ملتقى شذرات

ملتقى شذرات (https://www.shatharat.net/vb/index.php)
-   دراسات ومراجع و بحوث اسلامية (https://www.shatharat.net/vb/forumdisplay.php?f=34)
-   -   أدب المعاملة وأثره في بناء العلاقات الإنسانية من منظور قرآني (https://www.shatharat.net/vb/showthread.php?t=70842)

Eng.Jordan 08-15-2021 08:36 AM

أدب المعاملة وأثره في بناء العلاقات الإنسانية من منظور قرآني
 
أدب المعاملة وأثره في بناء العلاقات الإنسانية
من منظور قرآني


د. عودة عبد عودة عبد الله




أدب المعاملة وأثره في بناء العلاقات الإنسانية
من منظور قرآني




ملخص البحث


الإنسان مدنيٌّ بطبعه، يجنح إلى تكوين العلاقات مع بني جنسه، ومن هنا فقد أقرَّ القرآن الكريم المبادئ الأساسية للعلاقات الإنسانية، وأصَّل لأدب التعامل مع الآخرين، لأنَّ الأدب يُعدُّ عاملاً مهماً في بناء حياة اجتماعية صالحة، قائمة على أساس العدل الاجتماعي، والعلاقات الإنسانية النظيفة المبنيّة على التعاون والتناصر ومراعاة المشاعر والأحاسيس.












مقدمـة

يأتي هذا البحث من منطلق الشعور بالحاجة الماسَّة إلى إعادة بناء العلاقات الإنسانية على أساس من الثقة والاحترام المتبادل، ومراعاة المشاعر والأحاسيس، لما لذلك من دورٍ إيجابي في توثيق عُرى المحبة بين الناس، وفي القدرة على اختراق الكثير من الحواجز النفسية، والوصول بسهولة إلى قلوب الآخرين. وذلك بغرض تجاوز الكثير من الإشكالات والعقبات التي تعترض سبيل السعادة الإنسانية، وتشوِّش على العلاقات القائمة بين الناس.
ويعالج البحث هذا الموضوع وفق وجهة النظر القرآنية، التي كثيراً ما ركَّزت على تلك الروابط الإنسانية، بدءاً من الأسرة وانتهاءً بالعلاقات على المستوى الإنساني العام، في كافة جوانب الحياة ومجالاتها.
وقد عالج البحث هذا الموضوع في اتجاهين:
الأول: تحليل التوجيهات القرآنية التي تحث صراحةً على الالتزام بأدب التعامل مع الآخرين باعتباره خُلُقاً إسلامياً رفيعاً، منوِّهةً بدور ذلك في بناء العلاقات الإنسانية، وبالكيفية التي ينبغي أن تكون عليها هذه العلاقات.
الثاني: الوقوف مع نموذج تطبيقي، هو موقف يوسف عليه السلام مع السجناء، وذلك من خلال النظر في الأسلوب الذي سلكه يوسف عليه السلام في التعامل معهم، وكيف كان لذلك انعكاسٌ مباشر على علاقته بهم من جهة، وعلى حركة الدعوة بشكلٍ عام من جهةٍ أخرى.





المبحث الأول
العلاقات الإنسانية في ضوء القرآن الكريم

أولاً: مفهوم العلاقات الإنسانية

يُطلق مصطلح «العلاقات الإنسانية» على أساليب التعامل بين الناس وتفاعلهم في المجتمع الذي يعيشون فيه، في شتى جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، ومرافقه العملية والتعليمية والأسرية. وينطبق ذلك بطبيعة الحال على المؤسسة أو المنظمة التي تجمع الناس في شكلٍ من أشكال التنظيم بغرض الوصول إلى هدف معين مشترك . فالعلاقات الإنسانية تتعلق بتفاعل الأفراد في جميع أنواع المجالات، ويُشاهد هذا التفاعل بصفة عامة في تنظيمات العمل، حيث يرتبط الأفراد بنوع من البناء والنظام الشكلي في سبيل تحقيق هدف معين من خلال الترابط والانسجام والتعاون فيما بينهم .

ويُنظر إلى العلاقات الإنسانية من وجهة نظر علماء الإدارة على أنها: "دمج الأفراد في موقف العمل الذي يدفعهم إلى العمل سوياً كجماعة منتجة متعاونة، مع ضمان الحصول على الإشباع الاقتصادي والنفسي والاجتماعي. وهدفها هو جعل الأفراد منتجين متعاونين، من خلال الميول المشتركة، والحصول على الإشباع عن طريق تنمية علاقاتهم وتوطيدها. وعندما يتم تحقيق هذه الأهداف تبرز الجهود الموفقة للجماعة، حيث يعمل الأفراد سويّاً بطريقة منتجة مشبعة" .

وبعبارة أكثر وضوحاً فإنَّ «العلاقات الإنسانية» تُطلق على تلك الروابط القائمة بين الناس أفراداً وجماعات، سواء كان ذلك على مستوى الأسرة، كالعلاقة بين الزوجين، والعلاقة بين الآباء والأبناء، أو على مستوى المجتمع على اتساعه، أو على مستوى الاتصال الإنساني والتفاهم البشري بشكل عام، في كافة جوانب الحياة ومجالاتها.
والحديث عن العلاقات الإنسانية في هذا البحث، هو حديثٌ عن هذه الروابط الإنسانية، من ناحية تأثّرها إيجاباً وسلباً بأسلوب المعاملة، والطريقة التي تتم بها، وتوجيهات الآيات القرآنية في هذا السياق.

ثانياً: التصوّر القرآني للعلاقات الإنسانية

الإنسان مدنيّ بطبعه، يجنح إلى تكوين العلاقات، وبناء الروابط مع بني جنسه. فلا يستطيع أنْ يعيش بمعزلٍ عن غيره، لأن العزلة حين تكون طوعية، نوعٌ من الانتحار الذاتي. وحين تكون بالقوة والقسر، عقوبة صارمة تُتخذ ضد نوعٍ معين من المجرمين، أو عملية قتلٍ بطيء حين تُطبّق على إنسانٍ بريء .
فالإنسان يميل بطبعه إلى مخالطة الناس والتعامل معهم، وهو بحاجة إلى ذلك بحكم المصالح المشتركة، وحاجة كلِّ إنسانٍ لأخيه الإنسان. فلا يمكن لـه الاستغناء عن الآخرين في تحقيق مصالحه. هذه الحقيقة التي جاء بها القرآن الكريم وبيّن أبعادها، تنبّه إليها عددٌ من العلماء وعلى رأسهم ابن خلدون في القرن الثامن الهجري ، وما تزال الأيام تثبت لنا صدقها، ودقّة وصفها للسلوك الإنساني.
فقد بين لنا القرآن الكريم أن الناس مهما تعددت أجناسهم وألوانهم فإن أباهم جميعاً هو آدم عليه السلام. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ .
فالقرآن يُؤكد وحدة أصل الناس وصلة القُربى بينهم، باعتبارهم أخوة ينحدرون من أصل واحد. فإنّ هذا التوحّد في الأصل والمنشأ، حريٌّ به أن يقود الناس إلى التعاون والتفاهم والالتقاء على الخير والمحبة.

والناظر في صيغ الخطاب القرآني، يجد أنها تؤكد وحدة الأصل الإنساني، فكثيراً ما تتكرر في القرآن صِيغ النداء بـ ﴿يا أيها الناس﴾ و ﴿يا بني آدم﴾، مما يشير إلى أن الله سبحانه كرّم هذا الإنسان وفضّله على كثيرٍ من خلقه، مُعلناً بذلك مبدأ المساواة بين البشر، فلا فضل لجنس على آخر باعتبار اللون والعنصر والنشأة. ويرتقي بهذا الإنسان حين يعلن أنّ أساس الثواب والعقاب يرتكز على النوايا والأعمال لا على الظواهر والأشكال. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: »إن الله عز وجل لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم« .
ولكن البشريّة حين تُغيِّبُ عقولها، وتطمس ضمائرها، تتناسى هذا المبدأ، وتضرب بكل هذه القيم عرض الحائط، فتنتشر العنصرية البغيضة. حتى وصل الأمر عند اليهود إلى الاعتقاد بأنهم شعب الله المختار، وأنَّ غيرهم من الناس ليسوا إلا عبيداً خلقهم الله لخدمتهم. وهكذا انتشرت الفكرة العنصرية المقيتة بين كثيرٍ من الشعوب والأمم، فجعلتها تتقاتل على أساسها، ويظلم بعضها بعضاً، متناسيةً وحدة أصلها وصلة القربى فيما بينها، فكان ما كان؛ أنْ حلَّت المصائب والفتن والاعتداءات هنا وهناك.

وبعد أن بين لنا القرآن وحدة الأصل الإنساني، فإنه يبين لنا في سياقٍ آخر أنَّ هذا الأصل تفرَّعت عنه الشعوب والقبائل والأمم، وأنَّ الهدف من هذا التنوع بين الناس هو الاتصال والتفاهم والتعارف فيما بينهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
فالغاية التي جعل الله الناسَ لأجلها شعوباً وقبائل –كما تدلّ الآية- ليست التناحر والتنازع، ولكنها التعارف والوئام، فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطبائع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوّعٌ لا يقتضي النـزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف، والوفاء بجميع الحاجات. فالناس أخوة في الإنسانية، لأنهم من طينة واحدة، وتنوعهم إلى شعوب وقبائل ليس أمراً تتغير به حقيقة الإنسانية في الإنسان .

