على اللغة، وتعبر، في الوقت نفسه، عن طاقة هذه اللغة على التجدد والتطور»([57]).
وتحدث النعيمي عن فضل اللغة عليه كاتباً وطبيباً جراحاً، لأن «اللغة بلا علم هي لغة خرساء»، ولأن التعريب ليس دائماً تخريباً، «إنه، على العكس سلاح إضافي بالنسبة للطبيب العربي مثلاً، و«لغة الدراسة ولغة الممارسة هي نفسها، وإذا ما قرر أن يتخصص، فإنه بالتأكيد سيكون قادراً على تخطي عوائق تعلم لغة جديدة»([58]).
وتميز بحث نبيل علي (مصر) «نحو نظرة أشمل للغة»، في تصديه المبكر والدقيق للغة العربية والمعلوماتية، وهو صاحب أول مؤلفين باللغة العربية عن هذه القضية الشائكة والهامة: «اللغة العربية والحاسوب» (1988)، و«العرب وعصر المعلومات» (1994). وقد عالج علي اللغة ضمن المحاور التالية:
· الدور الأكثر خطورة الذي تلعبه اللغة في مجتمع المعلومات.
· الموقع الأكثر أهمية الذي تحتله اللغة حالياً على خريطة المعرفة الإنسانية.
· الإشكالية الأكثر تعقيداً التي تصاغ في قالبها قضية اللغة.
· التوجهات الأكثر تعدداً لتناول إشكالية اللغة وأمور معالجتها آلياً بواسطة الكمبيوتر([59]).
لقد وضع نبيل علي الملح على الجرح، على أن السبيل متاح لمجاوزة الراهن غير المرضي، باللجوء إلى المجالات التالية:
· تكنولوجيا المعلومات كأداة للإحصاء اللغوي.
· استخدام تكنولوجيا المعلومات في معالجة الكتابة العربية.
· تكنولوجيا المعلومات كأداة للصرف العربي.
· تكنولوجياالمعلومات كأداة للنحو العربي.
· استخدام تكنولوجيا المعلومات في الفهم الأتوماتي للسياق اللغوي.
· تكنولوجيا المعلومات في تحليل النتاج الأدبي وأساليب الكتاب.
· تكنولوجيا المعلومات كأداة لمكننة المعجم العربي.
· تكنولوجيا المعلومات كأداة لدعم العمل المصطلحي.
· تكنولوجيا المعلومات في مجال الترجمة الآلية.
· توليد الكلام العربي وفهمه آلياً([60]).
أجل، تبدلت النظرة إلى اللغة العربية وممارستها في المجالات كافة بتأثير ثورة المعلومات، ولم يكن الأدب والنقد الأدبي بمنجاة من ذلك.
5- تنامي أبحاث الهوية:
تفاقمت المخاطر المحدقة بالذات القومية أثر هزيمة 1967، مما دعا إلى أمرين متلازمين في الفكر العربي، الأول هو موجة نقد الذات، وأطلقه صادق جلال العظم (سورية) في كتابه الشهير «النقد الذاتي بعد الهزيمة» (1969)، والثاني تنامي أبحاث الهوية وعياً بالذات، وبالتاريخ العربي، وبالآخر الأجنبي، الذي صار إلى تأزم ضاغط على الوجدان المهيض، وكنت بينت في بحثي «أزمة الذات في الرواية العربية» (عالم الفكر 1996) أن الرواية هي الفن الحديث الأكثر تعبيراً عن تحديات الحداثة في المجتمع العربي، حتى صار الفن سجلاً دقيقاً للصراع الحضاري الذي تعرف فيه العرب إلى ذاتهم، وإذا كان الفكر العربي في عصر النهضة قد عكس ـ صراحة ـ تباين الموقف من الهوية العربية الحضارية، وتصاعد مللاً واتجاهات وتيارات عصفت بالعرب، في محن الموقف من الخلافة، أو الصدام مع الغرب الاستعماري، أو امتحان الاستقلالات الوطنية وتعارض المشروع العربي مع المشروع الصهيوني بقيام الكيان الإسرائيلي في قلب الوطن العربي، وفي المحن المتتالية مع استقطاب العرب الدولي، عسكرياً وإيديولوجياً وسياسياً، فصار العرب أكثر من عرب، متوزعين على معسكرات خارجية، ومنقسمين على أنفسهم في تحالفات أو متاريس غذتها أوهام ومصالح لم تكن عربية في صميمها، وكانت الخلافات العربية ـ العربية التي تطورت إلى الاقتتالات العربية بين قطرين عربيين أو أكثر، أو بين فئات القطر العربي الواحد، في حروب أهلية، أو مسلسلات الإرهاب، والاغتيال على «الهوية»، ويا لها من هوية مغدورة‍! وكان العجز الصريح عن الوفاء لأهداف المشروع العربي في التوحيد والحرية والدمقرطة والعلم والعدالة والمساواة والتقدم الاجتماعي، وهي مجموعة قيم المجتمع المدني التي لا تزال جوهر التحدي الحضاري، وكانت الهزائم العربية المتتالية أمام «إسرائيل» والغرب الأوروبي والأمريكي، وانتعشت الدولة القطرية، واعترف العرب بعجزهم، وبالتباس مفهوم الهوية في ممارستهم السياسية، وصار ذلك واقعاً جديداً مع حرب الخليج الثانية التي وضعت الذات العربية في أزمة([61]).
ناضل العرب طويلاً من أجل حريتهم إزاء الغرب الغازي، المحتل، المستعمر، في حركات الاستقلال التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى إلى نهاية الحرب العالمية الثانية في بعض الأقطار العربية، وإلى الخسمينيات والستينيات في أقطار أخرى مثل المغرب وتونس والجزائر واليمن الجنوبي. وعرفوا أثناء مقاومتهم المديدة للاستعمار الغربي أن عليهم أن يواجهوا أعداء في الداخل عششوا بتأثير قرون من استعمار مختلف هو الاحتلال العثماني، في ذلك الانحطاط الداخلي والتخلف المروع للعرب عن مستعمريهم الغربيين الجدد، وفي تلك المفارقة الفظيعة بين التقدم الأوروبي، والتخلف العربي، عولجت ثنائية التقدم والتخلف، وفي مقابلهما ثنائية التنمية والتبعية. ويطرح كتاب خالد زيادة (لبنان) «اكتشاف التقدم الأوروبي ـ دراسة في المؤثرات الأوروبية على العثمانيين في القرن الثامن عشر» (1981) السؤال الجوهري في سياقه التاريخي، ففي «نهاية القرن الثامن عشر والبدايات الأولى للقرن التاسع عشر، كان التقدم الأوروبي قد أحاط العالم الإسلامي برمته. فنشأ التفكير في هذا الإقليم أو ذاك بضرورة الأخذ بالتقنيات الحديثة، والتعرف إلى الأنظمة التي جعلت من الدول الأوروبية بلداناً متفوقة على غيرها من بلدان العالم. في هذا الإطار تكتسب التجربة العثمانية أهميتها الخاصة، لأن العثمانيين كانوا من أوائل الذين تنبهوا إلى التقدم الأوروبي، وعملوا على الاستفادة منه، ولأن الدولة العثمانية كانت لا تزال تمثل حتى ذلك الوقت الدولة الإسلامية الأقوى»([62]).
وليس بمقدورنا أن نحصي المقالات والأبحاث التي تصدت لهذه الثنائية، ولكننا نتعمد الوقوف عند بعض الصوى للاسترشاد بسبل التصدي لها في الثقافة العربية الحديثة، وقد ارتفعت وتيرتها في فترة البحث، رفضاً للتبعية، ونشداناً للتنمية والتنمية المستقلة، على أن ذلك هو الطريق الصعبة القاسية التي ينبغي على العرب أن يسلكوها لمواجهة تلك المفارقة الفظيعة بين التقدم الأوروبي والتخلف العربي.

