المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جهود المعجميين في التأصيل لعلم الدلالة


عبد الله بولنوار
02-24-2017, 02:49 PM
<h1 dir="RTL" style="margin-top:0cm;margin-right:-.1pt;margin-bottom: 0cm;margin-left:-7.1pt;margin-bottom:.0001pt;****-align:center;****-indent: 1.0cm;direction:rtl;unicode-bidi:embed">

لم يعرف عن العرب أي نشاط تدويني في الدراسات اللغوية قبل الإسلام، ذلك لأنهم كانوا أمة لا تكتب ولا تقرأ إلا لِمَاما، وكذلك بعد الرسالة المحمدية الخاتمة، لم يكن البحث اللغوي عند المسلمين – العرب وغير العرب - من الدراسات المبكرة التي خفوا لها سرعًا، لأنهم وجهوا اهتمامهم في البداية إلى العلوم الشرعية، وعندما كادوا يفرغون منها اتجهوا إلى العلوم الأخرى لكونها خادمة للخطاب الشرعي، وخاصة القرآن الكريم لأنه رأس الأمر كله، وتساعد على فهم دلالاته، والكشف عن معانيه، ومن بين تلك العلوم الأخرى: علوم اللغة التي من بينها علم المعجم، يقول د أحمد مختار:"ما وجد في القرن الأول من تأملات نحوية أو محاولات لدراسة بعض المشاكل اللغوية كان الحافز إليه إسلاميًّا، ولم يقصد بذاته وإنما لاعتباره خادمًا للنص القرآني. ومن ذلك محاولة ابن عباس جمع الكلمات الغريبة في القرآن وشرحها"[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1).
ولهذا كان الناس في الصدر الأول من دعوة الإسلام، يعودون لأكابر الصحابة يسألونهم عن تفسير آيات القرآن وغريب ألفاظه، وقد تعددت الروايات الإسلامية بأن الناس كانوا يسألون "عبد الله بن عباس" رضي الله عنه، عن معنى بعض الألفاظ من القرآن الكريم، فيفسرها لهم، ويستشهد على تفسيرها بأبيات من الشعر العربي.
وقد ذكر السيوطي هذه الأسئلة وإجاباتها في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" ، في النوع السادس والثلاثين، في معرفة غريبه[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2)، وبهذه التفسيرات التي قدمها ابن عباس لمعاني الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم، نكون أمام اللبنة الأولى لبناء صرح المعجم العربي بالشكل المكتمل الذي وصل إلينا به، يقول رمضان عبد التواب مؤكدا هذه الحقيقة: "ويمكننا لذلك أن نعد تفسير ابن عباس للقرآن الكريم ...نواة للمعاجم العربية، فقد بدأت الدراسة في هذا الميدان من ميادين اللغة، بالبحث عن معاني الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم"[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3).
هذا بالإضافة إلى اهتمام اللغويين بتلقي اللغة وجمعها من البدو ثم تدوينها وبالتالي ظهور مجموعة كبيرة من الرسائل اللغوية الصغيرة، التي اهتمت بالتأليف في دلالة واحدة وموضوع واحد، وهذه الرسائل التي تنظم المادة على حسب المعاني والموضوعات هي كذلك من البدايات الأولى للمعاجم العربية، ولا شك أن الذي وصل إلينا منها هو النّزر القليل، والذي يعود إلى كتب التراجم والطبقات وكتب اللغة يجد أنها ذكرت العديد منها.
وبعد تأليف تلك الرسائل القصيرة سيأتي نفر من اللغويين، فكأنهم اسْتَصْغَروا حجمها واستقلّوا مادتها، فحملوا على عاتقهم لملمة جوانب موضوعاتها، وتجميع موادِّها، لتشكل كلا متكاملا، خاصة بعد الفساد الذي تفشى في موضوعات الألفاظ بسبب اتساع دولة الإسلام ومخالطة العرب للأعاجم، وفي هذا الفساد اللغوي يقول ابن خلدون مفصلا: "استمرّ ذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم حتّى تأدّى الفساد إلى موضوعات الألفاظ فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعة عندهم ميلا مع هجنة المستعربين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربيّة فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللّغويّة بالكتاب والتّدوين خشية الدّروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث فشمّر كثير من أئمّة اللّسان لذلك وأملوا فيه الدّواوين"[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4).
وكانت نتيجة كل ذلك جمع تلك الرسائل اللغوية المفردة في مؤلف واحد، يضم أبوابا تشبه عناوينها عناوين الرسائل القديمة، مشكلين بذلك النوع الأول من المعاجم، ومن هذا النوع كتاب "فقه اللغة" لصاحبه أبي منصور الثعالبي (المتوفى سنة 429هـ) الذي نظم فيه المواد اللغوية على حسب المعاني والموضوعات.
وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي عبقري زمانه قد ألف – للأسباب نفسها - كتاب "العين"، وهو النوع الثاني من المعاجم العربية الذي يرتب المادة اللغوية على حسب مخارج الأصوات، وطريقة التقاليب، فصار على نهجه كثير من المعجميين الذين ارتضوا مسلكه فاتبعوه في طريقته، إلى أن ظهر النوع الثالث من المعاجم، وهو ذلك الذي يرتب المادة اللغوية، على حسب الترتيب الهجائي المعروف[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5).

[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) -"البحث اللغوي عند العرب"، د أحمد مختار عبد الحميد عمر، عالم الكتب، الطبعة: الثامنة 2003، ص: 79.

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2) - ينظر الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة: 1394هـ/ 1974 م،ج2، ص:68 وما بعدها.

[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3)- بحوث ومقالات في اللغة، رمضان عبد التواب (المتوفى: 1422هـ)، نشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة: الثالثة 1415هـ-1995م، ص: 142.

[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4) - ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ص:756.

[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5) - ينظر بحوث ومقالات في اللغة، ص 146 (بتصرف).


</h1>