وإذا كان القرآن الكريم قد اهتم ببناء العلاقات الإنسانية على المستوى الإنساني العام، فهو في الوقت نفسه لم يَغفل عن أهمية بناء هذه العلاقات في مستوياتها الداخلية، بدءاً بالعلاقة القائمة بين الزوجين، مروراً بالأسرة والأقارب والجيران حتى المجتمع المسلم.
فعلى مستوى الحياة الزوجية مثلاً، فإن الشعور بالاستقرار الذي يجده كل واحد من الزوجين في الآخر نتيجة اتصالهما والألفة القائمة بينهما، يُعدّ حقلاً خصباً لتربية العلاقات الإنسانية، وبيئة مهيأة لتغذية الصلات الاجتماعية، وهو ما يصوِّره قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
ثم تتسع دائرة العلاقات الأسرية في الإسلام لتشمل العلاقة القائمة على النسب والرّضاع والمصاهرة. ويُشير إلى هذا المعنى قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
"وإذا كانت الأسرة تُعَدُّ الوسط الاجتماعي الأوَّل الذي يُؤمِّن وسائل المعيشة لأفراده، ويمرّنهم على الحياة، ويُشكّلهم ليكونوا أعضاء عاملين في المجتمع، صار من الثابت: أن المجتمع –الذي من أشكاله الأسرة- لا يضمّ أفراداً فحسب، ولكنه يضم أفراداً وما يتولَّد عن وجودهم الاجتماعي من صِلات وعلاقات" .

وعلى مستوى العلاقات الإنسانية بين الأفراد على اختلاف أشكالهم يبقى هذا المفهوم حاضراً في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ . وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

وإذا تحوّلنا إلى نطاق المجتمع المسلم، وجدنا أنَّ القرآن يُعطي أهمية للعلاقات الإنسانية، ويجعلها أساس الاجتماع وأصل العمران. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
فالآية تشير إلى أنَّ التأليف بين القلوب نعمة ربانية جديرة بالتنويه، فبذلك "تنتفي الأحقاد، وتنمحي البغضاء، وتـتوارى الخلافات، وما يترتب عليها من غارات وحروب، ويذهب شبح الهلاك إلى غير رجعة. لأن التأليف بين القلوب إنما هو اتحاد في المشاعر، وانسجام في الوجدان، وباعث على التضامن في السرَّاء والضرَّاء، فهو إذن وحدة نفسية، أو فكرية، أو عقلية أو روحية، ينشأ عنها حتماً وحدة اجتماعية لا تنفصم. ومن هنا يمكن القول: إن المجتمع في نظر القرآن تأليفٌ بين القلوب، واتحادٌ في المشاعر، وتَشاركٌ في الوجدان" .

يتبين مما سبق أنّ القرآن الكريم يرى أنَّ الأخلاق الإنسانية لا يمكن أنْ تَكْتمل، إلا من خلال حياةٍ اجتماعية صالحة، قائمة على أساس العدل الاجتماعي، والعلاقات الإنسانية النظيفة المَبنيَّة على التعاون والتناصر والمشاركة والمحبَّة ونُكران الذات، ومعتمدة على عبادة الخالق عزَّ وجل، والخضوع لما تقتضيه ربوبيته.
وبالنظر في التصوّر القرآني لتنمية العلاقات الإنسانية، نجد أنَّ الفلسفة القرآنية في هذا المجال بُنيت على ثلاثة أمور :
الأول: المسألة الأخلاقية، ذلك أنَّ الإلزام والمسؤولية والجهد المبذول لتقوية العلاقات الإنسانية أو بناء المجتمع المسلم، إنما هو قيمة أخلاقية عُليا، على الإنسان المؤمن أنْ يلتزم بها، باعتباره إنساناً واعياً جديراً بتحمّل هذه المسؤولية وهذا الشرف الرفيع.
الثاني: أنَّ القرآن أكَّد في حثِّه على صِلة الرحم، وإطعام الفقير والمسكين، وتكريم اليتيم، وأدب التعامل مع الآخرين، وغيرها من الأمور التي تُنمِّي الصِّلات الإنسانية، أَكَّد على أنَّ هذه الأعمال إنما هي أمورٌ تَعبديَّة يتقرّب بها الإنسان إلى الله تعالى، ويُثاب عليها.
الثالث: أنَّ القرآن أراد للإنسان المؤمن أنْ يَصِل إلى مراحل متقدّمة من الكمال، فأراد بتثبيت العلاقات الإنسانية أنْ يُبرز مفهوم التكافل الاجتماعي، ومبدأ الحرص على شفافية العلاقة بين المسلمين خاصّة وبين الناس عامة.


المبحث الثاني
أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم

أولاً: مفهوم الأدب وفضله

الأدب لغةً هو الظَرْفُ وحُسْن التناول. يُقال: تأدّب الغلام في كلامه مع أبيه؛ أي تحاشى الكلامَ الخارج عن حدود الأدب. وسُمّيَ الأدب أدباً لأنه يُوجّه الناسَ إلى المحامد وينهاهم عن القبائح. وأصل الأدب الدعاء، ومنه قيل للطعام الذي يُدعى إليه الناس مَدْعاة ومَأْدُبَة . ومصطلح الأدب كما يرى ابن القيم يدل على معنى الاجتماع؛ فالأدب اجتماع خصال الخير في العبد. ومنه المأدُبة وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس .
وعَرّف الجرجاني الأدب بأنه "عبارة عن معرفة ما يُحترز به عن جميع أنواع الخطأ" . ووَردَ عن عبد الله بن المبارك أنه عرّف الأدب بأنه معرفة النفس ورعونتها، وتجنب تلك الرعونة .
ولا بد هنا من التمييز بين الأدب بمفهومه العام، وعلم الأدب بمفهومه الخاص. فعلم الأدب هو "علم إصلاح اللسان والخطاب، وإصابة مواقعه، وتحسين ألفاظه، وصيانته عن الأخطاء والخلل" . فهذا المفهوم كما يقول ابن القيم هو "شعبة من الأدب العام" .
والأدب الذي يعنينا في هذا البحث هو الأدب بمفهومه العام والذي أشرنا إليه أولاً، وهو المختص بالجانب الخُلُقي والسلوكي لا بدلالات اللسان ودلالات الألفاظ في حالاتها الإفرادية والتركيبية.
وبالنظر إلى أهمية الأدب وفضله في الإسلام، فإننا نجد أن الإسلام قد وضع قواعد في التربية والتهذيب، ومبادئ للقيم والسلوك والأخلاق، ليقيم عليها مجتمعاً نقيّ السريرة، عفّ اللسان، ذا أدبٍ وذوقٍ رفيع. فقد عُنيَ الإسلام بموضوع الأدب بشكل عام. فقـد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: »ما نَحَلَ والدٌ ولدَه أفضل من أدبٍ حَسَن« . وأنه قال: »أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم« .
ويشير عبد الله بن المبارك إلى حاجتنا إلى الأدب بقوله: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم . ويقول الإمام القرافي في كتابه «الفروق» وهو يتحدث عن موقع الأدب من العمل وبيان أنه مُقدَّم في الرتبة عليه: "واعلم أنّ قليلَ الأدب خير ٌمن كثير من العمل، ولذلك هلك إبليس وضاع أكثر عمله بقلَّة أدبه. وقال الرجل الصالح لابنه: اجعل عملك مِلحاً وأَدَبَك دقيقاً؛ أي ليكنْ استكثارُك من الأدب أكثر من استكثارك من العمل؛ لكثرة جدواه ونفاسة معناه" .
وقيل في بيان فضل الأدب: أربعةٌ يسود بها العبد: العلم، والأدب، والفقه، والامانة . وقيل: من كَثُرَ أدبُه شرُفَ وإنْ كان وضيعاً، وسادَ وإنْ كان غريباً، وكثُرت الحاجة إليه وإنْ كان فقيراً .
وإنْ كان الأدب خُلُقاً عاماً يتناول كثيراً من التصرفات والسلوكيات، إلا أنه أفضل ما يكون في الكلام. رُوي في ذلك عن عبد الملك بن مروان أنه قال: "ما الناسُ إلى شيءٍ مِنَ الأدب أحوجُ منهم إلى إقامة ألسنـتهم التي بها يتعاودون الكلام، ويتعاطَوْن البيان، ويتهادَوْن الحكمة، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ويجمعون ما تفرّق منها، فإنّ الكلام قاضٍ يحكم بين الخصوم، وضياءٌ يجلو الظُلَم. حاجةُ الناسِ إلى موادّه حاجُتُهم إلى موادّ الأغذية" .

ثانياً: التصوّر القرآني لأدب التعامل مع الآخرين

الأصل في دين الإسلام أنه دينُ تجمّعٍ وألفة، لا دينَ عزلةٍ وفرارٍ من تكاليف الحياة، ولم يأت القرآن ليدعو المسلمين إلى الانقطاع في دير، أو العبادة في صومعة، بعيداً عن مشاكل الحياة ومتطلباتها. بل إنّ نزعة التعرّف إلى الناس والاختلاط بهم أصيلة في تعاليم هذا الدين. فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ الفضل لمن خالط الآخرين وتعرَّف عليهم ولم يتقوقع على نفسه، وذلك في قوله: »المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم« ، .
وما المـرءُ إلا بإخـوانهِ
كما يُقبض الكـفُّ بالمعصمِ