[1]. مصطفى، أحمد أمين: «المناظرات في الأدب العربي إلى نهاية القرن الرابع» ـ دار النمر للطباعة ـ القاهرة 1984 ـ ص232.

[2]. المصدر نفسه ص9.

[3]. التطاوي، عبد الله: «الجدل والقص في النثر العباسي» ـ دار الثقافة والنشر للتوزيع ـ القاهرة 1988 ـ ص7.

[4]. المعاملي، شوقي محمد: «السيرة الذاتية في التراث» ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة 1989 ـ ص1.

[5]. المصدر نفسه ص3.

[6]. المصدر نفسه ص52.

[7]. حافظ، صبري: «أفق الخطاب النقدي» ـ دار شرقيات ـ القاهرة 1996 ـ ص248.

[8]. خليل، خليل أحمد: «مضمون الأسطورة في الفكر العربي» ـ دار الطليعة للطباعة والنشر ـ بيروت 1973 ـ ص7.

[9]. المصدر نفسه ص35.

[10]. علي، فاضل عبد الواحد: «الطوفان في المراجع المسمارية» ـ جامعة بغداد ـ مطبعة أوفست الإخلاص ـ بغداد 1975 ـ ص7.

[11]. علي، فاضل عبد الواحد: «سومر: أسطورة وملحمة» ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد 1997 ـ ص6.

[12]. حسن، حسين الحاج: «الأسطورة عند العرب في الجاهلية» ـ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ـ بيروت 1988 ـ ص ص117-132.

[13]. عجينة، محمد: «موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها» ـ دار الفارابي ـ بيروت والعربية محمد علي الحامي للنشر والتوزيع ـ تونس 1994 ـ الجزء الثاني ـ ص ص233-340.

[14]. ناصف، مصطفى: «رمز الطفل: دراسة في أدب المازني» ـ الدار القومية للطباعة والنشر 1965 ـ ص5.

[15]. المصدر نفسه ص113.

[16]. المصدر نفسه ص286.

[17]. الفيصل، سمر روحي: «نقاد الرواية في سورية: الدكتور حسام الخطيب» في «الموقف الأدبي» (دمشق) العدد 121 ـ أيار 1981 ـ ص ص 56-58.

[18]. الخطيب، حسام: «سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية الحديثة» ـ معهد البحوث والدراسات العربية ـ القاهرة 1973 ـ ص3.

[19]. المصدر نفسه ص116.

[20]. المصدر نفسه ص ص125-126.

[21]. الخطيب، حسام: «القصة القصيرة في سورية: تضاريس وانعطافات» ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1982 ـ ص6.

[22]. المصدر نفسه ص10.

[23]. المصدر نفسه ص78.

[24]. الزيات، لطيفة: «نجيب محفوظ: الصورة والمثال» ـ كتاب الأهالي رقم 22 ـ القاهرة 1989 ـ ص7.

[25]. المصدر نفسه ص14.

[26]. المصدر نفسه ص16.

[27]. المصدر نفسه ص90.

[28]. الزيات، لطيفة: «فورد مادوكس فورد و.. الحداثة» الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1996 ـ ص188.

[29]. الزيات، لطيفة: «من صور المرأة في القصص والروايات العربية» ـ دار الثقافة الجديدة ـ القاهرة 1989 ـ ص ص 90-91.

[30]. طرشونة، محمود: «مباحث في الأدب التونسي المعاصر» ـ المطابع الموحدة ـ تونس 1989 ـ ص8.

[31]. صبحي، محي الدين: «البطل في مأزق ـ دراسة في التخييل العربي» ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1989 ـ ص206.

[32]. المصدر نفسه ص8.

[33]. المصدر نفسه ص82.

[34]. صبحي، محي الدين: «أبطال في الصيرورة ـ دراسات في الرواية العربية والمعربة» ـ دار الطليعة ـ بيروت 1980 ـ ص5.

[35]. المصدر نفسه ص185.

[36]. المصدر نفسه ص7.

[37]. عبد القادر، فاروق: «من أوراق التسعينيات: نفق معتم ومصابيح قليلة» ـ المركز المصري العربي ـ القاهرة 1996 ـ ص11.

[38]. المصدر نفسه ص12.

[39]. المصدر نفسه ص22.

[40]. عبد القادر، فاروق: «أوراق أخرى من الجمر والرماد ـ متابعات مصرية وعربية 1986-1989» ـ مؤسسة العروبة للطباعة والنشر ـ القاهرة 1990 ـ ص8.

[41]. عدة مؤلفين: «دراسات عن واقع الترجمة في الوطن العربي» (جزءان) ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ تونس 1985 ـ ج2 ـ ص272.

[42]. الخطيب، حسام: «سبل المؤثرات الأجنبية» ـ مصدر سابق ـ ص44.

[43]. أشارت سامية أسعد إلى شيوع مثل هذه الشروط وتمثل المترجمين لها، وهي: 1- معرفة اللغة الأجنبية، 2- معرفة اللغة التي يترجم إليها النص، 3- القدرة على التحليل والإدراك الأدبي، 4- رؤية النص من الداخل.
انظر بحثها «ترجمة النص الأدبي» في «عالم الفكر» (الكويت) المجلد 19 ـ العدد 4 ـ يناير ـ فبراير ـ مارس 1989 ـ ص24.

[44]. في إحصاء أولي تقريبي زاد عدد الكتب النقدية المترجمة عن الرواية والقصة عن تسعين كتاباً.

[45]. بو عناني، مختار: «بيبلوغرافيا الرسائل الجامعية في الدراسات الروائية» في مجلة «تجليات الحداثة» (وهران) ـ العدد الثالث ـ يونيو 1994 ـ ص ص204-220.
ويلاحظ أن حركة تعريب الكتب الأجنبية عن القصة والرواية العربية بازدياد خلال فترة البحث، مما يدل على المكانة التي بدأت تتبؤأها في إطار عالمية القصة والرواية، وأذكر بعض هذه الكتب:
- الن، روجر: «الرواية العربية ـ مقدمة نقدية» (ترجمة حصة منيف) ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1988.
- كربوشويك، ب. م: «الإبداع القصصي عند يوسف ادريس» (ترجمة وتقديم رفعت سلام) ـ دار سعاد الصباح ـ الكويت 1993.
- عدة مؤلفين: «الإبداع الروائي اليوم» (ترجمة ابراهيم العريس) ـ (وهو عن أعمال لقاء الروائيين العرب والفرنسيين في معهد العالم العربي بباريس 1988) ـ دار الحوار ـ اللاذقية 1994.
- ستاغ، مارينا: «حدود حرية التعبير: تجربة كتاب القصة والرواية في مصر في عهدي عبد الناصر والسادات» (ترجمة طلعت الشايب) ـ دار شرقيات ـ القاهرة 1995.
- براجوكينا، سفتيلانا: «حدود العصور، حدود الثقافات: دراسة في الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية» (ترجمة ممدوح أبو الوي وراتب سكر) - اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1995.
وميزة الكتاب الأخير أنه نظرة منصفة لتطور الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية ورحلته من أدب استعماري إلى أدب قومي استهداءً بانفتاحات النقد الماركسي في فهم النظرية الأدبية للعلاقة المتبادلة بين الفن والواقع.

[46]. ايفاشيفا، فالنتينا: «على مشارف القرن الواحد والعشرين ـ الثورة التكنولوجية والأدب» ـ (ترجمة فخري لبيب) ـ دار الثقافة الجديدة ـ القاهرة 1984.

[47]. غوليكا، ارسيني: «الفن في عصر العلم» (ترجمة جابر أبي جابر ـ مراجعة شوكت يوسف) ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1985 ـ ص ص5-6.

[48]. عدة مؤلفين: «النقد الأدبي الحديث بين الأسطورة والعلم» (ترجمة محي الدين صبحي) ـ الدار العربية للكتاب ـ ليبيا ـ تونس 1988 ـ ص ص14-15.

