المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غايات الدلالة عند الجاحظ


عبد الله بولنوار
02-24-2017, 03:18 PM
قد نظن أن دور الدلالة أو البيان لا يخرج عن العمل على كشف قناع المعنى، وذلك بقصد الفهم والإفهام، وهو الأمر الذي يستوي فيه القائل والسامع، فالأول يدل بما يدل به ليفهم، والثاني يستدل بما يستدل به ليتفهم، فهما شريكان في الغاية، يقول الجاحظ: "والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يغضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي يجري القائل والسامع، إنما هو الفهم والإفهام"[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1).
والحق أن هناك شيئا آخر زائد على الفهم والإفهام، وهو بقدرهما، ويتحقق من خلال تحقق شروط الدلالة الواضحة/البيان وتجنب موانعها، إنه التأثير الذي يُسلِم المخاطب للإقناع، والتسليم بمعنى الكلام، وهذا ما يمكن أن يفهم من استعمال الجاحظ لصيغ اسم التفضيل: "أوضح"، و"أفصح"، و"أبين"، و"أنور"، و"أنفع"، و"أنجع"، وذلك في قوله:" على قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل، يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كان أنفع وأنجع. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان"[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2).
ويؤكد هذا الجانب الحجاجي للدلالة والبيان - عند الجاحظ - كذلك، أن الرجل كان متكلما قبل أن يكون ناقدا، والمتكلم يروم التأثير في المخاطبين أولا وقبل كل شيء، وبالتالي تحقيق بلاغة الإقناع، أما تحقيق الإمتاع فيأتي بالتبع وفي الدرجة الثانية، وعلى هذا يصير المقصود بالبيان الذي هو أعلى مرتبة للدلالة عند الجاحظ:" كفاية المتكلم الحجاجية، وقدرته على أن يصل الغاية في الإفصاح بحجته، حتى تكون الدلالة ليس في أقصى ما يمكن أن تدركه من الوضوح فحسب، وإنما أيضا في أعلى درجات التأثير العقلي والعاطفي"[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3).
والجاحظ نفسه يصرح بهذا الجانب الحجاجي في كذا موضع، يقول: "وإن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة، كحاجته إلى الجزالة والفخامة، وإن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى به الأعناق، وتزين به المعاني"[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4)، وقال كذلك: "وقال موسى عليه السلام: "وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي"، وقال: "وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي" رغبة منه في غاية الإفصاح بالحجة، والمبالغة في وضوح الدلالة، لتكون الأعناق إليه أميل، والعقول عنه أفهم، والنفوس إليه أسرع"[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5)، والنصوص التي تثبت هذا الأمر كثيرة عند الجاحظ.
ومن كل هذا - ومن كلام عمرو بن بحر في أدوات البيان كذلك - يتأكد أن العنوان الذي عنون به كتابه يعني بشقه الأول "البيان": الدلالة على المعنى مع التأثير، وبشقه الثاني "التبيين": الإيضاح، وقد ذهب أستاذنا الدكتور مولاي إدريس ميموني إلى أن البيان عند البلاغيين – والجاحظ منهم - لا يقصد به الوصول للمعاني والكشف عنها فحسب، بل هو يقصد إلى ثلاثة أمور أخرى من الأهمية بمكان، وغاية في الضبط، وهي تبين مقاصد المتكلمين، وتحقيق أعلى مراتب الوضوح، إضافة إلى الإقناع، يقول حفظه الله: "لقد كان سؤال البيان ضابطا موجها للبحث البلاغي ودافعا للآفات المانعة من فهم الخطاب وإنشائه على الوجه المراد، فتحدث البلاغيون عن وسائل البيان واختلفوا في عدها قلة وكثرة فذكروا منها: القول، ومفهوم القول، والفعل، والإقرار، والإشارة، والكتابة، والقياس، والعقد، والحال، وغيره من الأدلة التي تبين مقاصد المتكلمين وتجعل البيان في أعلى مراتب الوضوح والإقناع"[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6).

[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) - البيان والتبيين، ج1، ص81.

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2) - البيان والتبيين، ج1، صص81-82.

[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3) - علم الكلام والنظرية البلاغية عند العرب، محمد النويري، دار محمد علي الحامي للنشر والتوزيع، صفاقس – تونس، ط:1، جانفي:2001، مج7، ص134.

[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4) - البيان والتبيين، ج1، ص37.

[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5) - البيان والتبيين، ج1، ص31.

[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref6) - مقال: أسرار النظم في القرآن، أ.الدكتور مولاي إدريس ميموني، مجلة البلاغة وتحليل الخطاب، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، العدد9، 2016، ص59.