ولا خيرَ في الكفِّ مقطوعة
ولا خيرَ في الساعد الأجْذَمِ


والحقيقة أنَّ أدب التعامل مع الآخرين لـه مفهوم شامل، يتسع اتساع العلاقات الإنسانية بين بني البشر. والروابط التي تجمع بين الناس كثيرة، فمن رابطة الدم، إلى رابطة الفكرة والمبدأ، ورابطة العمل والوظيفة، ورابطة الصداقة والصحبة، ورابطة الجنس والعرق، والرابطة التجارية والاقتصادية، ورابطة العقيدة التي تُعدّ من أقوى الروابط وأمتنها. ولكن قوّة رابطة العقيدة، لا تعني أنَّ أدب التعامل مع الآخرين لا يدور إلا في نطاقها، ولا يشمل التعامل مع أصحاب العقائد الأخرى من غير المسلمين، بل إنَّ أدب التعامل يتسع ليشمل الإنسانية كلَّها.
ولا بدّ لنا في هذا السياق من التفريق بين أدب التعامل مع الآخرين وبين الولاء لهم. فإن الولاء هو المحبة والنصرة وهذه لا تكون إلا بين المسلمين. ولكن التبرؤ من أعداء الله لا يعني الإساءة في معاملتهم، أو أكل حقوقهم، أو سبّهم والفحش معهم في القول، أو عدم ملاطفتهم. فالولاء "هو سلوك الباطن، والمحبة القلبية، وما يترتب على ذلك من نصرة وإعانة. أما التعامل الحسن؛ فهو سلوك الجوارح والعلاقة الظاهرية. والأول قد حُصر على المسلمين، أما الثاني فهو مع المسلمين ومع غيرهم" . ولعلّ ما ورد في سورة الممتحنة، هو من أوضح الآيات التي تميز بين الولاء وبين البرّ وحُسن التعامل، يقول تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
فقضية التعامل مع الآخرين هي قضية بالغة الأهمية والخطورة، وقد جعل الإسلام الالتزام بالدين في قسمٍ كبيرٍ منه، متوقفٌ على الأدب وحسن المعاملة. ومن منطلق هذه الأهمية، جاء القرآن الكريم ليضع لنا المناهج القويمة والأسس السليمة للتعامل مع الآخرين باعتباره موضوعاً أساسياً من موضوعات هذا الدين. فقد أصّل القرآن الكريم لأدب التعامل مع الآخرين وأقامه على مجموعة من القواعد والفنون، التي نضمن من خلالها نتائج إيجابية وحسنة في العلاقات الإنسانية، وهذه القواعد والفنون كثيرة ومتنوعة، وليس من موضوعنا الحديث فيها، غير أنّ هناك قاعدة قرآنية تُعدُّ أصلاً تتفرع عنه كل قواعد التعامل مع الآخرين، هذه القاعدة هي «حُسْنُ الخُلُق»، إذْ لا نجاح ولا توفيق في التعامل مع الآخرين دون هذا الأصل المتين. ومن هنا فقد مدح الله تعالى نبيه بهذه الصفة، فقال عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، ووصفته عائشة رضي الله عنها بأنه »كان خلقه القرآن« .
فحُسْنُ الخُلُق أصْلٌ في أدب التعامل، وتتفرع عنه سلوكيات كثيرة. ويتحدث الإمام الغزالي عن أهم هذه السلوكيات المترتبة على حُسن الخُلُق، فيقول بأن من صفات الشخص الذي يوصف بحسن الخُلُق أنه "يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الإصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، بَرّاً وصولاً، وقوراً صبوراً، شكوراً رضيّاً، حليماً رفيقاً، عفيفاً شفيقاً، لا لعَّاناً ولا سبّاباً، ولا نمّاماً ولا مغتاباً، ولا عجولاً، ولا حقوداً، ولا بخيلاً ولا حسوداً، بشّاشاً هشّاشاً، يحب في الله، ويبغض في الله، ويرضى في الله، ويغضب في الله، فهذا هو حُسن الخلق" .

ويُنبِّه المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أهميَّة حُسْن الخُلُق في التعامل مع الآخرين، فيقول: «إنَّكم لا تَسَعُونَ النَّاسَ بأموالِكم، ولكنْ يَسَعُهُم منْكم بَسْطُ الوجْهِ وحُسْنُ الخُلُق» . وفي هذا الحديث الشريف عِظَةٌ نافعة وحِكمة بالغة، فإنَّ الإنسان مهما بَذَل من المال لا يحظى برضى الناس، ثم إنَّ المال ليس في مقدور كلّ إنسان، ولكن في مقدور كلِّ واحدٍ أنْ يُحسن خُلُقه، ويلين جانبه، ويخفض جناحه، ويبسط وجهه. وهذا الأدب في التعامل مع الآخرين، خيرُ مُعينٍ على تذليل صعوبات الحياة، وتخفيف آلامها، لأنه يبعث السرور في النفس، وبه تطيب المعاشرة وتصفو المعيشة.

كما يشير القرآن الكريم إلى مبدأ مهم في التعامل مع الآخرين. فالدِّينُ في المنظور القرآني ليس صلاةً وصياماً في جهة، وجلافةً وجَفَاءً في التعامل مع الناس في الجهة الأخرى، بل هو وِحْدَةٌ متكاملة يرتبط فيها الجانب الإيماني بالجانب العَملي في الحياة. قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ .
فهذه الآية تشير إلى ملامح الشخصية الإسلامية التي ترتكز على جانبين اثنين: جانب الفكر والإيمان وأداء العبادات، وجانب الممارسة في السلوك الذاتي وفي العلاقة مع الناس ومع المواقف الصعبة في الحياة. نلمح ذلك من خلال تحديد طبيعة البِرّ الذي يعني التوسُّع في الخير والإحسان، كما يذكر أهل اللغة ، لأنه يمثِّل سرّ الشخصيّة لدى المؤمن في آفاق التصوّر وميدان التعامل. فبالإيمان والعمل تتكامل الشخصية وتنطلق.

وبصورة عامة فإن الأسلوب الإسلامي في التعامل مع الناس هو الأسلوب الأمثل والأحسن، وهو الأسلوب الذي يعود بانعكاسات إيجابية على العلاقات الإنسانية. ولا يزال المسلم الحق الملتزم بدينه، المحافظ على أخلاقه الإسلامية، شامةً بين الناس وقدوة حسنة لهم، يحبه كلُّ من يخالطه، ويُسَرُّ لـه كل من يجالسه. تخلُّقه بآداب الإسلام ومكارم الأخلاق جعل منه نموذجاً حياً للشخصية الاجتماعية الرّاقية المهذبة النقية.
وما انتشار الإسلام في جميع أنحاء المعمورة إلا دليلٌ واضحٌ على انعكاس الأخلاق الإسلامية على العلاقات في المجتمعات الإنسانية، حتى إنَّ الذين دخلوا في هذا الدين تأثّراً بهذه الأخلاق، يتجاوز عددهم أضعاف من دخلوه عن طريق السيف. بل إنّ السيف –في كثير من الأحيان- لم يكن إلا لإزالة العقبات التي تحول بين الناس والالتقاء مع صفاء الإسلام وسماحة أخلاقه، وما أنْ تضع الحرب أوزارها، ويتعامل المسلمون مع أعدائهم، وتنساب العلاقات فيما بينهم، حتى تبهرهم عظمة هذا الدين، وسُموِّ أخلاقه، فيتحولوا من أعداء محاربين للإسلام وأهله، إلى مناصرين للحق مدافعين عنه.

المبحث الثالث
أدب المعاملة ودوره في الحفاظ على وحدة الصف وحلّ
المشكلات الاجتماعية

يمثّل أدب المعاملة وسيلة مهمة من وسائل توحيد الصف الإسلامي، لما يحققه من تآلف بين القلوب، وتناصر بين النفوس. ولما يتمخض عنه من حلِّ كثيرٍ من المشكلات الاجتماعية.

أولاً: أدب المعاملة وأثره على وحدة الصف ولَمِّ الشمل

يُوجِّه القرآن الكريم المؤمنين إلى ضرورة الالتزام بأدب المعاملة في بينهم، لأن الشيطان قد يستغل كلَّ كلمة طائشة. فبسبب كلمة قد يتفرَّق الشمل؛ فتحلُّ العداوة والبغضاء، وبسبب كلمة قد تتآلف قلوب؛ فتحلّ المودّة وتزول الأحقاد والكراهية. قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنـزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ .
قال القرطبي: "أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين فيما بينهم خاصة، بحُسن الأدب، وإِلانة القول، وخفض الجناح، واطّراح نزغات الشيطان، وقد قال صلى الله عليه وسلم «وكونوا عباد الله إخواناً» " .
فالله يأمرنا بأن نتحكّم بأقوالنا وأفعالنا لتكون مسدَّدة صائبة، فلا نتفوّه من القول إلا بأحسنه، لنسدّ بذلك على الشيطان مسالكه، ونمنعه من التغلغل بين صفوفنا كمؤمنين متحابين متوادّين، كي لا يفسد علينا سعادتنا وطمأنينتنا "فالشيطان ينـزغ بين الأخوة بالكلمة الخشنة تفْلَت، وبالردّ السيئ يتلوها، فإذا جوُّ الودِّ والمحبة والوفاق مشوبٌ بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء. والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب، تُندِّي جفافها، وتجمعها على الودِّ الكريم" .

والعداوة بين الشيطان والإنسان مستحكمة، لأنه لا يريد صلاح الإنسان أصلاً، وقد أخذ على نفسه العهد بإضلال الإنسان ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ .
ولذا فلا بدَّ أن نكون على وعي تام بما يحدّق بنا من أخطار نسجتها المكائد الشيطانية، بغرض الحدّ من التواصل البنّاء وتفتيت العلاقات الإنسانية. ولا بدّ من العمل بشكل حثيث من أجل وحدة الصف ولم الشمل.

"ولكي تصل البشرية إلى وحدتها فتكون أمة واحدة، وإلى تواصلها فتكون أسرة واحدة، أمر الله جلّت حكمته بحسن الأدب ولين القول وجميل الفعال، لأنه جميل يحب الجمال، طيّبٌ يحب الطيب. وما علينا في سبيل الفوز بمحبته إلا أن نسعى إلى ذلك بالتجمّل بأخلاق القرآن، والتحلّي بشمائل المصطفى العدنان صلى الله عليه وسلم، لأن أعلى مستوى من مستويات الكمال هو أن نتخلّق بأخلاق القرآن التي جسّدها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً حتى صار خُلُقُه القرآن" .