[49]. الفن في عصر العلم - ص ص 5-6.

[50]. عوض، رمسيس: «دراسات تمهيدية في الرواية الإنجليزية المعاصرة» ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ 1971 ـ ص ص253-254.

[51]. على مشارف القرن الواحد والعشرين ص18.

[52]. علي، نبيل: «العرب وعصر المعلومات» ـ سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت 1994 ـ ص ص310-317.

[53]. كنت قمت بدراسة معمقة لرواية عربية من سورية تنتمي إلى موجة الرواية الاستهلاكية، وهي رواية «المدينة الأخرى» لخيري الذهبي. انظر كتابي: «الأدب والتغير الاجتماعي في سورية» ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1990،ص ص307-314.

[54]. نشرت الرسائل في كتاب عن «أخبار اليوم» ـ القاهرة 1978.

[55]. الراوي، مسارع حسن وآخرون: «من قضايا اللغة العربية المعاصرة» ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ تونس 1990.

[56]. المصدر نفسه ص6.

[57]. النعيمي، خليل: «فضل اللغة: تجربة ذاتية في تدريس الطب بالعربية». في «قضايا فكرية ـ لغتنا العربية في معركة الحضارة» ـ القاهرة 1997 ـ ص175.

[58]. المصدر نفسه ص177.

[59]. علي، نبيل: «نحو نظرة أشمل للغة» ـ المصدر نفسه ـ ص298.

[60]. «العرب وعصر المعلومات» ـ مصدر سابق ـ ص ص 369-380.

[61]. أبو هيف، عبد الله: «أزمة الذات في الرواية العربية» في مجلة «عالم الفكر» (الكويت) ـ المجلد 24 ـ العدد 4 ـ إبريل ـ يونيو 1996 ـ ص ص 25-26.

[62]. زيادة، خالد: «اكتشاف التقدم الأوروبي ـ دراسة في المؤثرات الأوروبية على العثمانيين في القرن الثامن عشر» ـ دار الطليعة ـ بيروت 1981 ـ ص10.




