عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-11-2013, 09:17 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 45,213
ورقة

خارطة الوطن العربي إلى أين؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(عاهد الخطيب)
[ 13 / 1 / 1433 هـ]
[8 / 12 / 2011 م]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كم هو منظر مؤلم وغير مألوف، هذا المنظر الذي تقعُ عليه عينُ مَن يشاهدُ الخريطةَ الجديدة المنكمشة لعالمنا العربي، بعد محوِ ما يزيد عن ربعِ مساحة أكبرِ دولةٍ عربية وإفريقية منها؛ هي السودان؛ حيث أصبح انفصالُ الجنوبِ أمرًا واقعًا، نتيجةً للاستفتاء الذي تم مطلع هذا العام برعايةٍ ومباركة دولية!

يمثل هذا الجزءُ الضائع من الجسدِ العربي هذه المرة المساحةَ الأكبر ضمن سلسلةِ الاقتطاعات لأجزاءٍ عزيزة وغالية على قلبِ كلِّ عربي من هذا الوطنِ الكبير، بدأت بإقليم الأحواز (عربستان) عام 1925م، ثم لواء الإسكندرون عام 1939م، ثم فلسطين عام 1948م، ثم أقاليم صومالية 1954م، ثم ما بقي من فلسطين وهضبةِ الجولان وصحراء سيناء عام 1967م.

• سيناء عادت لمصر عام 1982- ثم جزر إماراتية عام 1971م وعام 1992م، إضافة إلى مشاكل انفصاليةٍ أخرى لا زالت قائمة وتتهدِّدُ عددًا من الدولِ العربية؛ أبرزها مطالبة الصَّحراءِ الغربية بالاستقلالِ عن المغرب.

بطبيعةِ الحال فإنَّ هذا الانفصالَ لجنوبِ السُّودان لم يأت كنتيجةٍ لأحداث مستجدة، إنما هو ثمرةٌ لبذرةٍ قديمة كان قد زرعها الاستعمارُ الإنجليزي للسُّودان في بداياتِ القرن الماضي، كما هي سياساتُه المعهودة في غرزِ بذور الفتنة والانشقاق في كلِّ الأماكنِ التي حلَّ بها، فقد عمل منذ البدايةِ على إحداث تفرقةٍ بين جنوب السُّودان وباقي أجزاءِ الوطن، بتأكيدِه على الانتماءِ الإفريقي لأبناء الجنوبِ، والحفاظِ على وثنيتهم وسواها من المعتقداتِ غير دين الإسلام، وحرص على عزلِهم عن الإسلامِ القادم من الشَّمال باتباعِ أسلوب المناطقِ المغلقة، وتشجيعه في الوقتِ ذاته للإرساليات والبَعَثات التَّبشيرية على نشرِ النَّصرانية، كما عمل أيضًا على تعزيزِ الاعتماد على اللغةِ الإنجليزية وإقصاء اللغةِ العربية، لطمسِ كلِّ معالِم للإسلام والعروبة لأيِّ كيانٍ مستقبلي كان يخطِّطُ لقيامِه في هذا الجزء من السُّودان، وهذا ما آلتْ إليه الأوضاعُ مؤخَّرًا؛ حيث حرصت حكومةُ هذا الكيانِ منذ اللحظاتِ الأولى على اعتمادِ اللغة الإنجليزية كلغةٍ رسمية للبلاد.

إنَّ أشدَّ ما يبعثُ على القلقِ في انفصال هذا الجزء الهائل من مساحةِ السُّودان، أنه يتمُّ لصالحِ كيانٍ منكشف تمامًا على قوى خارجية إقليمية وعالمية، لا تكنُّ الودَّ للعربِ والمسلمين، تتلاعب به وتوجهه كيفما شاءت وَفْقًا لمصالِحها، مستغلةً افتقاره إلى كثيرٍ من المقوماتِ التي تحتاجُها أيُّ دولة ناشئة، وهذا يعني أنَّ سياساته المستقبلية تتجه نحو التصادُمِ مع جيرانِه العرب، إن أرادت له هذه القوةُ المسيطرة أن يلعبَ هذا الدور، وهو ما يتوجَّسُ منه الخبراءُ المختصون بحكمِ ما يرونه قائمًا على أرضِ الواقع، وما نخشى منه نحن كأمةٍ عربية من خلال تجارِب سابقة.

لعلَّ أسوأ ما في الأمرِ أنَّ أجزاء هامة من روافدِ نهر النيل؛ الذي هو في غايةِ الأهمية للسُّودان وشريان الحياة لمصر، تمرُّ عبر هذا الكيان الجديدِ، ومن ثَمَّ فإنَّ لديه القدرة مستقبلاً على اختلاقِ مشاكل حقيقية لهاتين الدولتين الجارَتَيْن، بالتحكمِ بهذا المصدر المائي إنْ أراد له مَن يوجهونه ذلك.

في ظروفٍ كهذه يصبحُ لزامًا على كلٍّ من السُّودانِ ومصر ألا تدخرا جهدًا في الحفاظِ على حقوقِهما الثابتة في مياه النيل، باستحداثِ اتفاقياتٍ جديدة مع هذا الكيانِ الجديد، والتأكيد على ما هو قائم من اتفاقياتٍ مع دولٍ أخرى ذات صلة بمنابعِ النَّهر؛ لضمانِ هذه الحق، وأن تبقيا على جاهزيتهما العسكرية في أعلى درجاتِها؛ للدِّفاع عن هذا الحقِّ بالقوةِ إن فُرض عليهما ذلك، وأن تحرصا على تجنبِ مثل هذه المواجهةِ، بالإبقاءِ على عَلاقاتٍ ودية معه، وعدم ترك الباب مفتوحًا على مصراعيه للآخرين من أعداء الأمَّةِ، والطَّامعين في ثرواتِها، والطَّامحين لمزيدٍ من الضَّغطِ والسيطرة عليها، عبر كلِّ سبيل متاح كما هو الحال مع هذا الوضعِ المستجد؛ حيث عملوا منذ وقتٍ طويل على ضمان انحيازه لصفهم من خلالِ جسور المساعدات الإنسانية والجهود الإغاثية، إضافة للمساعداتِ الفنية والعسكرية.
---------------------------------------------------
رد مع اقتباس