ويبيّن لنا القرآن الكريم أنّ أدب الرسول صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الآخرين، كان سبباً في تجميع القلوب وتوحيد الصفوف. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ .
"والفظّ: الغليظ، والمراد به هاهنا غليظ الكلام، لقوله بعد ذلك: ﴿غَلِيظَ الْقَلْب﴾؛ أي لو كنتَ سيئَ الكلام قاسيَ القلب عليهم، لا نفضوا عنك وتركوك، ولكنّ الله جمعهم عليك وألانَ جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم" .
فالآية الكريمة تشير إلى الرحمة التي ألقاها الله في قلب رسوله، وتُـثني على أخلاقه السامية وقيادته الحكيمة، فعلى الرغم من عدم اتفاق أصحابه معه في بعض المواقف، إلا أنه وَسِعَهم بخُلُقه الكريم، وقلبه الرحيم، ولم يخاطبهم بالقسوة والشدّة بل باللين والرحمة، ولذلك اجتمعت القلوب حول دعوته، وتوحّدت تحت قيادته.
فليس من العسير إيراد المعارف ولا بذل النصيحة، ولكن العسير تخيّر أسلوب العرض لضمان النتائج، فكم من نفوسٍ أعرضت عن كلمة الحق، ولم يكن إعراضها ناشئاً عن طعنٍ في صحتها أو شكٍ في وضوحها؛ بل إنّ السبب الذي أدّى إلى نفورها، هو الأسلوب الذي غلب عليه الجمود والفظاظة، ونأى عن الرفق واللين، فنفرت منه القلوب، وأعرضت عنه. فالحقيقة واحدة، بَيْدَ أنها تقع على لسان من يسيء التعبير عنها فينفّر الناس منها، أو تقع على لسان واعظ حسن الموعظة، فيجمع القلوب حولها. وفي ذلك يقول الشاعر:
في زُخرف القولِ تزييـنٌ لباطلـهِ
والحقُّ قد يَعتريه سـوءُ تعبيرِ

تقولُ هذا مجاجُ النحلِ تَمدحُـهُ
وإنْ ذَممتَ تقلْ قيءُ الزنابيـرِ

مدْحاً وذمَّاً وما جاوَزْتَ وصفَهُما
حُسنُ البيانِ يُري الظلماءَ كالنورِ


فالمطلوب من الداعية أنْ يكون رحيماً بعباد الله، لأنّ التراحم بين الناس يشدّ بعضهم إلى بعض، ويَخلق بينهم جوّاً من الألفة والترابط، ويزرع في أعماقهم غيرة على المصلحة العامة، مما يجعلهم أهلاً للمشورة وإبداء الرأي في سياسة الأمة بهدف الوصول إلى الحل السديد.

ويشير القرآن الكريم إلى قاعدة مهمة في أدب المعاملة، تتمثَّل في عدم الرد على السيئة بمثلها، مبيناً أنّ ذلك يؤدي إلى مزيد من توحيد الصف، لأنه يقلب العداوة والبغضاء إلى ألفة ومحبة. قال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
"وتَصْدُق هذه القاعدة في الغالبية الغالبة من الحالات. وينقلب الهياج إلى وداعة، والغضب إلى سكينة، والتبجح إلى حياء؛ على كلمة طيبة، ونبرة هادئة، وبسمة حانية في وجهٍ هائج، غاضبٍ متبجحٍ مفلوت الزمام. ولو قوبل بمثل فعله ازداد هياجاً وغضباً وتبجحاً ومروداً، وخلع حياءه نهائياً، وأفلت زمامه، وأخذته العزة بالإثم" .

ثانياً: أدب المعاملة وأثره في حلّ المشكلات الاجتماعية

إنّ أدب التعامل مع الآخرين وعدم الردّ على السفاهة بمثلها، خُلُقٌ كريم يُصفّي القلوب، ويزيل منها الضغائن والأحقاد، ويجعلنا نتجاوز الكثير من المشكلات الاجتماعية. فمما لا شك فيه أنَّ القول السيئ وما يتبعه من ردود أفعال قد يُحدث مشاكل ومضاعفات، يكون لها أسوأ النتائج. وهنا يأتي دور مقابلة الإساءة بالإحسان في الإصلاح النفسي والاجتماعي لنفوس الناس وطبائعهم. وهذا المنهج في الإصلاح الاجتماعي واضح في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ .
رُوي أنه لما نزلت هذه الآية، سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عنها، فقال: لا أعلم حتى أسأل، ثم رجع فقال: إنّ ربك يأمرك أنْ تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك .
والأمر بالمعروف الذي تتحدث عنه الآية الكريمة، قضية مهمة في إصلاح المجتمع، وفي تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي بين أفراده في أحسن صورة. "ومما لا شك فيه أن إصلاح الفرد هو الخطوة الأولى في إصلاح المجتمع، لأن الإنسان خلية في جسد المجتمع البشري، إذا فسدت أضرّت به وآلمته، وإذا صلُحت حملت له الأمل بالصحة والعافية. ولا يكفي أن يُصلح الإنسان نفسه، لأنه مسؤول أيضاً عن إصلاح أسرته الصغيرة، وكذلك عن الأسرة الإنسانية التي يعيش بين ظهرانيها" . وفي معنى هذه الآية قيل شعراً:
خذ العفوَ وأمرْ بعرفٍ كما
أُمرتَ وأعرضْ عن الجاهلينْ

ولِنْ في الكلام لكلِّ الأنامِ
فمُسْتحسنٌ مِنْ ذوي الجاه لِين


ويبيِّن الإمام الشافعي بكلماتٍ بليغة منظومة، كيف أنَّ العفو وعدم الردّ على السيئة بمثلها، يجنِّب الإنسان الكثير من العداوات، الأمر الذي يسهم في حلّ الكثير من المشكلات الاجتماعية. يقول:
لَمَّا عفوْتُ ولمْ أحْقدْ على أحَدٍ
أرَحْتُ نفسي مِنْ هَمِّ العداواتِ

إنِّي أُحَيِّي عدُوِّي عِندَ رُؤيتهِ
لأدفَعَ الشرَّ عنِّي بالتحيَّاتِ

وأُظْهرُ البِشْرَ للإنسانِ أبغضُهُ
كأنَّهُ قدْ حَشَى قلبي مَحبَّاتِ

ولسْتُ أَسْلَمُ مِنْ خِلٍّ يُخالطني
فكيفَ أَسْلَمُ من أهلِ العداواتِ

الناسُ داءٌ وداءُ الناسِ قُرْبُهمُ
وفي اعتزالهم قَطْعُ المَوَدَّاتِ


وعلى مستوى الأسرة يُبين لنا القرآن الكريم، أنَّ الوعظ بالكلمة هو الخطوة الأولى في رأب الصدع القائم بين الزوجين في حال النشوز. قال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ .
ويكون وعظ الزوجة بتذكيرها بما أوجب الله عليها من حُسن الصحبة وجميل العشرة، بحيث يكون الزوج في وعظه كَيِّسَاً لَبقاً طويل الأناة، يعظ مرّة ومرّة ومرّات، على فترات متقاربة أو متباعدة حسب الظروف، فإن ذلك جدير بأن يُلين من حدّتها ويردّها إلى سبيل الرشاد .
فإن الكلمة الطيبة أغلى عند الزوجة في كثير من الأحيان من الحليّ الثمين، والثوب الفاخر الجديد، لأن العاطفة التي تبثها هذه الكلمة هي غذاء الروح. فكما أنه لا حياة للبدن بلا طعام، فكذلك لا حياة للروح بلا كلامٍ حلو لطيف. وإن السعادة كلها ربما كانت في كلمة فيها مجاملة ومؤانسة يقولها أحد الزوجين لصاحبه، بل إنَّ إن الزوجين من أشد الناس حاجة إلى سماع كل واحد منهما الكلمة الطيبة من صاحبه. وإن أدب الكلمة أساس متين تُبنى عليه علاقات الحب والمودّة والرحمة والإنتاج والتربية .

وكثيراتٌ هنّ الزوجات اللواتي يستجبن لهذا الأسلوب المهذب الرقيق، ولكن هناك صنفٌ آخر لا يُجدي معهن ذلك، فيتمادين في نشوزهن، فهؤلاء يُتّبع معهن الوسائل الأخرى التي ذكرتها الآية: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ . ولكن بفهمٍ ووعي وعدم تجاوزٍ للحد .
ولكن لماذا ينتظر الرجلُ زوجتَه حتى تنشز ليقول لها كلمة طيبة؟ ولماذا يهمل كلٌّ من الزوجين هذه الناحية إهمالاً شديداً، بحجة زوال الكلفة وقيام الانسجام الكامل بينهما؟ أليس الأجدر أن يكون أدب المعاملة هو أساس العلاقة القائمة بين الزوجين؟

وفي سبيل حلّ المشكلات الزوجية، فإنَّ القرآن الكريم يوجِّه نحو العِشرة بالمعروف حتى مع الكراهة. قال تعالى: ﴿وعاشروهنَّ بالمعروفِ فَإن كرهتُموهنَّ فعسى أنْ تكرهوا شيئاً ويجعلَ اللهُ فيه خيراً كثيراً﴾ . وتأكيداً لهذا التوجيه الكريم، وإيضاحاً لمعانيه، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يفرك مؤمن من مؤمنة، إنْ كره منها خُلُقاً، رضي منها آخر" . أي لا يبغضها بغضاً شديداً يدفعه إلى فراقها، بل يتغاضى عن مساوئها، لما فيها من محاسن أخرى.