Eng.Jordan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #4

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 15,131

   11-26-2012

 10:09 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

ولا شك في أن البحث في قضايا التبعية بدأ قبل ذلك بوقت، ولكنه لم يصبح ضاغطاً إلا في السبعينيات والثمانينيات، وكان كتاب عواطف عبد الرحمن (مصر) «قضايا التبعية الإعلامية والثقافية» (1984) ريادياً في بابه، متساوقاً مع هيمنة الإعلام على سلطة المعرفة، والاستخدامات السريعة والمباشرة لوسائله المختلفة في آليات التبعية الإعلامية والثقافية، فيما عرف بالغزو الثقافي. وقد أخذت هذه الآليات مفاهيم مختلفة ومتطورة مثل الاختراق والتغريب والتغطية، وبرز في هذا المجال إدوار سعيد (فلسطين) في كتبه الأساسية، فعرى الاستشراق بوصفه سلطة معرفية في خدمة الاستعمار في كتابه «الاستشراق» (1978)، وفضح التضليل الإعلامي الغربي ضد الإسلام في كتابه «تغطية الإسلام في وسائل الإعلام» (1981)، وكشف عن التواطؤ الكلي والتشابك الحميمي بين الإمبريالية والثقافة التي أنتجتها مجتمعاتها، وعن الأبعاد المقموعة للثورة ضد السيطرة الإمبريالية في جميع بقاع العالم غير الأوروبي، بتعبير كورنل ويست، في كتابه «الثقافة والإمبريالية Culture and Imperialism» (1993). ويخبرنا إدوار سعيد نفسه أن كتبه هذه تؤلف مشروعاً واحداً لوعي الواقع العربي والفلسطيني، ولتحقيق التقرير الذاتي للمصير. «إن تاريخ الإمبريالية ليعلمنا أنه ليس في وسع شيء سوى فكرة حقيقية للتحرير والمساواة أن يقاوم قوة الإمبريالية ويصدّها»( ).
وقد شرع المفكرون والكتاب العرب في وعي مخاطر الغزو الثقافي منذ مطلع الثمانينيات، وكان الحدث الأكبر في هذا المجال هو انعقاد مؤتمر «مواجهة الغزو الثقافي الإمبريالي الصهيوني للأمة العربية» (تونس 29 آذار ـ 3 نيسان 1982)( )، وشارك فيه عدد كبير من المفكرين والباحثين والمثقفين العرب من الأقطار العربية جميعها، وقدم إليه أكثر من ثمانين بحثاً في محاوره الخمسة: الخصائص القومية للشخصية الثقافية العربية، الغزو الثقافي الإمبريالي الصهيوني والاستلاب الفكري في الوطن العربي، الجذور التاريخية للغزو الثقافي، الغزو الثقافي الصهيوني للأمة العربية في الوقت الحاضر، مواجهة الغزو الثقافي في الوطن العربي. وسمي المؤتمر، بمؤتمر التحدي، وصدر عنه «إعلان تونس» الذي حمل خلاصة ما تزال صالحة للمواجهة.
وتوالت الكتب المؤلفة والمترجمة التي تتناول الغزو الثقافي والثقافة المقاومة، أشير إلى بعضها لفهم السياق الذي آل إلى معركة تالية هي معركة التطبيع، فقد جمع عزيز الحاج (العراق) بعض مقالاته في كتابه «الغزو الثقافي ومقاومته» (1983)، وهي مقالات تنصرف إلى معاينة ظاهرة الغزو الثقافي، وموضوع الهوية الثقافية، ومخاطر الهيمنة الثقافية الأمريكية المرتبطة بالتطور الرأسمالي المتصاعد، وأوجه نضالنا الثقافي ومهماته، وثمة مقالات أخرى عن مشكلات إعلامية واتصالية وثقافية واجتماعية أخرى. وعرّب غسان إدريس (سورية) كتاباً خطيراً هو «غزو العقول ـ جهاز التصدير الثقافي الأمريكي إلى العالم الثالث» (1985)( ) لمؤلفه إيف أود. لفت هذا الكتاب النظر إلى الهيمنة الأمريكية الآخذة بالتوسع، والامتداد إلى أجهزة الثقافة.
وخطا الباحثون العرب خطوات أعمق في دراسة جذور ظاهرة الغزو الثقافي، كما في كتاب مسعود ضاهر (لبنان) «مجابهة الغزو الإمبريالي الصهيوني للمشرق العربي ـ دراسة في الثقافة المقاومة» (1989). ومن المفيد، أن نذكر أن الكتاب يلتزم بمنهج تاريخي نقدي في رؤية الظاهرة من أجل ما سماه «إصلاح السياسة بالثقافة النقدية المقاومة» و«التحليل الكيفي للظاهرات الثقافية» و«استشراف المستقبل بالثقافة العربية المقاومة»، ومثل هذا المنهج، كفيل، برأيه، في التصدي «لإشكالية الغزو الثقافي الصهيوني الإمبريالي للمشرق العربي في علاقتها الجدلية مع نقيضها إشكالية المجابهة، وهما إشكاليتان لا تلتقيان إلا في حقل الصدام المباشر. لذلك أعلنت هذه الدراسة انحيازها الكامل إلى جانب مجابهة الغزو ورسم الطريق العلمية الموصلة إلى المجابهة بالثقافة العربية الوحدوية، ثقافة التغيير الجذري والتنمية الشاملة»( ).
إنها عود إلى ثنائية التبعية والتنمية حين تغدو مواجهة الغزو الثقافي إقراراً بضرورة نقد المركزية وتعددها من جهة، وبحث الاختلاف على أساس سلطان العقل النقدي وحده من جهة أخرى، وهو ما ينادي به نوفل نيوف (سورية) في بحثه «مواجهة الغزو الثقافي ـ نموذج تطبيقي» (أدب ونقد 1996)، فقد ختم بحثه بعبارة دالة لهشام شرابي من كتابه «النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين» (1990):
«في غياب الحريات والحقوق الأساسية، لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق أهدافه الإنسانية.. ولم يعد التخلف مجرد وضع اقتصادي أو سياسي، بل أصبح نظاماً وحشياً، ونمطاً من العيش الحيواني اللاإنساني»( ).
إن التبعية ليست قدراً، ولئلا تكون كذلك، فإن مواجهتها بالتنمية الشاملة والمستقلة هي السبيل. وقد تعددت المواجهات الفكرية لفكر التبعية، وكان جلال أمين (مصر) من أوائل المفكرين الذين تصدوا لإشكالية التبعية الاقتصادية والثقافية في كتابه «تنمية أم تبعية اقتصادية وثقافية» (1983)( )، ويشير العنوان الثاني للكتاب إلى محتواه «خرافات شائعة عن التخلف والتنمية وعن الرخاء والرفاهية».
ليس بوسعنا الإحاطة بالقضايا المتصلة بالهوية وتحدياتها. وباستجابات المفكرين والكتاب العرب تأليفاً أو تعريباً، ولكنني أورد إشارات أو علامات لتنامي الوعي بها، ولا سيما التعريب الناجم عن استهداف الموضوعات المعربة، كما هو الحال مع علي وطفة (سورية) في تعريبه لكتاب إليكس ميكشيللي Alex Mucchielli «الهويةL’Identite » (1993)، فقد أراد إخراجه باللغة العربية ووضعه في متناول من تعنيه مسألة الهوية، وذلك أملاً منا في خدمة إنسان العروبة، حول مسألة الهوية وقضاياها. وحرص المعرب على شرح مفهومه للهوية، في مقدمته، مرتكزاً على العناصر المتغيرة، بالإضافة إلى الأخرى الثابتة، «فالهوية ليست كياناً يُعطى دفعة واحدة وإلى الأبد. إنها حقيقة تولد وتنمو، وتتكون وتتغاير، وتشيخ وتعاني من الأزمات الوجودية والاستلاب»( )، وهي نظرة قابلة للحوار إزاء معضلات خطيرة في تكون الهوية مثل الثابت والمتغير، والتاريخي والراهن، ناهيك عن جدل الخاص والعام في عناصر الهوية، ولعل هذا هو مفهوم المؤلف الخاص والعام بقوله: «لقد استطعنا، عبر تحليل مفهوم الإحساس بالهوية إلى عناصره الحسية الأولية والتي تتمثل في الإحساس المادي، والإحساس بالانتماء، والتماسك، والاستمرارية الزمنية، والاختلاف، والتقدير، والاستقلال والثقة، والإحساس بالوجود أن نسلط الضوء على مختلف الأزمات التي تتعرض لها الهوية، والتي تنشأ عندما تتعرض إحدى هذه الأحاسيس، أو بعضها للإصابة والتمزق»( ).
لقد صار هذا الحوار إلى التمعن في تأثير المتغيرات على الهوية في نزوعات التغريب على وجه الخصوص، حيث تستطيل في امتدادات الهيمنة والمركزية الغربية، فقد ترجم خليل كلفت (مصر) كتاب سيرج لاتوش Serge Latouche«تغريب العالم l'Occedentalisation du Monde ـ بحث حول دلالة ومغزى وحدود تنميط العالم» (1989وظهرت ترجمته بالعربية عام 1992)، والكتاب أشبه بتقرير عن حال الاغتراب بما هو اكتمال هيمنة المركزيات، ولكنه في الوقت نفسه انفراجة الأمل بالتغيير: «وتحت هراسة التغريب يبدو أن كل شيء قد تمّ تدميره وتسويته وسحقه بالفعل، لكن في كل مكان، في الوقت ذاته، يكون كل ما هنالك في كثير من الأحيان أن تضاريس الأرض مشقوقة، فهي تقاوم أحياناً، وهي متأهبة لإعادة تكوين أديمها. والواقع أن استبعاد المكاسب المادية والرمزية للتحديث، وهي وفيرة دائماً، يمكن ويجب أن يبتكر حلولاً جديدة من أجل البقاء كمكان وكإنسانية، وهذه التطلعات المغايرة تستكشف نفسها من خلال الارتجال والتلفيق. ويمكنها أن تنتج مسوخاً، أو أن تستردها الآلهة، لكنها كذلك تغذي الأمل في ألا يكون حصار الآلة نهاية العالم، بل فجر بحث جديد عن الإنسانية التعددية»( ).
وهذا الأمل هو عاضد الاتجاه إلى الاستقلال الذاتي عبر نقد الذات ومجاوزة الراهن والإكراهات المتعددة في وجه الهوية القومية. ونجد تعبيراً عن ذلك في كتاب ناصيف نصار (لبنان) المسمى «طريق الاستقلال الفلسفي» (1996)، وثمّر هذه الدعوات محمد جابر الأنصاري (البحرين) بانتظام وعي الذات في المسار النهضوي، في كتابه «تجديد النهضة باكتشاف التراث ونقده» (1992)، ثم أدغم مصطفى خضر (سورية) أسئلة وعي الذات جميعها بنقدها المتواصل داخل عمليات نقد الآخر. الحداثة في كتابه «الحداثة كسؤال هوية» (1996).
لقد صارت الهوية إلى وعي حاد لتحدياتها في أتون المتغيرات العاصفة بعد حرب الخليج الثانية (1991) التي تزامنت مع متغيرات دولية أشمل، أو عجلت بهذه المتغيرات، وأفرزت ضغوطات أشد على الهوية تمثلت بالنسبة للعرب في أمرين، أولهما العولمة، وهي تطوير لآليات الاستقطاب والاستلاب والتغريب والتبعية والغزو والاختراق والتغطية، وثانيهما التطبيع الذي يعني إكراه العرب على القبول بعدوهم العنصري التوسعي المحتل «إسرائيل الصهيونية»، والتحالف معه، وتأبيد احتلاله للأرض، واقتسام الثروات العربية من السماء إلى الماء إلى الخيرات الأخرى.
إن القبول بالأمرين معاً يندرج في البحث الواسع لما يسمى بإكراهات الهوية نحو الإذعان والاستسلام لشروط القاهر على المقهور، ويعني ذلك ـ فيما يعنيه ـ المحو الذاتي ليس بجعل الهوية واستحقاقاتها أوهاماً فحسب، بل بتكييف شروط الهوية لإملاءات الهيمنة العالمية (المركزيات الغربية وحليفتها إسرائيل).
وهكذا، لا تفترق غائية العولمة عن توظيف التطبيع لنفي الذات القومية عندما تبلغ إكراهات الهوية حدودها القصوى، فتنعدم قابليات المقاومة وثقافة المقاومة، وهي في جوهرها الوعي بالذات داخل الممارسة القومية والوطنية لمختلف مجالات الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكنت أوضحت في بحثي «الخطاب الثقافي العربي وتحدي التطبيع» (1997) أن «نضوج الخبرة النضالية في مقاومة التطبيع يندرج في العمل القومي وكفاح الأمة العربية في حفاظها على الهوية، وفي تحصينها للذات، متجاوباً مع عمليات المقاومة الأخرى: الغزو الثقافي في مفاصله الملتبسة والواضحة من التبعية الجائرة إلى العولمة القاهرة»( ).
أثار تنامي أبحاث الهوية إشكاليات متعددة تمثلت في تشريح عنيف ومباشر وتحليل نقدي متواصل لإكراهات الهوية، ولا سيما التغريب والتبعية والغزو والتطبيع والعولمة تعزيراً للعناصر الباقية للذات القومية وللتراث العربي الحي ولمعوقات التقدم في العلاقات بالسلطة والديمقراطية والعلم والعقل والقومية، وقد تجاوبت أصداء ندوة مركز دراسات الوحدة العربية «العرب والعولمة» (1997) مع هذه الإكراهات تدعيماً للوعي الذاتي، فقد قدم إلى الندوة تسعة بحوث عن مفهوم العولمة وعلاقتها بالتطور التقاني وثورة المعلومات والدولة والمركز (نموذج الولايات المتحدة)، والهوية الثقافية والاقتصاد والتنمية، بيد أن الهام هو النقاش الاستطلاعي عن العرب والعولمة ومفاده التوكيد إياه على مواجهة إكراهات الهوية بتعضيد الخصائص العربية وتدعيم التنمية المستقلة في خضم تيار الاستجابة الفاعل في مواجهة التحديات المصيرية.
6- التطلع إلى الحديث والحداثة:
كان التطلع إلى الحديث، والرغبة في التحديث والحداثة أحد أبرز المؤثرات في اشتداد عود الاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية. وفهمت الحداثة ملتبسة مع مفاهيم كثيرة سادت الحياة الثقافية والأدبية والنقدية والعربية مثل «الجديد» أو «التجريب» أو «الطليعية» في مواجهة القديم، وهي صراعات مستمرة برزت على نحو خاص مع ما سمي بعصر الانبعاث في أوائل القرن التاسع عشر، ولم يستقم استعمال مصطلح الحداثة إلا في وقت متأخر.
6-1- من صراع القديم والجديد إلى الحداثة:
نُظر على الدوام إلى الصراع بين القديم والجديد في بعده القومي( )، وفي بعد المثاقفة (الاتصال بثقافة الآخر الغازي المستعمر)، وفي بعده الحضاري الشامل، وقد وضع محمد الكتاني (المغرب) كتاباً كبيراً، هو أشبه بالموسوعة يقع في 1360 صفحة من القطع الكبير، يحمل عنوان «الصراع بين القديم والجديد» (1982). وقد وجد «ظاهرة الصراع في أدبنا الحديث متصلة بالتحولات الاجتماعية، وبالتحديات الحضارية، وبالمؤثرات الاستعمارية، وبالغزو الفكري، وبكل ما تواجهه أمة ذات حضارة عريقة أمام أمة غازية غالبة تفرض على الأولى منطق الغالب، وتحاول تذويب كيانها في دوامة من الاستلاب والتبعية».
خصص الكتاني فصولاً مطولة لفحص مفهوم القديم والجديد وظهوره في الأدب العربي الحديث ومستويات تصوره في ضوء الوعي الديني والأدبي والقومي والوضعي والاجتماعي، ومحاوره الأساسية: الصراع حول العامية والفصحى، الصراع حول الأساليب الأدبية، الصراع حول البلاغة العربية، الصراع حول قضايا الشعر، الصراع حول مناهج الدراسة وتقويم التراث، وختم بحثه بأسس الرؤية التقويمية للصراع، ولاحظ أن النثر العربي يحقق التوازن والتلاؤم في عالم الحداثة أكثر من الشعر، وفشل المحاولات التجديدية الفاقدة للجذور الإيديولوجية العربية، وانحسار المد الكلاسي والرومانسي، واسترجاع الأدب العربي لتوازنه بين القديم والجديد، واستمرار الصراع بين المثالي والمادي في فكرنا العربي.
لقد وضعت مصنفات كثيرة، ناهيك عن المقالات والأبحاث، في صراعات الأدب العربي الحديث في مظاهره المتعددة: القديم والجديد أو التجريب أو الطليعية، وتدور غالبيتها حول الأدب، ولا سيما الشعر، وذكر الكتاني في مقدمة كتابه اثني عشر كتاباً.
واعتقد أن كتاب الكتاني الأشمل في مجاله. وعندما حرر محمد كامل الخطيب (سورية) إعداداً وتقديماً، كتابه «القديم والجديد» (1989) كان شاحباً إزاء كتاب الكتاني، لأنه يحمل المنظورات الشاملة إياها في رؤية الصراع بين القديم والجديد، وإن اختلفت الرؤى والأفكار الموجهة والناظمة لفهم حركة الصراع ومحاوره ونتائجه، وعلى تباين المستوى بين الكتابين، فالأول دراسة مستوعبة وناقدة، والثاني مختارات لبعض الكتّاب والمفكرين مزودة بمقدمة قصيرة، أشار فيها إلى أن «قضايا عصر النهضة ما تزال قضايانا، من تحديد مفهوم الأمة، إلى تنظيم مؤسسات المجتمع، إلى الأجناس الأدبية، وشخصيات عصر النهضة ما تزال حية بيننا، من أبي الهدى الصيادي والرافعي، إلى سلامة موسى والعقاد ومحمود أحمد السيد إلى علي عبد الرازق وسليم خياطة والصراع الذي جرى آنذاك ما يزال يجري الآن»( ).
واختار الخطيب لكتابه تصنيفاً آخر حوى مقدمات حول مسألة القديم والجديد، ومشكلة كتاب «في الشعر الجاهلي» مثالاً للمعارك الفكرية، ونقاشات وحوارات حول القديم والجديد في مجالات فكرية واجتماعية وأدبية مختلفة.
ثم اكتشفت «الحداثة» ومصطلحها في خضم هذه الصراعات، وقابله، فيما بعد، مصطلح «القدامة»، وصار التطلع إلى الحداثة، في واجهة الاهتمامات الثقافية والأدبية والنقدية، مرتهناً بالأبعاد إياها التي طبعت الصراعات السابقة: البعد القومي، بعد المثاقفة، البعد الحضاري الشامل. وبين 152 مرجعاً لدراسة الفكر العربي الحاضر عالجها بولس الخوري (لبنان) في كتابه «التراث والحداثة» (1983) ربما كانت هي الأهم بين مثيلاتها، يظهر بجلاء القلق الفكري العنيف الذي يهز وجدان المثقف العربي إزاء قضايا التأصيل في موازاة التحديث: كيف نخلق التركيب الجديد، أو هو التأمل العملي الذي أطلقه صادق جلال العظم ثم تبناه آخرون: العالم القديم يمثل «الأطروحة»، واقتحام الغرب يمثل «النقيض»، فيما «التركيب» يمثله عالم جديد عربي أوروبي. وهكذا.
وعندما وصف الخوري هذه المراجع، توصل إلى نتيجة محددة هي أن التحرر في المجال الثقافي يكون «بالتخلص من نير الأجنبي الذي يسعى إلى فرض ثقافته ليحلها محل الثقافة الوطنية العربية. قد يؤدي هذا الإصرار على حماية الهوية الثقافية إلى نوع من الاختناق الذاتي، وذلك برفض الاتصال والانفتاح والانغلاق على الذات والانخداع بالاكتفاء الذاتي. بالمقابل يأتي التحديث موازياً لهذا الاتجاه، وهادفاً إلى إخراج الثقافة التقليدية من شكلها القديم. ويكون هذا الإخراج بالإقرار بأن للثقافة هوية ثابتة، من جهة، وطابعاً تاريخياً من جهة ثانية، فيمكن، بالتالي، تطوير الثقافة كي تتحول من شكلها القديم إلى شكل حديث»( ).
6-2- الحداثة في الأدب أولاً:
كانت الاستجابة العربية للحداثة في الأدب بعامة، وفي الشعر بخاصة بالدرجة الأولى. وخاض شعراء مجلة «شعر» البيروتية معركة الحداثة الأولى الذين بدوا لأول مرة وكأنهم يغنون خارج السرب، وجمع مقدمهم يوسف الخال (لبنان) مقالاته في كتابه «الحداثة في الشعر» (1978)، وعدّ البيان الشعري «مستقبل الشعر في لبنان» الذي ألقاه يوسف الخال في الندوة اللبنانية عام 1956 بياناً نظرياً للحداثة الشعرية، على أنها «نتاج عقلية حديثة تبدلت نظرتها إلى الأشياء تبدلاً جذرياً وحقيقياً انعكس في تعبير جديد»( ).
وتلاه أدونيس (علي أحمد سعيد ـ سورية) في الدعوة إلى الحداثة في مجلته «مواقف» البيروتية (اللندنية فيما بعد)، وانتقل من التقليد إلى الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة، إلى قصيدة النثر إلى الكتابة. وبلغت وطأة الحداثة عند أدونيس أن سماها «صدمة الحداثة»، وهو عنوان الكتاب الذي جمع فيه مقالاته وأبحاثه عن «تنظيره» للحداثة. وضع الحداثة في مواجهة القدم، (القدامة عند الناقد محمد لطفي اليوسفي)، ومثلما وضع الخطابة، سمة ثقافية عربية، في مواجهة الكتابة، سمة حداثية. واستعان بوصف حداثة شعراء النهضة: البارودي، جماعة الديوان، خليل مطران، حركة أبو للو، وعاين مسائل الانتقال إلى الكتابة: الكلام القديم والكلام الحديث، جبران خليل جبران، الارتداد والتنميط، الارتداد وشكلانيةالإيصال، وكثف وجهة نظره في دواعي أن تكون الحداثة تجاوزاً للإتباع أو الثابت في الثقافة العربية طلباً للإبداع أو المتغير المتجدد، وهي الفكرة المركزية لكتابه «الثابت والمتحول: بحث في الإتباع والإبداع عند العرب» (1978).
وحذا محمد بنيس (المغرب) حذوه، فأصدر أيضاً «بيان الكتابة» (1981)، وأعاد نشره مع مقالات وأبحاث وشهادات أخرى في كتابه «حداثة السؤال: بخصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة» (1985). وتميزت دعوة بنيس بطلب التغاير الثقافي مع الآخر الغربي ومع السلف، في خطاب يستند إلى قواعد هي المغامرة والنقد والتجربة والممارسة والتحرر و«هذه القواعد تمس ثلاثة مجالات، اللغة والذات والمجتمع. يصعب أن تنفصل قواعد الكتابة عن مجالاتها، وهي التي تريد مفاجأة وتركيب المغاير، الانتقال من بنية السقوط والانتظار إلى بنية التأسيس والمواجهة»( ).
ومن البحرين نشر قاسم حداد وأمين صالح بيانهما الحداثي باسم «موت الكورس» (1984)، وكان محمد لطفي اليوسفي (تونس) أعاد نشر بعض بيانات الحداثة في كتاب «البيانات» (1993)، ووجد فيها جميعاً، وربما «موت الكورس» على وجه الخصوص، هاجس إلغاء الحدود القائمة بين الأجناس الأدبية: «ظلت محافظة على ملامحها كبيانات تنهض على السرد، وتقول أشد الأسئلة حرقة وإلحاحاً في الثقافة العربية. ولكن السرد تزيّا، في السّر بملامح الشعر، حتى ليكاد الشعر يتماهى مع السرد. وإذا البيان لحظة خطرة تضعنا في حضرة نمط من الكتابة آخذ في التشكل، نمط يعصف بالحدود جميعها»( ).
واقترب عبد السلام المسدي من قضية النقد والحداثة مساءلة وتصنيفاً، وأصدر كتابه الموسوم «النقد والحداثة: مع دليل ببليوغرافي» (1983)، تقصى، فيه، موضوعة الحداثة بين الأدب والنقد، وتوقف عند بعض قضاياه الملحة: اللسانيات والأدب، في تعريف الخطاب الأدبي، التضافر الأسلوبي وإبداعية الشعر، الأدب العربي ومقولة الأجناس الأدبية. ويؤشر هذا الكتاب إلى رسوخ الحداثة في الأدب العربي المعاصر اتجاهات تتأصل في حركة النقد بخاصة، فقد رأى مؤلفه أن «الملحق الببليوغرافي خير شاهد على أن مسار حداثتنا مسار غالب أصيل»( ).
وكنت وضعت كتاباً حول معضلة الحداثة سميته «الأدب العربي وتحديات الحداثة» (1987)، ويضم مقاربات حية عن سيرورة التقاليد الثقافية وشجون تأصيلها، تعريب الحداثة، معضلات التنمية الثقافية والقلق الفكري، التفكير الأدبي العربي المعاصر واقتحام الغرب. وفي عام 1994، جمع فاضل العزاوي (العراق) مقالاته وشهاداته حول الحداثة في كتاب حمل عنوان «بعيداً داخل الغابة: البيان النقدي للحداثة العربية» (1994)، وحوى، فيما حواه، «بيان 1969 «الشعري» الذي ركز على ارتباط الحداثة بتغير الحياة وإعادة تركيب العالم داخل رؤيا شعرية جديدة»( ).
ونلاحظ أن المصنفات عن الحداثة في الأدب والشعر والقصة قد تضاعفت أثر ذلك، كما هو الحال مع هذه العنوانات: «قضايا الحداثة في الشعر والقصة القصيرة» (1993) لأحمد فضل شبلول، و«الحداثة الشعرية» (1995) لمحمد عزام، و«وعي الحداثة: دراسات جمالية في الحداثة الشعرية» (1997) لسعد الدين كليب.
6-3- نقل أو تعريب فكرة الحداثة:
انتشر فكر الحداثة في الأوساط الثقافية والنقدية نقلاً أو تعريباً له، وكان تعريب كاظم جهاد لكتاب هنري لوفيفر H.Lovever «ما الحداثة» (1983)، نشداناً لتعريف الحداثة في أكثر من كونها مجرد فكرة، وعلى الرغم من أن لوفيفر رأى تجلي الحداثة في ممارستها بالأساس، إلا أنه لا يمكن، تعريف الحداثة، كفكرة، «أو للتعمق أكثر كأفق لآفاق تكشف عن نفسها تدريجياً»( ).
لقد أدرك النقاد والباحثون العرب أن الحداثة لا تقتصر على مجالات الأدب، فهي فلسفية، وأنها ظاهرة غربية، فعكفوا على تعريب الكتب الرئيسة في فهم الحداثة، وسياقها التاريخي والمعرفي، وقد ترجمت فاطمة الجيوشي كتاب هابرماس J.Habermas «القول الفلسفي للحداثة Le Discours Philosophique de la Modernite» (صدر بالألمانية عام 1985 وترجم إلى العربية عام 1995)، قصد الإجابة على الأسئلة الشائكة والمعقدة. وقد حوى الكتاب تتبعاً لمفهوم الحداثة منذ نهاية القرن الثامن عشر، وحفل بتحديدات مهمة لعلائقها الداخلية وعلاقاتها الزمنية والموضوعية، فدرس وعيها للزمان وحاجتها إلى إيجاد ضمانات خاصة في داخلها، ومفهوم هيجل ونيتشة لها، وعلاقاتها بالأنوار، وما آلت إليه في المجالات المتعددة: نقد الميتافيزيقا، نقد الأدب والفن، نقد العقل، إنتاج المجتمع.
يتطلب هذا الكتاب إعمال التأمل في نظرته للحداثة المتشربة لتطورات العالم الحديث الأوروبي، ولا يخفى أن أسئلة هذا المصنف تنفتح على خصوصيات التجربة الأوروبية، وينبغي ألا نغفل عن ذلك في قراءة تعاين جذور الحداثة وتطوراتها في ثقافة شديدة التنوع والثراء في مفصل خطير، تبدو فيه الحداثة مهددة من داخلها، مثلما تواجه مخاطر خارجية من مركز الهيمنة الأمريكي، ونلاحظ أن المؤلف يعي مأزق الحداثة في إيماءات السيطرة: «إن حلم هذه الهوية الأوروبية المختلفة كلياً التي تتلقى بحزم إرث العقلانية الغربية، ينمو في الزمن حيث تستعد الولايات المتحدة، تحت راية ثورة أمريكية ثانية، للوقوع مجدداً في أوهام بدايات النزوع للحداثة. إن طوباويات الروايات السياسية القديمة كانت قد أنشأت تناضحاً خداعاً بين أشكال الحياة العاقلة. السيطرة التقنية على الطبيعة والتعبئة الفظة لقوة العمل الاجتماعية. إن تصور الحداثة لذاتها، منذ بداياتها، كان مشغولاً بهذا التطابق بين السعادة والتحرر من جهة، والسلطة والإنتاج من جهة أخرى. الأمر الذي أدى إلى قرنين من النقد الذاتي»( ).
أثار المؤلف في كتابه تحديات الحداثة العلمية والمعرفية، ولا سيما إحلال العقلنة النظمية محل العقل المتمركز على الذات الأوروبية والأمريكية، وهو مسار حداثة لا يوافي تحدياتها العربية، ولكن فهمها وفهم هذا المسار قمين برؤية أفضل لحداثة تداهم ولا تفهم تماماً.
لقد ترجمت مصنفات كثيرة، ولكنني آثرت التوقف عند نماذج أكثر دلالة على سيرورة الحداثة ونقدها في الغرب، وقد كان آلان تورينAlain Touraine في كتابه «نقد الحداثة Critique de la Modernite» (1992وظهرت ترجمته بالعربية عام 1997) من أكثر مفكري الغرب تصدياً لخطاب الحداثة الذي قام على الحرية (الإنسان هو ما يفعله)، وانتصار العقل وسيادة القانون والدولة محل التعسف والعنف، بيد أن الحداثة اندرجت في السلطة، «فما نسميه مملكة العقل، أليس هو السيطرة المتنامية للنظام على الفاعلين، ولفرض السوية والتنميط Normalization الذي، بعد أن أطاح باستقلال العاملين، امتد إلى عالم الاستهلاك والاتصال؟ تمارس هذه السيطرة بطريقة ليبرالية أحياناً، وأحياناً أخرى بطريقة تسلطية»( ). وهذا معنى الحداثة بوصفها سيطرة قائمة على العقل وعلى العلم وعلى التقنية، «فقد أطاحت الحداثة بوحدة عالم خلقته الإرادة الإلهية، أو العقل أو التاريخ، وحلت محله العقلنة وتحقيق الذات»( ).
إن ثمة افتراقاً بين الحداثة اليوم، ومعارضاتها: الانفصال الكامل بين المجتمع كتيار جارف من التغييرات التي يبلور الفاعلون في غماره استراتيجياتهم للغزو أو للبقاء على قيد الحياة، وبين خيال ثقافي ما بعد حداثي. وبالمقابل، انتشار في الوقت نفسه وفي كل مكان هوس هوية لم تعد تحددها الملاحظ الاجتماعية. وما يقترحه آلان تورين هو «إعادة تعريف الحداثة كعلاقة يسودها التوتر بين العقل والذات، بين العقلنة وتحقيق الذات، بين روح النهضة وروح الإصلاح، بين العلم والحرية. وهو موقف بعيد عن حداثة اليوم التي دخلت في مرحلة الانهيار، وعن ما بعد الحداثة التي يجول شبحها في كل مكان»( ). إن نقد الحداثة عند تورين بالسعي إلى تخليصها من التراث التاريخي الذي اختزلها في العقلنة، وإلى إدخال فكرة الذات الشخصية وتحقيق الذات إليها.
6-4- فهم الحداثة ونقدها عربياً:
غير أن الاستجابات العربية للحداثة جاوزت خلال العقدين الأخيرين حدودها في الأدب بعامة، وفي الشعر بخاصة إلى عمليات فهم الحداثة ونقدها من منظورات شاملة. وكان زكي نجيب محمود (مصر)، وحليم بركات (سورية)، وهشام شرابي (فلسطين) من أوائل المفكرين العرب الذين صدروا في فكرهم عن فهم للحداثة ومآزقها في الحياة العربية المعاصرة، وعن تمحيص لتجلياتها المؤرقة على الوجدان القومي، وأذكر على سبيل المثال كتاباً واحداً دالاً لكل منهم: «تجديد الفكر العربي» (1971) لزكي نجيب محمود، و«المجتمع العربي المعاصر» (1984) لحليم بركات، و«النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين» (1990) لهشام شرابي.
ولعل حنا عبود (سورية) أول ناقد عربي يتصدى لمفهوم الحداثة من منظور شامل في كتابه «الحداثة عبر التاريخ: مدخل إلى نظرية» (1989)، فتختلف الحداثة عن التجديد الذي يتخلق يومياً، وهذا ما دعاه لاختبار مفهوم الحداثة عبر التاريخ، فتوقف عند حداثتين الأولى زراعية في العالم القديم، والثانية صناعية في أوروبا الحديثة، وتلمس لعرضه مؤلفات وأفكار وظواهر اجتماعية وسياسية ترى في الحداثة صيغة شمولية تسود المجتمع، وليس تجريداً مرحلياً، والعرض جريء يستند إلى ثقافة ثرة ورأي مستقل وحذر في تناول منعكسات الحداثة على الفكر العربي والثقافة العربية.
مهد عبود لمدخله إلى نظرية الحداثة بالتعريف بالنظريات التطورية وغير التطورية، أو النظريات المتعارضة على حدّ تعبيره، متجنباً التعريج على المؤلفات التي ظهرت في العربية عن الحداثة، لأن مرامه هو إضاءة وجهة نظره المحددة، لا إرهاق كراسته بمناقشات هامشية لا تسهم في إبراز ما يريده. ثم عالج النظريات الوظيفية والحداثة، وصور تماهي الذات، والحداثة الأولى، وعصر الوحدانية، والحداثة الثانية، وخلص بالرأي إلى أن الباحثين لا يتفقون على زمن معين للحداثة، وعرض لآراء كريستوفر كودويل وهنري لوفيفر وادموند ولسون ومالكولم برادبوري وجيمس مكفرلين وارنولد هاوزر.
ثم استنبط عبود قانوناً للحداثة، بالاعتماد على مصطلحين يونانيين هما الانانكي Ananke والمويرا Moira، وقد اعتقد اليونان أن الأنانكي هو القدر الأعظم أو القانون الأكبر أو النظام الذي ما بعده نظام، حيث تخضع له الآلهة والبشر معاً، أما المويرا فهي في عرفهم القدر الأصغر الذي يخضع له البشر وتفرضه الآلهة. فتكون الحداثة خطوة تقترب إلى الأنانكي، والحداثة تزداد طرداً مع الاقتراب من الأنانكي. وإذا ساد الفكر الوحداني، تباطأت الحداثة أو تعثرت أو تلاشت، وذكر بعض الملامح الأخرى:
- تشتمل الحداثة على نوع من الخرق للزمن والتاريخ.
- ليست الحداثة مكوناً في الذات. إنها خروج منها، فالأنانكي لا يعترف بالذات. إن الذات من ضمن موجوداته التي يسري عليها قانونه.
- الحداثة لا تستهويها «الإنسانية»، ولا تختبئ وراء هذا الشعار وأمثاله. إنها مواجهة وخرق للوصول إلى الأنانكي.
- فيما يتعلق بالإنسان أو المجتمع أو الطبيعة، تسعى الحداثة للوصول إلى الأنانكيات المتحكمة والطبقة الآسرة التي لا فكاك منها، فتكتشف التدمير المحيق من غير أن تعد بعصر ذهبي ومن غير فرض إيديولوجياً معينة، فكل إيديولوجيا عبارة عن وحدانية.
- تسعى الحداثة إلى الحرية من خلال معرفة الأنانكي، وليس من تجاهله، أو تزيينه أو شرحه شرحاً متحيزاً، إن الاستلاب الذي يخضع له الإنسان لا يرجع فقط إلى الأنظمة الاجتماعية والأيديولوجيات الوحدانية، بل يرجع أيضاً إلى الأنانكيات المتحكمة به.
- لا يخفى أن الحداثة تدفع بالشكل إلى أبعد حدوده، ليتطابق مع مقتضيات الأنانكي، ولا ينطبق هذا على الأدب، بل على كل شيء. ولهذا تسعى الحداثة وراء الأشكال التي تؤمن تأدية مثلى للوظيفة، فنحن دائماً أمام محاولة المقاربة، مما يعزز دور الجمالية الفوضوية، التي تسعى دائماً إلى التجاوز من أجل أنانكية أشد إقناعاً( ).
وكانت المحاولة الثانية المكتملة لدرس الحداثة فلسفياً في كتاب «فلسفة الحداثة» (1992) لمؤلفيه فتحي التريكي ورشيدة التريكي (تونس). وقد صدر فيه مؤلفاه عن فكرة مفادها أن الأخذ من الغرب لا يعني قطيعة معرفية مع الموروث، لأن الغرب نهض في حداثته على العلم العربي والحضارة العربية. إن الحداثة، في رأيهما، «مصيرنا، وأن علينا فتح كياننا على تاريخيتنا لا من حيث أنها تربط حاضرنا بجذورها، وبالحضارات التي تعاقبت علينا فقط، بل وأيضاً من حيث أنها انفتاح على الإقبال والمصير، لهذا لم نعد بحاجة إلى تأصيل كياننا بقدر ما نحن بحاجة إلى فتحه على الحداثة، وعلى مسارها في تمظهرات الفكر العالمي.. فلسفة الحداثة في كنهها ما هي إلا تسرب الوعي في الذات بضرورة انتصار الحياة والوجود على الموت والعدم، نعني وجودنا التاريخي الذي يحدد مصيرنا العربي الإسلامي»( ).
وجد مؤلفا «فلسفة الحداثة» أنها معضلة مجاوزة «مجموعة من العمليات التراكمية التي تطور المجتمع بتطوير اقتصاده وأنماط حياته وتفكيره وتعبيراته المتنوعة معتمدة في ذلك على جدلية العودة إلى الأصل وتجاوز التقاليد المكبلة ومحررة الآنا في الآن نفسه من الانتمائية الضيقة للماضي، لتجعل من الآنية فاعلاً حقيقياً في الذات والمجتمع، ومن الإقبال عنصراً معياراً للفكر والعمل»( ).
وعندما ناقشا الحداثة والهوية، تصور استراتيجية ممكنة للخروج من أزمة الوعي العربي، في أمرين أولهما تهافت فكرة توحيد العيش وأنماطه، ورفض الهيمنة الغربية، والتحديث كتكريس لهذه الهيمنة، ويكون ذلك بالإبداع العلمي والتقني والثقافي، وبالفكر المتحرر البناء، وثانيهما إن إثبات هويتنا لا يكون بتأصيل كياننا فقط، بل بتحديثه، وجعله قابلاً للتأقلم مع أنماط الحياة الجديدة ولتحدي مساوئها.
ومن الواضح أن فلسفة الحداثة عندهما لا تخرج عن المحاولات التوفيقية التي أثارها مفكرو النهضة العربية. أما التنظير للحداثة والمخيال فلا يواجه الأسئلة القائمة، وكانت اختارت رشيدة التريكي مجالين أكثر تعقيداً والتباساً هما الحداثة في الرسم وجمالية الزمن التصويري.
وارتفعت وتيرة أسئلة الحداثة مع مصنف «الحداثة» (1996)، وهو من إعداد محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي (المغرب). وقد ميزا فيه بين الحداثة الكلاسيكية التي تتميز بعقلانية أداتية صارمة، وبنزعة تقنية وبقدرات لا متناهية على السيطرة على الطبيعة والإنسان، وبين ما بعد الحداثة التي تحاول تقديم صورة أكثر إنسانية عن الحداثة بحيث تدمج في منظورها الذات البشرية الفاعلة والمعاني الغائبة، والأبعاد الأكثر جمالية محاولة الحدّ من بعض مظاهر أداتيتها، ولاحظا أن «المجتمع التقليدي الذي تعرض لهذه الصدمة يشهد اهتزازات وتحولات في كل مستويات نسقه الاجتماعي، إما في اتجاه التكيف مع الحداثة أو في اتجاه رفضها، مطلقة في هذه المجتمعات صراعاً عسيراً بين مقومات التقليد ومقومات الحداثة. وهذا الصراع ليس اختيارياً أو إرادياً، بل هو مخاض موضوعي ناتج عن مظاهر تقدم الحداثة التي تتحول إلى تيار كاسح يغزو كل الآفاق والفضاءات بمختلف الوسائل والآليات كما أنه صراع مفتوح لأنه يقحم هذه المجتمعات في مخاض من التحول الطويل المدى»( ). ويفيد هذا الرأي اتصال الحداثة بالهوية بالنسبة إلينا، غير أن الباحثين، في مختاراتهما لنصوص أو أجزاء من نصوص، أدغما نصوص المفكرين والنقاد العرب في نصوص المنظرين والباحثين الغربيين، دون أن يدققا بين مفاهيم «الجديد» و«الحديث» و«الحضارة» و«الأنوار» و«الحداثة»، واتجه تصنيفهما إلى التحديدات اللازمة المفهومية والزمنية، والأسس الفلسفية، والمظاهر السياسية والاجتماعية، والعرب والحداثة وما بعد الحداثة. وقد زادت المختارات على ستين نصاً تناولت مختلف جوانب هذه الظاهرة الشائكة، من منظورات متعددة. ولعل وصف جانب العلاقة بالحداثة يشير إلى مدى اضطلاع الفكر العربي بمواجهة أسئلة الحداثة. فكانت الاختيارات التالية:
• التيارات الحداثية في الفكر العربي (محمود أمين العالم).
• مقومات الحداثة في الإسلام (حسن حنفي).
• ابن رشد: إشكالية الحداثة والإسلام (محمد أركون).
• تحديث وليس حداثة (محمد أركون).
• النظرة المشوهة (داريوش شايغان).
• تحولات الحداثة (برهان غليون).
• هل يمكن التعبير عن الأفكار الحديثة بلغة تقليدية (هشام شرابي).
• تحدي روح الحضارة الحديثة (حسن صعب).
• تحديث أم تغريب أم تأصيل (فضل الرحمن).
• فكر الحداثة (عبد الله العروي).
وعلى أي حال، تكشف هذه المختارات عن الانشغال الجذري والواسع لإشكالية الحداثة في الثقافة العربية المعاصرة، وعن النزوع العميق للتحديث في مجالات الحياة العربية كافة، على الرغم من التع





Eng.Jordan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية



دراسات وبحوث أدبية ولغوية
يتصفح الموضوع حالياً : 2 (0 عضو و 2 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
النقد الأدبي الإسلامي عبدالناصر محمود أدبيات 0 05-12-2012 06:45 AM
النظريتان الشكلية والخلقية في النقد العربي يقيني بالله يقيني أدبيات 1 03-03-2012 12:27 PM
النقد الأنثوي العربي Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-29-2012 07:58 PM
التفكيكية من الفلسفة إلى النقد الأدبي Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-29-2012 07:52 PM
صور من النقد الأدبي عند العلماء عبدالناصر محمود أدبيات 0 01-26-2012 09:38 AM

 

 

 

 
 

 

Preview on Feedage: %D8%B4%D8%B0%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 Add to My Yahoo! Add to Google! Add to AOL! Add to MSN
Subscribe in NewsGator Online Add to Netvibes Subscribe in Pakeflakes Subscribe in Bloglines Add to Alesti RSS Reader
Add to Feedage.com Groups Add to Windows Live iPing-it Add to Feedage RSS Alerts Add To Fwicki
 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:11 AM.

 

 

  Top Social Bookmarking Websites

 

 

|


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 155

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72