والناظر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه يجد أنها كانت مثال الملاطفة والمؤانسة. فقد كان يؤانسهن ويمازحهن ويعمر نفوسهن بالكلمة الحلوة، والنظرة الحانية، والتصرف الودود، ويحتمل منهن أخطاءهن.
فكان على سبيل المثال يتحبَّب إلى عائشة رضي الله عنها بترقيق اسمها فيناديها بقوله: «يا عائش» و «يا حُميراء» و «يا شقيراء» .
كما كان صلى الله عليه وسلم يحترم مشاعر زوجاته. فقد رُوي أنه صلى الله عليه وسلم قال لصفية: «لم يزل أبوك من أشدّ يهود لي عداوة حتى قتله الله». فقالت: يا رسول الله، إن الله يقول في كتابه: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . فلم يُسمع النبي بعد ذلك ذاكراً أباها بحرفٍ مما تكره . وذلك حفاظاً على مشاعرها واحتراماً لأحاسيسها.
ولأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بشر وكذلك زوجاته، فإنَّ بيت النبوة كانت تعترضه بعض الخلافات والمناوشات بين الحين والحين. إلا أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان القدوة والأسوة الحسنة في كيفية التعامل مع هذه المشاكل.
روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير ، قال: جاء أبو بكر يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم ، ‏فسمع ‏ ‏عائشة ‏ ‏وهي رافعة صوتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏فأُذن له فدخل، فقال: يا‏ ‏ابنة أمّ رومان‏ ‏_وتناولها_ أترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!‏ ‏قال: فحال النبي صلى الله عليه وسلم ‏بينه وبينها. قال: فلما خرج ‏ ‏أبو بكر، جعل النبي صلى الله عليه وسلم‏ ‏يقول لها ‏يترضاها: ‏ألا ترين أني قد حِلْتُ بين الرجل وبينك. قال: ثم جاء ‏أبو بكر ‏فاستأذن عليه فوجده يضاحكها. قال: فأذن لـه فدخل، فقال لـه ‏أبو بكر: ‏يا رسول الله، أشركاني في سلمكما كما أشركتماني‏ في حربكما .

ولا يخفى ما لهذا المنهج الإسلامي في الحث على أدب المعاملة بين الزوجين، من دورٍ فاعلٍ في حل الكثير من المشكلات الزوجية، فبهذا النظام الرباني الدقيق يصبح الخلاف بين الزوجين محصوراً، والتعاون بينهما أمراً غالباً، لا في حالة توافر المودّة والرحمة بينهما فحسب، بل وفي حالة ضعف هذه المودة وفتور المحبة والرحمة أيضاً.

وإذا كان الحديث هنا منصبَّاً على دور أدب المعاملة في حلِّ الخلافات الزوجية، فإنّ ذلك لا يعدو أنْ يكون مجرّد مثال، إذ إنَّ لأدب المعاملة الدور عينه في تجاوز الكثير من المشكلات الاجتماعية بين كافة أطراف المجتمع الإنساني لا بين الزوجين فحسب.

المبحث الرابع
توجيهات قرآنية في الحث على أدب المعاملة

كثيرة هي التوجيهات القرآنية التي تحث على الالتزام بالأدب في التعامل مع الآخرين، وسنحاول فيما يلي أن نذكر بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر:

1. النهي عن فضول الكلام والخوض في الباطل
حثَّ القرآن الكريم على الابتعاد عن فضول الكلام وعدم الخوض في الباطل، والالتزام بهذا التوجيه القرآني مِنْ شأنه أنْ يَصُبَّ في بناء مجتمعٍ متماسكٍ يبتعد فيه الناس عن الثرثرة والإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه. قال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . فهذه الآية القرآنية تُوجِّه المؤمنين إلى أنْ يكون كلامُهم هادفاً، فإنَّ من شأن المسلم الواعي ألا يخوض فيما لا يعنيه، وألا يُكثر من الكلام المباح غير الهادف والذي لا خير فيه، فإنَّ الوقت أثمن من إضاعته في فضول الكلام وهَذَرِه.
وكثرة الكلام تؤدي إلى قسوة القلب، فقد وَرَدَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: »لا ُتكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنَّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوةٌ للقلب، وإنَّ أبعد الناس من الله القلب القاسي« . ولا شكَّ أنَّ قسوة القلب مع الله تؤدي إلى قسوته مع الناس، مما يُلقي بظلاله السيئة على الاتصال بالآخرين، وعلى العلاقات الإنسانية بشكل عام.

2. النهي عن السب والفحش في القول
للسب واللعن والفحش في القول أضرار كثيرة، ففيها إيذاءٌ للمسبوب، وإيغارٌ للصدور، وقَطْعٌ للعلاقات والمودَّات، وزرعٌ لبذور الفتنة والشقاق، وذلك لما ت***ه من العداوة والبغضاء، وتجرُّه من المنازعات والمشاحنات التي قد تنتهي بأوخم العواقب وأسوأ النتائج، فتتفكك عُرى المحبة، وتنقطع روابط الأُلْفة، ويحل الفساد محل الصلاح، والخصام محل الوئام، فتسوء الأحوال وتضطرب الأعمال.
ونتيجة لهذه الآثار السيئة التي يتركها السباب وفحش القول على العلاقات الإنسانية، جاء التوجيه القرآني ليحث على تجنب النطق بالألفاظ البذيئة، والكلمات المبتذلة. قال تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ . وفي آية أخرى نصَّ القرآن الكريم على أن إيذاء المؤمنين بالقول السيئ دون وجه حق، يترتب عليه إثم عظيم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ .

3. الحث على الصَّمت وحُسْنِ الاستماع
الصمت وحُسن الاستماع مهارة لابد من إتقانها، لما لذلك من أهمية كبرى في بناء العلاقات الإنسانية بين الأفراد والجماعات، وهي وسيلة مُجدية في إيجاد الفهم المتبادل بين الناس، ومساعدتهم في حلِّ مشكلاتهم، والتخفيف من آلامهم، وما يحسون به من ضيقٍ وحزن.
وقد نبَّه القرآن الكريم إلى ضرورة حُسن الاستماع. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الألْبَابِ﴾ . قال ابن عباس: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن ويَنْكَفُّ عن القبيح فلا يتحدث به .
جاء في كتاب «فن التفاوض» لوليام أوري ما نَصُّهُ: "إنَّ الإنصات عظيم الفائدة، فهو يفتح لك نافذة لترى ما يدور في عقل الطرف الآخر، كما يجعل الطرف الآخر على استعداد للإنصات إليك. فلو أنَّ الطرف الآخر كان غاضباً أو قلقاً، فلماذا لا تحاول أنْ تستمع إلى شكواه. لا تقاطعه حتى لو شعرتَ أنه مخطئ، أو أنه يهينك. ويمكنك أنْ تُشْعره بإصغائك إليه عن طريق تركيز نظرك عليه، أو هزّ رأسك من آنٍ لآخر، أو ترديد عبارات مثل: «نعم، نعم» أو «أنا أفهم ما تقصده» وعندما ينتهي من حديثه، اسْأَلْه بهدوء إن كان لديه شيء آخر يريد أن يضيفه، وشجعه على أنْ يُفضي إليك بكل ما يضايقه، بأن تقول لـه مثلاً: «من فضلك استمر في حديثك» أو «ماذا حدث بعد ذلك؟». وبمجرد أنْ تُنصت لما يريد الطرف الآخر أنْ يقوله، فغالباً ما سيؤدي ذلك إلى تهدئته، ليصبح أكثر تعقَّلاً وأكثر استجابة بشأن حل المشكلة، واستصدار القرار المطلوب، فليس من قبيل الصدفة أنَّ أفضل المحاورين غالباً ما يستمعون أكثر مما يتكلمون" .
ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ براعة الإنصات تكون بالأذُن، وطرف العين، وحضور القلب، وإشراقة الوجه، وعدم الانشغال بتحضير الردّ، وعدم الاستعجال بالردّ قبل إتمام الفهم. فإنَّ كثيراً من الناس يخفقون في ترك أثرٍ طيِّب في نفوس من يقابلونهم لأول مرة، لأنهم لا يُصغون إليهم باهتمام، إنهم يستمعون بنصف أُذُن، ويحصرون همهم فيما سيقولونه لمستمعهم، فإذا تكلَّم المستمع لم يُلقوا لـه بالاً، عِلْماً بأنَّ أكثر الناس يُفضِّلون المنصت الجيد على المتكلم الجيد .
يقول دايل كارنيغي Dale Carnegie في كتابه القيم «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس»: "إذا كنتَ تريد أنْ ينفضَّ الناسُ من حولك، ويسخروا منك عندما توليهم ظهرك، فهاك الوصفة: لا تُعطِ أحداً فرصة الحديث .. تَكَلَّم بغير انقطاع .. وإذا خَطَرَت لك فكرة بينما غيرك يتحدث فلا تنتظر حتى يُتم حديثه، فهو ليس ذكياً مثلك، فلماذا تضيع وقتك في الاستماع إلى حديثه السخيف؟ اقتحم عليه الحديث، واعترض في منتصف كلامه" .

ومن حُسن الاستماع أنه إذا كان السامع عالماً بكلام المتحدث، فإنه ليس من الأدب مقاطعته ومداخلته فيه، بغرض الإظهار للآخرين معرفة هذا الحديث والعلم به. قال عطاء بن أبي رباح: إنَّ الشاب ليحدثني بحديث، فأستمع له كأني لم أسمعه، ولقد سمعتُه قبل أنْ يولد .
ومن حُسن الأدب أيضاً، أنه إذا أشكل على المستمع شيء من كلام محدِّثه، فإن عليه أنْ يصبر حتى الانتهاء من الحديث، ثم يستفهم منه بأدب ولطف وتمهيدٍ حَسَنٍ للاستفهام، ولا يقطع عليه كلامه، فإنَّ ذلك مخلٌّ بأدب الاستماع، إلا إذا كان المجلس مجلس دراسة وتعلُّم، فإن له حينئذٍ شأناً آخر، ويحسن فيه السؤال والمناقشة عند تمام الجملة أو المعنى الذي يشرحه المعلِّم، وينبغي أنْ تكون المناقشة فيه بأدب وكياسة . قال الهيثم بن عَدي: قالت الحكماء: من الأخلاق السيئة مغالبة الرجل على كلامه، والاعتراض فيه لقطع حديثه .
ومن الأدب في هذا السياق كذلك، أنه إذا سُئل شخصٌ عن شيء، فإنه لا يحسن بغيره أنْ يبادر إلى الإجابة، بل ينبغي أنْ لا يقول شيئاً حتى يُسأل عنه، فإنَّ ذلك أحْفَظُ للأدب وأرفع للمقام. رُوي عن مجاهد أنَّ لقمان قال لابنه: إياك إذا سُئل غيرك أنْ تكونَ أنتَ المجيب، كأنكَ أصبتَ غنيمة، أو ظفرت بعطيَّة، فإنك إنْ فعلتَ ذلك، أَزْرَيْتَ بالمسؤول، وعَنَّفت السائل، ودَللْتَ السفهاءَ على سفاهة حلمك، وسوء أدبك .

4. الحث على خفض الصوت وعدم رفعه
من توجيهات القرآن الكريم في الحث على الأدب مع الآخرين، الدعوة إلى خفض الصوت وعدم رفعه. ويظهر هذا التوجيه جَليِّاً فيما جاء على لسان لقمان الحكيم في وصاياه لابنه. قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ .
قال الآلوسي: "والحكمة في غض الصوت المأمور به، أنه أوفر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع، وفَهْمِه" .
وأدب خفض الصوت ينبغي مراعاته مع جميع المخاطبين، بغضِّ النظر عن سِنِّهم ومكانتهم، غير أنه يزداد تأكيداً مع ذوي المكانة والشأن، وعلى هذا جاء التوجيه القرآني بخفض الصوت في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، الوارد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . وكذلك في حضرة الوالدين كما يُفهم من قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ٭ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ .

ولعلنا أحوج ما نكون إلى الهدوء وعدم رفع الصوت في الحوار الذي يجري مع المعارضين والمخالفين، فإنه يحسن بالمحاور ألا يرفع الصوت أكثر مما يحتاج إليه السامع. فإنَّ رفع الصوت لا يُقوِّي حجة صاحبه قط، وفي أكثر الحالات يكون صاحب الصوت الأعلى قليل المضمون، ضعيف الحجة، يستر عجزه بالصراخ، على عكس صاحب الصوت الهادئ الذي يعكس عقلاً متزناً وفكراً منظماً وحجة وموضوعية.
قال أبو عثمان محمد بن الشافعي: ما سمعتُ أبي ناظر أحداً قط فرفع صوته .
وقد وُجد بالخبرة والتجربة، أنَّ الصوت المعتدل الهادئ المتأني من غير صراخ أو صياح، ومن غير إسرارٍ وإخفات، هو الأدخل إلى النفوس، والأنفذ إلى الأعماق، والأحفظ لجلال الكلمة ووقار المتكلم.

5. الحث على طلاقة الوجه وعدم العبوس
تُعدُّ طلاقة الوجه لوناً من ألوان التحبب إلى الناس، ووسيلةً مؤثرةً من وسائل التقرِّب إلى الآخرين ومداراتهم. قال تعالى موجهاً رسوله الكريم إلى هذا السلوك: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي تواضع لهم وأَلِنْ جانبك، وعامل أهل الإيمان بالإحسان والرفق والحنان. كما حذَّره سبحانه من الفظاظة والغلظة والقسوة والشدة باعتبارها من المنفِّرات والمفرِّقات والمذهبات لأخوَّة الإيمان، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ . ونهى القرآن الكريم صراحةً عن العبوس في وجه الشخص في أثناء الحديث معه، فقد عاتب سبحانه وتعالى رسوله الكريم لعبوسه في وجه أحد الصحابة. قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ .

والمطَّلع على سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنته الشريفة، يجد بما لا يدع مجالاً للشك، أنه كان القدوة في حُسن الإخاء وجميل المعاشرة وطلاقة الوجه. فنظراً لأهمية هذا الخُلُق الرفيع، وما انطوى عليه من الآثار الجليلة في نفوس الناس، وكونه من أبرز أسباب تجمع القلوب، وإشاعة الألفة والمحبة والوداد بين الإخوان، وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يحث على طلاقة الوجه في لُقيا المؤمنين بعضهم بعضاً. فقد قال عليه الصلاة والسلام: »لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المعروف شيئاً ولو أنْ تَلْقَى أخاك بوجْهٍ طَلِق« . وقال: »تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة« .

6. الحث على أداء التحية وردِّها
الناظر في التوجيهات القرآنية التي تحثُّ على أدب المعاملة، يجد أنها تُحدد السِّمة التي يحرص المنهج القرآني دوماً على طبع المجتمع المسلم بها، ألا وهي الدعوة إلى التمسك بكلِّ وسيلة من شأنها أنْ تُوثِّق عُرى الأخوة وتعزّز علاقات المودَّة بين أفراد المجتمع. ولعل إفشاء السلام والتحيَّة يُعدَّان في مقدمة تلك الوسائل التي تتجلَّى ثمارها في تصفية القلوب، وتوسيع دائرة التعارف بين الناس، وتوثيق الصِّلة بين عباد الله، وهي ظاهرة يُدركها كل من يمارسها على صعيد المجتمع، ويتدبّر نتائجها الإنسانية العجيبة. وقد اختار الله للمؤمنين أجمل معاني التحية ليتبادلوها فيما بينهم؛ وجَعَلَها كلمة السلام. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . وقال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ .
وإذا كان الإسلام قد حثَّ على أداء التحية، فهو في الوقت نفسه قد حثَّ على ردِّها. وإنْ كان الحث على أدائها قد جاء على وجه النَدْب، فإنَّ الحث على ردِّها قد جاء على وجه الوجوب. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ . قال القرطبي: "أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنَّة مُرغَّبٌ فيها، وردّه فريضة، لقوله تعالى: «فحيُّوا بأحسن منها أو رُدُّوها» " .

7. النهـي عن النـجوى
النجوى: هي كلام السرِّ الذي يكون بين اثنين أو أكثر، في تخافت وتهامس، بعيداً عن أسماع الناس . ويبين القرآن الكريم أنَّ النجوى من صفات المنافقين الذين يَجبنون دائماً عن التصريح بآرائهم ومعتقداتهم، ويعتادون على التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
وفي النهي عن النجوى دليلٌ على حرص الإسلام على مراعاة شعور الآخرين، إذ إنَّ النجوى على هذه الصورة تؤدِّي إلى سوء الظن بالآخرين وجرح مشاعرهم، لما قد يوحيه هذا التصرف لهم بأنهم ليسوا أهلاً للمشورة أو الصحبة.

8. النهي عن السخرية والتنابز بالألقاب
الناظر في أثر السخرية والتنابز بالألقاب على العلاقات الإنسانية، يجد أنَّ سُخرية الإنسان من أخيه الإنسان معول هدَّام يسعى حثيثاً في تخريب العلاقات الإنسانية، وتمزيق الأخوة الإيمانية شرَّ ممزَّق، حيث يستعلي المرء بماله أو حسبه أو جاهه، مفاخرة ومباهاة وتحقيراً للآخرين، دون أن يُدرك إمكانية تفوِّقهم عليه بمواصفات لا تتوافر فيه، وهذه كلها أسلحة إبليس يضعها بين أيدي الخلائق ليفرِّق بينهم، وليزرع العداوة والبغضاء في قلوبهم.
ونَهى الله تعالى المؤمنين عن السخرية من الآخرين مهما كانت صفاتهم وأوضاعهم، فلعلَّ من يُسخَر منه ويُنظر إليه نظرة احتقار واستخفاف، خيرٌ وأحبُّ إلى الله من الساخر الذي يعتقد في نفسه الكمال، ويرمي أخاه بالنقص والعيب. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ . وقال تعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
ويستوقفنا في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ فكيف يصحُّ هذا التعبير علماً بأن الإنسان يلمز غيره لا نفسه؟ إنَّ في هذا التعبير القرآني تذكيرٌ للمؤمنين بأنهم وحدة متماسكة كنفس واحدة، فمن عاب غيره من المؤمنين، فكأنما يعيب نفسه. وفي هذا إشارة إلى مستوى العلاقة التي يجب أن تسود بين المسلمين. إنها الأخوَّة التي تجعل من الحفاظ على حقوق الأخ حفاظاً على حقوق النفس.
فالقرآن الكريم يؤسس لقواعد اللياقة الاجتماعية، والأدب النفسي للتعامل في المجتمع الإنساني، فالمجتمع الفاضل من وجهة النظر القرآنية، لا بدّ وأن يقوم على أسسٍ من الأدبيات الذوقية، التي ينبغي أنْ تَحكم العلاقات السائدة بين أبنائه. إنه المجتمع الذي يترفَّع أبناؤه عن الهمز واللمز والسخرية، ويكون الأدب هو الخُلق الذي يحكم تعاملهم فيما بينهم.

9. النهـي عن الغيبة والنميمـة
من الأمور التي وجَّه القرآن الكريم لاجتنابها لمنافاتها أدب المعاملة، الغيبة والنميمة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ . وقال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ .
والهدف من هذه التوجيهات، هو تنقية المجتمع الإسلامي من شوائب الخسَّة والضِّعة، وبناء العلاقات الاجتماعية على أسس المودَّة والإخاء والنصيحة، وشغل الوقت بالإيجابيات النافعة، وصون الأمة عن السلبيات المبدِّدة، فالمؤمن طاهر القلب أبداً عفيف اللسان، إذا رأى عورة لأخيه سترها، وإذا شاهد نقيصة أعرض عن نشرها، ونبهه سراً للإقلاع عنها، كما قال الشاعر:
إذا شئتَ أنْ تحيا سليماً من الأذى
ودينُكَ موفورٌ وعِرْضُكَ صَيِّنُ

فلا ينطـق منـكَ اللسان بسوأةٍ
فللناس سوءاتٌ وللناسِ ألْسُنُ

وعينُكَ إنْ أبدَتْ إليـك مَساوياً
لقومٍ فقلْ يا عينُ للناسِ أعينُ

فعاشرْ بإنصافٍ وكُـن متـودِّداً
ولا تلقَ إلا بالتي هي أحسنُ

وذِكرُ هذه الأشياء التي يُعاب بها الإنسان يُساعد على شيوعها، والله سبحانه لا يحبّ أن تشيع هذه السلبيَّات في حياة الناس. ولا يخفى ما ينشأ من آثارٍ سيئة في العلاقات بين الناس نتيجة سماع هذه المعايب، وما يُثار من ضغائن وأحقاد عندما يُنقل هذا الكلام إلى الطرف الآخر. وقد سعى الإسلام إلى إقامة سياجٍ حول حُرمات الأشخاص وكراماتهم وحرياتهم، وتعليم الناس كيف يطهِّرون مشاعرهم وضمائرهم في أسلوب متفرِّدٍ عجيب.
المبحث الخامس
موقف يوسف عليه السلام مع السجناء
(نموذج تطبيقي)

دخل يوسف السجن بسبب التهمة التي أُلصقت به زوراً وبهتاناً من قِبَل امرأة العزيز، وإنْ كانت كلُّ الدلائل والبراهين تشير إلى براءته وعفَّته بما لا يدع مجالاً للشك.
وأوَّلُ ما يلفتُ نظرنا في سلوك يوسف داخل السجن، أنه لم يجعل من حياته خلف القضبان مجالاً للاستسلام إلى الأفكار الذاتية التي يجترُّ في إطارها آلامه وأشواقه إلى آفاق الحرية، ولم ينشغل عن قضيته الأساسية، بل عمل على تحويل السجن إلى مجالٍ حيٍّ من مجالات الدعوة إلى الله. وهو سلوكٌ يُحتذى به، خاصة في أيامنا هذه التي أصبح فيها السجن موئلاً لأصحاب المبادئ والحقوق.

لقد كان يوسف في سجنه حَسَن السيرة طيِّب السريرة، ليِّن الجانب مع السجناء، فكان يقوم على شؤونهم بالمواساة وتقديم النُصح، فكان لـه بذلك في نفوسهم منـزلة رفيعة ومكانةً عليَّة وكلّ تقديرٍ واحترام، مما حَدَا بساقي الملِك وخبَّازه المسجونيْن معه إلى أنْ يطلبا منه تأويل رؤياهما. فيوسف عليه السلام قد حاز ثقة السجينيْن، ولكنه لم يستثمرها لنفسه، ولم يتَّخذها سُلَّماً لهوى أو مَطْمع، وإنما جعلها مَدْخلاً لعقيدة التوحيد، ومَرْقاة للصعود بالأرواح ـ ولو من داخل السجن ـ إلى آفاق علوية مطهرة رضية. فما أنْ طَلَب منه السجينان تأويل الرؤيا حتى انتهز هذه الفرصة لنشر دعوته وبثِّ عقيدته، مستفيداً في ذلك من نعمة تأويل الرؤى التي أنعم الله بها عليه. قال تعالى:
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ .

ويَظهر الأدب في كلام يوسف عليه السلام من خلال عِدَّة أمور، أهمها:

1. أدب الاستماع والإصغاء
لقد كان هذا الأدب واضحاً في استماع يوسف إلى رفيقيه في السجن، وهما يعرضان عليه رؤاهما ويطلبان إليه تأويلها. فلم يمتنع عن ذلك، ولم يُقْفِل أذنيه عن الإصغاء لهما، بل اعتبر ذلك فرصة جيدة للدعوة، فلجأ إلى زيادة ثقتهما بقدرته على التأويل، من خلال إعلامهما بمستواه الكبير الذي يجعلهما منجذبين إليه ومرتبطين به بشكل أكبر، كأسلوب عمليّ من أساليب التأثير النفسي عليهما، قبل أنْ يستغرق في الحديث، ويدعوهما إلى عقيدته .

2. أسلوب التشويق
طَمْأَن يوسف عليه السلام صاحبيه بأنه سيؤوِّل لهما رؤياهما، لأنَّ الله قد منحه القدرة على ذلك. ونلحظ هنا أنَّ يوسف استعمل حرف "من" الدَّال على التبعيض، ليشير لهم أنَّ تأويل الرؤى ليس كلَّ شيءٍ علَّمه إيَّاه الله، وإنما هو جزءٌ يسير مما علَّمه، وفي ذلك تشويقٌ لهم إلى معرفة ما لديه من علوم، وأنَّ عِلْمَه عِلمٌ لدنيّ ليس فيه كَسْبٌ ولا تحصيل، فهو علم خاص عَلَّمَه إياه ربُّه جزاء تجرّده لعبادته وحده وتركه عبادة قوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر .

3. الأدب مع الله
من الأدب أن يُنسب الفضل لأهله، وهكذا فعل يوسف عليه السلام، فهو لم يقل لصاحبيه بأنَّ تأويل الرؤيا علمٌ من بنات أفكاره وأنه حصَّله بقدرته وذكائه، ولكنه ينسب هذا العلم إلى الله سبحانه وتعالى أدباً معه. وبذلك "يدخل يوسف عليه السلام إلى قلبي صاحبيه، للدعوة إلى ربه الأوحد، معللاً بأنَّ ما أدهشهما من عِلْمه وانبهرا به من سلوكه إنما هو هِبَة من ربه الذي رباه فأحسن تربيته وعلَّمه من تأويل الأحاديث، وهو العلم الذي يؤوِّل لهما رؤياهما عن طريقه" .

4. عدم مواجهة السجناء بأنهم على الكفر والضلال
قال يوسف موجِّهاً كلامه لصاحبيه في السجن: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. والقوم هنا هم الذين تربَّى يوسف بينهم، وهم أهل بيت العزيز، وحاشية الملِك، والملأ من القوم والشعب الذي يتبعهم. وهنا مَلْمح لطيف جديرٌ بالوقوف والملاحظة، وهو أدبُ النبوَّة الذي يتجلَّى في عدم مواجهة السجينين اللذَيْن يخاطبهما بحقيقة معتقدهما رغم كونهما على ملَّة القوم، وإنما يواجه القوم عامة كي لا يُحرجهما ولا ينفرهما، وتلك كياسة وحكمة ولطافة وحُسن مدخل ينبغي على الدعاة إلى الله أنْ يتحلُّوا بها في دعوتهم لأنها ميراث النبوة .

ونلحظ هنا أيضاً أنَّ يوسف عليه السلام ذَكَرَ تَرْكَه لملَّة الكفر، ثم أعقبه بذكر اتباعه لدين آبائه من الأنبياء، لأنَّ التَخْلية مقدمة على التحلية كما يقول الآلوسي .
ثم يمضي يوسف عليه السلام في بيان ملامح دعوته القائمة على التوحيد، كلُّ ذلك في مقدمة يطرحها بين يدي تأويله لرؤيتي صاحبيه، فيقول:
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾ .
وهنا يظهر الأدب في كلام يوسف عليه السلام من خلال عدَّة أمور، أهمها:

1. أسلوب لفت الانتباه
فبعد المقدمة التي هيَّأ بها يوسف عليه السلام صاحبيه في السجن لسماع دعوته، يقف معهم وقفة متأنِّية، مسترعياً انتباههما واهتمامهما للاستماع إليه بطريق النداء بـ "يا" الموضوعة لنداء البعيد، طلباً لإقبالهما عليه بكلِّ اهتمام وتركيز، مثيراً فيهما دوافع التفكير المنطقي السليم الذي يزن الأمور بميزان العقل والعدل والفطرة، وذلك عن طريق الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .

2. التعبير بلفظ "يا صاحبي السجن"
يُلحظ هنا أنَّ يوسف عليه السلام، ينادي السجينين اللذَيْن تقدما إليه بطلب تفسير الرؤيا بقوله: "يا صاحبي السجن". والمعنى –كما يقول الآلوسي-: يا صاحبيَّ في السجن، إلا أنه أضيف إلى الظرف توسّعاً، كما في قولهم: يا سارق الليلة .
واختياره للَّفظ الدال على معنى الصُحبة، ليكون ذلك أدْعى إلى قبول كلامه، فإنَّ الصُحبة تقتضي العلاقة الوثيقة بين الأطراف المشتركة فيها، والتي يترتب عليها أخذ كلِّ طرفٍ برأي الآخر.
قال الآلوسي: "ولعلَّه إنما ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان التي تصفو فيها المودة وتتمحض النصيحة ليُقبلا عليه ويقبلا مقالته" .
فيوسف عليه السلام اتَّخذ منهما صاحبين، وتحبَّب إليهما بهذه الصفة المؤنسة، ليدخل من هذا المدخل إلى صلب الدعوة وجسم العقيدة.

3. أسلوب التمهيد والطرح الموضوعي في الدعوة
نلحظ في الآيتين السابقتين أنَّ يوسف عليه السلام لا يدعو صاحبيه إلى التوحيد بشكلٍ مباشر، وإنما يعرض عليهما قضية موضوعية، فيتساءل مُقَرِّراً: أعبادة أرباب متعددين مختلفي الأهواء والمنازع، متبايني الأجناس والطبائع خيرٌ، أم عبادة الله الواحد القهار المتفرِّد بالألوهية، المالك لهذا الكون، المسيِّر لـه والمتصرِّف فيه، والقاهر لـه بسلطانه؟ .
لا شك أنَّ الفطر السليمة ستختار الخيار الثاني، فقد جاء السؤال إذاً بصيغة الاستفهام التقريري.
ثم تدرَّج عليه السلام في دعوته إلى التوحيد، فنفى أنْ تكون معبوداتهم تستحق أدنى معنى من معاني الألوهية، فهي لا حقيقة لها في الوجود إلا أسماؤها، وما عبادة الأصنام والأوثان إلا محض افتراء. وبعد هذا التدرّج والتمهيد الحسن، صرَّح بالدعوة إلى التوحيد بشكلٍ واضح، فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. وهذا الأسلوب غاية في الأدب، وغالباً ما تكون النتيجة المترتبة عليه إيجابية، لأنه يعمد إلى تهيئة التربة للزراعة قبل إلقاء البذرة فيها.

وهكذا فقد كان يوسف عليه السلام صاحب سلوك طيِّب محمود، وأخلاق كريمة عالية، وأدبٍ جمّ مع السجناء، وهو ما أقرَّ به صاحباه وشهدا به حين قالا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا السلوك الذي انعكس بشكلٍ مباشر على علاقة يوسف عليه السلام بمن لقيه في السجن، الأمر الذي جعل أحدهما يتذكّر بعد بضع سنين ما كان من شأنه مع يوسف عليه السلام، فيعود إليه ليسأله عن تأويل رؤيا الملك ليجد عنده الخبر اليقين، ثم ما كان بعد ذلك من خروج يوسف من السجن والمكانة التي حَظيَ بها، والتمكين الذي صار له، الأمر الذي أعطى ليوسف حريةً واسعة في الدعوة إلى الله، لأنه أصبح في مركز القرار والسلطة، فكان لذلك الأثر الواضح على حياته من جهة، وعلى حركة الدعوة بشكلٍ عام من جهة أخرى.




خاتمـة:

في نهاية هذا البحث نذكر أهم الخلاصات، وهي:
1. الإنسان مدنيّ بطبعه، يجنح إلى تكوين العلاقات، وبناء الروابط مع بني جنسه والتعامل معهم، وهو بحاجة إلى ذلك بحكم المصالح المشتركة، وحاجة كلِّ إنسانٍ لأخيه الإنسان. فلا يمكن لـه الاستغناء عن الآخرين في تحقيق مصالحه.
2. أقرَّ القرآن الكريم المبادئ الأساسية للعلاقات الإنسانية، وأَصَّلَ لأدب التعامل مع الآخرين، وأقامه على مجموعة من القواعد والفنون، التي نضمن من خلالها نتائج إيجابية وحسنة في بناء العلاقات، وهذه القواعد والفنون كثيرة ومتنوعة، غير أنّ هناك قاعدة قرآنية تُعدُّ أصلاً تتفرع عنه كل قواعد التعامل مع الآخرين، هي «حُسْنُ الخُلُق»، إذْ لا نجاح ولا توفيق في التعامل مع الآخرين دون هذا الأصل المتين.
3. يرى القرآن الكريم أنَّ الأخلاق الإنسانية لا يمكن أنْ تَكْتمل، إلا من خلال حياةٍ اجتماعية صالحة، قائمة على أساس العدل الاجتماعي، والعلاقات الإنسانية النظيفة المَبنيَّة على التعاون والتناصر والمشاركة والمحبَّة ونُكران الذات، ومعتمدة على عبادة الخالق عزَّ وجل، والخضوع لما تقتضيه ربوبيته.
4. يُعدُّ الأدب في المعاملة عاملاً مهماً في الحفاظ على وحدة الصف ولَمِّ الشمل وحل المشكلات الاجتماعية. فإنَّ عدم الرد على السفاهة بمثلها، خُلُقٌ كريم يصفِّي القلوب ويزيل منها الضغائن والأحقاد، ويجعلنا نتجاوز الكثير من المشكلات.
5. حرص الاسلام على الدعوة إلى التمسك بكل الوسائل التي من شأنها أنْ توثِّق عُرى الأخوة والمودة بين الناس، ومن هنا نجد أنَّ القرآن الكريم غنيٌّ بالتوجيهات التي تحث على الأدب في التعامل مع الآخرين.



قائمة المراجع

1. الأبشهي، شهاب الدين محمد بن أحمد: المستطرف في كل فن مستظرف، وبهامشه "ثمرات الأوراق في المحاضرات" لابن حجة الحموي، (مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الأخيرة، 1371هـ/1952م).
2. ابن خلكان، أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر: وفيات الأعيان وأنباء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، (بيروت: دار الثقافة، د.ط، 1968م)، ج1، ص33.
3. ابن القيم، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي: مدارج السالكين، تحقيق: محمد حامد الفقي، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط2، 1393هـ/1973م).
4. ابن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني: المسند، (مصر: مؤسسة قرطبة).
5. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد: مقدمة ابن خلدون، (بيروت: دار القلم، ط5، 1984م).
6. ابن سعد، أبو عبد الله محمد بن سعد الزهري: الطبقات الكبرى، (بيروت: دار صادر، د.ط، د.ت).
7. ابن عبد الوهاب، سليمان بن عبد الله بن محمد: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، (الرياض: مكتبة الرياض الحديثة).
8. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل: تفسير القرآن العظيم، (بيروت: دار الفكر، د.ط، 1401هـ).
9. ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني: سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار الفكر، د.ط، د.ت).
10. ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، (بيروت:دار صادر، د.ط، د.ت).
11. ابن منقذ، الأمير أسامة: لباب الآداب، تحقيق: أحمد محمد شاكر، (بيروت: دار الجيل، ط1، 1411هـ/1991م).
12. أبو العلا، محمد: علم النفس الاجتماعي، (بدون).
13. أبو غدة، عبد الفتاح: من أدب الإسلام، (بيروت: لبنان، دار البشائر الإسلامية، ط2، 1413هـ).
14. الأعرجي، زهير: الأخلاق القرآنية، (بيروت: دار الزهراء، ط1، 1407هـ/1987م).
15. آقبيق، غازي صبحي: آيات قرآنية: ومضات من القرآن الكريم، (دمشق: دار الفكر، د.ط، د.ت).
16. الألوسي، أبو الفضل محمود: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ط، د.ت).
17. أوري، وليام: فن التفاوض، ترجمة: نيفين عزاب، (القاهرة: الدار العربية للنشر والتوزيع، 1994م).
18. البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل: الجامع الصحيح، تحقيق: مصطفى البغا، (بيروت: دار ابن كثير/اليمامة، ط3، 1407هـ/1987م).
19. البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى: سنن البيهقي الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، (مكة المكرمة: مكتبة دار الباز، د.ط، 1414هـ/ 1994م).
20. الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى: سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ط، د.ت).
21. التومي، محمد: المجتمع الإنساني في القرآن الكريم، (تونس: الدار التونسية للنشر، 1407هـ/ 1986م).
22. الجرجاني، علي بن محمد: التعريفات، تحقيق: إبراهيم الابياري، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط1، 1405هـ).
23. الحاكم، أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ/1990م).
24. الحمادي، علي: أمسك عليك هذا، (بيروت: دار ابن حزم، ط3، 1421هـ/2000م).
25. الخشت، محمد عثمان: المشاكل الزوجية وحلولها، (القاهرة: مكتبة القرآن).
26. الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق: محمود الطحان، (الرياض: مكتبة المعارف، 1403هـ).
27. الخطيب، عبد الكريم: التفسير القرآني للقرآن، (د.م: دار الفكر العربي، د.ط، د.ت).
28. ديماس، محمد: فنون الحوار، (بيروت: دار ابن حزم، ط1، 1420هـ/1999م).
29. الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان: سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد العرقسوسي، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط9، 1413هـ).
30. الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد: مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: محمد سيد كيلاني، (بيروت: دار المعرفة، د.ط، د.ت).
31. الشافعي: الديوان، جمع وتحقيق: اِميل يعقوب.
32. الشرباصي، أحمد: موسوعة أخلاق القرآن، (بيروت: دار الرائد العربي، ط1، 1979م).
33. الشهاب، أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي: مسند الشهاب، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2، 1407هـ/1986م).
34. صالح، سعاد إبراهيم: أضواء على نظام الأسرة في الإسلام، (جدة: ط1، 1403هـ/1982م).
35. الصباغ، محمد لطفي: نظرات في الأسرة المسلمة، (بيروت: المكتب الإسلامي، ط2، 1408هـ/ 1988م).
36. الصنعاني، عبد الرزاق بن همام: تفسير الصنعاني، تحقيق: مصطفى مسلم محمد، (الرياض، مكتبة الرشد، ط1، 1410هـ).
37. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير: جامع البيان، (بيروت: دار الفكر، د.ط، د.ت).
38. عبد الشكور، محيي الدين: «نحو مدخل إسلامي لتطوير وتنظيم العلاقات الإنسانية»، بحث مطبوع ضمن كتاب (الإعلام الإسلامي والعلاقات الإنسانية)، الرياض، 16 أكتوبر 1976م، ط2، 1405هـ.
39. الغزالي، أبو حامد محمد: إحياء علوم الدين، بذيله كتاب المغني عن الأسفار لزين الدين العراقي، تحقيق: أبو حفص سيد بن إبراهيم بن عمران، (القاهرة: دار الحديث، ط1، 1412هـ/1995م).
40. الغزالي، محمد: خلق المسلم، (القاهرة: دار نهضة مصر، ط1، 1997م).
41. فضل الله، محمد حسين: الحوار في القرآن، (بيروت: دار الملاك، ط6، 1421هـ/2001م).
42. الفيرززآبادي، محمد بن يعقوب: القاموس المحيط، (بيروت: دار الفكر، 1403هـ/ 1983م).
43. القرافي، أحمد بن إدريس الصنهاجي: الفروق، (بيروت: عالم الكتب).
44. القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح: الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد عبد العليم البردوني، (القاهرة: دار الشعب، ط2، 1372هـ).
45. قطب، سيد: في ظلال القرآن، (بيروت/القاهرة: دار الشروق، ط11، 1405هـ/1985م).
46. القيراواني، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري: زهر الآداب وثمر الألباب، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، (بيروت: دار الجيل، ط4).
47. كارنيغي، دايْل: كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، (القاهرة: مكتبة الخانجي، د.ط، د.ت).
48. لاوند، رمضان: من قضايا الإعلام في القرآن، (مطابع الهدف).
49. محمد، عبد الصمد عبد الله: خطاب الأنبياء، (القاهرة: مكتبة الزهراء، ط1، 1418هـ/1998م).
50. مرسي، سيد عبد الحميد: العلاقات الإنسانية، (مكتبة وهبة).
51. مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري: الجامع الصحيح، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ط، د.ت).
52. النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب: السنن الكبرى، تحقيق: عبد الغفار البنداري وسيد كسروي حسن، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ/1991م).
53. النووي، يحيى بن شرف: تهذيب الأسماء، (بيروت: دار الفكر، ط1، 1996م)، ص84.


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:55 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع