عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 02-02-2021, 10:05 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 24,883
افتراضي

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث:
ظاهرُ رواية مسلم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - محا اسمه الشريف "رسول الله" وكتب مكانه بيده الشريفة "ابن عبد الله"، ورواية البخاري جاءت بأصرح من هذا، وفيها: "فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْكِتَابَ - وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ - فَكَتَبَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ".
وهذا المعنى المتبادر من هاتين الروايتين يُوهِم خِلاف الآيات، والتي ظاهرها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحسن القراءة ولا الكتابة. (2)
_________
= الثالث: طريق شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق، به.
أخرجه من طريقه: الإمام أحمد في مسنده (4/ 291)، والبخاري في صحيحه، في كتاب الصلح، حديث (2698)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (1783)، جميعهم بلفظ: "فَمَحَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ". وليس فيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب بيده.
الرابع: طريق ابن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، به.
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجزية، حديث (3184)، ولفظه: "فَمَحَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِهِ".
ثانياً: حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -:
أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (1784)، ولفظه: "فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ".
ثالثاً: حديث الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ:
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الشروط، حديث (2734)، ولفظه: "فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ".
النتيجة: سيأتي في مبحث الترجيح الجمع بين هذه الروايات، وبيان الصواب منها.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (1783)، وقد تقدم ذكر إسناده في الذي قبله.
(2) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، =
(1/392)
________________________________________
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث:
لم يتجاوز العلماء في هذا المسألة مسلك الجمع بين الآيات والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على مذهبين:
الأول: مذهب إجراء الحديث على ظاهره، وتأويل الآيات.
وهذا مذهب جماعة من المحدثين منهم: عمر بن شبة (1) (2)، وأبي ذر الهروي (3) (4)، وأبي الفتح النيسابوري (5) (6)، والقاضي أبي جعفر السمناني الأصولي (7) (8)، والقاضي أبي الوليد الباجي (9).
وهو اختيار: ابن العربي، وابن الجوزي، وأبي العباس القرطبي، والطيبي، والذهبي، والآلوسي، والزرقاني. (10)
حيث ذهب هؤلاء إلى أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب بيده حقيقة، وأنَّ الله تعالى
_________
= للقرطبي (3/ 637)، وتفسير القرطبي (13/ 233)، وعمدة القاري، للعيني (17/ 263)، ومناهل العرفان، للزرقاني (1/ 367).
(1) هو: عمر بن شبة بن عبدة بن زيد بن رائطة، العلامة الإخباري الحافظ الحجة، صاحب التصانيف، أبو زيد النميري البصري النحوي، نزيل بغداد، كان ثقة عالماً بالسير وأيام الناس، وله تصانيف كثيرة، منها (أخبار المدينة)، و (أخبار مكة)، وغيرها، وكان قد نزل في آخر عمره بِسُرَّ من رأى وتوفي بها سنة (262هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (12/ 373).
(2) انظر: غاية السول في خصائص الرسول، للأنصاري (1/ 133)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (3/ 127)، والخصائص الكبرى، للسيوطي (2/ 409)، والتراتيب الإدارية، للكتاني (1/ 173).
(3) هو: عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير، أبو ذر الأنصاري الهروي: عالم بالحديث وأحد الحفاظ، من فقهاء المالكية. يقال له: ابن السماك. أصله من هراة. نزل بمكة، ومات بها سنة (434هـ). له تصانيف، منها (تفسير القرآن) و (المستدرك على الصحيحين) و (السنة والصفات) و (معجمان) أحدهما فيمن روى عنهم الحديث، والثاني فيمن لقيهم ولم يأخذ عنهم. انظر: الأعلام، للزركلي (3/ 269).
(4) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (6/ 151)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 637)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 575).
(5) لم أقف على ترجمته.
(6) انظر: غاية السول في خصائص الرسول، للأنصاري (1/ 133)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 575).
(7) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، السِّمْناني الحنفي، العلامة قاضي الموصل أبو جعفر، لازم ابن الباقلاني حتى برع في علم الكلام، مات سنة (444هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (17/ 651).
(8) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 637)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (3/ 128).
(9) تحقيق المذهب، لأبي الوليد الباجي، ص (170 - 240).
(10) انظر على الترتيب: عارضة الأحوذي، لابن العربي (8/ 154)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (2/ 249)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 637)، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح (8/ 79)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي (14/ 190 - 191)، وروح المعاني، للآلوسي (21/ 9)، ومناهل العرفان، للزرقاني (1/ 367).
(1/393)
________________________________________
أجرى ذلك على يده؛ إما بأنْ كتب ذلك وهو غيرُ عالمٍ بما يَكْتُب، أو أنَّ الله تعالى عَلَّمَه ذلك حينئذٍ حتى كتب، ورأوا أنَّ ذلك غير قادحٍ في كونه أميَّاً، ولا مُعارضٌ لقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، ولا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ" (1)، بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهاراً على صدقه وصحة رسالته، وذلك أنه كتب من غير تعلم للكتابة، ولا تعاطٍ لأسبابها، وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها "ابن عبد الله" لمن قرأها، فكان ذلك خارقاً للعادة، كما أنه عليه السلام عَلِمَ عِلْمَ الأولين والآخرين من غير تَعَلُّمٍ ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله، ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك، ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: "وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ" فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال كَتَب.
قال أبو العباس القرطبي: "وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشددوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا أنَّ تكفير المسلم كقتله، على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح (2)، لا سيما رَمْي من شهد له أهل عصره بالعلم والفضل والإمامة، على أنَّ المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهرُ أخبارِ أحادٍ صحيحة، غير أنَّ العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها". اهـ (3).
ومراد أبي العباس القرطبي هو ما جرى لأبي الوليد الباجي، فإنه لما
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (1913)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (1080).
(2) عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ - حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، حديث (6047).
(3) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 637)، وانظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (6/ 152)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (12/ 192)، وتفسير القرطبي (13/ 233 - 234).
(1/394)
________________________________________
تكلم في حديث الكتابة يوم الحديبية (1) وقال بظاهره، طعن عليه جماعة من علماء عصره، ورموه بالزندقة، لاعتقادهم أنَّ هذا القول فيه قدح بمعجزة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فألفَّ الباجي رسالته المسماة بـ"تحقيق المذهب"، وبيَّن فيها أنَّ هذا القول لا يقدح بالمعجزة. (2)
وقد ساق قصةَ الباجي هذه القاضي عياض، فقال: "ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ (3) وكفَّرَه بإجازة الكَتْبِ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النبي الأميّ، وأنَّه تكذيبٌ بالقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبَّحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجُمَع، وقال شاعرهم:
بَرِئْتُ ممن شَرَى دُنْياً بآخرَة ... وقال إنَّ رسولَ اللهِ قد كَتَبَا
فصنف أبو الوليد رسالةً بيَّن فيها أنَّ ذلك غير قادحٍ في المعُجزة". اهـ (4)
وأجاب أصحاب هذا المذهب عن الآيات:
بأنَّ نفي الكتابة في الآية المقصود به الحال التي قبل النبوة؛ لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، وأما بعد النبوة فليس في الآية ما يدل على امتناعه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها، وعدم معرفته كان بسبب المعجزة، فلما نزل القرآن، واشتهر الإسلام، وكثر المسلمون، وظهرت المعجزة، وأُمِنَ الارتياب في ذلك، عرف حينئذ الكتابة.
_________
(1) الحُدَيْبِيّّة: هي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحتها، وسميت الحديبية بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع، وبين الحديبية ومكة مرحلة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل، وبعض الحديبية في الحل، وبعضها في الحرم، وقد اعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرة الحديبية ووادع المشركين لمضي خمس سنين وعشرة أشهر للهجرة النبوية. انظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي (2/ 229).
(2) انظر: التلخيص الحبير، لابن حجر (3/ 127).
(3) لم أقف على ترجمته.
(4) ترتيب المدارك، للقاضي عياض (4/ 804 - 806)، وانظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (18/ 540).
(1/395)
________________________________________
وأمَّا كونه أمّياً فليس في معرفته للكتابة ما يقدح في أمّيته؛ إذ ليست المعجزة مجرد كونه أمياً؛ فإن المعجزة حاصلة بكونه - صلى الله عليه وسلم - كان أولاً كذلك ثم جاء بالقرآن وبعلوم لا يعلمها الأميون.
ذكر هذا الجواب: أبو الوليد الباجي، وابن العربي، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي. (1)
وأجاب الذهبي: "بأنَّ ما كلّ من عرف أنْ يكتب اسمه فقط يخرج عن كونه أمياً؛ لأنه لا يسمى كاتباً، وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال عليه السلام: "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ" (2) أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)) [الجمعة: 2] ". اهـ (3)
واعتُرِضَ على هذه الأجوبة: بأنَّ كتابته - صلى الله عليه وسلم - تكون آية إذا لم تكن مناقضةً لآية أخرى، وهي كونه أمياً لا يكتب، وبكونه أمياً في أمة أمية قامت الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فكيف يُطْلِق الله يدَه لتكون آية؟ وإنما الآية أنْ لا يكتب، والمعجزات يستحيل أنْ يدفع بعضها بعضاً. (4)
أدلة هذا المذهب:
استدل القائلون بإثبات الكتابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأدلة منها (5):
_________
(1) انظر على الترتيب: تحقيق المذهب، للباجي، ص (187 - 192)، وعارضة الأحوذي، لابن العربي
(8/ 154)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (2/ 249)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 637)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (12/ 192)، والتلخيص الحبير (3/ 126)، وفتح الباري (7/ 576)، كلاهما لابن حجر.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (1913)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (1080).
(3) تذكر الحفاظ، للذهبي (3/ 1181 - 1182)، وانظر: سير أعلام النبلاء، له (14/ 190).
(4) انظر: الروض الأنف، للسهيلي (4/ 50).
(5) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (6/ 151)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (3/ 126 - 127).
(1/396)
________________________________________
1 - رواية البخاري: "وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ فَكَتَبَ"، وهي صريحة في أنه - صلى الله عليه وسلم - كتب بنفسه، ويعضدها ويقويها رواية مسلم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - محا "رسول الله"، وكتب "ابن عبد الله".
2 - حديث عبد الله بن عتبة (1) قال: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى كَتَبَ وَقَرَأ". (2)
3 - حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ". (3)
ووجه الدلالة: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ المكتوب على باب الجنة، والقدرة على القراءة يدل على معرفة الكتابة.
واعتُرِضَ على هذا الدليل: باحتمال إقدار الله له على ذلك بغير تَقْدُمَةِ معرفة الكتابة، وهو أبلغ في المعجزة، وباحتمال أنْ يكون حُذِفَ من الحديث شيء، والتقدير: فسألت عن المكتوب فقيل لي: هو كذا. (4)
4 - حديث سهل بن الحنظلية (5): "أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر معاوية أنْ يكتب للأقرع بن حابس (6)، وعيينة بن حصن (7)، قال عيينة: أتراني أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة الْمُتَلَمِّسِ (8)؟!
فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيفة فنظر فيها فقال:
_________
(1) هو: عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، كان صغيراً على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد حفظ عنه يسيراً، قال أبو عمر ابن عبد البر: ذكره العقيلي في الصحابة وغلط إنما هو تابعي. وقال الحافظ ابن حجر: المعروف أن أباه مات في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكره ابن البرقي فيمن أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت عنه رواية، وقد اتفقوا على ثقته، وكان فقيهاً كثير الحديث والفتيا (ت: 74هـ). انظر: الإصابة، لابن حجر (4/ 166).
(2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (7/ 42)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (34/ 103)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (14/ 189 - 190)، جميعهم من طريق أبي عقيل يحيى بن المتوكل، ثنا مجالد بن سعيد، حدثني عون بن عبد الله، عن أبيه، به.
قال البيهقي: "هذا حديث منقطع، وفي رواته جماعة من الضعفاء والمجهولين". اهـ
وضعفه الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/ 428)، وفي "الفصول في اختصار سيرة الرسول" (1/ 265)، وحكم عليه بالوضع: الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 518).
(3) أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الأحكام، حديث (2431)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، حديث (3083)، ص (453).
(4) انظر: التلخيص الحبير، لابن حجر (3/ 126).
(5) هو: سهل بن الحنظلية، واسم أبيه الربيع، وقيل: عبيد، وقيل: عقيب بن عمرو، وقيل: عمرو بن عدي، وهو الأشهر، وعدي هو ابن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، قال ابن أبي خيثمة: والحنظلية أمه، وقيل: جدته، وقيل: أم جده، شهد أحداً وما بعدها ثم تحول إلى الشام حتى مات بها في صدر خلافة معاوية بن أبي سفيان. انظر: الإصابة، لابن حجر (3/ 196).
(6) هو: الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشعي الدرامي، قال ابن إسحاق: وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهد فتح مكة وحنيناً والطائف، وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه، وكان شريفاً في الجاهلية والإسلام، واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيَّرَهُ إلى خراسان فأصيب بالجوزجان هو والجيش، وذلك في زمن عثمان. انظر: الإصابة، لابن حجر (1/ 101).
(7) هو: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة الفزاري، أبو مالك، يقال: كان اسمه حذيفة فلقب عيينة لأنه كان أصابته شجة فجحظت عيناه، قال ابن السكن: له صحبة وكان من المؤلفة، ولم يصح له رواية، أسلم قبل الفتح وشهدها، وشهد حنيناً والطائف، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر ومال إلى طلحة فبايعه، ثم عاد إلى الإسلام. انظر: الإصابة، لابن حجر (4/ 767).
(8) قوله: "كصحيفة المتلمس": الصحيفة الكتاب، والمتلمس شاعر معروف، واسمه عبد المسيح بن جرير، كان قدم هو وطرفة الشاعر على الملك عمرو بن هند فنقم =
(1/397)
________________________________________
قد كُتِبَ لك بالذي أمرتُ لك به". (1)
ووجه الدلالة: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر في المكتوب وعرفه؛ فدل على معرفته بالقراءة، والكتابة فرع عنها.
واعترض أصحاب المذهب الثاني على هذه الأدلة بأنها ضعيفة كلها، عدا رواية البخاري، وسيأتي الجواب عنها. (2)
الثاني: مذهب إعمال الآيات على ظاهرها، وتأويل الحديث.
وهذا مذهب الجمهور من العلماء (3)، منهم: ابن حبان، والبيهقي، وابن التين، والنووي، والبغوي، والسهيلي، وابن عطية، وأبو عبد الله القرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وابن حجر، والعيني، والسيوطي،
_________
= عليهما أمراً؛ فكتب لهما كتابين إلى عامله بالبحرين يأمره بقتلهما وقال: إني قد كتبت لكما بجائزة .. فاجتازا بالحيرة، فأعطى المتلمس صحيفته صبياً فقرأها فإذا فيها يأمر عامله بقتله، فألقاها في الماء ومضى إلى الشام، وقال لطرفة: افعل مثل فعلي فإن صحيفتك مثل صحيفتي، فأبى عليه ومضى بها إلى العامل، فأمضى فيه حكمه وقتله، فَضُرِبَ بهما المثل. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (3/ 13).
(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (7/ 24)، من طريق مسكين بن بكير، عن محمد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، عن سهل، به.
وفي إسناده "مسكين بن بكير الحراني" صدوق يخطيء، كما في التقريب (2/ 205)، وقال أبو أحمد الحاكم: كان كثير الوهم والخطأ. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (10/ 109).
وأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الزكاة، حديث (1629)، من طريق عبد الله بن محمد النفيلي، عن محمد بن المهاجر، به. وليس فيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ الكتاب، ولفظه: "وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ وَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتُرَانِي حَامِلًا إِلَى قَوْمِي كِتَابًا لَا أَدْرِي مَا فِيهِ كَصَحِيفَةِ الْمُتَلَمِّسِ. فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَوْلِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وهذا اللفظ هو المحفوظ في الحديث، فقد رواه الإمام أحمد في مسنده (4/ 180)، من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة، به. وفيه: "فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِمَا". وليس فيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ المكتوب أو نظر فيه. ورجال أحمد رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد، للهيثمي (3/ 96).
(2) انظر: فتح الباري، لابن حجر (7/ 575).
(3) حكاه مذهب الجمهور: القاضي عياض في "إكمال المعلم" (6/ 151)، والحافظ ابن حجر في الفتح (7/ 575).
(1/398)
________________________________________
والملا علي القاري، والألباني، وابن عثيمين. (1)
ويرى أصحاب هذا المذهب أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكتب، ولم يكن يُحْسِنُ الكتابة، كما هو صريح الآيات، وأنه لم يزل كذلك مدة حياته - صلى الله عليه وسلم -.
وأجابوا عن حديث البراء - رضي الله عنه -، والذي يُوهِمُ ظاهره أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب بيده: بأنَّ القصة رُويت من طرق أخرى، وفيها أن الكاتب كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وقع ذلك في رواية أخرى للبخاري - من حديث البراء - بلفظ: "لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَهُمْ كِتَابًا فَكَتَبَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" (2)، فتُحمل الرواية الأولى، وهي قوله: "فكتب"، أي فأمر الكاتب، ويَدُلُّ عليه حديث أنس بن مالك، والمسور بن مخرمة، في القصة نفسها؛ ففيهما: "فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ" (3).
قالوا: وقد ورد في كثير من الأحاديث إطلاق لفظ "كتب" بمعنى أمر، منها:
حديثُ ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى قيصر (4)، وحديثُ كتابته - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي، وحديثُ كتابته إلى كسرى (5)، وحديثُ عبد الله بن
_________
(1) انظر على الترتيب: صحيح ابن حبان (11/ 229)، والسنن الكبرى، للبيهقي (7/ 42)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 576)، وفيه النقل عن ابن التين، وروضة الطالبين، للنووي، ص (1164)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (3/ 126)، وفيه النقل عن البغوي، والروض الأنف، للسهيلي
(4/ 50)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 322)، وتفسير القرطبي (13/ 234)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (25/ 172)، وتفسير ابن كثير (3/ 427)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 575)، وعمدة القاري، للعيني (13/ 276)، والإكليل في استنباط التنزيل، للسيوطي (3/ 1086)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (7/ 578)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني (1/ 518)، وتفسير سورة "يس"، لابن عثيمين، ص (243).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلح، حديث (2698).
(3) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (2936).
(5) عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -: "أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ =
(1/399)
________________________________________
عكيم - رضي الله عنه -: "كتب إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (1)، وغيرها، وهذه الأحاديث كلها محمولة على أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر الكاتب أنْ يكتب.
قالوا: ومما يقوي أنَّ الكاتب في قصة الحديبية هو عليٌ - رضي الله عنه -: قوله في بعض طرق حديث البراء - لما امتنع علي أنْ يمحوَ لفظ "محمد رسول الله" - فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَرِنِي مَكَانَهَا. فَأَرَاهُ مَكَانَهَا، فَمَحَاهَا"؛ فإنَّ ظاهره أنه لو كان يعرف الكتابة لما احتاج إلى قوله: "أرني"، فكأنه أراه الموضع الذي أبى أنْ يمحوه، فمحاه هو - صلى الله عليه وسلم - بيده، ثم ناوله لعلي فكتب بأمره: "ابن عبد الله"، بدل: "رسول الله". (2)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَخُط بيمينه خَطَّاً مقروءاً مدة حياته كلها، كما هو صريح الآيات.
وأمَّا الروايات التي جاءت في قصة الحديبية؛ فقد وقع فيها اضطراب من قبل الرواة، حيث رويت بخمسة ألفاظ:
الأول: "أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب: (محمد بن عبد الله)، وهو لا يُحسن الكتابة".
وهذه الرواية جاءت من طريقٍ واحدة، عن أبي إسحاق، عن البراء.
_________
= جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (1774).
(1) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ - رضي الله عنه - قَالَ: "كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ". أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الفرع والعتيرة، حديث (4250). وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، حديث (4261)، (3/ 147).
(2) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (6/ 151)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (12/ 191)، والتلخيص الحبير (3/ 127 - 128)، وفتح الباري (7/ 575 - 576)، كلاهما لابن حجر، والفصول في اختصار سيرة الرسول، لابن كثير (1/ 265).
(1/400)
________________________________________
الثاني: "أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - محا: (رسول الله)، وكتب: (ابن عبد الله) ".
وهذه الرواية جاءت من طريقٍ واحدة، عن أبي إسحاق، عن البراء. وليس فيها تصريح بأنَّ الذي كتب هو النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثالث: "أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - محا: (رسول الله) بيده الشريفة".
ولم تذكر هذه الرواية أنه كتب: (ابن عبد الله)، وهذه الرواية جاءت من طريقين، عن أبي إسحاق، عن البراء.
الرابع: "أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر علياً - رضي الله عنه - أنْ يكتب: (محمد بن عبد الله) ".
وهذه الرواية جاءت من حديث أنس بن مالك، والمسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، رضي الله عنهم، ورُويت من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن البراء، إلا أنها شاذة ومنكرة من هذا الطريق.
والأصح من هذه الروايات: الرواية التي اقتصرت على ذكر المحو دون الكتابة؛ لأنها جاءت من طريقين عن أبي إسحاق، عن البراء، دون اضطراب. وأثبتُ منها الرواية التي فيها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر علياً - رضي الله عنه - أنْ يكتب: "محمد بن عبد الله"؛ لأنها جاءت عن صحابيين، ولم يقع فيها اضطراب كحديث البراء.
وعليه فإنَّ الصواب في قصة الحديبية أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر علياً أنْ يمحوَ لفظة: "رسول الله"، ويكتب مكانها: "ابن عبد الله"، فَأَبَى عليٌ - رضي الله عنه - ذلك؛ إجلالاً لاسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُمحى، فأمره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُريَهُ مكانها؛ فأراه مكانها؛ فمحاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده الشريفة، ثم إنَّ علياً كتب بعد ذلك: "ابن عبد الله"، نزولاً عند رغبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لمَّا رآه محا: "رسول الله".
هذا هو الأصح في الجمع بين روايات الحديث؛ لأنا إذا قلنا بأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي كتب: "ابن عبد الله"؛ صارت روايات القصة متعارضة ومتناقضة، لكن القول بأنَّ الكاتب هو علي - رضي الله عنه - يدفع هذا التناقض؛ لأنا حملنا الرواية المطلقة على المقيدة، فانتفى التعارض بينها، واندفع الإشكال المُوهِم معارضة الآيات، والله تعالى أعلم.

****
(1/401)
________________________________________
المسألة [24]: في حكم تسمية المدينة النبوية بيثرب.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)) [الأحزاب: 13]

المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:
(49) ـ (42): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ (1) خَبَثَ الْحَدِيدِ". (2)
(50) ـ (43): وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، هِيَ طَابَةُ، هِيَ طَابَةُ". (3)
_________
(1) الكير: زِقٌّ ينفخ فيه الحداد. انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي (1/ 608)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (4/ 217).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (1871)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (1382).
(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4/ 285)، وعمر بن شبة في أخبار المدينة (1/ 106)، وأبو يعلى في مسنده (3/ 247)، وابن عدي في الكامل (7/ 276)، =
(1/402)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:
ظاهرُ حديثِ أبي هريرة - رضي الله عنه - كراهَةُ تسميةِ المدينةِ بيثرب، ويؤكد هذا الظاهر حديث البراء، والذي فيه النهي الصريح عن ذلك، إلا أنه حديث ضعيف باتفاق، وأما الآية الكريمة فظاهرها يَدُلُّ على جواز تسمية المدينة بيثرب، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآية والحديث. (1)
_________
= والروياني في مسنده (1/ 240)، وابن الجوزي في الموضوعات (2/ 220)، جميعهم من طريق صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، به.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 300): "رجاله ثقات"، وتُعُقِّب بأنَّ الحديث ضعيف؛ من أجل يزيد بن أبي زياد، القرشي الهاشمي، مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، قال الحافظ ابن حجر في التقريب (2/ 373): "ضعيف، كَبُرَ فتغير وصار يتلقن، وكان شيعياً". اهـ
قال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح، تفرد به صالح عن يزيد. قال ابن المبارك: ارْمِ بيزيد، وقال أبو حاتم الرازي: كل أحاديثه موضوعة. وقال النسائي: متروك الحديث". اهـ
وهذا الذي نقله ابن الجوزي في يزيد خطأ أشار إليه أبو إسحاق الحويني؛ فإنه قال: "أخطأ ابن الجوزي رحمه الله مرتين: الأولى: أنه جعل هذا الحديث موضوعاً، ولا حجة له. والثانية: أنه نقل ما قيل في يزيد بن أبي زياد القرشي، وليس هو راوي الحديث؛ فإن راوي الحديث هنا هو يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي، وهو صدوق، لكنه كان تغير، فضُعِّفَ لذلك". اهـ من النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة (1/ 137).
وقد رد الحافظ ابن حجر في القول المسدد، ص (40)، على ابن الجوزي في زعمه بوضع الحديث فقال: "ولم يصب - يعني ابن الجوزى - فإن يزيد وإن ضعَّفه بعضهم من قبل حفظه وبكونه كانَ يُلقن فيتلقن في آخر عمره، فلا يلزم من شيء من ذلك أن يكون كل ما يُحدث به موضوعاً". اهـ
(1) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (4/ 544)، والتمهيد، لابن عبد البر (23/ 171)، والمنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (7/ 190)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (4/ 501)، والروض الأنف، للسهيلي (2/ 347)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 498)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (9/ 218)، وتحفة المودود، لابن القيم، ص (134)، وفتح الباري، لابن حجر (4/ 105)، وعمدة القاري، للعيني (10/ 235)، وشرح الزرقاني على موطأ مالك (4/ 276).
(1/403)
________________________________________
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:
اتفق العلماء على كراهةِ تسميةِ المدينة بيثرب، عملاً بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الوارد في المسألة، وأما الآية الكريمة - التي يُوهِمُ ظاهرها مُعارضة الحديث - فلهم في الجواب عنها مذهبان:
الأول: أنَّ ما وقع في الآية هو عبارة عن حكاية قول المنافقين، فهو سبحانه يحكي مقولتهم: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) وليس في الآية ما يفيد جواز تسميتها بهذا الاسم.
وهذا التأويل قال به جمع من العلماء، منهم: ابن بطال، وأبو الوليد الباجي، والقاضي عياض، والسهيلي، وأبو العباس القرطبي، والنووي، وابن القيم، والحافظ ابن حجر، والعيني، والسيوطي، والزرقاني. (1)
قال القاضي أبو الوليد الباجي: "قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)، هذا ـ والله أعلم ـ إخبارٌ عن المنافقين; لأن قبل هذه الآية: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)) ثم قال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)، وهذا ـ والله أعلم ـ قول المنافقين، يدل على ذلك: أنه قال بعد ذلك: (فَارْجِعُوا)، وهذا إنما هو قول من كان يريد رَدَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن نُصْرَته والمُقام معه، فهؤلاء إنما كانوا يسمونها يثرب، على حسب ما كانت تُسمى عليه قبل الإسلام، فأما بعد الإسلام فإنَّ اسمها طيبة وطابة". اهـ (2)
_________
(1) انظر على الترتيب: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (4/ 544)، والمنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (7/ 190)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (4/ 501)، والروض الأنف، للسهيلي (2/ 347)، والمفهم، للقرطبي (3/ 498)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (9/ 218)، وتحفة المودود، لابن القيم، ص (134)، وفتح الباري، لابن حجر (4/ 105)، وعمدة القاري، للعيني (10/ 235)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (3/ 402)، وشرح الزرقاني على موطأ مالك (4/ 276).
(2) المنتقى شرح الموطأ (7/ 190).
(1/404)
________________________________________
المذهب الثاني: أنَّ القرآن سماها يثرب باعتبار ما كان معروفاً في الجاهلية، ونَهْيُ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعد ذلك.
وهذا تأويل الحافظ ابن عبد البر، حيث قال: "في هذا الحديث دليلٌ على كراهية تسمية المدينة بيثرب، على ما كانت تُسمى في الجاهلية، وأما القرآن فنزل بذكر يثرب على ما كانوا يعرفون في جاهليتهم، ولعل تسمية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها بطيبة كان بعد ذلك". اهـ (1)
فائدة:
حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الوارد في المسألة ـ والذي يَدُلُّ بظاهره على كراهة تسمية المدينة بيثرب ـ جاء في الصحيح ما يَدُلُّ على خلافه، فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ". (2)
وللعلماء في الجواب عن هذا الحديث ثلاثة مذاهب:
الأول: أنَّ هذا كان قبل النهي.
وهذا جواب: القاضي عياض، والحافظ ابن حجر، والزرقاني. (3)
الثاني: أنَّ هذا لبيان أنَّ النَّهْيَ للتنزيه لا للتحريم.
وهذا جواب العيني. (4)
الثالث: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سمَّاها يثرب باعتبار من لا يعرفها إلا بهذا الاسم، ولهذا جمع بينه وبين اسمه الشرعي فقال: المدينة يثرب.
وهذا المذهب حكاه النووي في شرح مسلم. (5)
_________
(1) التمهيد، لابن عبد البر (23/ 171).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، حديث (3622)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الرؤيا، حديث (2272).
(3) انظر على الترتيب: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (7/ 230)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 269)، وشرح الزرقاني على موطأ مالك (4/ 276).
(4) عمدة القاري، للعيني (16/ 153).
(5) (15/ 46).
(1/405)
________________________________________
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ ما وقع في الآية هو عبارة عن حكاية قول المنافقين، وحكاية القرآن لبعض المقولات، وسكوته عنها، لا يلزم منه إقرارٌ لتلك المقولات، ذلك أنَّ سكوت القرآن عن المقولات لا يخلو من حالتين:
الأولى: أنْ يكل الله تعالى البيان لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، فيبين للناس حكم تلك المقولة.
الثانية: أنْ لا يكون هناك بيان من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعدم البيان يدل على الإقرار من الله تعالى.
وفي مسألتنا هذه جاء البيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - بكراهة تسمية المدينة بيثرب، فَدَلَّ على أنَّ مقولة المنافقين تلك لا يصح استعمالها، والله تعالى أعلم.
(1/406)
________________________________________
المسألة [25]: في حكم الجمع بين اسم الله تعالى، واسم غيره في ضمير واحد.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)) [الأحزاب: 56].

المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:
(51) ـ (44): عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - رضي الله عنه -: "أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ". (1)
_________
(1) أخرجه باللفظ المذكور في المتن: مسلمٌ في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث (870)، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم ... ، فذكره.
وقد تفرد وكيع بزيادة ذكرها في آخر الحديث، وهي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ"، وهذه الزيادة لم يُتابع عليها، من طريق سفيان الثوري، فقد رواه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمنُ بن مهدي، والفريابيُ، وعبدُ الله بن الوليد العدني، رووه جميعاً عن سفيان الثوري، ولم يذكروا هذه الزيادة، وسيأتي تخريج هذه الطرق.
لكن جاءت هذه الزيادة من طريق آخر غير =
(1/407)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= طريق سفيان، فرواه الشافعي في الأم (1/ 232)، ومن طريقه البيهقي في معرفة السنن والآثار (4/ 371)، والبغوي في شرح السنة (6/ 405)، قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم (هو ابن طهمان) قال: حدثني عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم قال: "خطب رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسكت فبئس الخطيب أنت". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا تقل ومن يعصهما".
وقد رُوي الحديث بلفظين آخرين:
الأول: "أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا. فَقَالَ: قُمْ، أَوْ اذْهَبْ، بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ".
ويلاحظ في هذه الرواية أن الخطيب وقف على قوله: "ومن يعصهما"، ولم يقل بعدها: "فقد غوى".
وهذه الرواية جاءت من طريقين عن سفيان الثوري:
الأول: طريق يحيى بن سعيد القطان: أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، حديث (1099)، واللفظ له.
الثاني: طريق عبد الرحمن بن مهدي، وقد رُوي عنه من ثلاثة طرق:
1 - ما رواه الإمام أحمد في مسنده (4/ 379)، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم قال: "جاء رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب أنت، قم".
2 - ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار (4/ 371)، قال: حدثنا يزيد بن سنان قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: ثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم قال: ... ، فذكره بمثل رواية الإمام أحمد.
3 - ما رواه النسائي في السنن الصغرى، في كتاب النكاح، حديث (3279)، قال: أخبرنا إسحاق بن منصور قال: أنبأنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم قال: "تشهد رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب أنت".
وقد خالف إسحاق بن منصور أقرانه في هذه الرواية، فزاد - بعد قول الخطيب: "ومن يعصهما"- زاد: "فقد غوى".
وهذه الزيادة جاءت من طرق أخرى عن سفيان، وعن عبد العزيز بن رفيع، وقد تقدمت رواية وكيع عند مسلم، وفيها هذه الزيادة، ورواية إبراهيم بن طهمان عند الشافعي، وستأتي أيضاً رواية قيس بن الربيع، وأبي بكر بن عياش، كلاهما عن عبد العزيز بن رفيع، به. وفيهما هذه الزيادة، وستأتي هذه الزيادة أيضاً في رواية الفريابي، وأبي حذيفة، =
(1/408)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:
ظاهر قوله تعالى: (يُصَلُّونَ) جواز الجمع بين اسم الله تعالى، واسم غيره من المخلوقين في ضمير واحد، وكلمة واحدة، وأما الحديث الشريف فيُوهِم خلاف الآية؛ لأَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر على الخطيب قوله: "ومن يعصهما"، وأمَرَه بأنْ يقول: "ومن يعص الله ورسوله"، وهذا الإنكار منه - صلى الله عليه وسلم - يُفهم منه تحريم الجمع بين اسم الله تعالى، واسم غيره من المخلوقين في ضمير واحد،
__________
= وعبد الله بن الوليد العدني، جميعهم عن سفيان، به.
اللفظ الثاني: "تشهد رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب أنت".
ويلاحظ في هذه الرواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل في آخر الحديث: "قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ"، وهذه الزيادة كما تقدم تفرد بها وكيع من طريق سفيان، وتفرد بها أيضاً إبراهيم بن طهمان، من طريق عبد العزيز بن رفيع، وقد رواه عن سفيان: يحيى بنُ سعيد القطان، وعبد الرحمنُ بن مهدي، والفريابيُ، وعبدُ الله بن الوليد العدني، رووه جميعاً عن سفيان الثوري، ولم يذكروا هذه الزيادة.
أما رواية يحيى بن سعيد: فتقدمت وهي عند أبي داود.
وأما رواية عبد الرحمن بن مهدي: فتقدمت أيضاً، وهي عند أحمد والنسائي، والطحاوي.
وأما رواية الفريابي: فأخرجها الطبراني في المعجم الكبير (17/ 98).
وأما رواية أبي حذيفة: فأخرجها الطبراني في الموضع السابق، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 86)،
إلا أن البيهقي لم يسق المتن كاملاً.
وأما رواية عبد الله بن الوليد العدني: فأخرجها البيهقي في السنن الكبرى (3/ 216)، ولم يسق المتن كاملاً، وإنما أشار إلى أن هذه الزيادة لم تأتِ من هذا الطريق.
وروى الحديث قيس بن الربيع، وأبو بكر بن عياش، كلاهما عن عبد العزيز بن رفيع، به. ولم يذكروا هذه الزيادة.
أما رواية قيس بن الربيع: فأخرجها الطيالسي في مسنده (1/ 138)، والطبراني في المعجم الكبير
(17/ 98).
وأما رواية أبي بكر بن عياش: فأخرجها أبو نعيم في الحلية (8/ 310 - 311).
وثمة رواية مرسلة أخرجها عبد الرزاق في المصنف (11/ 27)، وابن أبي شيبة في المصنف (6/ 74)، كلاهما من طريق معمر، عن مغيرة، عن إبراهيم، مرسلاً. وليس في هذه الرواية الزيادة التي في آخر الحديث، وفيها أن الخطيب قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى".
النتيجة: سيأتي في مبحث الترجيح بيان الراجح من هذه الروايات.
(1/409)
________________________________________
وكلمة واحدة. (1)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:
للعلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث مسلكان:
الأول: مسلك الجمع بينهما:
وعلى هذا المسلك عامةُ العلماء، من مفسرين ومحدثين وفقهاء، إلا أَنَّهم اختلفوا في الجمع على مذاهب:
الأول: أَنَّ مثل هذا التركيب جائزٌ في كلام الله تعالى، وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأما سائر الناس فلا يجوز لهم أنْ يجمعوا بين اسم الله تعالى، واسم رسوله - صلى الله عليه وسلم - في ضمير واحد، وكلمة واحدة.
وهذا مذهب الجمهور من العلماء، وممن قال به:
الشافعي، والخطابي، والبغوي، والقاضي عياض، والفخر الرازي، وابن الأثير، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والحافظ زين الدين العراقي (2)، وابن عبدالسلام، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، والسندي، والشوكاني، والآلوسي، والألباني. (3)
_________
(1) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: أحكام القرآن، للجصاص (3/ 485)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 397)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 510 - 511)، وتفسير القرطبي (14/ 149)، وفتح القدير، للشوكاني (4/ 427)، وروح المعاني، للآلوسي (22/ 345).
(2) هو: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، المعروف بالحافظ العراقي، من كبار حفاظ الحديث. أصله من الكرد، ومولده في رازنان (من أعمال إربل) تحول صغيراً مع أبيه إلى مصر، فتعلم ونبغ فيها. وقام برحلة إلى الحجاز والشام وفلسطين، وعاد إلى مصر، فتوفي في القاهرة سنة (806هـ). من كتبه (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار) في تخريج أحاديث الإحياء، و (الألفية) في مصطلح الحديث، وشرحها (فتح المغيث) و (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) شرحه في كتاب بعنوان (طرح التثريب في شرح التقريب) وغيرها. انظر: الأعلام، للزركلي (3/ 344).
(3) انظر على الترتيب: الأم، للشافعي (1/ 232)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض
(1/ 21)، وفيه النقل عن الخطابي، وشرح السنة، للبغوي (6/ 405)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (3/ 275)، ومفاتيح الغيب، للرازي (10/ 120)، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (3/ 251)، والمفهم، للقرطبي (2/ 511)، وتفسير القرطبي (14/ 149)، وطرح التثريب، للعراقي (2/ 23)، وفتح الباري، لابن حجر (1/ 79)، وفيه النقل عن ابن عبد السلام، وشرح سنن النسائي، للسيوطي (6/ 92)، وحاشية السندي على سنن النسائي (6/ 90 - 91)، وفتح القدير، =
(1/410)
________________________________________
وأيَّدوا مذهبهم: بالآية الكريمة، وبأحاديث رُويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله، وفيها استعماله - صلى الله عليه وسلم - لمثل هذا التركيب، ومن هذه الأحاديث:
1 - حديث أنس - رضي الله عنه -، أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ". (1)
2 - وحديث أنس - رضي الله عنه - قال: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُكِلَتْ الْحُمُرُ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُفْنِيَتْ الْحُمُرُ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا طَلْحَةَ فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ ... ". (2)
3 - وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَشَهَّدَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا". (3)
والشاهد من هذه الأحاديث: قوله: "مِمَّا سِوَاهُمَا"، وقوله: "يَنْهَيَانِكُمْ"، وقوله: "وَمَنْ يَعْصِهِمَا"، حيث جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين اسم الله تعالى، واسمه - صلى الله عليه وسلم -، في ضمير واحد، وكلمة واحدة، فدلَّ على جواز ذلك، إذا كان من
_________
= للشوكاني (4/ 427)، وروح المعاني، للآلوسي (22/ 345)، وخطبة الحاجة، للألباني (1/ 16).
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (16)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (43).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (2991)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيد والذبائح، حديث (1940). واللفظ لمسلم.
(3) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، حديث (1097)، وضعفه المنذري في مختصر سنن أبي داود (2/ 18)، وابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (6/ 109)، والشوكاني في نيل الأوطار (3/ 314)، والألباني في خطبة الحاجة (1/ 14).
(1/411)
________________________________________
قوله - صلى الله عليه وسلم -. (1)
وقد أشار بعض أصحاب هذا المذهب للعلة التي أوجبت نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن مثل هذا الأسلوب، فقالوا:
إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أنكر عليه قوله: "وَمَنْ يَعْصِهِمَا"، لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيماً لله تعالى، بتقديم اسمه، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر: "لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ". (2)
ذكر هذا الوجه: الشافعي، والخطابي، والبغوي، والقاضي عياض، والفخر الرازي، وابن الأثير، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والحافظ زين الدين العراقي، وابن عبد السلام، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، والسندي. (3)
قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: "من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى، وذلك ممتنعٌ على غيره، وإنما يمتنع من غيره دونه؛ لأَنَّ غيره إذا جمع أوهم إطلاق التسوية، بخلافه هو - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّ منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك". اهـ (4)
المذهب الثاني: وهو ما ذكره النووي: أَنَّ سبب النهي هو أَنَّ الخُطَبَ
_________
(1) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 510)، وفتح الباري، لابن رجب (1/ 56)، والخصائص الكبرى، للسيوطي (2/ 419).
(2) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الأدب، حديث (4980)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/ 263).
(3) انظر على الترتيب: الأم، للشافعي (1/ 232)، وشرح السنة، للبغوي (6/ 405)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (1/ 21)، وفيه النقل عن الخطابي، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (3/ 275)، ومفاتيح الغيب، للرازي (10/ 120)، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (3/ 251)، والمفهم، للقرطبي (2/ 511)، وتفسير القرطبي (14/ 149)، وطرح التثريب، للعراقي (2/ 23)، وفتح الباري، لابن حجر (1/ 79)، وفيه النقل عن ابن عبد السلام، وشرح سنن النسائي، للسيوطي (6/ 92)، وحاشية السندي على سنن النسائي (6/ 61).
(4) انظر: فتح الباري، لابن حجر (1/ 79)، والخصائص الكبرى، للسيوطي (2/ 419).
(1/412)
________________________________________
شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ليفهم (1).
ثم أشار النووي إلى ضعف مذهب الجمهور المُتقدم فقال: وأما قول الأولين فيضْعُف بأشياء، منها:
أَنَّ مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا" (2)، وغيره من الأحاديث، وإنما ثنَّى الضمير ها هنا؛ لأَنَّه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حِكَم، فكُلَّما قَلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يراد الاتعاظ بها، ومما يؤيد هذا ما ثبت في سنن أبي داود، بإسناد صحيح، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة الحاجة، الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أَنْ لا إله إلا الله، وأشهد أَنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً". (3) والله أعلم". اهـ (4)
وقد وافق النوويَ على رأيه هذا: الشوكانيُ، وأبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي. (5)
وعلى مذهب النووي ومن تبعه فإنه لا إشكال في الآية؛ لأَنَّها ليست في سياق الخطبة والوعظ، إذ الممتنع على رأيهم هو استعمال مثل هذا الأسلوب في خطب الوعظ فقط.
وقد اعترض السندي على رأي النووي فقال: "إنه ضعيف جداً؛ إذ لو
_________
(1) عن أنس - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، حديث (94).
(2) تقدم تخريجه قريباً.
(3) تقدم تخريجه قريباً.
(4) شرح صحيح مسلم، للنووي (6/ 227).
(5) انظر على الترتيب: نيل الأوطار، للشوكاني (3/ 314)، وعون المعبود، للآبادي (3/ 314).
(1/413)
________________________________________
كان ذلك سبباً للإنكار، لكان في محل حصل فيه بالضمير نوع اشتباه، وأما في محل لا اشتباه فيه فليس كذلك، وإلا لكان ذِكْرُ الضمير في الخطبة مُنكراً منهياً عنه، مع أَنَّه ليس كذلك، بل الإظهار في بعض المواضع في الخطب يكون مُنكراً فتأمل". اهـ (1)
المذهب الثالث: أَنَّ ما جاء في الآية - من جمع اللهِ تعالى الملائكةَ مع نفسه في ضمير واحد - جائزٌ للبشر فعله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: "بئس الخطيب أنت" لهذا المعنى، وإنما قاله لأَنَّ الخطيب وقف على: "ومن يعصهما"، فجمع بين حالي من أطاع الله ورسوله ومن عصى، والأولى أنْ يقف على: "رشد"، ثم يقول: "ومن يعصهما فقد غوى". (2)
وهذا مذهب أبي جعفر الطحاوي، وابن الجزري، وابن عطية. (3)
قال الطحاوي: "المعنى عندنا - والله أعلم - أَنَّ ذلك يرجع إلى معنى التقديم والتأخير، فيكون: من يطع الله ورسوله ومن يعصهما فقد رشد، وذلك كفر، وإنما كان ينبغي له أنْ يقول: ومن يعصهما فقد غوى، أو يقف عند قوله: فقد رشد، ثم يبتدئ بقوله: ومن يعصهما فقد غوى، وإلا عاد وجهه إلى التقديم والتأخير الذي ذكرنا". اهـ (4)
وقد اعترض أبو العباس القرطبي على هذا المذهب فقال: "وهذا التأويل لم تساعده الرواية، فإنَّ الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأَنَّ آخر كلامه إنما هو: "فقد غوى"، ثم إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رد عليه وعلمه صواب ما أخل به، فقال: "قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى"، فظهر أَنَّ ذَمَّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير". اهـ (5)
_________
(1) نقله عن السندي الألباني في كتابه "خطبة الحاجة"، ص (18).
(2) انظر: التمهيد في علم التجويد، لابن الجزري (1/ 177)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 398).
(3) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (4/ 371)، والتمهيد في علم التجويد، لابن الجزري (1/ 177)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 398) و (3/ 53).
(4) مشكل الآثار، للطحاوي (4/ 372).
(5) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 510). وانظر: طرح التثريب، للعراقي (2/ 23).
(1/414)
________________________________________
وقد أجاب ابن عطية على هذا الاعتراض، فقال: "يحتمل أنْ يكون لما خَطَّأَه في وقفه وقال له: "بئس الخطيب أنت" أصلح له بعد ذلك جميع كلامه؛ لأَنَّ فصل ضمير اسم الله تعالى من ضمير غيره أولى لا محالة، فقال له: "بئس الخطيب أنت" لموضع خطئه في الوقف، وحَمَلَه على الأولى في فصل الضميرين، وإنْ كان جمعهما جائزاً". اهـ (1)
قلت: لكن ما اعترض به القرطبي الصواب عدم ثبوته في الحديث، وسيأتي مزيد بيانٍ لذلك في مبحث الترجيح.
المذهب الرابع: وهو مذهب أبي بكر الجصاص، حيث قال: "قد ذكر الله تعالى في كتابه اسْمَهُ وذكر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم -، فأفرد نفسه بالذِّكر ولم يجمع الاسمين تحت كناية واحدة، نحو قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: 62]، ولم يقل: "ترضوهما"؛ لأَنَّ اسم الله واسم غيره لا يجتمعان في كناية، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خطب بين يديه رجل فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قم، فبئس خطيب القوم أنت"، لقوله: "ومن يعصهما".
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) فجمع اسمه واسم ملائكته في الضمير؟ قيل له: إنما أنكرنا جمعهما في كناية يكون اسماً لهما، نحو الهاء التي هي كناية عن الاسم، فأما الفعل الذي ليس باسم ولا كناية عنه وإنما فيه الضمير فلا يمتنع ذلك فيه". اهـ (2)
المذهب الخامس: أَنَّ ما جاء في الحديث من النهي يجب إعماله على إطلاقه، فلا يجوز الجمع بين اسم الله تعالى واسم نبيه في ضمير واحد.
وهذا مذهب أبي جعفر النحاس، وأجاب عن الآية: بأَنَّ فيها حذفاً تقديره: "إنَّ الله يصلي، وملائكته يصلون"، فيكون الضمير في قوله: "يصلون"، مختص بالملائكة فقط، ولم يُجِبْ عن بقية الأحاديث الواردة في المسألة، التي جاء فيها استعمال مثل هذا التركيب. (3)
_________
(1) المحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 398)، وانظر: الكتاب نفسه (3/ 53).
(2) أحكام القرآن، للجصاص (3/ 485).
(3) انظر: إعراب القرآن، للنحاس (3/ 323).
(1/415)
________________________________________
المسلك الثاني: مسلك الترجيح:
ويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ قوله في الحديث: "قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ"، لم يُثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله، وإنما هي زيادة مدرجة من بعض الرواة.
وهذا رأي أبي بكر ابن العربي، وأشار إليه الحافظ ابن رجب. (1)
ولم يُبَيّن ابن العربي العلة التي أوجبت إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخطيب.

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ما ذهب إليه أبو جعفر الطحاوي، ومن تبعه: أَنَّ ما جاء في الآية - من جمع اللهِ تعالى الملائكةَ مع نفسه في ضمير واحد - جائز للبشر فعله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: "بئس الخطيب أنت" لهذا المعنى، وإنما قاله لأَنَّ الخطيب وقف على: "ومن يعصهما" وسكت سكتة، فأوهم إدخال العاصي في الرشد.
وأما الحديث فأصح رواياته الرواية التي وقف فيها الخطيب على قوله: "ومن يعصهما"، وليس في هذه الرواية أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في آخر الحديث: "قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ"، ونصُّ هذه الرواية كاملة: "أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا. فَقَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُمْ، أَوْ اذْهَبْ، بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ".
وهذه الرواية هي الأصح، لأمور:
الأول: أَنَّها جاءت من طريق يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، ولم يختلف النقاد في تقديم يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، على وكيعٍ، في سفيان.
_________
(1) انظر على الترتيب: عارضة الأحوذي، لابن العربي (5/ 18)، وفتح الباري، لابن رجب (1/ 57).
(1/416)
________________________________________
قال البخاري: "أعلم الناس بالثوري يحيى بن سعيد، لأَنَّه عرف صحيح حديثه من تدليسه". اهـ (1)
وقال صالح بن الإمام أحمد: قلت لأبي: "أيما أثبت عندك، عبد الرحمن بن مهدي، أو وكيع؟ قال: عبد الرحمن أقل سقطاً من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثاً من حديث سفيان، وكان عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها، وكان لعبد الرحمن توقٍ حسن". اهـ (2)
وقال أبو حاتم الرازي: "عبد الرحمن بن مهدي أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، وكان عرض حديثه على سفيان الثوري". اهـ (3)
وقال: "سئل أحمد عن يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع؟ فقال: كان عبد الرحمن أكثرهم حديثاً". اهـ (4)
الثاني: أَنَّ زيادة "قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ"، لم تأتِ إلا من طريق وكيع، عن سفيان، ومن طريق إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رفيع، وخالفهما بقية الرواة وهم الأكثر فلم يذكروا هذه الزيادة.
الثالث: أَنَّ زيادة "فقد غوى" بعد قول الخطيب: "ومن يعصهما" وإنْ كانت رُويت من طرق أخرى إلا أَنَّ رواية يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي أولى؛ لأَنَّهما أحفظ عن سفيان، ولأَنَّ سفيان أحفظ من بقية الرواة عن عبد العزيز بن رفيع، والله تعالى أعلم.
_________
(1) نقله عنه ابن رجب في شرح علل الترمذي (1/ 466).
(2) العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد (1/ 140)، وانظر: المصدر السابق (1/ 468).
(3) تقدمة المعرفة، لابن أبي حاتم، ص (255).
(4) المصدر السابق، ص (261).
(1/417)
________________________________________
المسألة [26]: في نظم النبي - صلى الله عليه وسلم - للشِعْر.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69)) [يس: 69].

المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:
(52) ـ (45): عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: "يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ (1)؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ؛ فَلَقِيَهُمْ هَوَازِنُ (2) بِالنَّبْلِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ". (3)
_________
(1) حنين: هو وادٍ قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً، وهو الموضع الذي هزم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هوازن من أهل الطائف. انظر: معجم ما استعجم، للبكري (1/ 471).
(2) هَوَازِنُ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ الْعَرَبِ، فِيهَا عِدَّةُ بُطُونٍ، يُنْسَبُونَ إِلَى هُوزَانِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ حَفْصَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ غَيْلَانَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ. انظر: عمدة القاري، للعيني (17/ 296).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (2864)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (1776).
(1/418)
________________________________________
(53) ـ (46): وعَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ؛ فَقَالَ:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ". (1)

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:
ظاهرُ الآيةِ الكريمة أنَّ الشِّعْرَ مُمتَنِعٌ تَعَلُّمه ونَظْمه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمَّا الحديثين فقد جاء فيهما ما يُوهِمُ مُعارَضَة هذا الظاهر؛ إذ فيهما أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنشد ذينك البيتين من تلقاء نفسه، وهذا يُوهِمُ قُدْرَةَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على النَّظْمِ، وهو خِلافُ الآية. (2)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:
اتفق العلماء على أنَّ الشِّعْرَ ممتنعٌ (3) نَظْمه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، أخذاً بظاهر الآية الكريمة (4)، واختلفوا في حكم تمثل النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء من الشِّعْر وإنشاده،
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (2802)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (1796).
(2) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: مشكل الآثار، للطحاوي (4/ 374)، وتفسير أبي الليث السمرقندي (3/ 105)، والكشاف، للزمخشري (4/ 25)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (6/ 169)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (2/ 243)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 124)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (2/ 186)، وتفسير الحافظ ابن كثير (2/ 587)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (3/ 128)، وعمدة القاري، للعيني
(14/ 99)، ومعترك الأقران، للسيوطي (2/ 416)، وفيض القدير، للمناوي (5/ 64)، وفتح القدير، للشوكاني (4/ 539).
(3) ممتنع قدراً وشرعاً؛ يدل على امتناعه قدراً قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ)، ويدل على امتناعه شرعاً قوله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ).
(4) حكى الاتفاق: الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (3/ 128).
(1/419)
________________________________________
حاكياً عن غيره، والصحيح جوازه، وعليه الجمهور من العلماء. (1)
وأمَّا أحاديث الباب - التي يُوهِمُ ظاهرها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال شيئاً من الشِّعْر من تلقاء نفسه - فقد اختلفوا في الجواب عنها على مذاهب:
الأول: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك النظم اتفاقاً ولم يقصد به قرض الشِّعْر؛ والكلام قد يخرج موزوناً على وزن الشِّعْر من غير معرفةٍ أو قصدٍ من قائله.
وقد حكى ابن القطاع اللغوي (2)، وأقَرَّهُ النووي، الإجماع على أنَّ شرط تسمية الكلام شِعْراً أنْ يَقْصُدَ له قائله. (3)
ويرى أصحاب هذا المذهب أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد نظماً ووزناً فيكون شِعْراً، إذ قد يأتي في الكلام والقرآن ما يتَّزِن بوزن الشِّعْر وليس بشِعْر، كقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: 92]، وقوله: (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) [سبأ: 13]، وقوله: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) [الصف: 13]، وكثيراً ما يقع للعوام في كلامهم: المُقَفَّى الموزون، وليس بشِعْر، ولا يُسمى قائله شاعراً؛ لأنه لم يَقْصُده، ولا شَعُرَ به، والشِّعْرُ إنما سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ قائله يَشْعُرُ به، ويَقْصُده نظماً، ووزناً، ورَويّاً، وقافيةً، ومعنى. (4)
وعلى هذا المذهب جماهير العلماء، من مفسرين ومحدثين، وممن قال به:
أبو عبيدة معمر بن المثنى (5)، وابن قتيبة، وأبو الليث السمرقندي، والزمخشري، والمازري، والقاضي عياض، وابن عطية، والفخر الرازي، وأبو عبد الله القرطبي، والبيضاوي، وابن جزي، والطيبي، وأبو حيان، والذهبي، والحافظ ابن كثير، والزركشي، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، وأبو السعود، والملا علي القاري، والمناوي، والشوكاني، والآلوسي،
_________
(1) انظر: فتح الباري، لابن حجر (10/ 557).
(2) هو: علي بن جعفر بن علي السعدي الصقلي، ابن القطاع، أبو القاسم، شيخ اللغة، نزيل مصر ومصنف كتاب "الأفعال"، وله كتاب "أبنية الأسماء" وله مؤلف في العروض، وكتاب في أخبار الشعراء، توفي سنة (515هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (19/ 433).
(3) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (12/ 167)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (3/ 128).
(4) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 619)، وأعلام الحديث، للخطابي (2/ 1359 - 1360).
(5) رواه عنه بسنده: ابن قتيبة في "غريب الحديث" (1/ 452).
(1/420)
________________________________________
وابن عثيمين. (1)
المذهب الثاني: أنَّ تَمَثُّلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيتٍ واحدٍ من الشِّعْر لا يلزم منه أنْ يكون عالماً بالشِّعْر، ولا شاعراً؛ لأنَّ إصابة القافيتين من الرَّجَز (2) وغيره لا يوجب أن يكون قائلها عالماً بالشِّعْر، ولا يُسمى شاعراً باتفاق العقلاء.
والذي نفى الله عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - هو العلم بالشِّعْر؛ بأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن موصوفاً بشيء من ذلك باتفاق. (3)
وهذا جواب: الزجاج، والطحاوي، والنحاس، والجصاص، وأبي العباس القرطبي. (4)
المذهب الثالث: أنَّ الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - هو من الرَّجَز، والرَّجَز لا يُعَدُّ شِعْراً، والذي نفاه الله تعالى عن نبيه إنَّما هو الشِّعْر لا الرَّجَز.
_________
(1) انظر على الترتيب: غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 452)، وتفسير أبي الليث السمرقندي (3/ 106)، والكشاف، للزمخشري (4/ 26)، والمعلم بفوائد مسلم، للمازري (3/ 23)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (6/ 131)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 462)، ومفاتيح الغيب، للرازي (26/ 92)، وتفسير القرطبي (15/ 36)، وتفسير البيضاوي (4/ 440)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (2/ 186)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (7/ 330)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي (14/ 192)، وتفسير الحافظ ابن كثير (2/ 587)، والبرهان في علوم القرآن، للزكشي (2/ 241)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 626)، ومعترك الأقران، للسيوطي (2/ 416)، وتفسير أبي السعود (7/ 178)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (8/ 375)، وفتح القدير، للشوكاني (4/ 539)، وروح المعاني، للآلوسي (23/ 65)، وتفسير سورة "يس"، لابن عثيمين، ص (243).
(2) الرَّجَز: هو نوع من الشعر القصير، وبحر من بحور الشعر، ووزنه مستفعلن ست مرات. انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، ص (844).
(3) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 619 - 620).
(4) انظر على الترتيب: معاني القرآن، للزجاج (4/ 221)، ومشكل الآثار، للطحاوي (4/ 384 - 385)، وإعراب القرآن، للنحاس (3/ 405)، وأحكام القرآن، للجصاص (3/ 494)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 124) و (3/ 619 - 620).
(1/421)
________________________________________
وهذا مذهب: الخليل (1)، والأخفش الأوسط (2)، وابن التين.
وهو اختيار: البيهقي (3)، والسهيلي (4)، والعيني. (5)
أما الخليل فيرى أنَّ ما جاء من السَّجَع (6) على جزأين فإنَّه لا يكون شِعْراً. (7)
وأما الأخفش فيرى أنَّ الرَّجَز لا يكون شِعْراً؛ لوقوعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، والله تعالى يقول: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ). (8)
وقال ابن التين: "لا يُطلق على الرَّجَز شِعْراً؛ إنَّما هو كلام مُرَجَّزٌ مُسَجَّع؛ بدليل أنَّه يُقال لصانعه: راجز، ولا يُقال: شاعر، ويُقال: أَنْشَدَ رجزاً، ولا يُقال: أَنْشَدَ شِعْراً". اهـ (9)
وقد اختلف العروضيون وأهل الأدب في الرَّجَز هل هو من الشِّعْر أم لا؟ مع اتفاق أكثرهم على أنَّ الرَّجَز لا يكون شِعْراً. (10)
قال أبو العباس القرطبي: "والصحيح في الرَّجَز أنَّه من الشِّعْر، وإنَّما أخرجه من الشِّعْر من أشكل عليه إنشاد النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه فقال: لو كان شِعْراً لما عَلِمَه النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ الله تعالى يقول: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) قال: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ من أنشد القليل من الشِّعْر، أو قَالَهُ، أو تَمَثَّلَ به على الندور، لم يستحق به اسم الشاعر، ولا يقال فيه إنَّه تعلم الشِّعْر، ولا يُنسب إليه، ولو كان ذلك للزم أن يُقال عن الناس كلهم شعراء، ويعلمون الشِّعْر؛ لأنَّهم لا يَخْلُونَ أنْ يعرفوا كلاماً موزوناً مرتبطاً على أعاريض الشِّعْر". اهـ (11)
_________
(1) هو: الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري، أبو عبد الرحمن، الإمام، صاحب العربية، ومنشئ علم العروض، كان رأساً في لسان العرب، ديناً ورعاً قانعاً متواضعاً كبير الشأن، يقال: إنه دعا الله أن يرزقه علماً لم يسبق إليه ففتح له بالعروض، وذلك أنه مرَّ بالصفارين فأخذه من وقع مطرقة على طست، له كتاب "العين" في اللغة، مات ولم يتمه، ولا هذبه، ولكن العلماء يغرفون من بحره، مات سنة
(170هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (7/ 429).
(2) هو: سعيد بن مسعدة البلخي ثم البصري، مولى بني مجاشع، أبو الحسن، الأخفش، إمام النحو، أخذ عن الخليل بن أحمد، ولزم سيبويه حتى برع، له كتب كثيرة في النحو والعروض ومعاني القرآن، مات سنة (211هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (10/ 206).
(3) نقله عنه الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (3/ 128).
(4) الروض الأنف، للسهيلي (4/ 213).
(5) عمدة القاري، للعيني (4/ 178).
(6) السجع: هو تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد. انظر: الإيضاح في علوم البلاغة، للقزويني (1/ 362).
(7) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (4/ 26)، وتفسير القرطبي (15/ 36).
(8) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (4/ 26)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (12/ 167).
(9) نقله عنه العيني في "عمدة القاري" (4/ 178).
(10) انظر: عمدة القاري، للعيني (4/ 178).
(11) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 123 - 124).
(1/422)
________________________________________
المذهب الرابع: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال هذين البيتين مُتَمَثِّلاً، وهما من نظم غيره وليسا من نظمه.
وهذا جواب ابن الجوزي، حيث يرى أنَّ كل ما نُقِلَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشِّعْر فهو لغيره، وإنَّما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمثل به، وأما قول الشِّعْر من قِبَلِ نفسه - صلى الله عليه وسلم - فإنَّه ممتنع عليه، ولا يتأتى منه.
وأجاب عن قوله - صلى الله عليه وسلم -:
أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
باحتمال أنْ يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - سمعه بلفظ:
أَنْتَ النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنْتَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
فغيره وأضافه لنفسه. (1)
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
فقد جزم الطبري، وابن التين: بأنَّ هذا الرَّجَز من شِعْر عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه -. (2)
قال الحافظ ابن حجر: "ويؤيد قولهما أنَّ ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (3) أورد هذين الشطرين لعبد الله بن رواحة، فذكر أنَّ جعفر بن أبي طالب لما قُتِلَ في غزوة مؤتة - بعد أن قُتِلَ زيدُ بن حارثة - أخذ اللواء عبدُ الله بن رواحة فقاتل فأُصِيبَ إصبعه فارتجز وجعل يقول هذين القسمين، وزاد:
يَا نَفْس إِنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذِي حِيَاض الْمَوْت قَدْ صَلِيت
_________
(1) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (2/ 243).
(2) انظر: فتح الباري، لابن حجر (10/ 557).
(3) محاسبة النفس، لابن أبي الدنيا، ص (68)، قال ابن أبي الدنيا: حدثني أبي، ثنا عبد القدوس بن عبدالواحد الأنصاري، حدثني الحكم بن عبد السلام بن النعمان بن بشير الأنصاري: "أن جعفر بن أبي طالب حين قتل دعا الناس: يا عبد الله بن رواحة، يا عبد الله بن رواحة .... ".
(1/423)
________________________________________
وَمَا تَمَنَّيْت فَقَدْ لَقِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلهمَا هُدِيت
قال: وذكر الواقدي (1): أنَّ الوليد بن الوليد بن المغيرة (2) كان رافق أبا بصير (3) في صلح الحديبية على ساحل البحر، ثم إنَّ الوليد رجع إلى المدينة، فعثر بالحرة، فانقطعت إصبعه، فقال هذين القسمين". اهـ (4)
المذهب الخامس: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا كذبٌ" بتنوين الباء مرفوعة، وبخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة، وهذا ليس على وزن الشِّعْر.
وقوله:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
إنما يكون شِعْراً موزوناً إذا كسرت التاء من "دميت" و "لقيت"، فإنْ سُكِّنَتْ لم يكن شِعْراً بحال؛ لأنَّ هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل لفعول في بحر السريع (5)، ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قالها ساكنة التاء أو متحركة التاء من غير إشباع.
وهذا جواب: ابن العربي، والكرماني. (6)
وتعقبهما الحافظ ابن حجر فقال: "وقولهما هذا مردود؛ فإنه يصير من ضرب آخر من الشِّعْر، وهو من ضروب البحر الملقب بالكامل (7)، وفي الثاني
_________
(1) انظر: المغازي، للواقدي (2/ 629).
(2) هو: الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، كان ممن حضر بدراً مع المشركين فأُسِر، فافتداه أخواه هشام وخالد، ولما أسلم حبسه أخواله فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو له في القنوت ويقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، والمستضعفين من المؤمنين، ثم أفلت من أسرهم ولحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (6/ 619).
(3) هو: عتبة بن أَسيد بن جارية بن أَسيد بن عبد الله بن غِيَرة بن عوف بن ثقيف، أبو بَصير الثقفي، حليف بني زهرة، مشهور بكنيته، كان من المستضعفين بمكة فلما وقع الصلح بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش على أن يردوا عليهم من أتاه منهم فرَّ أبو بصير لما أسلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - لقاصد قريش فانضم إليه جماعة فكانوا يؤذون قريشاً في تجارتهم فرغبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يؤويهم إليه ليستريحوا منهم ففعل. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (4/ 433).
(4) فتح الباري، لابن حجر (10/ 557).
(5) السريع في اصطلاح أهل العروض: اسم بحر من بحور الشعر، وتفعيلات هذا البحر هي: مستفعلن، مستفعلن، مفعولاتٌ، والأسباب في هذا البحر أكثر من الأوتاد، لذا فهي تنطق بسرعة أكبر، ومن هنا سُمي بالسريع، وأنواع الزحاف في البحر السريع ستة، وهي: الطي، والخبن، والخبل، والوقف، والكسف، والصلم. انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للتهانوي، ص (954).
(6) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (4/ 26 - 27)، وفتح الباري، لابن حجر (10/ 557).
(7) الكامل عند أهل العروض: اسم بحر من البحور المختصة بالشعر، وتفعيلات هذا البحر هي: متفاعلن، سِتَّ مرات. انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للتهانوي، ص (1357).
(1/424)
________________________________________
زِحَافٌ جائز (1) ". اهـ (2)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ ما رُويَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من إنشاده لبعض الشِّعْر إنما قاله اتفاقاً، ولم يقصد به نظم الشِّعْر.
وتَمَثُّل النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيتٍ واحدٍ من الشِّعْر لا يلزم منه أنْ يكون عالماً بالشِّعْر، لأنَّ الذي نفى الله عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - هو العلم بالشِّعْر، بأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن موصوفاً بشيء من ذلك باتفاق، فخرج أنْ يكون شاعراً أو عالماً بالشعر. (3)
وقد كانت سَجيَّتُه - صلى الله عليه وسلم - تأبى صِناعةَ الشِّعْر طبعاً وشرعاً، فعن أبي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُتَسَامَعُ عِنْدَهُ الشِّعْرُ؟ قَالَتْ: كَانَ أَبْغَضَ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ" (4).
وعن ابن عمر - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا" (5).
وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يحفظ بيتاً على وزن منتظم، وإنْ أنشده زَحَفَهُ أو لم يُتِمَّه،
_________
(1) الزحاف في الشعر: حرفٌ بين حرفين، وهو تغيرٌ يقع في الركن إما بزيادة أو نقص، ويُقال لذلك الركن الذي تغير: مُزاحفاً وغير سالم، والزحف إذا وقع في الصدر سُميَ: ابتداءً، وإذا وقع في العروض سُميَ: فصلاً، وإذا كان في وسط البيت سُميَ: اعتدالاً. انظر: المصدر السابق، ص (905).
(2) فتح الباري، لابن حجر (10/ 557).
(3) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 619 - 620).
(4) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (6/ 188)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 119): "رجاله رجال الصحيح".
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، حديث (6154)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الشعر، حديث (2258).
(1/425)
________________________________________
وهذا مما يؤكد أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يُحْسِنُ صناعة الشعر، ولا تقتضيه جِبلَّتُه، والله تعالى أعلم. (1)

****
_________
(1) انظر: تفسير ابن كثير (3/ 585، 587).
(1/426)
________________________________________
المسألة [27]: في أشد الناس عذاباً يوم القيامة.
المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)) [غافر: 46].

المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:
(54) ـ (47): عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ". (1)
(55) ـ ( .. ): وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ". (2)
(56) ـ (48): وعَنْ هِشَام بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَخَالِد بْنِ الْوَلِيدِ - رضي الله عنهما - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا". (3)
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - واللفظ له - في كتاب اللباس، حديث (5950)، ومسلم في صحيحه، في كتاب اللباس والزينة، حديث (2109)، ورواه مسلم من وجه آخر بلفظ: "إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ"، بزيادة "من".
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، حديث (6109).
(3) رُويَ هذا الحديث عن هشام بن حكيم بن حزام، وعياض بن غنم، وخالد بن الوليد، =
(1/427)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= وخالد بن حكيم بن حزام، وقد اضطرب الرواة في لفظه وإسناده، وفيما يلي تفصيل ذلك، وبيان المحفوظ منه:
أولاً: حديث هشام بن حكيم بن حزام:
وقد رُويَ عنه من أربعة طرق:
الأول: طريق عروة بن الزبير، عن هشام بن حكيم، به:
ويعد هذا الطريق من أصح طرق الحديث، لأن رواته أوثق وأضبط، حيث لم يضطربوا في لفظه، ولا في إسناده، وإنما نقلوه على الصواب دون رواية اللفظ المشكل المذكور في المتن.
وله عن عروة طريقان:
الأول: طريق هشام بن عروة، عن عروة، به:
وله عن هشام عدة طرق:

الأول: طريق وكيع، عن هشام بن عروة، به:
أخرجه من هذه الطريق: الإمام أحمد في مسنده (3/ 403)، ومسلم في صحيحه، في كتاب البر والصلة، حديث (2613)، ولفظه عند أحمد: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ حِزَامٍ: أَنَّهُ مَرَّ بِأُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ بِالشَّامِ فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: بَقِيَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْخَرَاجِ. فَقَالَ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعَذِّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ". قَالَ: وَأَمِيرُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ، قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ.
الثاني: طريق ابن نمير، عن هشام بن عروة، به:
أخرجه من طريقه: الإمام أحمد بالإسناد والمتن المتقدم.
الثالث: طريق معمر، عن هشام بن عروة، به:
أخرجه من هذه الطريق: الإمام أحمد في مسنده (3/ 403)، وعبد الرزاق في المصنف (11/ 245)، والطبراني في المعجم الكبير (22/ 170)، ولفظه عند أحمد: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ رَأَى نَاسًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قِيَامًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ. فَدَخَلَ عَلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ عَلَى طَائِفَةِ الشَّامِ؛ فَقَالَ هِشَامٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ عَذَّبَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَذَّبَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى". فَقَالَ عُمَيْرٌ: خَلُّوا عَنْهُمْ.
الرابع: طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، به:
أخرجه من هذه الطريق: مسلم في صحيحه، في كتاب البر والصلة، حديث (2613)، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أنه مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمْ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ. فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا".
الخامس: طريق حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، به:
أخرجه مسلم في صحيحه، في الموضع السابق، بإسناده ومتنه.
السادس: طريق الليث بن سعد، عن هشام بن عروة، به:
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (22/ 170)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن هشام بن حكيم: أنه =
(1/428)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا".
السابع: طريق حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن عروة، به:
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، بالإسناد والمتن المتقدم.
الثامن: طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، به:
أخرجه ابن حبان في صحيحه (12/ 429)، إلا أنه جعله من حديث حكيم بن حزام، قال ابن حبان: أخبرنا أبو يعلى قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة: أن حكيم بن حزام مر بعمير بن سعد، وهو يعذب الناس في الجزية في الشمس، فقال: يا عمير، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا". قال: اذهب فخل سبيلهم.
قال ابن حبان: "سمع هذا الخبر عروة عن هشام بن حكيم بن حزام، وهو يعاتب عياض بن غنم على هذا الفعل، وسمعه أيضاً من حكيم بن حزام حيث عاتب عمير بن سعد على هذا الفعل سواء، فالطريقان جميعاً محفوظان". اهـ
الثاني: طريق الزهري، عن عروة بن الزبير، عن هشام بن حكيم، به.
وله عن الزهري عدة طرق:
الأول: طريق معمر، عن الزهري، به:
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 403)، وقد تقدم في طريق معمر، عن هشام بن عروة، به، وقد ساقه المصنف بسنده ومتنه.
الثاني: طريق شعيب، عن الزهري، عن عروة، به:
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 404)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَجَدَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنْ النَّبَطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: مَا هَذَا يَا عِيَاضُ؟ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا".
الثالث: طريق يونس، عن الزهري، عن عروة، به:
أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب البر والصلة، حديث (2613)، ولفظه لفظ شعيب، المتقدم.
الرابع: طريق محمد بن عبد الله بن شهاب الزهري، عن عمه الزهري، عن عروة، به:
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 404)، ولفظه لفظ شعيب، ويونس، المتقدمين.
الثاني - من طرق حديث هشام بن عروة -: طريق جبير بن نفير، عن هشام بن عروة، به:
وله عن جبير بن نفير طريقان:
الأول: طريق شريح بن عبيد، عن جبير، به:
أخرجه ابن عساكر في تاريخه (47/ 266)، من طريق محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، نا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد قال: قال جبير بن نفير: جلد عياض بن غنم صاحب دارا حين فتحت، فوقف عليه هشام بن حكيم فأغلظ له القول حتى غضب، ثم مكث ليالي فأتاه هشام فاعتذر إليه ثم قال هشام لعياض بن غنم: ألم =
(1/429)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من أشد الناس عذاباً أشدهم للناس عذاباً في الدنيا".
وفي سنده انقطاع؛ فإن محمد بن إسماعيل لم يسمع من أبيه، كما في تهذيب التهذيب (9/ 51).
الثاني: طريق عبد الرحمن بن عائذ، عن جبير، به:
أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 329)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 164)، والطبراني في الكبير
(17/ 367)، وفي مسند الشاميين (3/ 99)، جميعهم من طريق إسحاق بن إبراهيم بن زبريق، عن عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن فضيل بن فضالة، عن عبد الرحمن بن عائذ، به.
ولفظه عند الحاكم: عن جبير بن نفير: أن عياض بن غنم الأشعري وقع على صاحب دارا حين فتحت، فأتاه هشام بن حكيم فأغلظ له القول، ومكث هشام ليالي، فأتاه هشام معتذراً فقال لعياض: ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة أشد الناس عذاباً للناس في الدنيا".
والحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ فيه إسحاق بن إبراهيم بن زبريق: صدوق يهم كثيراً، كما في التقريب (1/ 67).
الثالث: طريق صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، عن هشام بن حكيم، به.
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 403)، قال: ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني شريح بن عبيد الحضرمي، وغيره، قال: جلد عياض بن غنم صاحب دارا حين فتحت فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي فأتاه هشام بن حكيم فاعتذر إليه ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من أشد الناس عذاباً أشدهم عذاباً في الدنيا للناس".
وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (2/ 94)، من طريق صفوان بن عمرو، به.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 413)، طبعة دار الفكر: "رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أني لم أجد لشريح من عياض وهشام سماعاً، وإن كان تابعياً". اهـ
قلت: الصواب أن الراوي بين شريح وهشام هو جبير بن نفير، كما جاء ذلك صريحاً في الروايتين المتقدمتين.
الثالث - من طرق حديث هشام بن حكيم - طريق عبد الله بن محيريز، عن هشام بن حكيم، به.
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (1/ 44)، قال: ثنا الحسن بن العباس الرازي، ثنا أبو هارون، محمد بن خالد الخراز الرازي، ثنا يحيى بن أبي الخصيب، ثنا عبد الله بن هانئ، عن عمه إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبد الله بن محيريز قال: كان عياض بن غنم على بعث من أهل الشام، ومعه مولى له فغضب عليه فضربه، فحجزه هشام بن حكيم القرشي، وكلاهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عياض إلى فسطاطه غضباناً، فأمهله هشام حتى ذهب عنه الغضب، ثم أتاه فاستأذن فقال: لله أبوك، ما حملك على الذي فعلت؟ فقال هشام: لم؟ والله ما سمعت شيئاً لم تسمعه. قال: فما سمعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة أشدهم عذاباً للناس في الدنيا".
وفي سنده: عبد الله بن =
(1/430)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= هانئ بن عبد الرحمن بن أبى عبلة، ذكره ابن حبان في الثقات (8/ 357)، وسكت عنه، وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (5/ 194)، وقال فيه: "قدمت الرملة فَذُكِرَ لي أن في بعض القرى هذا الشيخ، فسألت عنه فقيل: هو شيخ يكذب، فلم أخرج إليه ولم أسمع منه". اهـ
وفي سند أيضاً: يحيى بن أبي الخصيب، قال عنه ابن حبان في الثقات (9/ 264): "يُغْرِبُ إذا حدث عن هانئ بن عبد الرحمن بن أبى عبلة، عن عمه". اهـ
ثانياً: حديث عياض بن غنم:
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 404)، قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا يونس، عن الزهري، عن عروة: أنه بلغه أن عياض بن غنم رأى نبطاً يُشمسون في الجزية فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تبارك وتعالى يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا".
وهذا إسناد فيه علتان:
الأولى: الانقطاع؛ فإن عروة لم يسمعه من عياض.
الثانية: أن عثمان بن عمر جعله من حديث عياض، والصواب أنه من حديث هشام بن حكيم، كما في رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن هشام بن حكيم. وقد تقدمت.
ثالثاً: حديث خالد بن الوليد، وخالد بن حكيم بن حزام:
وقد رواه عنهما عمرو بن دينار، عن أبي نجيح، به.
وقد اختُلِفَ فيه على عمرو بن دينار، فرواه عنه حماد بن سلمة، وجعله من حديث خالد بن حكيم.
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (4/ 196)، من طريق حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن أبي نجيح: أن خالد بن حكيم مَرَّ بأبي عبيدة بن الجراح، وهو يُعذب الناس في الجزية فقال له: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة أشدهم عذاباً في الدنيا". فقال: اذهب فخل سبيلهم".
ورواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، إلا أنه اختُلِفَ فيه على سفيان، فجعله بعض الرواة من حديث خالد بن حكيم، وجعله البعض الآخر من حديث خالد بن الوليد:
فمن الرواة الذين جعلوه من حديث خالد بن حكيم:
أبو بكر بن أبي شيبة: أخرجه من طريقه: ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/ 426)، والطبراني في المعجم الكبير (4/ 195).
والحميدي: أخرجه من طريقه الطبراني في المعجم الكبير (4/ 195)، إلا أن الحميدي رواه في مسنده وجعله من حديث خالد بن الوليد، وسيأتي.
وعلي بن المديني: أخرجه من طريقه: البخاري في التاريخ الكبير (3/ 143).
ومن الرواة الذين جعلوه من حديث خالد بن الوليد:
الإمام أحمد في مسنده (4/ 90).
وأبو داود الطيالسي في مسنده (1/ 158).
والحميدي في مسنده (1/ 255).
وأبو خيثمة زهير بن حرب: أخرجه من طريقه: البيهقي في شعب الإيمان (6/ 50).
والقعنبي، إبراهيم بن بشر الرمادي: أخرجه من طريقه: الطبراني في المعجم الكبير (4/ 110).
والحديث عن خالد بن الوليد، وخالد بن حكيم، معلول من أوجه:
الأول: الاختلاف فيه على عمرو بن دينار، وسفيان بن عيينة. =
(1/431)
________________________________________
(57) ـ (49): وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنْ الْمُمَثِّلِينَ". (1)
_________
= الثاني: أن عمرو بن دينار خالف فيه الزهري، وهشام بن عروة في روايتهما لهذا الحديث، وقد تقدم ذكر روايتهما.
الثالث: أن خالد بن حكيم مختلف في صحبته، حيث ذكره في الصحابة: هشامُ بن الكلبي، وابنُ السكن، والطبراني، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة (2/ 230)، ولم ينص على صحبته البخاريُ في التاريخ الكبير (3/ 143)، ولا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (3/ 324)، ولا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة (1/ 111).
النتيجة:
الذي يظهر أن المحفوظ في الحديث هو ما جاء من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن هشام بن حكيم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا". وليس في هذا اللفظ إشكال بحمد الله تعالى، وهذا الطريق هو الأصح؛ لخلوه من الاضطراب في سنده ومتنه، وأما بقية الطرق - والتي ورد فيها اللفظ المشكل الوارد في المتن - فجميعها مُعلة، إما بالانقطاع، أو بالاضطراب في أسانيدها، أو بضعف رواتها، والله تعالى أعلم.
(1) رُويَ هذا الحديث عن ابن مسعود من عدة طرق، وقد اختُلِفَ فيه على ابن مسعود بين الوقف والرفع، وفيما يلي تفصيل ذلك:
الأول: طريق أبي وائل، عن ابن مسعود، مرفوعاً:
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 407)، قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: .... ". فذكره باللفظ المذكور في المتن.
وأخرجه البزار في مسنده (5/ 138)، من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال: "هذا الحديث لا نعلم أحداً أسنده عن عاصم عن أبي وائل إلا أبان". اهـ
قلت: وفي إسناده عاصم بن أبي النجود، صدوق له أوهام كما في التقريب (1/ 365).
الثاني: طريق الحارث بن الأعور، عن ابن مسعود، مرفوعاً.
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (10/ 211)، قال: حدثنا عبدان بن أحمد، ثنا أيوب بن محمد الوزان، ثنا معتمر بن سليمان الرقي، ثنا عبد الله بن بشر، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأعور، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبياً أو قتله نبي، أو رجل يضل الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل".
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 181): "فيه الحارث بن الأعور، وهو ضعيف". اهـ
الثالث: طريق خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، مرفوعاً.
أخرجه الطبراني في الكبير (10/ 216)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 122)، كلاهما من طريق عمر بن خالد المخزومي، ثنا أبو نباتة، يونس بن يحيى، عن عباد بن كثير، عن =
(1/432)
________________________________________
(58) ـ (50): وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَشَدَّهُ عَذَابًا: إِمَامٌ جَائِرٌ". (1)

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:
ظاهرُ الآية الكريمة أَنَّ آل فرعون هم أشد الناس عذاباً يوم القيامة، وأنه لا يُعَذَّبُ أحدٌ مثل عذابهم؛ لأنَّ صيغة "أفْعَل" في قوله: "أشد" تفيد الاختصاص وعدم المشاركة (2)، وأما الأحاديث فظاهرها أَنَّ ثَمَّةَ آخرين
_________
= ليث بن أبي سليم، عن طلحة بن مصرف، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أشد أهل النار عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً أو قتله نبي، وإمام جائر، وهؤلاء المصورون".
قال أبو نعيم: "غريب من حديث طلحة وخيثمة، يقال: إنه من مفاريد أبي نباتة". اهـ
قلت: في إسناده ليث بن أبي سليم، ضعفه أبو حاتم، وقال الإمام أحمد: مضطرب الحديث. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (8/ 417).
الرابع: طريق أبي عبيدة، عن ابن مسعود، به:
أخرجه الدارقطني في العلل (5/ 403 - 405)، من طريق عمر بن شبة، عن أبي حذيفة، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، به، مرفوعاً.
وأخرجه في الموضع نفسه من طريق عمر بن شبة، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، به، موقوفاً.
قال الدارقطني - وقد سُئل عن الحديث -: "يرويه أبو إسحاق، واختُلِف عنه، فرواه زياد بن خيثمة، عن أبي إسحاق، مرفوعاً. ورفعه أيضاً أبو حذيفة، عن الثوري. ووقفه ابن مهدي، ويحيى القطان، وأبو أحمد الزبيري، عن الثوري. وكذلك رواه العلاء بن المسيب، وإبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، مرفوعاً. والموقوف أصح. ورواه حسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبد الله، موقوفاً. ولا يصح عن أبي وائل". اهـ
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 22)، والترمذي في سننه، في كتاب الأحكام، حديث (1329)، كلاهما من طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، به. وإسناده ضعيف؛ فيه عطية العوفي، ضعفه الإمام أحمد، وأبو حاتم الرازي. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (7/ 200).
(2) انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (1/ 98).
(1/433)
________________________________________
يشاركون آل فرعون في العذاب الأشد، وأنَّ آل فرعون غير مختصين بهذا العذاب، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآية والأحاديث. (1)

المبحث الرابع: المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:
لم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآية والأحاديث، ولهم في الجمع مذاهب:
الأول: أَنَّ الأشدِّية في الآية والأحاديث إنما هي باعتبار جنس المُعَذَّبين، لا باعتبار جنس العذاب، ففرعون أشد الناس عذاباً باعتبار المُدَّعين للإلهية، والمصورون أشد الناس عذاباً بالنسبة إلى غيرهم ممن لا يُصَوِّر، أو يُصَوِّرُ ولكن لغير العبادة، وهكذا.
وهذا مذهب: أبي العباس القرطبي، وأبي المحاسن الحنفي، والمناوي، وابن عثيمين. (2)
قال أبو العباس القرطبي: "قوله: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ" يقتضي أنْ لا يكون في النار أحدٌ يزيد عذابه على عذاب المصورين، وهذا يُعارضه قوله تعالى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة إمام ضلالة"، وأشباه ذلك، ووجه التوفيق: أَنَّ الناس الذين أُضيف إليهم أشد لا يُراد بهم كلُّ نوعِ الناس، بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المُتَوعّد عليه بالعذاب؛ ففرعون أشد المدعين للإلهية عذاباً، ومن يُقتدى به في ضلالة كفر أشد ممن يُقتدى به في
_________
(1) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (5/ 430)، وفتح الباري، لابن حجر (10/ 396 - 397)، وعمدة القاري، للعيني (12/ 39)، وفيض القدير، للمناوي (1/ 516 - 517)، والقول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (3/ 209).
(2) انظر على الترتيب: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (5/ 431)، ومعتصر المختصر، لأبي المحاسن الحنفي (2/ 237)، وفيض القدير، للمناوي (1/ 517)، والقول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (3/ 209).
(1/434)
________________________________________
ضلالة بدعة، والمصورون الذين يصورون الأصنام للعبادة - كما كانت الجاهلية تفعل، وكما يفعل النصارى - أشد عذاباً ممن يصورها لا للعبادة، وهكذا يعتبر هذا الباب". اهـ (1)
وقال أبو المحاسن الحنفي: "الصواب أنْ لا تعارض بين الأحاديث والآية، بل بعضها مخصصٌ للبعض؛ لأن التعارض إنما يكون في النصوص التي لا يمكن الجمع بينها، ولو جاءت هذه الأحاديث في نسق واحد لما تناقض الكلام، ويكون معنى الآية والأحاديث: أشد الناس عذاباً من الكفار: آل فرعون، أو من قتل نبياً أو قتله نبي، وأشد الناس عذاباً من المسلمين إمام ضلالة، أو مُشَبِّهٌ بخلق الله ... ". اهـ (2)
وقال ابن عثيمين: "الأشدية نسبية، يعني أَنَّ المصورين أشد الناس عذاباً بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر، لا بالنسبة لجميع الناس". اهـ (3)
المذهب الثاني: أَنَّ الأشدية في الآية إنما هي باعتبار جنس العذاب، والمعنى: أَنَّ آل فرعون هم أشد الناس عذاباً بالنسبة لنوع العذاب الذي هم فيه.
وهذا مذهب الإمام أحمد. (4)
المذهب الثالث: أَنَّ الآية ليس فيها ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد، وغيرهم - ممن يستحق مثل هذا العذاب - مشارك لهم في العذاب الأشد.
ذكر هذا الجواب الحافظ ابن حجر. (5)
_________
(1) المفهم (3/ 431)، باختصار.
(2) معتصر المختصر (2/ 237)، باختصار وتصرف يسير.
(3) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (2/ 282).
(4) الرد على الزنادقة والجهمية، للإمام أحمد (1/ 15).
(5) فتح الباري، لابن حجر (10/ 397).
(1/435)
________________________________________
المبحث الخامس: الترجيح:
التحقيق في هذه المسألة أَنَّ لفظ: "أشد الناس عذاباً"، لا يَثْبُتُ إلا في حديثي عائشة وابن مسعود، الواردين في المصورين، وأما بقية الأحاديث فلا يثبت فيها هذا اللفظ:
أما حديث خالد بن الوليد، وهشام بن حكيم، فقد اضطرب الرواة في لفظه، وأصح رواياته ما جاء بلفظ: "إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا"، وليس في هذا اللفظ ما يُوهِمُ مُعارضة الآية.
وأما حديث ابن مسعود الآخر فقد اختُلِفَ في وقفه ورفعه، وهذا الاختلاف يدل على عدم ضبط الرواة له، وهو موجب للتوقف في قبوله بهذا اللفظ.
وأما حديث أبي سعيد الخدري، فضعيف.
وقد بينت بالتفصيل ما في هذه الأحاديث من علل في أثناء تخريجي لها في أول المسألة.
والذي يظهر لي أنْ لا تعارض بين كون آل فرعون في أشد العذاب، وكون المصورين أشد الناس عذاباً يوم القيامة؛ ذلك أَنَّ الأحاديث ذكرت بعض أوصاف المستحقين للعذاب الأشد، وهم المصورون، والآية ذكرت أشخاصاً بعينهم، وهم آل فرعون، والعلة الموجبة لعذاب هؤلاء وهؤلاء هي مضاهاة الله، وهي التي استحقوا بها العذاب الأشد.
وقد أشارت بعض روايات أحاديث التصوير لهذه العلة؛ فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ (1)
__________
(1) المضاهاة: هي التشبيه، ومعنى الحديث أنهم يُشبِّهون ما يصنعونه بما يصنعه الله، وقد جاء ذلك مفسراً في رواية مسلم، وفيه: "إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ". انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 61)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (3/ 106)، وفتح الباري، لابن حجر (10/ 401).
(1/436)
________________________________________
بِخَلْقِ اللَّهِ". (1)، وجاء في حديثٍ آخر التنصيص على هذه العلة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً". (2)، وهذه العلة - أعني المضاهاة - موجودة في كل من نازع الله في شيء من خصائصه؛ كمنازعته تعالى في ربوبيته، أو ألوهيته، أو في شيء من صفاته أو أفعاله، والعذاب الأشد عام لكل من وُجِدَ فيه شيء من هذه المنازعة، وفرعونُ داخلٌ في هذا الوعيد قطعاً، لادعائه الألوهية، والتي هي من أعظم خصائص الله تعالى، فهو مضاهٍ لله تعالى في هذه الدعوى، وكذا قوم فرعون فإنهم لما أطاعوه، واتخذوه إلهاً من دون الله، استحقوا العذاب الأشد.
وثمة أمرٌ آخر استحقوا به هذا الوعيد، وهو ما اشتهروا به من نحت التماثيل، وادعائهم القدرة على مضاهاة الله في صنعها؛ فإن هذا موجب لكونهم في العذاب الأشد، كما جاء في أحاديث التصوير.
ومما يؤكد أَنَّ العلة في الأحاديث هي المضاهاة: أَنَّ الوعيد الوارد في أحاديث التصوير يمتنع حمله على ظاهره في عموم المسلمين (3)؛ لأن من فعل التصوير من المسلمين - مع علمه بتحريمه - إنما يكون فاعل كبيرة فقط، فكيف يكون عذابه أشد من عذاب الكفار والمنافقين، ومعه أصل التوحيد؟ فدل على أَنَّ هذا الوعيد الأشد إنما هو في حق من ادعى القدرة على مضاهاة الله في خلقه، فإنه يكفر بذلك، ويكون مستحقاً للعذاب الأشد، وقد أشار إلى ذلك
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - واللفظ له - في كتاب اللباس، حديث (5954)، ومسلم في صحيحه، في كتاب اللباس والزينة، حديث (2107)، وفيه زيادة "من"، ولفظه: "إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ"، ورواه من وجه آخر بلفظ: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا ... "، ولَمْ يَذْكُرْ "مِنْ".
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (7559)، ومسلم في صحيحه، في كتاب اللباس والزينة، حديث (2111).
(3) أعني الوعيد بالعذاب الأشد، وإلا فإن التصوير بحد ذاته يُعد كبيرة من كبائر الذنوب، وصاحبه مستحق للعذاب، لكن عذابه دون عذاب من فعله قاصداً به مضاهاة الله تعالى.
(1/437)
________________________________________
الإمام الطبري، فقال: "المراد بالحديث من يُصَوِّرُ ما يعبد من دون الله وهو عارف بذلك، قاصداً له؛ فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أنْ يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد ذلك فإنه يكون عاصياً بتصويره فقط". اهـ (1)
***
_________
(1) نقله عنه: الحافظ ابن حجر في الفتح (10/ 397)، وبنحوه قال القاضي عياض في إكمال المعلم
(6/ 638)، والنووي في شرح مسلم (14/ 132).
(1/438)
________________________________________
المسألة [28]: فِي إخباره - صلى الله عليه وسلم - بعدم جدوى تَأْبِيرِ النَّخْلِ.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى في وصف نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)) [النجم: 3 - 4].

المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:
(59) ـ (51): عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - قَالَ: "مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا. قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ؛ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". (1)
(60) ـ ( .. ): وَعَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا (2)، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: مَا
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (2361).
(2) الشيص: هو التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى، وقد لا يكون له نوى أصلاً. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (2/ 518).
(1/439)
________________________________________
لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ". (1)

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:
ظاهِرُ الآيةِ الكريمةِ أَنَّ كل ما يقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو وحي من الله تعالى، وأما الحديث فيُوهِمُ خلاف هذا الظاهر؛ إذ فيه أَنَّ ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في قضية تأبير النخل إنما كان عن اجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم -، بدليل تراجعه عن رأيه هذا لما تبين له خِلافُه. (2)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:
أجمع المسلمون قاطبة على أَنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولاسيما خاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم - معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله عز وجل من أحكام، كما قال عز وجل: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4))، فنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - معصوم في كل ما يبلغه عن الله تعالى من الشرائع، قولاً، وعملاً، وتقريراً. (3)
واتفق العلماء على جواز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا. (4)
واختلفوا في جواز الاجتهاد له في أمور الدين على مذهبين:
الأول: الجواز، وعلى هذا المذهب عامة أهل الأصول، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وعامة أهل الحديث.
المذهب الثاني: المنع، وهو مذهب الأشعرية، وأكثر المعتزلة،
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (2363).
(2) انظر حكاية التعارض في: أضواء البيان، للشنقيطي (10/ 277).
(3) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 78)، ومجموع فتاوى ابن باز (6/ 291).
(4) حكى الاتفاق البخاري في "كشف الأسرار" (3/ 205).
(1/440)
________________________________________
والمتكلمين. (1)
وأما حديث الباب - الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية - فإنَّ للعلماء في دفع التعارض بينه وبين الآية مسلكاً واحداً، وهو مسلك الجمع بينهما، والذي عليه جماهير أهل العلم من مفسرين ومحدثين - ولم أقف على قولٍ بخلافه -: أَنَّ معنى قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)) أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق بشيء من أجل الهوى، ولا يتكلم بالهوى، وقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)) يعني أَنَّ كل ما ينطق به من أمور الدين فهو وحي من الله؛ فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - معصومٌ عن الخطأ في كل ما يُبَلِّغُه عن الله تعالى من أمور الدين، كالأحكام الشرعية، وإخباره عن أمور الغيب والأمم الماضية، وأما قضية التأبير الواردة في حديث الباب فهي من أمور الدنيا التي لا تعلق لها بالدين، ورأيه - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا كغيره من الناس، فلا يمتنع وقوع الخطأ منه، ولا يَقْدحُ ذلك في معجزته - صلى الله عليه وسلم -، ولا يقلل من شأنه.
وممن قال بهذا الجواب:
الطحاوي، وابن حزم، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي، والنووي، والبيضاوي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والمناوي، والآلوسي، والشنقيطي، وابن باز، وابن عثيمين. (2)
قال ابن الجوزي: اعلم أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتكلم بأشياء على سبيل الظن
_________
(1) انظر: كشف الأسرار، للبخاري (3/ 205)، والفصول في الأصول، للجصاص (3/ 239).
(2) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (2/ 426)، والإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (5/ 130)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 114 - 115)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (3/ 252 - 253)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (6/ 167)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (15/ 169 - 170)، وتفسير البيضاوي (5/ 151)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (15/ 186)، ومفتاح دار السعادة، لابن القيم (2/ 267)، وفيض القدير، للمناوي (2/ 567)، وروح المعاني، للآلوسي (13/ 90 - 91)، وأضواء البيان، للشنقيطي (10/ 277)، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (6/ 291)، وتفسير سورة البقرة، لابن عثيمين (3/ 411).
(1/441)
________________________________________
والقياس، والظن والقياس دليل معمول عليه، ولا يُنْسَبُ إلى الخطأ من عمل على دليل، وقوله في حديث التأبير: "مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا"، وقوله: "إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ"، يدل على أنه قاله بالظن، ولذلك اعتذر عنه. اهـ (1)
وقال الشنقيطي: "التحقيق في هذه المسألة أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ربما فعل بعض المسائل من غير وحي في خصوصه؛ كإذنه للمتخلفين عن غزوة تبوك، قبل أنْ يَتَبيّنَ صادقهم من كاذبهم (2)، وكأسْرِه لأسارى بدر (3)،
وكأمره بترك تأبير النخل، وكقوله: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ" (4)، إلى غير ذلك، وأن
_________
(1) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (3/ 252 - 253)، بتصرف.
(2) أخرج ابن جرير في تفسيره (6/ 381)، عن عمرو بن ميمون الأودي - رضي الله عنه - قال: "اثنتان فعلهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى؛ فأنزل الله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)) [التوبة: 43].
(3) عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: "لَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ قال: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ - نَسِيبًا لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا .. قال عمر: فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) إِلَى قَوْلِهِ: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) [الأنفال: 67 - 69] فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ".
أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (3309).
(4) عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا".
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (6688).
(1/442)
________________________________________
معنى قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)) لا إشكال فيه؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق بشيء من أجل الهوى، ولا يتكلم بالهوى، وقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)) يعني أَنَّ كل ما يبلغه عن الله فهو وحي من الله، لا بهوى ولا بكذب ولا افتراء، والعلم عند الله تعالى". اهـ (1)

المبحث الخامس: الترجيح:
ما ذكره الجمهور في هذه المسألة هو المتعين جمعاً بين الآية والحديث، وحسب اطلاعي فإني لم أقف على قولٍ بخلافه؛ فكان له حكم الاتفاق.
وأمَّا أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله فتحرير القول فيها أنها على قسمين:
الأول: ما كان في أمر الشريعة والتبليغ عن الله تعالى، وهذا له حالتان:
1 - أنْ يكون بوحي من الله تعالى، وهذا لا مجال للخطأ فيه، وهو الذي يسميه العلماء الخبر المعصوم، وعليه تُحمل الآية الواردة في المسألة.
2 - أنْ يكون باجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لا يخلو إمَّا أنْ يُقرَّ عليه، أو يُنَبَّه إلى الصواب، وهو في كلا الحالتين في حكم الوحي؛ أما الحالة الأولى فلإقرار الله له، وأما الثانية فلتصويب الله إياه.
القسم الثاني: ما كان من أمور الدنيا، وهذا حكمه أنْ لا تعلق له بالرسالة والتبليغ، بل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه كسائر الناس، في جواز الخطأ والصواب عليه، وعليه يحمل ما جاء في قضية تأبير النخل، وغيرها من الحوادث التي وقعت باجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم -. (2)
ومما يؤكد هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث التأبير: "إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا
_________
(1) أضواء البيان، للشنقيطي (10/ 277).
(2) انظر: أحكام القرآن، للجصاص (2/ 392)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 73)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (15/ 190)، ومفتاح دار السعادة، لابن القيم (2/ 267)، وقواعد التحديث، للقاسمي (1/ 269).
(1/443)
________________________________________
تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ؛ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". (1) وفي رواية: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ". (2) وفي رواية أخرى: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ". (3) فهذا نصٌ جَلِيٌّ منه - صلى الله عليه وسلم - في جواز الخطأ عليه في أمور الدنيا، وأنَّ ما قاله في قضية التأبير إنما كان باجتهادٍ محضٍ منه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن بوحي من الله تعالى، وهو نَصُّ قولنا، وبالله تعالى التوفيق.
_________
(1) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(2) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (2362).
(1/444)
________________________________________
المسألة [29]: في انتفاع الأموات بسعي الأحياء.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)) [النجم: 39].

المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:
(61) ـ (52): عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ (1) نَفْسُهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا". (2)
_________
(1) افْتُلِتَتْ: أي ماتت فجأة، وأُخِذَتْ نفسها فلته. يُقال: افْتَلتَه إذا استلبه، وافْتُلِتَ فلانٌ بكذا، إذا فُوجئ به قبل أنْ يستعد له. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (3/ 467).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوصايا، حديث (2760)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الوصية، حديث (1004). واللفظ للبخاري.
وفي الباب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوصايا، حديث (2756).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ". أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الوصية، حديث (1630).
(1/445)
________________________________________
(62) ـ (53): وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ". (1)
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (1952)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (1147).
وفي الباب عن بريدة بن الحصيب، وابن عباس - رضي الله عنهما -:
أما حديث بريدة: فأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (1149)، عن بُرَيْدَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: "بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ. قَالَ: فَقَالَ: وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْهَا. قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا".
وأما حديث ابن عباس؛ فقد رُوي عنه من طريقين:
الأول: طريق عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به.
وفيه أن السؤال وقع عن نذر مطلق، ولم يُقَيَّد بصوم أو حج.
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوصايا، حديث (2761)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (1638)، كلاهما من طريق ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ؟ فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا".
الثاني: طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.
وقد اضطرب الرواة في نقله؛ ومن هذا الاضطراب وقع الخلاف بين العلماء - في حكم الصوم عن الميت - وسأذكر طرق الحديث، وبيان اختلاف ألفاظه، ووجه الجمع أو الترجيح بينها:
اللفظ الأول: وفيه أن السؤال وقع عن صوم شهر، دون تحديد لنوع الصوم، ولا لنوع الشهر.
جاء ذلك من رواية زَائِدَة، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: َ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى".
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (1953)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (155) - (1148).
وقوله: "جاء رجل" هكذا رواه زائدة، وتابعه عبثر بن القاسم، وموسى بن أعين، وروايتهما عند النسائي في السنن الكبرى (2/ 173 - 174)، والجراح بن الضحاك، وروايته عند الطبراني في المعجم الكبير (12/ 15)، وخالفهم: عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وأَبُو مُعَاوِيَةَ، ويَحْيَى بْنُ سَعِيد، فرووه عن الأعمش: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: "إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ".
أخرج رواية عيسى بن يونس: مسلم في صحيحه، في كتاب =
(1/446)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الصيام، حديث (154) - (1148).
وأخرج رواية يحيى بن سعيد، وأبي معاوية: البخاري - تعليقاً - في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (1953)، ووصله عنهما الإمام أحمد في مسنده (1/ 224) و (1/ 227)، وأبو داود في سننه، في كتاب الأيمان والنذور، حديث (3310).
ورُوي من طرق أخرى عن سعيد بن جبير، وليس فيها أن السائل رجل، وسيأتي ذِكْرُ بعضٍ منها.
اللفظ الثاني: وفيه أن السؤال وقع عن صوم شهرين متتابعين.
جاء ذلك من رواية أَبي خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَحَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ".
أخرجه الترمذي في سننه، في كتاب الصوم، حديث (716)، وأخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الصيام، حديث (1758)، بالإسناد نفسه؛ إلا أنه زاد: عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد، وعطاء، ومجاهد، به.
وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (155) - (1148)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ .... ، فذكره بإسناده، ولم يسق متنه.
وأخرجه أبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم (3/ 224)، من طريق أبي سعيد الأشج، بسنده ومتنه.
قال الترمذي: "سَمِعْت مُحَمَّدًا - يعني البخاري - يَقُولُ: جَوَّدَ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْأَعْمَشِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ رَوَى غَيْرُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ.
قَالَ الترمذي: وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، ٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ، وَلَا عَنْ عَطَاءٍ، وَلَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَاسْمُ أَبِي خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حَبَّانَ". اهـ
قلت: في رواية أبي خالد هذه علتان:
الأولى: قوله: "إنَّ أختي"، وقوله: "شهرين متتابعين":
أما قوله: "شهرين متتابعين" فلم يُتابعه عليها أحد، إلا ما رواه أحمد بن علي بن ثابت البغدادي في كتابه "الفصل للوصل المدرج" (2/ 889)، فإنه رواه من طريق إبراهيم بن محمد الفزاري، عن الأعمش، به.
وأما قوله: "أختي" فقد تابعه مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - ولكن بسياق مختلف - عن شُعْبَةَ، عن الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: "رَكِبَتْ امْرَأَةٌ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا". أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 338)، وكذا رواه عمرو بن مرزوق، عن شعبة، كما عند الطبراني في المعجم الكبير (12/ 14)، ورواه أبو =
(1/447)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= داود الطيالسي في مسنده (1/ 342)، عن شعبة، في قصة البحر أيضاً، ويبدو أن رواية البحر قصة أخرى، وما رواه أبو خالد في حديث ابن عباس المتقدم، قصة مغايرة لهذه، وذكره للأخت هو مما تفرد به في هذه القصة، إذ سائر الرواة على خلاف روايته، كما تقدم في بعض الطرق، وكما سيأتي في بقية الطرق الأخرى.
العلة الثانية: أنه اضطرب في إسناد الحديث، فجمع بين شيوخ الأعمش الثلاثة، مسلم البطين، وسلمة بن كهيل، والحكم بن عتيبة، فحدث به عنه عنهم عن شيوخٍ ثلاثة، فيُحتمل أن كل واحد من شيوخ الأعمش حدث عن الثلاثة، ويحتمل أن يكون شيخ الحكم عطاء، وشيخ البطين سعيداً، وشيخ سلمة مجاهداً.
وقد رواه على الصواب عبد الرحمن بن مغراء، فرواه عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وعن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عباس. وعن الحكم بن عتيبة، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أتته امرأة فقالت: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: "أرأيت لو كان عليها دين، أكنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يُقضى". أخرجه النسائي في السنن الكبرى (2/ 174).
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري، ص (20 - 21): "وقد تفرد أبو خالد - سليمان بن حبان الأحمر بهذا السياق - وخالف فيه الحفاظ من أصحاب الأعمش". اهـ
وقال في تغليق التعليق (3/ 193): "والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كبير جداً، والاضطراب موجب للضعف، إذا تساوت وجوه الاضطراب، لكن اعتمد الشيخان رواية زائدة لحفظه، فرجحت على باقي الروايات، هكذا سمعت شيخنا الحافظ أبا الفضل بن الحسين يقول لما سألته عنه". اهـ
اللفظ الثالث: وفيه أن السؤال وقع عن صوم خمسة عشر يوماً.
جاء ذلك من رواية أَبي حَرِيزٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم خمسة عشر يوماً. قال: "أرأيت لو أن أمك ماتت وعليها دين، أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: اقضي دين أمك".
أخرجه البخاري - معلقاً - في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (1953)، ووصله ابن خزيمة في صحيحه (3/ 271)، والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 256).
ولم يأتِ ذكر "خمسة عشر يوماً" إلا من هذه الطريق.
اللفظ الرابع: وفيه أن السؤال وقع عن صوم شهر رمضان.
جاء ذلك من رواية ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ الْأَعْمَشَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: "أَرَأَيْتَكِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى".
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 362)، إلا أن ابن نُمَيْرٍ لم يتابع في قوله: "رمضان"، خالفه زائدة، وعيسى بن يونس، وأبو معاوية، ويحيى بن =
(1/448)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= سعيد، فقالوا جميعاً: "صوم شهر"، وقد تقدم تخريج الطرق عنهم.
اللفظ الخامس: وفيه أن السؤال وقع عن صوم نذر.
جاء ذلك من رواية عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عن الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ".
أخرجه البخاري - معلقاً - في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (1935)، وأخرجه - موصولاً - مسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (156) - (1148).
ورُوي بلفظ آخر من طريق مُحَمَّد بْنِ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ (الأعمش) يُحَدِّثُ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: "رَكِبَتْ امْرَأَةٌ الْبَحْرَ، فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا". أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 338)، والنسائي في السنن الصغرى، في كتاب الأيمان والنذور، حديث (3816).
اللفظ السادس: وفيه أن السؤال وقع عن نذر حج.
جاء ذلك من رواية أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، به.
وقد اختُلف فيه على أبي بشر، فرواه شعبة، عنه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاقْضِ اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأيمان والنذور، حديث (6699).
ورواه أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (1852)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث (7315).
ورُوي من طريق آخر عن ابن عباس ولم يُخْتَلف عليه فيه، جاء ذلك من رواية أَبي التَّيَّاحِ (يزيد بن حميد)، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: أَمَرَتْ امْرَأَةُ سِنَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيَّ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُمِّهَا تُوُفِّيَتْ وَلَمْ تَحْجُجْ، أَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ فَقَضَتْهُ عَنْهَا أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْ أُمِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلْتَحْجُجْ عَنْ أُمِّهَا". أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 279)، والنسائي في السنن الصغرى، في كتاب مناسك الحج، حديث (2633). =
(1/449)
________________________________________
(63) ـ (54): وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ (1) جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ". (2)
_________
= ووقع عند النسائي "سنان بن سلمة"، والصواب "سنان بن عبدالله"، كما صَوَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (4/ 78).
النتيجة:
وبعد هذا الاستطراد في ذكر طرق الحديث وألفاظه يحسن بنا ذكر النتيجة والخلاصة من ذلك:
رُوي حديث ابن عباس من ثلاث طرق:
الأول: طريق عبيد الله بن عبد الله، عنه. وفيه أن السؤال وقع عن نذر مطلق، ولم يُختلف فيه على عبيد الله.
والثاني: طريق موسى بن سلمة، عن ابن عباس. وفيه أن السؤال وقع عن امرأة لم تحج، ولم يُختلف فيه على موسى بن سلمة.
والثالث: طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقد اضطرب الرواة في نقله عن سعيد بن جبير، فمنهم من قال: إنَّ السائل امرأة. ومنهم من قال: رجل: ومنهم من قال: إنَّ السؤال وقع عن نذر. ومنهم من فسره بالصوم. ومنهم من فسره بالحج. وقد رجح الإمام ابن عبد البر في التمهيد
(9/ 26 - 27)، وتبعه الحافظ ابن حجر في الفتح (4/ 230) أن للحديث قصتين، وأيد الحافظ ذلك: بأن السائلة في نذر الصوم خثعمية، كما في رواية أبي حريز، والسائلة عن نذر الحج جهنية، كما في رواية أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير. قال: "وقد روى مسلم - من حديث بريدة - أن امرأة سألت عن الحج وعن الصوم معاً. قال: وأما الاختلاف في كون السائل رجلاً أو امرأة، والمسؤل عنه أختاً أو أماً فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث؛ لأن الغرض منه مشروعية الصوم أو الحج عن الميت، ولا اضطراب في ذلك". اهـ
وسيأتي ذكر مناقشة العلماء لهذا الحديث، وسأبين رأيي فيه في مبحث الترجيح، إن شاء الله تعالى.
(1) جُهَيْنَةُ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مُصَغَّرًا - هُمْ: بَنُو جُهَيْنَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ أَسْوَدَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ. وَاخْتُلِفَ فِي قُضَاعَةَ، فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُمْ مِنْ حِمْيَرَ، فَيَرْجِعُ نَسَبُهُمْ إِلَى قَحْطَانَ. وَقِيلَ: هُمْ مِنْ وَلَدِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ. انظر: فتح الباري، لابن حجر (6/ 627 - 628).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (1852). وفي الباب عَنْ بُرَيْدَةَ - رضي الله عنه -، وقد تقدم.
(1/450)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:
ظاهر الآية الكريمة أنَّ الميت ليس له من ثواب الأعمال إلا ما سعى إليه بنفسه في حياته، وأَنَّه لو أَهْدَى إليه أحدٌ من الأحياء ثواب عمله لم ينتفع به، وأما الأحاديث فظاهرها يدل على انتفاع الميت بالصدقة، والصوم، والحج، وأنَّ ثواب هذه الأعمال يصل إلى الميت، إذا أُهْدِيَتْ إليه من الأحياء، وهذا يُوهِمُ الاختلاف والتناقض بين الآية والأحاديث. (1)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:
للعلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث مسلكان:
الأول: مسلك الجمع بين الآية والأحاديث:
وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الجمع على مذاهب:
الأول: مذهب إعمال حديث الصدقة، وتأويل الآية.
وهذا محل إجماع بين علماء أهل السنة، حيث أجمعوا على وصول ثواب الصدقة إلى الميت مطلقاً، سواء كانت من ولده أو من غيره، حكى الإجماع: ابن عبد البر، والنووي، وغيرهم. (2)
_________
(1) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: الناسخ والمنسوخ، للنحاس (3/ 46)، والكشاف، للزمخشري (4/ 417)، والناسخ والمنسوخ، لابن العربي (2/ 379)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (3/ 524 - 525)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 444)، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (89)، ومجموع الفتاوى (7/ 499)، (18/ 143)،
(24/ 311)، وتفسير آيات أشكلت (1/ 458)، كلاهما لابن تيمية، والروح، لابن القيم، ص (337)، وسبل السلام، للصنعاني (2/ 370)، وروح المعاني، للآلوسي (27/ 93)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (3/ 400).
(2) انظر: التمهيد، لابن عبد البر (22/ 153)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي =
(1/451)
________________________________________
الثاني: مذهب إعمال حديث الصوم، وتأويل الآية.
وهذا مذهب الإمام أحمد (1)، وعلَّق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث، فقال: "قد رُوي في الصوم عن الميت شيء؛ فإنْ كان ثابتاً صِيمَ عنه، كما يُحَجُّ عنه". اهـ (2)
وهو قول: الربيع بن أنس، وطاووس، والحسن البصري، والزهري، وقتادة، وأبي ثور، والليث، وإسحاق، وأبي عبيد. (3)
واختاره: ابن خزيمة، والنحاس، وابن حبان، وابن حزم، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن عطية، وابن الجوزي، والفخر الرازي، وابن قدامة، وأبو العباس القرطبي، وعز الدين بن عبد السلام، وأبو عبد الله القرطبي، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والآلوسي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (4)
_________
= عياض (5/ 371)، والمغني، لابن قدامة (2/ 225)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 49)، وتفسير القرطبي (17/ 75)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (1/ 133) و (11/ 121)، وتفسير ابن كثير (4/ 276).
(1) انظر: مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله، ص (186)، ومسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود السجستاني، ص (96)، والمغني، لابن قدامة (3/ 39)، والإنصاف، للمرداوي (3/ 334).
(2) انظر: السنن الكبرى، للبيهقي (4/ 256)، والمجموع، للنووي (6/ 415)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (8/ 38)، وفتح الباري، لابن حجر (4/ 228).
(3) انظر: سنن البيهقي الكبرى (4/ 256)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (8/ 38)، وزاد المسير، لابن الجوزي (7/ 285).
(4) انظر على الترتيب: صحيح ابن خزيمة (3/ 270)، والناسخ والمنسوخ، للنحاس (3/ 45)، وصحيح ابن حبان (8/ 334 - 335)، والمحلى، لابن حزم (4/ 421)، وسنن البيهقي الكبرى (4/ 256)، والتمهيد، لابن عبد البر (9/ 29)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (5/ 207)، والتحقيق في أحاديث الخلاف، لابن الجوزي (2/ 97 - 98)، ومفاتيح الغيب، للرازي (29/ 14)، والمغني، لابن قدامة
(2/ 250)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 210)، وقواعد الأحكام، لابن عبد السلام (1/ 134)، وتفسير القرطبي (17/ 75)، والتذكرة، للقرطبي، ص (89 - 90)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (7/ 498)، والمجموع (6/ 418)، وشرح =
(1/452)
________________________________________
حيث ذهب هؤلاء إلى وصول ثواب الصوم إلى الميت، على اختلاف بينهم في نوع الصوم، فبعضهم أطلق فيه، فجعله شاملاً لصوم النذر، وقضاء رمضان، والكفارات الواجبة، وغيرها، والبعض الآخر قيَّدَه بالنذر، فلا يُصام عن الميت إلا ما نذره في حياته، ولم يَفِ به.
الثالث: مذهب إعمال حديث الحج، وتأويل الآية.
وهذا مذهب: مالك في رواية (1)، وأبي حنيفة (2)، والشافعي (3)، وأحمد (4).
ورُوي عن عكرمة، والربيع. (5)
واختاره: ابن خزيمة، والنحاس، وابن حبان، والخطابي، ومكي بن أبي طالب - إلا أَنَّه اشترط أنْ يوصي الميت - وابن حزم، وابن عبد البر، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن عطية، والفخر الرازي، وابن قدامة، وأبو العباس القرطبي، وعز الدين بن عبد السلام، وأبو عبد الله القرطبي،
_________
= صحيح مسلم (8/ 38)، كلاهما للنووي، والروح، لابن القيم، ص (297 - 347)، وحاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (7/ 27)، ونيل الأوطار، للشوكاني (4/ 113)، وروح المعاني، للآلوسي (27/ 94)، وتيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (1392)، وأضواء البيان، للشنقيطي (10/ 278)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (3/ 401)، والشرح الممتع، له (5/ 467)، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (19/ 395).
(1) ذهب الإمام مالك في أحد أقواله إلى جواز الحج عن الميت، بشرط أن يوصي الميت بالحج عنه، أو يكون الميت لم يحج حجة الإسلام. انظر: المدونة، للإمام مالك (1/ 485)، والتمهيد، لابن عبد البر (9/ 134)، والمنتقى شرح الموطأ، للباجي (2/ 271)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (4/ 439)، وتفسير القرطبي (17/ 75).
(2) انظر: المبسوط، للسرخسي (4/ 147)، وبدائع الصنائع، للكاساني (2/ 222)، والتمهيد، لابن عبد البر (9/ 135).
(3) انظر: الأم (2/ 125)، واختلاف الحديث، ص (561)، كلاهما للشافعي، والمجموع (7/ 93)، وشرح صحيح مسلم (8/ 39) و (9/ 141)، كلاهما للنووي.
(4) انظر: مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله، ص (236)، ومسائل الإمام أحمد، رواية إسحاق بن إبراهيم النيسابوري (1/ 175)، والمغني، لابن قدامة (2/ 225)، والفروع، لابن مفلح (3/ 249)، والإنصاف، للمرداوي (3/ 336).
(5) انظر: زاد المسير، لابن الجوزي (7/ 285).
(1/453)
________________________________________
والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والآلوسي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (1)
ومذهب هؤلاء جميعاً جواز الحج عن الميت، وأَنَّ ثواب الحج يصل إليه، وينتفع به.
أجوبة القائلين بإعمال الأحاديث عن الآية الكريمة:
اختلف القائلون بإعمال أحاديث الصدقة والصوم والحج، في الجواب عن قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39))، فذكروا أجوبة، منها:
الأول: تخصيص الآية بالأحاديث، فالآية دلَّت بعمومها على أَنَّ أحداً لا ينتفع بسعي غيره، إلا أَنَّ هذا العموم مخصوصٌ بالأحاديث الدالة على انتفاع الميت بالصدقة، والصوم، والحج.
ذكر هذا الجواب: ابن خزيمة، وابن حزم، والقاضي عياض، وابن قدامة، وعز الدين بن عبد السلام، والنووي، والحافظ ابن حجر، والعيني، والشوكاني. (2)
_________
(1) انظر على الترتيب: صحيح ابن خزيمة (4/ 341)، والناسخ والمنسوخ، للنحاس (3/ 45 - 46)، وصحيح ابن حبان (9/ 305 - 306)، وأعلام الحديث، للخطابي (2/ 831)، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، لمكي بن أبي طالب، ص (423 - 424)، والمحلى، لابن حزم (5/ 42)، والتمهيد، لابن عبدالبر (9/ 143)، وعارضة الأحوذي، لابن العربي (4/ 125)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (4/ 440)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (5/ 207)، ومفاتيح الغيب، للرازي
(29/ 14)، والمغني، لابن قدامة (2/ 250)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي
(3/ 210)، وقواعد الأحكام، لابن عبد السلام (1/ 134)، وتفسير القرطبي (17/ 75)، والتذكرة، للقرطبي، ص (89 - 90)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (8/ 39) و (9/ 140)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (7/ 498)، والروح، لابن القيم، ص (297 - 347)، ونيل الأوطار، للشوكاني
(4/ 113)، وروح المعاني، للآلوسي (27/ 94)، وتيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (1392)، وأضواء البيان، للشنقيطي (10/ 278)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (3/ 401)، والشرح الممتع، له (5/ 467)، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (2/ 312 - 313).
(2) انظر على الترتيب: صحيح ابن خزيمة (4/ 341)، والمحلى، لابن حزم (4/ 422)، =
(1/454)
________________________________________
الجواب الثاني: أَنَّ الآية إنما دلَّت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تَدُل على نفي انتفاعه بسعي غيره؛ لأَنَّه لم يقل: "وأنْ لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى"، وإنما قال: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)) [النجم: 39]، وبين الأمرين فرقٌ ظاهر؛ لأَنَّ سعي الغير ملكٌ لساعيه، إنْ شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإنْ شاء أبقاه لنفسه. (1)
ذكر هذا الجواب: النحاس، وابن عطية، والفخر الرازي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والآلوسي، وعبد الرحمن السعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (2)
الجواب الثالث: أَنَّ حكم الآية مُختصٌ بقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سُعِيَ لهم، كما دلَّت عليه أحاديث الباب.
قاله عكرمة. (3)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا ضعيف؛ لأَنَّ الله تعالى إنما ذكر هذا ليختبر به هذه الأمة، ولِيَعْلَمُوا أَنَّ هذا حكمٌ شاملٌ، ولو كان هذا مخصوصاً بقوم إبراهيم وموسى لم تقم به حجةٌ على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وجميع
_________
= وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (5/ 371)، والمغني، لابن قدامة (2/ 226)، وقواعد الأحكام، لابن عبد السلام (1/ 134)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (11/ 121)، وفتح الباري، لابن حجر (5/ 458)، وعمدة القاري، للعيني (14/ 55)، ونيل الأوطار، للشوكاني (4/ 112).
(1) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (7/ 709) و (10/ 278).
(2) انظر على الترتيب: الناسخ والمنسوخ، للنحاس (3/ 48)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (5/ 207)، ومفاتيح الغيب، للرازي (29/ 14)، ومجموع الفتاوى (7/ 499) و (18/ 143) و (24/ 312)، وتفسير آيات أشكلت (1/ 467 - 468)، كلاهما لابن تيمية، والروح، لابن القيم، ص (320)، وروح المعاني، للآلوسي (27/ 94)، وتيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (1392)، وأضواء البيان، للشنقيطي (7/ 709) و (10/ 278)، والشرح الممتع (5/ 467)، وتفسير سورة البقرة (3/ 400)، كلاهما لابن عثيمين، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (2/ 310 - 311).
(3) انظر: تفسير البغوي (4/ 254)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (5/ 206)، وزاد المسير، لابن الجوزي
(7/ 285).
(1/455)
________________________________________
المسلمين يحتجُّون بما في هذا، فمن أين لهم أَنَّ تلك الأمم لم تكن تنفعهم الصدقة عنهم بعد الموت .... ، وما زال الدعاء والشفاعة نافِعَين لجميع الأمم، فإبراهيم وموسى والأنبياء قد دعوا للصالحين من قومهم، وهو نافع لهم، وليس من سعيهم، والملائكة يستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين، ممن مضى ومن بقي". اهـ (1)
الجواب الرابع: أَنَّ المراد بالإنسان في الآية: الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى وما سُعيَ له، كما دلت عليه أحاديث الباب.
قاله الربيع بن أنس. (2)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا أيضاً ضعيف جداً؛ فإنَّ الذي في صحف إبراهيم وموسى لا يختصُّ به الكافر، وقوله بعده: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)) [النجم: 39] الآيات، يتناول المؤمن قطعاً، وهو ضمير الإنسان. بل لو قيل: إنه يتناول المؤمن دون الكافر لكان أرجح من العكس، مع أَنَّ حكم العدل لا فرق فيه بين مؤمن وكافر، وما استحقه المؤمن بخصوصه؛ فهو بإيمانه ومن سعيه". اهـ (3)
الجواب الخامس: أَنَّ الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: 21].
رُوي ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - من طريق علي بن أبي طلحة - في قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)) - قال ابن عباس: "فأنزل الله بعد هذا: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: 21]، قال: فأدخل الله تعالى الأبناء بصلاح الآباء الجنة". (4)
_________
(1) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 461 - 462)، وانظر: الروح، لابن القيم، ص (315).
(2) انظر: تفسير البغوي (4/ 254)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (5/ 206)، وزاد المسير، لابن الجوزي
(7/ 285).
(3) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 463)، وانظر: مفاتيح الغيب، للرازي (29/ 14)، والروح، لابن القيم، ص (313)، وأضواء البيان، للشنقيطي (10/ 278).
(4) أخرجه ابن جرير في تفسيره (11/ 534)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (3/ 36)، =
(1/456)
________________________________________
واعتُرِضَ: بأَنَّ لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ. (1)
إلا أَنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية لا يرى أَنَّ هذا المروي عن ابن عباس يدخل في النسخ، حيث قال: "اللفظ المنقول عن ابن عباس: رواه علي بن أبي طلحة الوالبي، عنه - وقد قيل: إنه لم يسمعه منه، بل من أصحاب ابن عباس - قال: "فأدخل الله الأبناء بصلاح الآباء الجنة"، ولم يذكر نسخاً، ولو ذكره فمراد الصحابة بالنسخ: هو المذكور في قوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) [الحج: 52]، وهو فَهْمُ معنى الآية على غير الصواب والمراد بها.
فقد بيَّن ابن عباس أَنَّه لم يُرِدْ بهذه الآية أَنَّ الإنسان لا ينتفع بعمل غيره، فإنَّ الأبناء انتفعوا بعمل آبائهم، فهذا نسخٌ لما فُهِمَ منها، لا لما دلَّت عليه، وهذا القول المنقول عن ابن عباس أحسن ما قيل فيها، وقد ضعَّفه من لم يفهمه.
قال: وقد نقل البغوي هذا عن ابن عباس، وقال: "هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة" (2)، ولم يقل ابن عباس هذا، وما أكثر ما يُحَرَّف على ابن عباس ويُغْلَطُ عليه". اهـ (3)
الجواب السادس: أَنَّ قوله: (مَا سَعَى)، بمعنى: ما نوى.
قاله أبو بكر الوراق (4). (5)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا ليس قولاً في محل الاشتباه، وإنما هو تفسير للفظ السعي، والسعي هو: العمل ونيَّة الخير، يُثاب عليها وإنْ لم يعملها، وأما إذا هَمَّ بالشر فلا يُعاقب عليه إلا أنْ يعمله، والإنسان قد ينتفع
_________
= والبيهقي في الاعتقاد، ص (166 - 167)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن، ص (207).
(1) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (5/ 207)، وزاد المسير، لابن الجوزي (7/ 285)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (2/ 320)، وأضواء البيان، للشنقيطي (10/ 278).
(2) تفسير البغوي (4/ 254).
(3) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 459 - 460).
(4) هو: محمد بن إسماعيل بن العباس، البغدادي، المستملي، أبو بكر الوراق، من أئمة الحديث، ثقة مأمون، مات سنة (378 هـ). انظر: تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (2/ 53)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي (16/ 388).
(5) انظر: زاد المسير، لابن الجوزي (7/ 285)، وتفسير القرطبي (17/ 75).
(1/457)
________________________________________
بما لم ينوِ، كانتفاعه بالصدقة عنه بعد موته، والحج، وغير ذلك". اهـ (1)
الجواب السابع: أَنَّ المراد بالآية أَنَّ الكافر ليس له من الخير إلاّ ما عمله، فيثاب عليه في دار الدنيا، حتى لا يبقى له في الآخرة خير.
ذكره الثعلبي. (2)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا لا يدل عليه قوله: (لِلْإِنْسَانِ)، فليس في هذا اللفظ تخصيص الكافر، ولا تخصيص الجزاء بالدنيا". (3)
الجواب الثامن: أَنَّ اللام في الآية بمعنى "على"، والتقدير: ليس على الإنسان إلا ما سعى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا القول من أرذل الأقوال؛ فإنه قلبٌ لمعنى الآية". اهـ (4)
الجواب التاسع: أَنَّه ليس له إلا سعيه، غير أَنَّ الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة، وولد يترحم عليه، وصديق يدعو له، وتارة يسعى في خدمة أهل الدين والعبادة، فيكسب محبة أهل الدين؛ فيكون ذلك سبباً حصل بسعيه.
حكاه والذي قبله أبو الحسن ابن الزاغوني (5). (6)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا القول أمثل من غيره، وقد استحسنه ورجحه جدِّي أبو البركات، وهو أيضاً ضعيف؛ فإنه قد ينتفع بعمل غيره من لم يُحَصِّلْ سبباً، كأولاد المؤمنين". اهـ (7)
الجواب العاشر: أَنَّه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، وأما من باب الفضل فجائز أنْ يزيده الله عز وجل ما يشاء.
_________
(1) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 464 - 465).
(2) الكشف والبيان، للثعلبي (9/ 153).
(3) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 466).
(4) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 466)، وانظر: الروح، لابن القيم، ص (315).
(5) هو: علي بن عبيد الله بن نصر بن عبيد الله بن سهل بن الزاغوني، البغدادي، صاحب التصانيف، والزاغوني: نسبة إلى قرية من أعمال بغداد، قال الذهبي: "كان من بحور العلم، ورأيت له بخطه مقالة في الحرف والصوت، عليه فيها مآخذ، والله يغفر له، فياليته سكت". من مؤلفاته: "الإيضاح في أصول الدين"، وله مسائل في القرآن. توفي سنة (527 هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (19/ 605).
(6) انظر: زاد المسير، لابن الجوزي (7/ 285)، وتفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 466 - 467).
(7) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 467).
(1/458)
________________________________________
قاله الحسين بن الفضل (1). (2)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهو أمثل من غيره من الأقوال، ومعناه صحيح، لكنه لم يُفَسِّر الآية؛ فإنَّ قوله: (لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ) نفي عام، فليس له إلا ذلك، وهذا هو العدل، ثم إنَّ الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه، من جهة فضله". اهـ (3)
الجواب الحادي عشر: وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل (4)، قال: "الجواب الجيد عندي أنْ يُقال: الإنسان - بسعيه وحسن عشرته - اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس؛ فترحموا عليه، وأهدوا له العبادات، وكان ذلك أثر سعيه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ". (5) ". اهـ (6)
الجواب الثاني عشر: وهو جواب أبي عبد الله القرطبي، قال: "ويُحتمل أنْ يكون قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)) [النجم: 39] خاص في السيئة، بدليل ما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً". (7) ". اهـ (8)
الرابع: مذهب إعمال الآية، وتخصيص الأحاديث.
وهذا مذهب الشوكاني، وتبعه الألباني، حيث ذهبا إلى تخصيص الأحاديث بالآية.
_________
(1) هو الحسين بن الفضل بن عمير، العلامة، المفسر، الإمام، اللغوي، المحدث، أبو علي البجلي، الكوفي، ثم النيسابوري، عالم مصر وإمامه في معاني القرآن، أقام بنيسابور يعلم الناس ويفتي حتى توفي سنة
(282 هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (13/ 414).
(2) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (5/ 206)، وزاد المسير، لابن الجوزي (7/ 285)، وتفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 463 - 464).
(3) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 464).
(4) هو: الإمام العلامة البحر، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي، الظفري، الحنبلي، المتكلم، صاحب التصانيف، كان يتوقد ذكاءً، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير على بدعته، وعلق كتاب "الفنون" وهو أزيد من أربع مائة مجلد، حشد فيه كل ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة، وما يسنح له من الدقائق والغوامض، وما يسمعه من العجائب والحوادث، وقد كان الحنابلة ينهونه عن مجالسة المعتزلة فأبى حتى وقع في حبائلهم، وتجاسر على تأويل النصوص، من مؤلفاته: كتاب "الفنون"، وهو كتاب كبير جداً، فيه الوعظ، والتفسير، والفقه، والنحو، وغير ذلك، وله كتاب "عمدة الأحكام"، توفي سنة (513 هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (19/ 443).
(5) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب البيوع، حديث (3528)، والترمذي في سننه، في كتاب الأحكام، حديث (1358)، وقال: "حديث حسن صحيح".
(6) انظر: الروح، لابن القيم، ص (317 - 318).
(7) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (128).
(8) تفسير القرطبي (17/ 74)، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (90).
(1/459)
________________________________________
أما الشوكاني فاقتصر على تخصيص حديث الصدقة دون بقية الأحاديث، وأما الألباني فيرى تخصيص جميع الأحاديث.
قال الشوكاني - بعد أنْ أورد الأحاديث الدالة على وصول ثواب الصدقة إلى الميت - قال: "وأحاديث الباب تدل على أَنَّ الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما، بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيُخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)) [النجم: 39]، ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أَنَّ ولد الإنسان من سعيه، فلا حاجة إلى دعوى التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أَنَّه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها". اهـ (1)
وقال الألباني - بعد أنْ ساق كلام الشوكاني -: "وهذا هو الحق الذي تقتضيه القواعد العلمية، أَنَّ الآية على عمومها، وأَنَّ ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إلى الوالد؛ لأَنَّه من سعيه، بخلاف غير الولد". اهـ (2)
لكن يَرِدُ على قولهما ما حُكي من الإجماع على وصول ثواب الصدقة إلى الميت مطلقاً، سواء كانت من ولده أو من غيره. (3)
وقد ناقش الألباني حكاية الإجماع، ورجح عدم صحته، حيث قال: "نقل النووي وغيره الإجماع على أَنَّ الصدقة تقع عن الميت، ويصله ثوابها، هكذا قالوا: (الميت)، فأطلقوه ولم يقيدوه بالوالد، فإنْ صح هذا الإجماع كان مُخصصاً للعمومات التي أشار إليها الشوكاني فيما يتعلق بالصدقة (4)،
_________
(1) نيل الأوطار، للشوكاني (4/ 112).
(2) أحكام الجنائز، للألباني، ص (219).
(3) تقدم توثيق الإجماع وذِكْرُ من حكاه في أول المسألة.
(4) وقال في موضع آخر: "وقد نقل بعضهم الإجماع على وصول الصدقة إلى الميت مطلقاً، فإن صحَّ ذلك فيه، ولم يصح، وإلا فالأحاديث التي وردت في التصدق عنه إنما موردها في صدقة الولد عن الوالدين، وهو من كسبهما بنص الحديث، فلا يجوز قياس الغريب عليهما؛ لأنه قياس مع الفارق كما هو ظاهر، ولا قياس الصدقة على القضاء؛ لأنه أعم منه كما ذكرنا". أحكام الجنائز، ص (28).
(1/460)
________________________________________
ويظل ما عداها داخلاً في العموم، كالصيام (1)، وقراءة القرآن، ونحوهما من العبادات، ولكنني في شك كبير من صحة الإجماع المذكور، وذلك لأمرين: الأول: أَنَّ الإجماع بالمعنى الأصولي لا يمكن تحققه في غير المسائل التي عُلِمَت من الدين بالضرورة، كما حقق ذلك العلماء الفحول ... ، وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد، في كلمته المشهورة في الرد على من ادعى الإجماع ....
الثاني: أنني سَبَرْتُ كثيراً من المسائل التي نقلوا الإجماع فيها، فوجدت الخلاف فيها معروفاً! بل رأيت مذهب الجمهور على خلاف دعوى الإجماع فيها، ولو شئت أنْ أورد الأمثلة على ذلك لطال الكلام، وخرجنا به عما نحن بصدده". اهـ (2)
الخامس: مذهب إعمال الآية، وتخصيص حديث الحج.
وهذا مذهب الإمام مالك في رواية، حيث حُكيَ عنه أَنَّه قال: لا يحج أحدٌ عن أحدٍ مطلقاً، سواء أوصى الميت أو لم يوصِ.
وأجاب عن حديث الحج، بأَنَّه مخصوص بالجهنية التي سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. (3)
المسلك الثاني: مسلك الترجيح بين الآية والأحاديث:
وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الترجيح على مذاهب:
الأول: مذهب إعمال الآية، ورد حديث الصوم.
وهذا مذهب الإمام مالك (4)،
_________
(1) يرى الألباني - تبعاً للإمام أحمد - أنه لا يُصام عن الميت إلا صوم النذر فقط. انظر: أحكام الجنائز، ص (215).
(2) أحكام الجنائز، ص (219 - 220)، وانظر: الكتاب نفسه، ص (28).
(3) انظر: الاستذكار، لابن عبد البر (12/ 60)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (4/ 439)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (9/ 141)، وفتح الباري، لابن حجر (4/ 79).
(4) انظر: الموطأ، للإمام مالك (1/ 303)، والمدونة، له (1/ 279)، والتمهيد، =
(1/461)
________________________________________
وأبي حنيفة (1)، والشافعي في الجديد (2).
وحكاه القاضي عياض، والنووي: مذهب الجمهور (3). ونقله ابن المنذر عن: ابن عمر (4)، وابن عباس، وعائشة (5)، ورواية عن الحسن البصري، والزهري. (6)
واختار هذا المذهب: الطحاوي، والخطابي، وابن العربي، والقاضي عياض، والشاطبي، والعيني. (7)
ومذهب هؤلاء: أَنَّه لا يصوم أحد عن أحد، لا في نذرٍ ولا في غيره، ومن مات وعليه صيام فإنه يُطعم عنه فقط.
أما المالكية فأعلوا حديث الصوم بدعوى الاضطراب في إسناده، وأَنَّه خلاف عمل أهل المدينة. (8)
_________
= لابن عبد البر (9/ 27)، والمنتقى شرح الموطأ، للباجي (2/ 63)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 208)، وتفسير القرطبي (17/ 75).
(1) انظر: المبسوط، للسرخسي (3/ 89 - 90)، وبدائع الصنائع، للكاساني (2/ 103)، وفتح القدير، لابن الهمام (2/ 357 - 360).
(2) انظر: اختلاف الحديث، للشافعي، ص (561)، والسنن الكبرى للبيهقي (4/ 256)، والمجموع، للنووي (6/ 416)، وفتح الباري، لابن حجر (4/ 228).
(3) انظر: إكمال المعلم، للقاضي عياض (4/ 104)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (8/ 38).
(4) رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: "لا يحج أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد". أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 380)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (4/ 78).
(5) التحقيق أن مذهب عائشة وابن عباس - رضي الله عنهما -: أن الميت يُصام عنه في النذر، ويُطعم عنه في قضاء رمضان، وسيأتي بيان ذلك عند مناقشة القائلين بمنع الصيام عن الميت مطلقاً.
(6) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (8/ 38).
(7) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (3/ 173 - 180)، ومعالم السنن، للخطابي (4/ 82)، وعارضة الأحوذي، لابن العربي (3/ 190 - 192)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (4/ 104 - 107)، والموافقات، للشاطبي (2/ 397 - 400)، وعمدة القاري، للعيني (11/ 59 - 60).
(8) انظر: المدونة، للإمام مالك (1/ 279)، والتمهيد، لابن عبد البر (9/ 27)، والمنتقى =
(1/462)
________________________________________
قال أبو العباس القرطبي: "إنما لم يقل مالك بحديث ابن عباس؛ لأمور: أحدها: أَنَّه لم يَجِدْ عليه عمل أهل المدينة. الثاني: أَنَّه حديثٌ اختُلِفَ واضطُرِبَ في إسناده. الثالث: أَنَّه رواه البزار وقال في آخره: "لمن شاء" (1). وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به. الرابع: أَنَّه مُعارضٌ بقوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164]، ولقوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)) [النجم: 39]. الخامس: أَنَّه مٌعارَضٌ بما خرَّجه النسائي، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قال: "لا يُصلي أحد عن أحدٍ، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة" (2). السادس: أَنَّه مُعارِضٌ للقياس الجلي، وهو أَنَّه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها، فلا تُفعل عمن وجب عليه، كالصلاة، ولا يُنقضُ هذا بالحج؛ لأَنَّ للمال فيه مدخلاً". اهـ (3)
وأما الحنفية فأعلوا الحديث بما رُوي عن عائشة أَنَّها سُئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم، فقالت: "يطعم عنها" (4)،
وعن عائشة قالت: "لا تصوموا
_________
= شرح الموطأ، للباجي (2/ 63)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (4/ 104 - 107)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 208)، وتفسير القرطبي (17/ 75)، والموافقات، للشاطبي (2/ 397 - 400).
(1) ضعف هذه الزيادة الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 209)، وفي تغليق التعليق (3/ 191)؛ لأنها من طريق ابن لهيعة.
(2) أخرجه - موقوفاً على ابن عباس -: النسائي في السنن الكبرى (2/ 175)، والطحاوي في مشكل الآثار (3/ 176)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 209)، ولم أقف عليه مرفوعاً، وسيأتي رد ابن القيم على دعوى رفعه.
(3) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 209).
(4) أخرج الطحاوي في مشكل الآثار (3/ 178)، من طريق عبيدة بن حميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عمرة ابنة عبد الرحمن قالت: سألت عائشة - رضي الله عنها - فقلت لها: إنَّ أمي توفيت وعليها رمضان، أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: "لا، ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين، خير من صيامك عنها".
وأخرجه الطحاوي في الموضع السابق (3/ 179)، من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عمرة قالت: توفيت أمي وعليها من رمضان صوم، فسألت عائشة عن ذلك، فقالت: "اقضيه عنها". ثم قالت: "بل تصدقي مكان كل يوم على مسكين، نصف صاع".
وأخرجه ابن حزم في المحلى (4/ 422)، من طريق جرير بن =
(1/463)
________________________________________
عن موتاكم، وأطعموا عنهم" (1)، وبما رُوي عن ابن عباس قال - في رجل مات وعليه صوم رمضان - قال: "يُطعم عنه ثلاثون مسكيناً" (2)،
وروى النسائي
_________
= عبد الحميد، بنحوه.
وأخرجه الطحاوي في الموضع السابق (3/ 178 - 179) من طريق سلمة بن كهيل، عن عمارة بن عمير، قال: ماتت مولاة لابن أبي عصيفير عليها صوم شهر، فقالت عائشة رضي الله عنها: "أطعموا عنها". والحديث صححه الألباني في أحكام الجنائز، ص (215)، وحكى تصحيحه عن ابن التركماني.
وضعفه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 256)، وسيأتي نقل كلامه في المتن.
(1) ذكره البيهقي في السنن الكبرى (4/ 256)، ولم أقف عليه عند غيره، وسيأتي إيراد البيهقي له.
(2) روى النسائي في السنن الكبرى (2/ 175)، والطحاوي في مشكل الآثار (3/ 176)، كلاهما من طريق أيوب بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة".
وروى الطحاوي في مشكل الآثار (3/ 178)، والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 254)، كلاهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: سُئِل ابن عباس عن رجل مات وعليه صيام شهر رمضان، ونذر شهر آخر، فقال ابن عباس: "يطعم عنه ستين مسكيناً".
قال البيهقي: "كذا رواه ابن ثوبان عنه في الصيامين جميعاً".
وروى البيهقي في السنن الكبرى (4/ 254)، وابن حزم في المحلى، وصححه (4/ 426)، كلاهما من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس، في امرأة توفيت - أو رجل - وعليه رمضان، ونذر شهر، فقال ابن عباس: "يُطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً، ويصوم عنه وليُّه لنذره".
وروى أبو داود في سننه، في كتاب الصوم، حديث (2401)، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "إذا مَرِضَ الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم أُطعِمَ عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليُّه". صحح إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص (215).
وروى ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 113)، من طريق ميمون، عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أنه سُئِل عن رجل مات وعليه نذر؟ فقال: "يصام عنه النذر".
ورواه في الموضع نفسه، من طريق سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال مرة: عن ابن عباس: "إذا مات وعليه نذر قضى عنه وليه". صحح إسنادهما الحافظ ابن حجر في الفتح (11/ 592).
وهذه الروايات عن ابن عباس يُجمع بينها: بأنه أفتى في رمضان أن لا يصوم أحد عن أحد، وأفتى في النذر أن يصوم عنه وليه. ويمكن الجمع بحمل الإثبات في حق من مات، والنفي في حق الحي. وهذا الأخير هو رأي الحافظ ابن حجر في الفتح (11/ 592)، والأول قاله ابن القيم، وسيأتي في أثناء مناقشته للحديث.
(1/464)
________________________________________
عن ابن عباس قال: "لا يصوم أحد عن أحد" (1). قالوا: فلما أفتى ابن عباس، وعائشة بخلاف ما روياه، دل ذلك على أَنَّ العمل على خلاف ما روياه. (2)
وتُعقِّبَ: "بأن الآثار المذكورة عن عائشة، وعن ابن عباس، فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام، إلا الأثر الذي عن عائشة، وهو ضعيف جداً، والمعتبر عند أهل الأصول أَنَّ ما رواه الراوي مقدم على ما رآه، لاحتمال أنْ يُخالف ذلك لاجتهادٍ مستنده فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تُحقق من صحة الحديث، لم يُترك المحقق للمظنون". (3)
وأجيب: "بأَنَّ الاحتمال المذكور باطل؛ لأَنَّه لا يليق بجلالة قدر الصحابي أنْ يُخالف ما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأجل اجتهاده فيه، وحاشا الصحابي أنْ يجتهد عند النص بخلافه؛ لأَنَّه مصادمة للنص، وهذا لا يقال في حق الصحابي، وإنما فتواه بخلاف ما رواه إنما يكون لظهور نسخ عنده". (4)
وأما الشافعي - في الجديد - فأعل حديث ابن عباس بأَنَّ ذِكْرَ الصيام فيه غير محفوظ، حيث قال: "فإنْ قيل: أفرُوي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه أمر أحداً أنْ يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه يصوم عنه وليه (5). فإنْ قيل: فلم لا تأخذ به؟ قيل: لأَنَّ الزهري حدَّث عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نذراً ولم يسمه. مع حفظ الزهري، وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس، فلما جاء غيره عن ابن عباس، بغير ما في حديث عبيد الله، أشبه أنْ لا يكون محفوظاً". اهـ (6)
_________
(1) السنن الكبرى، للنسائي (2/ 175)، وقد تقدم استيفاء تخريجه قريباً.
(2) انظر: مشكل الآثار، للطحاوي (3/ 176 - 180)، والمحلى، لابن حزم (4/ 422)، ومعتصر المختصر، لأبي المحاسن الحنفي (1/ 143)، وعمدة القاري، للعيني (11/ 59 - 60)، وفتح الباري، لابن حجر (4/ 228).
(3) فتح الباري، لابن حجر (4/ 228). وانظر: المحلى، لابن حزم (4/ 423 - 424).
(4) عمدة القاري، للعيني (11/ 60).
(5) قلت: ليس في حديث ابن عباس في الصيام عن الميت ذِكْرٌ للولي، وقد جاء ذلك في حديث عائشة، وقد تقدما في أول المسألة.
(6) اختلاف الحديث، للشافعي، ص (561). وانظر: السنن الكبرى للبيهقي (4/ 256)، =
(1/465)
________________________________________
قال البيهقي: "يعني به الحديث الذي أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق، وغيرهما، قالوا: ثنا أبو العباس، أنبأ الربيع، أنبأ الشافعي، أنبأ مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: "أَنَّ سعد بن عبادة استفتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنَّ أمي ماتت وعليها نذر. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اقضه عنها" (1).
قال البيهقي: "وهذا حديث ثابت، قد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، من حديث مالك، وغيره، عن الزهري؛ إلا أَنَّ في رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أَنَّ امرأة سألت". وكذلك رواه الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عباس. وفي رواية عن مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه عكرمة، عن ابن عباس. ثم رواه بريدة بن حصيب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فالأشبه أنْ تكون القصة - التي وقع السؤال فيها عن الصوم نصاً - غير قصة سعد بن عبادة التي وقع السؤال فيها عن النذر مطلقاً، كيف وقد رُوي عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بإسناد صحيح، النص في جواز الصوم عن الميت". (2)
قال البيهقي: "وقد رأيتُ بعض أصحابنا يُضَعِّفُ حديث ابن عباس، بما رُوي عن يزيد بن زريع، عن حجاج الأحول، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس، أَنَّه قال: "لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه" (3)، وبما روينا عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن ابن عباس: في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان، وصيام شهر نذر (4). وفي رواية ميمون بن مهران، عن ابن عباس، ورواية أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أَنَّه قال - في صيام شهر رمضان -: يُطعم عنه، وفي النذر يقضي عنه وليه. (5)
_________
= والمجموع، للنووي (6/ 416).
(1) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(2) جميع الروايات التي ذكرها البيهقي قد تقدم تخريجها في أول المسألة.
(3) سبق تخريجه قريباً.
(4) سبق تخريجه قريباً.
(5) سبق تخريجه قريباً.
(1/466)
________________________________________
قال البيهقي: ورواية ميمون، وسعيد توافق الرواية عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في النذر؛ إلا أَنَّ الروايتين الأوليين تخالفانها.
قال: ورأيتُ بعضهم ضَعَّفَ حديث عائشة بما رُوي عن عمارة بن عمير، عن امرأة، عن عائشة - في امرأة ماتت وعليها الصوم - قالت: "يُطعم عنها" (1). ورُوي من وجه آخر عن عائشة أَنَّها قالت: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم". (2) وليس فيما ذكروا ما يوجب للحديث ضعفاً؛ فمن يُجَوِّز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه، وفيما رُوي عنهما في النهي عن الصوم عن الميت نظر، والأحاديث المرفوعة أصح إسناداً، وأشهر رجالاً، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعي - رحمه الله - على جميع طرقها وتظاهرها لم يخالفها - إنْ شاء الله تعالى - وبالله التوفيق". اهـ (3)
وقد نقل النوويُ كلام البيهقي بطوله ثم قال: "الصواب الجزم بجواز صوم الولي عن الميت، سواء صوم رمضان، والنذر، وغيره من الصوم الواجب; للأحاديث الصحيحة السابقة، ولا مُعارض لها، ويتعين أنْ يكون هذا مذهب الشافعي; لأَنَّه قال: إذا صَحَّ الحديث فهو مذهبي، واتركوا قولي المخالف له. وقد صَحَّت في المسألة أحاديث كما سبق. والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه، كما سبق، ولو وقف على جميع طرقه وعلى حديث بريدة، وحديث عائشة، لم يُخالف ذلك، كما قال البيهقي، فيما قدمناه عنه في آخر كلامه، فكل هذه الأحاديث صحيحة صريحة، فيتعين العمل بها، لعدم المعارض لها". اهـ (4)
وللإمام ابن القيم كلام طويل في مناقشة القائلين برد الحديث، والإجابة عن اعتراضاتهم، حيث قال في كتابه "الروح" (5):
"وأما رَدُّ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله: "من مات وعليه صيام صام
_________
(1) سبق تخريجه قريباً.
(2) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(3) السنن الكبرى للبيهقي (4/ 256).
(4) المجموع، للنووي (6/ 418)، وانظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (8/ 38).
(5) ص (334 - 341).
(1/467)
________________________________________
عنه وليه" - بتلك الوجوه التي ذكرتموها، فنحن ننتصر لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونبين موافقته للصحيح من تلك الوجوه ....
فأما قول الإمام مالك: "لا يصوم أحد عن أحد، وهو أمر مُجمعٌ عليه عندنا، لا خلاف فيه" (1)، فمالك - رحمه الله - لم يحك إجماع الأمة من شرق الأرض وغربها، وإنما حكى قول أهل المدينة، فيما بلغه، ولم يبلغه خلافٌ بينهم، وعدم اطلاعه على الخلاف في ذلك لا يكون مسقطاً لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل لو أجمع عليه أهل المدينة كلهم لكان الأخذ بحديث المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة، الذين لم تُضمن لنا العصمة في قولهم دون الأمة، ولم يجعل اللهُ ورسولُه أقوالهم حجة يجب الرد عند التنازع إليها، بل قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: 59].
وأما قولهم: إنَّ ابن عباس - رضي الله عنهما - هو راوي حديث الصوم عن الميت، وقد قال: "لا يصوم أحد عن أحد" (2)، فغاية هذا أنْ يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته، فإن روايته معصومة، وفتواه غير معصومة، ويجوز أنْ يكون نسي الحديث، أو تأوَّله، أو اعتقد له معارضاً راجحاً في ظنِّه، أو لغير ذلك من الأسباب، على أَنَّ فتوى ابن عباس غير مُعارضة للحديث؛ فإنه أفتى في رمضان أَنَّه لا يصوم أحد عن أحد، وأفتى في النذر أَنَّه يصام عنه (3)، وليس هذا بمخالف لروايته، بل حَمَلَ الحديث على النذر. ثم إنَّ حديث: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه"، هو ثابت من رواية عائشة رضي الله عنها، فهب أَنَّ ابن عباس خالفه، فكان ماذا؟ فخلاف ابن عباس لا يقدح في رواية أم المؤمنين، بل رَدُّ قول ابن عباس برواية عائشة، أولى من رد روايتها بقوله. وأيضاً فإنَّ ابن عباس قد اختُلِفَ عنه في ذلك، وعنه روايتان، فليس إسقاط الحديث للرواية المخالفة له عنه أولى من إسقاطها بالرواية الأخرى بالحديث.
_________
(1) انظر: المدونة، للإمام مالك (1/ 279).
(2) تقدم تخريجه قريباً.
(3) تقدم تخريجه قريباً.
(1/468)
________________________________________
وأما قولهم: إنه حديث اختلف في إسناده، فكلام مجازفٌ فيه، ولا يُقبل من قائله، فالحديث صحيح ثابت متفق على صحته، رواه صاحبا الصحيحين، ولم يُختلف في إسناده.
وقولهم: إنه مُعارض بنص القرآن، وهو قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)) [النجم: 39] إساءة أدب في اللفظ، وخطأ عظيم في المعنى، وقد أعاذ الله رسوله أنْ تُعارض سُنَّته نصوص القرآن، بل تعاضدها وتؤيدها.
وقولهم: إنه مُعارض بما رواه النسائي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قال: "لا يُصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يُطعم عنه كل يوم مداً من حنطة" (1)، فخطأ قبيح؛ فإنَّ النسائي رواه هكذا: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحول، حدثنا أيوب بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لا يُصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يُطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة"، هكذا رواه قول ابن عباس، لا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يُعارض قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقول ابن عباس، ثم يُقدَّم عليه، مع ثبوت الخلاف عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل هذا الكلام قط، وكيف يقوله وقد ثبت عنه في الصحيحين أَنَّه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (2)، وكيف يقوله وقد قال في حديث بريدة - رضي الله عنه - الذي رواه مسلم في صحيحه (3) -: "أَنَّ امرأة قالت له: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر؟ قال: صومي عن أمك".
وأما قولهم: إنه مُعارض بحديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: "من مات وعليه صوم رمضان، يُطعم عنه" (4)، فمن هذا النمط، فإنه حديث باطل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
_________
(1) تقدم تخريجه قريباً.
(2) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(3) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(4) روى البيهقي في السنن الكبرى (4/ 254)، من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم، ونافع، أن ابن عمر كان إذا سُئِلَ عن الرجل يموت وعليه صوم من رمضان أو نذر يقول: "لا يصوم أحد عن أحد، ولكن تصدقوا عنه من ماله للصوم، لكل يوم مسكيناً".
وروى الترمذي في سننه، في كتاب الصوم، حديث (718)، من طريق عَبْثَر =
(1/469)
________________________________________
قال البيهقي: "حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من مات وعليه صوم رمضان، يطعم عنه"، لا يصح، ومحمد بن عبد الرحمن كثير الوهم، وإنما رواه أصحاب نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - من قوله". (1)
قال ابن القيم: وأما قولهم: إنه مُعارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة؛ فإنَّ أحداً لا يفعلها عن أحد، فلعمر الله إنه لقياس جلي البطلان والفساد، لرد سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة له، وشهادتها ببطلانه، وقد أوضحنا الفرق بين قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، وبين انتفاع المسلم بما يُهديه إليه أخوه المسلم من ثواب صيامٍ أو صدقةٍ أو صلاة، ولعمر الله إنَّ الفرق بينهما أوضح من أنْ يخفى، وهل في القياس أفسد من قياس انتفاع المسلم بعد موته بما يُهديه إليه أخوه المسلم من ثواب عمله؛ على قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، أو قبول التوبة عن المجرم بعد موته.
قال: وأما كلام الشافعي - رحمه الله - في تغليط راوي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -
_________
= بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا". قال الترمذي: "لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ قَوْلُهُ". قال: "وَأَشْعَثُ: هُوَ ابْنُ سَوَّارٍ، وَمُحَمَّدٌ: هُوَ عِنْدِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى". اهـ
ورواه ابن ماجة في سننه، في كتاب الصيام، حديث (1757)، من طريق عَبْثَر، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، مرفوعاً. ولفظه لفظ الترمذي نفسه. وذِكْرُ ابن سيرين خطأ في الإسناد.
قال ابن عبد الهادي في "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" (2/ 338): "أشعث: هو ابن سوار، وكان ابن مهدي يخط على حديثه، وقال يحيى: لا شيء. وفي رواية: هو ثقة. ومحمد: هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ضعيف، مضطرب الحديث. وقد رواه ابن ماجة، وسُئِلَ الدارقطني عن هذا الحديث فقال: يرويه أشعث بن سوار، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. تفرد به عبثر بن القاسم، والمحفوظ عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً". اهـ
وقال ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير" (1/ 330): "رواه الترمذي وابن ماجة، بإسناد ضعيف، والمحفوظ وقفه على ابن عمر، قاله الترمذي، والبيهقي، والدارقطني". اهـ
(1) السنن الكبرى، للبيهقي (4/ 254).
(1/470)
________________________________________
أَنَّ نذر أم سعد كان صوماً، فقد أجاب عنه أنصر الناس له، وهو البيهقي، ونحن نذكر كلامه بلفظه .... ".
ثم نقل ابن القيم كلام البيهقي بطوله - وقد تقدم (1) - وقال: "وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صيام شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو كان عليها دين، أكنتَ قاضيه عنها"؟ قال: نعم. قال: "فدين الله أحق أنْ يُقضى". (2)
ورواه أبو خيثمة، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن الأعمش، فذكره. (3)
ورواه النسائي عن قتيبة بن سعيد، حدثنا عبثر، عن الأعمش، فذكره. (4)
قال ابن القيم: فهذا غير حديث أم سعد، إسناداً ومتناً؛ فإنَّ قصة أم سعد، رواها مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -أَنَّ سعد بن عبادة استفتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنَّ أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اقضه عنها" (5)، وهكذا أخرجاه في الصحيحين، فهب أَنَّ هذا هو المحفوظ في هذا الحديث، أَنَّه نذر مطلق لم يُسمَّ، فهل يكون هذا في حديث الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير؟ على أَنَّ ترك استفصال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد في النذر - هل كان صلاة أو صدقة أو صياماً، مع أَنَّ الناذر قد ينذر هذا وهذا - يدل على أَنَّه لا فرق بين قضاء نذر الصيام والصلاة، وإلا لقال له: ما هو النذر؟ فإنَّ النذر إذا انقسم إلى قسمين:
_________
(1) تقدم نقل كلام البيهقي بطوله عند نقل كلام الإمام الشافعي في المسألة.
(2) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(3) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(4) السنن الكبرى، للنسائي (2/ 173).
(5) أخرجه مالك في الموطأ، في كتاب النذور والأيمان، حديث (1025)، ومن طريق مالك: أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوصايا، حديث (2761)، ومسلم في صحيحه، في كتاب النذور، حديث (1638)، إلا أن مسلماً لم يسق متنه من طريق مالك، وقد تقدم الحديث في أول المسألة.
(1/471)
________________________________________
نذرٌ يقبل القضاء عن الميت، ونذر لا يقبله، لم يكن بُدُّ من الاستفصال". اهـ كلام ابن القيم.
الثاني: مذهب إعمال الآية، ورد جميع الأحاديث.
وهذا مذهب المعتزلة، حيث ذهبوا إلى أَنَّه لا يصل إلى الميت شيء ألبتة، لا دعاء، ولا صدقة، ولا صوم، ولا حج، ولا غيره، أخذاً بظاهر الآية الكريمة.
وأجابوا عن الأحاديث: بأَنَّها أخبار آحاد، وهي عندهم مردودة إذا عارضت المتواتر القطعي، ومُعارض هذه الأحاديث عندهم: هو قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)). (1)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو وصول ثواب الصدقة والصوم والحج إلى الميت مطلقاً، سواء كان ذلك من ولد الميت أو من غيره.
وأما الآية فأحسن الأجوبة عنها: "أَنَّها إنما دلَّت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره؛ لأَنَّه لم يقل: "وأنْ لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى"، وإنما قال: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)) [النجم: 39]، وبين الأمرين فرق ظاهر؛ لأَنَّ سعي الغير ملك لساعيه، إنْ شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإنْ شاء أبقاه لنفسه". (2)
وما قيل من أَنَّ ثواب هذه الثلاث لا يصل إلا من الولد إلى والده؛ فغير مُسَلَّمٍ، وذلك لأمور:
"الأول: أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُعَلِّل جواز حجِ الولد عن والده بكونه ولده، ولا أومَأَ إلى ذلك؛ بل في الحديث ما يُبطل التعليل به؛ لأَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - شبهه
_________
(1) انظر: فتح القدير، لابن الهمام (3/ 142)، والروح، لابن القيم، ص (311)، ونيل الأوطار، للشوكاني (4/ 142).
(2) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (7/ 709) و (10/ 278).
(1/472)
________________________________________
بقضاء الدَّين الجائز، من الولد وغيره؛ فجعل ذلك هو العلة، وهو كونه قضاء شيء واجب عن الميت.
الثاني: أَنَّه قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على جواز الحج عن الغير، حتى من غير الولد: فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي. قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَال: َ لَا. قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ". (1)
الثالث: أَنَّه قد ثبت في حديث عائشة: "أَنَّ من مات وعليه صيام صام عنه وليه"، والولي هو الوارث، سواء كان ولداً، أم غير ولد؛ وإذا جاز ذلك في الصيام، مع كونه عبادة محضة، فجوازه بالحج المشوب بالمال أولى وأحرى". (2)
الرابع: أَنَّ كون السؤال جاء مقيداً في صدقةِ أو صومِ أو حجِ الولدِ عن والده؛ فإنَّ ذلك لا يعني تقييد الحكم به؛ لأَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقيده بالولد، ولأَنَّا لا نَعْلم لو أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله أخٌ عن أخيه، هل يجيبه بالجواز، أم لا؟
وأما حديث ابن عباس، في الصوم، وما ادعي عليه من الاضطراب؛ فالذي يظهر لي أَنَّ أحسن ما يُجمع به بين رواياته: أَنَّ السؤال وقع عن صوم نذر مطلق؛ وذلك لأَنَّ جميع الروايات - التي جاءت من طريق سعيد بن جبير - قد نصَّت على ذكر الصوم، ولما جاء - في طريق عبيد الله بن عبد الله - التنصيص على النذر دون تسميته، وجب تفسيره برواية سعيد بن جبير، التي نصت على أَنَّه في الصيام، ويؤكد هذا أَنَّ حديث بريدة وقع فيه السؤال عن صوم شهر، وجاء في حديث عائشة التنصيص على أَنَّ من مات وعليه صيام
_________
(1) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب المناسك، حديث (1811)، وابن ماجة في سننه، في كتاب المناسك، حديث (2903)، والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 336)، والحديث صححه البيهقي، وابن الملقن في خلاصة البدر المنير (1/ 345)، والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 223).
(2) انظر هذه الأوجه في: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (2/ 313).
(1/473)
________________________________________
صام عنه وليه، ولما أفتى ابن عباس بأَنَّ من مات وعليه صوم نذر صام عنه وليُّه، دلَّ على أَنَّ السؤال الذي وقع في حديثه إنما كان عن صوم نذر؛ إذ يبعد أنْ يُفتي راوي الحديث بخلاف ما رواه.
وأما مذهب عائشة: فالتحقيق أنها فَهِمَتْ من الحديث الذي روته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه مخصوصٌ بصوم النذر؛ بدليل أنها كانت تُفتي بالإطعام عمن مات وعليه صوم رمضان، والروايات وإنْ لم تَنُص على أنها كانت تُفتي بصوم النذر، إلا أنَّ حملها على هذا المعنى هو المُتعين، جمعاً بين ما رَوَته ورَأَته، إذ يبعد أنْ تُخالف ما رَوَته لمجرد رأيٍ رَأَته، والله تعالى أعلم. (1)
****
_________
(1) جميع الروايات التي ذكرتها هنا - في مبحث الترجيح - تقدم تخريجها في أثناء المسألة.
(1/474)
________________________________________
الفصل الثاني
الأحاديث التي ترد في تفسير آية ما، ويوهم ظاهرها التعارض فيما بينها
(1/475)
________________________________________
المسألة [1]: في أخذ الغنيمة، وهل يُنقص من أجر المجاهد.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74)) [النساء: 74].

المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها:
(64) ـ (55): عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». (1)
_________
(1) حديث أبي هريرة هذا مخرج في الصحيحين، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» رُوي بلفظين: بلفظ «أو»، وبلفظ «و»، ولما كان مدار الإشكال في هذه المسألة قائم على هذين اللفظين، لزم تخريج الحديث وبيان طرقه وألفاظه لتحرير الخلاف في هذه الألفاظ وبيان الصحيح منها، وقد روى الحديث ستة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيما يلي تفصيل ذلك:
الحديث الأول: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
وقد رُوي عنه من ستة طرق: =
(1/476)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= الأول: طريق أبي زرعة البجلي، عن أبي هريرة، به.
وقد رواه عن أبي زرعة عُمَارَةُ بنُ الْقَعْقَاعِ؛ بصيغة «أو»، أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (36)، قال: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ ... ، فذكره. وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإمارة، حديث (1876)، قال: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ ... ، فذكره.
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/ 384)، عن عفان بن مسلم، عن عبد الواحد بن زياد، بصيغة «أو»، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9/ 157)، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا مسدد، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عمارة ... ، فذكره بصيغة «و»، ولا أراه إلا وهماً من أحد شيوخ البيهقي.
الثاني: طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به.
وقد اختُلِفَ فيه على أبي الزناد؛ فرواه مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، حديث (1876)، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ... ، فذكره بصيغة «و».
إلا أنَّ مسلماً لم يتابع في روايته عن يحيى بن يحيى، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/ 11): «وقد رواه جعفر الفريابي، وجماعة، عن يحيى بن يحيى؛ فقالوا: «أجر أو غنيمة» بصيغة (أو)». اهـ
قلت: وممن رواه عن يحيى بن يحيى بصيغة «أو»: محمد بن عمرو بن النضر، أخرجه من طريقه البيهقي في السنن الكبرى (9/ 157)، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي الحافظ ببغداد، ثنا أبو العباس محمد بن أحمد النيسابوري، ثنا محمد بن عمرو بن النضر، أنبأ يحيى بن يحيى ... ، فذكره.
ورواه عن أبي الزناد: مالكٌ، وسفيانُ الثوري، بصيغة «أو».
أمّا حديث مالك فهو في موطئه، حديث (974)، وقد رُوي عن مالك من ثلاثة طرق، كلها بلفظ «أو»:
الأول: طريق إسماعيل بن عبد الله بن أويس، عن مالك، به.
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فرض الخمس، حديث (3123)، وفي كتاب التوحيد، حديث (7457).
الثاني: طريق عبد الله بن يوسف، عن مالك، به.
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (7463).
الثالث: طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، به.
أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (3122).
وأما حديث سفيان الثوري، عن أبي الزناد؛ فأخرجه الدارمي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (2391).
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/ 11): «وقد رواه مالك في الموطأ بلفظ «أو غنيمة» ولم يُخْتَلف عليه إلا في رواية يحيى بن بُكير عنه، فوقع فيه بلفظ: «وغنيمة»، ورواية يحيى بن بكير عن مالك فيها مقال». اهـ
قلت: ويحيى بن بُكير، ترجم له الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح =
(1/477)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= الباري، ص (475) فقال: «يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، وقد ينسب إلى جده، لقيه البخاري، وحدَّث أيضاً عن رجل عنه، وروى عن مالك في الموطأ، وأكثر عن الليث، قال ابن عدي: هو أثبت الناس فيه. وقال أبو حاتم: كان يفهم هذا الشأن، يُكتب حديثه. وقال مسلم: تُكلم في سماعه عن مالك، لأنه كان بعرض حديث. وضعفه النسائي مطلقاً، وقال البخاري في تاريخه الصغير: ما روى يحيى بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني أتقيه. قلت: فهذا يدلك على أنه ينتقي حديث شيوخه، ولهذا ما أخرج عنه عن مالك سوى خمسة أحاديث مشهورة متابعة، ومعظم ما أخرج عنه عن الليث ... ، وروى له مسلم وابن ماجة». اهـ
إلا أن يحيى قد توبع في روايته عن مالك، حيث رواه البيهقي في الأسماء والصفات (1/ 468) قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا القعنبي، فيما قرأ على مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة .... ، فذكرة بصيغة الواو.
الثالث: طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، به.
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (2787)، والنسائي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (3124). ولفظه: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
الرابع: طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، به.
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/ 494)، والنسائي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (3123)، ولفظه: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/ 11): «ووقع عند النسائي من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بالواو أيضاً، وكذا من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة». اهـ ولا أدري ما هذا من الحافظ؟ فإن رواية النسائي في كلا الطريقين جاءت بلفظ «أو».
الخامس: طريق ذكوان (أبي صالح الزيات)، عن أبي هريرة، به.
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/ 424)، ولفظه: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
السادس: طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، به.
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (5/ 259)، ولفظه: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
الحديث الثاني: عن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - رضي الله عنه -:
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، .... ». الحديث.
أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (2494)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْماَعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ سَمَاعَةَ - حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عن أَبِي أُمَامَةَ، به.
وقد خولف عبد السلام بن عتيق في =
(1/478)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= روايته عن أبي مسهر؛ خالفه سماك بن عبد الصمد، فرواه عنه بصيغة «أو»، أخرجه من طريقه الحاكم في المستدرك (2/ 83) عن أبي بكر محمد بن إبراهيم البزاز، عن سماك، به.
ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9/ 166).
وقد توبع سماك بن عبد الصمد في روايته بصيغة «أو»؛ فرواه عمرو بن هشام، عن الأوزاعي، عن سليمان بن حبيب، به.
أخرجه من طريقه الطبراني في المعجم الكبير (8/ 99).
لكن يُعكِّر على هذه المتابعة أن الحديث رواه مكحول عن أبي أمامة - رضي الله عنه - بصيغة «و»، أخرجه من طريقه الطبراني في مسند الشاميين (2/ 381) (4/ 316)، وفي المعجم الكبير (8/ 127).
الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يحكي عن ربه تبارك وتعالى قال: «أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِي ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ضَمِنْتُ لَهُ أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَإِنْ قَبَضْتُهُ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ وَأَرْحَمَهُ وَأُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ».
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/ 117)، قال: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ... ، فذكره.
وأخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (3126)، من طريق حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، به. ولكن بلفظ: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
الحديث الرابع: عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -:
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من انتدب خارجاً في سبيل الله، غازياً ابتغاء وجه الله، وتصديقاً بوعده، وإيماناً برسوله؛ فإنه على الله ضامن إما أن يتوفاه في الجيش بأي حتف شاء، فيدخله الجنة، وإما أن يسيح في ضمان الله، وإن طالت غيبته، فرده إلى أهله سالماً، مع ما نال من أجر وغنيمة ... ». الحديث.
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (3/ 282)، وفي مسند الشاميين (1/ 121) و (4/ 354)، والبيهقي في السنن الكبرى (9/ 166)، جميعهم من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، يرده إلى مكحول، إلى عبد الرحمن بن غنم الأشعري، عن أبي مالك الأشعري، به.
وفي إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال فيه الإمام أحمد: «لم يكن بالقوي في الحديث»، وضعفه النسائي، وأنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه عن مكحول. انظر: تهذيب التهذيب (6/ 136).
الحديث الخامس: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، هُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ إِنْ قَبَضْتُهُ أَوْرَثْتُهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ رَجَعْتُهُ رَجَعْتُهُ بِأَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
أخرجه الترمذي في سننه، في كتاب فضائل الجهاد، حديث (1620). وقال: صحيح غريب من هذا الوجه.
الحديث السادس: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -:
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَضْمُونٌ عَلَى اللَّهِ، إِمَّا أَنْ يَكْفِتَهُ إِلَى مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَهُ بِأَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَمَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ حَتَّى يَرْجِعَ». =
(1/479)
________________________________________
(65) ـ (56): وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ». (1)

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث:
في الآيةِ الكريمةِ وعْدٌ من اللهِ تعالى لمن قاتلَ في سبيلِهِ بأنَّ له أجراً عظيماً، إلا أنَّه سبحانه لم يُفَصِّل ويُبَيِّن هذا الأجرَ العظيم، وقد جاء في الحديثين المتقدِّمين بيانٌ وتفصيل لهذا الأجر؛ إلا أنَّ الحديثين ظاهرهما يُوهِمُ التعارض في بيان وتفصيل هذا الأجر:
ففي الأول: أنَّ له الأجرَ إذا لم يَغْنَم، أو الغنيمة ولا أجر، وفي الثاني:
_________
= أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (4/ 215)، ومن طريقه الترمذي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث
(2754)، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (2/ 494)، جميعهم من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، به.
وفي إسناده عطية بن سعد بن جنادة، ضَعَّفَه الإمام أحمد، وأبو حاتم الرازي. انظر: تهذيب التهذيب (7/ 201).
القول الراجح من هذه الروايات:
الذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - أن رواية «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» هي المحفوظة في الحديث، دون رواية الواو، يدل على هذا الاختيار:
1 - أنَّ رواية «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» أخرجها الشيخان دون الرواية الأخرى، ورواية الشيخين مقدمة عند الترجيح.
2 - أنَّ حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - روي عنه من ستة طرق كلها متفقة على رواية «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»، ما عدا رواية مسلم عن يحيى بن يحيى، وقد تقدم أنَّ مسلماً لم يُتابع عليها.
3 - أنَّ الأحاديث التي جاءت بصيغة «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» قد اختلف الرواة في نقلها، فبعضهم يرويها بلفظ «أو» والبعض الآخر يرويها بلفظ «و»، وهذا يدل على الاضطراب وعدم الضبط من قبل رواتها.
4 - أنَّ رواية «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» لم تأتِ سالمة من الاضطراب إلا في حديث أبي مالك الأشعري، وحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم -، وكلاهما حديثان ضعيفان.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإمارة، حديث (1906).
(1/480)
________________________________________
أنَّ له الأجَرَ تامَّاً إذا لم يَغْنَم، أو ثُلُث الأجرِ إنْ غَنِم. (1)
كما أنَّ في الحديث الأول إشكالاً آخر، حيث يُوهِمُ ظاهره مُعَارَضَة الآية الكريمة؛ إذ في الآية التَّسْويَة بين من قُتِلَ شهيداً أو انقلب غانماً، وأمَّا الحديث فغاير بينهما، حيث جعل الأجر في محل، والغنيمة في محل آخر. (2)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديثين:

أولاً: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الحديثين:
اختلف العلماء في هذه المسألة، وفي دفع التعارض بين الحديثين على مذهبين:
الأول: مذهبُ إثباتِ نقصِ أجرِ المجاهدِ إنْ غَنِمَ، عملاً بحديثِ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وهذا مذهب الجمهور من المحدثين، وممن قال به:
ابن بَطَّال، وابن دقيق العيد، والنووي، والطِّيبي، وأبو زرعة العراقي (3)، والكرمَاني، وابن حجر، والعيني، والسيوطي، والمناوي، والآلوسي. (4)
_________
(1) انظر حكاية التعارض بين الحديثين في الكتب الآتية: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض
(6/ 330)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 748)، وإحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (2/ 303)، وتفسير القرطبي (5/ 179)، والآداب الشرعية، لابن مفلح (3/ 205)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 11)، وعمدة القاري، للعيني (1/ 231 - 232).
(2) انظر حكاية التعارض بين الآية والحديث في: أحكام القرآن، لابن العربي (1/ 581)، وتفسير القرطبي (5/ 179).
(3) هو: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي الرازياني ثم المصري، أبو زرعة العراقي: قاضي الديار المصرية. مولده ووفاته بالقاهرة. رحل به أبوه (الحافظ العراقي) إلى دمشق فقرأ فيها، وعاد إلى مصر فارتفعت مكانته إلى أن ولي القضاء سنة 824 هـ، بعد الجلال البلقيني، وحمدت سيرته. من كتبه (البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح) و (الأطراف بأوهام الأطراف) للمزي، و (أخبار المدلسين) وغيرها. (ت: 826هـ). وقد ألف والده عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، المعروف بالحافظ العراقي كتاباً سماه: (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) شرحه في كتاب عنوانه (طرح التثريب في شرح التقريب) شرح فيه نصف الكتاب ولم يكمله، فأتمه ابنه الحافظ أبو زرعة، أحمد بن عبد الرحيم. انظر: الأعلام، للزركلي (1/ 148)، (3/ 344).
(4) انظر على الترتيب: شرح البخاري، لابن بطال (5/ 8)، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد (2/ 304 - 305)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (13/ 78)، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح (7/ 340)، وطرح التثريب، للعراقي (7/ 196)، وصحيح البخاري بشرح الكرماني (1/ 157)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 11)، وعمدة القاري، للعيني (14/ 85)، والديباج على مسلم، للسيوطي (4/ 501)، وفيض القدير، للمناوي (5/ 492)، وروح المعاني، للآلوسي (11/ 40).
(1/481)
________________________________________
ويرى هؤلاء أنْ لا تعارض بين حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم -؛ إذ الأول مُطلَق والثاني مُقَيَّد، فيُحْمَل المُطلَق على المُقَيَّد.
قالوا: ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»: «أي مع أجرٍ خالصٍ إنْ لم يغنم شيئاً، أو مع غنيمةٍ خالصةٍ معها أجر، وكأنَّه سَكَتَ عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحاملُ على هذا التأويل أنَّ ظاهر الحديث أنَّه إذا غَنِمَ لا يحصل له أجر، وليس ذلك مراداً؛ بل المراد أو غنيمة معها أجرٌ أنقَص من أجر من لم يغنم؛ لأنَّ القواعد تقتضي أنَّه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجراً عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان، وليس صريحاً في نفي الجمع». (1)
وأما حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - فمعناه: «أنَّ الغزاة إذا سَلِمُوا أو غَنِمُوا يكون أجرهم أقلَّ من أجر من لم يَسْلَم، أو سَلِمَ ولم يَغْنَم، وأنَّ الغنيمة هي في مُقابَلَةِ جُزءٍ مِنْ أجرِ غزوهم، فإذا حَصَلت لهم فقد تعجَّلوا ثُلُثَي أجرهم المترتِّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر». (2)
قالوا: ولا تعارض بين الحديثين؛ فإن الذي في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - رجوعه بما نال من أجر أو غنيمة، ولم يقل إنَّ الغنيمة تُنقص الأجر، ولا قال أجره كأجر من لم يغنم، فهو مُطْلَقٌ وحديث عبد الله بن عمرو مُقَيَّد؛ فوجب حمله عليه. (3)
المذهب الثاني: إثبات الأجر كاملاً للمجاهد، سواء غنم أم لم يغنم، عملاً بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وأخذاً بظاهر الآية.
وهذا مذهب: ابن عبد البر، وأبي الوليد الباجي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، وأبي عبد الله القرطبي. (4)
_________
(1) فتح الباري، لابن حجر (6/ 11)، وانظر: طرح التثريب، للعراقي (7/ 196).
(2) شرح صحيح مسلم، للنووي (13/ 78).
(3) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (13/ 78).
(4) انظر على الترتيب: الاستذكار، لابن عبد البر (14/ 10)، والمنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي
(3/ 160)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض =
(1/482)
________________________________________
قال ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث - يريد حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - دليل على أنَّ الغنيمة لا تُنقِصُ من أجر المجاهد شيئاً، وأنَّ المجاهدَ وافِرُ الأجر، غَنِمَ أو لم يَغنَم، ويَعضُدُ هذا ويشهد له: ما اجتمع على نَقْلِهِ أهلُ السِّير والعلم بالأثر أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ضَرَبَ لعثمان، وطلحة، وسعيد بن زيد، بأسْهُمِهِم يومَ بدر، وهم غيرُ حاضِرِي القتال، فقال كلُّ واحدٍ منهم: وأجري يا رسول الله؟ قال: «وأجرك». (1) وأجمعوا أنَّ تحليل الغنائم لهذه الأمَّة من فضائلها، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّؤوسِ قَبْلَكُمْ». (2) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «فُضِّلتُ بِخِصَالٍ ... » وذكر منها: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ». (3) ولو كانت تُحبِطُ الأجر أو تُنقِصُه ما كانت فضيلة له». اهـ (4)
وقد اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، على أقوال:
الأول: أنَّ الحديث محمول على من خرج بنية الجهاد وطلب المغنم، فيكونُ نقصُ أجرهِ بسبب نيَّتِهِ لا بسبب أخذه من الغنيمة.
وهذا جواب القاضي عياض، واختيار أبي عبد الله القرطبي. (5)
قال القاضي عياض: «وأصح ما يُجمَعُ فيه بين الحديثين أنَّ الأول قال فيه: «لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ»، فهذا الذي ضَمِنَ له الجنة، أو يُرَدُّ إلى بيته مع ما نال من أجر أو غنيمة، وهذا الحديث الآخر لم يشترط فيه هذا الشرط، فيُحتمل أنَّه فيمن خرج بنية الجهاد وطلب المغنم،
_________
= (6/ 330)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 749)، وتفسير القرطبي (5/ 179).
(1) انظر: المستدرك للحاكم (3/ 415، 495).
(2) أخرجه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: الإمام أحمد في مسنده (2/ 252)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3085)، وإسناده صحيح.
(3) أخرجه من حديث جابر - رضي الله عنه -: البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، حديث (438)، ومسلم في صحيحه، في كتاب المساجد، حديث (521).
(4) التمهيد، لابن عبد البر (18/ 341 - 342)، والاستذكار (14/ 10).
(5) تفسير القرطبي (5/ 179).
(1/483)
________________________________________
فهذا شَرَّكَ بما يجوز له التشريك فيه، وانقسمت نِيَّتُه بين الوجهين فنقص أجره، والأول أخلص فَكَمُلَ أجره». اهـ (1)
وتَعقَّبَه الحافظ ابن حجر فقال: «وفيه نظر؛ لأنَّ صَدْرَ الحديثِ مُصَرِّحٌ بأنَّ الْمُقْسِم رَاجِعٌ إِلَى مَنْ أَخْلَصَ؛ لقوله في أوله: لَا يُخْرِجهُ إِلَّا إِيمَان بِي وَتَصْدِيق بِرُسُلِي». اهـ (2)
قلت: ليس في حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - ذكر هذا القيد، وهو قوله: «لَا يُخْرِجهُ إِلَّا إِيمَان بِي، وَتَصْدِيق بِرُسُلِي»، وإنما جاء هذا القيد في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وعليه فلا يُسَلَّم الاعتراض من ابن حجر.
القول الثاني: أنَّ المراد بنقص أجر من غنم: أنَّ الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة، كما يؤجر من أُصيب بماله، فكان الأجر لِمَا نَقَص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر.
وهذا جواب ابن عبد البر، وأبي العباس القرطبي. (3)
قال ابن عبد البر في الجواب عن الحديث: يريد - والله أعلم - أنْ يكون الأجرُ مضاعفاً لها بما نالها من الخوف، وعلى ما فاتها من الغنيمة، كما يُؤجر من أُصيب بماله مضاعفاً، فيؤجر على ما يَتَكلّفُه من الجهاد أجر المجاهد، وعلى ما فاته من الغنيمة أجراً آخر، كما يُؤجر على ما يَذهَبُ من مالِهِ ونحوِ ذلك. اهـ (4)
وللقاضي عياض جواب آخر قريب من هذا، قال: «وأوجه من هذا عندي في استعمال الحديثين على وجهيهما أيضاً: أنَّ نقص أجر الغانم بما فتح الله عز وجل عليه من الدنيا، وحساب ذلك بتمتعه عليه في الدنيا، وذهاب شَظَف عيشه في غزوه، وبُعْدِه، إذا قُوبِلَ بمن أخفق ولم يُصِبْ منها شيئاً، وبقي على شَظَف عيشه، والصبر على غزوه في حاله، وجَدَ أجر هذا أبداً في
_________
(1) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (6/ 330 - 331).
(2) فتح الباري، لابن حجر (6/ 12).
(3) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 749).
(4) الاستذكار، لابن عبد البر (14/ 12). بتصرف يسير، وانظر: التمهيد (18/ 343).
(1/484)
________________________________________
ذلك وافياً مطرداً، بخلاف الأول، ومثله في الحديث الآخر: «فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا (1)» (2) فكان هذا إذا لم يهدب ثمرة الدنيا والاتساع فيما فتح عليه من مغانمها، وبقي على حالته الأولى، كان أجره في الصبر والتقلل على ما كان عليه، فلما خالف لم يكن له الأجر، فكأنه نقص بما كان له في التقدير، وكذلك هذا». اهـ (3)
وتَعقَّبَ الحافظ ابن حجر هذا الجواب فقال: «ولا يخفى مُبايَنَةُ هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -». اهـ (4)
القول الثالث: أنَّ حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما لا يَثْبُتْ؛ لأنَّه من رواية أبي هانئ حميد بن هانئ (5)، وليس بمشهور.
وهذا رأي أبي الوليد الباجي، قال: «ولا يَصِحُّ حَمْلُ الحديث على عمومه؛ لأنَّا لا نعلم غازياً أعظم أجراً من أهل بدر، على ما أصابوا من الغنيمة. وقد رُوي عن رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ - وكان ممن شهد بدراً - قال: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ. أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ». (6) وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعمر بن الخطاب: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ
_________
(1) يهدبها: أي يجنيها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (5/ 249).
(2) الأثر بتمامه عن خباب - رضي الله عنه - قال: «هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (1276)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (940).
(3) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (6/ 331)، والنص يظهر أن فيه بعض التصحيفات، أصلحت بعضها من كتاب «إحكام الأحكام»، لابن دقيق العيد (2/ 304)، وقد نقل كلام القاضي بنصه لكن لم يكمله.
(4) فتح الباري، لابن حجر (6/ 12).
(5) هو: حميد بن هانئ، أبو هانئ، الخولاني، المصري، قال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات في التابعين، وقال الدارقطني: لا بأس به ثقة. وقال ابن عبد البر: هو عندهم صالح الحديث لا بأس به. روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (3/ 45).
(6) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (3992).
(1/485)
________________________________________
اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». (1)». اهـ (2)
وتُعُقِّبَ هذا القول: بأنَّ أبا هانئ ثقة مشهور، روى عنه الليث بن سعد (3)،
وحيوة (4)، وابن وهب (5)، وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه. (6)
القول الرابع: أنَّ نُقصان الأجر إنما هو لمن أخذ الغنيمة على غير وجهها.
وهذا جواب أبي الوليد الباجي، ذكره على التسليم بثبوت الحديث. (7)
وذكر هذا الجواب مع تضعيفه ورده: القاضي عياض، والنووي، والحافظ ابن حجر. (8)
قال النووي: «وهذا غلط فاحش؛ إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر». اهـ (9)

ثانياً: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية وحديث أبي هريرة:
الجواب عن هذا التعارض مبني على الخلاف في المسألة السابقة - أعني مسألة دفع التعارض بين الحديثين -:
فأصحاب المذهب الأول يرون أنْ لا تعارض بين الآية والحديث؛ لأنَّ معنى الحديث عندهم إمَّا أنْ يغنم فيبقى له ثُلُثُ الأجر، أو تفوته الغنيمة فينال الأجر تامَّاً، وهو مأجور في كلتا الحالتين، وهذا المعنى لا يُعارض الآية.
_________
(1) أخرجه من حديث علي - رضي الله عنه -: البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (3007)، ومسلم في صحيحه، في كتاب فضائل الصحابة، حديث (2494).
(2) المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (2/ 160).
(3) هو: الليث بن سعد، الإمام الحافظ، شيخ الديار المصرية وعالمها ورئيسها، أبو الحارث الفهمي مولاهم، الأصبهاني الأصل، المصري، إمام حجة كثير التصانيف، وكان كبير الديار المصرية وعالمها الأنبل، حتى إن نائب مصر وقاضيها من تحت أوامره، (ت: 175هـ). انظر: تذكرة الحفاظ، للذهبي (1/ 224).
(4) هو: حيوة بن شريح، الإمام القدوة، أبو زرعة التجيبي المصري، شيخ الديار المصرية، وثقه أحمد بن حنبل وغيره، وكان كبير الشأن، قال ابن المبارك: وُصِف لي حيوة فكانت رؤيته أكبر من صفته. توفي سنة (158هـ). انظر: تذكرة الحفاظ، للذهبي (1/ 185).
(5) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم، الإمام الحافظ، أبو محمد الفهري، مولاهم المصري، الفقيه أحد الأئمة الأعلام، جمع بين الفقه والحديث والعبادة، وكان ثقة حجة حافظاً مجتهداً لا يقلد أحداً، ذا تعبد وتزهد، (ت: 197هـ). انظر: تذكرة الحفاظ (1/ 304).
(6) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (13/ 78)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي
(3/ 749)، وإحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (2/ 303)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 11)، وعمدة القاري، للعيني (1/ 232).
(7) انظر: المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (2/ 160).
(8) انظر على الترتيب: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (6/ 330)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (13/ 79، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 12).
(9) شرح صحيح مسلم، للنووي (13/ 79).
(1/486)
________________________________________
وأما أصحاب المذهب الثاني فأجابوا عن الحديث: بأنَّ «أو» في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» هي بمعنى «الواو»، قالوا: ولا يجوز حملها على معنى «أو»؛ لأن ذلك يوهم معنىً فاسداً يُعَارِضُ الآية، وهذا المعنى هو أنْ يكون له الغنيمة وحدها بلا أجر، أو الأجر ولا غنيمة. (1)
قال ابن عبد البر: «قوله: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» يريد - والله أعلم - من أجر وغنيمة، كما قال الله عز وجل: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: 24]، يريد ولا كفوراً، وكما قال جل ثناؤه: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: 3]، أي مثنى أو ثلاث أو رباع، فقد تكون «أو» بمعنى الواو، وتكون الواو بمعنى «أو»، وقد روي منصوصاً «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» بواو الجمع لا بأو .... ». اهـ (2) ثم ذكر حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - بلفظ: «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ». (3)
وقال أبو الوليد الباجي: «قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» يريد - والله أعلم - مع الذي ينال منهما؛ فإنْ أصاب غنيمة فله أجر وغنيمة، وإنْ لم يُصب الغنيمة فله الأجر على كل حال، فتكون «أو» بمعنى «الواو»؛ كقول جرير (4):
نَالَ الخِلاَفَةَ أَوْ كَانَتْ عَلَى قَدَرٍ ... كَمَا أَتَى رَبّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ ... ». اهـ (5) (6)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ما ذهب إليه الجمهور من المحدثين، بأنَّ المجاهد يَنْقُصُ أجرهُ إذا أخذ شيئاً من الغنيمة، كما هو صريح
_________
(1) انظر: الاستذكار، لابن عبد البر (14/ 10)، والمنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (3/ 160)، وتفسير القرطبي (5/ 179).
(2) الاستذكار (14/ 10).
(3) تقدم تخريجه في أول المسألة وبيان القول الراجح في هذه الرواية.
(4) هو: جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، من تميم، أشعر أهل عصره. ولد ومات في اليمامة. وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان هجاءاً مرّاً، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وكان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً. توفي سنة (110هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (2/ 119).
(5) لم أقف عليه في ديوان جرير، والبيت في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (8/ 51).
(6) المنتقى شرح الموطأ (3/ 160).
(1/487)
________________________________________
حديث عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، وكما تقدم فإنَّ هذا الحديث لا يُعارِضُ حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بل هو موافق ومفسِّرٌ له؛ لأنَّ معنى حديث أبي هريرة: أنَّ للمجاهد الأجرَ تامّاً إنْ لم يغنم، أو الأجرَ والغنيمةَ معاً إنْ غَنِم، فالأجر حاصلٌ على كلِّ حال، غَنِمَ أو لم يَغنَم، لكنَّه مع الغنيمة أنقص، وهو مُقَدَّرٌ في الشِقِّ الثاني مع الغنيمة، وإنْ لم يُصَرِّح بذكره، وكما ترى فإنَّ هذا المعنى لا يُعارِضُ حديث عبد الله بن عمرو، ولا يُعارِضُ الآية أيضاً.
وأمَّا ما ذَكَرَهُ أصحاب المذهب الثاني من أجوبةٍ عن حديث عبد الله بن عمرو؛ فكلها لا تخلوا من ضعف، وقد تقدَّم بيانُ ذلك.
وأمَّا قولهم: إنّه لا يُعْلَمُ غازياً أعظمَ من أهل بدر، وقد أصابوا من الغنيمة، ولو كان أخذها يُنقص من الأجر ما كانت فضيلة لهم؛ فجوابه: أنَّه ليس في غنيمة بدر نصٌ أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم مغفوراً لهم، مرضياً عنهم، ومن أهل الجنة؛ لا يلزم أنْ لا يكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه، مع أنَّه شديد الفضل عظيم القدر. (1)
وأمَّا قولهم: إنَّ «أو» - في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» - هي بمعنى «الواو»؛ فيَرِدُ عليه إشكال؛ لأنَّه يقتضي من حيث المعنى أنْ يكون الضمانُ وقع بمجموع الأمرين لكلِّ من رجع، وقد لا يتفق ذلك؛ فإنَّ كثيراً من الغُزاة يرجع بغير غنيمة، فما فَرَّ منه الذي ادَّعى أنَّ «أو» بمعنى «الواو» وقع في نظيره؛ لأنَّ رواية «أو» ظاهرها يُوهِمُ أنَّ من رجع بغنيمة رجع بغير أجر، على حين يلزم من القول بأنَّها بمعنى «الواو» أنَّ كلَّ غازٍ يُجْمَعُ له بين الأجر والغنيمة معاً، وهذا المعنى لا يَصِحُّ كما تقدَّم، مع ما فيه من المُخالفة لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، والذي فيه أنَّ الذي يَغْنَمُ يرجع بأجر لكنَّه أنقص من أجر من لم يغنم. (2)
_________
(1) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (13/ 78)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي
(3/ 749)، وإحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (2/ 303)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 11)، وعمدة القاري، للعيني (1/ 232).
(2) انظر: فتح الباري، لابن حجر (6/ 115)، وإحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (2/ 305)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (7/ 325).
(1/488)
________________________________________
وأمَّا استدلالهم برواية: «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ»، بـ «الواو»؛ فالأصح أنَّ هذه الرواية لا تَثْبُتُ، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في أوَّلِ المسألة، عند تخريج الحديث، والله تعالى أعلم.

****
(1/489)
________________________________________
المسألة [2]: في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)) [التوبة: 108].

المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يُوهِم ظاهرها التعارض فيما بينها:
(66) ـ (57): عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مَرَّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري فقلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: قال أبي: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ (1)، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ». قَالَ: فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ. (2)
(67) ـ (58): وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة:
_________
(1) الحصباء: هي صغار الحصى. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (1/ 393).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (1398).
(1/490)
________________________________________
108] قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ (1) بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ». (2)
_________
(1) الِاسْتِنْجَاءُ: هو طَلَبُ طَهَارَةِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ بِالتُّرَابِ أَوْ الْمَاءِ. قَالَ صَاحِبُ مُجْمَلِ اللُّغَةِ: النَّجْوُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: أَصْلُهُ مِنْ النَّجْوَةِ، وَهِيَ الِارْتِفَاعُ مِنْ الْأَرْضِ. وَكَانَ الرَّجُلُ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ تَسَتَّرَ بِنَجْوَةٍ، فَقَالُوا ذَهَبَ يَنْجُو، كَمَا قَالُوا ذَهَبَ يَتَغَوَّطُ، إذَا أَتَى الْغَائِطَ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ الْحَدَثُ نَجْوًا وَاشْتُقَّ مِنْهُ: اسْتَنْجَى، إذَا مَسَحَ مَوْضِعَهُ أَوْ غَسَلَهُ. انظر: طلبة الطلبة، للنسفي، ص (3).
(2) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، حديث (44)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3100)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، حديث (357)، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 105)، جميعهم من طريق يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به.
وهذا الإسناد فيه علتان:
الأولى: ضعف يونس بن الحارث، كما في تقريب التهذيب، لابن حجر (2/ 394).
الثانية: جهالة إبراهيم بن أبي ميمونة، قال ابن القطان: «مجهول الحال». تهذيب التهذيب (1/ 152).
وقال الذهبي: «ما روى عنه سوى يونس بن الحارث». ميزان الاعتدال (1/ 197).
وقد حكم على هذا الإسناد بالضعف: النووي في المجموع (2/ 116)، والحافظ ابن كثير في تفسيره
(2/ 403)، والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (1/ 112).
وأما الألباني فقد ذكر في «إرواء الغليل» (1/ 84 - 85): أنَّ الحديث صحيح باعتبار شواهده.
وسأذكر شواهد الحديث ثم أبين بعد ذلك درجته وحكم الاحتجاج به:
الشاهد الأول: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لما نزلت: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) [التوبة: 108] بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عويم بن ساعدة فقال: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله به عليكم؟ فقال: ما خرج رجل منا أو امرأة من الغائط إلا غسل دبره أو مقعده. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فهو هذا».
أخرجه الطبراني في الكبير (11/ 67)، وعمر بن شبة في «أخبار المدينة» (1/ 37)، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 105)، والحاكم في المستدرك (1/ 299) وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، جميعهم من طريق محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 212): «رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن؛ إلا أنَّ ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه». اهـ
ورواه البزار في مسنده [كما في كشف الأستار، للهيثمي (1/ 130)، ونصب الراية، للزيلعي (1/ 218)] قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، ثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال: وجدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) =
(1/491)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= [التوبة: 108] فسألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء».
قال البزار: «هذا حديث لا نعلم أحداً رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا نعلم أحداً روى عنه إلا ابنه». قال الحافظ ابن حجر في «التلخيص» (1/ 112): «ومحمد بن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم فقال: ليس له ولا لأخويه عمران وعبد الله حديث مستقيم، وعبد الله بن شبيب ضعيف أيضاً». وانظر: مجمع الزوائد، للهيثمي (1/ 212)، والدراية في تخريج أحاديث الهداية، لابن حجر (1/ 96)، ونصب الراية، للزيلعي (1/ 218).
الشاهد الثاني: حديث عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَتَاهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَال: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاءَ فِي الطُّهُورِ فِي قِصَّةِ مَسْجِدِكُمْ، فَمَا هَذَا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَّهَّرُونَ بِهِ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَنَا جِيرَانٌ مِنْ الْيَهُودِ فَكَانُوا يَغْسِلُونَ أَدْبَارَهُمْ مِنْ الْغَائِطِ فَغَسَلْنَا كَمَا غَسَلُوا».
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 422)، وابن جرير في تفسيره (6/ 476)، وابن خزيمة في صحيحه
(1/ 45)، والطبراني في الكبير (17/ 140)، والأوسط (6/ 89)، والصغير (2/ 86)، والحاكم في المستدرك (1/ 258)، جميعهم من طريق أبي أويس، عن شرحبيل بن سعد، عن عويم بن ساعدة، به.
وفي إسناده «شرحبيل بن سعد، أبو سعد الخطمي، المدني، مولى الأنصار» قال بشر بن عمر: سألت مالكاً عنه فقال: ليس بثقة، وقال ابن معين: ليس بشيء، ضعيف، وقال ابن سعد: كان شيخاً قديماً، روى عن زيد بن ثابت وعامة الصحابة، وبقي حتى اختلط واحتاج، وله أحاديث، وليس يحتج به، وقال أبو زرعة: لين، وقال النسائي: ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف، يعتبر به، وقال ابن عدي: له أحاديث وليست بالكثيرة، وفي عامة ما يرويه نكارة، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي سماعه من عويم بن ساعدة نظر؛ لأن عويماً مات في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويقال في خلافة عمر رضي الله عنه.
انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (4/ 282).
والحديث أورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 212) وقال: «رواه أحمد والطبراني في الثلاثة، وفيه شرحبيل بن سعد، ضعفه مالك وابن معين وأبو زرعة ووثقه ابن حبان». اهـ
الشاهد الثالث: حديث أبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك - رضي الله عنهم -: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لما نَزَلَتْ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطُّهُورِ فَمَا طُهُورُكُمْ؟ قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. قَالَ: فَهُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ».
أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، حديث (355)، وابن أبي حاتم في تفسيره (6/ 1882)، =
(1/492)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= وابن الجارود في المنتقى (1/ 22)، والدارقطني في سننه (1/ 62)، والحاكم في المستدرك (2/ 365)، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 105)، وفي شعب الإيمان (3/ 18)، جميعهم من طريق عتبة بن أبي حكيم قال: حدثني طلحة بن نافع قال: حدثني أبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك، فذكره.
قال الزيلعي في نصب الراية (1/ 218): «سنده حسن، وعتبة بن أبي حكيم فيه مقال، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وضعفه النسائي، وعن ابن معين فيه روايتان». اهـ
وقال النووي في «المجموع» (2/ 116): «إسناده صحيح؛ إلا أنَّ فيه عتبة بن أبي حكيم وقد اختلفوا في توثيقه، فوثقه الجمهور، ولم يبين من ضعفه سبب ضعفه، والجرح لا يُقبل إلا مفسراً، فيظهر الاحتجاج بهذه الرواية». اهـ
قلت: الحديث فيه انقطاع؛ فإن طلحة بن نافع لم يُدرك أبا أيوب، كما أشار إلى ذلك البوصيري في «مصباح الزجاجة» (1/ 222).
الشاهد الرابع: حديث محمد بن عبد الله بن سلام قال: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْنَا - يَعْنِي قُبَاءً - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطُّهُورِ خَيْرًا أَفَلَا تُخْبِرُونِي؟ قَالَ: يَعْنِي قَوْلَهُ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108] قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عَلَيْنَا فِي التَّوْرَاةِ، الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ».
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 141)، والإمام أحمد في مسنده (6/ 6)، وابن جرير في تفسيره (6/ 476)، والبخاري في التاريخ الكبير (1/ 18)، جميعهم من طريق مالك بن مغول قال: سمعت سياراً أبا الحكم غير مرة يحدث عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: ... ، فذكره.
وأخرجه الطبري في تفسيره (6/ 476)، والبغوي في «معجم الصحابة» كما في «الإصابة» (6/ 22)، عن أبي هشام الرفاعي، عن يحيى بن آدم - وقد تحرف عند الطبري إلى يحيى بن رافع - عن مالك بن مغول، به.
قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (6/ 22): «لكن قال فيه يحيى: لا أعلمه إلا عن أبيه - يريد: عن محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عبد الله بن سلام - وقال أبو هشام: وكتبته من أصل كتاب يحيى بن آدم ليس فيه عن أبيه. وقال البغوي: حدث به الفريابي، عن مالك بن مغول، عن سيار، عن شهر، عن محمد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر أباه.
وقال ابن مندة: رواه داود بن أبي هند عن شهر مرسلاً، لم يذكر محمداً ولا أباه، ورواه سلمة بن رجاء، عن مالك بن مغول، فزاد فيه: «عن أبيه» وقال أبو زرعة الرازي: الصحيح عندنا عن محمد، ليس فيه عن أبيه، والله أعلم». انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه «معرفة الصحابة» (1/ 176)، من طريق الإمام أحمد، ثم قال: «ورواه =
(1/493)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= أبو أسامة، وابن المبارك، والفريابي، وعنبسة بن عبد الواحد، ومحمد بن سابق، كرواية يحيى بن آدم، وخالفهم سلمة بن رجاء، عن مالك، فقال: عن محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه».
ثم ساق رواية سلمة بن رجاء فقال: «حدثناه الحسن بن أحمد بن صالح السبيعي، ثنا إبراهيم بن عبد الرحيم بن الحجاج الرقي، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا سلمة بن رجاء، عن مالك بن مغول، عن سيار أبي الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، قال: قال أبي .... ، فذكره.
ثم قال: ورواه زيد، ويحيى ابنا أبي أنيسة، عن سيار، عن محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، كرواية سلمة بن رجاء، عن مالك بن مغول.
حدثنا بحديث زيد: محمد بن إبراهيم، ثنا الحسن بن محمد بن حماد، ثنا محمد بن وهب، ثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن سيار أبي الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، قال: سمعت أبي يقول: .... ، فذكره.
وحديث يحيى: حدثناه سليمان، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا عبد الله بن حماد الحضرمي، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن يحيى بن أبي أنيسة، عن سيار أبي الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه قال: .... ، فذكره».
قلت: الحديث مدار إسناده على شهر بن حوشب الأشعري أبو سعيد، الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، وثقه جماعة، والأكثر على تضعيفه.
قال إبراهيم بن الجوزجاني: أحاديثه لا تشبه أحاديث الناس، وقال موسى بن هارون: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال يعقوب بن شيبة: قيل لابن المديني: ترضى حديث شهر؟ فقال: أنا أحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أنْ يجتمعا عليه: يحيى وعبد الرحمن على تركه، وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: ما أحسن حديثه ووثقه، وقال حنبل عن أحمد: ليس به بأس، وقال عثمان الدارمي: بلغني أنَّ أحمد كان يثني على شهر، وقال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث، وقوى أمره، وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، على أنَّ بعضهم قد طعن فيه، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات، وعن الأثبات المقلوبات، وقال الحاكم: أبو أحمد ليس بالقوي عندهم، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه وشهر ليس بالقوي في الحديث وهو ممن لا يحتج بحديثه ولا يتدين به، وقال الدارقطني: يخرج حديثه، وقال البيهقي: ضعيف، وقال ابن حزم: ساقط، وقال ابن عدي: ضعيف جداً. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (4/ 324 - 325).
والحديث أورده الهيثمي في «مجمع =
(1/494)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= الزوائد» (1/ 213) وقال: «رواه الطبراني في الكبير، وفيه شهر بن حوشب وقد اختلفوا فيه ولكنه وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة ويعقوب بن شيبة». اهـ
الشاهد الخامس: حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل قباء: «ما هذا الطهور الذي قد خُصِصتم به في هذه الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108] قالوا: يا رسول الله ما منا أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته».
أخرجه الطبراني في الكبير (8/ 121)، وفي الأوسط (3/ 231) قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، فذكره.
وفيه «شهر بن حوشب» وقد تقدم الكلام عليه في الشاهد الرابع.
الشاهد السادس: حديث خزيمة بن ثابت - رضي الله عنه - قال: كان رجال منا إذا خرجوا من الغائط يغسلون أثر الغائط فنزلت فيهم هذه الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108].
أخرجه الطبراني في الكبير (4/ 100)، من طريق أبي بكر بن أبي سبرة، عن شرحبيل بن سعد، عن خزيمة، به.
وفي إسناده «أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة»، قال صالح بن الإمام أحمد عن أبيه: أبو بكر بن أبي سبرة يضع الحديث، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بشيء، كان يضع الحديث ويكذب، وقال الدوري، ومعاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال الغلابي عن ابن معين: ضعيف الحديث، وقال ابن المديني: كان ضعيفاً في الحديث، وقال مرة: كان منكر الحديث، وقال الجوزجاني: يضعف حديثه، وقال البخاري: ضعيف، وقال مرة: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في جملة من يضع الحديث. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (12/ 30 - 31).
وفيه أيضاً «شرحبيل بن سعد» ضعيف، وقد تقدم الكلام فيه في الشاهد الثاني.
وأخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 476)، من طريق إبراهيم بن محمد، عن شرحبيل، به.
والحديث أورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 213) وقال: «رواه الطبراني، وفيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو متروك». اهـ
الشاهد السابع: حديث سهل الأنصاري: أنَّ هذه الآية نزلت في ناس من أهل قباء كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108].
أخرجه عمر بن شبة في «أخبار المدينة» (1/ 37) قال: حدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا يزيد بن عياض، عن الوليد بن أبي سندر الأسلمي، عن يحيى بن سهل الأنصاري، عن أبيه، به.
وفيه «يزيد بن عياض بن جعدبة الليثي، أبو الحكم المدني»، قال الإمام مالك: كذاب، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أحمد بن صالح المصري: أظنه كان يضع للناس، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ضعيف الحديث، منكر الحديث، وعن أبي =
(1/495)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الحديثين:
ظاهر حديث أبي سعيد الخدري أنَّ المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي هو في جوف المدينة، وأما سبب نزول الآية فظاهره أنَّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وهذا يُوهِمُ الاختلاف والتناقض بين الحديثين. (1)
_________
= زرعة: ضعيف الحديث، وأمر أنْ يُضرب على حديثه، وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال أبو داود: تُرِك حديثه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضوع آخر: كذاب، وقال مرة: ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وقال العجلي، وعلي بن المديني، والدارقطني: ضعيف، وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: كان يكذب. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (11/ 308).
الشاهد الثامن: حديث أبي أيوب - رضي الله عنه - قال: قالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين قال الله عز وجل: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108]؟ قال: «كانوا يستنجون بالماء، وكانوا لا ينامون الليل كله».
أخرجه الطبراني في الكبير (4/ 179)، والحاكم في المستدرك (1/ 299)، كلاهما من طريق واصل بن السائب، عن عطاء بن أبي رباح، وعن أبي سورة، عن عمه أبي أيوب، به.
وفي إسناده «واصل بن السائب الرقاشي أبو يحيى البصري»، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو بكر بن أبي شيبه: ضعيف، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال البخاري، وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات، وقال يعقوب بن سفيان، والساجي: منكر الحديث، وقال الأزدي: متروك الحديث. انظر: تهذيب التهذيب (11/ 92).
والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 213)، وقال: «رواه الطبراني في الكبير، وفيه واصل بن السائب وهو ضعيف».
النتيجة: الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنَّ الحديث صحيح باعتبار شواهده، وأنَّ الآية نزلت في رجال من الأنصار، وأما كونها نزلت في مسجد قباء خاصة فلا يصح؛ لأن الطرق التي فيها ذكر «قباء» ضعيفة جداً، ولا يصح اعتبارها، والله تعالى أعلم.
(1) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: أحكام القرآن، لابن العربي (2/ 584)، وتفسير ابن كثير (2/ 404)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 289)، والديباج على مسلم، للسيوطي (3/ 430)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (2/ 235)، وشرح الزرقاني على موطأ مالك (1/ 481)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (11/ 32)، وأضواء البيان، للشنقيطي (8/ 550).
(1/496)
________________________________________
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الحديثين:
للعلماء في دفع التعارض بين الحديثين مسلكان:
الأول: مسلك الجمع بينهما:
حيث ذهب جمع من العلماء إلى نفي التعارض بين الحديثين؛ وجمعوا بينهما بأنَّ كلاً من المسجدين قد أسس على التقوى، إلا أنَّ المسجد النبوي أحق بهذا الوصف من مسجد قباء، لحديث أبي سعيد، وأما مراد الآية فهو مسجد قباء دون المسجد النبوي، كما دل عليه سبب نزول الآية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) [التوبة: 108] مسجده - صلى الله عليه وسلم - هو الأحق بهذا الوصف، وقد ثبت في الصحيح أنه سُئِلَ عن المسجد المؤسس على التقوى فقال: «هو مسجدي هذا» يريد أنه أكمل في هذا الوصف من مسجد قباء، ومسجد قباء أيضاً أسس على التقوى، وبسببه نزلت الآية، ولهذا قال فيه: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108] فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا يظن ظان أنَّ ذاك هو الذي أسس على التقوى دون مسجده، فذكر أنَّ مسجده أحق بأن يكون هو المؤسس على التقوى فقوله: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى) [التوبة: 108] يتناول مسجده ومسجد قباء، ويتناول كل مسجد أسس على التقوى. اهـ (1)
وقال الحافظ ابن كثير: «المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم هو مسجد قباء، لما دل عليه السياق، والأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه، وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينافي ما تقدم؛ لأنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم،
_________
(1) مجموع الفتاوى (17/ 468). بتصرف. وانظر: (27/ 406)، ومنهاج السنة (4/ 24)، واقتضاء الصراط المستقيم (1/ 431).
(1/497)
________________________________________
فمسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى». اهـ (1)
وقال: لما سُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المسجد الذي أسس على التقوى أشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، ولا تنافي؛ فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم. اهـ (2)
وقال الحافظ ابن حجر: «والحق أنَّ كلاً منهما أسس على التقوى». اهـ (3)
وقال الطاهر بن عاشور: «ووجه الجمع عندي أنْ يكون المراد بقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) [التوبة: 108] المسجد الذي هذه صفته، لا مسجداً واحداً معيناً، فيكون هذا الوصف كلياً انحصر في فردين: المسجد النبوي، ومسجد قباء، فأيهما صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد الضرار كان ذلك أحق وأجدر، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من الصلاة في مسجدهم، ومن مطاعنهم أيضاً، ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين، وقد كان قيام الرسول في المسجد النبوي هو دأبه». اهـ (4)
وقد اختار هذا الجمع:
ابن عبد البر (5)، والداوودي (6)، والسهيلي (7)، وابن القيم (8)، والسمهودي (9) (10)، والقاسمي (11)، والألباني (12).
_________
(1) البداية والنهاية، لابن كثير (5/ 20).
(2) تفسير ابن كثير (2/ 578). بتصرف. وانظر: (2/ 403 - 404) و (3/ 495).
(3) فتح الباري، لابن حجر (7/ 289).
(4) التحرير والتنوير، لابن عاشور (11/ 32).
(5) التمهيد، لابن عبد البر (13/ 267). إلا أنه يرى أنَّ حديث أبي سعيد أثبت من جهة الإسناد، من حديث قباء.
(6) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7/ 289).
(7) الروض الأنف، للسهيلي (2/ 246).
(8) زاد المعاد، لابن القيم (1/ 395).
(9) هو: علي بن عبد الله بن أحمد الحسني الشافعي، نور الدين أبو الحسن: مؤرخ المدينة المنورة ومفتيها. ولد في سمهود (بصعيد مصر) ونشأ في القاهرة. واستوطن المدينة سنة 873 هـ، وتوفي بها. من كتبه (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى) و (جواهر العقدين) في فضل العلم والنسب، وغيرها.
(ت: 911 هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (4/ 307).
(10) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، للسمهودي (1/ 473).
(11) محاسن التأويل، للقاسمي (5/ 503).
(12) الثمر المستطاب، للألباني (2/ 541، 568).
(1/498)
________________________________________
وللنحاس، وأبي العباس القرطبي، رأي آخر في الجمع:
حيث ذهبا إلى أنَّ أول الآية وهو قوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يعود على مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، لحديث أبي سعيد، وأما آخر الآية، وهو قوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) فهو في مسجد قباء، كما يدل عليه سبب النزول.
غير أنَّ النحاس لم يجزم بذلك حيث جوَّز أنْ تكون الآية كلها في المسجد النبوي.
قال النحاس: «الهاء في قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يعود على مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والهاء في قوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يعود على مسجد قباء، ويجوز أنْ تكون تعود على مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -». اهـ (1)
وقال أبو العباس القرطبي: «ويلزم من تعيين النبي - صلى الله عليه وسلم - مسجده أنْ يكون هو المراد بقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) [التوبة: 108]، وأنْ يكون الضمير في قوله: (فِيهِ رِجَالٌ) عائد على المسجد الذي أسس على التقوى؛ لأنه لم يتقدمه ظاهر غيره يعود عليه، وليس الأمر كذلك، بدليل ما رواه أبو داود من طريق صحيحة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ». (2) فعلى هذا يكون الضمير في: (فِيهِ رِجَالٌ) غير عائد على المسجد المذكور قبله، بل على مسجد قباء، الذي دلت عليه الحال والمشاهدة عندهم، وأما عندنا فلولا هذا الحديث لحملناه على الأول. وعلى هذا يتعين على القارئ أنْ يقف على «فيه» من قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) ويبتدئ: (فِيهِ رِجَالٌ) ليحصل به التنبيه على ما ذكرناه، والله تعالى أعلم». اهـ (3)
_________
(1) معاني القرآن (3/ 255).
(2) سبق تخريجه في أول المسألة.
(3) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (3/ 509 - 510).
(1/499)
________________________________________
واعتُرِضَ على هذا القول: بأن فيه تفكيكاً للضمائر، والأصل أنْ تكون الضمائر متناسقة وعائدة على مذكور واحد. (1)
أدلة هذا المذهب:
استدل القائلون بأن مراد الآية هو مسجد قباء بأدلة، منها:
الأول: أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) يقتضي أنه مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حلَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بدار الهجرة، وأما مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يُنْشَأ إلا بعد ذلك. (2)
الدليل الثاني: أنَّ قوله في بقية الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يؤكد كون المراد مسجد قباء، وقد صح في سبب نزول الآية أنها نزلت في أهل قباء؛ فتعين حمل الآية جميعها على أنها واردة في مسجد قباء.
وأجابوا عن حديث أبي سعيد والذي فيه تعيين مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا:
وأما حديث أبي سعيد: فليس هو في معرض بيان وتعيين ما في الآية؛ بل هو في بيان الأحق بهذا الوصف، يدل عليه قوله في رواية أخرى هي من تمام الحديث: «وفي ذلك خير كثير». (3) يريد مسجد قباء.
قالوا: والسر في إجابته - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك إنما هو لدفع ما توهمه السائل من
_________
(1) انظر: فتح الباري، لابن حجر (7/ 289)، وتعليق الصابوني على كتاب «معاني القرآن» للنحاس (3/ 255)، حاشية (2).
(2) انظر: تفسير القرطبي (8/ 165)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 289)، وروح المعاني، للآلوسي (11/ 29).
(3) هذه الزيادة في الحديث: أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف (2/ 148)، والإمام أحمد في مسنده (3/ 23) و (3/ 91)، والترمذي في سننه، في كتاب الصلاة، حديث (323)، والحاكم في المستدرك (1/ 662)، جميعهم من طريق أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه سمعان، عن أبي سعيد الخدري، به.
و «سمعان»: هو أبو يحيى الأسلمي، مولاهم المدني، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: «ليس به بأس». انظر: الثقات، لابن حبان (6/ 434)، وتهذيب الكمال، للمزي (12/ 140).
وبقية رجال الإسناد ثقات، والحديث صححه الترمذي، والحاكم، وحسنه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 218).
(1/500)
________________________________________
اختصاص ذلك بمسجد قباء دون المسجد النبوي، والتنويه بمزية هذا على ذاك. (1)
الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته:
الإيراد الأول: إذا كان كل واحد من المسجدين قد أسس على التقوى، فما المزية التي أوجبت تعيينه - صلى الله عليه وسلم - مسجد المدينة دون مسجد قباء؟
وأجيب: بأن بناء مسجد قباء لم يكن بأمر جزم من الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، بل نُدب إليه، أو كان رأياً رآه، بخلاف مسجد المدينة؛ فإنه أُمر بذلك، وجُزم عليه، فأشبه امتثال الواجب، فكان بذلك الاسم أحق. (2)
ويحتمل أنْ تكون المزية لما اتفق من طول إقامته - صلى الله عليه وسلم - بمسجد المدينة، بخلاف مسجد قباء فما أقام به إلا أياماً قلائل. (3)
الاعتراض الثاني: أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) لا يفيد أنه مسجد قباء؛ لأن المعنى: أنه أسس على التقوى من أول مبتدأ تأسيسه، أي أنه لم يشرع فيه، ولا وضع حجر على حجر منه، إلا على اعتقاد التقوى. (4)
قال الآلوسي: «ومعنى تأسيسه على التقوى من أول يوم: أنَّ تأسيسه على ذلك كان مبتدأ من أول يوم من أيام وجوده، لا حادثاً بعده، ولا يمكن أنْ يراد من أول الأيام مطلقاً». اهـ (5)
الاعتراض الثالث: أنَّ القول بأن كلاً منهما قد أسس على التقوى يوحي بنوع استدراك على حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه حينما سُئل أي المسجدين أسس على التقوى؟ أجاب: بأنه مسجده، ولم يقل كلا المسجدين قد أسسا على التقوى، بل أشار إلى أنَّ مسجد قباء فيه خير كثير، فكيف يقال بعد ذلك أنَّ كلاً منهما قد أسسا على التقوى؟!
_________
(1) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 508 - 509)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 289)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (5/ 504 - 505).
(2) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (3/ 509).
(3) انظر: فتح الباري، لابن حجر (7/ 289).
(4) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (2/ 585).
(5) روح المعاني (11/ 30).
(1/501)
________________________________________
المسلك الثاني: الترجيح بين الأحاديث:
حيث ذهب آخرون إلى تضعيف الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية، التي فيها أنَّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وأنَّ الآية لا يصح فيها إلا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
قال ابن العربي: فإن قيل: إن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم». يدل على أنَّ ضمير المتطهرين هو ضمير مسجد قباء.
قلنا: هذا حديث لم يصح، والصحيح هو حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء. وقال آخر: هو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو مسجدي هذا. اهـ (1)
وقال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عيَّن هذا المسجد الذي أسس على التقوى، وجزم بأنه مسجده - صلى الله عليه وسلم -، كما قدمنا من الأحاديث الصحيحة، فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا غيرهم، ولا يصح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء؛ فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أنَّ ما ورد في فضائل مسجده - صلى الله عليه وسلم - أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك ولا شبهة تعم. اهـ (2)
وقال الآلوسي بعد أنْ ذكر المذهب الأول: «ولا يخفى بُعْد هذا الجمع، فإن ظاهر الحديث الذي أخرجه الجماعة عن أبي سعيد الخدري بمراحل عنه، ولهذا اختار بعض المحققين القول الثاني .... ، وأما ما رواه
_________
(1) أحكام القرآن، لابن العربي (2/ 584 - 585). بتصرف. ولابن العربي رأي آخر مضاد لهذا القول، حيث يرى أنَّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ويرى تقديم حديث قباء على حديث أبي سعيد؛ لأن الرواة له أكثر. انظر: عارضة الأحوذي، لابن العربي (2/ 104) و (11/ 177).
(2) فتح القدير (2/ 589)، بتصرف.
(1/502)
________________________________________
الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «من أنَّ قوله جل وعلا: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) نزلت في أهل قباء وكانوا يستنجون بالماء». فهو لا يعارض نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأما ما رواه ابن ماجه عن أبي أيوب وجابر وأنس من أنَّ هذه الآية لما نزلت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر الأنصار إن الله تعالى قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. قال: فهل مع ذلك غيره؟ قالوا: لا، غير أنَّ أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أنْ يستنجي بالماء. قال - صلى الله عليه وسلم -: هو ذاك فعليكموه». فلا يدل على اختصاص أهل قباء، ولا ينافي الحمل على أهل مسجده صلى الله عليه وسلم».
قال: «والجمع فيما أرى بين الأخبار والأقوال متعذر، وليس عندي أحسن من التنقير عن حال تلك الروايات صحة وضعفاً، فمتى ظهر قوة إحداهما على الأخرى عُوِّلَ على الأقوى، وظاهر كلام البعض يُشعر بأن الأقوى رواية ما يدل على أنَّ المراد مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -». اهـ (1)
وممن ذهب إلى ترجيح حديث أبي سعيد:
الطحاوي (2)، والقاضي عياض (3)، والنووي (4)، وابن عطية (5)، وأبو عبد الله القرطبي (6)، والحافظ العراقي (7)، والعيني (8)، والسندي (9)، والمُلا علي القاري (10).
أدلة هذا المذهب:
استدل القائلون بأن مراد الآية هو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - دون مسجد قباء بأدلة منها:
_________
(1) روح المعاني (11/ 29 - 30).
(2) شرح مشكل الآثار، للطحاوي (12/ 177).
(3) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (4/ 518).
(4) صحيح مسلم بشرح النووي (9/ 240).
(5) المحرر الوجيز، لابن عطية (3/ 82).
(6) تفسير القرطبي (8/ 165).
(7) نقله عنه السيوطي في شرح سنن النسائي (2/ 35).
(8) عمدة القاري، للعيني (17/ 49).
(9) حاشية السندي على سنن النسائي (2/ 36).
(10) مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (2/ 371).
(1/503)
________________________________________
الأول: حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -، وهو نص صحيح صريح في المسألة.
الدليل الثاني: أنَّ المسجد النبوي أحق بالوصف بالتأسيس على التقوى من أول يوم، من مسجد قباء، لما ورد من أحاديث كثيرة في فضله. (1)
الدليل الثالث: أنَّ التعبير بالقيام عن الصلاة في قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يستدعي المداومة، ويعضده توكيد النهي بقوله: (أَبَدًا) [التوبة: 108]، ومداومة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم توجد إلا في مسجده الشريف - صلى الله عليه وسلم -. (2)
الدليل الرابع: أنَّ القول بأنه مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صح عن جمع لا يحصون من الصحابة ومن بعدهم، وهذا يؤكد أنَّ المراد به مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - دون مسجد قباء. (3)
وأجاب أصحاب هذا المذهب عن سبب نزول الآية:
بأن بعض طرق الحديث فيها ضعف، وبعضها ليس فيه تعيين مسجد قباء، وبعضها لا تصريح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وإذ الأمر كذلك فإن هذه الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية لا تقاوم الأحاديث الصحيحة الصريحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -. (4)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - أنَّ المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دون مسجد قباء، وهذا ما دل عليه حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - الصحيح الصريح، وأما ما ورد في سبب نزول الآية؛ فإنه عند التحقيق لا يظهر أنه يخالف حديث أبي سعيد؛ ذلك أنَّ سبب النزول
_________
(1) انظر: روح المعاني، للآلوسي (11/ 29).
(2) انظر: المصدر السابق (11/ 29 - 30).
(3) انظر: فيض القدير، للمناوي (6/ 269).
(4) انظر: فتح القدير، للشوكاني (2/ 590).
(1/504)
________________________________________
لم يصح فيه أنَّ الآية نزلت في مسجد قباء، بل الصحيح أنها نزلت في رجال من الأنصار، وقد قمت بتقصي طرق سبب نزول الآية ووجدت أنها كلها لا تخلوا من ضعف، غير أنَّ الطرق التي فيها التصريح بذكر مسجد قباء ضعيفة جداً، وقد استشكل جمع من العلماء هذه المسألة بسبب ذلك، لذا فإن القول المختار في سبب نزول الآية أنها نزلت في رجال من الأنصار كانوا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليسوا في مسجد قباء، والله تعالى أعلم.
أدلة هذا الاختيار:
1 - أنَّ الحديث الذي ورد فيه التصريح بأنه مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أقوى في الثبوت من أحاديث سبب نزول الآية، التي فيها أنها نزلت في مسجد قباء، حيث روي حديث مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم، وأما أحاديث سبب نزول الآية؛ فإن جميعها رويت من طرق لا تخلو من ضعف.
2 - أنَّ الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية، التي فيها التصريح بذكر مسجد قباء، رويت عن ستة من الصحابة - كما تقدم في تخريج سبب النزول - إلا أنَّ هذه الأحاديث لا يصح الاحتجاج بها؛ لأن أسانيدها لا تخلو من راوٍ كذاب، أو ضعيف جداً.
3 - أنَّ النص الصريح الصحيح المرفوع للنبي - صلى الله عليه وسلم - مقدم على سبب النزول، وذلك عند التعارض. (1)
4 - أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) ليس المراد به: من أول أيام قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - لدار الهجرة، بل المراد من أول أيام تأسيس المسجد، والمعنى أنه أسس أول ما أسس على التقوى، لا على الضرار والكفر، يدل على هذا المعنى أنَّ هذه الآية وردت في مقابل الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)) [التوبة: 107] فمسجد الضرار أسس أول ما أسس على الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، لذلك أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإحراقه
_________
(1) انظر: روح المعاني، للآلوسي (11/ 29).
(1/505)
________________________________________
وهدمه (1)؛ لأن بناءه لم يكن على أساس من التقوى والرضوان، وأما المسجد النبوي فأسس أول ما أسس على تقوى من الله ورضوان، ويؤيد هذا المعنى أيضاً قوله في الآية التي بعدها: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [التوبة: 109] فهذه الآية صريحة بأن المراد من أول أيام تأسيس المسجد، وأنه أسس أول ما أسس على التقوى.
5 - ومما يؤكد أنَّ المراد مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله في الآية: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) حيث أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالقيام فيه، ومعلوم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُدِم القيام بمسجد قباء، وإنما كان يزوره ويصلي فيه في الأسبوع مرة واحدة (2)، والذي كان يداوم على الصلاة فيه هو مسجده الذي في جوف المدينة، وما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يخالف أمر ربه تبارك وتعالى فيترك مسجد قباء، وقد أُمِرَ بالقيام فيه، وإنما أمر بالقيام في مسجده - صلى الله عليه وسلم -، والذي هو مراد الآية.
الإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار:
الإيراد الأول: أنه قد صح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنَّ المراد بالآية مسجد قباء (3)، وهذا يدل على أنَّ لسبب النزول أصلاً صحيحاً.
_________
(1) قصة مسجد الضرار وأمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بهدمه، أخرجها ابن جرير في تفسيره (6/ 469 - 470)، وذكرها الحافظ ابن كثير في تفسيره (2/ 403)، وفي البداية والنهاية (5/ 20).
(2) عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَفْعَلُهُ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث (1193)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (1399).
(3) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 474)، وابن أبي حاتم في تفسيره (6/ 1882)، كلاهما من طريق أبي صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، به. وإسناده حسن.
وممن قال من المفسرين إنَّ المراد به مسجد قباء: عروة بن الزبير، وعطية العوفي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والشعبي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعبد الله بن بريدة، والضحاك.
انظر: تفسير الطبري (6/ 474)، وتفسير ابن أبي حاتم (6/ 1882).
(1/506)
________________________________________
والجواب: أنه قد صح أيضاً عن ابن عمر (1)، وزيد بن ثابت (2)، أنَّ المراد بالآية مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس قول بعض الصحابة بحجة على بعض إلا إذا اتفقوا، وليس في الآية اتفاق، فلم يبق إلا اعتبار الحديث.
الإيراد الثاني: أنه روي عن ستة من الصحابة أنَّ الآية نزلت في أهل قباء، وهي وإن كانت ضعيفة إلا إنه يشد بعضها بعضاً؛ لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أنَّ للقصة أصلاً. (3)
والجواب: أنَّ القول بتقوية الحديث بكثرة طرقه ليس على إطلاقه، وقد نبّه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين، منهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح (4)، حيث قال: «لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكوماً بضعفها، مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة .... ، فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن؛ لأن بعض ذلك عضد بعضاً، كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفاً؟
وجواب ذلك: أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه، ولم يختل فيه ضبطه له .... ، ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعيف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذاً، وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة». اهـ (5)
الإيراد الثالث: أنَّ الأحاديث التي فيها أنَّ الآية نزلت في رجال من
_________
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 473)، وابن أبي شيبة في المصنف (2/ 148)، كلاهما من طريق ربيعة بن عثمان، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، عن ابن عمر، به. وإسناده حسن.
(2) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 473)، والطبراني في الكبير (5/ 126، 133). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 34): «رواه الطبراني مرفوعاً وموقوفاً .... ، وأحد إسنادي الموقوف رجاله رجال الصحيح». اهـ
(3) انظر: فتح الباري، لابن حجر (8/ 293).
(4) هو: عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي النصر النصري الشهرزوري الكردي الشرخاني، أبو عمرو، تقي الدين، المعروف بابن الصلاح: أحد الفضلاء المقدمين في التفسير والحديث والفقه، ولد في شرخان (قرب شهرزور) وانتقل إلى الموصل ثم إلى خراسان، فبيت المقدس حيث ولي التدريس في الصلاحية. وانتقل إلى دمشق، فولاه الملك الأشرف تدريس دار الحديث، وتوفي فيها. له كتاب (معرفة أنواع علم الحديث) يعرف بمقدمة ابن الصلاح، و (الأمالي) و (الفتاوى) جمعه بعض أصحابه، وغيرها. (ت: 643 هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (23/ 140)، والأعلام، للزركلي (4/ 207).
(5) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، ص (34 - 35).
(1/507)
________________________________________
الأنصار هي أيضاً ضعيفة، فكيف اعتمدتموها وطرحتم بقية الأحاديث التي فيها ذكر مسجد قباء؟
والجواب: أنَّ هذه الأحاديث أقوى إسناداً من بقية الأحاديث التي فيها ذكر مسجد قباء، وقد صححها بعض العلماء كما تقدم في تخريج الحديث، ورواتها مختلف في توثيقهم، ولكن لما رويت من عدة طرق صح اعتبارها.
الإيراد الرابع: أنَّ القول بأن الآية نزلت في رجال من الأنصار -كانوا إذا خرجوا من الغائط يغسلون أثر الغائط فنزلت فيهم هذه الآية - يلزم منه أنها نزلت في أهل قباء؛ لأنهم هم الذين كانوا يفعلون ذلك.
والجواب: أنَّ الأنصار كانوا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي مسجد قباء، ومسجده - صلى الله عليه وسلم - كان معموراً بالمهاجرين والأنصار، ومن سواهم من الصحابة، وليس هناك ما يدل على أنَّ أولئك الرجال كانوا في مسجد قباء خاصة، إلا ما ورد في سبب نزول الآية، وقد تقدم أنَّ ذلك لا يصح، والله تعالى أعلم. (1)

****
_________
(1) انظر: شرح مشكل الآثار، للطحاوي (12/ 177)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (11/ 32).
(1/508)
________________________________________
المسألة [3]: في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) [النجم: 8]

المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)) [النجم: 5 - 10].

المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يُوهِم ظاهرها التعارض فيما بينها:
(68) ـ (59): عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ .... - فَذَكَرَ حديثَ الإسراء بطوله، وفيه: « ... ثُمَّ عَلَا بِهِ (1) فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى، حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ: خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ، كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... ». (2)
_________
(1) أي علا جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (7517)، وأخرجه مختصراً: مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (162)، قال: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ - قَالَ: =
(1/509)
________________________________________
(69) ـ (60): وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: «كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ، ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي، أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23)) [التكوير: 23] (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)) [النجم: 13]؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ». (1)
(70) ـ ( .. ): وفي رواية: قَالَ مَسْرُوق: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10))؟ قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ عليه السلام، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ». (2)
(71) ـ (61): وَعَنْ أبي إِسْحَاقٍ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)) قَالَ: «أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ». (3)
_________
= حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (177)، وأخرجه بنحوه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4855).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، حديث (3235)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (290) - (177).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، حديث (3232)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (174).
وأخرجه مرفوعاً ابن جرير في تفسيره =
(1/510)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث:
ظاهرُ حديثِ أنس - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أُسريَ به، دنا منه الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، وهذا الدنو يُفْهَمُ منه أنه هو المراد من قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)).
وأمَّا حديثُ عائشةَ وابنِ مسعود - رضي الله عنهما - فظاهرهما يُوهِم مُعارضة حديث أنس؛ لأنهما نسبا الدنو والتدلي في الآية لجبريل عليه السلام، وهما وإنْ لم يُصَرِّحَا برَفْعِ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إلا أنَّ تفسيرهما هذا في حكم المرفوع؛ لأنَّ مثله لا يُقال بالرأي. (1)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الأحاديث:
اختلف العلماء في تفسير الآية، وفي دفع التعارض بين الأحاديث على مذاهب:
_________
= (11/ 508) قال: حدثنا ابن أبي الشوارب قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا سليمان الشيباني قال: ثنا زر بن حبيش قال: قال عبد الله في هذه الآية: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت جبريل له ست مائة جناح».
وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (2/ 346)، من طريق أبي الشوارب، به.
إلا أن ابن أبي الشوارب لم يُتابع في رفعه، فقد أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4856) قال: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بن زياد، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ زِرًّا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)) قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: «أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ».
وابن أبي الشوارب اسمه محمد بن عبد الملك، صدوق، روى له مسلم وغيره. انظر: تقريب التهذيب، لابن حجر (2/ 195).
(1) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: صحيح ابن حبان (1/ 256)، والفصول في اختصار سيرة الرسول، لابن كثير (1/ 244)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 257) و (13/ 493).
(1/511)
________________________________________
الأول: أنَّ الدنو والتدلي في الآية المراد به دنو جبريل عليه السلام، من محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا التفسير هو الثابت عن عائشة، وابن مسعود، رضي الله عنهما، وقد تقدم.
وروي عن الحسن البصري (1)، وقتادة (2)، والربيع بن أنس (3).
وهو مذهب الجمهور من المفسرين والمحدثين (4)، وممن قال به:
ابن جرير الطبري، وأبو الليث السمرقندي، والخطابي، والبيهقي، والواحدي، والسمعاني، والقاضي عياض، وابن عطية، والفخر الرازي، وأبو عبد الله القرطبي، والبيضاوي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، وابن أبي العز الحنفي، وابن جماعة، والشوكاني، والآلوسي، والقاسمي، والشنقيطي. (5)
وقد ذكر الإمام ابن القيم عدة أدلة تؤيد هذا المذهب:
«الأول: أنَّ الله تعالى قال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)) [النجم: 5]، وهذا جبريل الذي وصفه الله بالقوة في سورة التكوير فقال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20)) [التكوير: 19 - 20].
_________
(1) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (3/ 250)، وابن جرير في تفسيره (11/ 507).
(2) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (3/ 250)، وابن جرير في تفسيره (11/ 507).
(3) أخرجه ابن جرير في تفسيره (11/ 507)، وأبو الشيخ في العظمة (2/ 793).
(4) حكاه مذهب الجمهور: البيهقي في «الأسماء والصفات» (2/ 354)، والقاضي عياض في «الشفا»
(1/ 130)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (5/ 197).
(5) انظر على الترتيب: تفسير الطبري (11/ 506)، وتفسير أبي الليث السمرقندي (3/ 289)، وأعلام الحديث، للخطابي (3/ 1916)، ودلائل النبوة، للبيهقي (2/ 385)، والوسيط في تفسير القرآن المجيد، للواحدي (4/ 193)، وتفسير السمعاني (5/ 285 - 286)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (1/ 130)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (5/ 197)، ومفاتيح الغيب، للرازي (28/ 247)، وتفسير القرطبي (17/ 60)، وتفسير البيضاوي (5/ 253)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (11/ 234)، ومدارج السالكين، لابن القيم (3/ 300)، وتفسير ابن كثير (3/ 5) و (4/ 266 - 267)، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (1/ 276)، وإيضاح الدليل، لابن جماعة (1/ 144)، وفتح القدير، للشوكاني (5/ 150)، وروح المعاني، للآلوسي (27/ 69)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (9/ 63)، وأضواء البيان، للشنقيطي (3/ 401).
(1/512)
________________________________________
الثاني: أنه تعالى قال: (ذُو مِرَّةٍ) أي حسن الخلق، وهو الكريم المذكور في سورة التكوير.
الثالث: أنه قال: (فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7)) وهو ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى، وأما استواء الرب جل جلاله فعلى عرشه.
الرابع: أنه قال: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14))، والمرئي عند السدرة هو جبريل قطعاً، وبهذا فسره النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية فقال: «جبريل، لم أرَهُ في صورته التي خُلِقَ عليها إلا مرتين». (1)
الخامس: أنَّ مُفَسِّرَ الضمير في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ) وفي قوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8))، وفي قوله: (فَاسْتَوَى)، وفي قوله: (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7)) واحد، فلا يجوز أنْ يُخالف بين المُفَسِّر والمُفَسَّر من غير دليل.
السادس: أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين، الملكي والبشري، ونزَّه البشري عن الضلال والغواية، ونزَّه الملكي عن أنْ يكون شيطاناً قبيحاً ضعيفاً؛ بل هو قوي كريم حسن الخلق، وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواء.
السابع: أنَّه أخبر هناك أنه رآه بالأفق المبين، وهاهنا أخبر أنه رآه بالأفق الأعلى، وهو واحدٌ وُصِفَ بصِفَتين، فهو مُبين، وهو أعلى؛ فإنَّ الشيء كلما علا: بَانَ وظَهَر.
الثامن: أنَّه قال: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6)) والمرة الخلق الحسن المحكم، فأخبر عن حُسْنِ خُلُقِ الذي عَلَّمَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ساق الخبر كله عنه نسقاً واحداً.
التاسع: أنَّه لو كان خبراً عن الرب تعالى لكان القرآن قد دَلَّ على أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه سبحانه مرتين، مرَّة بالأفق، ومرَّة عند السدرة، ومعلوم أنَّ الأمر لو كان كذلك لم يَقُلْ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر وقد سأله هل رأيت ربك؟
_________
(1) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(1/513)
________________________________________
فقال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (1)، فكيف يُخبر القرآن أنه رآه مرتين ثم يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنى أراه؟ وهذا أبلغ من قوله: لم أره؛ لأنه مع النفي يقتضي الإخبار عن عدم الرؤية فقط، وهذا يَتضمن النفي وطرفاً من الإنكار على السائل، كما إذا قال لرجل: هل كان كيت وكيت؟ فيقول: كيف يكون ذلك؟
العاشر: أنَّه لم يَتَقدَّم للرب جل جلاله ذِكرٌ يعود الضمير عليه في قوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8))، والذي يعود الضمير عليه لا يَصْلُحُ له، وإنما هو لعبده.
الحادي عشر: أنَّه كيف يعود الضمير إلى ما لم يُذكر، ويُترك عُودُه إلى المذكور مع كونه أولى به.
الثاني عشر: أنَّه قد تقدم ذِكُرُ «صاحبكم»، وأعاد عليه الضمائر التي تليق به، ثم ذكر بعده شديد القوى، ذا المرة، وأعاد عليه الضمائر التي تليق به، والخبر كله عن هذين المُفَسَّرين، وهما الرسول الملكي، والرسول البشري.
الثالث عشر: أنَّه سبحانه أخبر أنَّ هذا الذي دنا فتدلى كان بالأفق الأعلى، وهو أفق السماء، بل هو تحتها قد دنا من رسول رب العالمين، ودنو الرب تعالى وتدليه على ما في حديث شريك كان من فوق العرش، لا إلى الأرض.
الرابع عشر: أنهم لم يُمارُوه صلوات الله وسلامه عليه على رؤية ربه، ولا أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها، وإنما ماروه على رؤية ما أخبرهم من الآيات التي أراه الله إياها، ولو أخبرهم الرب تعالى لكانت مماراتهم له عليها أعظم من مماراتهم على رؤية المخلوقات.
الخامس عشر: أنَّه سبحانه قرَّر صحة ما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ مماراتهم له على ذلك باطلة بقوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)) [النجم: 18]، فلو كان المرئي هو الرب سبحانه وتعالى، والمماراة على ذلك منهم، لكان تقرير تلك الرؤية أولى، والمقام إليها أحوج». (2)
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (178).
(2) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم (3/ 300 - 302).
(1/514)
________________________________________
وقد اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن حديث أنس - رضي الله عنه -، والذي يُوهِمُ ظاهره أنَّ الذي دنا فتدلى في الآية هو الجبار رب العزة، وقد ذكروا أجوبة منها:
الأول: أنَّ قوله في حديث أنس: «وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى»، زيادة شاذة؛ لم تُرْوَ عن أنس - رضي الله عنه - إلا من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر (1)، وهي مما تَفَرَّدَ به في روايته لحديث الإسراء. (2)
وهذا جواب: الخطابي (3)، وابن حزم (4)، والبيهقي (5)، وعبد الحق
_________
(1) هو: شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي، وقيل: الليثي، أبو عبد الله المدني، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجة. قال ابن معين، والنسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن عدي: إذا روى عنه ثقة فلا بأس برواياته. وقال الآجري، عن أبي داود: ثقة. وقال النسائي أيضاً: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ. وقال ابن الجارود: ليس به بأس، وليس بالقوي، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه.
انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (4/ 296).
(2) ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (13/ 493 - 494) أنَّ مجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من الحفاظ - في حديث الإسراء - اثنا عشر أمراً:
الأول: أمكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات، وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم.
الثاني: كون المعراج قبل البعثة.
الثالث: كونه مناماً.
الرابع: مخالفته في محل سدرة المنتهى، وأنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه الا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة.
الخامس: مخالفته في النهرين، وهما النيل والفرات، وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة، وأنهما من تحت سدرة المنتهى.
السادس: شق الصدر عند الإسراء.
السابع: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة.
الثامن: نسبة الدنو والتدلي إلى الله عز وجل، والمشهور في الحديث أنه جبريل.
التاسع: تصريحه بأن امتناعه صلى الله عليه وسلم من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه كان بعد التاسعة.
العاشر: قوله: «فعلا به الجبار وهو مكانه».
الحادي عشر: رجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى عليه الصلاة والسلام أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع.
الثاني عشر: زيادة ذكر التور في الطست.
(3) أعلام الحديث، للخطابي (4/ 2353).
(4) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (11/ 493).
(5) دلائل النبوة، للبيهقي (2/ 385)، والأسماء والصفات (2/ 357).
(1/515)
________________________________________
الإشبيلي (1)، وابن جماعة (2)، وابن رجب (3).
قال الخطابي: «إنَّ الذي وقع في هذه الرواية - من نسبة التدلي للجبار عز وجل - مُخَالِفٌ لعامة السلف، والعلماء، وأهل التفسير، من تقدم منهم ومن تأخر ... ، قال: وقد رُوي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك فلم يُذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من جهة شريك». اهـ (4)
وقال ابن حزم: «لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئاً لا يحتمل مخرجاً إلا حديثين». ثم ذكر حديث أنس فقال: «وفيه ألفاظٌ مُعْجَمة، والآفة من شريك، من ذلك قوله: «قبل أن يُوحى إليه» (5)، وأنه حينئذ فرض عليه الصلاة، قال: وهذا لا خلاف بين أحد من أهل العلم إنما كان قبل الهجرة بسنة، وبعد أن أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة، ثم قوله: «إن الجبار دنا فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى»، وعائشة رضي الله عنها تقول: إن الذي دنا فتدلى جبريل». اهـ (6)
وقال البيهقي: «ليس في رواية ثابت عن أنس لفظ الدنو والتدلي، ولا لفظ المكان، وروى حديث المعراج: ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، عن أبي ذر، وقتادة، عن مالك بن صعصعة، ليس في حديث واحد منهما شيء من ذلك». (7)
قال: «وفي حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى الله عز وجل، وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته - صلى الله عليه وسلم - جبريل أصح». اهـ (8)
_________
(1) الجمع بين الصحيحين (1/ 127 - 128).
(2) إيضاح الدليل، لابن جماعة (1/ 145).
(3) فتح الباري، لابن رجب (2/ 114).
(4) أعلام الحديث، للخطابي (4/ 2352 - 2353).
(5) تقدم في أول المسألة تخريج حديث شريك، وذكرته هناك مختصراً، وهذه اللفظة منه.
(6) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (13/ 439).
(7) الأسماء والصفات، للبيهقي (2/ 357).
(8) دلائل النبوة، للبيهقي (2/ 385).
(1/516)
________________________________________
وقال عبد الحق الإشبيلي - في الجمع بين الصحيحين -: «زاد فيه - يعني شريكاً - زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك، وشريكٌ ليس بالحافظ عند أهل الحديث». اهـ (1)
وقال ابن جماعة (2): «وأما حديث شريك بن أبي نمر الطويل؛ فقد خَلَّطَ فيه، وزاد زيادات لم يروها غيره ممن هو أحفظ منه، وليس في رواية ثابت، ولا قتادة عن أنس لفظ الدنو، ولا التدلي، ولا المكان، ولا في رواية الزهري، عن أنس وأبي ذر، وذَكَرَ شريكٌ في حديثه ما يدل على أنه لم يحفظ الحديث على ما ينبغي؛ فإنه خلَّط في مقامات الأنبياء، وقال في آخر حديثه: «فاستيقظ وهو في المسجد الحرام»، والمعراج إنما كان رؤية عين». اهـ (3)
وقد سبق إلى التنبيه على ما في رواية شريك من المخالفة مسلم في صحيحه فإنه قال - بعد أنْ ساق سند الحديث وبعض المتن -: «وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ». اهـ (4)
إلا أنَّ الحافظ أبا الفضل ابن طاهر (5) لم يرتضِ دعوى تَفَرُّدِ شريكٍ بهذه الزيادة، حيث قال: «تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أنَّ الآفة منه، شيء لم يُسبق إليه؛ فإنَّ شريكاً قَبِلَهُ أئمة الجرح والتعديل، ووثقوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به، وروى عبد الله بن أحمد الدورقي، وعثمان الدارمي، وعباس الدوري، عن يحيى بن معين أنه قال: لا بأس به. وقال ابن عدي: مشهور من أهل المدينة، حدث عنه مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به؛ إلا أن يروي عنه ضعيف (6).
قال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقة، وهو سليمان بن بلال. قال:
_________
(1) الجمع بين الصحيحين (1/ 127 - 128)، باختصار.
(2) هو: محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، الكناني، الحموي، الشافعي، بدر الدين، أبو عبد الله: من العلماء بالحديث وسائر علوم الدين، ولد في حماة، وولي الحكم والخطابة بالقدس، ثم القضاء بمصر، فقضاء الشام، ثم قضاء مصر إلى أن شاخ وعمي، له تصانيف، منها: «كشف المعاني في المتشابه من المثاني» و «تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم»، وغيرها، توفي في مصر سنة (733هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (5/ 297).
(3) إيضاح الدليل، لابن جماعة (1/ 145).
(4) تقدم توثيقه عند تخريج حديث أنس في أول المسألة.
(5) هو: محمد بن طاهر بن علي بن أحمد، أبو الفضل ابن أبي الحسين بن القيسراني، المقدسي، الأثري، الظاهري، الصوفي، كان ثقة، صدوقاً، حافظاً، عالماً بالصحيح والسقيم، حسن المعرفة بالرجال والمتون، كثير التصانيف، لازماً للأثر، بعيداً من الفضول والتعصب، كثير الحج والعمرة، مات ببغداد منصرفاً من الحج سنة (507 هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (19/ 361).
(6) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي (4/ 5).
(1/517)
________________________________________
وعلى تقدير تسليم تفرده برواية «قبل أن يوحى إليه»؛ فإنَّ ذلك لا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يُسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو تُرِك حديث من وَهِمَ في تاريخ، لتُرِكَ حديثُ جماعة من أئمة المسلمين». اهـ (1)
وكذا الحافظ ابن حجر، فإنه يميل إلى تقوية شريك، ويدفع دعوى تفرده بهذه الزيادة؛ فإنه قال بعد أن أورد إنكار الأئمة المتقدمين: «وفي دعوى التفرد نظر؛ فقد وافقه كثير بن خنيس - بمعجمة ونون، مصغر - عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في «كتاب المغازي» من طريقه». اهـ (2)
_________
(1) نقله عنه الحافظُ ابن حجر في الفتح (13/ 493).
(2) فتح الباري، لابن حجر (13/ 488). ورواية سعيد بن يحيى الأموي لم أقف عليها، وقد أخرجه ابن جرير في تفسيره (11/ 509) قال: حدثنا خلاد بن أسلم قال: أخبرنا النضر، أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن كثير، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة، قال: فدخلت، فأعطيت الكوثر، ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى، فدنا ربك فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى».
وأخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (2/ 530)، حديث (317)، قال: ثنا أبو عمار الحسين بن حريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، قال: ثنا كثير بن حبيش، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بينما أنا مضطجع في المسجد .... »، ثم ذكر حديثاً طويلاً في قصة الإسراء، وفيه: «ثم عرج بي حتى جاء سدرة المنتهى، فدنا إلى ربه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ففرض علي وعلى أمتي خمسين صلاة».
وكثير: اختلف في اسم أبيه فقيل: خنيس، بالخاء والسين، وقيل: حبيش، بالحاء والشين، وقد ترجم له البخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 209) وذكره باسم: كثير بن حبيش، ثم ذكر بعده كثير بن خنيس، وذكر ابن حبان في «الثقات» (7/ 349) - تبعاً للبخاري - ترجمتين: بالخاء المعجمة، ثم بالحاء المهملة والشين المعجمة، فقال - في الذي أوله معجمة -: «روى عن أنس»، وفي الذي أوله مهملة: «روى عن عمرة». وأما ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (7/ 150) فلم يضبط أباه، وقال: «سمعت أبى يقول: هما واحد». ورجح ابن ماكولا أن أباه «حبيش» بالحاء المهملة، ثم الموحدة، ثم المعجمة، مع التصغير، وأما أقوال النقاد فيه: فقد ضعفه الأزدي، ووثقه ابن حبان، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: هو مديني مستقيم الحديث، لا بأس بحديثه. انظر: لسان الميزان، لابن حجر =
(1/518)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= (4/ 481)، وتعجيل المنفعة، له (1/ 347).
وهناك متابعة أخرى لشريك، أخرجها ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 420 - 421)، قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا هارون بن المغيرة، وحكام بن سلم، عن عنبسة، عن أبى هاشم الواسطي، عن ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك قال: «لما كان حين نبئ النبي - صلى الله عليه وسلم - .... » ثم ذكر حديثاً طويلاً، وفيه: «ثم خرج إلى سدرة المنتهى، وهى سدرة نبق، أعظمها أمثال الجرار، وأصغرها أمثال البيض، فدنا ربك، فكان قاب قوسين أو أدنى، فجعل يتغشى السدرة من دنو ربها أمثال الدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ .... ».
وقد أورد هذه المتابعة الحافظ ابن حجر في الفتح (13/ 491 - 492) وسكت عنها.
وميمون بن سياه: روى له البخاري في صحيحه، والنسائي، وقد اختلف النقاد في توثيقه، فقال: الدوري، عن يحيى بن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال أبو داود: ليس بذاك. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف. ثم أعاد ذكره في الضعفاء فقال: ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يحتج به إذا انفرد. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف. وقال حمزة، عن الدارقطني: يحتج به. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (10/ 347).
قلت: الأقرب في حاله أنه صدوق يخطئ، كما وصفه الحافظ ابن حجر في «التقريب» (2/ 296).
وثمة متابعة أخرى رواها البيهقي في الدلائل (2/ 382 - 383)، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سختويه، قال: حدثنا أبو مسلم، ومحمد بن يحيى بن المنذر، قالا: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أتيت بالبراق .... »، ثم ذكر حديث الإسراء بطوله، وفيه: «ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي، تغيرت فما أحد من خلق الله عز وجل يستطيع أن ينعتها من حسنها، قال: فدنا فتدلى فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض علي في كل يوم خمسين صلاة .... ».
هكذا رواه بزيادة: «فدنا فتدلى فأوحى إلى عبده ما أوحى»، وهذه الزيادة شاذة ومنكرة، لم يُتابع عليها حجاج بن منهال - إن كانت منه - وقد روى الحديث عن حماد بن سلمة: شيبانُ بن فروخ، والحسنُ بن موسى، ولم يذكرا هذه الزيادة، رواه عن شيبان بن فروخ: الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (162)، ورواه عن الحسن: الإمام أحمد في مسنده (3/ 148).
وقد أعل هذه الرواية البيهقي في الدلائل (2/ 385) فإنه قال - بعد روايته للحديث -: «ورواه مسلم في الصحيح، عن شيبان بن فروخ، عن حماد بن سلمة؛ إلا أنه لم يذكر قوله: «فدنا فتدلى» وإنما قال: فأوحى إلى عبده ما أوحى. فيحتمل أن تكون زيادة في الحديث غير محفوظة؛ =
(1/519)
________________________________________
قال: «والأولى التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها؛ إما بدفع تفرده، وإما بتأويله على وفاق الجماعة». اهـ (1)
الجواب الثاني: أنَّ الحديث موقوف على أنس - رضي الله عنه -.
ذكر هذا الجواب: الخطابي (2)، والبيهقي (3)، وابن جماعة (4).
قال الخطابي مشيراً إلى رفع الحديث من أصله: «ثم إنَّ القصة بطولها إنما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يَعْزُهَا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا نقلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي، إما من أنس، وإما من شريك؛ فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يُتابعه عليها سائر الرواة». اهـ (5)
وقال ابن جماعة: «ثم الحكاية كلها موقوفة على أنس من تلقاء نفسه، لم يرفعها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا رواها عنه، ولا عزاها إلى قوله، وقد روت عائشة، وابن مسعود، وأبو هريرة مرفوعاً (6): أنَّ المراد بالآية المذكورة جبريل، وهم أحفظ وأكثر، فكيف يُترك لحديث شريك، وفيه ما فيه». اهـ (7)
_________
= فإن كانت محفوظة كما رواه حجاج بن منهال، وكما رواه شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، فيحتمل أن يكون جبريل عليه السلام فعل ذلك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حين رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، كما فعله في المرة الأولى». اهـ
النتيجة: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنَّ هاتين المتابعتين لا يتقوى بهما حديث شريك؛ وذلك لاختلاف النقاد في توثيق كثير بن حبيش، وميمون بن سياه، ولما في روايتهما من المخالفة للجم الغفير من الرواة عن أنس، وسيأتي مزيد بيان لذلك في مبحث الترجيح، إن شاء الله تعالى.
(1) فتح الباري، لابن حجر (13/ 493).
(2) أعلام الحديث، للخطابي (4/ 2353).
(3) الأسماء والصفات، للبيهقي (2/ 357).
(4) إيضاح الدليل، لابن جماعة (1/ 145).
(5) أعلام الحديث، للخطابي (4/ 2353).
(6) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)) [النجم: 13] قَالَ: «رَأَى جِبْرِيلَ». أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (175). ولم أقف عليه مرفوعاً من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(7) إيضاح الدليل، لابن جماعة (1/ 145)، وانظر: الأسماء والصفات، للبيهقي (2/ 357).
(1/520)
________________________________________
إلا أنَّ الحافظ ابن حجر لم يرتضِ دعوى وقف الحديث على أنس - رضي الله عنه -، حيث قال - في رده على الخطابي -: «وما نفاه - من أنَّ أنساً لم يُسند هذه القصة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تأثير له؛ فأدنى أمره فيها أنْ يكون مرسل صحابي، فإما أنْ يكون تلقاها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه لا يُقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لِمَا ذَكَرَهُ تأثير لم يُحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلاً، وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة، فالتعليل بذلك مردود». اهـ (1)
الجواب الثالث: أنَّ الدنو والتدلي المذكورين في الآية هما غير الدنو والتدلي المذكورين في حديث أنس - رضي الله عنه -، فإنَّ الذي في الآية هو دنو جبريل عليه السلام وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود، رضي الله عنهما، وأما الدنو والتدلي اللذين في حديث أنس فذلك صريح في أنَّه دنو الرب تبارك وتعالى وتدليه، ولا تَعَرّضَ في سورة النجم لذلك؛ بل فيها أنه رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد - صلى الله عليه وسلم - على صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى. (2)
ذكر هذا الجواب: ابن القيم (3)، والحافظ ابن كثير (4)، وابن أبي العز الحنفي (5)، والقاسمي (6).
والظاهر من كلام هؤلاء الأئمة قبول رواية شريك، إلا أنَّ الحافظ ابن كثير يميل إلى تفرد شريك بن عبد الله بهذه الرواية، حيث ذكر أنَّ شريكاً قد اضطرب في رواية هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه. (7)
وثمة أجوبة أخرى عن حديث شريك؛ غير أنَّ هذه الأجوبة صادرة عن
_________
(1) فتح الباري، لابن حجر (13/ 493).
(2) انظر: زاد المعاد، لابن القيم (3/ 38).
(3) زاد المعاد (3/ 38)، ومدارج السالكين (3/ 300 - 301).
(4) تفسير ابن كثير (4/ 67)، والبداية والنهاية (3/ 110).
(5) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (1/ 276).
(6) محاسن التأويل، للقاسمي (9/ 67).
(7) انظر: تفسير ابن كثير (3/ 4) و (4/ 267)، والبداية والنهاية (3/ 110).
(1/521)
________________________________________
استشكال ظاهر الحديث، والذي فيه نسبة الدنو والتدلي إلى الله تعالى، ومن هذه الأجوبة:
1 - أنَّ الدنو والتدلي في الحديث المراد بهما قرب الكرامة، لا قرب المكان.
ذكر هذا الجواب: ابن فورك، والقاضي عياض، والعيني. (1)
قال القاضي عياض: «اعلم أنَّ ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله، أو إلى الله، فليس بدنو مكان، ولا قرب مدى، وإنما هو دنو النبي - صلى الله عليه وسلم - من ربه وقربه منه إبانة عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس، وبسط وإكرام». اهـ (2)
2 - أنَّ ما جاء في حديث شريك هي رؤيا رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نومه، ولا إشكال فيما يراه - صلى الله عليه وسلم - في منامه.
ذكر هذا الجواب: الخطابي (3)، والسهيلي. (4)
قال الخطابي: «ليس في هذا الكتاب - يعني صحيح البخاري - حديثٌ أشنعَ ظاهراً، ولا أشنع مذاقاً من هذا الفصل؛ فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلق من فوق إلى أسفل، فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعاً عن غيره، ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قصاراه: إما رَدُّ الحديث من أصله، أو الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما، وأما من اعتبر أول الحديث بآخره فإنه يزول عنه الإشكال؛ فإنه مصرح فيهما بأنه كان رؤيا؛ لقوله في
_________
(1) انظر على الترتيب: مشكل الحديث، لابن فورك (1/ 156)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (1/ 156)، وعمدة القاري، للعيني (25/ 172).
(2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (1/ 131)، وانظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (1/ 528).
(3) أعلام الحديث، للخطابي (4/ 2352).
(4) الروض الأنف، للسهيلي (2/ 202).
(1/522)
________________________________________
أوله: «وهو نائم» وفي آخره: «استيقظ»، وبعض الرؤيا مثلٌ يُضرب ليُتأول على الوجه الذي يجب أنْ يُصرف إليه معنى التعبير في مثله، وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة». اهـ (1)
المذهب الثاني: أنَّ الدنو والتدلي في الآية المراد بهما دنو الله تعالى من نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وقد رُوي عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، ما يدل على هذا المعنى:
فعن أبي سلمة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14)) [النجم: 13 - 14]- قال: «دنا ربه منه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. قال: قد رآه النبي - صلى الله عليه وسلم -». (2)
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: «لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - اقترب منه ربه، فكان قاب قوسين أو أدنى». (3)
وروى ابن خزيمة، عن عباد بن منصور قال: «سألت الحسن، فقلت: ثم دنا فتدلى، من ذا يا أبا سعيد؟ قال: ربي». (4)
ونسب ابن الجوزي هذا القول لمقاتل. (5)
وقد مال إلى هذا التفسير الإمام ابن خزيمة؛ فإنه قال: «فأما قوله جل وعلا: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)) ففي خبر شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، بيان ووضوح أنَّ معنى قوله: (دنا فتدلى) إنما دنا الجبار رب العزة، لا جبريل». اهـ (6)
ثم أورد حديث أنس من طريق شريك بن عبد الله، وأتبعه بتفسير الحسن
_________
(1) أعلام الحديث، للخطابي (4/ 2352).
(2) سيأتي تخريجه والكلام عليه في مبحث الترجيح.
(3) ذكره السيوطي في الدر المنثور (6/ 158)، وعزاه لابن المنذر، وابن مردويه.
(4) كتاب التوحيد، لابن خزيمة (2/ 529)، حديث (316).
(5) زاد المسير، لابن الجوزي (7/ 275).
(6) كتاب التوحيد (2/ 521).
(1/523)
________________________________________
البصري للآية، ثم قال: «وفي خبر كثير بن حبيش، عن أنس: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال مثل هذه اللفظة التي في خبر شريك بن عبد الله». اهـ (1)
ثم روى بإسناده حديث كثير بن حبيش، عن أنس - رضي الله عنه -، ولفظه: «فدنا إلى ربه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى». (2)
وكما ترى فإنَّ لفظ كثير بن حبيش مُغاير للفظ شريك؛ إذ في لفظ «شريك» نسبة الدنو إلى الله تعالى، وأما لفظ «كثير بن حبيش» ففيه: أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - هو الذي دنا إلى ربه عز وجل.
لكن روى الحديث ابنُ جرير في تفسيره، عن كثير بن حبيش، بلفظ موافق لرواية شريك، ولفظ الحديث كاملاً: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما عُرِجَ بي مضى جبريل حتى جاء الجنة، قال: فدخلتُ فأُعطيت الكوثر، ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى، فدنا ربُّك فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى». (3)
وممن ذهب إلى نسبة الدنو إلى الله تعالى: القاضي أبو يعلى، في كتابه «إبطال التأويلات لأخبار الصفات»؛ فإنه أورد الآية ثم قال: «فعُلِمَ أنَّ المتدلي هو الذي يُوحي، وهو الله تعالى». اهـ (4)
المذهب الثالث: أنَّ الدنو والتدلي في الآية المراد بهما دنو جبريل عليه السلام من الله تعالى.
رُوي هذا القول عن مجاهد (5)، وبه قال ابن حبان (6).
المذهب الرابع: أنَّ المراد بالآية دنو الله تعالى من جبريل عليه السلام.
رُوي هذا القول عن مجاهد (7).
_________
(1) كتاب التوحيد (2/ 529).
(2) كتاب التوحيد، لابن خزيمة (2/ 530)، وقد تقدم الكلام عليه.
(3) تفسير ابن جرير الطبري (11/ 509)، وقد تقدم الكلام عليه.
(4) إبطال التأويلات لأخبار الصفات (1/ 125).
(5) انظر: تفسير البغوي (4/ 246)، وزاد المسير، لابن الجوزي (7/ 275).
(6) صحيح ابن حبان (1/ 256، 259).
(7) أخرجه ابن جرير في تفسيره (11/ 509).
(1/524)
________________________________________
المذهب الخامس: أنَّ المراد بالآية دنو محمد - صلى الله عليه وسلم - من ربه تعالى.
جاء هذا التفسير عن ابن عباس، رضي الله عنهما، في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8)) [النجم: 8] قال: «هو محمد - صلى الله عليه وسلم - دنا فتدلى إلى ربه عز وجل». (1)
ورُوي هذا التفسير عن الضحاك (2)، ومحمد بن كعب (3).

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ما ذهب إليه عامة المفسرين من تفسير الآية بدنو جبريل عليه السلام من نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ ما رُوي في حديث أنس - رضي الله عنه - من نسبة الدنو والتدلي إلى الله تعالى - هو مما تفرد به شريك، وهو لا يعدو أنْ يكون وهماً منه، أو رأياً تأوله في تفسير الآية، ولم يسمعه من أنس - رضي الله عنه -.
يدل على هذا الاختيار:
1 - أنَّ هذا التفسير هو الثابت عن عائشة، وابن مسعود، رضي الله عنهما (4)، ولا يُعرف لهما مخالف من الصحابة (5)؛ إلا ما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، وسيأتي الجواب عنه.
2 - أنه قد ثبت عن عائشة (6)، وابن مسعود (7)، رضي الله عنهما، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَسَّرَ قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14))، بأنَّ المراد رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل عليه السلام. ومرجع الضمير في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)) وقوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ) واحد، فلا يجوز أنْ يُخَالَفَ بينهما إلا بدليل.
_________
(1) سيأتي تخريجه في مبحث الترجيح.
(2) تفسير البغوي (4/ 246).
(3) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (1/ 131).
(4) تقدم تخريجه عنهما في أول المسألة.
(5) انظر: تفسير ابن كثير (3/ 5).
(6) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (177).
(7) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (412)، والبيهقي في الدلائل (2/ 372)، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (4/ 269): «هذا إسناد جيد قوي».
(1/525)
________________________________________
3 - إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرَ ربه ليلة الإسراء (1)، وفي إجماعهم هذا دليلٌ على أنَّ الآية لا يَصِحُّ تفسيرها بدنو الله تعالى من نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ لو كان الله تعالى قد دنا منه لرآه - صلى الله عليه وسلم -، ولأخبر بذلك، كيف وقد نفى ذلك بنفسه - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّه حينما سأله أبو ذر: هل رأيتَ ربَّك؟ قال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (2).
4 - ومما يؤكد وقوع الغلط في رواية شريك: أنَّ الحديث رواه جمع غفير من الصحابة رضي الله عنهم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (3)، ولم يذكروا هذا اللفظ، ورواه جمع غفير من التابعين عن أنس - رضي الله عنه - (4)، ولم يذكروا هذا اللفظ أيضاً.
وأمَّا المروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير الآية؛ فجوابه: أنَّ الروايات عنه على نوعين:
النوع الأول: صريح غير صحيح، وهو ما ورد عنه من تفسير الآية بدنو محمد - صلى الله عليه وسلم - من ربه تعالى (5)، وهذه الرواية لا تصح عنه.
_________
(1) حكى الإجماعَ الدارميُّ، وقد نقله عنه: شيخُ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (6/ 507)، وابن القيم في زاد المعاد (3/ 37).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (178).
(3) ومن هؤلاء الصحابة: أبو هريرة، وبريدة بن الحصيب، وجابر بن عبد الله، وحذيفة بن اليمان، وشداد بن أوس، وصهيب الرومي، وعبد الرحمن بن قرط، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، ومالك بن صعصعة، وأبو أيوب الأنصاري، رضي الله عنهم جميعاً.
وقد أورد مجموع هذه الأحاديث بطرقها وألفاظها: الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/ 3 - 24)، والألباني في «الإسراء والمعراج».
(4) ومن هؤلاء الرواة: الزهري، وقتادة، وثابت البناني، وعبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وأبو عمران الجوني، ويزيد بن أبي مالك، وحميد، وسليمان التيمي، وراشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير، وعلي بن زيد بن جدعان، وثمامة، وكثير بن سليم، وسليمان بن المغيرة.
وقد أحصيت هؤلاء الرواة من كتاب «الإسراء والمعراج»، للألباني، فانظره بأكمله.
(5) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (11/ 150)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أحمد بن عثمان الأودي، ثنا عبد الرحمن بن شريك، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة وعطاء، عن ابن عباس، به. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/ 114): «رواه الطبراني، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط». وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (1/ 190 - 191)، قال: حدثنا محمد بن يحيى أبو عمر =
(1/526)
________________________________________
النوع الثاني: صحيح غير صريح، وهو ما ورد عنه من تفسير الآية بدنو الله تعالى من نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وهذا التفسير رُوي عنه من طريق واحدة، وهي طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما.
لكن الرواة - عن محمد بن عمرو - وقع بينهم اختلاف في لفظه:
فرواه ابن جرير الطبري (1)، واللالكائي (2)، من طريق سعيد بن يحيى الأموي، عن أبيه، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14)) - قال: «دنا ربه منه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى». قال: «قد رآه النبي - صلى الله عليه وسلم -».
ورواه الترمذي (3)، والبيهقي (4)، من الطريق نفسه، عن ابن عباس، رضي الله عنهما - في قول الله تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14)) - قال: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)) [النجم: 8 - 10]، قال ابن عباس: «قد رآه النبي - صلى الله عليه وسلم -».
ورواه ابن أبي شيبة (5)، وابن أبي عاصم (6)، وابن خزيمة (7)، والآجري (8)، والطبراني (9)، والدارقطني (10)، جميعهم من طريق عبدة بن
_________
= الباهلي، ثنا يعقوب، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن شريك، عن جابر بن زيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. وضعفه الألباني.
وأخرج نحوه ابن النجاد في «الرد على من يقول القرآن مخلوق» (1/ 62)، قال: ثنا أحمد، قال ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان قال: ثنا النضر بن سلمة قال: ثنا حفص بن عمر قال: ثنا موسى قال: سمعته يحدث عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8)) قال: «نظر محمد إلى ربه في خضرة».
(1) تفسير الطبري (11/ 514).
(2) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/ 515).
(3) سنن الترمذي، كتاب التفسير، حديث (3280).
(4) الأسماء والصفات (2/ 360).
(5) مصنف ابن أبي شيبة (6/ 327).
(6) السنة (1/ 191).
(7) كتاب التوحيد (2/ 495).
(8) الشريعة (3/ 1541 - 1542).
(9) المعجم الكبير (10/ 299).
(10) رؤية الله، للدارقطني (1/ 22).
(1/527)
________________________________________
سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما:
(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)) قال: «رأى ربه عز وجل».
ورواه ابن خزيمة (1)، وابن حبان (2)، والدارقطني (3)، جميعهم من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: «قد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه». ولم يذكر الآية.
وهذه الروايات قد اتفقت على أنَّ ابن عباس كان يُثْبِتُ رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه تعالى، واختلفت في تنزيل الآيات على هذا المعنى، والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنَّ ابن عباس، رضي الله عنهما، كان يستدل بمجموع هذه الآيات على إثبات الرؤية، دون تفسير منه لآية الدنو، وهذا هو الثابت عنه - رضي الله عنه -، فإنَّه كان يذهب إلى أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه ليلة الإسراء (4)، دون تفصيل منه في ذلك (5)، لكن بعض الرواةِ تَصَرَّفَ في النقل، فأوهم أنَّ ابن عباس فَسَّر قوله
_________
(1) كتاب التوحيد (2/ 490).
(2) صحيح ابن حبان (1/ 253).
(3) رؤية الله، للدارقطني (1/ 22 - 23).
(4) تعددت الروايات عن ابن عباس رضي الله عنهما في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه تعالى، ومن هذه الروايات:
1 - ما رواه ابن أبي عاصم في السنة (1/ 192)، وصحح إسناده الألباني، عن ابن عباس قال: «أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد - صلى الله عليه وسلم -».
2 - ما رواه ابن أبي عاصم في السنة (1/ 192)، وصحح إسناده الألباني، عن ابن عباس قال: «إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمداً بالرؤية».
3 - وعن عكرمة قال: «سمعت ابن عباس رضي الله عنهما: سُئِلَ، هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه؟ قال: نعم». أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (2/ 481)، حديث (273)، وابن أبي عاصم في السنة
(1/ 190)، وضعف إسناده الألباني.
4 - وعن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «رأى محمد ربه». أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1/ 189). وإسناده صحيح.
5 - وعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60)) [الإسراء: 60] قَالَ: «هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (3888).
(5) أعني دون تفصيل منه في كيفية الرؤية، لا في نوع الرؤية؛ إذ قد روي عنه في نوع الرؤية: أنه رآه بفؤاده، وروي عنه: أنه رآه بعينيه.
(1/528)
________________________________________
تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8)) بدنو الله تعالى من نبيه - صلى الله عليه وسلم -. (1)
يؤكد ذلك: أنَّ ثمة طرقاً أخرى عن ابن عباس، رُويتْ عنه ولم يأتِ في شيء منها ذِكْرُ آية الدنو، أو تفسيرها، ومن هذه الطرق:
1 - عن عكرمة، عن ابن عباس - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)) - قال ابن عباس: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه». (2)
2 - وعن أبي العالية، عن ابن عباس - في قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11)) [النجم: 11] (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)) - قال ابن عباس: «رآه بفؤاده مرتين». (3)
3 - وعن عطاء، عن ابن عباس - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)) قال: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه بقلبه». (4)
4 - وعن يوسف بن مهران، عن ابن عباس - في قوله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (18)) - قال: «رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه عز وجل بفؤاده». (5)
وكما ترى فإنَّ هذه الروايات صريحة بأنَّ ابن عباس كان يستدل بالآيات على إثبات الرؤية وحسب، وليس فيها أنه فسر قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8)) بدنو الله تعالى من نبيه صلى الله عليه وسلم.
وهذا الذي فهمه ابن عباس من الآيات - في إثبات رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه تعالى - قد خالفته فيه عائشة، وابن مسعود، رضي الله عنهما؛ فعن عائشة، أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)) فقال: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ
_________
(1) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الرواة عن ابن عباس رضي الله عنهما كثيراً ما يقع منهم تحريف وغلط عليه، وينسبون إليه أشياء لم يقل بها. انظر: تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (1/ 460).
(2) أخرجه ابن جرير في تفسيره (11/ 514)، وابن أبي عاصم في السنة (1/ 189)، وقال الألباني: «إسناده حسن موقوف».
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (285) - (176).
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (284) - (176).
(5) أخرجه الدارقطني في «رؤية الله» (1/ 188).
(1/529)
________________________________________
السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» (1)، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)) - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ، عَلِيهِ السَّلام، وَلَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ» (2)، وتفسير عائشة، وابن مسعود، أولى من تفسير ابن عباس؛ فإنهما قد صرحا برفع ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف ابن عباس، فإنه لم يُسندْ شيئاً من ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والمرفوع أولى من الموقوف، والله تعالى أعلم. (3)
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (177)، وأخرجه بنحوه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4855).
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 460)، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (4/ 269)، وقال: «إسناده جيد وقوي».
(3) ثم وقفتُ على كلامٍ لابن القيم والألباني في تحقيق الروايات عن ابن عباس في تفسير آية الدنو، وكان كلامهما موافقاً لما ذهبتُ إليه، فالحمد لله على توفيقه وامتنانه .. وانظر: زاد المعاد، لابن القيم (1/ 38)، وتعليق الألباني على أثر ابن عباس في كتاب السنة، لابن أبي عاصم (1/ 189).
(1/530)
________________________________________
المسألة [4]: في مكان سدرة المنتهى.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14)) [النجم: 13 - 14].

المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يُوهِم ظاهرها التعارض فيما بينها:
(72) ـ (62): عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -، أنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ .... »، ثم ذكر حديث الإسراء بطوله، وفيه: «فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ. فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى .... ». (1)
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، حديث (3207)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (164).
(1/531)
________________________________________
(73) ـ ( .. ): وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « .... ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى .... ». (1)
(74) ـ (63): وَعَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « .... ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ: إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ، لَمْ أَحْفَظْ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ، بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ. ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى .... ». (2)
(75) ـ (64): وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ .... ». (3)

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث:
ظاهر الأحاديث المتقدمة أنَّ لسدرة المنتهى ثلاثة أمكنة:
الأول: أنها «في السماء السابعة»، وهو ما دلَّ عليه حديث مالك بن صعصعة، وأنس بن مالك، من طريق ثابت البناني، عنه.
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (162).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (7517).
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (173).
(1/532)
________________________________________
الثاني: أنها «فوق السماء السابعة»، وهو ما دلَّ عليه حديث أنس بن مالك، من طريق شريك بن عبد الله، عنه.
الثالث: أنها «في السماء السادسة»، وهو ما دلَّ عليه حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
وهذه الأحاديثُ الثلاثة يُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها في تعيين مكان سدرة المنتهى. (1)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الأحاديث:
للعلماء في دفع التعارض بين الأحاديث مسلكان:
الأول: مسلك الجمع بين الأحاديث:
ولأصحاب هذا المسلك مذهبٌ واحدٌ في الجمع بين هذه الأحاديث، وجملة مذهبهم:
أنَّ أصل سدرة المنتهى في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السماء السابعة.
وعلى هذا المذهب: النووي، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والعيني، والمناوي، والألباني. (2)
قال النووي: «ويمكن أنْ يُجْمَعَ بينها، فيكون أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة، فقد عُلِمَ أنها في نِهايةٍ من العِظَمِ». اهـ (3)
_________
(1) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي
(1/ 394)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (3/ 3)، وفتح الباري، لابن رجب (2/ 118)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 253)، وفيض القدير، للمناوي (4/ 427).
(2) انظر على الترتيب: شرح صحيح مسلم، للنووي (3/ 3)، والبداية والنهاية، لابن كثير (1/ 36)، وفتح الباري، لابن حجر (7/ 253)، وعمدة القاري، للعيني (4/ 45)، وفيض القدير، للمناوي (4/ 427)، والإسراء والمعراج، للألباني، ص (89).
(3) شرح صحيح مسلم، للنووي (3/ 3).
(1/533)
________________________________________
وقال الحافظ ابن حجر: «ولا يُعارض قوله إنها في السادسة ما دلَّت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أنْ دخل السماء السابعة؛ لأنه يُحمل على أنَّ أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها». اهـ (1)
الثاني: مسلك الترجيح بين الأحاديث:
ويرى أصحاب هذا المسلك أنَّ لسدرة المنتهى مكاناً واحداً لا غير، وهذا المكان هو ما جاء مرفوعاً في حديث أنس من أنها في السماء السابعة، وأما ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود من أنها في السادسة فموقوف عليه، والمرفوع أولى من الموقوف.
وهذا مذهب: ابن العربي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، والحافظ ابن رجب، والملا علي القاري. (2)
قال أبو العباس القرطبي: «في حديث أنس ما يقتضي أنَّ السدرة في السماء السابعة أو فوقها؛ لقوله: «ثم ذهب بي إلى السدرة» بعد أنْ استفتح السماء السابعة فَفُتِحَ له فدخل، وفي حديث عبد الله أنها في السماء السادسة، وهذا تعارضٌ لا شك فيه، وما في حديث أنس أصح، وهو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي يَنْتَهي إليها علمُ كلِّ مَلَكٍ مُقَرَّب ... ، وأيضاً فإنَّ حديث أنس مرفوع، وحديث عبد الله موقوف عليه من قوله، والمسند المرفوع أولى». اهـ (3)
وقال الحافظ ابن رجب: «وقول ابن مسعود: «إنَّ سدرة المنتهى في السماء السادسة» يُعارضه حديث أنس المرفوع من طُرُقِهِ كُلِّها؛ فإنَّه يدل على أنها في
_________
(1) فتح الباري، لابن حجر (7/ 253).
(2) انظر على الترتيب: عارضة الأحوذي، لابن العربي (12/ 119)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (1/ 525)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (1/ 394)، وفتح الباري، لابن رجب (1/ 118)، وعمدة القاري، للعيني (10/ 567).
(3) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (1/ 394).
(1/534)
________________________________________
السماء السابعة، أو فوق السماء السابعة، والمرفوع أولى من الموقوف». اهـ (1)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مسلك الجمع بين الأحاديث، إذ يُحمل حديث عبد الله بن مسعود: على أنَّ أصل السدرة في السماء السادسة، ويُحمل حديث مالك بن صعصعة، وأنس: على أنَّ فروعها وأغصانها في السماء السابعة.
يدل على هذا الاختيار:
1 - أنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يؤيد هذا الجمع؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - في قوله تعالى: (عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14)) - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رُفِعَتْ لِي سِدْرَةٌ مُنْتَهَاهَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ». (2) (3)
فقوله: «مُنْتَهَاهَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ» يُفْهَمُ منه أنَّ أصلها ليس في السابعة، ولما جاء في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أنها في السادسة، علمنا أنَّ مراد الأحاديث أنَّ أصلها في السادسة ومنتهاها في السابعة.
2 - أنَّ الترجيح لا يُصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، أو تَبَيَّنَ بجلاء ضعف الروايةِ المرجوحة، أو وقوع الخطأ فيها، وهذا كله مفقود في مسألتنا هذه؛ إذ الجمع ممكن، والروايات كلها صحيحة.
_________
(1) فتح الباري، لابن رجب (2/ 118).
(2) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (3/ 251)، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، به. مرفوعاً.
ومن طريق عبد الرزاق، أخرجه النسائي في السنن الكبرى (6/ 471)، والحاكم في المستدرك (1/ 154)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، وله شاهد غريب من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنس. صحيح الإسناد ولم يخرجاه». اهـ
وأخرجه ابن جرير في تفسيره (11/ 517)، قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، فذكره مرسلاً. وصحح إسناده مرسلاً: الألباني في الإسراء والمعراج، ص (89).
(3) انظر: الإسراء والمعراج، للألباني، ص (89).
(1/535)
________________________________________
وأما رواية شريك - والتي فيها أنَّ السدرة فوق السماء السابعة - فالأظهر أنها وَهْمٌ منه رحمه الله، وقد عُدَّتْ عليه أوهامٌ في روايته لحديث الإسراء، وهذه منها. (1)
وأما قول أصحاب المسلك الثاني: إنَّ حديث ابن مسعود موقوف عليه؛ فغير مُسَلَّمٍ لهم، بل هو في حكم المرفوع؛ لأنَّ مثله لا يُقال بالرأي، ولأنَّ بعض ألفاظه قد رويت في حديث أنس المرفوع، فصار له حكم الرفع مثله، والله تعالى أعلم.

****
_________
(1) انظر: فتح الباري، لابن حجر (13/ 494).
(1/536)
________________________________________
الفصل الثالث
الأحاديث التي ترد في تفسير آية ما، ويوهم ظاهرها معنىً مشكلاً
(1/537)
________________________________________
المسألة [1]: في قصة هاروت وماروت.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (102)) [البقرة: 102].

المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:
(76) ـ (65): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَهْبَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْأَرْضِ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. قَالُوا: رَبَّنَا نَحْنُ أَطْوَعُ لَكَ مِنْ بَنِي آدَمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: هَلُمُّوا مَلَكَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، حَتَّى يُهْبَطَ بِهِمَا إِلَى الْأَرْضِ، فَنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلَانِ؟ قَالُوا: رَبَّنَا هَارُوتُ وَمَارُوتُ. فَأُهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ، وَمُثِّلَتْ لَهُمَا الزُّهَرَةُ، امْرَأَةً مِنْ أَحْسَنِ الْبَشَرِ، فَجَاءَتْهُمَا فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَكَلَّمَا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الْإِشْرَاكِ. فَقَالَا: وَاللَّهِ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ أَبَدًا. فَذَهَبَتْ
(1/538)
________________________________________
عَنْهُمَا، ثُمَّ رَجَعَتْ بِصَبِيٍّ تَحْمِلُهُ، فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، حَتَّى تَقْتُلَا هَذَا الصَّبِيَّ. فَقَالَا: وَاللَّهِ لَا نَقْتُلُهُ أَبَدًا. فَذَهَبَتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ بِقَدَحِ خَمْرٍ تَحْمِلُهُ، فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا، قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَشْرَبَا هَذَا الْخَمْرَ. فَشَرِبَا فَسَكِرَا فَوَقَعَا عَلَيْهَا وَقَتَلَا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أَفَاقَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ: وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُمَا شَيْئًا مِمَّا أَبَيْتُمَاهُ عَلَيَّ إِلَّا قَدْ فَعَلْتُمَا حِينَ سَكِرْتُمَا، فَخُيِّرَا بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا» (1).
__________
(1) رويت هذه القصة عن عدد من الصحابة والتابعين، ورويت مرفوعة وموقوفة من حديث ابن عمر، وعلي رضي الله عنهما.
وقد رويت القصة بألفاظ متقاربة مع اتحاد أصل القصة، وفيما يلي تفصيل هذه الروايات وذكر أقوال النقاد فيها:
أولاً: حديث ابن عمر:
وقد رُويَ عنه من عدة طرق، بعضها موقوفاً عليه، وبعضها مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها عن ابن عمر، عن كعب الأحبار، وفيما يلي تفصيل هذه الطرق:
الطريق الأول: عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعاً.
أخرجه الإمام أحمد - باللفظ المذكور في المتن - في مسنده (2/ 179) حديث (6172)، وعبد بن حميد في المنتخب، ص (251)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (1/ 146)، وابن أبى حاتم في العلل (2/ 69)، وابن حبان في صحيحه (14/ 63)، والبيهقي في السنن الكبرى (10/ 40)، وفي شعب الإيمان
(1/ 180)، وابن قدامة المقدسي في كتاب التوابين، ص (3)، جميعهم من طريق زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، به.
نقل الخلال في المنتخب من العلل، ص (295)، عن الإمام أحمد أنه قال: «هذا منكر، إنما يُروى عن كعب». ونقل ابن أبي حاتم في العلل (2/ 69 - 70)، عن أبيه أنه قال: «هذا حديث منكر». وقال ابن كثير في تفسيره (1/ 143) - بعد سياقه للحديث -: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات، من رجال الصحيحين؛ إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي، مولاهم المدني، الحذاء، روى عن ابن عباس، وأبي أمامة سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب بن مالك، وروى عنه ابنه عبد السلام، وبكر بن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب، وروى له أبو داود، وابن ماجة، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (8/ 139) ولم يحكِ فيه شيئاً من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم». اهـ
وللحديث طرق أخرى عن نافع، ولكنها ضعيفة لا تصلح للمتابعة.
الأول: أخرجه ابن مردويه في تفسيره [كما في تفسير الحافظ ابن كثير (1/ 143)] =
(1/539)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= قال: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام بن علي بن هشام، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس، عن نافع، عن ابن عمر، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ... ». فذكره.
وفي سنده موسى بن سرجس، ذكره ابن حجر في التقريب (2/ 288) وقال: «مدني مستور».
وقد خُولف هشام بن علي في روايته هذه عن عبد الله بن رجاء.
فأخرج البيهقي في شعب الإيمان (1/ 180)، من طريق محمد بن يونس بن موسى، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، عن موسى بن جبير، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: .... ». فذكره.
وفي سنده محمد بن يونس بن موسى الكديمي، متهم بوضع الحديث. قال ابن حبان: «كان يضع الحديث، ولعله قد وضع على الثقات أكثر من ألف حديث». وقال ابن عدي: «اتهم بوضع الحديث وبسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم، وروايةً عن قوم لا يعرفون، وترك عامة مشايخنا الرواية عنه، ومن حدث عنه نسبه إلى جده موسى بأن لا يعرف». اهـ
وقال الدارقطني: «كان الكديمي يُتهم بوضع الحديث، وما أحسن القول فيه إلا من لم يخبر حاله». اهـ
وقال الذهبي: «هالك، قال ابن حبان وغيره: كان يضع الحديث على الثقات». اهـ
انظر: الكامل، لابن عدي (6/ 292)، وميزان الاعتدال، للذهبي (6/ 378 - 380)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (9/ 475)، والمجروحين، لابن حبان (2/ 312).
قال البيهقي بعد سياقه للحديث في الموضع السابق: «ورويناه من وجه آخر عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفاً عليه، وهو أصح فإن ابن عمر إنما أخذه عن كعب».
الثاني: طريق الحسين - وهو سنيد بن داود صاحب التفسير - عن فرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعاً. أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الهوى (1/ 157)، وابن جرير في تفسيره (1/ 504)، والخطيب البغدادي في تاريخه (8/ 42).
قال ابن الجوزي في الموضوعات (1/ 186): «هذا حديث لا يصح، والفرج بن فضالة قد ضعفه يحيى، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأحاديث الصحيحة، لا يحل الاحتجاج به، وأما سنيد فقد ضعفه أبو داود، وقال النسائي: ليس بثقة». اهـ
وقال ابن كثير في تفسيره (1/ 143) - بعد سياقه للطريقين -: «وهذان أيضاً غريبان جداً، وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم». اهـ
الطريق الثاني: عن مجاهد، عن ابن عمر، موقوفاً.
وقد رُوي عنه من ثلاثة طرق:
الأول: طريق العوام بن حوشب، عن مجاهد، به.
أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2/ 583).
الثاني والثالث: طريق المنهال بن عمرو، ويونس بن خباب، كلاهما عن مجاهد، به.
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/ 306)، بتحقيق د. أحمد الزهراني.
قال ابن =
(1/540)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= كثير في تفسيره (1/ 144): «وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر». ثم ذكر أنه روي مرفوعاً وقال: «وهذا - يعني طريق مجاهد - أثبت وأصح إسناداً». اهـ
الطريق الثالث: عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، موقوفاً.
أخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 650)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
الطريق الرابع: عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن كعب، به.
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (1/ 53)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/ 62)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (1/ 149)، وابن جرير في تفسيره (1/ 502)، وابن أبي حاتم في تفسيره (1/ 306)، بتحقيق د. أحمد الزهراني، والبيهقي في شعب الإيمان (1/ 181)، جميعهم من طريق موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب، به.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (1/ 143) - بعد أن ذكر الحديث من رواية موسى بن جبير، ومعاوية بن صالح، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر، به، مرفوعاً - قال: «فهذا - يعني طريق سالم - أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم». اهـ
وانظر: سنن سعيد بن منصور (2/ 584 - 594) بتحقيق د. سعد آل حميد، فقد أفدت منه في تخريج هذا الحديث.
ثانياً: حديث علي بن أبي طالب:
فعن عمير بن سعيد قال: سمعت علياً يقول: «كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وأنها خاصمت الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تُكلم به يُعرج به إلى السماء، فعلماها، فتكلمت به، فعرجت إلى السماء فمُسِخت كوكباً».
أخرجه ابن جرير في تفسيره - واللفظ له - (1/ 502)، من طريق حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، عن عمير، به.
وأخرجه عبد بن حميد [كما في العجاب، لابن حجر (1/ 322)]، وابن أبي الدنيا في العقوبات،
ص (148)، وأبو الشيخ في العظمة (4/ 1223)، والحاكم في المستدرك وصححه (2/ 291)، جميعهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عمير، به. وفي سياقه بعض الاختلاف.
قال ابن كثير في تفسيره (1/ 143): «رجال إسناده ثقات، وهو غريب جداً». اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في العجاب (1/ 322): «هذا سند صحيح، حكمه أن يكون مرفوعاً؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، وما كان علي يأخذ عن أهل الكتاب». اهـ
وروي عن علي مرفوعاً بلفظ: «لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت».
رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة [كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني (2/ 315)]، وابن مردويه في تفسيره [كما في تفسير الحافظ ابن كثير (1/ 143)].
وذكره السيوطي في الدر (1/ 186) ونسبه =
(1/541)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= لإسحاق بن راهويه، وابن المنذر.
قال عنه ابن كثير في تفسيره (1/ 143): «لا يصح وهو منكر جداً»، وحكم عليه بالوضع الألباني، في سلسلة الأحاديث الضعيفة (2/ 315).
ثالثاً: أثر ابن مسعود قال: «لما كثر بنو آدم وعصوا دعت الملائكة عليهم والأرض والسماء والجبال: ربنا ألا تهلكهم؟ فأوحى الله إلى الملائكة: إني لو أنزلت الشهوة والشيطان في قلوبكم ونزلتم لفعلتم أيضاً. قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم: أن اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، وكان أهل فارس يسمونها بيذخت، قال: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا: ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً، فاغفر للذين تابوا. فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض، ألا إن الله هو الغفور الرحيم. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا».
أخرجه ابن جرير في تفسيره (1/ 501).
رابعاً: أثر ابن عباس قال: «إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون الخطايا قالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك وأسجدت له ملائكتك وعلمته أسماء كل شيء يعملون بالخطايا! قال: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا. قال: فأمروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض قال: فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وأحل لهما ما فيها من شيء غير أن لا يشركا بالله شيئاً، ولا يسرقا ولا يزنيا ولا يشربا الخمر ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق، قال: فما استمرا حتى عرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن، يقال لها: بيذخت، فلما أبصراها أرادا بها زناً فقالت: لا إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم، فقالا: ما كنا لنشرك بالله شيئاً. فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا إلا أن تشربا الخمر. فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيه من الشر أفرج الله السماء لملائكته فقالوا: سبحانك كنت أعلم. قال: فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما، بمثل أعناق البخت، وجعلا ببابل». أخرجه ابن جرير في تفسيره (1/ 501)، وابن أبي حاتم في تفسيره
(1/ 305)، بتحقيق د. الزهراني، والحاكم في المستدرك (2/ 480).
خامساً: أثر كعب الأحبار: وقد تقدم تخريجه في أثر ابن عمر.
ورويت هذه القصة عن عبيد بن عتبة، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، والكلبي. انظر: تفسير ابن كثير (1/ 146). وسيأتي في مبحث الترجيح بيان القول الراجح في الحكم على هذا الحديث. =
(1/542)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
ظاهر الحديث الوارد في تفسير الآية أَنَّ الله تعالى أنزل إلى الأرض ملَكين، وهما «هاروت» و «ماروت»، وأنهما عصيا الله تعالى، فشربا الخمر، وحكما بالزور، وقتلا النفس المحرمة، وزنيا، وهذا الظاهر مشكل، لما فيه من القدح بعصمة الملائكة (1)
- عليهم السلام - والتي قررها القرآن الكريم في غير ما آية؛ كقوله تعالى: (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)) [الأنبياء: 19 - 20]، وقوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]. (2)
_________
(1) أجمع المسلمون على أَنَّ الملائكة معصومون فُضلاً، واتفق أئمة المسلمين على أَنَّ حكم المرسلين منهم حكم النبيين، سواء في العصمة في باب البلاغ عن الله عز وجل، وفي كل شيء ثبتت فيه عصمة الأنبياء فكذلك الملائكة، وأنهم مع الأنبياء في التبليغ إليهم كالأنبياء مع أممهم، ثم اختلفوا في غير المرسلين من الملائكة، فذهبت طائفة من المحققين، وجميع المعتزلة إلى عصمة جميع الملائكة عن جميع الذنوب والمعاصي، واحتجوا على ذلك بوجوه سمعية وعقلية، وذهبت طائفة إلى أَنَّ غير المرسلين من الملائكة غير معصومين، واحتجوا على ذلك بوجوه سمعية وعقلية، منها قصة هاروت وماروت.
قال القاضي عياض: «والصواب عصمة جميعهم، وتنزيه نصابهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم».
انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (2/ 323 - 324)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 109)، ومفاتيح الغيب، للرازي (2/ 152)، وتفسير الخازن (1/ 66)، وتفسير القرطبي (2/ 36)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (1/ 292، 498)، والمواقف، للإيجي (3/ 450)، وشرح المقاصد في علم الكلام، للتفتازاني (2/ 199).
(2) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم
(2/ 323 - 324)، وأحكام القرآن، لابن العربي (1/ 46)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 109)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (1/ 187)، وتفسير القرطبي (2/ 36)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (1/ 498)، وروح المعاني، للآلوسي (1/ 463)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 640).
(1/543)
________________________________________
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:
الأول: مسلك تضعيف الحديث:
ويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ الحديث المروي في قصة هاروت وماروت هو من الإسرائيليات المُتَلَقَّفة عن مَسْلَمَة أهل الكتاب، وأنَّ رفعه للنبي - صلى الله عليه وسلم - خطأ من قِبَلِ بعض الرواة، إذ الصواب وقفه على كعب الأحبار، وهو مما أخذه من كتب بني إسرائيل.
وعلى هذا المسلك عامة العلماء، من مفسرين ومحدثين، وممن قال به:
ابن أبي حاتم، وابن حزم، والبيهقي، وابن العربي، والقاضي عياض، والقاضي ابن عطية، وابن الجوزي، والفخر الرازي، والخازن، وأبو عبد الله القرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، والحافظ ابن كثير، وابن رجب، وأبو السعود، والثعالبي، والآلوسي، والقاسمي، وابن عاشور، والألباني. (1)
قال القاضي عياض: «اعلم ـ أكرمك الله ـ أَنَّ هذه الأخبار لم يُروَ منها شيء - لا سقيمٌ ولا صحيحٌ - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس هو شيئاً يؤخذ
_________
(1) انظر على الترتيب: العلل، لابن أبي حاتم (2/ 69)، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (2/ 323 - 324)، وشعب الإيمان، للبيهقي (1/ 181)، وأحكام القرآن، لابن العربي (1/ 46)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 109)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (1/ 187)، والموضوعات، لابن الجوزي (1/ 186)، وزاد المسير، لابن الجوزي (1/ 108)، ومفاتيح الغيب، للرازي (3/ 199)، وتفسير الخازن (1/ 66)، وتفسير القرطبي (2/ 36)، وتفسير البيضاوي (1/ 79)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (1/ 498)، وتفسير ابن كثير (1/ 143 - 146)، والتخويف من النار، لابن رجب، ص (37)، وتفسير أبي السعود (1/ 138)، وتفسير الثعالبي (1/ 93)، وروح المعاني، للآلوسي (1/ 463)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (1/ 366)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 642)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني (1/ 315)، (2/ 312 - 313).
(1/544)
________________________________________
بقياس، والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم، كما نَصَّ الله أول الآيات، من افترائهم بذلك على سليمان، وتكفيرهم إياه». اهـ (1)
وقال أبو عبد الله القرطبي - بعد أنْ أورد القصة من طريق ابن عمر-: «هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شيء؛ فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة، الذين هم أُمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله». اهـ (2)
وقال الحافظ ابن كثير: «وقد رُويَ في قصة هاروت وماروت، عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال». اهـ (3)
واستدل أصحاب هذا المسلك على بطلان القصة بأدلة، منها:
1 - قول الله تعالى: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) [الحجر: 8]، حيث قطع الله عز وجل أَنَّ الملائكة لا تنزل إلا بالحق، وليس شرب الخمر، ولا الزنا، ولا قتل النفس المحرمة من الحق، بل كل ذلك من الباطل. (4)
2 - قوله تعالى: (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9)) [الأنعام: 8 - 9]، حيث أبطل الله عز وجل أنه يمكن ظهور ملَكٍ إلى الناس إلا إلى الأنبياء. (5)
_________
(1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (1/ 109).
(2) تفسير القرطبي (2/ 36).
(3) تفسير ابن كثير (1/ 146).
(4) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (2/ 323).
(5) انظر: المصدر السابق.
(1/545)
________________________________________
3 - قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22)) [الفرقان: 21 - 22]، حيث قَرَن عز وجل نزول الملائكة في الدنيا برؤيته عز وجل فيها، فدلَّ على أَنَّ نزولهم في الدنيا إلى غير الأنبياء ممتنع ألبتة، ولا يجوز، وأنَّ من قال ذلك فقد قال حجراً محجوراً. (1)
4 - قوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]، وقوله تعالى: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)) [الأنبياء: 26 - 27]، وهذا صريح في براءتهم عن المعاصي، وكونهم متوقفين في كل الأمور، إلا بمقتضى الأمر والوحي. (2)
5 - أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه. (3)
المسلك الثاني: مسلك قبول الحديث وتصحيحه:
حيث ذهب بعض العلماء إلى تصحيح الحديث وقبوله، إلا أنهم لم يجيبوا عن الإشكال الوارد فيه، ومن هؤلاء:
ابن حبان، وأبو بكر الهيثمي، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، وابن حجر الهيتمي، والمناوي. (4)
_________
(1) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (2/ 323).
(2) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 109)، ومفاتيح الغيب، للرازي (2/ 153)، وتفسير القرطبي (2/ 36).
(3) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (2/ 153).
(4) انظر على الترتيب: صحيح ابن حبان (14/ 63)، حيث أورد الحديث في صحيحه فدل على تصحيحه له، ومجمع الزوائد، للهيثمي (5/ 68)، وفتح الباري (10/ 235)، والعجاب في بيان الأسباب (1/ 317، 327، 343)، والقول المسدد، ص (38)، جميعها لابن حجر، والدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، للسيوطي، ص (203)، والزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي (2/ 172)، وفيض القدير، للمناوي (1/ 139).
(1/546)
________________________________________
قال الحافظ ابن حجر: «وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر، في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها، بحيث يقضي بمجموعها على أَنَّ للقصة أصلاً، خلافاً لمن زعم بطلانها». اهـ (1)
وقال: «له طرقٌ كثيرة، جمعتها في جزء يكاد الواقف عليه يقطع بوقوع هذه القصة، لكثرة طرقه الواردة فيها، وقوة مخارج أكثرها». اهـ (2)
وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة: «وقد وقفت على الجزء الذي جمعه فوجدته أورد فيه بضعة عشر طريقاً، أكثرها موقوفاً، وأكثرها من تفسير ابن جرير، وقد جمعت أنا طرقها في التفسير المسند وفي التفسير المأثور فجاءت نيفاً وعشرين طريقاً، ما بين مرفوع وموقوف». اهـ (3)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أَنَّ الحديث لا يصح رفعه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ رفعه خطأ من بعض الرواة، والأصح أنه مما أخذه الصحابة عن مسلمة أهل الكتاب، ككعب الأحبار، وغيره، ومما يؤكد ذلك:
1 - أنه قد ورد في بعض طرقِ حديثِ ابنِ عمر وقفُ القصة على كعب الأحبار، وهذا مما يؤكد وقوع الوهم من بعض الرواة في رفعها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ مدار الحديث راجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل.
2 - أَنَّ الطرق التي جاء الحديث فيها مرفوعاً كلها ضعيفة، ولا يصح منها شيء.
3 - أَنَّ الحديث رواه عدد من الصحابة غير ابن عمر ولم يصرح أحد منهم برفعه للنبي صلى الله عليه وسلم.
_________
(1) فتح الباري، لابن حجر (10/ 235).
(2) القول المسدد، لابن حجر، ص (38).
(3) اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (1/ 145).
(1/547)
________________________________________
4 - أَنَّ في القصة من الغرابة ما يؤكد كونها من قصص بني إسرائيل، وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أنَّ الملكين خُيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد؛ لأن الله تعالى لا يُخيّر من أشرك به، ولأنهما إنْ كانت قد صحت توبتهما فلا عقوبة عليهما.
الوجه الثاني: أنه جاء في بعض طرق الحديث أَنَّ المرأة لما فجرت صعدت إلى السماء وصارت كوكباً، فكيف يعقل أنها تصعد إلى السماء وتصير كوكباً لمجرد أنها فجرت.
فبان بهذه الوجوه ضعف الحديث وبطلانه، وأنه لا يصح رفعه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والله تعالى أعلم. (1)
****
_________
(1) انظر هذه الوجوه: في تفسير الخازن (1/ 66).
(1/548)
________________________________________
المسألة [2]: في نسبة الشك لإبراهيم الخليل عليه السلام.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)) [البقرة: 260].

المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:
(77) ـ (66): عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ (1) مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذ قَالَ: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوْ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)». (2)
_________
(1) سقط في بعض روايات الحديث لفظ «الشك»، حيث جاء بلفظ: «نحن أحق من إبراهيم إذ قال ... »، وهذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4694). قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في مجموع الفتاوى (15/ 178): «وقد ترك البخاري ذكر قوله: «بالشك»، لما خاف فيها من توهّم بعض الناس». اهـ قلت: وهذا التوجيه من ابن تيمية مشكل جداً، ولا أدري ما وجهه.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (3272)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (151).
(1/549)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
ظاهر الحديث الشريف إثبات الشك (1)
لإبراهيم الخليل عليه السلام، في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وهذا الظاهر مشكل؛ لأن الشك كفر، والأنبياء معصومون منه بالإجماع. (2)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:
الأول: مسلك تأويل الحديث، ونفي الشك مطلقاً عن إبراهيم الخليل عليه السلام.
وعلى هذا المسلك الجمهور من العلماء، وقد اختلفوا في تأويل الحديث على مذاهب:
_________
(1) الشك في اللغة: هو التردد بين وجود شيء وعدمه، وهو خلاف اليقين.
وفي الاصطلاح: التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك.
وقيل الشك: ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما؛ فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإذا طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين.
والشك: ضرب من الجهل، وهو أخص منه؛ لأن الجهل قد يكون عدم العلم بالنقيضين رأساً، فكل شك جهل، وليس كل جهلٍ شكاً. انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب (461)، والتعريفات، للجرجاني (1/ 168)، والمطلع، لأبي الفتح البعلي (1/ 26).
قال ابن عطية في المحرر الوجيز (1/ 353): «وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام، وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم الخليل عليه السلام أعلم به، يدل على ذلك قوله: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) [البقرة: 260] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً». اهـ
(2) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: مشكل الآثار، للطحاوي (1/ 298)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (7/ 317)، وعصمة الأنبياء، للرازي، ص (44)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (3/ 304).
(1/550)
________________________________________
الأول: أنَّ معنى الحديث: أنَّ الشك يستحيل في حق إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّ الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقاً إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنَّ إبراهيم لم يشك، وإنما خص إبراهيم لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال الشك، وإنما رجح إبراهيم على نفسه تواضعاً وأدباً، أو قبل أنْ يعلم أنه خير ولد آدم. (1)
وهذا التأويل قال به جمع من العلماء، منهم:
ابن قتيبة، وأبو سليمان الخطابي، والطحاوي، وابن حزم، وأبو المظفر السمعاني، والقاضي عياض، وابن عطية، وابن الجوزي، وأبو عبد الله القرطبي، والنووي، والخازن، والثعالبي، وابن حجر، والكرماني، والسيوطي، والسندي، والآلوسي، وابن عثيمين. (2)
المذهب الثاني: أنَّ الحديث كان رداً على قوم أثبتوا الشك لإبراهيم؛ فقد رُوي أنه لما نزل قوله تعالى: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) قال بعض الناس: شكَّ إبراهيم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا القول رداً عليهم، وتواضعاً منه، وتقديراً لإبراهيم عليه السلام.
وهذا التأويل ذكره ابن قتيبة، والقاضي عياض، والنووي، والبغوي،
_________
(1) انظر: الديباج على مسلم، للسيوطي (1/ 173).
(2) انظر على الترتيب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة (1/ 91 - 92)، وأعلام الحديث، للخطابي (3/ 1545)، ومشكل الآثار، للطحاوي (1/ 298 - 299)، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (2/ 292 - 293)، وتفسير السمعاني (1/ 266)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى (1/ 63)، وإكمال المعلم (1/ 465)، كلاهما للقاضي عياض، والمحرر الوجيز، لابن عطية (1/ 352)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (3/ 358)، وتفسير القرطبي (3/ 194)، وصحيح مسلم بشرح النووي (2/ 241 - 242)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (1/ 197)، وتفسير الثعالبي (1/ 207)، والعجاب في بيان الأسباب، لابن حجر (1/ 621)، والديباج على مسلم (1/ 173)، وشرح سنن ابن ماجة (1/ 291)، كلاهما للسيوطي، وروح المعاني، للآلوسي
(3/ 37 - 38)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (3/ 305)، والقول المفيد على كتاب التوحيد، له (1/ 45).
(1/551)
________________________________________
وابن الجوزي، وابن الأثير، والحافظ ابن حجر. (1)
وهو في معناه راجع إلى التأويل السابق؛ إلا أنَّ فيه ذكراً لسبب الحديث، لكن لم يَرِدْ في شيء من روايات الحديث التصريح بهذا السبب.
المذهب الثالث: أنَّ المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «نحن» أمته الذين يجوز عليهم الشك، وإنما عبر
بـ «نحن» تأنيساً لهم بإيهام دخوله معهم.
وهذا التأويل ذكره القاضي عياض، والعيني، والحافظ ابن حجر. (2)
المذهب الرابع: أنَّ لفظة «أحق» الواردة في الحديث جاءت لنفي المعنى، أي لا شك عندنا جميعاً، ومن هذا الباب قوله تعالى: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) [الدخان: 37]، أي لا خير في الفريقين.
وهذا التأويل قال به الآلوسي. (3)
المذهب الخامس: أنَّ الحديث خرج مخرج العادة في الخطاب؛ فإنَّ من أراد المدافعة عن إنسان قال للمتكلم فيه: ما كنت قائلاً لفلان، أو فاعلاً معه من مكروه فقله لي، وافعله معي، ومقصوده لا تقل ذلك فيه.
وهذا التأويل ذكره النووي، ونسبه لصاحب التحرير (4). (5)
_________
(1) انظر على الترتيب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة (1/ 91 - 92)، ومشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 252)، وصحيح مسلم بشرح النووي (2/ 242)، وشرح السنة، للبغوي (1/ 124)، وغريب الحديث، لابن الجوزي (1/ 556)، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (2/ 442)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 475).
(2) انظر على الترتيب: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 63)، وعمدة القاري، للعيني (15/ 267)، والعجاب في بيان الأسباب (1/ 621)، وفتح الباري (6/ 475)، كلاهما لابن حجر.
(3) روح المعاني (3/ 38).
(4) صاحب التحرير هو: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي بن أحمد بن طاهر، الحافظ الكبير، أبو القاسم التَّيمِيّ الطَّلْحي الأصبهاني، الملقب قوام السنة، إمام في التفسير والحديث واللغة والأدب، من تصانيفه «التفسير الكبير» ثلاثون مجلداً سماه «الجامع» وكتاب «الترغيب والترهيب» و «شرح البخاري» و «شرح مسلم» المسمى بـ «التحرير»، وغيرها، (ت: 535هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (20/ 80)، وطبقات المفسرين، للسيوطي (26 - 27).
(5) صحيح مسلم بشرح النووي (2/ 242).
(1/552)
________________________________________
المذهب السادس: أنَّ إبراهيم عليه السلام أراد أنْ يترقى من درجة علم اليقين بالخبر، إلى درجة عين اليقين بالمشاهدة، فسأل ربه أنْ يريه كيف يُحيي الموتى ليحصل له ذلك، وقد عبَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا المعنى بقوله: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»، وهو لم يشك ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنما عبَّر عن هذا المعنى بهذه العبارة.
وهذا التأويل قال به أبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم. (1)
المذهب السابع: أنَّ الشك وقع لأمة إبراهيم عليه السلام، حيث سأل إبراهيمُ ربَه أنْ يريه وأمَّتَه كيفية إحياء الموتى ليطمئنَّ قلبه بظهور حجته عليهم، وبإزالة الشك عنهم.
وهذا التأويل رُويَ عن الضحاك، وابن إسحاق (2)، وعكرمة. (3)
المذهب الثامن: أنَّ الشك وقع لإبراهيم عليه السلام في كونه خليلاً.
وهذا التأويل رُويَ عن السدي، وسعيد بن جبير.
فعن السدي قال: «لما اتخذ اللهُ إبراهيمَ خليلاً استأذنه ملك الموت أن يُبَشِّرَه فإذن له ... ، فقام إبراهيمُ يدعو ربَه: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلمَ أني خليلك». (4)
وعن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: «بالخُلَّة». (5)
المذهب التاسع: أنَّ إبراهيم وقع له الشك في كونه مُجاب الدعوة.
_________
(1) انظر على الترتيب: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (7/ 318)، وتفسير القرطبي (3/ 195)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (15/ 177)، (30/ 11)، ومدارج السالكين (1/ 471 - 472)، والتبيان في أقسام القرآن (1/ 120)، كلاهما لابن القيم.
(2) نقله عنهما أبو العباس القرطبي في المفهم (7/ 316).
(3) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 510).
(4) أخرجه ابن جرير في تفسيره (3/ 50)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 507 - 508).
(5) أخرجه ابن جرير في تفسيره (3/ 50)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 510).
(1/553)
________________________________________
وهذا التأويل رُويَ عن ابن عباس، في قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: «أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك». (1)
وقال ابن حبان: «قوله - صلى الله عليه وسلم -: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» لم يُرِدْ به إحياء الموتى، إنما أراد به في استجابة الدعاء له، وذلك أنَّ إبراهيم عليه السلام قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) ولم يتيقن أنه يستجاب له فيه، يريد في دعائه وسؤاله ربه عما سأل، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» به في الدعاء؛ لأنا إذا دعونا ربما يُستجاب لنا وربما لا يُستجاب، ومحصول هذا الكلام أنه لفظةُ إخبارٍ مرادُها التعليم للمخاطب». اهـ (2)
وبنحو هذا التأويل قال: إسماعيل بن يحيى المُزَني (3)، وابن أبي حاتم (4)، وأبو بكر الباقلاني (5)، وابن الأنباري (6)، والعيني (7).
المذهب العاشر: أنَّ إبراهيم وقع له الشك في كيفية الإحياء، لا في أصل الإحياء.
وهذا التأويل قال به العيني (8).
المذهب الحادي عشر: أنَّ الشك وقع لإبراهيم قبل النبوة.
ذكره الحافظ ابن حجر. (9)
_________
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (3/ 53)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 509).
(2) صحيح ابن حبان (14/ 89 - 90).
(3) انظر: تفسير البغوي (1/ 248)، وشرح السنة، للبغوي (1/ 124)، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي (4/ 368)، وفي هذه الكتب النقل عن المزني.
(4) مسند أبي عوانه (1/ 78)، وتاريخ دمشق، لابن عساكر (6/ 229)، وفيهما النقل عن ابن أبي حاتم.
(5) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (6/ 474).
(6) نقله عنه ابن الجوزي في «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (3/ 358).
(7) عمدة القاري (18/ 128).
(8) المصدر السابق (15/ 267).
(9) فتح الباري، لابن حجر (6/ 474).
(1/554)
________________________________________
المسلك الثاني: مسلك إعمال الحديث على ظاهره، وإثبات الشك حقيقة لإبراهيم الخليل عليه السلام.
فعن ابن عباس، رضي الله عنهما ـ في قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: 260]ـ: قال: «ما في القرآن آية أرجى عندي منها». (1)
وقال: «هذا لما يَعْرضُ في الصدور، ويُوسوِسُ به الشيطان، فرضي الله تعالى من إبراهيم قوله: بلى». (2)
وسُئل عطاء بن أبي رباح عن معنى الآية فقال: «دخل قلبَ إبراهيمَ بعضُ ما يدخل قلوب الناس». (3)
واختار هذا المسلك ابن جرير الطبري، فقال: «وأولى الأقوال بتأويل الآية، ما صح به الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) وأن تكون
_________
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (3/ 51)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 509)، وعبد الرزاق في التفسير (1/ 106).
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 509)، وأبو عبيد في فضائل القرآن، ص (149)، كلاهما من طريق أبي صالح كاتب الليث، قال: حدثني عبد العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر قال: الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَرْجَى عِنْدَكَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَوْلُ اللَّهِ: (قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) [الزمر: 53]، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَكِنْ أَنَا أَقُولُ: قَوْلُ اللَّهِ: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى) فَرَضِيَ مِنْ إِبْراهِيمَ قَوْلَهُ: (بَلَى) فَهَذَا لِمَا يَعْرِضُ فِي الصُّدُورِ، وَيُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ».
والأثر في إسناده أبي صالح كاتب الليث، وهو عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، أبو صالح المصري، صدوق كثير الغلط. كما في التقريب، لابن حجر (1/ 400).
وقد توبع في روايته، فأخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 128)، قال: حدثنا علي بن حمشاذ العدل، ثنا محمد بن غالب، ثنا بشر بن حجر الشامي، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر، به.
والأثر صححه الحاكم، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/ 474): «رُوي من طرق يشد بعضها بعضاً».
(3) أخرجه ابن جرير في تفسيره (3/ 51)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 508).
(1/555)
________________________________________
مَسْألتُه ربَّه ما سأله أنْ يُريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد: من أنَّ إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أنْ يريه كيف يحيي الموتى؛ ليعاين ذلك عياناً، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أنْ يُلقي في قلبه مثل الذي ألقى فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك، فقال له ربه: أولم تؤمن؟ يقول: أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟ قال: بلى يا رب، لكن سألتك أنْ تُريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أنْ يُلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رؤيتي هذا الحوت». اهـ (1)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو ما ذهب إليه الجمهور من تأويل الحديث، ونفي الشك مطلقاً عن إبراهيم الخليل عليه السلام، والمختار من أقوال الجمهور - هو القول الأول - أنَّ معنى الحديث: أنَّ الشك لو كان متطرقاً إلى إبراهيم لكنت أنا أحق به منه، ولكن لم أشك ولم يشك إبراهيم، وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك تواضعاً منه، وتأدباً مع إبراهيم الخليل عليه السلام.
يؤيد هذا الاختيار:
1 - أنَّ الشك كفر، وهو غير جائز في حق الأنبياء عليهم السلام، لعصمتهم منه إجماعاً. (2)
2 - أنه لو وقع من إبراهيم عليه السلام شك لكان قوله: «بلى» خلافَ الواقع؛
_________
(1) تفسير الطبري (3/ 51).
(2) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (2/ 293)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (7/ 317)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (1/ 353)، ومفاتيح الغيب، للرازي (7/ 35)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (2/ 308)، وفتح القدير، للشوكاني (1/ 425).
(1/556)
________________________________________
إذ كيف يقول «بلى» وهو في الباطن على خلاف ذلك، والأنبياء عليهم السلام لا يقولون إلا الصدق. (1)
3 - أنه لو كان قوله: «بلى» خلافَ الواقع لما أقرَّه الله تعالى على ذلك؛ فدلَّ على أنَّ إبراهيم لم يشك قط، إذ لو كان منه شك لأنكر الله عليه قوله: «بلى». (2)
4 - أنَّ الله تعالى قد أخبر عنه في أول القصة أنه قال للنمرود (3): (رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) [البقرة: 258] فلو كان عنده شك لما ادعى ذلك وهو غير مؤمن به. (4)
5 - ومما يدل على أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك تواضعاً وأدباً، ولم يُرِدْ به إثبات الشك حقيقة، قوله في آخر الحديث: «وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ»، ومعلوم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أُعطي من التثبت في الأمور، والصبر على المكاره الحظَّ الأوفر، والنصيب الأكبر، لكنه قال ذلك تواضعاً لله، وتأدباً مع أخيه نبي الله صلى الله عليه وسلم. (5)
قال ابن عطية: «وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تُعطِ شكاً؛ وذلك أنَّ الاستفهام بكيف إنما هو سؤالٌ عن حالة شيءٍ موجودٍ متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، نحو قولك: كيف عِلمُ زيد؟ وكيف نسْجُ الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت: كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنما السؤال عن حالة من أحواله، وقد تكون كيف خبراً عن شيء شأنه أنْ يُستفهم عنه بكيف، نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي،
_________
(1) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (7/ 35).
(2) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/ 292 - 293)، والموافقات، للشاطبي (4/ 162).
(3) هو ملك بابل، واسمه: النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، كان أحد ملوك الدنيا؛ فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان، والكافران النمرود وبختنصر، وذكروا أنَّ نمروداً هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة، وكان قد طغا وبغا وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا، ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع فحاج إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية. انظر: البداية والنهاية، لابن كثير (1/ 139).
(4) انظر: المفهم، للقرطبي (7/ 317)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (1/ 353).
(5) انظر: المفهم، للقرطبي (7/ 319).
(1/557)
________________________________________
وكيف في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حاله لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح فيلزم من ذلك أنَّ الشيء في نفسه لا يصح؛ مثال ذلك: أنْ يقول مُدَّعٍ: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول المُكذِّب له: أرني كيف ترفعه، فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناه تسليم جدلي، كأنه يقول: افرض أنك ترفعه، فأرني كيف ترفعه؟ فلما كانت عبارة الخليل عليه السلام بهذا الاشتراك المجازي خلص الله له ذلك وحمله على أنْ بَيَّنَ له الحقيقة فقال له: أولم تؤمن؟ قال: بلى، فكمُل الأمر، وتخلَّص من كل شك، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة». اهـ (1)
وأما ما روي عن ابن عباس، وعطاء، واختاره ابن جرير من إثبات الشك لإبراهيم، وجَعْلُ سببه وسوسة الشيطان؛ فليس في الآية ولا في الحديث ما يدل عليه.
قال ابن عطية: «وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة مُتأول: فأما قول ابن عباس: «هي أرجى آية» فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أنْ يقول: هي أرجى آية؛ لقوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) أي إنَّ الإيمان كافٍ لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث.
وأما قول عطاء: «دخل قلبَ إبراهيمَ بعضُ ما يدخل قلوب الناس»، فمعناه من حيث المعاينة، وذلك أنَّ النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أُخْبرَتْ به، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الخبر كالمعاينة» (2)». اهـ (3)
_________
(1) المحرر الوجيز (1/ 353)، وانظر: تفسير القرطبي (3/ 194 - 195).
(2) أخرجه من حديث ابن عباس: الإمام أحمد في مسنده (1/ 215)، (1/ 271)، والطبراني في الأوسط (1/ 12)، والحاكم في المستدرك (2/ 351)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».
وأخرجه الطبراني في الأوسط (7/ 90) من حديث أنس، والخطيب البغدادي في تاريخه (8/ 27) من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 948)، حديث (5373)، وحديث (5374).
(3) المحرر الوجيز (1/ 352).
(1/558)
________________________________________
وقال أبو العباس القرطبي معلقاً على أثر ابن عباس: ما نُقل عن ابن عباس فإنه قول فاسد، لا يصح نقله ولا معناه، وليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ إبراهيم شك. اهـ (1)
قلت: أثر ابن عباس صحيح، وهو قوله: «هذا لما يعرض في الصدور، ويوسوس به الشيطان، فرضي الله تعالى من إبراهيم قوله: بلى»، لكن لم يوافقه على هذا القول أحد إلا ما روي عن عطاء، واختاره ابن جرير، ولعل ابن جرير إنما اختار هذا القول مستأنساً بهذه الرواية عن ابن عباس، لكن هذا القول من ابن عباس لا يعدو أن يكون اجتهاداً منه، وقد تبين بالأدلة أنه لا يصح حمل الآية والحديث على هذا المعنى، والله تعالى أعلم.
****
_________
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (7/ 317)، بتصرف.
(1/559)
________________________________________
المسألة [3]: في بيان الزمن الذي لا ينفع فيه الإيمان.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158)) [الأنعام: 158].

المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:
(78) ـ (67): عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ». (1)
_________
(1) رُوي هذا الحديث من طريق: فضيل بن غزوان، عن أبي حازم «سلمان مولى عزة»، عن أبي هريرة، به.
وقد روي عن فضيل بن غزوان من عدة طرق:
الأول: طريق محمد بن فضيل:

أخرجه من طريقه: الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (158)، عن محمد بن العلاء، عن محمد بن فضيل، به. قال الإمام مسلم: «واللفظ له». يعني: أن لفظ الحديث الذي ذكره إنما هو من رواية محمد بن العلاء. وهو اللفظ المذكور في المتن.
وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (5/ 411)، عن محمد بن العلاء، به. ولفظه لفظ مسلم.
وأخرجه أبو يعلى في مسنده (11/ 33)، عن عبد الله بن عامر، عن محمد بن فضيل، به. ولفظه لفظ مسلم.
وأخرجه أيضاً (11/ 31) عن أبي هشام الرفاعي، عن محمد بن فضيل، به. وفيه اختلاف في ترتيب الآيات، حيث جاء بلفظ: «الدابة، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها». =
(1/560)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
استشكل جمع من العلماء حديث أبي هريرة؛ لأمرين:
الأول: أنَّ ظاهره أنَّ الإيمان لا ينفع بعد خروج الدجال، ووجه
__________
= الثاني: طريق يعلى بن عبيد:
أخرجه من طريقه: الإمام الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3072)، عن عبد بن حُميد، عن يعلى بن عبيد، به، وفيه اختلاف في ترتيب الآيات، حيث جاء بلفظ: «الدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ الْمَغْرِبِ، أَوْ مِنْ مَغْرِبِهَا».
وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (1/ 253)، عن يعلى بن عبيد، به. ولفظه لفظ الترمذي.
وأخرجه ابن مندة في «الإيمان» حديث (1050)، عن علي بن الحسين بن أبي عيسى، عن يعلى بن عبيد، به. ولفظه لفظ الترمذي.
وأخرجه البيهقي في الاعتقاد (1/ 213)، عن محمد بن عبد الوهاب، عن محمد بن يعقوب، عن يعلى بن عبيد، به. ولفظه لفظ مسلم.
الثالث: طريق وكيع بن الجراح:
أخرجه من طريقه: ابن أبي شيبة في المصنف (7/ 506)، عن وكيع، به. باللفظ المذكور في المتن.
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في الموضع السابق، عن زهير بن حرب، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن وكيع، به. ولم يذكر لفظه.
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/ 445)، حديث (9751)، عن وكيع، به. بالترتيب المذكور في المتن، إلا أن فيه ذكر «الدخان» بدل «الدجال». وهذا خطأ؛ لأن جميع الرواة متفقون على ذكر «الدجال»، دون «الدخان»، ومما يؤكد وقوع الخطأ أن الحديث رواه عن وكيعٍ: ابنُ أبي شيبة، ولم يذكر لفظ «الدخان»، ويبعُد أن يكون الخطأ من الإمام أحمد، أو ابنه عبد الله راوي المسند عنه، والأقرب أن يكون من القَطِيعِي، راوي المسند عن عبد الله بن الإمام أحمد، فقد ذُكِرَتْ له أوهامٌ في روايته للمسند، فلعل هذا منها، والله تعالى أعلم. وانظر في ترجمة «القَطِيعِي»: لسان الميزان، لابن حجر (1/ 145)، والكواكب النيرات، لأبي البركات (1/ 17).
الرابع: طريق إسحاق بن يوسف:
أخرجه من طريقه الإمام مسلم في صحيحه، في الموضع السابق، عن زهير بن حرب، عن إسحاق، به. ولم يذكر لفظه.
وقد تُوبِعَ أبوحازم في روايته عن أبي هريرة، لكنها متابعة ضعيفة، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (2/ 201): «ورواه إسحاق بن عبد الله القروي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به. ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه؛ لضعف القروي». اهـ.
(1/561)
________________________________________
الإشكال: أنَّ وقت خروج الدجال يكون قبل زمن عيسى عليه السلام (1)، وعليه فإنه لا ينفع الكفار إيمانهم، ولا الفساق توبتهم، عند نزول عيسى عليه السلام؛ لأن باب التوبة قد أُغلق في زمن الدجال، وقد جاء النص صريحاً (2) بأنَّ الإيمان ينفع في زمن عيسى عليه السلام، وإلا لما صار الدين واحداً، ولا كان في نزوله كبير فائدة. (3)
الثاني: أنَّ النصوص متظافرةٌ على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، دون ذكر الدجال، أو الدابة. (4)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
مذهب عامة المفسرين أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية، هو: طلوع الشمس من مغربها. (5)
_________
(1) عن مُجَمِّعَ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيَّ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ».
أخرجه الترمذي، في سننه، في كتاب الفتن، حديث (2170). وحديث قتل ابن مريم للدجال مروي في صحيح مسلم، في كتاب الفتن، حديث (2897)، وحديث (2937).
(2) سيأتي في «مبحث الترجيح» ما يدل على أن زمن عيسى عليه السلام ينفع فيه الإيمان.
(3) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (7/ 243)، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (737)، وطرح التثريب، للعراقي (8/ 258)، وفتح الباري، لابن حجر (11/ 361)، وفيض القدير، للمناوي (3/ 81)، ولوامع الأنوار البهية، للسفاريني (2/ 141)، وروح المعاني، للآلوسي (8/ 424)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (4/ 547)، والعذب النمير، للشنقيطي (2/ 919).
وقد أشار الشنقيطي رحمه الله إلى أنه لم يقف على تحرير شافٍ للإشكال الوارد في الحديث، بحيث يمكن الرجوع إليه، ولعل في هذا البحث تحريراً لهذا الإشكال وحلاً له إن شاء الله تعالى.
(4) سيأتي ذِكْرُ بعض هذه النصوص في مبحث الترجيح.
(5) قال البغوي في تفسيره (2/ 144): «وعليه عامة المفسرين»، وكذا قال الواحدي في الوسيط (2/ 340)، والآلوسي في تفسيره (8/ 424)، ونسبه للجمهور: ابنُ عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 367)، والقاسمي في «محاسن التأويل» (4/ 547)، وحكاه =
(1/562)
________________________________________
ورُوي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: «التوبة معروضة على ابن آدم إن قَبلَهَا مالم تخرج إحدى ثلاث: مالم تطلع الشمس من مغربها، أو الدابة، أو فتح يأجوج ومأجوج». (1)
وهذا الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - لا يصح، وقد رُويَ عنه من عدة طرق أنه فسر الآية بطلوع الشمس من مغربها دون ذكر الدابة، أو يأجوج ومأجوج. (2)
وأما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - والذي فيه ذكر الثلاث؛ فقد قال بعض أهل العلم إنَّ التوبة تنقطع بخروج إحدى هذه الثلاث.
قال ابن هبيرة (3): «حكم هاتين الآيتين (يعني الدابة، والدجال) في أنَّ نفساً لا ينفعها إيمانها، الحكم في طلوع الشمس من مغربها». اهـ (4)
وقال المناوي: «كلٌ من الثلاثة مستبد في أنَّ الإيمان لا ينفع بعد مشاهدتها؛ فأيها تقدمت ترتب عليها عدم النفع». اهـ (5)
لكن مذهب عامة أهل العلم أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، وأما حديث أبي هريرة فلهم في الجواب عنه مسلكان:
الأول: مسلك قبول الحديث، مع توجيهه:
وهذا مذهب الجمهور من العلماء، حيث ذهبوا إلى توجيه الحديث،
_________
= إجماعاً: البرزنجيُّ في «الإشاعة» ص (273)، غير أنه لم يجزم بذلك، حيث قال: «أجمع المفسرون أو جمهورهم»، ونقل عبارته السفاريني في «لوامع الأنوار البهية» (2/ 133)، وصديق حسن خان في «الإذاعة» ص (206).
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (5/ 411)، والطبراني في الكبير (9/ 190)، من طُرُقٍ عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله .... ؛ فذكره. وفي سنده انقطاع، فإنَّ القاسمَ لم يَلْقَ ابنَ مسعود. قال علي بن المديني كما في «تهذيب التهذيب» (8/ 288): «لم يلق من الصحابة غير جابر بن سمرة». وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 198) وقال: «رواه الطبراني بإسناد منقطع».
(2) انظر: تفسير ابن جرير الطبري (5/ 409 - 410).
(3) هو: أبو المظفر، يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن بن جهم الشيباني الدوري العراقي الحنبلي، صاحب التصانيف، دخل بغداد في صباه وطلب العلم وجالس الفقهاء والأدباء، وسمع الحديث، وشارك في علوم الإسلام، ومهر في اللغة، وكان يعرف المذهب والعربية والعروض، سلفياً أثرياً، له كتاب «الإفصاح عن معاني الصحاح» شرح فيه صحيحي البخاري ومسلم في عشر مجلدات، وألف كتاب «العبادات» على مذهب الإمام أحمد. (ت: 560هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي
(20/ 426)، والبداية والنهاية، لابن كثير (12/ 251).
(4) نقله عنه ابن مفلح، في «الآداب الشرعية» (1/ 116).
(5) فيض القدير، للمناوي (3/ 298).
(1/563)
________________________________________
ودفع التعارض بينه وبين بقية الأحاديث، والتي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، ولهم في التوجيه مذاهب:
الأول: أنَّ عدم قبول التوبة مترتبٌ على مجموع الثلاث - الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها - فإذا اجتمعت الثلاث انقطعت التوبة، وطلوع الشمس هو آخرها، وهو الذي يتحقق به عدم القبول.
قال ابن مفلح - بعد أنْ أورد حديث «ثلاث إذا خرجن» -: «فهذا المراد به أنَّ طلوع الشمس آخر الثلاثة خروجاً؛ فلا تعارض بينه وبين ما سبق». اهـ (1) يريد الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها.
واختار هذا الجمع: المُلا علي بن سلطان القاري (2)، والمباركفوري (3)، غير أنهما لم يذكرا أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الثلاث.
وذكر الشيخ حمود التويجري حديث أبي هريرة من رواية الإمام أحمد، والتي فيها لفظ «الدخان» بدل «الدجال» وبين أنَّ التوبة لا تزال مقبولة حتى تجتمع الثلاث، والتي آخرها طلوع الشمس من مغربها. (4)
المذهب الثاني: إنْ كان البعض المذكور في الآية عدة آيات؛ فطلوع الشمس هو آخرها المتحقق به عدم القبول، وإنْ كان إحدى آيات؛ فهو محمول على طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه أعظم الثلاث.
ذكره القاسمي في تفسيره (5)، وهو بمعنى التوجيه الأول.
المذهب الثالث: أنَّ خروج الثلاث يكون متتابعاً، بحيث يكون الزمن الذي بينها يسير جداً؛ فتكون النسبة التي بينها مجازية، فكأنها خرجت في وقت واحد.
_________
(1) الآداب الشرعية، لابن مفلح (1/ 115).
(2) مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (10/ 107).
(3) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (8/ 357).
(4) انظر: إتحاف الجماعة، للتويجري (2/ 322).
(5) محاسن التأويل، للقاسمي (4/ 547).
(1/564)
________________________________________
ذكره الحافظ ابن حجر، وتعقبه بقوله: «وهذا بعيد؛ لأن مدة لبث الدجال إلى أنْ يقتله عيسى، ثم لبث عيسى وخروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك سابق على طلوع الشمس من المغرب». اهـ (1)
قلت: بل جاء النص صريحاً بأن مدة لبث الدجال إلى أنْ يقتله ابن مريم عليه السلام، أطول من ذلك؛ فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ .... ». (2)
وعن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ - رضي الله عنه - قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الدَّجَّالَ ..... فقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا لُبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ». (3)
قال النووي: «قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يَوْم كَسَنَةٍ، وَيَوْم كَشَهْرٍ، وَيَوْم كَجُمْعَةٍ، وَسَائِر أَيَّامه كَأَيَّامِكُمْ) قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث؛ يدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وَسَائِر أَيَّامِه كَأَيَّامِكُمْ)». اهـ (4)
وأما عيسى ابن مريم عليه السلام فقد جاء أنَّ مدة لبثه أربعون سنة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر عيسى فقال: « .... وَيُهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» (5).
_________
(1) فتح الباري، لابن حجر (11/ 361).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (2940). قال أبو العباس القرطبي في المفهم (7/ 302): «قوله: (فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة) هذا الشك من عبد الله بن عمرو، وقد ارتفع بالأخبار أنه أربعون يوماً». وانظر: فتح الباري، لابن حجر
(13/ 112).
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (2937).
(4) صحيح مسلم بشرح النووي (18/ 88).
(5) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الفتن، حديث (4324)، وابن حبان في صحيحه =
(1/565)
________________________________________
فهذه النصوص وغيرها ترد القول بأن خروج الثلاث يكون متتابعاً، وأنَّ الزمن الذي بينها يسير، وحسبك مدة بقاء عيسى عليه السلام؛ فإنَّ مكثه أربعين سنة ليس بالزمن اليسير.
المذهب الرابع: ما قاله البيهقي: «إنْ كان في علم الله أنَّ طلوع الشمس سابقٌ احتمل أن يكون المراد نفى النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك، فإذا انقرضوا وتطاول الزمان وعاد بعضهم إلى الكفر عاد تكليف الإيمان بالغيب، وكذا في قصة الدجال لا ينفع إيمانُ من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال، وينفعه بعد انقراضه». اهـ (1)
قلت: يتخرج من كلام البيهقي أنَّ التوبة تنقطع عند طلوع الشمس من مغربها، ثم تعود بعد تطاول الزمان؛ فإذا خرج الدجال انقطعت، ثم تعود بعد ذلك لتنفع وقت عيسى عليه السلام.
وقريباً منه قول أبي عبد الله القرطبي: «توبة كل من شاهد ذلك (يعني طلوع الشمس من مغربها) أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش؛ لأن علمه بالله تعالى وبنبيه - صلى الله عليه وسلم - وبوعده قد صار ضرورة؛ فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدثون عنه إلا قليلاً، فيصير الخبر عنه خاصاً وينقطع التواتر عنه؛ فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قُبلَ منه». اهـ (2)
وأيّد ذلك:
1 - بما رُوي: «أنَّ الشمس والقمر يُكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك». (3)
2 - وبما رُوي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أنه قال: «يبقى الناس بعد
_________
= (15/ 233)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (1/ 335) وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (3/ 32)، حديث (4324).
(1) نقله عنه الحافظ ابن حجر، في الفتح (11/ 362).
(2) تفسير القرطبي (7/ 95 - 96). وانظر: التذكرة، ص (736).
(3) ذكره السيوطي في الدر المنثور (3/ 114) وقال: «أخرجه ابن مردويه بسند واهٍ عن ابن عباس مرفوعاً».
(1/566)
________________________________________
طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة، حتى يغرسوا النخل». (1)
3 - وبما رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: «لا يقبل الله من كافر عملاً ولا توبة إذا أسلم حين يراها إلا من كان صغيراً يومئذ؛ فإنه لو أسلم بعد ذلك قُبِل ذلك منه، ومتى كان مؤمناً مذنباً فتاب من الذنب قُبِلت منه». (2)
4 - وبما رُوي عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أنه قال: «إنما لم يُقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة فيهلك كثير من الناس، فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم يُقبل منه، ومن تاب بعد ذلك قُبِلت منه». (3)
ونقل الحافظ أبو زرعة العراقي عن شيخه البلقيني أنه قال: «إذا تراخى الحال بعد ذلك، وبَعُدَ العهد بهذه الآية، وتناساه أكثر الناس قُبِلت التوبة والإيمان بعد ذلك؛ لزوال الآية التي تضطر الناس إلى الإيمان». اهـ (4)
ونقله عن البلقيني: الإمام الآلوسي، ومال إليه وأيَّده. (5)
واعتُرِضَ على هذا المذهب: بأن لا دليل عليه، وبأن الأخبار الصحيحة ترده؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». (6) فمفهوم هذا الحديث أنَّ من تاب بعد ذلك لم تُقبل منه. (7)
_________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (5/ 506)، ونعيم بن حماد في كتاب «الفتن» (2/ 656، 702)، كلاهما عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي خيثمة، عن عبد الله بن عمرو، موقوفاً.
وذكره العيني في «عمدة القاري» (18/ 230 - 231) فقال: «وروى ابن خالويه في (أماليه) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي حميد الحميري، عن ابن عمرو، مرفوعاً .... ؛ فذكره».
قال الحافظ ابن حجر، في «الفتح» (11/ 361): «رفعه لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حُميد في تفسيره بسند جيد، عن عبد الله بن عمرو، موقوفاً». اهـ
(2) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره (1/ 526).
(3) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره (1/ 526).
(4) طرح التثريب، للعراقي (8/ 260).
(5) روح المعاني، للآلوسي (8/ 425).
(6) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الذكر والدعاء، حديث (2703).
(7) انظر: طرح التثريب، للعراقي (8/ 260)، وفتح الباري، لابن حجر (11/ 362)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (10/ 45).
(1/567)
________________________________________
وقد ساق الحافظ ابن حجر عدة آثار تدل على أنَّ الشمس إذا طلعت من مغربها أُغلق باب التوبة ولم يفتح بعد، ثم قال: «فهذه آثار يشد بعضها بعضاً، متفقة على أنَّ الشمس إذا طلعت من المغرب أُغلق باب التوبة ولم يفتح بعد، وأنَّ ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة». اهـ (1)
المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث:
فقد ذهب أبو العباس القرطبي إلى أنَّ ذكر الدجال في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وهمٌ من بعض الرواة، وأنَّ التكليف لا يرتفع إلا بطلوع الشمس من مغربها، كما دلت عليه بقية الأحاديث. (2)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو مسلك قبول الحديث، مع توجيهه، ودفع التعارض بينه وبين بقية الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، فيكون معنى حديث أبي هريرة: أنَّ عدم قبول التوبة مترتب على مجموع الثلاث - الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها - فإذا اجتمعت الثلاث انقطعت التوبة، ويكون طلوع الشمس هو آخرها، وهو الذي يتحقق به عدم القبول.
ويمكن تلخيص المسألة وحصرها في خمسة أمور:
1 - أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية هو طلوع الشمس من مغربها فقط، دون غيرها.
2 - أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها.
3 - أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الآيات الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة.
_________
(1) فتح الباري، لابن حجر (11/ 363).
(2) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (7/ 243).
(1/568)
________________________________________
4 - أنَّ زمن عيسى - عليه السلام - يعقب الدجال.
5 - أنَّ زمن عيسى - عليه السلام - فيه خير كثير، دنيوي وأخروي، والتوبة والإيمان مقبولان فيه.
وسأذكر من الأدلة ما يؤيد كل أمر، مع ذكر الإيرادات والاعتراضات، والجواب عنها.
أولاً: الأدلة على أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية هو طلوع الشمس من مغربها فقط، دون غيرها:
بعد النظر في الأحاديث الواردة في تفسير الآية وجدتُ أنها متفقة على تفسير «البعض» بطلوع الشمس من مغربها، ولم يأتِ ما يُخالف ذلك إلا ما يظهر من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، ولكن عند التأمل فإنه لا يظهر بينه وبين بقية الأحاديث تعارض، لإمكان حمله على بقية الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، وإنَّ في اتفاق الأحاديث على تفسير «البعض» بالطلوع فقط، لدلالة واضحة على أنه هو المراد.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: «وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المراد بـ «بعض آيات الله» طلوع الشمس من مغربها». اهـ (1)
وقال الآلوسي: «رُويَ هذا التعيين عنه - صلى الله عليه وسلم - في غير ما خبر صحيح». اهـ (2)
ولنورد بعضاً من هذه الأخبار الصحيحة:
1 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ». (3)
_________
(1) تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (433).
(2) روح المعاني، للآلوسي (8/ 424).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4635)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (157).
(1/569)
________________________________________
2 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ في قول الله عز وجل ـ: (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) [الأنعام: 158] قَالَ: «طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا». (1)
3 - وعن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه -، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوماً: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسَ مِنْهَا شَيْئًا، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا». (2)
_________
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 31)، حديث (11284) و (3/ 98)، حديث (11957)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3071)، وأبو يعلى في مسنده (2/ 505)، وابن جرير في تفسيره (5/ 406)، وابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1427)، جميعهم من طريق وكيع بن الجراح، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، به. مرفوعاً.
وأخرجه ابن جرير في تفسيره (5/ 406) من طريق يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، به.
قال الترمذي بعد ذكره للحديث: «هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه».
قلت: الحديث فيه ضعف من جهة إسناده؛ لأن فيه:
«محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى» صدوق سيء الحفظ جداً. التقريب (2/ 193 - 194).
و «عطية بن سعد العوفي» صدوق يخطيء كثيراً. التقريب (2/ 28).
وأما روايته موقوفاً؛ فقد أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف (7/ 506)، عن وكيع، به.
لكن أخرجه - من طريق ابن أبي شيبة - عبد بن حُميد في المنتخب من مسنده (1/ 283) مرفوعاً. ولم يتضح لي سبب وقفه في رواية ابن أبي شيبة، وإن كنت أميل إلى أن ذلك سقط في السند؛ لاتفاق الطرق على رفعه، ولرواية عبد بن حميد عن ابن أبي شيبة مرفوعاً.
والحديث وإن كان في إسناده ضعف؛ إلا أنه يشهد له ما قبله، وما بعده من الأحاديث.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (159).
(1/570)
________________________________________
4 - وعن صفوان بن عسال المرادي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ مِنْ قِبَلِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ بَابًا مَفْتُوحًا عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ؛ فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ نَحْوِهِ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا». (1)
5 - ومما يؤكد أنَّ المراد بـ «البعض» هو طلوع الشمس فقط، اتفاق الصحابة على تفسير الآية بذلك، رُويَ هذا التفسير عن: ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وصفوان بن عسال (2)، ولا يعرف لهم مخالف؛ إلا ما رُوي عن ابن مسعود - في إحدى الروايات عنه - بأنه فسرها بإحدى ثلاث: الطلوع، أو الدابة، أو يأجوج ومأجوج، وقد تقدم أنَّ ذلك لا يصح عنه. (3)
فهذه الأحاديث مع اتفاق الصحابة - رضي الله عنهم - تؤكد القول بأن المراد بالبعض هو طلوع الشمس من مغربها دون غيرها، ولو كانت الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة هي المرادة بتفسير الآية، أو بعض المراد لذُكِرَت في بقية الأحاديث، وفي هذا دلالة واضحة على أنَّ أحد الثلاث غير مستبد بانقطاع التوبة بوجوده، بل لا بد من اجتماعها معاً، والله تعالى أعلم.
فإن قيل: هذا التأويل فيه إهمال لبقية الثلاث المذكورة في الحديث؛ لأنكم قصرتم تفسير الآية على واحدة من هذه الثلاث، ولم تعملوا البقية،
_________
(1) أخرجه بهذ اللفظ: ابن ماجة في سننه، في كتاب الفتن، حديث (4070). وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجة» (3/ 332)، حديث (4143).
وروي بلفظ آخر قريب منه، ونصه: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا مَسِيرَةُ عَرْضِهِ سَبْعُونَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)».
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4/ 241) حديث (18125)، والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 344)، والترمذي في سننه، في كتاب الدعوات، حديث (3536)، وقال: «حديث حسن صحيح». وصححه المنذري في الترغيب والترهيب (4/ 45)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، حديث (3137).
(2) انظر: تفسير ابن جرير (5/ 408 - 411).
(3) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(1/571)
________________________________________
والحديث صريح بأن المراد بالبعض هو الثلاث، لا واحدة منها.
والجواب على هذا الإيراد سيأتي تبعاً عند ذكر فائدة مجيء الثلاث في الحديث، وسيأتي أنَّ قصر تفسير الآية على واحدة من الثلاث لا يعني إهمال البقية، وإنما ذكرت لفائدة أخرى كما سيأتي تقريره.
ثانياً: الأدلة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها:
1 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». (1)
2 - وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (2)
3 - وعن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (3)
فهذه الأحاديث متفقة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، والقول بأن زمن الدجال لا ينفع فيه الإيمان ولا التوبة فيه مخالفة صريحة لهذه الأحاديث؛ لأن وقته قبل طلوع الشمس من مغربها.
ثالثاً: الأدلة على أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الآيات الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة.
هناك عدة أدلة تؤيد القول بأن طلوع الشمس من مغربها هو آخر الثلاث المذكورة في الحديث، ومن هذه الأدلة:
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث (2703).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب التوبة، حديث (2759).
(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4/ 99)، حديث (16952)، وأبو داود في سننه، في كتاب التوبة، حديث (2479). وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (2/ 90) حديث (2479).
(1/572)
________________________________________
1 - حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». (1) ومفهوم هذا الحديث أنَّ من تاب بعد أن تطلع الشمس من مغربها لم تقبل منه توبته، والأصل بقاء الحديث على إطلاقه، ولا يصح تقييد ذلك بوقت الطلوع، وإذا كانت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها مردودة امتنع أن يكون وقت الدجال بعد طلوعها؛ لأن عيسى عليه السلام بعد الدجال، وزمنه فيه خير كثير، والإيمان والتوبة مقبولان فيه، فلم يبق إلا أن يكون طلوعها بعد الدجال.
2 - وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» (2)، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ». (3) وقد ثبت أنَّ خروج يأجوج ومأجوج يكون بعد عيسى عليه السلام (4)،
فهذان الحديثان يدلان على أنَّ باب التوبة لم يغلق بعد في زمن عيسى، إذ لو كان قد أغلق لما كان للحج فائدة، وقد سبق أنَّ وقت الدجال قبل زمن عيسى عليه السلام، وفي ذلك دلالة واضحة على أنَّ طلوع الشمس يعقب الدجال.
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الذكر والدعاء، حديث (2703).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (1252).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (1593).
(4) عن النواس بن سمعان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ في حديث طويل ذكر فيه الدجال ونزول عيسى عليه السلام، وفيه ـ: « ... فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ ... ». أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (2937).
(1/573)
________________________________________
3 - ومما يؤكد أنَّ طلوع الشمس هو آخر الثلاث، أنَّ الأحاديث متظافرة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، ولو كانت هي الأولى في الخروج لما كان لذكر بقية الثلاث فائدة؛ لأن انقطاع التوبة قد وقع بطلوع الشمس قبل ذلك.
قال الشيخ حمود التويجري - بعد أن أورد حديث (ثلاث إذا خرجن) -: «وظاهر هذا الحديث يدل على أنَّ التوبة لا تزال مقبولة حتى تخرج الثلاث كلها، وقد تواترت الأحاديث الدالة على أنَّ التوبة لا تزال مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فيستفاد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مع الأحاديث الواردة في قبول التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها أنَّ خروج الدابة والدخان (1) متقدم على طلوع الشمس من مغربها، والله أعلم». اهـ (2)
وأما الدابة فالأظهر أنَّ خروجها متقدم على طلوع الشمس من مغربها، لكن الزمن الذي بينهن يسير جداً، وليس في هذا القول مخالفة لحديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى». (3)؛ لأن الحديث إنما ذكر الأولية للشمس والدابة معاً، لا للشمس وحدها؛ بدليل قوله في الحديث: «وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا». (4)، ولو كان مراده - صلى الله عليه وسلم - في الأولية الشمس دون الدابة لما قال ذلك، ومما يؤكد هذا المعنى أنَّ عبد الله بن عمرو راوي الحديث لم يفهم من الحديث أنَّ طلوع الشمس متقدم على الدابة، حيث وقع منه تردد في الأولية بقوله: «وَأَظُنُّ أُولَاهَا خُرُوجًا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (5) وترجيحه لأولية الشمس مبنيٌ على
_________
(1) ذكره للدخان بدل الدجال؛ بناء على اعتماده حديث أبي هريرة من رواية الإمام أحمد، والتي فيها لفظة «الدخان» بدل «الدجال»، وقد تقدم استيفاء تخريج الحديث وبيان ألفاظه في أول المسألة.
(2) إتحاف الجماعة، للتويجري (2/ 322).
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (2941).
(4) المصدر السابق.
(5) هذه الزيادة ليست في صحيح مسلم، وقد أخرجها الإمام أحمد في مسنده (2/ 201)، حديث (6881).
(1/574)
________________________________________
اطلاعه على كتب أهل الكتاب، لا أنه سمع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم -، يدل على ذلك أنَّ الراوي عن ابن عمرو قال: «ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ -: وَأَظُنُّ أُولَاهَا خُرُوجًا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (1)، قال الحافظ ابن كثير: «وقد ظن عبد الله بن عمرو أنَّ طلوع الشمس متقدم على الدابة، وذلك محتمل ومناسب». اهـ (2)
قلت: لكن الذي يظهر تقدم الدابة على الطلوع، وأما الأحاديث الواردة بتقدم طلوع الشمس على الدابة، فإنها ضعيفة، والله تعالى أعلم. (3)
_________
(1) المصدر السابق.
(2) النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (1/ 169). وانظر: إتحاف الجماعة، للتويجري (2/ 320).
(3) ورد حديثان ضعيفان في تقدم طلوع الشمس على الدابة:
الأول: حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَوَّلُ الْآيَاتِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا».
أخرجه الطبراني في الكبير (8/ 263)، وابن عدي في «الكامل» (6/ 21)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (2/ 156)، وابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» (5/ 365)، جميعهم من طريق فضالة بن جبير، عن أبي أمامة، به.
و «فضالة بن جبير» فيه ضعف، قال ابن عدي بعد أن أخرج حديثه: «أحاديثه غير محفوظة». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 9): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه فضالة بن جبير، وهو ضعيف، وأنكر هذا الحديث».
الثاني: حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا يَخِرُّ إِبْلِيسُ سَاجِدًا يُنَادِي: إِلَهِي، مُرْنِي أَنْ أَسْجُدَ لِمَنْ شِئْتَ، فَتَجْتَمِعُ إِلَيْهِ زَبَانِيَتُهُ، فَيَقُولُونَ: يَا سَيِّدُهُمْ، مَا هَذَا التَّضَرَّعُ؟ فَيَقُولُ: إِنَّمَا سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُنْظِرَنِي إِلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، وَهَذَا الْوَقْتُ الْمَعْلُومُ، ثُمَّ تَخْرُجُ دَابَّةُ الْأَرْضِ مِنْ صَدْعٍ فِي الصَّفَا، فَأَوَّلُ خَطْوَةٍ تَضَعُهَا بِأَنْطَاكِيَّةَ، ثُمَّ تَأْتِي إِبْلِيسَ فَتَلْطِمُهُ».
أخرجه الطبراني في «الأوسط» (1/ 36). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 8): «رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه إسحاق بن إبراهيم بن زبريق وهو ضعيف». وقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (2/ 203): «هذا حديث غريب جداً، وسنده ضعيف، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك، فأما رفعه فمنكر، والله أعلم». وانظر: النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (1/ 169).
(1/575)
________________________________________
الإيرادات والاعتراضات على القول بأن زمن الدجال متقدم على طلوع الشمس من مغربها:
الإيراد الأول: فإن قيل: فما جوابكم عن حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا». (1)
فهذا الحديث صريح بأن طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة يُعد من أول الآيات، ويلزم منه أنَّ خروج الدجال متأخر عنهما.
والجواب: أنَّ الروايات مختلفة في تعيين أول الآيات:
1 - ففي رواية: «أنَّ أولها طلوع الشمس من مغربها». (2)
2 - وفي رواية: «أنَّ أولها نار تحشر الناس إلى محشرهم». (3)
3 - وقيل: أولها خروج الدجال. (4)
وللعلماء في الجمع بين هذه الأحاديث أقوال:
1 - قال الحافظ ابن حجر: «الذي يترجح من مجموع الأخبار أنَّ خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم عليه السلام، وأنَّ طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب ....
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (2941).
(2) كما في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم.
(3) لحديث أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (3329).
(4) يدل عليه حديث أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .... ؛ فذكر الدجال وقال: «وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ». أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الفتن، حديث (4077). وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1303)، حديث (7875).
(1/576)
________________________________________
قال: وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس». اهـ (1)
واختار هذا الجمع البرزنجي (2)، حيث نقله عن الحافظ ابن حجر واستحسنه. (3)
2 - ويرى الحافظ ابن كثير: أنَّ طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة يعد من أول الآيات السماوية التي ليست بمألوفة، وأما خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج فكلها أمور مألوفة، وهي من أول الآيات الأرضية.
قال الحافظ ابن كثير - بعد أن أورد حديث عبد الله بن عمرو -: «أي أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى عليه السلام من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، فكل ذلك أمور مألوفة؛ لأن أمر مشاهدته ومشاهدة أمثاله مألوف؛ فأما خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف ومخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر؛ فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أنَّ طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية». اهـ (4)
واختار هذا الجمع ابن أبي العز الحنفي. (5)
3 - ويرى الطيبي أنَّ الآيات عبارة عن أمارات على الساعة، إما على قربها، وإما على حصولها؛ فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس. (6)
واختار هذا الجمع المناوي. (7)
_________
(1) فتح الباري، لابن حجر (11/ 361).
(2) هو: محمد بن عبد الرسول بن عبد السيد الحسني البرزنجي: فاضل، له علم بالتفسير والأدب. من فقهاء الشافعية. برزنجي الأصل. ولد وتعلم بشهرزور، ورحل إلى همذان وبغداد ودمشق والقسطنطينية. ومصر، واستقر في المدينة، فتصدر للتدريس، وتوفي بها. له كتب، منها (الإشاعة في أشراط الساعة) و (أنهار السلسبيل) في شرح تفسير البيضاوي، وغيرها. (ت: 1103هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (6/ 203).
(3) انظر: الإشاعة لأشراط الساعة، للبرزنجي، ص (281).
(4) النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (1/ 165). وانظر: (1/ 169).
(5) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (1/ 566).
(6) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (10/ 111)، وانظر: فتح الباري، لابن حجر (11/ 360).
(7) فيض القدير، للمناوي (2/ 170).
(1/577)
________________________________________
4 - ويرى أبو العباس القرطبي أنَّ الأولية في حديث عبد الله بن عمرو المراد بها: أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة والطبع على كل قلب بما فيه، وعلل ذلك: بأن ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة، وإيمان الكافر فيه يصح. (1)
وأما حديث أنس أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ». (2) فقد جاء في حديث آخر أنها آخر الآيات؛ فعن حذيفة بن أسيد الغفاري - رضي الله عنه - قال: «اطَّلَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ: مَا تَذَاكَرُونَ؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ. قَالَ: إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ» (3).
قال الحافظ ابن حجر: «ويجمع بينهما بأن آخريتها باعتبار ما ذُكِرَ معها من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلاً، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا». اهـ (4)
قلت: ويؤيد هذا الجمع أنَّ حديث أنس روي بلفظ: «وَأَمَّا أَوَّلُ شَيْءٍ يَحْشُرُ النَّاسَ فَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُهُمْ إِلَى الْمَغْرِبِ». (5)
حيث لم ينص على أنها أول الآيات، بل فيه أنها أول من يحشر الناس. (6)
_________
(1) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (7/ 242).
(2) سبق تخريجه في أثناء المسألة.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (2901).
(4) فتح الباري، لابن حجر (13/ 88).
(5) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 271)، حديث (13895)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (1/ 273)، وابن حبان في صحيحه (16/ 442)، وأبو يعلى في مسنده (6/ 139)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 502)، حديث (2568).
(6) انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (10/ 82).
(1/578)
________________________________________
ويحتمل أنَّ النار المذكورة في حديث أنس نار أخرى غير المذكورة في حديث حذيفة، فالأولى تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، والثانية تخرج من اليمن فتسوق الناس إلى المحشر الذي هو أرض الشام، فتكون الأولى أول الآيات، والثانية آخر الآيات.
يقوي هذا الاحتمال اختلاف مكان وصفة خروج كل من النارين؛ فالأولى تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب، والثانية تخرج من اليمن وتسوق الناس إلى محشرهم. (1)
وبهذا يتبين أنَّ الحديث الوارد في أنَّ أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة، لا ينافي القول بأن أولها خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام، لما علمت من اختلاف الروايات في أول الآيات، ولما ذُكِرَ من أنَّ الأولية في الحديث ليست على إطلاقها، وعليه فلا يصح الاعتراض، والله تعالى أعلم. (2)
الإيراد الثاني: أنَّ في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - تقديم طلوع الشمس من مغربها على الدجال، فكيف يقال إن طلوعها آخر الثلاث؟
والجواب: أنَّ هذا الترتيب غير مُتفقٍ عليه بين رواة الحديث، وتفصيل ذلك:
أنَّ الحديث رواه فضيل بن غزوان، وقد رُويَ عن فضيل من أربعة طرق، وفي كل طريق اختلاف في ترتيب الآيات:
الأول: طريق وكيع بن الجراح: وقد اتفق الرواة عنه على الترتيب الآتي: طلوع الشمس، والدجال، والدابة.
الثاني: طريق يعلى بن عبيد: وقد اختلف الرواة عنه في الترتيب:
فرواه عبد بن حميد، وإسحاق بن راهويه، والصغاني، بلفظ: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس.
ورواه عنه محمد بن عبد الوهاب، بلفظ: طلوع الشمس، والدجال، والدابة.
_________
(1) انظر: لوامع الأنوار البهية، للسفاريني (2/ 150).
(2) انظر: القناعة فيما يحسن الإحاطة من أشراط الساعة، للسخاوي، ص (62).
(1/579)
________________________________________
الثالث: طريق محمد بن فضيل: وقد اختلف الرواة عنه في الترتيب:
فرواه محمد بن العلاء، وعبد الله بن عامر بلفظ: طلوع الشمس، والدجال، والدابة.
ورواه أبو هشام الرفاعي بلفظ: الدابة، والدجال، وطلوع الشمس.
الرابع: طريق إسحاق بن يوسف: ولم يخرجه من هذا الطريق إلا مسلم في صحيحه، ولم يذكر لفظ الحديث، وإنما ذكر هذا الطريق متابعة. (1)
والخلاصة: أنَّ هذه الروايات الواردة في ترتيب الحديث لا يمكن الجزم بأن أحدها هو الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وإذ الأمر كذلك فلا يصح الجزم بأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الثلاث.
وعلى التسليم بأن الحديث قد جاء هكذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتقديم الطلوع على الثلاث؛ فإنه لا يدل على تقدم الطلوع؛ لأن تقديمها في الذكر لا يقتضي تقدمها في الوقوع (2)، كما أنَّ العطف لا يفيد الترتيب (3)، ولاحتمال أن يكون
_________
(1) تقدم تخريج هذه الطرق في أول المسألة.
(2) انظر: الكليات، للكفوي، ص (159)، (1066)، وفتح القدير، للشوكاني (1/ 153)، وقواعد التفسير، للسبت (1/ 379).
(3) مذهب الجمهور من الأصوليين والنحاة أن «الواو» العاطفة تجيء لمطلق الجمع، فيُعطف بها الشيء على مصاحبه، ولا تفيد الترتيب. قال سيبويه: «ولم تُلْزِمِ الواوُ الشيئين أن يكون أحدهما بعد الآخر، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، لم يكن في هذا دليل أنك مررت بعمرو بعد زيد».
وقال: «وإنما جئت بالواو لتضم الآخر إلى الأول وتجمعهما، وليس فيه دليل على أن أحدهما قبل الآخر». اهـ انظر: الكتاب، لسيبويه (1/ 291) و (4/ 216).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (18/ 217): «لفظ الواو لا يفيد الترتيب على الصحيح الذي عليه الجمهور». اهـ
وقال الشنقيطي في «أضواء البيان» (7/ 133): «أطبق جمهور أهل اللسان العربي على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك، وقد ادعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك وعزاه لأكثر المحققين وهو الحق، خلافاً لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي، من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه، وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء، وقال: لم أجده في كتابه. وقال ولي الدين: أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي. حكاه عنه صاحب الضياء اللامع». اهـ
وللجمهور أدلة، منها: =
(1/580)
________________________________________
قدم الطلوع؛ لأن مدار عدم قبول التوبة متوقف عليه. (1)
ومما يؤكد أنَّ الترتيب غير مراد في الحديث: ذكر الدجال بين طلوع الشمس وخروج الدابة، وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أنَّ طلوع الشمس وخروج الدابة قريبان من بعضهما، ونص الحديث: «وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا». (2)، وقد تقدم أنَّ مدة مكث الدجال إلى أن يقتله ابن مريم تُعد طويلة، وهذا دليل واضح بأن طلوع الشمس ليس بأول الثلاث، والله تعالى أعلم.
الإيراد الثالث: إذا كانت التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، فما فائدة ذكر الدجال والدابة في الحديث؟
والجواب: أنَّ ذكرهما هو بمثابة التحذير والإعلام بقرب طلوع الشمس من مغربها، فكأن خروجهما إرهاصٌ وإيذانٌ بقرب طلوع الشمس من مغربها، يدل على ذلك: حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن ربكم أنذركم ثلاثاً .... ، فذكر الدخان، والدابة، والدجال». (3)
_________
= قوله تعالى: (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدي وارْكَعي مَعَ الرَّاكِعِيْنَ) [آل عمران: 43]. حيث قدم السجود على الركوع، ولو كانت الواو تفيد الترتيب؛ لقدم الركوع على السجود، وقال تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) [البقرة: 58]، وقال في سورة الأعراف: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) [الأعراف: 161]، فقدم وأخر مع أن القصة واحدة. وللمزيد انظر: معاني القرآن، للفراء (1/ 396)، والمقتضب (1/ 10)، والكامل في الأدب (2/ 529)، كلاهما للمبرد، ومعاني الحروف؛ للرماني، ص (59)، والصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس، ص (157)، والفصول في الأصول، للرازي (1/ 83)، وكشف الأسرار، للبخاري (2/ 109)، وشرح التلويح، للتفتازاني (1/ 188)، ونيل الأوطار، للشوكاني (1/ 124)، وفتح القدير، له (1/ 153)، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم، لمحمد عضيمة (3/ 521)، وأصول الفقه الإسلامي، لوهبة الزحيلي (1/ 378 - 381).
(1) انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (10/ 107). وللإمام ابن القيم الجوزية كلام نفيس في فوائد التقديم، حيث ذكر أن المعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال. وقد فصَّل ومثل لذلك، فانظره في كتابه «بدائع الفوائد» (1/ 58).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (2941).
(3) أخرجه ابن جرير في تفسيره (11/ 227)، حديث (31062)، والطبراني في الكبير =
(1/581)
________________________________________
وهذا الحديث واضح الدلالة في المقصود؛ لأن فيه التصريح بأن الدجال والدابة إنما هي نذرٌ لما بين يديها من طلوع الشمس من مغربها، والذي يعني رفع التوبة، وعدم قبول الإيمان، فيكون خروجهما تحذيراً للناس وتنبيهاً لهم بأن عليهم التوبة قبل أن يأت يوم لا تنفع فيه، وذلك اليوم هو طلوع الشمس من مغربها.
وإنما لم يذكر في حديث أبي مالك طلوع الشمس من مغربها؛ لأن طلوعها لا يقع فيه إنذار، وهذا مما يؤكد أنَّ الدجال والدابة إنما هي نذر، والله تعالى أعلم.
ويلاحظ في حديث أبي هريرة تعليق الشرط على ثلاثة أشياء، مع أنَّ الجواب حاصل بأحدها، وهو طلوع الشمس من مغربها، ولهذا نظائر في الكتاب والسنة:
فمن الكتاب: قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)) [الانفطار: 1 - 5] فانظر كيف علق الشرط على أربعة أشياء، وهي: انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وبعثرة القبور، مع أنَّ الجواب - وهو علم النفس بما قدمت وأخرت - لا يكون إلا بعد بعثرة القبور.
ونظير هذا المثال من السنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ (1)،
__________
= (3/ 292)، وأورده ابن كثير في تفسيره (4/ 150)، والسيوطي في الدر المنثور (5/ 745) وقالا: «إسناده جيد».
(1) الشُّعَبُ: جَمْع شُعْبَة، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الشَّيْءِ. قِيلَ: الْمُرَاد هُنَا يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا. وَقِيلَ: رِجْلَاهَا وَفَخِذَاهَا. وَقِيلَ: سَاقَاهَا وَفَخِذَاهَا. وَقِيلَ: فَخِذَاهَا وَإِسْكَتَاهَا. وَقِيلَ: فَخِذَاهَا وَشَفْرَاهَا. وَقِيلَ: نَوَاحِي فَرْجِهَا الْأَرْبَع. قَالَ الْأَزْهَرِيّ: الْإِسْكَتَانِ نَاحِيَتَا الْفَرْجِ، وَالشَّفْرَانِ طَرَف النَّاحِيَتَيْنِ. وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاض الْأَخِير. وَاخْتَارَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ الْأَوَّلَ، قَالَ: لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْجُلُوسِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ، فَاكْتَفَى بِهِ عَنْ التَّصْرِيحِ. انظر: فتح الباري، لابن حجر (1/ 470).
(1/582)
________________________________________
وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ (1)؛ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». (2) فانظر كيف علق وجوب الغسل على شيئين، مع أنه لا يجب إلا بواحد منهما، وهو التقاء الختانين.
رابعاً: الأدلة على أنَّ زمن عيسى - عليه السلام - يعقب الدجال:
تواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام (3)، وأغلب هذه الأحاديث فيها التصريح بقتل عيسى ابن مريم للدجال، وفي هذا دلالة واضحة بأن زمن عيسى يعقب الدجال، وفيما يأتي ذكر بعض الأحاديث الدالة على قتل عيسى عليه السلام للدجال:
1 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِقٍ (4)،
فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ، لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ (5)، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ
_________
(1) الختانان: هما موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية، ويقال لقَطْعهما الإِعْذارُ والخَفْضُ، ومعنى التقائهما غُيُوبُ الحشفة في فرج المرأَة حتى يصيرَ خِتانه بحِذاء خِتَانِها، وذلك أَن مدخل الذكر من المرأَة سافل عن ختانها؛ لأَن ختانها مستعلٍ، وليس معناه أَن يَماسَّ خِتانُه خِتانها. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 230)، ولسان العرب، لابن منظور (13/ 138).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحيض، حديث (349).
(3) انظر: النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (1/ 127، 142)، وإتحاف الجماعة، للتويجري (3/ 81)، فما بعدها.
(4) «الْأَعْمَاق» بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة، وَ «دَابِق» بكَسْرِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَفَتْحهَا، وَالْكَسْر هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور، وهما مَوْضِعَانِ بِالشَّامِ بِقُرْبِ حَلَب. انظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي (1/ 222)، وصحيح مسلم بشرح النووي (18/ 29).
(5) قُسْطنْطِينِيَّة: هِيَ بِضَمِّ الْقَاف، وَإِسْكَان السِّين، وَضَمّ الطَّاء الْأُولَى، وَكَسْر الثَّانِيَة وَبَعْدهَا يَاء سَاكِنَة ثُمَّ نُون، هَكَذَا هُوَ الْمَشْهُور، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق عَنْ =
(1/583)
________________________________________
الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ». (1)
2 - وعن النواس بن سمعان - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الدجال فقال: « .... فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ (2) بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ (3) وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ (4) كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ .... ». (5)
_________
= الْمُتْقِنِينَ وَالْأَكْثَرِينَ، وَعَنْ بَعْضهمْ زِيَادَة يَاء مُشَدَّدَة بَعْد النُّون، وَهِيَ مَدِينَة مَشْهُورَة مِنْ أَعْظَم مَدَائِن الرُّوم. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 199)، وصحيح مسلم بشرح النووي (18/ 30).
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن، حديث (2897).
(2) قال الحافظ ابن كثير في «النهاية» (1/ 149): «هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق؛ وقد رأيت في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ، وتكون الرواية «فينزل على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق» فتصرف الراوي في التعبير بحسب ما فهم، وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي إلى شرق الجامع الأموي، وهذا هو الأنسب والأليق». اهـ
(3) المهرود: الثوب المصبوغ بالزعفران. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 268)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (5/ 257).
(4) الجمان: هي شذور تصنع من الفضة أمثال اللؤلؤ، والمعنى: أن الماء يتحدر من رأسه كأنه حبات اللؤلؤ. انظر: مشارق الأنوار (1/ 153)، والنهاية في غريب الحديث (1/ 301).
(5) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن، حديث (2937).
(1/584)
________________________________________
خامساً: الأدلة على أنَّ زمن عيسى - عليه السلام - فيه خير كثير، دنيوي وأخروي، والتوبة والإيمان مقبولان فيه:
هناك عدة أدلة تدل على أنَّ زمن عيسى عليه السلام التوبة والإيمان مقبولان فيه، سواء كانت التوبة والإيمان قبل نزوله، أم بعد ذلك.
وفيما يلي ذكر بعض هذه الأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)) [النساء: 159].
حيث أخبر سبحانه في هذه الآية الكريمة أنَّ جميع أهل الكتاب يؤمنون بعيسى عليه السلام بعد نزوله، ولا يتخلف أحد منهم عن التصديق والإيمان به (1)، فدل على قبول الإيمان في زمنه.
الإيرادات والاعتراضات على هذا الدليل:
الإيراد الأول: أنَّ الاستدلال بهذه الآية غير مستقيم؛ لأن هناك خلافاً بين المفسرين في مرجع الضمير في قوله: (قَبْلَ مَوْتِهِ) [النساء: 159] فبعضهم يقول: إن الضمير راجع إلى الكتابي، والمعنى أنَّ الكتابي يؤمن عند الموت والمعاينة، بأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله. (2)
وقال آخرون: معنى الآية: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل موت الكتابي. (3)
والجواب: أنَّ الصواب رجوع الضمير إلى عيسى عليه السلام، لا إلى الكتابي، وهذا هو مذهب الجمهور من المفسرين، روي عن أبي هريرة (4)، وابن
_________
(1) انظر: تفسير ابن كثير (1/ 590).
(2) رُويَ ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وابن سيرين، والضحاك. انظر: تفسير ابن كثير (1/ 590).
(3) رُويَ هذا القول عن عكرمة. انظر: تفسير ابن كثير (1/ 590).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (3448)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (155).
(1/585)
________________________________________
عباس (1)، وبه قال أبو مالك (2)، والحسن البصري (3)، وقتادة (4)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (5).
وهو اختيار: ابن جرير، وابن كثير، والشوكاني، والشنقيطي. (6)
ومما يرجح هذا الاختيار:
1 - أنَّ الضمائر في الآيات التي قبلها كلها راجعة إلى عيسى عليه السلام، قال تعالى: (وَقولهمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)) [النساء: 157 - 158].
فقوله: (وَمَا قَتَلُوهُ) (وَمَا صَلَبُوهُ) (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) (اخْتَلَفُوا فِيهِ) (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) (وَمَا قَتَلُوهُ) (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ) كل هذه الضمائر راجعة إلى عيسى عليه السلام، ولما عطف عليها قوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) وجب أن يكون الضمير عائداً إلى عيسى عليه السلام، حتى تنسجم الضمائر. (7)
2 - ومما يقوي عود الضمير إلى عيسى عليه السلام، أنَّ الأصل في الضمير عوده على مفسر مذكور، وليس في الآية ذكر للكتابي، وإنما المذكور عيسى عليه السلام. (8)
_________
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (4/ 356)، وابن أبي حاتم في تفسيره (4/ 1114)، والحاكم في المستدرك (2/ 338)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه». وصححه الحافظ ابن كثير في «النهاية في الفتن والملاحم» (1/ 142)، والحافظ ابن حجر في «الفتح» (6/ 568).
(2) أخرجه ابن جرير في تفسيره (4/ 357)، وابن أبي حاتم في تفسيره (4/ 1113).
(3) المصادر السابقة.
(4) أخرجه ابن جرير في تفسيره (4/ 357).
(5) المصدر السابق.
(6) انظر على الترتيب: تفسير الطبري (4/ 360)، وتفسير ابن كثير (1/ 590)، وفتح القدير، للشوكاني (1/ 807)، وأضواء البيان، للشنقيطي (7/ 264).
(7) انظر: أضواء البيان (7/ 265 - 266).
(8) المصدر السابق.
(1/586)
________________________________________
«فأما من فسر الآية بأن المعنى أنَّ كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام؛ فهذا هو الواقع، وذلك أنَّ كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلاً به فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيماناً نافعاً له إذا كان قد شاهد الملك؛ كما قال تعالى: (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن) [النساء: 18]، وقال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَاَ) [غافر: 84 - 85]، ومن تأمل هذا القول وأمعن النظر فيه اتضح له أنه هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون هو المراد من الآية، والله تعالى أعلم». (1)
الإيراد الثاني: على التسليم بأن الضمير عائد على عيسى عليه السلام؛ فإن هذا الإيمان إيمان اضطراري، بمعنى أنَّ أهل الكتاب يتحققون أنَّ عيسى عبد الله ورسوله، ومثل هذا لا ينفع صاحبه، كحالة الغرغرة فإن الإيمان لا ينفع عندها. (2)
والجواب: أنَّ الآية لم تُفصل في هذا الإيمان، من حيث القبول والرد، فبقيت على إطلاقها بأن الإيمان نافع في زمن عيسى عليه السلام، ولا يصح تقييدها إلا بدليل.
الدليل الثاني: على أنَّ من أحدث إيماناً أو توبة في زمن عيسى عليه السلام قُبِلَ منه، حديث أبي هريرة، وفيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر عيسى ابن مريم فقال: « ... وَإِنَّهُ نَازِلٌ ... فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ». (3)
_________
(1) انظر: تفسير ابن كثير (1/ 591).
(2) انظر: النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (1/ 172 - 173).
(3) لفظ الحديث كاملاً: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ، رَجُلًا مَرْبُوعًا إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ =
(1/587)
________________________________________
والشاهد من الحديث قوله: «وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ»، وهذا نص صريح بأن عيسى عليه السلام يدعو إلى الإسلام، ويلزم من دعوته أنَّ الإيمان مقبول ممن آمن به واتبعه، وإلا فكيف يدعوهم إلى الإسلام وهو يعلم أنَّ إسلامهم غير نافع لهم.
فإن قيل: إن اللفظ الذي استدللتم به غير متفق عليه بين رواة الحديث، حيث روي بلفظ: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ»، وبلفظ: «وَيُعَطِّلُ الْمِلَلَ، حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا غَيْرَ الْإِسْلَامِ». (1) وهذه الروايات ليس فيها أنه يدعو للإسلام، وعليه فلا يستقيم الاستدلال.
_________
= الدَّجَّالَ، وَتَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُودُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ».
روي هذا الحديث من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة، به.
وقد روي عن قتادة من ثلاثة طرق:
الأول: طريق همام بن يحيى، عن قتادة، به:
وقد رواه عنه:
1 - عفان بن مسلم: أخرجه من طريقه الإمام أحمد في مسنده (2/ 406)، حديث (9259)، والحاكم في المستدرك (2/ 651) وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه». ولفظه: «وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ».
2 - هدبة بن خالد: أخرجه من طريقه الإمام أبي داود في سننه، في كتاب الملاحم، حديث (4324)، وابن حبان في صحيحه (15/ 233). ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ».
الثاني: طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به:
وقد رواه عنه:
1 - يحيى بن سعيد بن فروخ: أخرجه من طريقه الإمام أحمد في مسنده (2/ 437)، حديث (9630). ولفظه: «وَيُعَطِّلُ الْمِلَلَ، حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا غَيْرَ الْإِسْلَامِ».
2 - يزيد بن هارون: أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة في المصنف (7/ 499)، وابن جرير في تفسيره (4/ 361). ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ».
الثالث: طريق الحسن بن دينار، عن قتادة، به:
رواه عنه ابن إسحاق: أخرجه من طريقه ابن جرير في تفسيره ((3/ 289). ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ».
وللحديث شاهد مرسل، أخرجه أبو عمرو الداني في كتابه «السنن الواردة في الفتن» (6/ 1233) عن الحسن مرسلاً، ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ».
وقد صحح الحديث الحافظ ابن كثير، في «النهاية» (1/ 146)، وابن حجر في «الفتح» (6/ 569)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» (2/ 32)، حديث (4324).
(1) انظر هذه الروايات في تخريج الحديث، ص (590).
(1/588)
________________________________________
فالجواب: أنَّ لفظ: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ» هو بمعنى لفظ «وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ» ولا فرق؛ لأن قتاله الناس على الإسلام إنما هو من أجل أن يسلموا، فمن أسلم كف عنه، ومن أبى قاتله، يدل على هذا المعنى حديث: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .... » (1) ومعلوم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث للقتال وحسب، وإنما بعث لدعوة الناس للإيمان، والقتال إنما هو لمن أعرض وأبى.
وكذا الرواية الثانية هي بمعنى هذه الرواية، والله تعالى أعلم.
الدليل الثالث: ما ورد من أحاديث أنَّ المسلمين يقاتلون العدو في زمن الدجال، وزمن عيسى عليه السلام (2)،
وقد جاء ما يفيد بأن التوبة لا تنقطع ما دام المسلمون يقاتلون العدو؛ فعن عبد الله بن وَقْدَانَ السَّعْدِيِّ (3) أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ» (4)، والهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة؛
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (25)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (20).
(2) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِقٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ؛ فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا؛ فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ؛ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ».
أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (2897).
(3) هو: أبو محمد، عبد الله بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي بن غالب. واسم وقدان: عمرو، ويقال: عمرو بن وقدان. يقال له ابن السعدى؛ لأن أباه استرضع في بني سعد بن بكر بن هوازن، صحب ابن السعدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قديماً، وقال: وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (ت: 57 هـ). انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر
(4/ 113)، وصحيح مسلم بشرح النووي (7/ 193).
(4) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 192)، حديث (1671)، والنسائي في سننه، في كتاب البيعة، حديث (4172)، وابن حبان في صحيحه (11/ 207).
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/ 251): «رجال أحمد ثقات». وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (2/ 927)، حديث (5218).
(1/589)
________________________________________
لحديث: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (1)
وفي هذا كله دلالة واضحة على أنَّ التوبة لا تزال مقبولة في زمن الدجال، وعيسى عليه السلام، إلى أن تطلع الشمس من مغربها.
الدليل الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - عن عيسى عليه السلام: «ويُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ». (2)
فهذا الحديث يدل على دخول الناس كافة في دين الله في زمن عيسى عليه السلام، ولا يقال بأن عيسى يقتل جميع من لم يكن مؤمناً؛ لأن هذا لم يرد به دليل، ويبعد أن يقتل أعداداً هائلة من البشر؛ لأن نزوله إنما هو لهداية الناس، لا لإزهاق أرواحهم، فدل على أنَّ وقته يكون لدعوة الناس للإيمان، وبالتالي فزمنه زمن إيمان وقبول، والله تعالى أعلم.
****
_________
(1) سبق تخريجه، ص (575).
(2) سبق تخريجه من حديث أبي هريرة، ص (590).
(1/590)
________________________________________
المسألة [4]: هل وقع الشرك من آدم وحواء عليهما السلام؟
المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)) [الأعراف: 189 - 190].

المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآيتين:
(79) ـ (68): عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ، وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ (1)؛ فَإِنَّهُ يَعِيشُ؛ فَسَمَّوْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ». (2)
_________
(1) الحارث هو اسم إبليس. انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (2/ 486).
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (5/ 11)، حديث (20129)، وابن جرير في تفسيره (6/ 144)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3077)، والحاكم في المستدرك (2/ 594)، والروياني في مسنده (2/ 52)، جميعهم من طريق: عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة، به. مرفوعاً.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1631) عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن الفياض، عن عمر بن إبراهيم، به. مرفوعاً. وأخرجه ابن =
(1/591)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= مردويه [كما في تفسير الحافظ ابن كثير (2/ 286)]، والطبراني في الكبير (7/ 215)، وابن عدي في الكامل (5/ 43) جميعهم من طريق شاذ بن فياض، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، به. مرفوعاً.
قال الحافظ ابن كثير، في تفسيره (2/ 286): «شاذ، هو هلال، وشاذ لقبه».
والحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: «حسن غريب، لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عمر بن إبراهيم، عن قتادة. ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه. عمر بن إبراهيم شيخ بصري». اهـ
قلت: الحديث لا يصح مرفوعاً، وهو معلول من أوجه:
الأول: أنه من رواية «عمر بن إبراهيم» وهو: العبدي أبو حفص البصري، صاحب الهروي، وهو ضعيف في روايته عن قتادة.
قال الإمام أحمد: يروي عن قتادة أحاديث مناكير يخالف. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صالح. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يُحتج به. وقال ابن عدي: يَروي عن قتادة أشياء لا يُوافق عليها، وحديثه خاصةً عن قتادة مضطرب. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف، وذكره في الضعفاء فقال: كان ممن يتفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه؛ فلا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، فأما فيما روى عن الثقات فإن اعتبر به معتبر لم أرَ بذلك بأساً. وقال البرقاني، عن الدارقطني: ليّن يُترك. وقال أبو بكر البزار. ليس بالحافظ. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (7/ 373).
وقد تُوبِع عمرُ بنُ إبراهيم في روايته عن قتادة من طريقين، غير أنهما لا يصح اعتبارهما:
الطريق الأول: أخرجه ابن مردويه [كما في تفسير الحافظ ابن كثير (2/ 286)] من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة، به. مرفوعاً.
والمعتمر هو: ابن سليمان بن طرخان. والإسناد رجاله ثقات؛ إلا أني لم أقف على الرواة بين ابن مردويه، والمعتمر.
والأقرب أنَّ فيه راوياً ضعيفاً، وأنَّ الرفع جاء من قبله؛ لأن الحديث رواه ابن جرير في تفسيره
(6/ 144) عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر، به. موقوفاً من قول سمرة. وهذا هو الأصح. وقد أشار إلى ذلك د. الشريف حاتم بن عارف العوني، في كتابه «المرسل الخفي» (3/ 1404 - 1406).
الطريق الثاني: أخرجه ابن عدي في الكامل (3/ 298) من طريق سليمان الشاذكوني، عن غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، به. مرفوعاً.
قال ابن عدي: «وهذا من حديث شعبة، عن قتادة منكر، لا أعرفه إلا من حديث الشاذكوني، عن غندر، عنه، وإنما يروي هذا عن قتادة: عمر بن إبراهيم». اهـ
والشاذكوني هو: سليمان بن داود المنقري - نسبة إلى منقر بن عبيد بن قيس بن غيلان - البصري، قال البخاري: فيه نظر. وكذبه ابن معين في حديث ذُكر له عنه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقد ساق له ابن عدى أحاديث خُولف فيها ثم قال: وللشاذكوني حديث كثير مستقيم، وهو من الحفاظ المعدودين، وما أشبه أمره بما قال عبدان: ذهبت كتبه فكان يحدث حفظاً فيغلط. انظر: لسان الميزان، لابن حجر (3/ 84 - 85). =
(1/592)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= الوجه الثاني: أنَّ الحديث قد رُوي من قول سمرة - رضي الله عنه - موقوفاً عليه.
أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 144) قال: حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر، عن أبيه قال: حدثنا أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن سمرة - رضي الله عنه -، أنه حدث: أنَّ آدم عليه السلام سمى ابنه عبد الحارث.
وأخرجه عن محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه قال: حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء، عن سمرة - رضي الله عنه - قال: سمى آدم ابنه عبد الحارث.
وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (4/ 83) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، ثنا أبو الجماهر، ثنا سعيد بن بشير، حدثني عمران، عن عقبة، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن سمرة - رضي الله عنه - قال: سمياه عبد الحارث، في قوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)) [الأعراف: 190].
والأثر صحيح من رواية ابن جرير.
الوجه الثالث: أنَّ في سماع الحسن من سمرة خلافاً مشهوراً بين علماء الحديث، ثم هو مدلس ولم يصرح في هذا الحديث بسماعه من سمرة، قال الذهبي في ميزان الاعتدال (2/ 281): «كان الحسن كثير التدليس؛ فإذا قال في حديث (عن فلان) ضَعُف احتجاجه». اهـ وفي سماعه من سمرة قال الزيلعي في نصب الراية (1/ 149): «وَفِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قول ابْنِ الْمَدِينِيِّ، ذَكَرَهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ تَارِيخِهِ الْوَسَطِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إسْرَائِيلَ، قَالَ: سَمِعْت الْحَسَنَ يَقُولُ: وُلِدْت لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، قَالَ عَلِيٌّ: سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ. انْتَهَى. وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ -: قَالَ عَلِيٌّ - يَعْنِي ابْنَ الْمَدِينِيَّ -: سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ. انْتَهَى. والظَّاهِرَ مِنْ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ يَخْتَارُ هَذَا الْقَوْلَ، فَإِنَّهُ صَحَّحَ فِي كِتَابِهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وَاخْتَارَ الْحَاكِمُ هَذَا الْقَوْلَ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَدْرَكِ - بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَتْ لَهُ سَكْتَتَانِ: سَكْتَةٌ إذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةٌ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ»، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ، فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَ فِي كِتَابِهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَالَ فِي بَعْضِهَا: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيْعِ الشَّاةِ بِاللَّحْمِ»، وَقَدْ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِالْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ. انْتَهَى. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: إنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَتْ لَهُ =
(1/593)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= سَكْتَتَانِ، وَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ شَيْئًا. انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: الْحَسَنُ لَمْ يَلْقَ سَمُرَةَ، وَقَالَ شُعْبَةُ: الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ، وَقَالَ الْبَرْدِيجِيُّ: أَحَادِيثُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ كِتَابٌ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ حَدِيثٌ، قَالَ فِيهِ: سَمِعْت سَمُرَةَ. انْتَهَى كَلَامُهُ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ فَقَطْ، قَالَهُ النَّسَائِيّ، وَإِلَيْهِ مَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ فَقَالَ فِي حَدِيثِ السَّكْتَتَيْنِ: وَالْحَسَنُ اُخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ سَمُرَةَ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ إلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، فِيمَا قَالَهُ قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ. انْتَهَى. وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ فَقَالَ عِنْدَ ذِكْرِهِ هَذَا الْحَدِيثَ: وَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ إلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ. وَاخْتَارَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَالْحَسَنُ سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، ثُمَّ رَغِبَ عَنْ السَّمَاعِ عَنْهُ، وَلَمَّا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَخْرَجُوا لَهُ صَحِيفَةً سَمِعُوهَا مِنْ أَبِيهِمْ، فَكَانَ يَرْوِيهَا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَ بِسَمَاعٍ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْهُ. انْتَهَى. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ قُرَيْشِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: سُئِلَ الْحَسَنُ مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَهُ فِي الْعَقِيقَةِ؟ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ سَمُرَةَ. وَعَنْ الْبُخَارِيِّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قُرَيْشٍ. وَقَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ: تَفَرَّدَ بِهِ قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، وَقَدْ رَدَّهُ آخَرُونَ، وَقَالُوا: لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْهُ». اهـ
وانظر: كتاب «المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس، دراسة نظرية تطبيقية على مرويات الحسن البصري»، للدكتور الشريف حاتم بن عارف العوني؛ فقد أجاد وأفاد في دراسة أحاديث الحسن البصري رحمه الله.
الوجه الرابع: أنَّ الحديث قد روي عن أُبيِّ بن كعب - رضي الله عنه - من قوله، وهذا يدل على أنَّ أصله من الإسرائيليات المتلقفة عن مسلمة أهل الكتاب.
أخرج أثرَ أُبيٍّ: ابنُُُُ أبي حاتم في تفسيره (5/ 1633) قال: حدثنا أبي، ثنا أبو الجماهر، أنبا سعيد بن بشير، عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: «لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال: أتطيعيني ويَسْلَمُ لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالث فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبهما فأطاعاه».
والأثر في إسناده: «سعيد بن بشير الأزدي، أبو عبد الرحمن» وهو ضعيف، كما في التقريب (1/ 284).
الوجه الخامس: أنَّ الحسن نفسه فسَّر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعاً لما عدل عنه، وقد فسر قوله تعالى: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) [الأعراف: 190] =
(1/594)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
ظاهر الحديث الشريف وقوع الشرك من آدم وحواء عليهما السلام، حيث جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي وُلِدَ لهما؛ إذ عَبَّدَاهُ لغير الله، وهو الذي تفرد سبحانه بإيجاده، وهذا مشكل؛ لأن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشرك قبل النبوة وبعدها إجماعاً. (1)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
اتفق المفسرون على تنزيه مقام آدم - عليه السلام - من الشرك، وأنَّ ذلك لم يقع منه، ولا من الأنبياء قط، وقد عدّوا هذه الآيات - والحديث الوارد في تفسيرها - من مشكلات التفسير، ولهم في دفع الإشكال الوارد فيهما مسلكان:
_________
= فقال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم. وعنه قال: عني بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده. وعنه قال: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولاداً فهودوا ونصّروا.
ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره (2/ 286) من طرق عنه، ثم قال: «وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن - رضي الله عنه - أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حُمِلتْ عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم، مثل كعب أو وهب بن منبه، وغيرهما». اهـ
النتيجة: أنَّ الحديث لا يصح رفعه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ضعفه الحافظ ابن كثير في تفسيره (2/ 286)، والألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (1/ 516)، حديث (342). وقد ذكرا بعضاً من العلل التي أوردتها، فانظرها في كتابيهما المذكورين آنفاً.
(1) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: تفسير السمعاني (2/ 239)، وتفسير البغوي (2/ 221)، وأحكام القرآن، لابن العربي (2/ 355)، وعصمة الأنبياء، للرازي، ص (29)، والإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (1/ 280)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (8/ 266)، والقول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (3/ 67).
(1/595)
________________________________________
الأول: مسلك قبول الحديث، وإجراء الآيتين على ظاهرها في قصة آدم وحواء:
وهذا رأي الجمهور من المفسرين (1)، حيث ذهبوا إلى أنَّ الآيات معنيٌ بها آدم وحواء - عليهما السلام - حيث سميا ابنهما عبد الحارث.
رُوي ذلك عن: أبي بن كعب (2)، وسمرة بن جندب (3)، وابن عباس (4)،
_________
(1) نسبه للجمهور: ابن الجوزي في «زاد المسير» (3/ 231).
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1633)، وإسناده ضعيف.
(3) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 144)، والطبراني في مسند الشاميين (4/ 83)، وإسناده صحيح.
(4) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 144 - 145)، من ثلاثة طرق:
الأول: قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانت حواء تلد لآدم فتعبدهم لله وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليسُ وآدمَ فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلاً فسماه «عبد الحارث» ففيه أنزل الله تبارك وتعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)) [الأعراف: 189 - 190]».
وهذا الطريق: ضعيف، فيه: «محمد بن حميد الرازي» ضعيف، كما في التقريب (2/ 165)، وفيه «محمد بن إسحاق» مدلس، كما في التقريب (2/ 153)، وفيه «داود بن الحصين» ثقة إلا في عكرمة فإن له عنه مناكير، كما في التقريب (1/ 227).
الطريق الثاني: قال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما .... ، فذكره بنحوه.
محمد بن سعد: هو العوفي، لين الحديث.
قوله: حدثني أبي، هو سعد بن محمد بن الحسن، ضعيف.
قوله: حدثني عمي، هو الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي، ضعيف.
قوله: حدثني أبي، هو الحسن بن عطية، متفق على ضعفه.
قوله: عن أبيه، هو عطية بن سعد بن جنادة، شيعي ضعيف مدلس.
وهذا الإسناد: ضعيف جداً؛ فإنه مسلسل بالعوفيين، وهي سلسلة واهية باتفاق النقاد من المحدثين.
الطريق الثالث: قال ابن جرير: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما .... ، فذكره بنحوه.
وهذا الطريق: ضعيف أيضاً، فيه: «الحسين بن داود» وهو سنيد، ضعيف، كما في التقريب (1/ 323)، وفيه =
(1/596)
________________________________________
وعكرمة (1)، ومجاهد (2)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (3)، وبكر بن عبد الله المزني (4).
وهو اختيار جمع من المفسرين كما سيأتي ذكرهم.
واختلف هؤلاء في معنى الشرك المضاف إلى آدم وحواء - عليهما السلام - على أقوال:
الأول: أنه كان شركاً في التسمية، ولم يكن شركاً في العبادة.
وهذا هو المروي عن: قتادة (5)، وسعيد بن جبير (6)، والسدي (7).
واختيار: ابن جرير الطبري (8)، وأبي المظفر السمعاني (9)، والبغوي، وابن عطية (10)، وابن الجوزي (11)، والسيوطي (12)، والآلوسي (13)، ومحمد بن عبد الوهاب (14)، وعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (15).
قال البغوي: «جعلا له شريكاً إذ سمياه عبد الحارث، ولمن يكن هذا
_________
= «ابن جريج» ثقة إلا أنه يدلس ويرسل، وقد أرسله عن ابن عباس، التقريب (1/ 482).
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1634)، وسعيد بن منصور في سننه (5/ 173)، كلاهما من طريق خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.
وخصيف: هو ابن عبد الرحمن الجزري، صدوق سيئ الحفظ. التقريب (1/ 220).
النتيجة: أنَّ الأثر لا يصح عن ابن عباس؛ للضعف الشديد في جميع الطرق، والله تعالى أعلم.
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 145).
(2) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 146).
(3) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1635).
(4) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1634).
(5) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 245)، وابن جرير في تفسيره (6/ 145).
(6) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 146).
(7) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 146)، وابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1634).
(8) تفسير ابن جرير الطبري (6/ 147).
(9) تفسير السمعاني (2/ 239).
(10) المحرر الوجيز، لابن عطية (2/ 487).
(11) زاد المسير، لابن الجوزي (3/ 231).
(12) تفسير الجلالين (1/ 223)، والإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (1/ 280).
(13) روح المعاني، للآلوسي (9/ 189).
(14) فتح المجيد، ص (434).
(15) المصدر السابق.
(1/597)
________________________________________
إشراكاً في العبادة، ولا أنَّ الحارث ربهما؛ فإن آدم كان نبياً معصوماً من الشرك، ولكن قصد إلى أنَّ الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أُمِّهِ، وقد يطلق اسم العبد على من يُراد به أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يُسمي نفسه عبد الضيف، على وجه الخضوع، لا على وجه أنَّ الضيف ربَّه، ويقول للغير أنا عبدك، وقال يوسف - عليه السلام - لعزيز مصر: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف: 23] ولم يُرِدْ به أنه معبوده، كذلك هذا». اهـ (1)
القول الثاني: أنه كان شركاً في الطاعة، ولم يكن شركاً في العبادة.
وهذا هو المروي عن: ابن عباس رضي الله عنهما (2)، وقتادة (3).
القول الثالث: أنَّ الإشراك وقع من حواء لا من آدم عليه السلام، ولم يشرك آدم قط، وأما قوله: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) [الأعراف: 190] بصيغة التثنية فلا ينافي ذلك؛ لأنه قد يسند فعل الواحد إلى الاثنين، بل إلى جماعة، وهو شائع في كلام العرب.
وهذا قول القنوجي. (4) (5)
واعتُرِضَ: بأن الله تعالى قال: (جَعَلاَ) حيث نسب الجعل إليهما، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، وبأن آدم عليه السلام قد أقرَّ حواء على ذلك، وبأن في حديث سمرة - رضي الله عنه - التصريح بأنهما سمياه بذلك معاً. (6)
أدلة هذا المذهب:
استدل القائلون بأن الآيات معنيٌّ بها آدم وحواء - عليهما السلام - بأدلة منها:
الدليل الأول: حديث سمرة - رضي الله عنه -، حيث أورده أصحاب هذا المذهب وجعلوه عمدة في تفسير الآيات، وقد صرح بعضهم بصحته، والبعض الآخر أورده وسكت عنه، وهو مشعر باعتماده له.
_________
(1) تفسير البغوي (2/ 221).
(2) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 145).
(3) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 145)، وابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1634).
(4) هو: محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي، أبو الطيب، ولد ونشأ في قنوج (بالهند) وتعلم في دهلي. وسافر إلى بهوبال طلباً للمعيشة، ففاز بثروة وافرة، وتزوج بملكة بهوبال، ولقب بنواب عالي الجاه أمير الملك بهادر. له نيف وستون مصنفاً بالعربية والفارسية والهندية. منها بالعربية: (أبجد العلوم) و (فتح البيان في مقاصد القرآن) عشرة أجزاء، في التفسير، و (نيل المرام من تفسير آيات الأحكام) وغيرها. (ت: 1307 هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (6/ 167).
(5) فتح البيان في مقاصد القرآن، للقنوجي (2/ 630).
(6) انظر: روح المعاني، للآلوسي (9/ 189).
(1/598)
________________________________________
الدليل الثاني: أنَّ هذا المذهب هو المروي عن سمرة، وأبي بن كعب، وابن عباس - رضي الله عنهم -، ومثل هذا لا يقال بالرأي، فدل على أنَّ للقصة أصلاً؛ فيكون لها حكم الرفع. (1)
الدليل الثالث: إجماع الحجة من أهل التأويل على أنَّ الآيات معنيٌ بها آدم وحواء، حكى الإجماع ابن جرير الطبري في تفسيره. (2)
الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب:
اعتُرِضَ على هذا المذهب بقوله تعالى في آخر الآيتين: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الأعراف: 190] بصيغة الجمع، فلو كان المراد آدم وحواء - عليهما السلام - لقال: يشركان، بصيغة التثنية، وفي هذا دلالة واضحة بأن الآيات معني بها الذرية لا آدم وحواء.
وقد أجاب بعض أصحاب هذا المذهب عن هذا الاعتراض: بأن آخر الآيات معنيٌّ بها مشركو العرب من عبدة الأوثان، وأنَّ الخبر عن آدم وحواء قد انقضى عند قوله: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا).
وهذا رأي ابن جرير الطبري (3)، والسيوطي (4)، وهو المروي عن السدي (5)، وأبي مالك (6).
الثاني: مسلك تضعيف الحديث، وتأويل الآية في غير آدم وحواء:
حيث ذهب آخرون إلى تضعيف حديث سمرة - رضي الله عنه -، وأنَّ الشرك - المذكور في الآيتين - معني به غير آدم وحواء عليهما السلام.
واختلف هؤلاء بالمعنيِّ به على أقوال:
_________
(1) انظر: روح المعاني، للآلوسي (9/ 189).
(2) انظر: تفسير ابن جرير الطبري (6/ 147).
(3) انظر: تفسير ابن جرير الطبري (6/ 147).
(4) انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (1/ 281).
(5) قال السدي في تفسير قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ): «هذه فصلٌ من آية آدم، خاصة في آلهة العرب». أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 147، 148)، وابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1634).
(6) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1635).
(1/599)
________________________________________
القول الأول: أنَّ الشرك نُسب إلى آدم وحواء، والمعنيّ به أولادهما، كاليهود والنصارى، والمشركين. وآدم وحواء بريئان من الشرك، والآيات فيها انتقال من ذكر النوع إلى الجنس؛ فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل الكلام إلى الجنس من أولادهما.
وقد اشتهر هذا القول عن الحسن البصري رحمه الله.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما - في إحدى الروايات عنه (1).
قال الحسن في تفسير الآية: «كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم». (2)
وعنه قال: «عُنيَ بهذا ذرية آدم، من أشرك منهم بعده». (3)
وعنه قال: «هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً، فهوَّدوا ونصَّروا». (4)
واختار هذا القول جمع من المفسرين، والمحققين، منهم:
الزمخشري، وأبو عبد الله القرطبي (5)، والنسفي (6)، وابن جزي (7)، وابن القيم (8)، وابن كثير، والثعالبي (9)، وأبو السعود (10)، والمباركفوري (11)، والسعدي (12)، والشنقيطي (13).
قال الزمخشري - في قوله تعالى: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء) -: «أي جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما، أي آتى أولادهما .... ، وآدم وحواء بريئان من الشرك، ومعنى
_________
(1) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في هذه الآية قال: «ما أشرك آدم، إن أولها شكر، وآخرها مثل ضربه الله لمن بعده». أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1633).
(2) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 147).
(3) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 245)، وابن جرير في تفسيره (6/ 147).
(4) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 147).
(5) تفسير القرطبي (7/ 215).
(6) تفسير النسفي (2/ 130).
(7) التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (1/ 316).
(8) روضة المحبين (1/ 289)، والتبيان في أقسام القرآن (1/ 163).
(9) تفسير الثعالبي (2/ 74).
(10) تفسير أبي السعود (3/ 304).
(11) تحفة الأحوذي (8/ 367).
(12) تفسير السعدي، ص (489).
(13) أضواء البيان (2/ 340).
(1/600)
________________________________________
إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك، مكان عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم». اهـ (1)
وقال الحافظ ابن كثير: «وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري - رحمه الله - في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ... ، فذِكْرُ آدم وحواء أولاً كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين (2)، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس؛ كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13)) [المؤمنون: 12 - 13]، وقال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ) [الملك: 5]، ومعلوم أنَّ المصابيح - وهي النجوم التي زُيِّنت بها السماء - ليست هي التي يُرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم». اهـ (3)
واعتُرِضَ على هذا القول: بأن فيه تشتيتاً للضمائر، والأصل اتساق الضمائر وعودها لمذكور واحد. (4)
القول الثاني: أنَّ الآيات معنيٌّ بها المشركون من بني آدم عموماً، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه.
وهذا اختيار: النحاس (5)، والقفال (6)،
وابن حزم (7)، وابن العربي (8)، والرازي (9)، وناصر الدين ابن المنيِّر (10) (11)، والقاسمي (12)، وابن عثيمين (13).
_________
(1) الكشاف (2/ 180).
(2) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الأولاد.
(3) تفسير ابن كثير (2/ 287). وانظر: البداية والنهاية (1/ 89).
(4) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (3/ 63).
(5) معاني القرآن (3/ 116).
(6) هو: محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي، القفال، أبو بكر: من أكابر علماء عصره بالفقه والحديث واللغة والأدب. من أهل ما وراء النهر. عنه انتشر مذهب (الشافعي) في بلاده. مولده ووفاته في الشاش (وراء نهر سيحون) رحل إلى خراسان والعراق والحجاز والشام. من كتبه (أصول الفقه) و (محاسن الشريعة) و (شرح رسالة الشافعي)، وغيرها (ت: 365 هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (6/ 274).
(7) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/ 288).
(8) أحكام القرآن، لابن العربي (2/ 355).
(9) مفاتيح الغيب (15/ 71)، وعصمة الأنبياء، ص (29).
(10) هو: أحمد بن محمد بن منصور: من علماء الإسكندرية وأدبائها. ولي قضاءها وخطابتها مرتين. له تصانيف، منها: (الانتصاف من الكشاف)، و (المقتفى في شرف المصطفى) وغيرهما (ت: 683 هـ). انظر: كشف الظنون، لحاجي خليفة (1/ 136)، والأعلام، للزركلي (1/ 220).
(11) الانتصاف (2/ 180).
(12) محاسن التأويل (5/ 235 - 236).
(13) القول المفيد (3/ 62، 68).
(1/601)
________________________________________
قال القفال: «ذكر الله تعالى هذه القصة على تمثيل ضرب المثل، وبيان أنَّ هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام، كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها، إنساناً يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته، وظهر الحمل؛ دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك؛ فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما؛ لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام، ثم قال تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي تنزه الله عن ذلك الشرك». اهـ (1)
واعتُرِضَ على هذا القول:
1 - بأن قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) لا يصح حمله على غير آدم وحواء - عليهما السلام.
2 - وبقوله: (دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا) فإن كل مولود يولد بين الجنسين لا يكون منهما عند مقاربة وضعه هذا الدعاء. (2)
القول الثالث: أنَّ المشركين كانوا يقولون: إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء عليهما السلام وحكى عنهما أنهما قالا: (لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولداً سوياً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النعمة، ثم قال: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء) فقوله: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء) ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد والتقرير، والمعنى: أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟ ثم قال: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام.
_________
(1) نقله عنه الرازي في تفسيره (15/ 71).
(2) انظر: فتح القدير، للشوكاني (2/ 401).
(1/602)
________________________________________
ذكر هذا التأويل: الفخر الرازي في تفسيره. (1)
ويرده: أنَّ الآية وردت بصيغة الخبر، وحملها على معنى الاستفهام يفتقر إلى دليل، وليس ثمة دليل.
القول الرابع: أنَّ الخطاب لقريشٍ الذين كانوا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم آل قصي، والمراد من قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحدة) قصي، وجعل من جنسها زوجها، عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد اللات، وجعل الضمير في (يُشْرِكُونَ) لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك.
ذكر هذا التأويل: الزمخشري واستحسنه (2)، واختاره البيضاوي (3)، وأشار إليه الفخر الرازي في تفسيره. (4)
الإيرادات والاعتراضات على هذا القول:
قال ابن جزي: «وهذا القول بعيد لوجهين: أحدهما: أنَّ الخطاب على هذا خاص بذرية قصي من قريش، والظاهر أنَّ الخطاب عام لبني آدم. والآخر: أنَّ قوله: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، فإن هذا يصح في حواء؛ لأنها خُلِقتْ من ضلع آدم، ولا يصح في زوجة قصي». اهـ (5)
القول الخامس: أنَّ الضمير في قوله: (جَعَلاَ) راجع إلى الولد الصالح، والمعنى جعل ذلك الولد الصالح - الذي رزقهما الله إياه - جعل لله شركاء، وإنما قال: (جَعَلاَ)؛ لأن حواء كانت تلد في كل بطنٍ ذكراً وأنثى.
ذكر هذا التأويل: الجصاص (6)، وابن الجوزي (7).
أدلة هذا المذهب:
استدل القائلون بأن الآيات معني بها غير آدم وحواء - عليهما السلام - بأدلة منها:
_________
(1) مفاتيح الغيب (15/ 71).
(2) الكشاف (2/ 180 - 181).
(3) تفسير البيضاوي (3/ 83).
(4) مفاتيح الغيب (15/ 71).
(5) التسهيل لعلوم التنزيل (1/ 316).
(6) أحكام القرآن، للجصاص (3/ 49).
(7) زاد المسير (3/ 231).
(1/603)
________________________________________
الدليل الأول: قوله تعالى في آخر الآيتين: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وهذا يدل على أنَّ الذين أتوا بهذا الشرك جماعة، ولو كان المراد آدم وحواء - عليهما السلام - لعبَّرَ عنهما بصيغة التثنية. (1)
الدليل الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآيات: (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)) [الأعراف: 191]، وهذا يدل على أنَّ المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وليس المراد بها آدم وحواء - عليهما السلام. (2)
الدليل الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: أيشركون «من» لا يخلق شيئاً، ولم يقل «ما»؛ لأن العاقل إنما يُذكر بصيغة «من» لا بصيغة «ما». (3)
الدليل الرابع: أنَّ هذا القول فيه تنزيه لمقام آدم - عليه السلام - من الشرك، والقول الذي فيه تنزيه لمقام الأنبياء وإجلال لمقامهم، مقدم في التفسير على القول الذي فيه قدح بعصمتهم، وحط من منزلتهم. (4)
الدليل الخامس: أنَّ المروي عن سمرة - رضي الله عنه - في تفسير الآيتين لم يثبت بسند صحيح، وعليه فلا يصح حمل الآيات على أمور مغيبة لم يثبت فيها دليل من كتاب أو سنة. (5)
الدليل السادس: أنه لو كانت هذه القصة في أدم وحواء، لكان حالهما إما أنْ يتوبا من ذلك الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه، كان هذا القول فيه فرية عظيمة؛ لأنه لا يجوز موت أحد من الأنبياء على الشرك، وإن
_________
(1) انظر: معاني القرآن، للنحاس (3/ 116)، والكشاف، للزمخشري (2/ 180)، ومفاتيح الغيب، للرازي (15/ 70، 73)، وتفسير القرطبي (7/ 215)، وتفسير النسفي (2/ 130)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (1/ 316)، وأضواء البيان، للشنقيطي (2/ 343)، والقول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (3/ 68).
(2) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (15/ 70).
(3) انظر: المصدر السابق.
(4) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (2/ 355)، ومفاتيح الغيب (15/ 71)، والتسهيل لعلوم التنزيل (1/ 316)، والقول المفيد على كتاب التوحيد (3/ 67).
(5) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل (1/ 316)، والقول المفيد على كتاب التوحيد (3/ 67).
(1/604)
________________________________________
كانا تابا من الشرك، فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أنْ يذكر خطأهما ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أنْ يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ثم لا يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها، كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة هو وزوجه وتابا من ذلك. (1)
الدليل السابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أنَّ الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة (2) - التي عصى الله تعالى بالأكل منها في الجنة - فلو كان وقع منه الشرك، لكان اعتذاره منه أقوى وأولى وأحرى. (3)
الدليل الثامن: أنَّ الله تعالى أسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: 11] أي بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم، بدليل قوله بعده: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ) [الأعراف: 11]. (4)
_________
(1) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد (3/ 67).
(2) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي .... ».
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (3340)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (194).
(3) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (3/ 67).
(4) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (2/ 341).
(1/605)
________________________________________
الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته:
1 - اعترض القاضي ابن عطية على الاستدلال بقوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وأنَّ المراد بها مشركو العرب، اعترض قائلاً: «وهذا تحكم لا يساعده اللفظ، ويتجه أنْ يُقال: تعالى الله عن ذلك اليسير المتوهم من الشرك في عبودية الاسم، ويبقى الكلام في جهة أبوينا آدم وحواء - عليهما السلام - وجاء الضمير في «يشركون» ضميرَ جمعٍ؛ لأن إبليس مدبر معهما تسمية الولد عبد الحارث». اهـ (1)
2 - واعتُرِضَ أيضاً: بأن هذا المذهب يرده قوله تعالى: (جَعَلاَ) بصيغة التثنية، فلو كان المراد المشركين من ذرية آدم - عليه السلام - لورد اللفظ بصيغة الجمع.
وقد أجاب الفخر الرازي عن هذا الاعتراض فقال: «فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله: (جَعَلاَ)؟ قلنا: لأن ولده قسمان: ذكر وأنثى؛ فقوله: (جَعَلاَ) المراد منه الذكر والأنثى، مرة عبر عنهما بلفظ التثنية؛
لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع، وهو قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)». اهـ (2)
قلت: الأولى أنْ يقال: التثنية لاعتبار اللفظ، والجمع لاعتبار المعنى، ومنه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة: 8] ثم قال: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 8] حيث أفرد أولاً باعتبار اللفظ في قوله: (مَن يَقُولُ)، ثم جمع باعتبار المعنى في قوله: (بِمُؤْمِنِينَ). (3)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ الآيتين ليست في آدم وحواء - عليهما السلام - وإنما هي خطاب للمشركين من قريش وغيرهم، والمقصود بها ضرب المثل، وأنَّ هذه هي حالة المشركين، فهو سبحانه يذكر أنه خلق كل
_________
(1) المحرر الوجيز، لابن عطية (2/ 487).
(2) مفاتيح الغيب (15/ 72).
(3) انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (1/ 603 - 604).
(1/606)
________________________________________
واحد منهم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها، ولما كان من طبيعة البشر حب الولد ذكر الله تعالى أنَّ هذين الزوجين كانا حريصين على أنْ يرزقا بولد صالح لينتفعا به، وأنهما قد عاهدا الله لأن آتاهما صالحاً ليكونن من الشاكرين، فلما آتاهما صالحاً جعلا لله شركاء فيما آتاهما، حيث نسبا هذه النعمة لغير الله؛ وعبدا أولادهما لغير الله، ثم أخبر سبحانه أنه منزهٌ عما يُشرك به هؤلاء، وغيرهم؛ فقال: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الأعراف: 190].
والآيات مراد بها ذكر الجنس لا النوع؛ فقوله تعالى: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي من جنس واحدة، وقوله: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أي وجعل من هذا الجنس زوجةً هي على شاكلته، ولم يجعلها من جنس آخر، ولفظ النفس قد يطلق ويراد به الجنس، كما في قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ) [آل عمران: 164] أي من جنسهم. (1)
أدلة هذا الاختيار:
ذكرت فيما سبق ثمانية أدلة تؤيد هذا الاختيار (2)، وهي أدلة قوية، ويمكن أنْ يضاف إليها أدلة أخرى، منها:
1 - أنَّ الله تعالى قال في هذه الآيات: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، وقال في سورة النساء: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) (3) [النساء: 1] وآية النساء معني بها آدم وحواء باتفاق، وعبر بقوله: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)؛ لأن حواء مخلوقة من نَفْسِ آدم، وأما في آية الأعراف فقال: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)؛ لأن المراد ذكر الجنس، لا ذكر النوع، وهو آدم، والفرق بين الخلق والجعل: «أنَّ الخلق يكون عن عدمٍ سابق، بحيث لا يتقدمه مادة ولا سبب محسوس، وأما الجعل فيتوقف على موجودٍ مغايرٍ للمجعول، يكون منه المجعول أو عنه
_________
(1) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (3/ 57).
(2) انظرها - في أدلة القائلين بأن الآية معني بها غير آدم وحواء - عليهما السلام، في المذهب الثاني من المسألة.
(3) نص الآية كاملة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء) [النساء: 1].
(1/607)
________________________________________
كالمادة والسبب، ولا يرد في القرآن العظيم لفظ جعل في الأكثر مراداً به الخلق إلا حيث يكون قبله ما يكون عنه، أو منه، أو شيئاً فيه محسوساً عنه، فيُكوِّن ذلك المخلوق الثاني، بخلاف (خَلَقَ) فإن العبارة تقع كثيراً به عما لم يتقدم وجوده وجودٌ مغايرٌ يكون عنه هذا الثاني» (1)، وقد تأتي (خَلَقَ) في القرآن بمعنى (جَعَلَ)، بخلاف (جَعَلَ)؛ إذ بينهما عموم وخصوص، فكل خلق جعل، وليس كل جعل خلق.
إذا علمت هذا فإن التعبير بـ (جعل) في آية الأعراف يؤكد القول بأن الآيات معني بها الجنس من بني آدم؛ لأن هذا هو حال كل فرد منهم؛ فإنهم يتناسلون ويتوالدون من بعضهم البعض، وأما حواء فإنها خُلِقَتْ ابتداء من آدم من غير أمٍّ ولا أبٍ.
وقد وردت عدة آيات تدل على أنه إذا ورد لفظ «جعل» فالمراد به الجنس، منها: قوله تعالى: (وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) [النحل: 72]، وقال تعالى: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) [الزمر: 6]، وقال تعالى: (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) [الشورى: 11].
2 - ومما يؤكد أنَّ الآيات معنيٌّ بها المشركون على وجه العموم: أنه لم يُصرح بذكر آدم وحواء - عليهما السلام - في الآيات، والمتأمل في قصص الأنبياء الواردة في القرآن الكريم يلاحظ التصريح بذكر أسمائهم، في الغالب، ومن هؤلاء آدم عليه السلام؛ فإنه إذا ذُكرت قصته يذكر باسمه الصريح غالباً.
3 - ويدل على أنَّ الآيات في المشركين عامة: الاستطراد في الآيات التي بعد هذه الآيات في وصف حال مشركي العرب، وهي صريحة بأنهم هم المرادون بهذا الشرك، لا آدم وحواء - عليهما السلام.
قال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (192) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ
_________
(1) انظر: البرهان في علوم القرآن، للزركشي (4/ 114)، ومفردات ألفاظ القرآن، للراغب، ص (196، 296).
(1/608)
________________________________________
أَنتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194)) [الأعراف: 191 - 194].
4 - أنه لم يثبت دليل على أنَّ الآيات معني بها آدم وحواء - عليهما السلام - إلا ما روي من حديث سمرة - رضي الله عنه -، وهو ضعيف كما تقدم، وما روي عن ابن عباس في تفسير الآيات يعد من الإسرائيليات المتلقفة عن مسلمة أهل الكتاب، وإنما التبس على كثير من المفسرين الأمر، وظنوا أنها في آدم وحواء، بسبب هذه الروايات، وهذه آفةٌ من آفات الإسرائيليات والتي تُعد من الدخيل السيئ في التفسير.
قال الحافظ ابن كثير - بعد أنْ أورد أثر ابن عباس رضي الله عنهما في الآيات -: «وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية: قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب ... ، وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب». اهـ (1)

الإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار وأدلته:
الإيراد الأول: أنَّ ابن جرير الطبري حكى الإجماع على أنَّ الآيتين معني بها آدم وحواء - عليهما السلام - وعليه فلا يجوز القول بأن الآيتين معني بها المشركون؛ لأن في هذا مخالفة للإجماع.
والجواب: أنَّ لابن جرير رأياً آخر في معنى الإجماع، فهو يرى أنَّ الإجماع ينعقد بقول الأكثرين، ولا يعتد بمخالفة الواحد والاثنين، ويعده شذوذاً. (2)
_________
(1) تفسير ابن كثير (2/ 286).
(2) نقل هذا المذهب عن ابن جرير: أبو إسحاق الشيرازي في «اللمع»، ص (187)، وشرح اللمع (2/ 704)، وإمام الحرمين في «البرهان» (1/ 721)، وأبو يعلى في «العدة» (4/ 1119)، وابن قدامة في «روضة الناظر» (2/ 473).
وقد وافق ابنَ جريرٍ في ذلك: أبو بكر الجصاص. في كتابه: الفصول في الأصول (3/ 299).
(1/609)
________________________________________
وأما الجمهور من العلماء فإن الإجماع لا ينعقد عندهم إذا كان في المسألة قولٌ آخرَ، ولو كان القائل به واحداً. (1)
وبهذا تعرف أنَّ ما يحكيه ابن جرير من الإجماع إنما يعني به قول الجمهور في الغالب، وعليه فلا يصح دعوى الإجماع في تأويل هذه الآيات، والله تعالى أعلم.
****
_________
(1) انظر مذهب الجمهور في: اللمع، للشيرازي، ص (187)، وشرح اللمع (2/ 704)، وكشف الأسرار، للبخاري (3/ 245)، والإحكام، للآمدي (1/ 235)، والتمهيد، لأبي الخطاب (3/ 260 - 261).
(1/610)
________________________________________
المسألة [5]: في استغفار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن أبي بن سلول، وصلاته عليه.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)) [التوبة: 80].

المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:
(80) ـ (69): عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْه ِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ، فَقَالَ: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) [التوبة: 80]، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ. قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) [التوبة: 84]». (1)
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4670)، ومسلم في =
(1/611)
________________________________________
(81) ـ (70): وعن ابن عباس - رضي الله عنه -، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا، كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قوله، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا. قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)) قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ». (1)

المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
في هذا الحديث إشكالان:
الأول: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَهِمَ من الآية أنَّ «أو» للتخيير، وأنَّ الزيادة على السبعين نافعة للمُستَغفَرِ له، وهذا مشكل؛ لأن المتبادر إلى الفهم أنَّ ذكر السبعين في الآية إنما هو للمبالغة في أنَّ الزيادة وعدمها سواء. (2)
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4671).
(2) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: الكشاف، للزمخشري (2/ 286)، وأنوار =
(1/612)
________________________________________
الإشكال الثاني: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - منهيٌ عن الاستغفار للمشركين (1)؛ فكيف جاز له أنْ يستغفر للمنافقين ويصلي عليهم، مع علمه بالنهي، والجزم بكفرهم في الآية نفسها؟ (2)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:
الأول: مسلك قبول الحديث، مع توجيهه.
وهذا مذهب الأكثر من المفسرين والمحدثين، ولهم في الجواب عن الإشكالين الواردين في الحديث أقوال:
أولاً: الجواب عن فهمه - صلى الله عليه وسلم - التخيير من الآية، وفهمه أنَّ الزيادة على السبعين نافعة للمُسْتَغْفَرِ له:
اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن ذلك على أقوال:
الأول: أنَّ الله تعالى خير نبيه على الحقيقة، فكان مباحاً له - صلى الله عليه وسلم - أنْ يستغفر للمنافقين، حتى نزل النهي عن ذلك.
_________
= البروق، للقرافي (2/ 59)، وفتح الباري، لابن حجر (8/ 189 - 190)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (5/ 464).
(1) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 190): «قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)) [التوبة: 113] هذه الآية نزلت في قصة أبي طالب حين قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك»، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقاً، وقصة عبد الله بن أبي هذه في السنة التاسعة من الهجرة، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية؟ ». اهـ
(2) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: مشكل الآثار، للطحاوي (1/ 70)، ومعاني القرآن، للنحاس
(2/ 467)، وزاد المسير، لابن الجوزي (3/ 80)، ومفاتيح الغيب، للرازي (16/ 121)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 641)، وتفسير القرطبي (8/ 140)، وفتح الباري، لابن حجر (8/ 190).
(1/613)
________________________________________
وهذا رأي: ابن فورك، وابن العربي (1)، وابن حزم، وابن عطية (2)، والثعالبي (3)، والآلوسي (4).
قال ابن فورك: «لا معنى لتوهين الحديث، لأنه قد صح، وليس بمنكر استغفاره عليه السلام، لأنها لا تستحيل عقلاً، والإجابة ممكنة، ولو خلينا وظاهر الآية لكان الزائد على السبعين يقتضي الغفران; لكنه نزل بعده: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا) فدل ذلك على زوال حكم المفهوم; فإنَّ صلاته عليه السلام توجب المغفرة، ولهذا امتنع من الصلاة على المدين (5)». اهـ (6)
وقال ابن حزم: «فإن قال قائل: فما كان مراد الله بالتخيير الذي حمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التخيير، وبذكره تعالى السبعين مرة؟
فالجواب: أنه عز وجل خير نبيه في ذلك على الحقيقة، فكان مباحاً له أنْ يستغفر لهم ما لم يُنْهَ عن ذلك، وأما ذِكْرُ السبعين فليس في الاقتصار عليه إيجاب أنَّ المغفرة تقع لهم بما زاد على السبعين، ولا فيه أيضاً منعٌ من وقوع المغفرة لهم بما زاد على السبعين؛ إلا أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طمع ورجا إنْ زاد على السبعين أنْ يُغفر لهم، ولم يحقق أنَّ المغفرة تكون بالزيادة، فلما أعلمه الله تعالى بما كان في علمه عز وجل، ولم يكن أعلمه قبل ذلك به، عَلِمَه حينئذ نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن عَلِمَ قبل نزول المنع من الاستغفار لهم بالبتِّ أنَّ ما زاد على السبعين غير مقبول، فدعا راجٍ لم ييأس من المغفرة، ولا أيقن بها، وهذا بين في لفظ الحديث، وبالله تعالى التوفيق». اهـ (7)
_________
(1) أحكام القرآن (2/ 558)، وعارضة الأحوذي (11/ 176)، كلاهما لابن العربي.
(2) المحرر الوجيز، لابن عطية (3/ 64).
(3) تفسير الثعالبي (2/ 145).
(4) روح المعاني، للآلوسي (10/ 469).
(5) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - رضي الله عنه -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: لا؛ فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَصَلَّى عَلَيْهِ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحوالات، حديث (2295).
(6) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (5/ 174).
(7) الإحكام في أصول الأحكام (3/ 290)، باختصار.
(1/614)
________________________________________
القول الثاني: أنَّ الله تعالى لما سوى بين الاستغفار وعدمه، ورتب عليه عدم القبول، ولم يَنْهَ عنه، فهم أنه خير ومرخص فيه، وهذا مراده - صلى الله عليه وسلم -، لا أنه فهم التخيير من «أو» حتى ينافي التسوية بينهما، المرتب عليها عدم المغفرة، وذلك تطييباً لخاطرهم، وأنه لم يألُ جهداً في الرأفة بهم.
وهذا رأي الشهاب الخفاجي، والطاهر بن عاشور، وذكره القاسمي. (1)
قال الشهاب: «والتحقيق أنَّ المراد التسوية في عدم الفائدة، وهي لا تنافي التخيير». اهـ (2)
القول الثالث: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك رجاء حصول المغفرة، بناء على بقاء حكم الأصل، فإنَّ رجاءها كان ثابتاً قبل نزول الآية، لا لأنه فهمه من التقييد.
قاله الزركشي. (3)
القول الرابع: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك من باب التلطف والرأفة، لا أنه فَهِمَ أنه لو زاد على السبعين يُغفر له.
وهذا اختيار: الزمخشري، والقاضي عياض، والعيني (4).
قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف خفي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أفصح العرب، وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار، كيف وقد تلاه بقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ)، فبين الصارف عن المغفرة لهم، حتى قال: «قد رخَّص لي ربي فسأزيد على السبعين» (5)؟
قلت: لم يخفَ عليه ذلك، ولكنه خُيّل بما قال إظهاراً لغاية رحمته ورأفته على من بُعث إليه، كقول إبراهيم عليه السلام: (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ
_________
(1) انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (10/ 279)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (5/ 465).
(2) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (4/ 348).
(3) البحر المحيط، للزركشي (5/ 173).
(4) عمدة القاري، للعيني (18/ 275).
(5) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(1/615)
________________________________________
رَّحِيمٌ) [إبراهيم: 36]، وفي إظهار النبي - صلى الله عليه وسلم - الرأفة والرحمة لطف لأمته، ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض». اهـ (1)
وقال القاضي عياض: «ظاهر قوله تعالى: (إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) المبالغة في التكثير ومنع الاستغفار، والعرب تضع التسبيع أبداً موضع التضعيف، وإنْ جاوزه، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع علمه بمقاصد الكلام رجاه، لعل الله يرحمه، إذ الاحتمال فيما بعد السبعين مُحالٌ يُخالف الظاهر». اهـ (2)
وتُعُقّبَ كلام الزمخشري: «بأن ذكره للتمويه والتخييل بعد ما فهم عليه الصلاة والسلام منه التكثير لا يليق بمقامه الرفيع، وفهم المعنى الحقيقي من لفظ اشتهر مجازه لا ينافي الفصاحة والمعرفة باللسان؛ فإنه لا خطأ فيه ولا بُعْد، إذ هو الأصل ورجحه عنده عليه الصلاة والسلام شغفه بهدايتهم، ورأفته بهم، واستعطاف من عداهم، ولعل هذا أولى من القول بالتمويه بلا تمويه». (3)
القول الخامس: أنَّ الاستغفار يتنزل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربه حاجة؛ فسؤاله إياه يتنزل منزلة الذكر، لكنه من حيث طلب تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلق العلم بعدم نفعها لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لغرض حصولها بل لتعظيم المدعو، فإذا تعذرت المغفرة عُوّض الداعي عنها ما يليق به من الثواب أو دفع السوء، وقد يحصل بذلك عن المدعو لهم تخفيف كما في قصة أبي طالب.
قاله ناصر الدين ابن المُنَيِّر. (4)
واعتُرِضَ: بأن هذا القول يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعاً، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
_________
(1) الكشاف، للزمخشري (2/ 286).
(2) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (7/ 404).
(3) انظر: روح المعاني، للآلوسي (10/ 472).
(4) نقله الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 190).
(1/616)
________________________________________
أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)) [التوبة: 113]. (1)
ثانياً: الجواب عن صلاته - صلى الله عليه وسلم - واستغفاره لعبد الله بن أُبي:
اختلف القائلون بثبوت الحديث في الجواب عن ذلك على أقوال:
الأول: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - استغفر له وصلى عليه بناء على الظاهر، حيث إنَّ ظاهره هو أنه من المسلمين، ولم يعلم بباطنه ـ وأنه مات على الكفر والنفاق ـ إلا بعد أنْ نزل النهي عن الصلاة عليه.
وهذا رأي: النحاس (2)، والخطابي (3)، وابن حزم (4)، والقاضي عياض (5)، وابن عطية، وابن الجوزي (6)، والفخر الرازي (7)، والثعالبي (8)، وابن جزي (9)، والحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي (10)، والحافظ ابن حجر، والسندي (11)، والآلوسي (12).
قال ابن عطية: «وظاهر صلاته عليه أنَّ كُفْرَه لم يكن يقيناً عنده، ومحال أنْ يُصلي على كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار، ووكل سريرته إلى الله عز وجل، وعلى هذا كان سِترُ المنافقين من أجل عدم التعيين بالكفر». اهـ (13)
وقال الحافظ ابن حجر: «أما جزم عمر بأنه منافق فجرى على ما كان يطلع عليه من أحواله، وإنما لم يأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله، وصلى عليه، إجراءً له
_________
(1) انظر: فتح الباري، لابن حجر (8/ 190).
(2) الناسخ والمنسوخ، للنحاس (2/ 467).
(3) معالم السنن، للخطابي (1/ 260).
(4) المحلى، لابن حزم (12/ 138 - 141).
(5) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (7/ 404)، (8/ 309).
(6) زاد المسير، لابن الجوزي (3/ 80).
(7) مفاتيح الغيب، للرازي (16/ 121).
(8) تفسير الثعالبي 2/ 145).
(9) التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (1/ 344).
(10) طرح التثريب، للعراقي (3/ 280).
(11) حاشية السندي على سنن النسائي (4/ 37).
(12) روح المعاني، للآلوسي (28/ 427).
(13) المحرر الوجيز، لابن عطية (3/ 64).
(1/617)
________________________________________
على ظاهرِ حكمِ الإسلام، واستصحاباً لظاهر الحُكم، ولما فيه من إكرامِ ولَدِهِ الذي تحققت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودفع المفسدة، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح، ثم أُمِرَ بقتال المشركين، فاستمر صفحه وعفوه عمّن يُظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك، لمصلحة الاستئلاف، وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (1)، فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقل أهل الكفر وذلوا، أُمِرَ بمجاهرة المنافقين، وحملهم على حكمِ مُرِّ الحق، ولا سيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك مما أمر فيه بمجاهرتهم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصة بحمد الله تعالى». اهـ (2)

أدلة هذا القول (3):
الدليل الأول: أنَّ الله تعالى قد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين عن الاستغفار جملة للمشركين، بقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)) [التوبة: 113] فلو كان ابن أبي وغيره من المذكورين ممن تبين للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كفار - بلا شك - لما استغفر لهم، ولا صلى عليه. ولا يحل لمسلم أنْ يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خالف ربه في ذلك، فصح يقيناً أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم قط أنَّ عبد الله بن أبي والمذكورين كفار في الباطن.
والنهي عن الاستغفار للمشركين نزل بمكة - بلا شك - فصح يقيناً أنه - عليه السلام - لم يوقن أنَّ عبد الله بن أبي مشرك، ولو أيقن أنه مشرك لما صلى عليه أصلاً، ولا استغفر له.
الدليل الثاني: أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عدد مقالات عبد الله بن أبي بن سلول، ولو كان عنده كافراً لصرح بذلك، وقصد إليه، ولم يطول بغيره.
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4905)، ومسلم في صحيحه، في كتاب البر والصلة، حديث (2584).
(2) فتح الباري، لابن حجر (8/ 187).
(3) ذكر هذه الأدلة: ابن حزم في المحلى (12/ 140 - 141).
(1/618)
________________________________________
الدليل الثالث: شك ابن عباس (1)، وجابر (2)، وتعجب عمر من معارضة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته على عبد الله بن أبي، وإقراره بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعرف منه، كل ذلك يدل على أنَّ كفره لم يكن معروفاً ظاهراً.
واعتُرِضَ: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا» (3)؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - فهم من الآية أنَّ الله لا يغفر له، فدل على أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم بأنه مات على الكفر والنفاق.
واعتُرِضَ أيضاً: بأن في بقية الآية التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله، فكيف يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم بحاله؟
وأجيب: بأن الذي نزل أولاً وتمسك النبي - صلى الله عليه وسلم - به هو قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)، وأما بقية الآية فنزل متراخياً عن أولها. وهذا رأي الحافظ ابن حجر. (4)
القول الثاني: أنَّ المنهي عنه هو الاستغفار الذي تُرجى إجابته، حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة للمُسْتَغْفَرِ له، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي طالب؛ فإنه إنما استغفر له كما استغفر إبراهيم - عليه السلام - لأبيه، على جهة أنْ يجيبهما الله
_________
(1) عن عكرمة قال: «لما حضر عبدَ الله بن أبي الموتُ، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: فدخل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجرى بينهما كلام فقال له عبد الله بن أبي: قد أفقه ما تقول ولكن مُنَّ عَليَّ اليوم وكفني بقميصك هذا، وصلِّ علي؟ قال ابن عباس: فكفنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقميصه وصلى عليه، والله أعلم أي صلاة كانت، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخدع إنساناً قط». أخرجه ابن حزم في المحلى (12/ 139).
(2) عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: «أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - قبر عبد الله بن أبي - وقد وضع في حفرته - فوقف فأمر به فأخرج من حفرته، فوضعه على ركبتيه، وألبسه قميصه، ونفث عليه من ريقه، والله أعلم». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب اللباس، حديث (5795)، ومسلم في صحيحه، في كتاب صفات المنافقين، حديث (2773). وقوله: «والله أعلم» إشارة إلى الشك في إسلام عبد الله بن أبي؛ فإن هذه الأمور التي فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - معه لا تفعل إلا مع مسلم. انظر: طرح التثريب، للعراقي (3/ 281).
(3) سبق تخريجه في أول المسألة.
(4) انظر: فتح الباري، لابن حجر (8/ 190).
(1/619)
________________________________________
تعالى، فيغفر للمدعو له، وهذا النوع هو الذي يتناوله منع الله ونهيه، وأما الاستغفار لأولئك المنافقين الذين خُيِّر فيهم فهو استغفار لساني؛ علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يقع ولا ينفع، وغايته لو وقع تطييب قلوب بعض الأحياء من قرابات المستغفر لهم، فانفصل المنهي عنه من المخير فيه، وارتفع الإشكال.
قاله أبو العباس القرطبي. (1)
واختاره: أبو عبد الله القرطبي. (2)
ويدل على هذا القول: رواية: «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا» (3)، وهي صريحة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم بأن استغفاره لن ينفعه بشيء.
واعتُرِضَ: بأن هذا القول لا يجوز نسبته للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الله أخبر بأنه لا يغفر للكفار، وإذا كان لا يغفر لهم فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم. (4)
القول الثالث: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُصلِ على عبد الله بن أبي، ولم يشهد جنازته.
وهذا اختيار أبي جعفر الطحاوي. (5)
قال أبو جعفر: «وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - ما قد دل على أنه لم يكن صلى عليه؛ فعن جابر - رضي الله عنه - قال: «أَتَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ابْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» (6)، وعنه قال: «لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ إنْ لَمْ تَشْهَدْهُ لَمْ نَزَلْ نُعَيَّرُ بِهِ. فَأَتَاهُ، وَقَدْ أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ
_________
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 641).
(2) تفسير القرطبي (8/ 140).
(3) سبق تخريجه في أول المسألة.
(4) انظر: فتح الباري، لابن حجر (8/ 190).
(5) مشكل الآثار، للطحاوي (1/ 75).
(6) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب اللباس، حديث (5795)، ومسلم في صحيحه، في كتاب صفات المنافقين، حديث (2773).
(1/620)
________________________________________
فَقَالَ: أَفَلَا قَبْلَ أَنْ تُدْخِلُوهُ، قَالَ: فَأُخْرِجَ مِنْ حُفْرَتِهِ، فَتَفَلَ عَلَيْهِ مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَدَمِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» (1)، قال أبو جعفر: ففي هذا ما قد دل أنه لم يكن صلى عليه، ولا شهده، ولا أتاه قبل ذلك، وهذا هو أشبه بأفعاله كانت فيمن سواه من الناس; أنَّ صلاته على من كان يصلي عليه إنما كانت لِمَا يَفْعَلُ اللَّهُ لِمَنْ صَلَّاهَا عَلَيْهِ. كما في حديث يزيد بن ثابت - رضي الله عنه -، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا أَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَاتَ إلَّا آذَنْتُمُونِي لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتِي عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ» (2).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَنَّهُ دَخَلَ الْمَقْبَرَةَ فَصَلَّى عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَقَالَ: مُلِئَتْ هَذِهِ الْمَقْبَرَةُ نُورًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُظْلِمَةً عَلَيْهِمْ». (3)
قال أبو جعفر: وإذا كانت صلاته لمن كان يصلي عليه إنما كانت لمن ذكر في هذين الحديثين، ولم يكن ابن أبي ممن يدخل في ذلك، استحال أنْ يكون صلى عليه». اهـ (4)
واعتُرِضَ: بأنه قد جاء في حديث ابن عمر، وابن عباس - رضي الله عنهما - التصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عليه، وحديث جابر ليس فيه تصريح بنفي الصلاة، والرواية الصريحة تفسر ما أُبهم أو سُكِتَ عنه في الروايات الأخرى.
الثاني: مسلك رد الحديث وتضعيفه:
حيث ذهب بعض العلماء إلى إنكار الحديث ورده؛ بسبب الإشكال المتوهم من ظاهره.
_________
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 371)، حديث (14986).
(2) أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب ما جاء من الجنائز، حديث (1528)، والنسائي في سننه، في كتاب الجنائز، حديث (2022). وصححه الألباني في «صحيح النسائي» (2/ 64)، حديث (2021).
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (956).
(4) مشكل الآثار، للطحاوي (1/ 74 - 77)، باختصار.
(1/621)
________________________________________
ومن هؤلاء: أبو بكر الباقلاني (1)، وإمام الحرمين (2) (3)، والغزالي (4) (5)، والداوودي (6).

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - خُيّر بين الاستغفار وعدمه؛ فاختار الاستغفار، مع علمه بعدم نفعه، ولم يفهم من الآية قط أنَّ الزيادة على السبعين نافعة للمُستَغفَرِ له.
يدل على هذا الاختيار:
قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ؛ لَزِدْتُ عَلَيْهَا». (7)
وهذه الرواية ليس فيها ما يفيد أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم من الآية أنَّ الزيادة على السبعين نافعة له، بل هذا اللفظ صريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جازم بأن الزيادة وعدمها سواء، ولكنه افترض أنْ لو كانت الزيادة تنفعه لزاد عليها، ولكنه لم يفعل، لعلمه بأن ذلك غير مفيد، وغير نافع للمستغفر له.
وأما الآية فليس فيها نهيٌ عن الاستغفار، بل غاية ما فيها الإخبار بأن الاستغفار وعدمه سواء.
واختياره - صلى الله عليه وسلم - الاستغفار لعبد الله بن أُبي - مع علمه بعدم نفعه - إنما كان لمصالحَ أُخر تتعلق بالأحياء؛ كالرأفة بابنه، وتطييب نفوس عشيرته، وغير ذلك.
وأما فهمه - صلى الله عليه وسلم - من الآية التخيير؛ فليس فيه إشكال بحمد الله، بل الآية
_________
(1) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (5/ 173)، والحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 189).
(2) هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين، من أصحاب الشافعي. ولد في جوين (من نواحي نيسابور) ورحل إلى بغداد، فمكة حيث جاور أربع سنين. وذهب إلى المدينة فأفتى ودرس، جامعاً طرق المذاهب، ثم عاد إلى نيسابور، فبنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية فيها، وكان يحضر دروسه أكابر العلماء، له مصنفات كثيرة، منها (غياث الأمم والتياث الظلم) و (البرهان في أصول الفقه)، وغيرهما (ت: 478 هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (18/ 468)، والأعلام، للزركلي (4/ 160).
(3) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (5/ 173)، والحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 189).
(4) هو: محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، فيلسوف، متصوف، له نحو مئتي مصنف، مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس، بخراسان)، رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. نسبته إلى صناعة الغزل (عند من يقوله بتشديد الزاي) أو إلى غزالة (من قرى طوس) لمن قال بالتخفيف. من كتبه (إحياء علوم الدين)، و (تهافت الفلاسفة) و (معارج القدس في أحوال النفس) و (جواهر القرآن)، وغيرها (ت: 505 هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (7/ 22).
(5) المستصفى، للغزالي، ص (266 - 267).
(6) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 189).
(7) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(1/622)
________________________________________
صريحة في التخيير، وقد جاءت آيات أُخر نظير هذه الآية، يُفهم منها التخيير لا النهي، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6)) [البقرة: 6]، وهذه الآية ليس المراد منها نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإنذار، بل المعنى أنَّ إنذاره لهم وعدمه سواء، ومع ذلك فقد أٌمِرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإنذار لأمورٍ أُخر، كقيام الحجة عليهم، وغيرها، ونظير هذه الآية: قوله تعالى: (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ) [الإسراء: 107]، ومعنى الآية: أنَّ إيمانكم بالقرآن وعدمه سواء؛ لأن إيمانكم لا يزيده كمالاً، وعدم إيمانكم لا يورثه نقصاً (1)، وليس مراد الآية نهيهم عن الإيمان، أو أنَّ ذلك غير نافع لهم.
وبهذا يتبين أنَّ فهمه - صلى الله عليه وسلم - التخيير بين الاستغفار وعدمه، هو كفهمه لهذه الآيات، والله تعالى أعلم.
الإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار:
الإيراد الأول: أنه قد جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنه -، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ ... ، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى
_________
(1) انظر: روح المعاني، للآلوسي (15/ 238).
(1/623)
________________________________________
السَّبْعِينَ» (1)، وهذه الرواية تدل على أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم من الآية أنَّ الزيادة على السبعين نافعة للمُسْتَغْفَرِ له، وفيها وَعْدٌ وجزمٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بالزيادة على السبعين.
والجواب: أنَّ الحديث قد رواه ابن عباس، عن عمر بلفظ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا» (2)، وهذه الرواية أرجح؛ لأن الراوي لها عمر، وهو صاحب القصة، ولأن حديث ابن عمر رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر (3)، ولم يذكروا قوله: «سَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ». (4)
الإيراد الثاني: أنَّ الله تعالى نهى عن الاستغفار للمشركين، في قوله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113))، وهذه الآية نزلت في أبي طالب قبل الهجرة، فكيف جاز على قولكم أنْ يستغفر النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن أبي، مع علمه - صلى الله عليه وسلم - بكفره، وتقدم النهي عن الاستغفار للمشركين؟
والجواب: أنَّ آية النهي عن الاستغفار للمشركين الصواب تأخر نزولها عن وفاة أبي طالب، والأظهر أنَّ نزولها كان بعد وفاة عبد الله بن أبي، وأما الآية التي نزلت في أبي طالب مباشرة فهي قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)) [القصص: 56].
قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أنَّ الآية المتعلقة بالاستغفار (5) نزلت بعد أبي طالب بمدة، وهي عامة في حقه وفي حق غيره، ويوضح ذلك لفظ: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعدَ ذَلِكَ (6): (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة: 113]، وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [القصص: 56]» (7)، ولأحمد (8)، من طريق أبي حازم، عن أبي
_________
(1) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(2) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(3) أخرج الإمام أحمد في مسنده (2/ 18)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3098)، والنسائي في سننه، في كتاب الجنائز، حديث (1900)، وابن ماجة في سننه، في كتاب ما جاء في الجنائز، حديث (1523)، من طريق يَحْيَى بنِ سَعيد، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ حَتَّى أُكَفِّنَهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ وَقَالَ: آذِنِّي بِهِ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ قَالَ يَعْنِي عُمَرَ: قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ. فَصَلَّى عَلَيْهِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) قَالَ: فَتُرِكَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ».
(4) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 641)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (10/ 278).
(5) وهي قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)).
(6) لفظة «بعد ذلك» لم أقف عليها في روايات الحديث.
(7) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4772)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (24).
(8) مسند الإمام أحمد (2/ 434)، وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (25).
(1/624)
________________________________________
هريرة - رضي الله عنه - في قصة أبي طالب - قال: «فأنزل الله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [القصص: 56]. (1)
قال: «وقد ثبت أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى قبر أمِّهِ لما اعتمر فاستأذن ربه أنْ يستغفر لها، فنزلت هذه الآية (2)، والأصل عدم تكرر النزول، وقد أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم (3)، من طريق أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً، ثم بكى فبكينا لبكائه، فقال: إنَّ القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي؛ فأنزل علي: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)»، وأخرج أحمد (4) من حديث ابن بريدة، عن أبيه نحوه، وفيه: «نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب»، ولم يذكر نزول الآية، وفي رواية الطبري (5) من هذا الوجه: «لما قدم مكة أتى رسم قبر»، ومن طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية: «لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس، رجاء أنْ يؤذن له فيستغفر لها؛ فنزلت» (6)، وللطبراني (7)
من طريق عبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنه - نحو حديث ابن مسعود، وفيه: «لما هبط
_________
(1) فتح الباري، لابن حجر (7/ 235)، بتصرف يسير.
(2) أخرج الطبراني في الكبير (11/ 374) عن ابن عباس - رضي الله عنه -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان، أمر أصحابه أن يستندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمه؛ فناجى ربه طويلاً .... ». الحديث، وسيأتي قريباً، مع بيان درجته.
(3) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 366)، وابن أبي حاتم في تفسيره (6/ 1893)، كلاهما من طريق أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود، به. قال الذهبي في التلخيص: «أيوب بن هانئ ضعفه ابن معين».
(4) مسند الإمام أحمد (5/ 355)، وإسناده صحيح.
(5) تفسير ابن جرير الطبري (6/ 489).
(6) المصدر السابق.
(7) المعجم الكبير (11/ 374) .. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 117): «فيه أبو الدرداء: عبد العزيز بن المنيب، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبيه، عن عكرمة. ومن عدا عكرمة لم أعرفهم ولم أرَ من ذكرهم».
(1/625)
________________________________________
من ثنية عسفان (1)»، وفيه نزول الآية في ذلك، فهذه طرق يعضد بعضها بعضاً، وفيها دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضاً أنه قال يوم أحد بعد أنَّ شُجَّ وجهه: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». (2)
قال: ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر، وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب، ومتأخر وهو أمر آمنة، ويؤيد تأخير النزول استغفاره - صلى الله عليه وسلم - للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك؛ فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب، ويشير إلى ذلك أيضاً قوله في الحديث: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)» (3)؛ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده، ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد، عن علي - رضي الله عنه - قال: «سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ فَقُلْتُ: أَيَسْتَغْفِرُ الرَّجُلُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟ فَقَال: َ أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَنَزَلَتْ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)» (4)». اهـ (5)
قلت: ومما يؤكد تأخر نزول قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) عن قصة أبي طالب:
1 - قوله في الآية: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) وهذا يدل على أنَّ الاستغفار وقع
_________
(1) عُسْفَان - بضم أوله وسكون ثانيه ثم فاء وآخره نون -: قرية جامعة، بها منبر ونخيل ومزارع، على ستة وثلاثين ميلاً من مكة، وهي حد تهامة. انظر: معجم البلدان، لياقوت (4/ 121 - 122).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (3477)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (1792).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4772)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (24).
(4) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 99)، حديث (771)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3101)، وقال: «حديث حسن»، وحسنه الألباني، في صحيح سنن الترمذي (3/ 250)، حديث (3101).
(5) فتح الباري، لابن حجر (8/ 367 - 368).
(1/626)
________________________________________
من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن بعض المؤمنين، وقصة أبي طالب لم يكن الاستغفار فيها إلا من قِبَلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -.
2 - أنَّ هذه الآية وردت في سورة التوبة، وسورة التوبة مدنية، ومن أواخر ما نزل.
3 - أنَّ الله تعالى لم يُعاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته على عبد الله بن أبي، وإنما أنزل النهي فقط، ولو كان قد سبق النهي عن الاستغفار لمن مات على الكفر؛ لعاتب الله تعالى نبيه على ذلك.
الإيراد الثالث: إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنَّ استغفاره وعدمه سواء، فما الفائدة إذاً من الاستغفار؟
والجواب: أنَّ استغفاره - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من أجل ذات المسُتغفَرِ له، وإنما كان لمصالح أُخر تتعلق بالأحياء؛ كالرأفة بابنه عبد الله الصحابي الجليل، ولتأليفِ قلوب عشيرته، وترغيبِ من كان منهم غيرَ مسلمٍ في الإسلام. (1)
يدل على ذلك: حديث جابر - رضي الله عنه - قال: «لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَتَى ابْنُهُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَأْتِهِ لَمْ نَزَلْ نُعَيَّرُ بِهَذَا ... ». (2)
وعن قتادة قال: «ذُكر لنا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وما يغني عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يُسلم به ألف من قومه». (3)
قال الخطابي: «وقصده - صلى الله عليه وسلم - يعني في صلاته على عبد الله بن أبي - الشفقة على من تَعَلَّق بطرفٍ من الدين، والتَّألف لابنه عبد الله ولقومه وعشيرته من الخزرج (4)، وكان رئيساً عليهم ومُعظماً فيهم، فلو ترك الصلاة عليه قبل ورود النهي عنها لكان سُبَّةً على ابنه وعاراً على قومه، فاستعمل - صلى الله عليه وسلم - أحسن الأمرين وأفضلهما في مبلغ الرأي وحق السياسة في الدعاء إلى الدين والتألف عليه إلى أن نُهي عنه فانتهى - صلى الله عليه وسلم -». اهـ (5)
_________
(1) انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (10/ 279).
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 371). وإسناده صحيح.
(3) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 440).
(4) في الأصل «الخروج»، والصواب ما أثبته.
(5) أعلام الحديث، للخطابي (3/ 1849).
(1/627)
________________________________________
الإيراد الرابع: أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ» (1)، وفي رواية: «أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ» (2)، وهذا يدل على تقدم نزول آية النهي عن الاستغفار للمشركين، ومن في حكمهم.
والجواب: أنَّ هاتين الروايتين ذُكِرتا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأما حديث ابن عباس فلفظه: «أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قوله» (3)، وهذه الرواية هي المحفوظة وهي أولى من رواية ابن عمر.
قال أبو العباس القرطبي: «الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنَّ البخاري ذكر هذا الحديث من رواية ابن عباس، وساقه سياقة هي أتقن من هذه، وليس فيها هذا اللفظ». ثم ذكر حديث ابن عباس وقال: «وهذا مساق حسن، وترتيب متقن، ليس فيه شيء من الإشكال المتقدم، فهو الأولى». اهـ (4)
ويحتمل أن يكون عمر - رضي الله عنه - فهم ذلك من قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)، يؤيد هذا الاحتمال: ما رواه ابن أبي حاتم (5)، عن عمر - رضي الله عنه - قال: «أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي على عبد الله بن أبي؛ فأخذتُ بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لهم)»، وما رواه ابن مردويه (6)، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: أين؟ قال: استغفر لهم، الآية». (7)
****
_________
(1) هذه الرواية أخرجها مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (2400).
(2) هذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، في كتاب اللباس، حديث (5796).
(3) هذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (1366).
(4) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 640).
(5) تفسير ابن أبي حاتم (6/ 1853).
(6) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 186).
(7) انظر: المصدر السابق (8/ 186).
(1/628)
________________________________________
المسألة [6]: في دسِّ جبريل في فم فرعون من حال البحر.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)) [يونس: 90].

المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:
(82) ـ (71): عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ (1) الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ». (2)
_________
(1) الحال: هو الطين الأسود. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (1/ 464).
(2) رُويَ هذا الحديث عن ابن عباس من طريقين:
الأول: طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، به.
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 309)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3107)، وعبد بن حميد في مسنده (1/ 222)، والطبري في تفسيره (6/ 605)، وابن أبي حاتم في تفسيره
(6/ 1982)، والحاكم في المستدرك (4/ 278). واللفظ المذكور في المتن هو لفظ الترمذي.
قال الترمذي: «حديث حسن».
الثاني: طريق شعبة، عن عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، كلاهما عن سعيد بن =
(1/629)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
أُورِدَ على الحديث عدة إشكالات:
الأول: أنه لا يجوز لجبريل عليه السلام أنْ يمنع فرعون من التوبة، بل يجب عليه أنْ يُعينه على التوبة وعلى كل طاعة.
__________
= جبير، عن ابن عباس، به.
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 340)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3108)، والطيالسي في مسنده (1/ 341)، والبيهقي في شعب الإيمان (7/ 44)، والطبري في تفسيره
(6/ 605)، وابن أبي حاتم في تفسيره (6/ 1982).
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إلا أَنَّ أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس».
وتعقبه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (5/ 26) فقال: «وهذا لا يُعله، فقد رفعه عنه جمع من الثقات، منهم الطيالسي، ومنهم خالد بن الحارث، عند الترمذي والحاكم، والنضر بن شميل عند الحاكم أيضاً، ومحمد بن جعفر - غندر - عند أحمد، وقد عُلِمَ أَنَّ زيادة الثقة مقبولة، ولاسيما وقد وجدت له طريقاً أخرى». اهـ
ومراد الألباني بالطريق الأخرى هي طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، وقد تقدمت.
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة، وابن عمر، رضي الله عنهما.
أما حديث أبي هريرة فأخرجه الطبري في تفسيره (6/ 605)، والبيهقي في الشعب (7/ 44)، كلاهما من طريق محمد بن حميد الرازي، عن حكام بن سلمة، عن عنبسة بن أبي سعيد، عن كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل: يا محمد، لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له».
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (2/ 446): «كثير بن زاذان هذا قال ابن معين: لا أعرفه. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: مجهول، وباقي رجاله ثقات». اهـ
وأما حديث ابن عمر فأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (2/ 396)، قال: حدثنا خطاب، ثنا نصر بن محمد، ثنا أبي، ثنا عبد الله بن أبي قيس، ثنا عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال لي جبريل: يا محمد، ما غضب ربك على أحد غضبه على فرعون إذ قال: ما علمت لكم من إله غيري، فحشر فنادى فقال: أنا ربكم الأعلى، فلما أدركه الغرق استغاث وأقبلت أحشو فاه مخافة أن تدركه الرحمة».
النتيجة: أَنَّ الحديث بمجموع طرقه وشواهده يرتقي لدرجة الصحيح لغيره، وقد صححه الحافظ ابن حجر في تخريجه لأحاديث الكشاف (2/ 354)، والألباني في السلسلة الصحيحة (5/ 26)، وانظر في تخريج الحديث: كتاب «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الكشاف»، للزيلعي (2/ 137 - 139).
(1/630)
________________________________________
الثاني: أنه لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر، والرضا بالكفر كفر.
الثالث: أنه لا يليق بجلال الله أنْ يأمر جبريل بأنْ يمنعه من الإيمان.
الرابع: أَنَّ الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه.
الخامس: أَنَّ التوبة بعد المعاينة غير نافعة لفرعون؛ فحينئذ لا يبقى لهذا الذي نُسِبَ إلى جبريل فائدة. (1)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:
الأول: مسلك قبول الحديث مع توجيهه.
وعلى هذا المسلك جمهور العلماء من مفسرين ومحدثين، وقد ذكروا عِدَّةَ أجوبة في توجيه الحديث:
الأول: أَنَّ فرعون كان كافراً كفر عناد؛ فإنه حينما توقف النيل توجه منفرداً وأظهر أنه مُخلص؛ فأُجريَ له النيل، ثم تمادى على طغيانه وكفره، فخشي جبريل أنْ يُعاوِدَ تلك العادة فيُظهر الإخلاص بلسانه؛ فتُدركه رحمة الله، فيُؤخره في الدنيا، فيستمر على غيّهِ وطغيانه، فدسَّ في فَمِهِ الطين ليمنعه من التكلم بما يقتضي ذلك، ولا يلزم من فِعْلِ جبريل جهلٌ ولا رضاً بكفر، وأيضاً فإيمانه في تلك الحالة على تقدير أنه كان صادقاً بقلبه لا يُقبل منه؛ لأنه وقع في حال الاضطرار، ولذلك عقب الآية بقوله تعالى: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)) [يونس: 91]، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) [غافر: 85].
_________
(1) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: الكشاف، للزمخشري (2/ 354)، ومفاتيح الغيب، للرازي (17/ 125)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (2/ 460)، وروح المعاني، للآلوسي (11/ 241).
(1/631)
________________________________________
وهذا جواب الحافظ ابن حجر. (1)
الجواب الثاني: أَنَّ فعل جبريل يشبه أنْ يكون أنه اعتقد تجويز المغفرة للتائب وإنْ عاين، ولم يكن عنده قَبْلُ إعلام من الله تعالى أَنَّ التوبة بعد المعاينة غير نافعة.
وهذا جواب القاضي ابن عطية. (2)
الجواب الثالث: أَنَّ الله سبحانه وتعالى منع فرعون من الإيمان وحال بينه وبينه عقوبةً له على كفره السابق، ورَدِّه للإيمان لما جاءه، وأما فعل جبريل من دَسِّ الطين في فيه فإنما فعل ذلك بأمر الله لا من تلقاء نفسه.
وهذا جواب الخازن. (3)
الجواب الرابع: أَنَّ المُراد بالرحمة في الحديث الرحمة الدنيوية، أي النجاة التي هي طُلبة المخذول، وليس من ضرورةِ إدراكها صحةُ الإيمان حتى يلزم من كراهته مالا يُتصور في شأن جبريل عليه السلام، من الرضا بالكفر، إذ لا استحالة في ترتب هذه الرحمة على مجرد التفوّه بكلمة الإيمان، وإنْ كان ذلك في حالة البأس واليأس، فيُحمل دسُّه عليه السلام على سد باب الاحتمال البعيد، لكمال الغيظ وشدة الحرد.
وهذا جواب أبي السعود. (4)
وتعقبه الآلوسي فقال: «ولا يخفى أَنَّ حمل الرحمة على الرحمة الدنيوية بعيد، ويكاد يأبى عنه ما أخرجه ابن جرير والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل عليه السلام: لو رأيتني يا محمد وأنا أغط فرعون بإحدى يدي وأدُسُّ من الحال في فيه، مخافة أن تدركه رحمة الله تعالى؛
فيغفر له» (5)، فإنه رتب فيه المغفرة على إدراك الرحمة، وهو ظاهر في أنه ليس المراد بها الرحمة الدنيوية؛ لأن المغفرة لا تترب عليها
_________
(1) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، لابن حجر (2/ 355).
(2) المحرر الوجيز، لابن عطية (3/ 141).
(3) لباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (2/ 461).
(4) تفسير أبي السعود (4/ 173).
(5) تقدم تخريجه في أول المسألة.
(1/632)
________________________________________
وإنما يترتب عليها النجاة». اهـ (1)
الجواب الخامس: أنه فعل ذلك غضباً لله تعالى، لا أنه كره إيمان فرعون.
وهذا جواب المناوي. (2)
المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث ورده.
وممن جنح إلى هذا المسلك: الزمخشري، والفخر الرازي.
قال الزمخشري: «والذي يُحْكَى أنه حين قال: (آمَنتُ) أخذ جبريل من حال البحر فدَسَّه في فيه، فللغضب لله على الكافر، في وقتٍ قد علم أَنَّ إيمانه لا ينفعه، وأما ما يُضم إليه من قولهم: «خشية أنْ تدركه رحمة الله»، فمن زيادات الباهتين لله وملائكته، وفيه جهالتان: إحداهما: أَنَّ الإيمان يصح بالقلب، كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه، والأخرى: أَنَّ من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على الكفر فهو كافر؛ لأن الرضا بالكفر كفر». اهـ (3)
وارتضى هذا القول ابن المنير؛ فإنه عَقَّبَ على كلام الزمخشري قائلاً: «ولقد أنكر منكراً، وغضب لله ولملائكته كما يجب لهم». اهـ (4)
وقال الفخر الرازي: «السؤال الثالث: هل يصح أَنَّ جبريل أخذ يملأ فمه من الطين لئلا يتوب غضباً عليه؟ والجواب: الأقرب أنه لا يصح؛ لأن في تلك الحالة إما أن يقال: التكليف كان ثابتاً، أو ما كان ثابتاً، فإنْ كان ثابتاً لم يجُز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة، بل يجب عليه أنْ يعينه على التوبة وعلى كل طاعة، وأيضاً فلو منعه بما ذكروه لكانت التوبة ممكنة؛ لأن الأخرس قد يتوب بأنْ يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح، وحينئذ لا يبقى لما فعله جبريل عليه السلام فائدة، وأيضاً لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر، والرضا بالكفر كفر، وأيضاً فكيف يليق بالله تعالى أنْ يقول لموسى وهارون عليهما السلام: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)) [طه: 44]، ثم يأمر
_________
(1) روح المعاني، للآلوسي (11/ 242).
(2) فيض القدير، للمناوي (4/ 499).
(3) الكشاف، للزمخشري (2/ 354).
(4) الانتصاف، لابن المنير (2/ 354).
(1/633)
________________________________________
جبريل عليه السلام بأنْ يمنعه من الإيمان، ولو قيل: إن جبريل عليه السلام إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله تعالى فهذا يُبطله قول جبريل: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) [مريم: 64]، وأما إن قيل: إنَّ التكليف كان زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل الذي نُسِبَ جبريل إليه فائدة أصلاً». اهـ (1)
وقد تعقب العلماء هذه الجرأة من الزمخشري والرازي في ردهما للحديث وإنكاره.
فقال الحافظ ابن حجر في رده على الزمخشري: «هذا إفراط منه في الجهل بالمنقول والغض من أهله، فإن الحديث صحيح بالزيادة ... ». اهـ (2)
وقال الخازن في رده على الرازي: «أما قول الإمام: «إنَّ التكليف هل كان ثابتاً في تلك الحالة أم لا؟ فإنَّ كان ثابتاً لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة»، فجوابه: أَنَّ هذا القول لا يستقيم على أصل المثبتين للقدر، القائلين بخلق الأفعال لله، وأنَّ الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وهذا قول أهل السنة المثبتين للقدر، فإنهم يقولون: إنَّ الله يحول بين الكافر والإيمان، ويَدُلُّ على ذلك قوله تعالى: (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال: 24]، وقوله تعالى: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: 88]، وقال تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: 110]، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه قلَّبَ أفئدتهم مثل تركهم الإيمان به أول مرة، وهكذا فَعَلَ بفرعون، منعه من الإيمان عند الموت جزاء على تركه الإيمان أولاً، فَدَسُّ الطين في فم فرعون من جنس الطبع والختم على القلب، ومنع الإيمان وصون الكافر عنه، وذلك جزاء على كفره السابق، وهذا قول طائفة من المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال لله.
ومن المنكرين لخلق الأفعال من اعترف أيضاً أَنَّ الله سبحانه وتعالى يفعل هذا عقوبة للعبد على كفره السابق؛ فيحسُن منه أنْ يُضِلَّه ويطبع على قلبه ويمنعه من الإيمان.
_________
(1) مفاتيح الغيب، للرازي (17/ 125).
(2) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، لابن حجر (2/ 354).
(1/634)
________________________________________
فأما قصة جبريل عليه السلام مع فرعون فإنها من هذا الباب، فإنَّ غاية ما يقال فيه: إنَّ الله سبحانه وتعالى منع فرعون من الإيمان وحال بينه وبينه عقوبة له على كفره السابق، ورَدُّهُ للإيمان لما جاءه.
وأما فعل جبريل من دَسِّ الطين في فيه فإنما فعل ذلك بأمر الله لا من تلقاء نفسه.
وأما قول الإمام: «لم يَجُزْ لجبريل أنْ يمنعه من التوبة بل يجب عليه أن يعينه عليها وعلى كل طاعة»، فالجواب: أَنَّ هذا إذا كان تكليف جبريل كتكليفنا، يجب عليه ما يجب علينا، وأما إذا كان جبريل إنما يفعل ما أمره الله به، والله سبحانه وتعالى هو الذي منع فرعون من الإيمان، وجبريل منفذ لأمر الله، فكيف لا يجوز له منع من منعه الله من التوبة، وكيف يجب عليه إعانة من لم يُعِنْه الله، بل قد حكم عليه وأخبر عنه أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم، حين لا ينفعه الإيمان.
وقد يقال: إنَّ جبريل عليه السلام إما أنْ يتصرف بأمر الله فلا يفعل إلا ما أمر الله به، وإما أنْ يفعل ما يشاء من تلقاء نفسه لا بأمر الله، وعلى هذين التقديرين فلا يجب عليه إعانة فرعون على التوبة، ولا يحرم عليه منعه منها؛ لأنه إنما يجب عليه فعل ما أُمِرَ به، ويحرم عليه فعل ما نُهيَ عنه، والله سبحانه وتعالى لم يُخْبِر أنه أمره بإعانة فرعون، ولا حَرَّمَ عليه منعه من التوبة، وليست الملائكة مكلفين كتكليفنا.
وقوله: «وإنْ كان التكليف زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت فحينئذ لا يبقى هذا الذي نُسب إلى جبريل فائدة»، جوابه: أنْ يُقال: إنَّ للناس في تعليل أفعال الله قولين:
أحدهما: أَنَّ أفعاله لا تُعلل، وعلى هذا التقدير فلا يرد هذا السؤال أصلاً، وقد زال الإشكال.
والقول الثاني: أَنَّ أفعاله تبارك وتعالى لها غاية بحسب المصالح التي لأجلها فعلها، وكذا أوامره ونواهيه، لها غاية محمودة محبوبة لأجلها أمر بها ونهى عنها، وعلى هذا التقدير قد يقال لما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وقد علم جبريل أنه ممن حقت عليه كلمة
(1/635)
________________________________________
العذاب، وأنَّ إيمانه لا ينفعه دَسَّ الطين في فيه لتحقق معاينته للموت، فلا تكون تلك الكلمة نافعة له، وأنه وإنْ كان قالها في وقت لا ينفعه فدسَّ الطين في فيه تحقيقاً لهذا المنع، والفائدة فيه تعجيل ما قد قُضِيَ عليه، وسد الباب عنه سداً محكماً، بحيث لا يبقى للرحمة فيه منفذ، ولا يبقى من عمره زمن يتسع للإيمان، فإنَّ موسى عليه السلام لما دعا ربه بأنَّ فرعون لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم، والإيمان عند رؤية العذاب غير نافع، أجاب الله دعاءه.
فلما قال فرعون تلك الكلمة عند معاينة الغرق استعجل جبريل فدس الطين في فيه لييأس من الحياة ولا تنفعه تلك الكلمة، وتحقق إجابة الدعوة التي وعد الله موسى بقوله: (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا) [يونس: 89]، فيكون سعي جبريل في تكميل ما سبق في حكم الله أنه يفعله، ويكون سعي جبريل في مرضاة الله سبحانه وتعالى، منفذاً لما أمره به وقدره وقضاه على فرعون.
وأما قوله: «لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر»، فجوابه: ما تقدم من أَنَّ الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وجبريل إنما يتصرف بأمر الله، ولا يفعل إلا ما أمره الله به، وإذا كان جبريل قد فعل ما أمره الله به ونفذه فإنما رضي بالأمر لا بالمأمور به، فأيُّ كفر يكون هنا، وأيضاً: فإنَّ الرضا بالكفر إنما يكون كفراً في حقنا؛ لأنا مأمورون بإزالته بحسب الإمكان، فإذا أقررنا الكافر على كفره ورضينا به كان كفراً في حقنا لمخالفتنا ما أمِرْنا به.
وأما من ليس مأموراً كأمرنا، ولا مكلفاً كتكليفنا، بل يفعل ما يأمره به ربه؛ فإنه إذا نفَّذَ ما أمره به لم يكن راضياً بالكفر، ولا يكون كفراً في حقه، وعلى هذا التقدير فإنَّ جبريل لما دسَّ الطين في في فرعون كان ساخطاً لكفره، غير راض به، والله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد، خيرها وشرها، وهو غير راضٍ بالكفر، فغاية أمرِ جبريل مع فرعون أنْ يكون منفذاً لقضاء الله وقدره في فرعون من الكفر، وهو ساخط له غير راضٍ به.
وقوله: «كيف يليق بجلال الله أنْ يأمر جبريل بأن يمنعه من الإيمان» فجوابه: أَنَّ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل.
وأما قوله: «وإنْ قيل: إنَّ جبريل إنما فعل ذلك من عند نفسه لا
(1/636)
________________________________________
بأمر الله ... » فجوابه: أنه إنما فعل ذلك بأمر الله، منفذاً لأمر الله، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه». اهـ (1)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ فعل جبريل عليه السلام هو من باب الغضب لله تعالى، ولم يقصد في فعله هذا منع فرعون من الإيمان، وفعله هذا مأذون له فيه، بدليل إقرار الله له، والله تعالى أعلم.

****
_________
(1) لباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (2/ 461 - 462).
(1/637)
________________________________________
المسألة [7]: في تفسير الآيات التسع التي أعطيت لموسى - عليه السلام.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101)) [الإسراء: 101].

المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:
(83) ـ (72): عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ. فَقَالَ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ نَبِيٌّ، إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ. فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ؛ فَقَالَ لَهُمْ: «لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تُوَلُّوا الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً الْيَهُودَ: أَنْ لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ». قَالَ: فَقَبَّلُوا يَدَهُ وَرِجْلَهُ؛ فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ». (1)
_________
(1) هذا الحديث مدار إسناده على شعبة بن الحجاج، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال ... ، فذكره. وقد روي عن شعبة بثلاثة ألفاظ: =
(1/638)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= الأول: وفيه تعداد عشر آيات، وهو المذكور في أصل المسألة.
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (7/ 328)، والترمذي، في سننه، في كتاب الاستئذان والآداب، حديث (2733)، وابن جرير الطبري في تفسيره (8/ 156)، والنسائي في السنن الكبرى (2/ 306)، والطحاوي في مشكل الآثار (1/ 57)، جميعهم من طريق: عبد الله بن إدريس الأودي، عن شعبة، به.
وأخرجه الترمذي، وابن جرير، في الموضعين السابقين، كلاهما من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة بن زيد، عن شعبة، به.

وأخرجه أبو بكر الشيباني، في الآحاد والمثاني (4/ 414)، عن أبي الوليد، هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة، به.
وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 215)، من طريق عمرو بن مرزوق، عن شعبة به.
اللفظ الثاني: وفيه ذكر تسع آيات، ولفظه كاملاً: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِآخَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ. قَالَ: لَا تَقُلْ هَذَا؛ فَإِنَّهُ لَوْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا إِلَيْهِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) قَالَ: لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَفِرُّوا مِنْ الزَّحْفِ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تُدْلُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يَهُودُ أَنْ لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ. فَقَالَا: نَشْهَدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ».
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4/ 240)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (1/ 52)، وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (1/ 55)، جميعهم من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة، به.
اللفظ الثالث: وفيه تردد وشك بين التسع والعشر، ولفظه كاملاً: «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، حَتَّى نَسْأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ) (ہ ھ ھ ھ ھ ے)، فَقَالَ: لَا تَقُلْ لَهُ نَبِيٌّ، فَإِنَّهُ إِنْ سَمِعَكَ لَصَارَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ، فَسَأَلَاهُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، أَوْ قَالَ: تَفِرُّوا مِنْ الزَّحْفِ، شُعْبَةُ الشَّاكُّ، وَأَنْتُمْ يَا يَهُودُ، عَلَيْكُمْ خَاصَّةً أَنْ لَا تَعْتَدُوا، فَقَبَّلَا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَتَّبِعَانِي؟ قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَام - دَعَا أَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخْشَى إِنْ أَسْلَمْنَا أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ».
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4/ 239)، من طريق محمد بن جعفر، ويزيد بن هارون، كلاهما عن شعبة، به.
وقوله في الحديث: «شعبة الشاك»، هو من قول محمد بن جعفر، ويزيد بن هارون، راويا الحديث عن شعبة، والمعنى أنَّ شعبة =
(1/639)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= وقع منه شك، هل قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً» أو قال: «تَفِرُّوا مِنْ الزَّحْفِ»، وقد رواه الإمام أحمد في مسنده (4/ 240) - كما تقدم - من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة، دون شك، وفيه: «وَلاَ تَفِرُّوا مِنْ الزَّحْفِ»، ولم يذكر لفظ: «وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً».
وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (1/ 160)، عن شعبة، بالتردد المذكور في رواية أحمد. وقال أبو داود عقبه: «شك شعبة».
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (8/ 69)، من طريق أبي داود الطيالسي، ولم يذكر ما وقع فيه من تردد.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (5/ 97)، من طريق الطيالسي، إلا أنه لم يذكر ***** في الحديث.
قال الطحاوي في المشكل (1/ 58 - 59): «ما علمنا أحداً ممن روى هذا الحديث عن شعبة ضبط التسع الآيات المذكورات فيه غير يحيى .... ، وهذه الزيادة التي فيه من عبد الله بن إدريس، عن يحيى؛ إنما هي أنَّ شعبة قد كان شك فيه بآخره، فلم يدرِ هل من الآيات التي فيه التولي يوم الزحف، أو قذف المحصنة، وكان يحدث به كذلك إلى أنْ مات، وكأن سماع يحيى إياه منه بلا شك كان قبل ذلك». اهـ
وأما درجة الحديث:
فقد صححه: الترمذي في سننه، والنووي في رياض الصالحين (1/ 227)، وفي المجموع (4/ 478)، وحسنه ابن مفلح في الآداب الشرعية (2/ 262)، وفي الفروع (6/ 283)، وقال الحاكم (1/ 52): «هذا حديث صحيح، لا نعرف له علة بوجه من الوجوه، ولم يخرجاه، ولا ذكرا لصفوان بن عسال حديثاً واحداً، سمعت أبا عبد الله - محمد بن يعقوب الحافظ - ويسأله محمد بن عبيد الله؛ فقال: لم تركا حديث صفوان بن عسال أصلاً؟ فقال: لفساد الطريق إليه. قال الحاكم: إنما أراد أبو عبد الله بهذا حديث عاصم، عن زر؛ فإنهما تركا عاصم بن بهدلة، فأما عبد الله بن سلمة المرادي، ويقال: الهمداني، وكنيته أبو العالية، فإنه من كبار أصحاب علي، وعبد الله، وقد روى عن سعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله، وغيرهما من الصحابة، وقد روى عنه أبو الزبير المكي، وجماعة من التابعين». اهـ وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح لا نعرف له علة». اهـ
وضعف الحديث: ابن كثير، في تفسيره (3/ 71)، وابن القيم، في حاشيته على سنن أبي داود
(14/ 86)، وابن حجر، في تخريجه لأحاديث الكشاف (2/ 670).
وحملوا فيه على عبد الله بن سلمة، قال الحافظ ابن كثير: «عبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه». اهـ
قلت: «عبد الله بن سلمة» هو: المرادي، الكوفي، أبو العالية، قال شعبة، عن عمرو بن مرة: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا، فيعرف وينكر، كان قد كبر. وقال العجلي: كوفي، تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، يعد في الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال أبو حاتم: يعرف وينكر. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. انظر: تهذيب التهذيب، =
(1/640)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
وجه الإشكال: أنَّ الآيات المذكورة في الحديث، إنما هي من الوصايا التي ذُكِرَتْ في التوراة، وليس فيها حجج على فرعون وقومه، بينما الآية صريحة بأن التسع إنما هي لإقامة الحجة والبرهان على فرعون؛ لوصفه تعالى إياها بقوله: (بَيِّنَاتٍ). (1)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:
الأول: مسلك قبول الحديث:
ولأصحاب هذا المسلك مذاهب:
الأول: مذهب توجيه الحديث وتأويله:
وهذا مذهب الجمهور من المفسرين، حيث ذهبوا إلى أنَّ الآيات التي أُعطيت لموسى - عليه السلام - كانت عبارة عن معجزات ودلالات، وقد اتفقوا على تعداد سبع منها، وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الباقي. (2)
وأما الحديث فقد اختلفوا في توجيهه على أقوال:
الأول: أنَّ ما ذُكِرَ في الحديث هو كلام مستأنف، ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب
_________
= لابن حجر (5/ 212 - 213)، وسيأتي حكمي على الحديث في مبحث الترجيح، إن شاء الله تعالى.
(1) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: تخريج أحاديث وآثار الكشاف، للزيلعي (2/ 239)، وتفسير ابن كثير (3/ 71)، وروح المعاني، للآلوسي (15/ 231).
(2) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (3/ 488)، وزاد المسير، لابن الجوزي (5/ 67)، ومفاتيح الغيب، للرازي (21/ 54)، وفتح القدير، للشوكاني (3/ 375).
(1/641)
________________________________________
الجواب، لكن الراوي لم يذكر الجواب استغناء بما في القرآن، أو لأن الجواب ظاهرٌ جليٌ لا يخفى على السامع.
وهذا رأي: الطيبي، وتبعه القاري، والسندي، والمباركفوري. (1)
القول الثاني: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عدل عن الجواب وأجابه بما أجاب؛ لأن هذا هو الأصلح والأهم للسائل (2)، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخفى عليه معنى الآية.
وهذا رأي: أبي السعود. (3)
القول الثالث: أنَّ ما ذُكِرَ في الحديث هو من الآيات التي تُعبِّد بها بنو إسرائيل، وهذا لا ينافي ما ذُكِرَ عن الجمهور في تفسير الآية؛ لأن ما ذكروه هو من الآيات التي أوعدوا وخوفوا وأنذروا بها، على أنَّ ما ذكروه له حكم الرفع؛ لأنه من تفسير ابن عباس رضي الله عنهما (4)، وهو مما لا مجال للرأي فيه؛ فيكون له حكم الرفع، وبهذا يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال كلا التفسيرين، إلا أنَّ مراده في أحدهما غير مراده بما في الآخر.
وهذا رأي: الطحاوي. (5)
_________
(1) انظر على الترتيب: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (1/ 207 - 208)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (1/ 215 - 216)، وحاشية السندي على سنن النسائي (7/ 111)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (7/ 435 - 436).
(2) ويسمى هذا «الأسلوب الحكيم»، وقد عرَّفَه الجرجاني، في كتابه «التعريفات» (1/ 39)، فقال:
«هو عبارة عن ذكر الأهم، تعريضاً بالمتكلم على تركه الأهم».
(3) تفسير أبي السعود (5/ 198).
(4) أخرج عبد الرزاق في تفسيره (2/ 390) قال: أنا معمر، عن قتادة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: (تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) قال: «هي متتابعات، وهي في سورة الأعراف: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)) [الأعراف: 130] قال: السنين لأهل البوادي، ونقص من الثمرات لأهل القرى، فهاتان آيتان. والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم؛ فهذه خمس، ويد موسى إذ أخرجها بيضاء من غير سوء، والسوء: البرص، وعصاه إذ ألقاها فإذا هي ثعبان مبين».
وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (8/ 156)، من طريق عبد الرزاق. وإسناده صحيح.
(5) انظر: مشكل الآثار، للطحاوي (1/ 64 - 66).
(1/642)
________________________________________
القول الرابع: أنه لا منافاة بين القرآن والحديث؛ لأن القرآن قد تضمن ذكر الآيات التي أوتيها موسى، والحديث فيه آيات أخر من التكليف، وكلُّ شاهدٍ لنبوة موسى فهو آية، وكل أمر أُمر به، أو نهي نُهي عنه فهو آية، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المراد بالآيات المذكورة في هذه الآية هن الآيات التي من جهة الأمر والنهي، لا من جهة الإعجاز والبرهان.
وهذا رأي ابن العربي. (1)
المذهب الثاني: أنَّ المعتمد في تفسير الآية هو الحديث دون غيره، ويرى أصحاب هذا المذهب: أنَّ المراد بالآيات في الآية: هي الأحكام، لا الأدلة، وأطلق عليها آيات؛ لأنها علامات على السعادة لمن امتثلها، والشقاوة لمن تركها.
وهذا رأي: الفخر الرازي، والخفاجي، والآلوسي. (2)
المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث وعدم قبوله.
ويرى أصحاب هذا المسلك أنَّ الآية لا يصح في تفسيرها إلا ما ذُكِرَ في القرآن في مواضع متفرقة من أنَّ الآيات هي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وغيرها.
وهذا رأي: الزيلعي (3)، وابن كثير، وابن القيم (4)، وابن حجر (5).
قال الزيلعي: «والحديث فيه إشكالان: أحدهما: أنهم سألوا عن تسعة، وأجاب في الحديث بعشرة، وهذا لا يرد على رواية: أبي نعيم، والطبراني (6)؛ لأنهما لم يذكرا فيه *****، ولا
_________
(1) عارضة الأحوذي، لابن العربي (11/ 215 - 216).
(2) انظر على الترتيب: مفاتيح الغيب، للرازي (21/ 54)، وحاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي (6/ 65)، وروح المعاني، للآلوسي (15/ 232).
(3) تخريج أحاديث وآثار الكشاف، للزيلعي (2/ 293).
(4) حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (14/ 86).
(5) تخريج أحاديث الكشاف (2/ 670).
(6) بل رواية الطبراني جاء فيها لفظ «*****».
(1/643)
________________________________________
على رواية أحمد أيضاً؛ لأنه لم يذكر القذف مرة، وشك في أخرى، فيبقى المعنى في رواية غيرهم، أي خذوا ما سألتموني عنه، وأزيدكم ما يختص بكم، لتعلموا وقوفي على ما يشتمل عليه كتابكم.
الإشكال الثاني: أنَّ هذه وصايا في التوراة، ليس فيها حجج على فرعون وقومه، فأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون، وما جاء هذا إلا من عبد الله بن سلمة؛ فإن في حفظه شيئاً، وتكلموا فيه، وأنَّ له مناكير، ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر كلمات فاشتبه عليه بالتسع آيات فوهم في ذلك، والله أعلم». اهـ (1)
وقال ابن كثير - بعد إيراده لحديث صفوان -: «وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات؛ فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم». اهـ (2)
وقال: «المراد بالتسع الآيات: إنما هي ما تقدم ذكره، من العصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى، ووجود الفاعل المختار الذي أرسله، وليس المراد منها كما ورد في حديث صفوان؛ فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون، وما جاء هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة؛ فإن له بعضَ ما يُنكر، والله أعلم، ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات؛ فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات، فحصل وهم في ذلك، والله أعلم». اهـ (3)
_________
(1) تخريج أحاديث وآثار الكشاف، للزيلعي (2/ 293).
(2) تفسير ابن كثير (3/ 71)، وانظر: البداية والنهاية (6/ 182).
(3) تفسير ابن كثير (3/ 71)، باختصار وتصرف يسير.
(1/644)
________________________________________
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو القول بضعف الحديث، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سُئِلَ عن العشر الكلمات التي هي وصايا في التوراة، فاشتبهت على الراوي - وهو عبد الله بن سلمة - فظنها التسع الآيات المذكورة في آية الإسراء.
يدل على هذا الاختيار:
1 - أنه لم يُعْهَدْ أنَّ اليهود سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء من القرآن، وإنما المعهود سؤالهم عن شيء هو في كتبهم، أو عن أمر من أمور الغيب.
2 - أنَّ اليهود أرادوا بسؤالهم هذا معرفة صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بسؤاله عن شيء هم يؤمنون به، وهو ما في كتبهم، ويبعد أنْ يسألوا عن شيء من القرآن مع عدم إيمانهم به؛ ليستدلوا به على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -.
3 - أنَّ الحديث قد جاء في بعض رواياته تعداد عشر كلمات (1)، وهذا مما يؤكد أنَّ السؤال إنما كان عن العشر الكلمات، لا التسع آيات.
4 - أنَّ الله تعالى وصف الـ «تسع» بأنها «آيات بينات»، والآية والبينة لا تكون إلا لما فيه حجة وبرهان، ولو كانت وصايا - كما في الحديث - لما حسن وصفها بقوله: «آيات بينات»، والله تعالى أعلم.
_________
(1) تقدم ذكر هذه الرواية عند تخريج الحديث في أول المسألة.
(1/645)
________________________________________
المسألة [8]: في نسبة الكذب لإبراهيم الخليل عليه السلام.

المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63)) [الأنبياء: 62 - 63].
وقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)) [الصافات: 83 - 88].

المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:
(84) ـ (73): عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَام قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ: قَوْلُهُ: (إِنِّي سَقِيمٌ)، وَقَوْلُهُ: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ؛ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ، وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي؛ فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ، أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ، لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَأُتِيَ بِهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً
(1/646)
________________________________________
شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ. فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي فَلَكِ اللَّهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ. فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ. قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام انْصَرَفَ فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ (1).
قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ». (2)
(85) ـ ( .. ): وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يجمع الله المؤمنين يوم القيامة .... »، ثم ذكر حديث الشفاعة بطوله، وفيه: «فيأتون إبراهيم عليه السلام، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر كذباته الثلاث، قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة - حين أتى على الجبار -: أخبري أني أخوك؛ فإني سأخبر أنا أنك أختي، فإنا أخوان في كتاب الله، ليس في الأرض مؤمن ولا مؤمنة غيرنا». (3)
_________
(1) مهيم: بفتح الميم والياء، وسكون الهاء، كلمة يمانية، تقال بمعنى: ما هذا، وما أمرك، وما شأنك. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 390)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (4/ 378).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (2371).
وأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (3358)، موقوفاً على أبي هريرة، وأخرجه في الموضع نفسه، مرفوعاً من حديث أبي هريرة، لكن باختصار، ولفظه: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثًا».
(3) أخرجه النسائي في الكبرى (6/ 440)، قال: أخبرنا الربيع بن محمد بن عيسى قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شيبان، أبو معاوية، قال: حدثنا قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك، فذكره.
وأخرجه أبو يعلى في مسنده (5/ 396)، قال: حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا شيبان، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، به.
وأخرجه ابن مندة في كتاب الإيمان (2/ 836) من طريق الحسين بن محمد المروزي، عن شيبان بن عبدالرحمن، عن قتادة، به.
وإسناد النسائي رجاله ثقات، غير شيخه، وهو: الربيع بن محمد بن عيسى؛ فإنه لا بأس به، كما في التقريب (1/ 241)، وقد تُوبع كما في =
(1/647)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
ظاهرُ الحديثِ الشريف أنَّ قول إبراهيم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) كان كذباً منه، عليه السلام، وهذا مشكل؛ لأن الكذب لا يجوز في حق الأنبياء عليهم السلام، إذ الرسول ينبغي أنْ يكون موثوقاً به؛ ليُعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، ولأن الكذب المحض من جملة الكبائر، والأنبياء - عليهم السلام - معصومون منها بالإجماع. (1)
_________
= رواية أبي يعلى، وابن مندة.
وللحديث شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، وابن عباس، رضي الله عنهم:
أما حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، فأخرجه الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3148)، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .... » ثم ذكر حديث الشفاعة، وفيه: «فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا مِنْهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَّ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ ... ».
وإسناده ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان.
وأما حديث ابن عباس، فرواه الإمام أحمد في مسنده (1/ 281) قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا لَهُ دَعْوَةٌ قَدْ تَنَجَّزَهَا فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي قَدْ اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي .... » ثم ذكر حديث الشفاعة بطوله، وفيه: «فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا؛ فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، إِنِّي كَذَبْتُ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ، وَاللَّهِ إِنْ حَاوَلَ بِهِنَّ إِلَّا عَنْ دِينِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ، وَقَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ - حِينَ أَتَى عَلَى الْمَلِكِ -: أُخْتِي».
وعلي بن زيد: ضعيف، وقد تُوبع، فأخرجه الطيالسي في مسنده (1/ 353) قال: حدثنا يونس قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا البراء بن يزيد الغنوي قال: ثنا أبو نضرة، عن ابن عباس، فذكره.
(1) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: كشف المشكل من حديث الصحيحين، =
(1/648)
________________________________________
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
للعلماء تجاه الإشكال الوارد في الحديث ثلاثة مسالك:
الأول: مسلك تأويل الآيات والحديث، ومنع وقوع الكذب المحض من إبراهيم الخليل، عليه السلام.
وهذا مذهب الجمهور من العلماء.
وممن قال به:
ابن قتيبة، والزمخشري، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر، والسيوطي، والآلوسي، وابن عثيمين. (1)
ويرى أصحاب هذا المسلك: أنَّ ما قاله إبراهيم - عليه السلام - يعد من المعاريض (2)، وهي مباحة، وليست من الكذب الذي يُذم صاحبه.
_________
= لابن الجوزي (3/ 482)، والمبسوط، للسرخسي (30/ 211)، ومفاتيح الغيب، للرازي (22/ 161)، وعصمة الأنبياء، له، ص (40)، وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (6/ 212)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (3/ 72)، وروح المعاني، للآلوسي (17/ 87).
(1) انظر على الترتيب: تأويل مشكل القرآن، ص (267 - 268)، وتأويل مختلف الحديث، ص (39)، كلاهما لابن قتيبة، والكشاف، للزمخشري (3/ 121)، وأحكام القرآن (3/ 263)، وعارضة الأحوذي (12/ 18)، كلاهما لابن العربي، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 88)، وزاد المسير، لابن الجوزي (5/ 266)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (1/ 433)، وتفسير القرطبي (11/ 199)، وصحيح مسلم بشرح النووي (15/ 180)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (19/ 159)، وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (6/ 212)، وتفسير ابن كثير (4/ 15)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 451)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (3/ 72)، وروح المعاني، للآلوسي (17/ 86)، وشرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، ص (527).
(2) التَّعْرِيضُ: لُغَةً ضِدُّ التَّصْرِيحِ، وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ: مَا يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ =
(1/649)
________________________________________
قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف جاز له أنْ يكذب؟ قلت: قد جوَّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب، والتقية، وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين، والصحيح أنَّ الكذب حرام، إلا إذا عَرَّضَ ووَرَّى، والذي قاله إبراهيم - عليه السلام - مِعْرَاضٌ من الكلام». اهـ (1)
قالوا: والمعاريض لا تُذم، خصوصاً إذا احتيج إليها، فعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» (2)، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «ما يسرني أنَّ لي بما أعلم من معاريض القول، مثل أهلي ومالي» (3)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعجوز: «إن الجنة لا يدخلها عجوز» (4)،
أراد قوله تعالى: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35)) [الواقعة: 35]، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - حين خرج من الغار، مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذا سأله أحد: من هذا بين يديك؟ يقول: «هادٍ يهديني» (5)، وكانت امرأة ابن رواحة - رضي الله عنه -، قد
_________
= مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ. انظر: الموسوعة الفقهية (12/ 248). وقال القاضي عياض: «هو التورية بالشيء عن آخر بلفظٍ يُشْرِكُهُ فيه، أو يتضمن فصلاً من جُمَلِه، أو يحتمله مجازُهُ وتصريفه». انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 74).
(1) انظر: الكشاف، للزمخشري (4/ 47).
(2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10/ 199)، والقضاعي في مسند الشهاب (2/ 119)، وابن عدي في الكامل (3/ 96). وضعفه الألباني، في ضعيف الجامع، حديث (1904)، وصحح وقفه على عمران بن حصين - رضي الله عنه -.
(3) أخرجه بنحوه: ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (3/ 145).
(4) أخرجه الترمذي في كتاب «الشمائل المحمدية» (1/ 198 - 199) قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا مصعب بن المقدام، ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: أتت عجوز إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله: ادع الله أنْ يدخلني الجنة. فقال: يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز. قال: فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37)) [الواقعة: 35 - 37]. وأخرجه الطبراني في الأوسط (5/ 357)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، (6/ 1221)، حديث (2987).
(5) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ، يَهْدِينِي =
(1/650)
________________________________________
رأته مع جارية له، فقالت له: وعلى فراشي أيضاً! فجحد، فقالت له: إن كنت صادقاً فاقرأ القرآن، فالجُنُب لا يقرأ القرآن. فقال:
شَهِدْتُ بأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ... وأَنَّ النارَ مَثْوَى الكافِرِينا
وأَنَّ العَرْشَ فوْقَ الماءِ طافٍ ... وفوقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينا
وتَحْمِلُه ملائكةٌ شِدادٌ ... ملائكةُ الإِلهِ مُسَوّمِينا
فقالت: آمنت بالله، وكذبت بصري. فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبره، فضحك، وأعجبه ما صنع. (1)
وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في وجه إطلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على تلك الكلمات التي قالها إبراهيم الخليل - عليه السلام - بأنها كذب، على أقوال:
الأول: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق عليها الكذب من باب التجوز؛ لأنها في الحقيقة شبيهة بالكذب، لما فيها من إيهام السامع، وإخباره بخلاف ما يعتقده المتكلم، ولم يُرِدْ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها من الكذب الذي هو قصد قول الباطل، والإخبار بضد ما في النفس، من غير غرض شرعي؛ لأن هذا لا يجوز في حق الأنبياء، عليهم السلام.
وهذا رأي: ابن قتيبة، والقاضي عياض، وابن عطية، وابن الجوزي، وابن جزي الكلبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والآلوسي. (2)
_________
= السَّبِيلَ. قَالَ: فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، حديث (3911).
(1) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الإشراف في منازل الأشراف» (1/ 212 - 214)، وفي «العيال» (2/ 770 - 773)، والدارقطني في سننه (1/ 120)، وابن عساكر في تاريخه (28/ 112 - 116)، من طرق عن ابن رواحة - رضي الله عنه -. قال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب (3/ 900)، في ترجمة عبد الله بن رواحة: «وقصته مع زوجته، في حين وقع على أمته، مشهورة، رويناها من وجوه صحاح». وقال النووي في المجموع (2/ 183): «إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع». وهو كما قال؛ فإنها لم تأتِ من طريق يصح اعتماده. وانظر: زاد المسير، لابن الجوزي (5/ 266 - 267).
(2) انظر على الترتيب: تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، ص (269)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 89)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 478)، وكشف =
(1/651)
________________________________________
قال أبو بكر بن الأنباري: «كلام إبراهيم كان صدقاً عند البحث، وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال قولاً يشبه الكذب في الظاهر، وليس بكذب». اهـ (1)
وقال ابن عقيل: «دلالة العقل تصرف ظاهر هذا اللفظ، وذاك أنَّ العقل قطع بأن الرسول ينبغي أنْ يكون موثوقاً به، ليُعلَمَ صِدْقَ ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما استُعيرَ ذِكْرُ الكذب؛ لأنه بصورة الكذب، فسماه كذباً مجازاً، ولا يجوز سوى هذا». اهـ (2)
وقال ابن القيم: «وسُمّيَ قولُ إبراهيم هذا كذباً؛ لأنها تورية، وقد أشكل على الناس تسميتها كذبة، لكون المتكلم إنما أراد باللفظ المعنى الذي قصده، فكيف يكون كذباً؟ والتحقيق في ذلك: أنها كذب بالنسبة إلى إفهام المخاطب، لا بالنسبة إلى غاية المتكلم، فإن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم، ونسبة إلى المخاطب، فلما أراد المُوري أنْ يُفهم المخاطب خلاف ما قصده بلفظه، أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار، وإن كان المتكلم صادقاً باعتبار قصده ومراده». اهـ (3)
وقال الحافظ ابن حجر: «وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة، فلكونه قال قولاً يعتقده السامع كذباً، لكنه إذا حُقِّقَ لم يكن كذباً؛ لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فليس بكذبٍ محض». اهـ (4)
القول الثاني: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق عليها كذباً؛ لأن الله تعالى قد أعلمه أنَّ إبراهيم - عليه السلام - يُطلق ذلك على نفسه يوم القيامة.
_________
= المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (3/ 482)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (2/ 24)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (19/ 159)، وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (6/ 212)، وتفسير ابن كثير (4/ 15)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 451)، وروح المعاني، للآلوسي (17/ 86).
(1) نقله عنه ابن الجوزي في «كشف المشكل» (3/ 482).
(2) نقله عنه ابن الجوزي في «كشف المشكل» (3/ 482).
(3) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (6/ 212).
(4) فتح الباري، لابن حجر (6/ 451).
(1/652)
________________________________________
وهذا رأي أبي العباس القرطبي. (1)
القول الثالث: أنَّ المراد من الحديث: أنها كذبات في بادئ الأمر، لكنها عند التأمل يظهر المقصود منها، وذلك أنَّ النهي عن الكذب إنما علته خدع المخاطب، وما يتسبب على الخبر المكذوب من جريان الأعمال على اعتبار الواقع بخلافه، وأما إذا كان الخبر يُعْقَب بالصدق لم يكن ذلك من الكذب، بل يكون تعريضاً، أو مزحاً، أو نحوهما.
وهذا قول الطاهر بن عاشور، ويرى: أنه لم يكن في لغة قوم إبراهيم التشبيه البليغ، ولا المجاز، ولا التهكم، فكان ذلك عند قومه كذباً، وأن الله تعالى أذن له فعل ذلك، وأعلمه بتأويله؛ كما أذن لأيوب - عليه السلام - أنْ يأخذ ضِغْثاً (2) من عصيٍّ؛ فيضرب به ضربة واحدة، لِيَبُرَّ قَسَمَه (3)، إذ لم تكن الكفارة مشروعة في دين أيوب - عليه السلام. (4)
وأما حديث الشفاعة، وقول إبراهيم - عليه السلام -: «إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ» (5)؛ فقد أجاب عنه الطاهر بن عاشور بأن معناه: «أنه قال كلاماً خلافاً للواقع، بدون إذن الله بوحي، ولكنه ارتكب قولَ خلافِ الواقع؛ لضرورة الاستدلال، بحسب اجتهاده، فخشي أنْ لا يُصادِفَ اجتهاده الصواب من مراد الله، فخشي عتاب الله، فتخلص من ذلك الموقف». اهـ (6)
ويرى الشيخ ابن عثيمين: أنَّ إبراهيم - عليه السلام - سماها كذبات، تواضعاً منه؛
_________
(1) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (6/ 186).
(2) الضغث: عُثْكَالُ النخل بشماريخه، وقيل: هو قبضة من حشيشٍ مختلطٌ رطبها بيابسها، وقيل: الحزمة الكبيرة من القضبان، وقال الواحدي: الضغث ملءُ الكفِّ من الشجر، والحشيش، والشماريخ. انظر: تفسير الواحدي (3/ 558)، وفتح القدير، للشوكاني (4/ 620).
(3) قال تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)) [ص: 41 - 44].
(4) التحرير والتنوير، لابن عاشور (23/ 143).
(5) سبق تخريجه في أول المسألة.
(6) التحرير والتنوير، لابن عاشور (23/ 143).
(1/653)
________________________________________
لأنها بحسب مراده صدق مطابق للواقع، فهي من باب التورية. (1)
رأي أصحاب هذا المسلك، في معنى الآيتين، ووجه كونهما من المعاريض:
لأصحاب هذا المسلك عدة تأويلات في معنى الآيتين، ووجه كونهما من المعاريض، وفيما يأتي ذِكْرُ أقوالهم في كل آية:
أولاً: تأويلهم لقوله تعالى: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) [الأنبياء: 63]:
اختلفوا في تأويل الآية على قولين:
الأول: أنَّ معنى الآية: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، حيث جعل النطق شرطاً للفعل، والمعنى إن كانوا ينطقون فقد فعله، قالوا: ولما علق الفعل على النطق، والنطق غير متحقق، لم يكن قوله هذا كذباً.
وهذا رأي: ابن قتيبة (2)، والقاضي عياض (3)، وأبي عبد الله القرطبي (4).
واعتُرِضَ: بأن قوله: (إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) [الأنبياء: 63] متعلق بقوله: (فَاسْأَلُوهُمْ) [الأنبياء: 63]، والمعنى: إن كانوا ينطقون، فاسألوهم.
القول الثاني: أنه قال ذلك تمهيداً لإقامة الحجة عليهم، على نية أنْ يتضح لهم الحق بآخره، فإنه لما قصد تنبيههم على خطأ عبادتهم للأصنام مهد لذلك بكلامٍ هو جار على الفرض والتقدير، فكأنه قال: لو كان هذا إلهاً لما رضي بالاعتداء على شركائه، فلما حصل الاعتداء عليهم بمحضر كبيرهم، تعين أنَّ يكون هو الفاعل لذلك.
وهذا رأي: الزمخشري، وابن العربي، وابن الجوزي، وابن جزي الكلبي، وأبي العباس القرطبي، والرازي، والسيوطي، والآلوسي. (5)
_________
(1) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، ص (527).
(2) انظر: تأويل مشكل القرآن، ص (268)، وتأويل مختلف الحديث، ص (39)، كلاهما لابن قتيبة.
(3) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 89)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم (7/ 346)، كلاهما للقاضي عياض.
(4) انظر: تفسير القرطبي (11/ 198).
(5) انظر على الترتيب: الكشاف، للزمخشري (3/ 121)، وأحكام القرآن، لابن العربي =
(1/654)
________________________________________
ثانياً: تأويلهم لقوله تعالى: (إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات: 89]:
يرى الأكثر من أصحاب هذا المسلك أنَّ معنى الآية: إني سأسقم؛ لأن من كُتب عليه الموت فلا بد من أنْ يسقم، ومنه قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (30)) [الزمر: 30]، أي ستموت، ويموتون. (1)
الثاني: مسلك إجراء الآيات والحديث على ظاهرها، وأنَّ ما قاله إبراهيم الخليل - عليه السلام - كان كذباً على الحقيقة.
ويرى أصحاب هذا المسلك: أنَّ إبراهيم - عليه السلام - فعل ذلك من باب التُقية، ودفعِ أذى الظالمين، والكذبُ إذا كان لمثلِ هذا الغرض، وكان لمصلحةٍ شرعية؛ فإنه لا مانع منه، ولا يكون محرماً.
وهذا رأي: ابن جرير الطبري، وابن حزم، والواحدي (2)، والمازري (3)، والبغوي (4)، والسمعاني (5).
قال ابن جرير الطبري: «وقد زعم بعض من لا يُصَدِّقُ بالآثار، ولا يقبل من الأخبار إلا ما استفاض به النقل، من العوام، أنَّ معنى قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) إنما هو بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، أي إن كانت الآلهة المكسورة تنطق؛ فإن كبيرهم هو الذي كسرهم. وهذا قولٌ خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ إبراهيم لم يكذب إلا
_________
= (3/ 263)، وزاد المسير، لابن الجوزي (5/ 265)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (2/ 24)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (1/ 432)، ومفاتيح الغيب، للرازي (21/ 160)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (3/ 72)، وروح المعاني، للآلوسي (17/ 85).
(1) انظر: تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، ص (267)، والكشاف، للزمخشري (4/ 47)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (1/ 433)، وتفسير القرطبي (15/ 63)، ومفاتيح الغيب، للرازي (26/ 128)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 451)، وروح المعاني، للآلوسي (23/ 137).
(2) الوسيط، للواحدي (3/ 242).
(3) المعلم بفوائد مسلم، للمازري (3/ 131).
(4) تفسير البغوي (3/ 249).
(5) تفسير السمعاني (3/ 389).
(1/655)
________________________________________
ثلاث كذبات، كلها في الله، قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) وقوله لسارة: هي أختي. وغير مستحيل أنْ يكون الله تعالى ذكره أذن لخليله في ذلك، ليقرع قومه به، ويحتج به عليهم، ويعرفهم موضع خطئهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، كما قال مؤذن يوسف لإخوته: (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) [يوسف: 70] ولم يكونوا سرقوا شيئاً». اهـ (1)
وقال - بعد أنْ ذكر الأقوال في تفسير قوله تعالى: (إِنِّي سَقِيمٌ) -: «وقال آخرون: إن قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) كلمة فيها مِعْراضٌ، ومعناها: أنَّ كل من كان في عقبة الموت فهو سقيم، وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر، قال: والخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخلاف هذا القول، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الحق دون غيره». اهـ (2)
وقال ابن حزم: «أما الحديث: أنه - عليه السلام - كذب ثلاث كذبات، فليس كلُ كذبٍ يكون معصية، بل منه ما يكون طاعة لله عز وجل، وفرضاً واجباً يعصي من تركه .... ، وقد أجمع أهل الإسلام على أنَّ إنساناً لو سمع مظلوماً قد ظلمه سلطان، وطلبه ليقتله بغير حق، ويأخذ ماله غصباً؛ فاستتر عنده، وسمعه يدعو على من ظلمه، قاصداً بذلك السلطان، فسأل السلطانُ ذلك السامع عما سمعه منه، وعن موضعه؛ فإنه إن كتم ما سمع، وأنكر أنْ يكون سمعه، أو أنه يعرف موضعه أو موضع ماله؛ فإنه محسن مأجور، مطيع لله عز وجل، وأنه إن صدقه فأخبره بما سمعه منه، وبموضعه وموضع ماله؛ كان فاسقاً عاصياً لله عز وجل، فاعل كبيرة، مذموماً تماماً.
وقد أُبيح الكذب في إظهار الكفر في التقية، وكل ما روي عن إبراهيم - عليه السلام - في تلك الكذبات فهو داخل في الصفة المحمودة، لا في الكذب الذي نهي عنه». اهـ (3)
الثالث: مسلك تأويل الآيات، ورد الحديث وإنكاره.
وهذا رأي الفخر الرازي، حيث قال: «واعلم أنَّ بعض الحشوية روى
_________
(1) تفسير الطبري (9/ 41).
(2) المصدر السابق (10/ 501).
(3) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (2/ 290 - 291).
(1/656)
________________________________________
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما كذب إبراهيم - عليه السلام - إلا ثلاث كذبات. فقلت: الأولى أنْ لا نقبل مثل هذه الأخبار، فقال على طريق الاستنكار: فإن لم نقبله؛ لزمنا تكذيب الرواة. فقلت له: يا مسكين، إن قبلناه؛ لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم - عليه السلام - وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة، ولا شك أنَّ صون إبراهيم - عليه السلام - عن الكذب، أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب». اهـ (1)
قلت: وهذا القول من الرازي مردود عليه، فالحديث صحيح لا مطعن فيه، وقد رُوي من عدة طرق، رواتها كلهم ثقات عدول معروفون، ولا سبيل لتكذيبهم، أو رميهم بالجهالة؛ ورحم الله الفخر الرازي؛ فإنه لما أعياه الجواب عن الحديث لجأ إلى رده وإنكاره، ورميِ رواته بالكذب، وليس هذا من شأن العلماء العارفين؛ فإن النصوص لا ترد بمجرد الرأي والهوى، والرازي لا يؤخذ بقوله في تصحيح الأحاديث وتضعيفها؛ لأنه ليس من أهل هذا الشأن، وبضاعته فيه مزجاة، قال عنه الإمام الذهبي: «وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم، وسِحْرٌ وانحرافات عن السُّنة، والله يعفو عنه؛ فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر». (2)
وأما رأي الرازي في معنى الآيتين، فقد مضى بيانه، عند ذكر رأي أصحاب المذهب الأول.

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو مذهب إجراء الآيات والأحاديث على ظاهرها، وأن ما قاله إبراهيم الخليل - عليه السلام - كان كذباً على الحقيقة.
وليس في فعله هذا قدح بعصمته، أو اتهام له بفعل محذور شرعي،
_________
(1) مفاتيح الغيب، للرازي (18/ 96)، وانظر: (22/ 161) و (26/ 129).
(2) سير أعلام النبلاء، للذهبي (21/ 501).
(1/657)
________________________________________
حاشاه - عليه السلام - من ذلك، بل الحق أنَّ ما فعله مأذون له فيه، لما فيه من *** مصلحة عظيمة، وهي إقامة الحجة على قومه، ودحض باطلهم.
والكذب إنما يكون مُحرّماً إذا ترتب عليه مفاسد، وضياعٌ لحقوق الآخرين، وأما إذا كان لغرض شرعي، وفيه مصلحة؛ فإنه لا محذور فيه، وهذا ما قررته الشريعة؛ فإنه قد أُبيح الكذب في ثلاثة مواطن، في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وفي كذب الزوجين بعضهما على بعض؛ لمصلحة تتعلق بهما (1)، وما أُبيح للأمة فهو مباح للأنبياء - عليهم السلام - إلا أنْ يأتي دليل يخصهم بالمنع.
«وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنساناً مختفياً؛ ليقتله، أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصباً، وسأل عن ذلك، وجب على من علم ذلك إخفاؤه، وإنكار العلم به، وهذا كذب جائز، بل واجب؛ لكونه في دفع الظالم». (2)
وقد نبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنَّ كذبات إبراهيم - عليه السلام - ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم، وذلك بقوله: «ثنتين منها في ذات الله»، وإنما خص الثنتين بأنهما في ذات الله تعالى؛ لكون الثالثة تضمنت نفعاً وحظاً لإبراهيم - عليه السلام - مع كونها في ذات الله أيضاً؛ لأنها كانت سبباً في دفعِ كافرٍ ظالمٍ عن مواقعة فاحشة عظيمة، وقد جاء في رواية أخرى ما يدل على ذلك، وهذه الرواية قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَّ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ» (3). (4)
وبعد هذا التقرير سأذكر بعضاً من الأدلة، التي تؤيد صحة ما ذهبت إليه، من وجوب حمل الآيات والأحاديث على ظاهرها:
_________
(1) عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ».
أخرجه الترمذي، في سننه، في كتاب البر والصلة، حديث (1939)، وحسنه الألباني، في «صحيح الجامع»، حديث (7723).
(2) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (15/ 180 - 181).
(3) سبق تخريجه في أول المسألة، من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -.
(4) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (15/ 181).
(1/658)
________________________________________
الدليل الأول: تسمية النبي - صلى الله عليه وسلم - لها كذبات، ولو كانت من المعاريض لبين ذلك، فقال: لم يكذب إبراهيم، وإنما أراد التعريض.
الدليل الثاني: أنَّ إبراهيم - عليه السلام - سماها كذبات، ولو كانت من المعاريض لما أطلق عليها لفظ الكذب.
الدليل الثالث: اعتذار إبراهيم من كذباته يوم القيامة، ولو كانت من المعاريض لما خاف منها، واعتذر لها.
الدليل الرابع: أنَّ الآيات صريحة بأنه قال كلاماً هو خلاف الواقع، ولا يمكن حملها على التعريض والتورية، وما ذكره أصحاب المذهب الأول في توجيه الآيات وحملها على المعاريض يُعدُّ بعيداً جداً، وفيه تكلف يأباه النظم الكريم، والحق وجوب حملها على ظاهرها، دون تكلف أو تأويل.
وهذا القول ليس فيه قدح بعصمة النبي، إبراهيم الخليل - عليه السلام -؛ لأنه لو كان ما فعله مذموماً؛ لأنكر الله عليه فعله هذا، وإنَّ في إقرار الله له؛ لدليلاً على جواز ما فعله.
وأما اعتذار إبراهيم - عليه السلام - يوم القيامة؛ فلإشفاقه من هول ذلك الموقف، وقد اعتذر كل الأنبياء - سوى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عن أمور اعتقدوها ذنوباً، وليست كذلك، وإنما كان اعتذارهم إشفاقاً وخوفاً من هول ذلك الموقف.
وأما القول بأن نسبة الكذب إلى الأنبياء يرفع الوثوق بهم، فإن هذا افتراض عقلي لا ينبغي إيراده؛ لأن الله تعالى لا يمكن أنْ يقرَّهم على الكذب، على فرض وجوده، والحق أنَّ الأنبياء لا يستطيعون قَدَرَاً إيقاع الكذب، فيما يتعلق بالبلاغ؛ لأن الله تعالى اصطفاهم واختارهم من سائر البشر، وعصمهم من كل ما يَشِينُ إلى دعوتهم ورسالتهم.
قال المازري: «أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى؛ فالأنبياء معصومون منه، سواء كثيره وقليله، وأما مالا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصغائر، كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا، ففي إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف». اهـ (1)
_________
(1) المعلم بفوائد مسلم، للمازري (3/ 131).
(1/659)
________________________________________
وقال القاضي عياض: الصحيح أنَّ الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يُتَصوّر وقوعه منهم، سواء جوزنا الصغائر منهم وعصمتهم منها أم لا، وسواء قلَّ الكذب أم كَثُر؛ لأن مَنْصِبَ النبوة يرتفع عنه، وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم. اهـ (1)

****
_________
(1) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (7/ 345)، بتصرف.
(1/660)
________________________________________
المسألة [9]: في الوقت الذي تكون فيه زلزلة الساعة.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)) [سورة الحج: 1 - 2].

المبحث الثاني: ذكر الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير الآية:
(86) ـ (74): عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ. فيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ .... ». (1)
(87) ـ ( .. ): وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَتْ:
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (2348)، وفي كتاب تفسير القرآن، حديث (4741)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (222)، وفي كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (2940).
(1/661)
________________________________________
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)) إِلَى قَوْلِهِ: (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) قَالَ: «أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: تِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ .... ». (1)

المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الأحاديث:
ظاهر الحديثين الشريفين أنَّ زلزلة الساعة المذكورة في الآية تكون يوم القيامة بعد قيام الناس من قبورهم، وقد اسْتُشْكِلَ بأنَّ ذلك الوقت لا حمل فيه ولا رضاع، فكيف يكون فيه ذهول المرضعة عما أرضعت، ووضع الحامل لحملها؟ (2)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الأحاديث:
اختلف المفسرون في الوقت الذي تكون فيه الزلزلة المذكورة في الآية على مذهبين:
الأول: أنها كائنة في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم الساعة.
وهذا المذهب قال به بعض المتقدمين، كعلقمة، والشعبي، وابن جريج، ومقاتل. (3)
_________
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4/ 435)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3168)، وقال: «حديث حسن صحيح».
(2) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (3/ 149)، وفتح الباري، لابن حجر (11/ 398)، وعمدة القاري، للعيني (15/ 239)، وأضواء البيان، للشنقيطي (5/ 13).
(3) انظر: زاد المسير، لابن الجوزي (5/ 295 - 296).
(1/662)
________________________________________
وهو اختيار القاضي ابن عطية، وحكاه مذهب الجمهور من المفسرين. (1)
واسْتَدَلَّ له: بأنَّ الرضاع والحمل لا يكون إلا في الدنيا، وأما الآخرة فلا يكون فيها شيء من ذلك.
وأجاب عن الأحاديث الواردة في المسألة: باحتمال أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ الآية المتضمنة ابتداء أمر الساعة، ثم قصد في تذكيره وتخويفه إلى فصل من فصول يوم القيامة، وهذا من الفصاحة. (2)
المذهب الثاني: أنَّ الزلزلة المذكورة في الآية كائنة يوم القيامة بعد قيام الناس من قبورهم.
وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير الطبري، وابن العربي، وابن الجوزي، وأبي عبد الله القرطبي، والنووي، والحافظ ابن حجر، والشنقيطي. (3)
وعمدتهم في هذا التفسير الأحاديث الواردة في المسألة، الدالة على أنَّ ذلك كائن يوم القيامة، يوم أنْ يقول الله تعالى لآدم عليه السلام: أخرج بعث النار.
ولهم في الجواب عن الإشكال الوارد في الأحاديث مسلكان:
الأول: حمل الأوصاف المذكورة في الحديثين على المجاز.
ويرى أصحاب هذا المسلك أنَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث هو كناية عن شدة الهول والهلع، بحيث إنه لو حضرت حامل حينئذ لوضعت، ولو حضرت مرضعة لذُهِلَتْ عما أرضعت.
_________
(1) المحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 106).
(2) المصدر السابق.
(3) انظر على الترتيب: تفسير الطبري (9/ 105)، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (205)، وفيه النقل عن ابن العربي، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (3/ 149)، والتذكرة، للقرطبي، ص (207)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (3/ 122)، وفتح الباري، لابن حجر (11/ 398)، وأضواء البيان، للشنقيطي (5/ 11).
(1/663)
________________________________________
وهذا المسلك قال به ابن الجوزي، والنووي. (1)
المسلك الثاني: حمل الأوصاف المذكورة في الحديثين على الحقيقة.
حيث ذهب الحافظ ابن حجر إلى أنَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث محمول على الحقيقة؛ لأن كل أحدٍ يُبعث يوم القيامة على ما مات عليه، فالحامل تُبعث حاملاً، والمرضع تُبعث مرضعاً، والطفل يُبعث طفلاً؛ فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم، ورأى الناس آدم، وسمعوا ما قيل له، وقع بهم من الوجل ما يسقط معه الحمل، ويشيب له الطفل، وتذهل به المرضعة.
قال: «ويحتمل أنْ يكون ذلك بعد النفخة الأولى، وقبل النفخة الثانية، ويكون خاصاً بالموجودين حينئذ، وتكون الإشارة بقوله: «فذاك» إلى يوم القيامة، وهو صريح في الآية، ولا يمنع من هذا الحمل ما يتخيل من طول المسافة بين قيام الساعة، واستقرار الناس في الموقف، ونداء آدم لتمييز أهل الموقف؛ لأنه قد ثبت أنَّ ذلك يقع متقارباً؛ كما قال الله تعالى: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (14)) [النازعات: 13 - 14]، يعني أرض الموقف، وقال تعالى: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ) [المزمل: 17 - 18]، والحاصل أنَّ يوم القيامة يطلق على ما بعد نفخة البعث من أهوال وزلزلة وغير ذلك إلى آخر الاستقرار في الجنة أو النار». اهـ (2)
ولابن العربي جواب آخر، حيث يرى أنَّ يوم الزلزلة يكون عند النفخة الأولى، وفيه ما يكون فيه من الأهوال العظيمة، ومن جملتها ما يقال لآدم، ولا يلزم من ذلك أن يكون ذلك متصلاً بالنفخة الأولى، بل له محملان:
أحدهما: أنْ يكون آخر الكلام منوطاً بأوله، والتقدير: يقال لآدم ذلك في أثناء اليوم الذي يشيب فيه الولدان، وغير ذلك.
وثانيهما: أنْ يكون شيب الولدان عند النفخة الأولى حقيقة، والقول
_________
(1) انظر على الترتيب: كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (3/ 149)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (3/ 122).
(2) فتح الباري، لابن حجر (11/ 398).
(1/664)
________________________________________
لآدم يكون وصفه بذلك إخباراً عن شدته وإنْ لم يوجد عين ذلك الشيء. (1)
وذكر الحليمي واستحسنه أبو عبد الله القرطبي أنه يحتمل أنْ يحيي الله حينئذ كل حمل كان قد تم خلقه ونُفخت فيه الروح، فتذهل الأم حينئذ عنه؛ لأنها لا تقدر على إرضاعه، إذ لا غذاء هناك ولا لبن، وأما الحمل الذي لم يُنفخ فيه الروح فإنه إذا سقط لم يحيى، لأن ذلك يوم الإعادة، فمن لم يمت في الدنيا لم يحيى في الآخرة. (2)

المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ الزلزلة المذكورة في الآية كائنة يوم القيامة بعد قيام الناس من قبورهم، لثبوت هذا التفسير عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الإشكال الوارد في الأحاديث فالأقرب هو حمل الأوصاف المذكورة فيها على المجاز، فيكون ذِكْرُ ذهول المرضعة عما أرضعت ووضع الحامل لحملها هو من باب تصوير شدة ذلك اليوم، لا أنَّ ذلك يكون حقيقة.
ومما يؤكد قصد المجاز في الأحاديث أنَّ هذه الأوصاف ذُكِرَتْ بعينها في الآية، وذُكِرَ بعدها قوله تعالى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى) [الحج: 2] وهذا الوصف الأخير في الآية يُعَدُّ من صريح المجاز، حيث نفى سبحانه أنْ يكونوا سكارى حقيقة (3)، فَدَلَّ على أنَّ باقي الأوصاف هي من باب المجاز أيضاً، والله تعالى أعلم.

****
_________
(1) نقله عن ابن العربي: أبو عبد الله القرطبي في التذكرة، ص (205).
(2) المصدر السابق، ص (207).
(3) قال ناصر الدين ابن المنيِّر في الانتصاف (3/ 139): «العلماء يقولون: إنَّ من أدلة المجاز صدق نقيضه، كقولك: زيد حمار، إذا وصفته بالبلادة، ثم يصدق أن تقول: وما هو بحمار، فتنفي عنه الحقيقة، فكذلك الآية، بعد أنْ أثبت السكر المجازي نفى الحقيقي أبلغ نفي، مؤكداً ذلك بالباء».
(1/665)
________________________________________
المسألة [10]: في قصة الغرانيق.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى (1) أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)) [الحج: 52 - 53].

المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:
(88) ـ (75): عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة؛ فقرأ سورة النجم، حتى انتهى إلى قوله تعالى: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) [النجم: 19 - 20] فجرى على لسانه: (تلك الغرانيق (2) العُلى،
_________
(1) اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: (تَمَنَّى) على قولين:
الأول: أن تمنى بمعنى: قرأ وتلا، ومنه قول حسان في عثمان بن عفان - رضي الله عنه -:
تَمَنَّى كتاب الله أوَّل ليلِهِِ ... وآخِرها لاقى حِمام المقادِرِ
وعلى هذا المعنى الجمهور من المفسرين، كما حكاه البغوي، وابن القيم.
القول الثاني: أن تمنى في الآية من التمني المعروف، الذي أداته (ليت).
انظر: تفسير البغوي (3/ 293)، وإغاثة اللهفان، لابن القيم (1/ 93)، وأضواء البيان، للشنقيطي (5/ 729).
(2) الغرانيق: المراد بها ها هنا الأصنام، وهي في الأصل الذكور من طير الماء، واحدها غرنوق وغرنيق، سمي به لبياضه، وقيل: هو الكركي. والغرنوق أيضاً الشاب الناعم =
(1/666)
________________________________________
الشفاعة منها تُرتجى) قال: فسمع ذلك مشركو مكة، فَسُرُّوا بذلك، فاشتَدَّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأنزل الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))». (1)
_________
= الأبيض، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم فشبهت بالطيور التي تعلوا في السماء وترتفع. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (3/ 364).
(1) رُوي هذا الحديث موصولاً عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومرسلاً عن عدد من التابعين، وسأذكر هذه الروايات كلها مع تخريجها، واستيفاء طرقها، وبيان عللها:
أولاً: رواية ابن عباس رضي الله عنهما:
وقد رُويتْ عنه من خمسة طرق:
الطريق الأول: رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس:
وله عن سعيد بن جبير طريقان:
1 - عن أبي بشر، عن سعيد، به:

أخرجه البزار في مسنده [كما في كشف الأستار، للهيثمي (3/ 72)، وتخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي (2/ 391)، وتفسير الحافظ ابن كثير (3/ 240)] قال البزار: حدثنا يوسف بن حماد، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - فيما أحسب، الشك في الحديث - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ، فذكره.
ثم قال البزار: «هذا حديث لا نعلمه يُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد، ولا نعلم أحداً أسند هذا الحديث عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد، عن ابن عباس، إلا أمية، ولم نسمعه نحن إلا من يوسف بن حماد، وكان ثقة، وغير أمية يحدث به عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مرسلاً، وإنما يُعرف هذا الحديث عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وأمية ثقة مشهور». اهـ
ورواه ابن مردويه في تفسيره [كما في تخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي (2/ 394)] من حديث يوسف بن حماد، به، عن سعيد بن جبير قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة فقرأ سورة النجم، حتى بلغ: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) [النجم: 19 - 20]؛ فألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى) فلما بلغ آخرها سجد وسجد معه المسلمون والمشركون، وأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)) [الحج: 52]».
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (12/ 53)، عن الحسين بن إسحاق التستري، وعبدان بن أحمد، كلاهما عن يوسف بن حماد، به. وفيه: لا أعلمه إلا عن ابن عباس.
ومن طريق الطبراني أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (10/ 89).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 115): «رواه البزار والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح، إلا أن =
(1/667)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الطبراني قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -». اهـ
قلت: لفظ رواية البزار هي المذكورة في المتن، والحديث من هذه الطريق فيه ثلاث علل:
الأولى: الاختلاف على شعبة في وصله وإرساله، حيث لم يصله عنه إلا أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد خولف، خالفه - كما سيأتي - محمد بن جعفر، وعبد الصمد، وأبو داود، ثلاثتهم عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مرسلاً. والقاعدة أن رواية الأكثر مقدمة على رواية الفرد، ونسبة الخطأ للواحد أقوى من نسبتها للجماعة.
العلة الثانية: التردد في وصل الحديث وإرساله، وهذه العلة وحدها تُعد كافية للقدح في الرواية الموصولة، وترجيح رواية الإرسال الصحيحة عليها، كما سيأتي.
العلة الثالثة: أن الحديث قد روي من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلاً، فقد رواه الواحدي في أسباب النزول، ص (310) من طريق سهل العسكري، حدثنا يحيى - هو القطان - عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، مرسلاً، وقد رُوي موصولاً؛ لكن لا يصح، كما سيأتي.
إلا أن الحافظ ابن حجر لم يعتد بهذه العلل، حيث قال: «أما ضعفه فلا ضعف فيه أصلاً؛ فإن الجميع ثقات، وأما الشك فيه، فقد يجيء تأثيره ولو فرداً غريباً، لكن غايته أن يصير مرسلاً .... ، وهو حجة إذا اعتضد عند من يَرُدّ المرسل، وهو إنما يعتضد بكثرة المتابعات». اهـ من الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف (3/ 161).
2 - عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، به:
أخرجه ابن مردويه في تفسيره [كما في تخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي (2/ 394)] قال: حدثني إبراهيم بن محمد، حدثني أبو بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي، حدثنا جعفر بن محمد الطيالسي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) [النجم: 19 - 20] (تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى) ففرح المشركون بذلك وقالوا: قد ذكر آلهتنا؛ فجاءه جبريل فقال: اقرأ علي ما جئتك به. فقرأ له كذلك؛ فقال: ما أتيتك بهذا، وإن هذا لمن الشيطان؛ فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
ومن طريق ابن مردويه أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (10/ 234).
قلت: الحديث من هذه الطريق معلول من أوجه:
الأول: جهالة حال أبي بكر محمد بن علي المقرئ:
وترجمته في تاريخ بغداد (3/ 68): «محمد بن علي بن الحسن، أبو بكر المقرئ، حدث عن محمود بن =
(1/668)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= خداش، ومحمد بن عمرو، وابن أبى مذعور، روى عنه أحمد بن كامل القاضي، ومحمد بن أحمد بن يحيى العطشي، توفي سنة ثلاثمائة».
قال الألباني في نصب المجانيق، ص (17): «لم يذكر فيه الخطيب جرحاً ولا تعديلاً؛ فهو مجهول الحال، وهو علة هذا الإسناد الموصول». اهـ
الوجه الثاني: الاختلاف على أبي عاصم النبيل في وصله وإرساله، فقد رواه الواحدي في أسباب النزول، ص (310) من طريق سهل العسكري، عن يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، مرسلاً، ورواية الواحدي أصح، كما سيأتي.
الوجه الثالث: أن رواية الإرسال موافقة للرواية الصحيحة، من طريق شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مرسلاً، وهي أصح ما في الباب، وقد رويت عن شعبة من ثلاثة طرق كلها صحيحة، كما سيأتي.
وقد أورد السيوطي في الدر المنثور (4/ 661) الحديث من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بلا تردد، ونسبه للبزار، والطبراني، وابن مردويه، والضياء في المختارة، وقال: «بسند رجاله ثقات». وأما المتن فقد ساق متن رواية عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والتي أخرجها ابن مردويه بلا تردد.
وقد تعقب الألبانيُ السيوطيَ، وادعى أنه وهم في عزوه للضياء في المختارة، وأن قوله: «بسند رجاله ثقات» إيهام منه، حيث يوحي بصحة الحديث، وأنه ليس بمعلول، قال: «وهذا خلاف الواقع، فإنه معلول بتردد الراوي في وصله، كما نقلناه عن تفسير الحافظ ابن كثير، وكذلك هو في تخريج الكشاف وغيره، وهذا ما لم يَرِدْ ذِكرُه في سياق السيوطي، ولا أدري أذلك اختصار منه، أم من بعض مخرجي الحديث؟ وأياً ما كان، فما كان يليق بالسيوطي أن يُغفل هذه العلة، لا سيما وقد صرح بما يشعر أن الإسناد صحيح، وفيه من التغرير ما لا يخفى، فإن الشك لا يوثق به، ولا حقيقة فيه». اهـ من نصب المجانيق، ص (12). وقد تبع الألبانيَ على ذلك: علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي، في كتابه دلائل التحقيق، ص (89).
قلت: لم يهم السيوطي في عزو الحديث للضياء في المختارة، فهو مخرج عنده، كما ذكرته آنفاً في تخريج الحديث، وأما إغفال السيوطي لتردد الراوي فليس ذاك عن سهوٍ أو خطأ منه؛ لأنه إنما أورد رواية عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والتي أخرجها ابن مردويه بلا تردد، وظاهر إسنادها الصحة، وكأن السيوطي لم يقف على علة هذه الرواية، والألبانيُ اعتقد أن السيوطي أراد رواية أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بالتردد، وقد خطأ السيوطيَ أيضاً في إيراده لمتن هذه الرواية، والحق أن السيوطي أوردها كما هي، وأن الوهم من الألباني، رحم الله الجميع.
وأما الحافظ ابن حجر فقد صحح الحديث من هذه الطريق فقال: «ورواه الطبري من طريق سعيد بن جبير مرسلاً، وأخرجه ابن مردويه من طريق أبي عاصم النبيل، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه، ولم يشك =
(1/669)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= في وصله، وهذا أصح طرق هذا الحديث». اهـ من الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف (3/ 161).
إلا أن الألباني لم يرتضِ عبارة الحافظ هذه، واستبعد نسبتها إليه فقال: «وفي عبارة الحافظ شيء من التشويش، ولا أدري أذلك منه، أم من النساخ؟ وهو أغلب الظن، وذلك لأن قوله: «وهذا أصح طرق هذا الحديث» إن حملناه على أقرب مذكور، وهو طريق ابن مردويه الموصول كما هو المتبادر، منعنا من ذلك أمور:
الأول: قول الحافظ عقب ذلك: «فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضاً» فإن فيه إشارة إلى أن ليس هناك إسناد صحيح موصول يعتمد عليه، وإلا لَعرَّج عليه وجعله أصلاً، وجعل الطريق المرسلة شاهدة ومُقَوية له، ويؤيده الأمر الآتي وهو:
الثاني: وهو أن الحافظ لما رَدَّ على القاضي عياض تضعيفه للحديث من طريق إسناد البزار الموصول بسبب الشك، قال الحافظ: «أما ضعفه فلا ضعف فيه أصلاً (قلت: يعني في رواته)؛ فإن الجميع ثقات، وأما الشك فيه، فقد يجيء تأثيره ولو فرداً غريباً ـ كذا ـ لكن غايته أن يصير مرسلاً، وهو حجة عند عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة، وهو حجة إذا اعتضد عند من يَرُدّ المرسل، وهو إنما يعتضد بكثرة المتابعات».
قال الألباني: فقد سلَّم الحافظ بأن الحديث مُرْسَلٌ، ولكن ذهب إلى تقويته بكثرة الطرق .... ، فلو كان إسناد ابن مردويه الموصول صحيحاً عند الحافظ، لرد به على القاضي عياض، ولما جعل عمدته في الرد عليه هو كثرة الطرق، وهذا بيّن لا يخفى.
الثالث: أن الحافظ في كتابه فتح الباري لم يُشِرْ أدنى إشارة إلى هذه الطريق فلو كان هو أصح طرق الحديث، لذكره بصريح العبارة، ولجعله عمدته في هذا الباب كما سبق.
الرابع: أن من جاء بعده ـ كالسيوطي وغيره ـ لم يذكروا هذه الرواية.
فكل هذه الأمور تمنعنا من حمل اسم الإشارة (هذا) على أقرب مذكور، وتضطرنا إلى حمله على البعيد، وهو الطريق الذي قبل هذا، وهو طريق سعيد بن جبير المرسل. وهو الذي اعتمده الحافظ في الفتح وجعله أصلاً، وجعل الروايات الأخرى شاهدة له». اهـ كلام الألباني، من نصب المجانيق، ص (13 - 15).
قلت: يحتمل أن الحافظ ابن حجر لم يقف على رواية عثمان بن الأسود، وقت تعليقه على الحديث في فتح الباري، يقوي هذا الاحتمال أن هذه الرواية لم يُشرْ إليها الحافظ في الفتح أدنى إشارة، ولعله اطلع عليها بعد ذلك فدونها في تخريجه لأحاديث الكشاف، والله تعالى أعلم.
ثم وقفت على طريق أخرى لهذه الرواية؛ أخرجها أبو الليث السمرقندي في تفسيره (2/ 400) قال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد [في أصل الكتاب: جعفر بن زيد] الطيالسي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود [في أصل الكتاب: عمار بن الأسود]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) =
(1/670)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= [النجم: 20] ثم قال: (تلك الغرانيق العلى، وإن الشفاعة منها ترتجى)، فقال المشركون: قد ذكر آلهتنا في أحسن الذكر؛ فنزلت الآية».
قلت: هذا الإسناد فيه سقط، وصوابه ما جاء في تفسير ابن مردويه: حدثني إبراهيم بن محمد، حدثني أبو بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي، حدثنا جعفر بن محمد الطيالسي .... ، والساقط في الإسناد هو آفة الحديث، وهو أبو بكر المقرئ، وقد تقدم الكلام فيه.
الطريق الثاني: رواية العوفي، عن ابن عباس، به:
أخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (9/ 176)، قال: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: «قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)) وذلك أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) [النجم: 19 - 20] ألقى الشيطان: (إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى)، فجعل يتلوها فنزل جبرائيل عليه السلام فنسخها، ثم قال له: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
وأخرجه ابن مردويه في تفسيره [كما في تخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي (2/ 394)]، عن أحمد بن كامل، عن محمد بن سعد، به.
محمد بن سعد: هو العوفي، لين الحديث.
قوله: حدثني أبي: هو سعد بن محمد بن الحسن، ضعيف.
قوله: حدثني عمي: هو الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي، ضعيف.
قوله: حدثني أبي: هو الحسن بن عطية، متفق على ضعفه.
قوله: عن أبيه: هو عطية بن سعد بن جنادة، شيعي ضعيف مدلس.
وهذا الإسناد: ضعيف جداً؛ فإنه مسلسل بالعوفيين، وهي سلسلة واهية باتفاق النقاد من المحدثين.
الطريق الثالث: رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس:
أخرجها ابن مردويه في تفسيره [كما في فتح الباري، لابن حجر (8/ 293)]، من طريق عباد بن صهيب، عن يحيى بن كثير، حدثنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة النجم وهو بمكة فأتى على هذه الآية: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) فألقى الشيطان على لسانه: (إنهن الغرانيق العلى)؛ فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
وإسناده ضعيف جداً؛ فيه: عباد بن صهيب البصري، أحد المتروكين، قال ابن المديني: ذهب حديثه. وقال البخاري، والنسائي، وغيرهما: =
(1/671)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= متروك. وقال ابن حبان: كان قدرياً داعية، ومع ذلك يروي أشياء إذا سمعها المبتدي في هذه الصناعة شهد لها بالوضع. وقال أبو حاتم: متروك الحديث، ضعيف الحديث، تركت حديثه.
انظر: لسان الميزان (3/ 230).
وفيه الكلبي متهم بالكذب، كما في التقريب (2/ 173)، وقد روى ابن عدي، في كتابه الكامل في ضعفاء الرجال (6/ 115) بسنده عن سفيان الثوري قال: «قال الكلبي: كل شيء أحدث عن أبي صالح فهو كذب».
الطريق الرابع: رواية سليمان التيمي، عمن حدثه، عن ابن عباس:
ذكرها السيوطي في الدر (4/ 661) وعزاها لابن مردويه في تفسيره، وذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 293)، من طريق عباد بن صهيب، المتقدم، ولفظها لفظ رواية الكلبي نفسه، عن أبي صالح.
وهذه الرواية كسابقتها فيها عباد بن صهيب، وفيها راوٍ لم يُسمَّ.
الطريق الخامس: رواية أبي بكر الهذلي، وأيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس:
أخرجها ابن مردويه [كما في فتح الباري، لابن حجر (8/ 293)]، من طريق عباد بن صهيب، عن يحيى بن كثير، حدثنا أبو بكر الهذلي، وأيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. ولفظها لفظ رواية الكلبي نفسه، عن أبي صالح.
وهذه الرواية ضعيفة؛ فيها عباد بن صهيب، متروك كما تقدم.
ثانياً: رواية سعيد بن جبير، مرسلة:
وقد روُيت عنه من طريقين:
الأول: طريق شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، به.
وله عن شعبة ثلاثة طرق:
1 - طريق محمد بن جعفر:
أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (9/ 176)، قال: حدثنا ابن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: «لما نزلت هذه الآية: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19)) [النجم: 19] قرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)، فسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير. فسجد المشركون معه فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
2 - طريق عبد الصمد:
أخرجه ابن جرير في الموضع السابق قال: حدثنا ابن المثنى قال: ثني عبد الصمد قال: ثنا شعبة قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19)) .... ». قال ابن جرير: «ثم ذكر نحوه». يريد نحو رواية محمد بن جعفر السابقة.
3 - طريق أبي داود:
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره [كما في تفسير ابن كثير (3/ 239)] قال: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، =
(1/672)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= عن سعيد بن جبير قال: «قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) [النجم: 19 - 20] قال: فألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى) قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم. فسجد وسجدوا؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
وقد صحح إسناد هذه الرواية المرسلة عن سعيد بن جبير: الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 293)، والسيوطي في الدر (4/ 661)، وفي لباب النقول، ص (201)، والألباني في نصب المجانيق، ص (10) و (45).
قلت: وهو كما قالوا؛ إلا أن صحة إسنادها لا يعني قبولها؛ فهي ضعيفة لإرسالها.
الثاني: طريق عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، به.
أخرجه الواحدي في أسباب النزول، ص (310) قال: أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن حيان قال: أخبرنا أبو يحيى الرازي قال: أخبرنا سهل العسكري قال: أخبرنا يحيى، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير قال: «قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) [النجم: 19 - 20] فألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى)؛ ففرح بذلك المشركون وقالوا: قد ذكر آلهتنا؛ فجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: اعرض عليَّ كلام الله، فلما عرض عليه قال: أما هذا فلم آتك به، هذا من الشيطان، فأنزل الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
وإسناد هذه الرواية أصح من رواية ابن مردويه الموصولة.
قال الألباني في نصب المجانيق، ص (16) - بعد أن ساق رواية الواحدي هذه -: «فرجع الحديث إلى أنه عن عثمان بن الأسود، عن سعيد، مرسل، وهو الصحيح، لموافقة روايةِ عثمان هذه روايةَ أبي بشر، عن سعيد». اهـ
ثالثاً: رواية أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، مرسلة:
أخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (9/ 177) قال: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب: أنه سُئِل عن قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)) قال ابن شهاب: ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة قرأ عليهم والنجم إذا هوى فلما بلغ: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) قال: (إن شفاعتهن ترتجى) وسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا بذلك فقال لهم: إنما ذلك من =
(1/673)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الشيطان؛ فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 293) عن هذه الرواية: مرسل رجاله على شرط الصحيحين. وقال السيوطي في الدر (4/ 662): مرسل صحيح الإسناد. ووافقهما الألباني في نصب المجانيق، ص (18) و (45).
رابعاً: رواية ابن شهاب الزهري، مرسلة:
أخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره [كما في تفسير الحافظ ابن كثير (3/ 240)] قال: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: «لما أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكن لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنته ضلالتهم، فكان يتمنى كف أذاهم؛ فلما أنزل الله سورة النجم قال: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الطواغيت فقال: (وإنهن لهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى) فكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وذلقت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر النجم سجد، وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة، فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)) فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم للمسلمين، واشتدوا عليه».
وإسناده صحيح؛ إلا أن محمد بن فليح لم يُتابع في روايته عن موسى بن عقبة؛ فقد رواه البيهقي في دلائل النبوة (2/ 285)، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبه .... ، فذكره بمثله سواء، ولم يذكر ابن شهاب؛ فيكون معضلاً.
خامساً: رواية عروة بن الزبير، مرسلة:
أخرجها الطبراني في المعجم الكبير (9/ 34)، قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني، ثنا أبي، ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: «حين أنزل الله عز وجل السورة التي يذكر فيها (والنجم إذا هوى) قال المشركون من قريش: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، فإنه لا يذكر أحداً ممن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر به آلهتنا من الشتم والشر؛ فلما أنزل الله عز وجل السورة التي يذكر فيها والنجم وقرأ: =
(1/674)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) ألقى الشيطان فيها عند ذلك ذكر الطواغيت فقال: (وإنهن لمن الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى) وذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك وذلقت بها ألسنتهم، واستبشروا بها وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر السورة التي فيها النجم سجد وسجد معه كل من حضر من مسلم ومشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاً كبيراً فرفع على كفه تراباً فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين على غير إيمان ولا يقين ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين، وأما المشركون فاطمأنت أنفسهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لما سمعوا الذي ألقى الشيطان في أمنية النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحدثهم الشيطان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قرأها في السجدة؛ فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت الحبشة ... ، وكَبُرَ ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فشكا إليه، فأمره فقرأ عليه، فلما بلغها تبرأ منها جبريل عليه السلام وقال: معاذ الله من هاتين، ما أنزلهما ربي ولا أمرني بهما ربك، فلما رأى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شق عليه وقال: أطعت الشيطان وتكلمت بكلامه، وشركني في أمر الله. فنسخ الله عز وجل ما ألقى الشيطان وأنزل عليه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
إسناده ضعيف، لضعف ابن لهيعة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 72): «رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة».
سادساً: رواية محمد بن كعب القرضي، ومحمد بن قيس:
أخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (9/ 174)، قال: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس قالا: «جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه؛ فأنزل الله عليه: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)) [النجم: 1 - 2] فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا بلغ: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) [النجم: 19 - 20] ألقى عليه الشيطان كلمتين: (تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترجى) فتكلم بها ثم مضى فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعاً معه، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود، فرضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده إذ جعلت لها نصيباً، فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل عليه السلام فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين =
(1/675)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل؛ فأوحى الله إليه: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)) [الإسراء: 73 - 75] فما زال مغموماً مهموماً حتى نزلت عليه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
إسناده ضعيف، فيه أبو معشر، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو ضعيف، كما في التقريب (2/ 303).
وأخرجه الطبري (9/ 175) من طريق آخر عن محمد بن كعب القرضي فقال: حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي قال: «لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تولي قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه، وكان يسره مع حبه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم حين حدث بذلك نفسه، وتمنى وأحبه؛ فأنزل الله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1)) [النجم: 1] فلما انتهى إلى قول الله: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتضى)، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل، فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقاً لما جاء به، واتباعاً لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم؛ لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخاً كبيراً فلم يستطع؛ فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها .... ، وأتى جبرائيل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يقل لك .... ».
وهو ضعيف أيضاً، فيه ابن حميد، واسمه محمد بن حميد بن حيان الرازي، ضعيف، كما في التقريب (2/ 165).
سابعاً: رواية الضحاك بن مزاحم:
أخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (9/ 177)، قال: حُدِّثتُ عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ): «أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزى ويكثر ترديدها، فسمع أهل مكة نبي الله يذكر آلهتهم ففرحوا بذلك ودنوا يستمعون؛ =
(1/676)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فألقى الشيطان في تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى) فقرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك فأنزل الله عليه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
وهذه الرواية ضعيفة؛ لانقطاعها؛ حيث لم يصرح الطبري بمن حدثه.
ثامناً: رواية أبي العالية الرياحي:
أخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (9/ 176) قال: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا المعتمر قال: سمعت داود، عن أبي العالية قال: «قالت قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما جلساؤك عبد بني فلان، ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك؛ فإنه يأتيك أشراف العرب، فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك. قال: فألقى الشيطان في أمنيته؛ فنزلت هذه الآية: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) قال: فأجرى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا ينسى) قال فسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون، فلما علم الذي أجري على لسانه كبر ذلك عليه؛ فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
وأخرجه من وجه آخر عن أبي العالية فقال: حدثنا ابن المثنى قال: ثنا أبو الوليد قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: .... ، فذكره بنحوه.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 293): «مرسل رجاله على شرط الصحيحين». وصحح إسناده السيوطي في الدر (4/ 663)، ووافقهما الألباني، في نصب المجانيق، ص (21) و (45).
تاسعاً: رواية قتادة بن دعامة السدوسي:
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (3/ 40) قال: أنا معمر، عن قتادة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين؛ فألقى الشيطان في أمنيته فقال: (إن الآلهة التي تدعى، إن شفاعتها لترتجى، وإنها للغرانيق العلى) فنسخ الله ذلك وأحكم الله آياته: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19))، حتى بلغ: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23)) قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى قال المشركون: قد ذكر الله آلهتهم بخير، ففرحوا بذلك، فذكر قوله تعالى: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)) [الحج: 53]».
وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (9/ 178)، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، به.
وأخرجه أيضاً عن ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، به.
وإسناده صحيح، صححه الألباني في نصب المجانيق، ص (23) و (45). لكنه مرسل.
عاشراً: رواية مجاهد بن جبر:
ذكرها السيوطي في الدر (4/ 663)، وعزاها لعبد بن =
(1/677)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= حميد، عن مجاهد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ النجم؛ فألقى الشيطان على فيه، ثم أحكم الله آياته.
ولم أقف على إسناد هذه الرواية.
حادي عشر: رواية عكرمة مولى ابن عباس:
ذكرها السيوطي في الدر (4/ 663)، وعزاها لعبد بن حميد، عن عكرمة قال: «قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)) [النجم: 19 - 22] فألقى الشيطان على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (تلك إذن في الغرانيق العلى، تلك إذن شفاعة ترتجى) ففزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجزع؛ فأوحى الله إليه: (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى) [النجم: 26] ثم أوحى إليه، ففرج عنه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
ولم أقف على إسناد هذه الرواية.
ثاني عشر: رواية السدي:
ذكرها السيوطي في الدر (4/ 663)، وعزاها لابن أبي حاتم في تفسيره، عن السدي قال: «خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد ليصلي، فبينما هو يقرأ إذ قال: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) فألقى الشيطان على لسانه فقال: (تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن ترتجى) حتى إذا بلغ آخر السورة سجد، وسجد أصحابه، وسجد المشركون لذكره آلهتهم، فلما رفع رأسه حملوه فاشتدوا به بين قطري مكة يقولون: نبي بني عبد مناف، حتى إذا جاءه جبريل عرض عليه فقرأ ذينك الحرفين فقال جبريل: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا، فاشتد عليه؛ فأنزل الله يطيب نفسه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))».
ولم أقف على إسناد هذه الرواية.
ثالث عشر: رواية محمد بن فضالة الظفري، والمطلب بن عبد الله بن حنطب:
أخرجها ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/ 205) قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يونس بن محمد بن فضالة الظفري، عن أبيه قال: .... ، وحدثني كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قالا: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قومه كفاً عنه، فجلس خالياً فتمنى فقال: ليته لا ينزل علي شيء ينفرهم عني، وقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومه، ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوماً مجلساً في نادٍ من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1))، (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها، وسجد وسجد القوم جميعاً، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود .... ، فرضوا بما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي =
(1/678)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأما إذ جعلت لها نصيباً فنحن معك، فَكَبُرَ ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قولهم حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة فقال جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قلت على الله ما لم يقل؛ فأوحى الله إليه: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)) [الإسراء: 73]».
إسناده ضعيف: فيه محمد بن عمر الواقدي، متروك، كما في التقريب (2/ 203).
قال النحاس، في الناسخ والمنسوخ (2/ 529): «هذا حديث منكر منقطع، ولا سيما من حديث الواقدي».
أقوال العلماء في نقد أسانيد هذه القصة:
وبعد أن خلصنا من تخريج القصة، وبيان طرقها وعللها، نذكر الآن ما قاله النقاد من أهل الحديث في الحكم عليها:
قال ابن خزيمة: «هذه القصة من وضع الزنادقة». نقله عنه الفخر الرازي في تفسيره (23/ 44).
وقال البيهقي: «هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل». نقله عنه الفخر الرازي في تفسيره (23/ 44).
وقال القاضي عياض، في الشفا (2/ 79): «هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل .... ، ومن حُكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث شعبة: عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: فيما أحسب ـ الشك في الحديث ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة .... ، وذكر القصة». اهـ
ثم نقل كلام البزار، وقال: «فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يُعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه، كما ذكرناه، الذي لا يوثق به، ولا حقيقة معه.
قال: وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الراوية عنه، ولا ذكره؛ لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار رحمه الله.
والذي منه في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ: والنجم - وهو بمكة - فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس». اهـ
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/ 239): «قد ذكر كثير من المفسرين قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم». اهـ
وأما الحافظ ابن حجر فيرى ثبوت القصة لكثرة طرقها، لكنه مع ذلك يوجب تأويلها، وعدم حملها على ظاهرها؛ لما فيها من القدح بعصمة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 293) - بعد أن ساق بعضاً من روايات القصة وطرقها -: «وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإلا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين، رجالهما على شرط الصحيحين، أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر بن =
(1/679)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .... ، فذكره. والثاني: ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة، فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.
قال: وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: .... ، ثم ساق كلامه وقال: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً، وقد ذكرتُ أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به؛ لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: «ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)» فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يزيد في القرآن عمداً ما ليس منه، وكذا سهواً إذا كان مغايراً لما جاء به من التوحيد؛ لمكان عصمته، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك .... ». اهـ. ثم ذكر هذه المسالك، وسيأتي ذكرها في أصل المسألة عند ذكر مذاهب العلماء تجاه الإشكال الوارد في الحديث.
الخلاصة:
وبعد هذا الاستطراد في تخريج الحديث يحسن بنا تلخيصه في النقاط الآتية:
أولاً: طُرق الحديث:
1 - رُوي مسنداً عن ابن عباس رضي الله عنهما، من عدة طرق، ولا يصح منها شيء.
2 - رُوي عن سعيد بن جبير، مرسلاً، وموصولاً إلى ابن عباس، ولا يصح إلا المرسل فقط.
3 - رُوي مرسلاً عن أربعة عشر تابعياً، ولا يصح إلا رواية سعيد بن جبير، وأبي العالية، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وقتادة؛ وهي وإن صحت إليهم فإن ذلك لا يعني قبولها؛ لأنها مراسيل، والمُرسَل في عداد الحديث الضعيف.
ثانياً: ألفاظ الحديث:
رُوي بثلاثة ألفاظ:
الأول: أن الشيطان ألقى على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «تلك الغرانيق العلى ... ».
جاء ذلك في رواية ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير، عنه.
ومن طريق الكلبي، وسليمان التيمي، وأبي بكر الهذلي، وأيوب، عنه.
ورُوي هذا اللفظ عن: سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومحمد بن كعب القرضي، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، ومحمد بن فضالة الظفري، والمطلب بن عبد الله بن حنطب.
اللفظ الثاني: أن الشيطان هو الذي تكلم بتلك الكلمات.
جاء ذلك في رواية ابن عباس، من طريق العوفي، عنه.
ورُوي هذا اللفظ عن: ابن شهاب الزهري، وعروة بن الزبير، ومحمد بن كعب القرضي ـ في رواية أخرى عنه ـ ومحمد بن قيس، والضحاك، وقتادة.
اللفظ الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سها فقال تلك الكلمات.
جاء ذلك في رواية أبي بكر بن عبد الرحمن.
(1/680)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
ظاهر الحديث الوارد في سبب نزول الآية أنَّ الشيطان ألقى على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الجملة الباطلة التي تمدح أصنام المشركين، وهي قوله: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)، وهذا مشكل؛ لما فيه من القدح بعصمة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ قد أجمعت الأمة (1) على عصمته - صلى الله عليه وسلم - من جريان الكفر على قلبه أو لسانه، لا عمداً ولا سهواً، أو أن يَشْتَبِهَ عليه ما يُلقِيهِ الملَكُ بما يلقي الشيطان، أو أن يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يَتَقَوَّلَ على الله ما لم يَقُلْ، لا عمداً ولا سهواً. (2)
قال الآلوسي: «يلزم على القول بأنَّ الناطق بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبب إلقاء الشيطان المُلَبّسِ بالملك - أمور منها: تسلط الشيطان عليه - صلى الله عليه وسلم -، وهو - صلى الله عليه وسلم - بالإجماع معصوم من الشيطان، لا سيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر: 42]، وقال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99)) [النحل: 99]، إلى غير ذلك. ومنها: زيادته - صلى الله عليه وسلم - في القرآن ما ليس منه، وذلك مما يستحيل عليه - صلى الله عليه وسلم -؛ لمكان العصمة. ومنها: اعتقاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ليس بقرآن أنه قرآن، مع كونه بعيد الالتئام، متناقضاً، ممتزج المدح بالذم، وهو خطأ شنيع لا ينبغي أن يُتساهل في نسبته إليه - صلى الله عليه وسلم -. ومنها: أنه إما أن يكون عليه الصلاة والسلام عند نطقه بذلك معتقداً ما اعتقده المشركون، من مدح آلهتهم بتلك الكلمات؛ وهو كفر محال في حقه - صلى الله عليه وسلم -، وإما أن يكون معتقداً معنى آخر، مخالفاً لما اعتقدوه، ومبايناً لظاهر العبارة، ولم يبينه لهم مع فرحهم
_________
(1) حكى الإجماع القاضي عياض في الشفا (2/ 80).
(2) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: الشفا بتعريف حقوق المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، للقاضي عياض (2/ 80)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (3/ 261)، وعصمة الأنبياء، للرازي، ص (83)، ونصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، للألباني، ص (35 - 36).
(1/681)
________________________________________
وادعائهم أنه مدح آلهتهم؛ فيكون مقراً لهم على الباطل، وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - أن يُقرَّ على ذلك. ومنها: كونه - صلى الله عليه وسلم - اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما يلقيه عليه الملك، وهو يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام على غير بصيرة فيما يوحى إليه، ويقتضي أيضاً جواز تَصَوّر الشيطان بصورة الملك، ملبساً على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يصح ذلك.
ومنها: التقوّل على الله تعالى إما عمداً أو خطأ أو سهواً، وكل ذلك محال في حقه عليه الصلاة والسلام، وقد أجمعت الأمة على ما قال القاضي عياض على عصمته - صلى الله عليه وسلم - فيما كان طريقه البلاغ من الأقوال، عن الإخبار بخلاف الواقع، لا قصداً ولا سهواً. ومنها: الإخلال بالوثوق بالقرآن فلا يُؤمن فيه التبديل والتغيير ولا يندفع». اهـ (1)

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث أربعة مسالك، نجملها أولاً ثم نتكلم عنها بالتفصيل:
الأول: مسلك رد الحديث وإنكاره، مع توجيهه على التسليم بثبوته.
الثاني: مسلك رد الحديث وإنكاره مطلقاً.
الثالث: مسلك قبول الحديث، مع تأويله وصرفه عن ظاهره.
الرابع: مسلك قبول الحديث مطلقاً، وإعماله على ظاهره من دون تأويل.
وفيما يلي تفصيل هذه المسالك:
الأول: مسلك رد الحديث وإنكاره، مع توجيهه على التسليم بثبوته.
وهذا مسلك جمع من المفسرين والمحدثين، وممن ذهب إليه: النحاس، وأبو بكر الباقلاني، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو عبد الله القرطبي، وابن كثير، والتفتازاني، والشوكاني، والطاهر ابن عاشور، والشنقيطي، والألباني.
_________
(1) روح المعاني (17/ 230 - 231).
(1/682)
________________________________________
حيث ذهب هؤلاء إلى تضعيف الحديث الوارد في سبب نزول الآية، والإجابة عنه على التسليم بثبوته.
قال القاضي عياض: «اعلم ـ أكرمك الله ـ أنَّ لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله، والثاني: على تسليمه؛ أما المأخذ الأول .... »، ثم ذكر هذا المأخذ مبيناً فيه علل الحديث، وقد نقلتُ لك كلامه عند تخريجي للحديث.
ثم قال: «فأما من جهة المعنى؛ فقد قامت الحجة، وأجمعت الأمة على عصمته - صلى الله عليه وسلم - ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا، من مدح آلهةٍ غير الله، وهو كفر، أو أن يَتَسَوَّرَ عليه الشيطان، ويشبِّهَ عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ من القرآن ما ليس منه، حتى ينبهه جبريل عليه السلام، وذلك كله ممتنع في حقه - صلى الله عليه وسلم -، أو يقول ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - من قِبَلِ نفسه عمداً؛ وذلك كفر، أو سهواً؛ وهو معصوم من هذا كله. وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته - صلى الله عليه وسلم - من جريان الكفر على قلبه أو لسانه، لا عمداً ولا سهواً، أو أن يشتبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقوَّلَ على الله، لا عمداً ولا سهواً، ما لم يُنْزلْ عليه، وقد قال الله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)) [الحاقة: 44 - 46]، وقال تعالى: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)) [الإسراء: 73ـ75] .... ».
ثم قال: «فلم يبق في الآية إلا أنَّ الله تعالى امتنَّ على رسوله بعصمته وتثبيته مما كاده به الكفار، وراموا من فتنته، ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته - صلى الله عليه وسلم -، وهو مفهوم الآية». اهـ (1)
أجوبة أصحاب هذا المسلك عن الحديث على التسليم بثبوته:
أصحاب هذا المسلك ينكرون ثبوت القصة مطلقاً؛ إلا أنهم أجابوا
_________
(1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 79 - 81)، باختصار.
(1/683)
________________________________________
عنها بأجوبة، وذلك على التسليم بصحتها، ومن أجوبتهم:
الجواب الأول: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرتل القرآن بمحضر من مشركي قريش، فارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته، فنطق بتلك الكلمات محاكياً نغمة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فسمعها من دنا إليه من المشركين، وظنها من قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فأشاعوها وتناقلوها على أنها من قوله - صلى الله عليه وسلم -.
وممن قال بهذا الجواب:
ابن العربي، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو عبد الله القرطبي، وابن كثير، والتفتازاني، والشوكاني، والشنقيطي، والألباني. (1)
قال ابن العربي: «أخبر الله تعالى أنَّ من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه أنهم إذا قالوا عن الله قولاً زاد الشيطان فيه من قِبَلِ نفسه؛ كما يفعل سائر المعاصي .... ، فهذا نص في أنَّ الشيطان زاد في الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله. وذلك أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ تلا قرآناً مقطعاً، وسكت في مقاطع الآي سكوتاً محصلاً، وكذلك كان حديثه مترسلاً متأنياً، فيتبع الشيطان تلك السكتات التي بين قوله: (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) [النجم: 20]، وبين قوله تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (21)) [النجم: 21] فقال يحاكي صوت النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وإنهن الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)». اهـ (2)
وقال القاضي عياض: «والذي يظهر ويترجح في تأويله ـ على تسليمه ـ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ـ كما أمره ربه ـ يرتل القرآن ترتيلاً، ويفصِّلُ الآي تفصيلاً في قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصُد الشيطان لتلك السكتات، ودسِّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكياً نغمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، بحيث يسمعه
_________
(1) انظر على الترتيب: أحكام القرآن، لابن العربي (3/ 306 - 307)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 79 - 83)، وزاد المسير (322)، وكشف المشكل (1/ 274)، كلاهما لابن الجوزي، وتفسير القرطبي (12/ 56)، وتفسير ابن كثير (3/ 240)، وشرح المقاصد في علم الكلام، للتفتازاني (2/ 197)، وفتح القدير، للشوكاني (3/ 662)، وأضواء البيان، للشنقيطي (5/ 731) و (10/ 209)، ونصب المجانيق، للألباني، ص (63).
(2) أحكام القرآن، لابن العربي (3/ 306).
(1/684)
________________________________________
من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأشاعوها، ولم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذم الأوثان وعيبها على ما عُرِفَ منه». اهـ (1)
وتعقب هذا الجواب الفخر الرازي فقال: «وهذا ضعيف؛ فإنك إذا جوزت أن يتكلم الشيطان في أثناء كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما يشتبه على كل السامعين كونه كلاماً للرسول - صلى الله عليه وسلم -، بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع». اهـ (2)
الجواب الثاني: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك ـ في أثناء تلاوته ـ على جهة التقريع والتوبيخ للكفار. وهذا جواب أبي بكر الباقلاني. (3)
قال القاضي عياض: «وهذا ممكن، مع بيان الفصلِ، وقرينةٍ تدل على المراد، وأنه ليس من المتلوِ، ولا يُعترضُ على هذا بما رُوي أنه كان في الصلاة؛ فقد كان الكلام قبلُ فيها غير ممنوع». اهـ (4)
الجواب الثالث: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ هذه السورة، وبلغ ذكر اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، خاف الكفارُ أن يأتي بشيء من ذمِّها؛ فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين؛ ليُخَلِّطوا في تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويشنِّعوا عليه على عادتهم وقولهم: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [فصلت: 26]، ونُسِبَ هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه.
وهذا جواب الطاهر ابن عاشور. (5)
وذكره القاضي عياض، والفخر الرازي، ولم ينسباه لأحد. (6)
إلا أنَّ الفخر الرازي تعقبه فقال: «هذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أنه
_________
(1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 82).
(2) مفاتيح الغيب (23/ 46).
(3) الانتصار للقرآن (1/ 63).
(4) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 82).
(5) التحرير والتنوير، لابن عاشور (17/ 305).
(6) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 83)، ومفاتيح الغيب، للرازي (23/ 46).
(1/685)
________________________________________
لو كان كذلك لكان يجب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - إزالة الشبهة، وتصريح الحق، وتبكيت ذلك القائل، وإظهار أنَّ هذه الكلمة منه صدرت. وثانيهما: لو فعل ذلك لكان ذلك أولى بالنقل». اهـ (1)
الجواب الرابع: أنَّ المراد بالغرانيق العلى: الملائكة (2)، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله، ويعبدونها، فَسِيقَ ذِكْرُ الكلِّ لِيَرُدَّ عليهم بقوله: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (21))؛ فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: قد عظَّم آلهتنا، ورضوا بذلك، فنسخ الله تلك الكلمتين وأحكم آياته.
وهذا جواب أبي جعفر النحاس. (3)
وذكره القاضي عياض جواباً آخر، على تسليم القصة. (4)
وتعقبه القشيري (5) فقال: «وهذا غير سديد؛ لقوله: (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة». اهـ (6)
الجواب الخامس: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلم بقوله: (تلك الغرانيق العلى)، ولا الشيطان تكلم به، ولا أحد تكلم به، لكنه عليه السلام لما قرأ سورة النجم اشتبه الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه مما رووه من قولهم: (تلك الغرانيق العلى) وذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال.
ذكر هذا الجواب الفخر الرازي وتعقبه فقال: «وهو ضعيف لوجوه: أحدها: أنَّ التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما قد جرت العادة بسماعه، فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه. وثانيها: أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض؛ فإن العادة مانعة من اتفاق الجم العظيم في
_________
(1) مفاتيح الغيب، للرازي (23/ 46).
(2) روي عن مجاهد والكلبي تفسير الغرانيق بالملائكة. انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 82).
(3) إعراب القرآن، للنحاس (3/ 103).
(4) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 82).
(5) هو: بكر بن محمد بن العلاء بن محمد بن زياد، أبو الفضل، القشيري، ويقال له: بكر بن العلاء: قاضٍ من علماء المالكية من أهل البصرة. انتقل إلى مصر قبل سنة 330 هـ وتوفي بها عن نيف وثمانين سنة. له كتب، منها (أحكام القرآن) و (الرد على المزني) و (الأشربة) و (أصول الفقه) ومسائل الخلاف) و (الرد على القدرية). قال القاضي عياض: ورأيت له كتاب (مآخذ الأصول) وكتاب (تنزيه الأنبياء عليهم السلام) وكتاب (ما في القرآن من دلائل النبوة). (ت: 344 هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (2/ 69).
(6) نقله عنه القرطبي في تفسيره (12/ 57).
(1/686)
________________________________________
الساعة الواحدة على خيال واحد فاسد في المحسوسات. وثالثها: لو كان كذلك لم يكن مضافاً إلى الشيطان». اهـ (1)
الثاني: مسلك رد الحديث وإنكاره مطلقاً.
وهذا مسلك الأكثر من المفسرين والمحدثين، وممن ذهب إليه: ابن خزيمة، والجصاص، وابن حزم، والبيهقي، والقاضي ابن عطية، والسهيلي، والفخر الرازي، وأبو العباس القرطبي، وعبد العظيم المنذري، والبيضاوي، والطيبي، وأبو حيان، والعيني، وأبو السعود، والآلوسي، والقاسمي، والمباركفوري، وسيد قطب، والأستاذ محمد عبده، وابن باز. (2)
قال ابن خزيمة: «هذه القصة من وضع الزنادقة». (3)
وقال ابن حزم: «وأما الحديث الذي فيه: (وأنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى) فكذب بحت موضوع؛ لأنه لم يصح قط من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد». اهـ (4)
_________
(1) مفاتيح الغيب (23/ 45).
(2) انظر على الترتيب: مفاتيح الغيب، للرازي (23/ 44)، وفيه النقل عن ابن خزيمة، وأحكام القرآن، للجصاص (3/ 322)، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (2/ 311)، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح (3/ 4)، وفيه النقل عن البيهقي، والمحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 129)، والروض الأنف، للسهيلي (2/ 154)، ومفاتيح الغيب، للرازي (23/ 44)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (2/ 198)، وعيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، لابن سيد الناس (1/ 141)، وفيه النقل عن المنذري، وتفسير البيضاوي (4/ 134)، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح (3/ 4)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (6/ 352)، وعمدة القاري، للعيني (7/ 100)، وتفسير أبي السعود (6/ 113)، وروح المعاني، للآلوسي (17/ 240)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (7/ 255)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (3/ 137)، وفي ظلال القرآن، لسيد قطب (4/ 2433)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (7/ 261 - 269)، وفيه النقل عن محمد عبده، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (8/ 301 - 302) و (24/ 282).
(3) نقله عنه الفخر الرازي في «مفاتيح الغيب» (23/ 44).
(4) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/ 311).
(1/687)
________________________________________
وقال البيهقي: «هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل». (1)
وقال ابن عطية: «وهذا الحديث الذي فيه (هن الغرانقة) وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره في علمي مصنف مشهور، بل يقتضي مذهب أهل الحديث أنَّ الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره، ولا خلاف أنَّ إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة بها وقعت الفتنة». اهـ (2)
أدلة القائلين بضعف الحديث وبطلانه، وهم أصحاب المسلك الأول والثاني:
استدل هؤلاء على بطلان القصة بأدلة منها:
الأول: أنَّ في سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم قرينة قرآنية واضحة على بطلان هذا القول؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى - في اللات والعزى -: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) [النجم: 23] وليس من المعقول أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخراً عن ذكره لها بالخير المزعوم، إلا وغضبوا ولم يسجدوا؛ لأن العبرة بالكلام الأخير. (3)
الدليل الثاني: أنه قد دلت آيات قرآنية على بطلان هذا القول وهي الآيات الدالة على أنَّ الله لم يجعل للشيطان سلطاناً على النبي - صلى الله عليه وسلم - وإخوانه من الرسل وأتباعهم المخلصين؛ كقوله تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (100)) [النحل: 99 - 100]، وقوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)) [الحجر: 42]، وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ) [سبأ: 21]، وقوله: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) [إبراهيم: 22]، وعلى القول المزعوم أنَّ الشيطان ألقى على
_________
(1) نقله عنه الطيبي في شرح مشكاة المصابيح (3/ 4).
(2) المحرر الوجيز (4/ 129).
(3) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (5/ 729)، وروح المعاني، للآلوسي (17/ 236)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (17/ 304 - 305).
(1/688)
________________________________________
لسانه - صلى الله عليه وسلم - ذلك الكفر البواح، فأي سلطان له أكبر من ذلك. (1)
الدليل الثالث: قوله تعالى في النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)) [النجم: 3 - 4]، وقوله: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)) [الشعراء: 221 - 222]، وقوله: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)) [الحاقة: 44 - 46]، وقوله - في القرآن العظيم -: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)) [الحجر: 9]، وقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)) [فصلت: 41 - 42]، فقوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ) فعلٌ في سياق النفي، والفعل في ساق النفي من صيغ العموم، وهو في الآية يعم نفي كل باطل يأتي القرآن، وقد أكد هذا العموم بقوله: (مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)، فلو قدَّرْنا أنَّ الشيطان أدخل في القرآن على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: (تلك الغرانيق العلى) لكان قد أتى القرآنَ أعظمُ باطلٍ بين يديه ومن خلفه؛ فيكون تصريحاً بتكذيب الله جل وعلا في قوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ)، وكلُّ خبرٍ ناقضَ القرآنَ العظيم فهو كاذب؛ للقطع بصدق القرآن العظيم، ونقيضُ الصادقِ كاذبٌ ضرورة. (2)
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74)) [الإسراء: 73 - 74]، وهاتان الآيتان تردان الخبر المروي في سبب نزول الآية؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم؛ فمضمون هذا ومفهومه أنَّ الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلاً، فكيف كثيراً! وفي هذا الخبر الواهي أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: افتريت على الله، وقلت ما لم يقل، وهذا ضد مفهوم الآية، وهو يدل على ضعف
_________
(1) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (5/ 729)، وروح المعاني، للآلوسي (17/ 230).
(2) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (23/ 44)، وفتح القدير، للشوكاني (3/ 661)، وأضواء البيان (5/ 729)، ورحلة الحج إلى بيت الله الحرام، ص (112 - 113)، كلاهما للشنقيطي.
(1/689)
________________________________________
الحديث وبطلانه. (1)
الدليل الخامس: الإجماع على عصمته - صلى الله عليه وسلم - ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله، وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان، ويشبه عليه القرآن، حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام، وذلك كله ممتنع في حقه - صلى الله عليه وسلم -، أو يقول ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل نفسه عمداً، وذلك كفر، أو سهواً، وهو معصوم من هذا كله. (2)
الدليل السادس: أنَّ الحديث قد رُوي من طرق صحيحة متعددة: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ». (3)
وليس في هذه الطرق ذكر لقصة الغرانيق، ولو كانت
_________
(1) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 81)، ومفاتيح الغيب، للرازي (23/ 44)، وتفسير القرطبي (12/ 56)، وفتح القدير، للشوكاني (3/ 661).
(2) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 80)، وأحكام القرآن، لابن العربي (3/ 304).
(3) رُويت عدة أحاديث عن عدد من الصحابة - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة النجم، وسجد بها، وليس في هذه الأحاديث ذكرٌ لقصة الغرانيق، ومن هذه الأحاديث:
1 - حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْم؛ ِ فَسَجَدَ بِهَا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث
(1070).
2 - حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث (1071).
3 - حديث جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَال: َ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ سُورَةَ النَّجْم؛ ِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَنْ عِنْدَهُ؛ فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَأَبَيْتُ أَنْ أَسْجُدَ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ الْمُطَّلِبُ، وَكَانَ بَعْدُ لَا يَسْمَعُ أَحَدًا قَرَأَهَا إِلَّا سَجَدَ». أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 420)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 481).
4 - حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ بِالنَّجْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ حَتَّى سَجَدَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ، وَحَتَّى سَجَدَ الرَّجُلُ عَلَى شَيْءٍ رَفَعَهُ إلَى وَجْهِهِ بِكَفِّهِ». أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 353). =
(1/690)
________________________________________
صحيحة لنقلت عبر هذه الأسانيد، وهذا يدل على بطلانها ووضعها. (1)
الدليل السابع: أنَّ إثبات مثل هذه القصة يرفع الأمان والوثوق بالوحي، ويُجوِّزُ إدخال الشيطان فيه ما ليس منه، وهذا محال وباطل. (2)
الثالث: مسلك قبول الحديث، مع تأويله وصرفه عن ظاهره.
وهذا مذهب: الواحدي، وأبي المظفر السمعاني، والزمخشري، والنسفي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن جزي الكلبي، والحافظ ابن حجر، والملا علي القاري.
وممن ذهب إليه من المتأخرين: إبراهيم الكوراني (3)، وقد نقل كلامه الآلوسي في تفسيره، وذكر عنه أنه تحصل له بعد كلام طويل: «أنَّ الحديث أخرجه غير واحد من أهل الصحة، وأنه رواه ثقات بسند سليم متصل عن ابن عباس، وبثلاث أسانيد صحيحة عن ثلاث من التابعين من أئمة الآخذين عن الصحابة، وهم سعيد بن جبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو العالية، وقد قال السيوطي في (لباب النقول في أسباب النزول) (4): قال الحاكم (في علوم الحديث) (5): «إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا فإنه حديث مسند. ومشى عليه ابن الصلاح وغيره.
ثم قال: ما جعلناه من قبيل المسند من الصحابي إذا وقع من تابعي فهو مرفوع أيضاً لكنه مرسل، فقد يُقبل إذا صح السند إليه وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة؛ كمجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، أو اعتضد بمرسل ونحو ذلك، فعلى هذا يكون الخبر في القصة مسنداً من الطريق المتصلة بابن عباس، مرسلاً مرفوعاً من الطرق الثلاثة، والزيادة فيه -التي رواها الثقات عن ابن
_________
= 5 - حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالشَّجَرِ». أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 353).
(1) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (23/ 44)، وروح المعاني، للآلوسي (17/ 237).
(2) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (23/ 45)، وأحكام القرآن، لابن العربي (3/ 304).
(3) هو إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الشهراني الشهرزوري الكوراني، برهان الدين: مجتهد، من فقهاء الشافعية. عالم بالحديث. قيل: إن كتبه تنيف عن ثمانين، منها (إتحاف الخلف بتحقيق مذهب السلف) و (جلاء الأنظار بتحرير الجبر والاختيار) مخطوطتان. وغيرهما. ولد بشهران (من أعمال شهرزور) بجبال الكرد، وسمع الحديث بالشام ومصر والحجاز، وسكن المدينة، وتوفي بها ودفن بالبقيع سنة (1101 هـ)، وكان مع علمه بالعربية يجيد الفارسية والتركية. انظر: الأعلام، للزركلي (1/ 35).
(4) انظر: لباب النقول في أسباب النزول، للسيوطي (1/ 13). طبعة دار إحياء العلوم.
(5) انظر: معرفة علوم الحديث، للحاكم (1/ 20).
(1/691)
________________________________________
عباس في غير رواية البخاري (1) - ليست مخالفة لما في البخاري عنه؛ فلا تكون شاذة؛ فإطلاق الطعن فيه من حيث النقل ليس في محله». اهـ (2)
هذا وقد ذكر أصحاب هذا المسلك عدة تأويلات للحديث دفعوا بها ما فيه من إشكال:
الأول: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرتل القرآن بمحضر من مشركي قريش، فارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته، فنطق بتلك الكلمات محاكياً نغمة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فسمعها من دنا إليه من المشركين، وظنها من قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فأشاعوها وتناقلوها على أنها من قوله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا التأويل ذكره أصحاب المسلك الأول في أجوبتهم عن الحديث على التسليم بثبوته، وقد تقدم.
وذكره أيضاً بعض أصحاب هذا المسلك، وهم القائلون بثبوت الحديث، ومن القائلين بهذا التأويل:
أبو المظفر السمعاني، والنسفي، وشيخ الإسلام ابن تيمية (3)، وابن جزي، والحافظ ابن حجر، والملا علي القاري. (4)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «التَّمَنِّي فِي الْآيَةِ فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِلْقَاءَ هُوَ فِي سَمْعِ الْمُسْتَمِعِينَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّسُولُ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ تَأَوَّلَ الْآيَةَ بِمَنْعِ جَوَازِ الْإِلْقَاءِ فِي كَلَامِهِ. والثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ السَّلَفِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ -: أَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي نَفْسِ التِّلَاوَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَسِيَاقُهَا مِنْ غَيْرِ
_________
(1) أخرج البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث (1071)، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ».
(2) روح المعاني، للآلوسي (17/ 231).
(3) جزم بنسبته لابن تيمية الألباني في نصب المجانيق، ص (63).
(4) انظر على الترتيب: تفسير السمعاني (3/ 449) و (5/ 294)، وتفسير النسفي (3/ 161)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (10/ 289 - 292)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (2/ 43)، وفتح الباري، لابن حجر (8/ 294)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (3/ 97).
(1/692)
________________________________________
وَجْهٍ، وكَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْآثَارُ الْمُتَعَدِّدَةُ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، إلَّا إذَا أُقِرَّ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إذَا نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ خَطَأً وَغَلَطاً فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إلَّا إذَا أُقِرَّ عَلَيْهِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَنْ يُقَرَّ عَلَى خَطَأٍ، كَمَا قَالَ: «فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ بِشَيْءِ فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ» (1)، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا قَامَتْ الْحُجَّةُ بِهِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ رَسُولَ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ، وَالصِّدْقُ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْكَذِبِ وَنَفْيَ الْخَطَأِ فِيهِ. (فَلَوْ جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ وَأُقِرَّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ كُلمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ) (2).
وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا أَنْ يَقَعَ الْإِلْقَاءُ فِي تَبْلِيغِهِ فَرُّوا مِنْ هَذَا وَقَصَدُوا خَيْرًا وَأَحْسَنُوا فِي ذَلِكَ; لَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: أَلْقَى ثُمَّ أَحْكَمَ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّ هَذَا يُشْبِهُ النَّسْخَ لِمَنْ بَلَغَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَإِنَّهُ إذًا مُوقِنٌ مُصَدِّقٌ بِرَفْعِ قَوْلٍ سَبَقَ لِسَانُهُ بِهِ لَيْسَ أَعْظَمَ مِنْ إخْبَارِهِ بِرَفْعِهِ». اهـ (3)
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن قرر صحة الحديث: «وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: «ألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)»؛ فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يزيد في القرآن عمداً ما ليس منه، وكذا سهواً، إذا كان مغايراً لما جاء به من التوحيد، لمكان عصمته، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك .... ».
ثم ذكر هذه المسالك، وقد نقلها من كتاب الشفا، للقاضي عياض، ثم قال بعد أن أورد التوجيه المذكور: «قال: وهذا أحسن الوجوه، ويؤيده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس (4):
من تفسيره (تمنى)
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (4356).
(2) هذه الجملة التي بين القوسين يظهر أن في آخرها سقطاً، ولم أهتدِ لتصويبه.
(3) مجموع الفتاوى (15/ 191)، وانظر: (10/ 289 - 292)، ومنهاج السنة النبوية (1/ 471)
و (2/ 409 - 410)، والجواب الصحيح (2/ 35).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، معلقاً، في كتاب التفسير، سورة الحج. ووصله =
(1/693)
________________________________________
بـ: (تلا)». اهـ (1)
التأويل الثاني: أنَّ ذلك جرى على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أصابته سِنَةٌ وهو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم الله آياته.
ذكره القاضي عياض، ونسبه لقتادة، ومقاتل. (2)
وهو الظاهر من كلام الواحدي. (3)
وتعقب هذا التأويل القاضي عياض فقال: «وهذا لا يصح، إذ لا يجوز على النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله في حالة من أحواله، ولا يخلقه الله على لسانه، ولا يستولي الشيطان عليه في نوم ولا يقظة؛ لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو». اهـ (4)
_________
= الطبري في تفسيره (9/ 177)، ولفظه: «إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه».
قلت: هناك فرق في المعنى بين (تلا) و (حدّث)؛ فالتلاوة لا تكون إلا للقرآن وحده، بخلاف الحديث.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا مُحَدَّثٍ).
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7/ 63): «أخرجه سفيان بن عيينة في أواخر جامعه، وأخرجه عبد بن حميد من طريقه، وإسناده إلى ابن عباس صحيح». اهـ وانظر: تغليق التعليق (4/ 65).
والْمُحَدَّث - بِالْفَتْحِ -: هُوَ الرَّجُل الصَّادِق الظَّنّ، وَهُوَ مَنْ أُلْقِيَ فِي رُوعه شَيْء مِنْ قِبَل الْمَلَأ الْأَعْلَى، فَيَكُون كَالَّذِي حَدَّثَهُ غَيْره بِهِ. وَقِيلَ: مَنْ يَجْرِي الصَّوَاب عَلَى لِسَانه مِنْ غَيْر قَصْد. انظر: فتح الباري
(7/ 62).
(1) فتح الباري (8/ 294). قلت: وعبارة الحافظ هذه ليست صريحة في اعتماده لهذا التوجيه؛ لقوله: قال، وهذه توحي بأن القائل (وهذا من أحسن الوجوه) هو القاضي عياض؛ لأن الحافظ ابن حجر ينقل المسالك عنه، والقاضي عياض قد اعتمد فعلاً هذا المسلك، وقد رأيت بعض العلماء تتابعوا على نسبة هذا التوجيه للحافظ؛ كالمباركفوري والألباني وغيرهما، ولا أرى ذلك يصح؛ إلا أن يكون هناك نُسَخ أخرى لكتاب فتح الباري قد كُتبت فيها بلفظ (قلت)، ولا أظن ذلك يكون.
بقي أن الحافظ لا يرى أن قوله: (تلك الغرانيق .... ) قد جرى على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما هو صريح من عبارته، ولم يبين لنا رأيه في توجيه هذه الرواية، وهو يرى صحتها وثبوتها!!!
(2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 81).
(3) الوسيط في تفسير القرآن المجيد، للواحدي (3/ 277).
(4) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 81).
(1/694)
________________________________________
وتعقبه أيضاً الفخر الرازي فقال: «وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع، وحينئذ تزول الثقة عن الشرع. وثانيها: أنَّ الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها ومعناها، فإنا نعلم بالضرورة أنَّ واحداً لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها. وثالثها: هب أنه تكلم بذلك سهواً، فكيف لم ينتبه لذلك حين قرأها على جبريل عليه السلام، وذلك ظاهر». اهـ (1)
التأويل الثالث: أنَّ الشيطان ألجأ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن قال ذلك بغير اختيار منه - صلى الله عليه وسلم -.
ذكره الحافظ ابن حجر دون نسبة. (2)
وتعقبه الفخر الرازي فقال: «وهذا فاسد لوجوه: أحدها: أنَّ الشيطان لو قَدِرَ على ذلك في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - لكان اقتداره علينا أكثر، فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين، ولجاز في أكثر ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشياطين. وثانيها: أنَّ الشيطان لو قدر على هذا الإجبار لارتفع الأمان عن الوحي لقيام هذا الاحتمال. وثالثها: أنه باطل بدلالة قوله تعالى حاكياً عن الشيطان: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم) [إبراهيم: 22] وقال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (100)) [النحل: 99 - 100] وقال: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)) [الحجر: 40] ولا شك أنه عليه السلام كان سيد المخلصين». اهـ (3)
التأويل الرابع: أنَّ ذلك جرى على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل السهو والغلط.
جاء ذلك في رواية أبي بكر بن عبد الرحمن. (4)
_________
(1) مفاتيح الغيب، للرازي (23/ 46).
(2) فتح الباري، لابن حجر (8/ 294).
(3) مفاتيح الغيب، للرازي (23/ 47)، وانظر: تفسير القرطبي (12/ 56).
(4) تقدم تخريجها في أول المسألة.
(1/695)
________________________________________
وهو رأي الزمخشري، قال: «ولم يفطن له النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أدركته العصمة فتنبه عليه». اهـ (1)
وتعقبه القاضي عياض فقال: «وهذا السهو في القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغيير المعاني، وتبديل الألفاظ، وزيادة ما ليس من القرآن، بل السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة، ولكنه لا يُقرُّ على هذا السهو، بل يُنَبَّهُ عليه، ويُذَكَّرُ به للحين». اهـ (2)
التأويل الخامس: أنَّ ذلك جرى على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - حقيقة لكنه أراد بالغرانيق: الملائكة.
وهذا رأي عمر بن رسلان البلقيني (3)، حيث قال: «التحقيق أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم بهذا اللفظ - يعني: (تلك الغرانيق العلى) بطوعه، وأنه آية من القرآن نُسِخَ تلاوتُها، قال: والمشار إليه بتلك الغرانيق: الملائكة، قال: وأتى العيني والحافظ بروايتين صحيحتين مرفوعتين على هذا القول الصحيح». اهـ
نقله عنه المباركفوري، وتعقبه فقال: «وكلامه هذا مردود عليه؛ فإنه لم يثبت برواية مرفوعة صحيحة أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم بهذا اللفظ بطوعه، وأنه آية من القرآن نسخ تلاوتها، وأما قوله: وأتى العيني والحافظ بروايتين صحيحتين مرفوعتين على هذا القول الصحيح. فخطأ فاحش ووهم قبيح؛ فإنه لم يأت العيني ولا الحافظ برواية مرفوعة صحيحة على هذا القول، فضلاً عن روايتين مرفوعتين صحيحتين». اهـ (4)
التأويل السادس: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نطق بذلك على فهم أنه استفهام إنكاري حُذِفَ منه الهمزة، أو نطق به وقصده حكاية قولهم.
قاله إبراهيم الكوراني. (5)
الرابع: مسلك قبول الحديث مطلقاً، وإعماله على ظاهره من دون تأويل.
_________
(1) الكشاف، للزمخشري (3/ 161).
(2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 82).
(3) هو عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني، العسقلاني الأصل، ثم البلقيني، المصري الشافعي، أبو حفص، سراج الدين: مجتهد حافظ للحديث، ولد في بلقينة (من غربية مصر) وتعلم بالقاهرة. وولي قضاء الشام سنة 769 هـ، وتوفي بالقاهرة سنة (805هـ). من كتبه (العرف الشذي على جامع الترمذي)، لم يكمله. انظر: كشف الظنون، لحاجي خليفة (1/ 559)، والأعلام، للزركلي (5/ 46).
(4) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (3/ 138).
(5) نقله عنه الآلوسي في روح المعاني (17/ 232).
(1/696)
________________________________________
وهذا مذهب ابن قتيبة، وابن بطال، ومرعي بن يوسف الكرمي، وعبد الرحمن السعدي. (1)
قال السعدي: «وهذه الآيات فيها بيان أنَّ للرسول - صلى الله عليه وسلم - أسوةً بإخوانه المرسلين، لما وقع منه عند قراءته - صلى الله عليه وسلم - (وَالنَّجْمِ) فلما بلغ: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)) [النجم: 19 - 20] ألقى الشيطان في قراءته: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى)، فحصل بذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم - حزن، وللناس فتنة، كما ذكر الله؛ فأنزل الله هذه الآيات».
قال: «وقد عصم الله الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه أن يشتبه أو يختلط بغيره، ولكن هذا إلقاء من الشيطان غير مستقر ولا مستمر، وإنما هو عارض يعرض ثم يزول، وللعوارض أحكام». اهـ (2)

المبحث الخامس: الترجيح:
الحق أنَّ هذه القصة ضعيفة بل باطلة، لأنَّ كل الروايات الواردة فيها مُعَلَّةٌ؛ إما بالإرسال، أو الضعف، أو الجهالة، وليس فيها ما يصلح للاحتجاج به، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير، الذي يمس مقام نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم -. (3)
والحق أنَّ الآية لا يصح في سبب نزولها شيء، وغاية ما في الآية الإخبار من الله تعالى أنَّ الشيطان يُلقي شيئاً ما عند (4) تلاوة نبي من الأنبياء، إلا أننا لا نستطيع الجزم بتعيين ذلك الشيء، ولا يَحِلُّ لنا تعيينه بناء على
_________
(1) انظر على الترتيب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص (169)، وشرح صحيح البخاري، لابن بطال (3/ 57)، وقلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ من القرآن، للكرمي، ص (131)، وتيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (889).
(2) تيسير الكريم الرحمن، ص (888 - 889).
(3) انظر: نصب المجانيق، للألباني، ص (35).
(4) نقل القرطبي في تفسيره (12/ 56)، عن سليمان بن حرب: أن «في» في قوله: (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) بمعنى عند؛ أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، كقوله عز وجل: (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) [الشعراء: 18]، أي عندنا.
(1/697)
________________________________________
روايات ضعيفة لا يعتمد عليها؛ فإن ذلك من التفسير المذموم الذي حَذَّرَ منه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (1)
والأقرب في معنى الآية: أنَّ الله تعالى يُذَكِّرُ نبيه بأنه ما أرسل من قبله من رسول ولا نبي إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئاً من الآيات - على المعنى الذي أراد الله تعالى - ألقى الشيطان في قلوب أوليائه وأتباعه معنىً غير المعنى الذي أراد الله تعالى، من الشُّبَه والوساوس والمعاني الباطلة، فينسخ الله تلك الشُّبَه التي ألقاها الشيطان، بمعنى أنه يبطلها ويذهبها، ثم يحكم آياته فلا يبقى إلا الحق الذي أراده سبحانه، وهذا الإلقاء إنما هو من الشيطان، وهو على صورة إيحاء، وهو كائن في قلوب الذين كفروا، وليس هو إلقاء من الشيطان، في قراءة نبي من الأنبياء؛ بصوت مسموع، فهو لا يستطيع ذلك.
وقد قدَّر الله تعالى إيقاع هذه الإيحاءات من الشيطان، ابتلاءً منه وامتحاناً؛ ليجعل ذلك فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. (2)
«والمراد بالنسخ في الآية هو النسخ اللغوي، الذي هو بمعنى الإزالة والإبطال، لا النسخ الشرعي الذي هو: رفع حكم شرعي بخطاب جديد؛ لأن ما ألقاه الشيطان ليس بحكم، حتى يكون رفعه نسخاً شرعياً؛ بل هو باطل أبطله الله وأزاله». (3)
إذا علمت هذا فإن الآية تدل على أنَّ الله ينسخ شيئاً ألقاه الشيطان، ليس مما يقرؤه الرسول أو النبي، وأن ما يلقيه الشيطان: هي الشكوك والوساوس المانعة من تصديق القرآن وقبوله؛ كإلقائه عليهم أنه سحر أو شعر أو أساطير الأولين، وأنه مفترى على الله وليس منزل من عنده، والدليل على هذا المعنى: أنَّ الله بين أنَّ الحكمة - في الإلقاء المذكور - هي امتحان الخلق؛ لأنه قال: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ
_________
(1) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ».
أخرجه الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (2950)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».
(2) انظر: روح المعاني، للآلوسي (17/ 225).
(3) انظر: رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، للشنقيطي، ص (128).
(1/698)
________________________________________
قُلُوبُهُمْ) [الحج: 53]، ثم قال: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) [الحج: 54]، فقوله: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ) يدل على أنَّ الشيطان يلقي عليهم: أنَّ الذي يقرؤه النبي ليس بحق؛ فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق، لا الكذب، كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه، فهذا الامتحان لا يناسب شيئاً زاده الشيطان من نفسه في القراءة. (1)
«هذا هو المعنى المراد من هذه الآية الكريمة، وهي كما ترى ليس فيها إلا أنَّ الشيطان يلقي عند تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يفتتن به الذين في قلوبهم مرض، ولكن أعداء الدين الذين قعدوا له في كل طريق، وترصدوا له كل مرصد، لا يرضيهم إلا أن يدسوا فيه ما ليس منه، ولم يقله رسوله، فذكروا ما لا يليق بمقام النبوة والرسالة وذلك دَيْدَنهم منذ القديم، كما فعلوا في غير ما آية وردت في غيره - صلى الله عليه وسلم - من الأنبياء، كداود، وسليمان، ويوسف عليهم الصلاة والسلام، فرووا في تفسيرها من الإسرائيليات ما لا يجوز نسبته إلى رجل مسلم فضلاً عن نبي مُكَرَّم، كما هو مبين في محله من كتب التفاسير والقصص». (2)
وهذا المعنى الذي قلناه في تفسير الآية يشهد له آيات من كتاب الله عز وجل؛ كقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113)) [الأنعام: 112 - 113]، وقوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) [الأنعام: 121].
وأما ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر من تصحيح الحديث وقبوله، فهو اجتهاد منه رحمه الله، وقد خالفه جمع من العلماء المحققين، كما تقدم، وردَّ عليه آخرون وبيّنوا أنَّ الصواب هو ضعف الحديث وبطلانه، وأجود من ناقش هذه المسألة مع الحافظ ابن حجر هو الألباني في كتابه «نصب المجانيق» (3)، وقد
_________
(1) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (5/ 732).
(2) انظر: نصب المجانيق، ص (9).
(3) وناقشه آخرون، منهم: المباركفوري، في تحفة الأحوذي (3/ 137)، والقاسمي في تفسيره (7/ 263).
(1/699)
________________________________________
آثرتُ أن أنقل كلامه بطوله؛ لجودته ونفاسته، ولكن بعد نقل كلام الحافظ بتمامه، حتى يلتئم الكلام بعضه مع بعض:
قال الحافظ ابن حجر - بعد أن ساق بعضاً من روايات الحديث -: «وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف أو منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أنَّ للقصة أصلاً، مع أنَّ لها طريقين آخرين مرسلين، رجالهما على شرط الصحيحين، أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .... ، فذكره. والثاني: ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة، فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.
قال: وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده. وكذا قوله: ومن حُمِلَتْ عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية. قال: وقد بين البزار أنه لا يُعرف من طريق يجوز ذكره؛ إلا طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله، وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه؛ لقوة ضعفه. ثم رده من طريق النظر: بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم. قال: ولم ينقل ذلك. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد؛ فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أنَّ لها أصلاً، وقد ذكرتُ أنَّ ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به؛ لاعتضاد بعضها ببعض ... ». اهـ (1)
مناقشة الألباني لابن حجر:
قال الألباني - بعد أن أورد كلام الحافظ السابق -: «والجواب عن ذلك من وجوه:
_________
(1) فتح الباري، لابن حجر (8/ 293).
(1/700)
________________________________________
أولاً: أنَّ القاعدة التي أشار إليها، وهي تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، وقد نبّه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين، منهم الحافظ أبو عمر بن الصلاح حيث قال رحمه الله في (مقدمة علوم الحديث): «لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكوماً بضعفها، مع كونها قد رُويَت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: «الأذنان من الرأس» (1) ونحوه، فهلاّ جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن؛ لأن بعض ذلك عضد بعضاً كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفاً؟!
وجواب ذلك: أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه، ولم يختلّ فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضَعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر، ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعيف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذاً. وهذه جملة تفاصيلها تُدرَك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة». (2)
قال الألباني: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن الغَفْلَةَ عن هذه النفيسة قد أوقعت كثيراً من العلماء، لا سيّما المشتغلين منهم بالفقه في خطأ فاضح، ألا وهو تصحيح كثير من الأحاديث الضعيفة اغتراراً بكَثرة طُرقها، وذهولاً منهم عن كون ضعفها من النوع الذي لا ينجبر الحديث بضعفها، بل لا تزيده إلا وَهناً على وهن، ومن هذا القبيل حديث ابن عباس في هذه القصة، فإن طرقه كلها ضعيفة جداً كما تقدم، فلا يتقوى بها أصلاً.
_________
(1) قال الألباني في حاشية الكتاب، ص (39) معلقاً على هذا الحديث: «هذا الحديث عندنا صحيح لغيره، فقد رُوي عن سبعة نفر من الصحابة من طرق مختلفة قوّى المنذري، وابن دقيق العيد، وابن التركماني، والزيلعي أحدها، ولذلك أوردناه في كتابنا (صحيح سنن أبي داود) وتكلمنا عليه هناك رقم (123) ثم نشرناه في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) رقم (36)، وذكرنا فيه طرقه وبعضها صحيح لذاته، فراجعه إن شئت». اهـ وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 81).
(2) انظر: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، ص (34 - 35).
(1/701)
________________________________________
لكن يبقى النظر في طرق الحديث الأخرى، هل يَتَقَوّى الحديث بها، أم لا؟
فاعلم أنها كلها مرسلة، وهي على إرسالها مُعَلَّةٌ بالضعف والجهالة، سوى الطرق الأربعة الأولى منها (1)، فهي التي تستحق النظر؛ لأن الحافظ رحمه الله جعلها عمدته في تصحيحه هذه القصة، وتقويته لها بها، وهذا مما نخالفه فيه، ولا نوافقه عليه، وبيان ذلك يحتاج إلى مقدمة وجيزة مفيدة إن شاء الله تعالى، وهي:
الوجه الثاني: وهو يحتوي على تحقيق أمرين أساسيين:
الأول: أنَّ الحديث المُرسَل، ولو كان المُرسِل ثقة، لا يُحتج به عند أئمة الحديث، كما بيّنه ابن الصلاح في (علوم الحديث) وجزم هو به فقال: «ثم اعلم أنَّ حكم المُرسَل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر كما سبق بيانه ... ، وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضَعفه، هو المذهب الذي استقرَّ عليه آراء جماهير حفّاظ الحديث، ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم». اهـ (2)
قال الألباني: الأمر الثاني: معرفة سبب عدم احتجاج المحدثين بالمُرسَل من الحديث، فاعلم أنَّ سبب ذلك إنما هو جَهالة الوساطة التي روى عنها المُرسِلُ الحديثَ، وقد بيّن ذلك الخطيب البغدادي في (الكفاية في علم الرواية) حيث قال - بعد أن حكى الخلاف بالعمل بالمرسل-: «والذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل، وأن المرسل غير مقبول، والذي يدل على ذلك: أنَّ إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بيّنا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عُرِفَتْ عدالته، فوجب كذلك كونه غير مقبول، وأيضاً فإن العدل لو سُئِلَ عمن أرسل عنه؟ فلم يُعدّله، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن معروفَ العدالةِ من جهة غيره، وكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذكره وتعديله، لأنه مع الإمساك عن
_________
(1) يريد رواية سعيد بن جبير المرسلة، ورواية أبي بكر بن عبد الرحمن، ورواية أبي العالية، ورواية قتادة، وقد تقدم تخريجها في أول المسألة.
(2) النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر (2/ 567).
(1/702)
________________________________________
ذكره غير مُعدّل له، فوجب أن لا يُقبل الخبر عنه». اهـ (1)
وقال الحافظ ابن حجر في (شرح نخبة الفكر) - بعد أن ذكر الحديث المرسل في أنواع الحديث المردود: «وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف، لأنه يحتمل أن يكون صحابياً، ويحتمل أن يكون تابعياً، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفاً، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حُمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد، أما بالتجويز العقلي، فإلى مالا نهاية، وأما بالاستقراء، فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وُجِدَ من رواية بعض التابعين عن بعض، فإن عُرِفَ من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف، لبقاء الاحتمال، وهو أحد قولي أحمد، وثانيهما: يُقبلُ مطلقاً، وقال الشافعي رضي الله عنه: يُقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسنداً كان أو مرسلاً؛ ليترجّح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر». اهـ (2)
قال الألباني: فإذا عُرِفَ أنَّ الحديث المُرسَل لا يقبل، وأن السبب هو الجهل بحال المحذوف فيرد عليه أنَّ القول بأنه يقوى بمرسل آخر غير قوي لاحتمال أن يكون كل من أرسله إنما أخذه عن راوٍ واحد، وحينئذ ترد الاحتمالات الذي ذكرها الحافظ، وكأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد لاحظ ورود هذا الاحتمال وقوته، فاشترط في المرسل الآخر أن يكون مُرسِله أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول، كما حكاه ابن الصلاح (3)، وكأن ذلك لَيغلب على الظن أنَّ المحذوف في أحد المرسَلين هو غيره في المرسَل الآخر.
وهذه فائدة دقيقة لم أجدها في غير كلام الشافعي رحمه الله، فاحفظها وراعِها فيما يمر بك من المرسَلات التي يذهب البعض إلى تقويتها لمجرد مجيئها من وجهين مرسَلين، دون أن يراعوا هذا الشرط المهم.
_________
(1) الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي (1/ 387).
(2) شرح نخبة الفكر، لابن حجر، ص (17).
(3) انظر: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، ص (33).
(1/703)
________________________________________
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد نصّ أيضاً على هذا الشرط في كلام له مفيد في أصول التفسير، نقله عنه الحافظ محمد بن عبد الهادي (1) في كتاب له مخطوط في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، حديث (405/ 221)، فقال ابن تيمية رحمة الله تعالى: «وأما أسباب النزول، فغالبها مرسل، ليس بمسند، لهذا قال الإمام أحمد: «ثلاث علوم لا إسناد لها. وفي لفظ: ليس لها أصل: التفسير، والمغازي، والملاحم». (2) يعني أنَّ أحاديثها مرسلة، ليست مسندة.
والمراسيل قد تنازع الناس في قَبولها وردها. وأصح الأقوال: أنَّ منها المقبول، ومنها المردود، ومنها الموقوف، فمن عُلم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قُبل مُرسَلُه، ومن عُرف أنه يُرسِل عن الثقة وغير الثقة، كان إرساله رواية عمن لا يُعرف حاله، فهو موقوف. وما كان من المراسيل مخالفاً لما رواه الثقات، كان مردوداً، وإن جاء المرسَل من وجهين، كل من الراويين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه فإن مثل ذلك لا يُتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب ... ». اهـ
قال الألباني: ومع أنَّ التحقق من وجود هذا الشرط في كل مرسَل من هذا النوع، ليس بالأمر الهيِّن، فإنه لو تحققنا من وجوده، فقد يَردُ إشكال آخر، وهو أنه يحتمل أن يكون كل من الواسطتين أو أكثر ضعيفاً، وعليه يحتمل أن يكون ضعفهم من النوع الأول الذي ينجبر بمثله الحديث على ما سبق نقله عن ابن الصلاح، ويحتمل أن يكون من النوع الآخر الذي لا يقوى الحديث بكثرة طرقه، ومع ورود هذه الاحتمالات يسقط الاستدلال بالحديث المرسل وإن تعددت طرقه. وهذا التحقيق مما لم أجد مَن سبقني إليه، فإن أصبت فمن الله تعالى وله الشكر، وإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله من ذنبي.
وبالجملة فالمانع من الاستدلال بالحديث المرسل الذي تعدد مرسِلوه أحد الاحتمالين: الأول: أن يكون مصدر المرسلين واحداً.
_________
(1) هو: محمد بن عبد الهادي التتوي، أبو الحسن، نور الدين السندي: عالم بالحديث والتفسير والعربية. أصله من السند ومولده فيها، وتوطن بالمدينة إلى أن توفي. له (حاشية على سنن ابن ماجة) و (حاشية على سنن أبي داود) و (حاشية على صحيح البخاري) و (حاشية على مسند الإمام أحمد) و (حاشية على صحيح مسلم) و (حاشية على سنن النسائي) و (حاشية على البيضاوي) وغير ذلك.
(ت: 1138 هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (6/ 253).
(2) نقله عن الإمام أحمد: الزركشي في «البرهان في علوم القرآن» (2/ 292).
(1/704)
________________________________________
الثاني: أن يكونوا جمعاً، ولكنهم جميعاً ضعفاء ضعفاً شديداً.
وبعد هذه المقدمة نستطيع أن نقول:
إننا لو ألقينا النظر على روايات هذه القصة، لألفيناها كلها مرسَلة، حاشا حديث ابن عباس، ولكن طرقه كلها واهية شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل، فيبقى النظر في هذه المراسيل، وهي كما علمت سبعة، صح إسناد أربعة منها، وهي مرسل سعيد بن جبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأبي العالية، ومرسل قتادة، وهي مراسيل يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين، لأنهم من طبقة واحدة: فوفاة سعيد بن جبير سنة (95) وأبي بكر بن عبد الرحمن سنة (94)، وأبي العالية - واسمه رفيع مصغراً - سنة (90) وقتادة سنة بضع عشرة ومائة، والأول كوفي، والثاني مدني، والأخيران بصريان.
فجائز أن يكون مصدرهم - الذي أخذوا منه هذه القصة ورووها عنه - واحداً لا غير، وهو مجهول، وجائز أن يكون جمعاً، ولكنهم ضعفاء جميعاً، فمع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقَبول حديثهم هذا، لا سيّما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمسّ المقام الكريم، فلا جَرَم تتابع العلماء على إنكارها، بل التنديد ببطلانها، ولا وجه لذلك من جهة الرواية إلا ما ذكرنا .... ». اهـ (1)
وقال الألباني: «وأما قول الحافظ في (الفتح) بعد أن نقل خلاصة عن الوجوه التي تقدمت عن الإمامين المذكورَيْن في إعلال القصة وتوهينها: «وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دلّ ذلك على أنَّ لها أصلاً، وقد ذكرت أنَّ ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض». اهـ
فأقول: إن هذا الجواب ليس بالقوي على إطلاقه لما بيَّنّا فيما تقدم أنَّ تقوية الحديث بكثرة الطرق ليس قاعدة مضطردة، نعم من ذهب إلى الاحتجاج بالمرسل مطلقاً أو عند اعتضاده، ففي الجواب رد قوي عليه، كالقاضي عياض
_________
(1) نصب المجانيق، ص (38 - 46).
(1/705)
________________________________________
وغيره ممن يقبل مرسل الثقة، أما نحن فهو غير وارد علينا لما أوردنا من الاحتمالات التي تمنع الاحتجاج بالحديث المرسل، ولو من غير وجه، ولعل هذا مذهب الحافظ ابن كثير حيث قال عند تفسيره للآية السابقة: «قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظناً منهم أنَّ مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح». اهـ (1)
فإن ابن كثير يعلم أنَّ بعض هذه المراسيل التي أشار إليها أسانيدها صحيحة إلى مُرْسِلها، فلو كان بعضها يعضد بعضاً عنده وتقوى القصة بذلك، لما ضعفها بحجة أنه لم يرها مسندة من وجه صحيح، وهذا بيِّن لا يخفى.
ثم إن من الغريب أنَّ الحافظ ابن حجر مع ذهابه إلى تقوية القصة يرى أنَّ فيها ما يُستنكر وأنه يجب تأويله فيقول - بعد كلامه الذي نقلته آنفاً-: «وإذا تقرر ذلك تعيَّن تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)؛ فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يزيد في القرآن عمداً ما ليس منه، وكذا سهواً إذا كان مغايراً لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته». اهـ (2)
ثم ذكر الحافظ مسالك العلماء في تأويل ذلك، ثم اعتمد على الوجه الأخير منها (3)، وهو الذي نقلناه عن القاضي عياض قُبَيْلَ هذا الفصل، وقلنا إنه رجَّحه، ثم قال الحافظ: «وهذا أحسن الوجوه، ويؤيِّده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس من تفسير تمنَّى بـ (تلا)». (4)
فينتج من ذلك أنَّ الحافظ رحمه الله، قد سلَّم أنَّ الشيطان لم يتكلم على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - بتلك الجملة، وإنما ألقاها الشيطان بلسانه في سكتة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا لا يتفق ألبتة مع القول بصحة القصة، أو أنَّ لها أصلاً، فإن كان يريد
_________
(1) تفسير ابن كثير (3/ 239).
(2) فتح الباري، لابن حجر (8/ 293).
(3) يرى الألباني نسبة هذا التوجيه للحافظ ابن حجر، وقد ذكرتُ سابقاً أنه لا يصح، وقلت هناك: إن عبارة الحافظ لا تفيد ذلك، فراجعه إن شئت، ص (699).
(4) فتح الباري، لابن حجر (8/ 294).
(1/706)
________________________________________
بذلك أنَّ لها أصلاً في الجملة، أعني بدون هذه الزيادة، فهذا ليس هو موضع خلاف بينه وبين العلماء الذين ردّ عليهم قولهم ببطلان القصة، وإنما الخلاف في الجملة التي تزعم الروايات أنَّ الشيطان ألقاها على لسانه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإذ قد صرح الحافظ بإنكارها وتنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها فنستطيع أن نقول: إن الحافظ متفق مع ابن كثير وغيره ممن سبقه ولحقه على إنكار القصة على ما وردت في الروايات، حتى التي صحَّحها الحافظ، وأما ما بقي منها مما لا يتنافى مع عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا خلاف في إمكان وقوعها، بل الظاهر أنَّ هذا القدر هو الذي وقع بدليل ظاهر آية الحج حسبما تقدم تفسيرها في أوائل الرسالة.
نعم يرد على الحافظ هنا اعتراضان:
الأول: تليينه العبارة في إنكار تلك الزيادة، لأنه إنما أنكرها بطريق تأويلها! وحقه أن ينكرها من أصلها، لأن التأويل الذي زعمه ليست تفيده تلك الزيادة أصلاً.
الثاني: تشنيعه القول على ابن العربي والقاضي عياض لإنكارهما القصة، ومع أنه يعلم أنهما أنكراها لِمَ فيها من البواطيل التي لا تتفق مع القول بعصمة الرسول الكريم، منها هذه الزيادة التي وافقهما الحافظ على استنكارها، مع فارق شكلي وهو أنهما كانا صريحين في إنكارها من أساسها، بينما الحافظ إنما أنكرها بطريق تأويلها ـ زعم ـ.
ومن هنا يتبين لك ضعف ما قاله الحافظ ابن حجر في رده على القاضي في (تخريج الكشاف): «وأما طعنه فيه باختلاف الألفاظ فلا تأثير للروايات الواهية في الرواية القوية، فيعتمد من القصة على الرواية الصحيحة، أي: يُعتمد على الرواية المتابعة، وليس فيها وفيما تابعها اضطراب والاضطراب في غيرها، وأما طعنه من جهة المعنى فله أسوة كثيرة من الأحاديث الصِّحاح التي لا يؤخذ بظاهرها، بل يرد بالتأويل المعتمد إلى ما يليق بقواعد الدين». اهـ (1)
قال الألباني: إن هذا الرد ضعيف؛ لأن الرواية الصحيحة التي أشار إليها هي رواية ابن جُبير، وفيها كما في غيرها من الروايات المتابعة الأمر
_________
(1) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، لابن حجر (3/ 161).
(1/707)
________________________________________
المستنكر باعترافه، بل في بعض الروايات عن سعيد ما هو أنكر من ذلك وهو قوله: ثم جاءه جبريل بعد ذلك فقال: اعرض علي ما جئتك به، فلما بلغ: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) قال له جبريل: لم آتك بهذا، وهذا من الشيطان!! وقد جاء هذا في غير رواية سعيد كما تقدم، ولازمه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد انطلى عليه وحي الشيطان واختلط عنده بوحي الرحمن، حتى لم يميِّز بينهما، وبقي على هذه الحالة ما بقي، إلى أن جاءه جبريل في المساء! سبحانك هذا بهتان عظيم، وافتراء جسيم.
فاتضح أن ليس هناك رواية معتمدة صحيحة بالمعنى العلمي الصحيح، وأن الرواية التي صححها الحافظ قد أنكر بعضها هو نفسه فأين الاعتماد.
وأما قوله: «إن حديث الغرانيق له أسوة بكثير من الأحاديث الصحيحة»، فصحيح لو صح إسناده، وأمكن تأويله، وكلا الأمرين لا نسلِّم به. أما الأول فلما علمت من إرساله من جميع الوجوه حاشا ما اشتد ضعفه من الموصول، وإنها على كثرتها لا تعضده. وأما الأمر الآخر فلأن التأويل الذي ذهب إليه الحافظ رحمه الله هو في الحقيقة ليس تأويلاً، بل هو تعطيل لحقيقة الجملة المستنكرة، وهو أشبه ما يكون بتأويلات بل تعطيلات القرامطة والرافضة للآيات القرآنية والأحاديث المصطفوية. تأييداً لمذاهبهم الهدّامة وآرائهم الباطلة، خلافاً للحافظ رحمه الله فإنه إنما فعل ذلك دفاعاً عن مقام الحضرة النبوية والعصمة المحمدية، فهو مشكور على ذلك ومأجور، وإن كان مخطئاً عندنا في ذلك التأويل مع تصحيح القصة». اهـ (1)
****
_________
(1) انظر: نصب المجانيق، للألباني، ص (60 - 65).
(1/708)
________________________________________
المسألة [11]: في زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من زينب بنت جحش رضي الله عنها.

المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37)) [الأحزاب: 37].

المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:
(89) ـ (76): عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْزِلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَكَأَنَّهُ دَخَلَهُ (لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ حَمَّادٍ، أَوْ فِي الْحَدِيثِ) (1)؛ فَجَاءَ زَيْدٌ يَشْكُوهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: (وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) إِلَى قَوْلِهِ: (زَوَّجْنَاكَهَا) يَعْنِي زَيْنَبَ». (2)
_________
(1) قائل هذه العبارة: هو مؤمل بن إسماعيل، أحد رواة الحديث، وسيأتي في التخريج.
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 149) قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت، عن أنس .... ، فذكره.
وهذا الحديث فيه ثلاث علل:
الأولى: أنه من راوية مؤمل بن إسماعيل، وهو سيئ الحفظ، كثير الغلط، قال أبو حاتم: صدوق، كثير الخطأ. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال الآجري: سألت =
(1/709)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= أبا داود عنه: فعظمه ورفع من شأنه، إلا أنه يهم في الشيء. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ. وقال يعقوب بن سفيان: حديثه لا يشبه حديث أصحابه، وقد يجب على أهل العلم أن يقفوا عن حديثه؛ فإنه يروي المناكير عن ثقات شيوخه، وهذا أشد، فلو كانت هذه المناكير عن الضعفاء لكنا نجعل له عذراً. وقال الساجي: صدوق كثير الخطأ، وله أوهام يطول ذكرها. وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط. وقال الدارقطني: ثقة كثير الخطأ. وقال محمد بن نصر المروزي: إذا انفرد بحديث وجب أن يُتوقف ويُتثبت فيه؛ لأنه كان سيئ الحفظ، كثير الغلط. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (10/ 339).
العلة الثانية: أن مؤمل بن إسماعيل قد تفرد بزيادة منكرة في هذا الحديث، وهي قوله - في أول الحديث -: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْزِلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَكَأَنَّهُ دَخَلَهُ». وقد روى هذا الحديث جماعة من الثقات، عن حماد بن زيد، ولم يذكروا هذه الزيادة، ومن هؤلاء الرواة:
1 - مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ: أخرج حديثه، البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4787)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: «أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ».
2 - مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ: أخرج حديثه، البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث
(7420) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَال: «جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ. قَالَ أَنَسٌ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ».
3 - أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ: أخرج حديثه، الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3212) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُو، فَهَمَّ بِطَلَاقِهَا، فَاسْتَأْمَرَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ».
4 - عفان بن مسلم: أخرج حديثه، ابن حبان في صحيحه (15/ 519) قال: أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف قال: حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم قال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: «جاء زيد بن =
(1/710)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= حارثة يشكو زينب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك أهلك، فنزلت: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)».
5 - محمد بن سليمان: أخرج حديثه، النسائي في السنن الكبرى (6/ 432) قال: أنا محمد بن سليمان، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: .... ، فذكره، بنحو رواية ابن حبان.
العلة الثالثة: تردد مؤمل بن إسماعيل في هذه الزيادة التي رواها في الحديث، وذلك بقوله: «لا أدري من قول حماد، أو في الحديث»، وهذا يدل على سوء حفظه، وأن هذه الرواية غير محفوظة في الحديث.
وقد رويت هذه القصة من طرق أخرى، كلها ضعيفة، وهذا تفصيلها:
الرواية الأولى: عن محمد بن يحيى بن حبان: قال: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الساعة، فيقول: أين زيد؟ فجاء منزله يطلبه، فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش، زوجته فُضُلاً، فأعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، فقالت: ليس هو هاهنا يا رسول الله، فادخل بأبي أنت وأمي، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل، وإنما عجلت زينب أن تلبس، لما قيل لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الباب، فوثبت عُجلى، فأعجبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يُفهم منه إلا ربما أعلن سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد إلى منزله، فأخبرته امرأته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى منزله، فقال زيد: ألا قلت له أن يدخل؟ قالت: قد عرضت ذلك عليه فأبى. قال: فسمعت شيئاً؟ قالت: سمعته حين ولى تكلم بكلام، ولا أفهمه، وسمعته يقول: سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها، فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك زوجك. فما استطاع زيد إليها سبيلاً بعد ذلك اليوم، فيأتي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيخبره رسول الله: أمسك عليك زوجك. فيقول: يا رسول الله، أفارقها؟ فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: احبس عليك زوجك. ففارقها زيد، واعتزلها، وحلت، يعني انقضت عدتها، قال: فبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس يتحدث مع عائشة إلى أن أخذت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غشية، فسري عنه وهو يتبسم وهو يقول: من يذهب إلى زينب يبشرها أن الله قد زوجنيها من السماء، وتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) [الأحزاب: 37]».
أخرجه ابن سعد في الطبقات (8/ 101) قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن عامر الأسلمي، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: .... فذكره.
وأخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 25)، من طريق محمد بن عمر، به.
وهذه الرواية فيها ثلاث علل: =
(1/711)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= الأولى: أنها من طريق محمد بن عمر، وهو الواقدي. قال البخاري: متروك الحديث، تركه أحمد، وابن المبارك، وابن نمير، وإسماعيل بن زكريا، وقال في موضع آخر: كذبه أحمد.
وقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن حبان: كان يروي عن الثقات المقلوبات، وعن الأثبات المعضلات، وقال علي بن المديني: الواقدي يضع الحديث.
انظر: التاريخ الكبير، للبخاري (1/ 178)، والمجروحين، لابن حبان (2/ 290)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (9/ 323).
العلة الثانية: شيخ الواقدي، وهو عبد الله بن عامر الأسلمي، متفق على ضعفه. انظر: تهذيب التهذيب (5/ 241).
العلة الثالثة: أن هذه الرواية مرسلة؛ لأن محمد بن يحيى بن حبان، تابعي مات سنة 121 هـ، وهو لم يدرك القصة، ولم يذكر من حدثه بها.
الرواية الثانية: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد زوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ابنة عمته، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً يريده، وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر، فانكشفت وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلما وقع ذلك كرهت إلى الآخر، فجاء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي. قال: ما لك؟ أرابك منها شيء؟ قال: لا والله، ما رابني منها شيء يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيراً، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك زوجك واتق الله. فذلك قول الله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها».
أخرجه ابن جرير في تفسيره (10/ 302) قال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد .... ، فذكره.
وهذه الرواية فيها علتان:
الأولى: أنها معضلة؛ لأن عبد الرحمن بن زيد من الطبقة الثانية من التابعين، مات سنة 182 هـ، فهو لم يُدرك القصة، ولم يذكر الواسطة بينه وبين من حدث بها عن الصحابة - رضي الله عنهم -.
العلة الثانية: أن ابن زيد متفق على ضعفه، وممن ضعفه: الإمام أحمد، وابن معين، وابن المديني، والنسائي، وأبو زرعة، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك في روايته، من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ضعيفاً جداً. وقال ابن خزيمة: ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه. انظر: تهذيب التهذيب (6/ 161).
الرواية الثالثة: عن قتادة قال: جاء زيد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن زينب اشتد علي =
(1/712)
________________________________________
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= لسانها، وأنا أريد أن أطلقها. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يطلقها، ويخشى قالة الناس إن أمره بطلاقها، فأنزل الله تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) [الأحزاب: 37].
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (3/ 117)، عن معمر، عن قتادة، به.
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (24/ 41)، من طريق معمر، به.
وأخرجه ابن جرير في تفسيره (10/ 302)، والطبراني في المعجم الكبير (24/ 42)، كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، بنحوه.
وقتادة: هو ابن دعامة السدوسي، أحد الأئمة الحفاظ المشهورين بالتدليس، وكثرة الإرسال، قال أحمد بن حنبل: ما أعلم قتادة سمع من أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا من أنس بن مالك.
قلت: وروايته هذه مرسلة، وقد قال الشعبي: كان قتادة حاطب ليل. وذكر أبو عمرو بن العلاء: أن قتادة لا يغث عليه شيء، وكان يأخذ عن كل أحد.
انظر: جامع التحصيل (1/ 254)، وتهذيب التهذيب (8/ 317 - 322).
الرواية الرابعة: عن مقاتل بن سليمان قال: زَوَّجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش من زيد، فمكثت عنده حيناً، ثم إنه عليه السلام أتى زيداً يوماً يطلبه، فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش، فهويها وقال: سبحان الله، مقلب القلوب، فسمعت زينب بالتسبيحة، فَذَكَرَتْها لزيد، ففطن زيد فقال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبراً، تعظم عليَّ وتؤذيني بلسانها، فقال عليه السلام: أمسك عليك زوجك واتق الله.
وهذه الرواية ذكرها القرطبي في تفسيره (14/ 123)، عن مقاتل، ولم يذكر لها سنداً، ومقاتل: متهم بالكذب، ووضع الحديث، قال عمرو بن علي: متروك الحديث كذاب. وقال ابن سعد: أصحاب الحديث يتقون حديثه وينكرونه. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال في موضع آخر: لا شيء ألبتة. وقال عبد الرحمن بن الحكم: كان قاصاً ترك الناس حديثه. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال النسائي: كذاب. وقال ابن حبان: كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبهاً يشبه الرب سبحانه وتعالى بالمخلوقين، وكان يكذب مع ذلك في الحديث.
وقال الدارقطني: يكذب، وعدَّه في المتروكين. وقال العجلي: متروك الحديث. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (10/ 252 - 253).
الرواية الخامسة: عن عكرمة قال: «دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماً بيت زيد، فرأى زينب وهي بنت عمته، فكأنها وقعت في نفسه، فأنزل الله: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)».
ذكره السيوطي في الدر المنثور (5/ 385)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.
وهذه الرواية ضعيفة؛ لإرسالها من قبل عكرمة، وتعليقها من قبل السيوطي.
الرواية السادسة: عن الشعبي: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى زينب بنت جحش فقال: =
(1/713)
________________________________________
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
ظاهر هذه الرواية، وما ورد في معناها من الروايات الأخرى، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقع منه استحسان لزينب بنت جحش رضي الله عنها، وهي في عصمة زيد - رضي الله عنه -، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حريصاً على أن يُطلقها زيد فيتزوجها هو، وهذه الرواية مشكلة؛ لما فيها من القدح بعصمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والنيل من مقامه الشريف. (1)
_________
= سبحان الله، مقلب القلوب. فقال زيد بن حارثة: ألا أطلقها يا رسول الله؟ فقال: أمسك عليك زوجك؛ فأنزل الله عز وجل: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)».
أخرجه ابن عدي في الكامل (3/ 316) قال: ثنا الساجي، ثنا الحسن بن علي الواسطي قال: ثنا علي بن نوح، ثنا محمد بن كثير، ثنا سليم مولى الشعبي، عن الشعبي، به.
وأعله ابن عدي بسليم مولى الشعبي، وضعفه. وهو مرسل أيضاً.
الرواية السابعة: عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء بيت زيد بن حارثة، فاستأذن، فأذنت له زينب، ولا خمار عليها، فألقت كم درعها على رأسها، فسألها عن زيد، فقالت: ذهب قريباً يا رسول الله، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وله همهمة، قالت زينب: فاتبعته، فسمعته يقول: تبارك مصرف القلوب، فما زال يقولها حتى تغيب».
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (24/ 44) قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثني موسى بن يعقوب، عن عبد الرحمن بن المنيب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، به.
وأبو بكر بن أبي حثمة، تابعي، ذكره الحافظ ابن حجر في التقريب (2/ 404) وقال: مدني ثقة، من الرابعة، روى له البخاري ومسلم مقروناً بغيره.
وهذه الرواية فيها علتان:
الأولى: أنها مرسلة، والثانية: جهالة عبد الرحمن بن المنيب، فلم أقف على ترجمته.
(1) انظر: حكاية الإشكال في الكتب الآتية: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 117)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (1/ 406)، وعصمة الأنبياء، للرازي، ص (88)، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (1/ 325).
(1/714)
________________________________________
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:
الأول: مسلك رد الحديث وإنكاره؛ وذلك لعدم ثبوته، ولما فيه من القدح بعصمة
النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ويرى أصحاب هذا المسلك: أنَّ الصواب في سبب نزول الآية: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد أوحى الله إليه أنَّ زيداً يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها له، فلما تشكى زيد للنبي - صلى الله عليه وسلم - خلق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه بأنه يريد طلاقها، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جهة الأدب والوصية: اتق الله، أي في أقوالك، وأمسك عليك زوجك، وهو يعلم أنه سيفارقها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يُرِدْ أن يأمره بالطلاق، لما علم من أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلحقه قول من الناس في أن تزوج زينب بعد زيد وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها؛ فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشي الناس في أمر قد أباحه الله تعالى له. (1)
وهذا المذهب روي عن: علي بن الحسين (2)، والزهري (3)، والسدي (4).
وذكر القرطبيان: أنَّ هذا القول هو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين. (5)
_________
(1) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 386).
(2) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (10/ 303)، وابن أبي حاتم في تفسيره (9/ 3135، 3137)، كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن علي بن الحسين، به.
وإسناده ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان.
(3) نقله عنه: القاضي عياض، في الشفا (2/ 117)، وأبو العباس القرطبي، في المفهم (1/ 406).
(4) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (9/ 3137)، معلقاً.
(5) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (1/ 406)، وتفسير القرطبي (14/ 123).
(1/715)
________________________________________
وممن قال به:
أبو بكر الباقلاني، وبكر بن العلاء القشيري، وابن حزم، والبغوي، وابن العربي، والثعلبي، والقاضي عياض، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والقاضي أبو يعلى، وابن كثير، والتفتازاني، وابن القيم، وابن حجر، وابن عادل، والآلوسي، والقاسمي، ورحمة الله بن خليل الرحمن الهندي (1)، وابن عاشور، والشنقيطي، وابن عثيمين. (2)
قال القاضي عياض: «اعلم - أكرمك الله - ولا تسترب في تنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الظاهر، وأن يأمر زيداً بإمساكها، وهو يحب تطليقه إياها، كما ذُكِرَ عن جماعة من المفسرين، وأصح ما في هذا: ما حكاه أهل التفسير، عن علي بن حسين: أنَّ الله تعالى كان أعلم نبيه أنَّ زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال له: أمسك عليك زوجك واتق الله. وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها مما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج وتطليق زيد لها». اهـ (3)
وقال أبو العباس القرطبي: «وقد اجترأ بعض المفسرين في تفسير هذه الآية، ونسب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يليق به ويستحيل عليه، إذ قد عصمه الله منه ونزهه عن مثله، وهذا القول إنما يصدر عن جاهلٍ بعصمته عليه الصلاة والسلام، عن مثل هذا، أو مُسْتَخِفٍّ بحرمته، والذي عليه أهل التحقيق من
_________
(1) هو: رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي الحنفي، نزيل الحرمين: باحث، عالم بالدين والمناظرة. جاور بمكة وتوفي بها. له كتب منها (التنبيهات في إثبات الاحتياج إلى البعثة والحشر والميقات) و (إظهار الحق)، وهو من أفضل الكتب في موضوعه، (ت: 1306 هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (3/ 18).
(2) انظر على الترتيب: الانتصار للقرآن، للباقلاني (2/ 704)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (2/ 118)، وفيه النقل عن القشيري، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (2/ 312)، وتفسير البغوي (3/ 532)، وأحكام القرآن لابن العربي (3/ 577)، والكشف والبيان، للثعلبي (8/ 48)، والشفا، للقاضي عياض (2/ 117)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (1/ 406)، وتفسير القرطبي (14/ 123)، وزاد المسير، لابن الجوزي (6/ 210)، وفيه النقل عن أبي يعلى، وتفسير ابن كثير (3/ 499)، وشرح المقاصد في علم الكلام، للتفتازاني (2/ 198)، وزاد المعاد، لابن القيم (4/ 266)، وفتح الباري، لابن حجر (8/ 384)، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي (15/ 554)، وروح المعاني، للآلوسي (22/ 278)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (8/ 83)، وإظهار الحق، للهندي (4/ 1327 - 1330)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (22/ 31)، وأضواء البيان، للشنقيطي (6/ 580 - 583)، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (1/ 325).
(3) الشفا (2/ 117)، وانظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، له (1/ 531).
(1/716)
________________________________________
المفسرين والعلماء الراسخين: أنَّ ذلك القول الشنيع ليس بصحيح، ولا يليق بذوي المروءات، فأحرى بخير البريات، وأن تلك الآية إنما تفسيرها ما حُكي عن علي بن حسين .... ». اهـ (1)
أدلة هذا المسلك:
استدل أصحاب هذا المسلك بأدلة منها:
الأول: أنَّ الله تعالى أخبر أنه مُظهِرٌ ما كان يخفيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)، ولم يُظهرْ سبحانه غير تزويجها منه، حيث قال: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا)، فلو كان الذي أضمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محبتها أو إرادة طلاقها؛ لأظهر الله تعالى ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يُخبر أنه يُظهرِهُ ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عُوتِبَ على إخفاء ما أعلمه الله إياه: أنها ستكون زوجة له، لا ما ادعاه هؤلاء أنه أحبها، ولو كان هذا هو الذي أخفاه لأظهره الله تعالى كما وعد. (2)
الدليل الثاني: أنَّ الله تعالى قال بعد هذه الآية: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) [الأحزاب: 38]، وهذه الآية تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن عليه حرج في زواجه من زينب رضي الله عنها، ولو كان على ما روي من أنه أحبها وتمنى طلاق زيدٍ لها، لكان فيه أعظم الحرج؛ لأنه لا يليق به مدَّ عينيه إلى نساء الغير، وقد نُهي عن ذلك في قوله تعالى: (لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)) [الحجر: 88]. (3)
الدليل الثالث: أن زينب رضي الله عنها هي بنت عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - (4)، ولم يزل يراها منذ ولِدَت، وكان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، وهو الذي زوجها لمولاه زيد، فكيف تنشأُ معه، وينشأُ معها، ويلحظها في كل
_________
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (1/ 406)، باختصار.
(2) انظر: تفسير البغوي (3/ 532)، والشفا، للقاضي عياض (2/ 117)، وأضواء البيان، للشنقيطي (6/ 582 - 583).
(3) انظر: الشفا (2/ 118)، وأحكام القرآن، لابن العربي (3/ 578)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (1/ 406).
(4) لأن أمها أميمة بنت عبد المطلب.
(1/717)
________________________________________
ساعة، ولا تقع في قلبه إلا بعد أن تزوجها زيد، وقد كانت وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكرهت غيره، فلم تخطر بباله - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يتجدد لها هوىً لم يكن، حاشاه - صلى الله عليه وسلم - من ذلك، وهذا كله يدل على بطلان القصة، وأنها مختلقة موضوعة. (1)
الدليل الرابع: أنَّ الله تعالى بيّن الحكمة من زواجه - صلى الله عليه وسلم - بزينب، فقال: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)، وهذا تعليل صريح بأن الحكمة هي قطع تحريم أزواج الأدعياء، وكون الله هو الذي زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة، صريح في أنَّ سبب زواجه إياها ليس هو محبته لها، التي كانت سبباً في طلاق زيد لها، كما زعموا، ويوضحه قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا)؛ لأنه يدل على أنَّ زيداً قضى وطره منها، ولم تبق له بها حاجة، فطلقها باختياره. (2)
الثاني: مسلك قبول الحديث واعتماده، وجعله سبباً في نزول الآية.
ويرى أصحاب هذا المسلك: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقع منه استحسان لزينب، وهي في عصمة زيد، وكان حريصاً على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيداً لما أخبره أنه يريد فراقها، ويشكو منها غلظة قول، وعصيان أمر، وأذىً باللسان، وتعظماً بالشرف، قال له: اتق الله فيما تقول عنها، وأمسك عليك زوجك. وهو يخفي الحرص على طلاق زيدٍ إياها، وهذا هو الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف، قالوا: وخشي النبي - صلى الله عليه وسلم - قالة الناس في ذلك، فعاتبه الله تعالى على جميع هذا. (3)
وهذا المذهب روي عن: قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعكرمة، ومحمد بن يحيى بن حبان، ومقاتل، والشعبي (4)، وابن جريج (5).
_________
(1) انظر: الشفا (2/ 118)، وأحكام القرآن، لابن العربي (3/ 577).
(2) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (6/ 583).
(3) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 386).
(4) تقدم تخريج أقوالهم في أول المسألة.
(5) أخرجه الطبراني في الكبير (24/ 43).
(1/718)
________________________________________
وهو اختيار: ابن جرير الطبري، والزمخشري، والبيضاوي، وأبي السعود، وابن جزي، والعيني، والسيوطي. (1)
قال ابن جرير الطبري: «ذُكِر أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى زينب بنت جحش فأعجبته، وهي في حبال مولاه، فألقي في نفس زيد كراهتها، لما علم الله مما وقع في نفس نبيه - صلى الله عليه وسلم - ما وقع، فأراد فراقها، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك زوجك، وهو - صلى الله عليه وسلم - يحب أن تكون قد بانت منه لينكحها، واتق الله، وخفِ الله في الواجب عليك في زوجتك، (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) يقول: وتخفي في نفسك محبة فراقه إياها، لتتزوجها إن هو فارقها، والله مبدٍ ما تخفي في نفسك من ذلك، (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) يقول تعالى ذكره: وتخاف أن يقول الناس: أمر رجلاً بطلاق امرأته ونكحها حين طلقها، والله أحق أن تخشاه من الناس». اهـ (2)
أدلة هذا المسلك:
استدل أصحاب هذا المسلك بأدلة منها:
الأول: الروايات الواردة في سبب نزول الآية.
واعتُرِضَ: بأن هذه الروايات ضعيفة، وليس فيها شيء يصح.
الدليل الثاني: أنه قد روي عن عائشة (3)، وأنس (4) - رضي الله عنهما - أنهما قالا: «لَوْ كَانَ رَسُولُ - صلى الله عليه وسلم - كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)».
قالوا: وهذا يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - وقع منه استحسان لزينب، وأنه كان يخفي ذلك، حتى أظهره الله تعالى.
_________
(1) انظر: على الترتيب: تفسير الطبري (10/ 302)، والكشاف، للزمخشري (3/ 524)، وتفسير البيضاوي (4/ 376)، وتفسير أبي السعود (7/ 105)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (2/ 152)، وعمدة القاري، للعيني (19/ 119)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (2/ 407).
(2) تفسير الطبري (10/ 302).
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (177).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (7420).
(1/719)
________________________________________
واعتُرِضَ: بأن مراد عائشة، وأنس رضي الله عنهما: أنَّ رغبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تزوج زينب، كان سراً في نفسه لم يُطلِعْ عليه أحداً، إذ لم يؤمر بتبليغه إلى أحد، وعلى ذلك السر انبنى ما صدر منه لزيد في قوله: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)، ولما طلقها زيد ورام تزوجها، علم أنَّ المنافقين سيرجفون بالسوء، فلما أمره الله بذكر ذلك للأمة، وتبليغ خبره، بَلَّغَهُ ولم يكتمه، مع أنه ليس في كتمه تعطيل شرع، ولا نقص مصلحة، فلو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية، التي هي حكاية سِرٍّ في نفسه، وبينه وبين ربه تعالى، ولكنه لما كان وحياً بلغه؛ لأنه مأمور بتبليغ كل ما أنزل إليه. (1)
ويرى أصحاب هذا المسلك أن ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من تعلقه بزينب، ليس بمستهجن ولا بمستقبح، لأن طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من امرأة أو غيرها غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع؛ لأنه ليس بفعل الإنسان، ولا وجوده باختياره، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضاً، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها، ولا طلب إليه وهو أقرب منه من زر قميصه أن يواسيه بمفارقتها، مع قوة العلم بأن نفس زيد لم تكن من التعلق بها في شيء، بل كانت تجفوا عنها ونفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متعلقة بها، ولم يكن مستنكراً عندهم أن ينزل الرجل عن امرأته لصديقه، ولا مستهجناً إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر؛ فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة استهم الأنصار بكل شيء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجر.
وكم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من إطلاع الناس عليه، وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله، وربما كان الدخول في ذلك المباح سلماً إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين ويجل ثوابها. (2)
_________
(1) انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (22/ 37).
(2) انظر: الكشاف، للزمخشري (3/ 525 - 526).
(1/720)
________________________________________
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو ضعف القصة، وأنَّ الآية لا يصح في سبب نزولها إلا حديث أنس - رضي الله عنه - أنه قال: «جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» (1)، وهذا الحديث ليس فيه شيء مما ذُكِرَ في هذه القصة، فيجب الاقتصار عليه، وطرح ما سواه من الروايات الضعيفة.
ومما يدل على ضعف القصة:
1 - أنها لم تُرْوَ بسند متصل صحيح، وكل الروايات الواردة فيها، إما أنها مرسلة، أو أنَّ في أسانيدها ضعفاء أو متروكين.
2 - تناقض روايات هذه القصة واضطرابها، ففي رواية محمد بن يحيى بن حبان: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء يطلب زيداً في بيته، وأن زينب خرجت له فُضلاً متكشفة، وأما رواية ابن زيد ففيها أنَّ زينب لم تخرج إليه، وإنما رفعت الريح الستر فانكشفت وهي في حجرتها حاسرة، فرآها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتأتي رواية أبي بكر بن أبي حثمة فتخالف هاتين الروايتين، وتدعي أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استأذن عليها، فأذنت له ولا خمار عليها، وهذا الاضطراب والتناقض بين الروايات يدل دلالة واضحة على ضعف القصة وبطلانها.
3 - أنَّ هذه الروايات مخالفة للرواية الصحيحة (2) الواردة في سبب نزول
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (7420).
وأخرجه في كتاب التفسير، حديث (4787)، عن أنس - رضي الله عنه -، بلفظ: «أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ».
وأخرجه الترمذي، في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3212)، عن أنس، بلفظ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُو، فَهَمَّ بِطَلَاقِهَا، فَاسْتَأْمَرَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ». قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
(2) هي رواية أنس - رضي الله عنه - المتقدمة في أول الترجيح، وهي في البخاري.
(1/721)
________________________________________
الآية، والتي فيها أنَّ زيداً جاء يشكو للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم تذكر هذه الرواية شيئاً عن سبب شكواه، وهي صريحة بأنه جاء يشكو شيئاً ما (1)، وأما تلك الروايات
_________
(1) جاء في رواية ضعيفة التصريح بنوع الشكاية التي عرضها زيد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن الكميت بن زيد الأسدي قال: حدثني مذكور - مولى زينب بنت جحش - عن زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: خطبني عدة من قريش، فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أستشيره، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، وسنة نبيها. قالت: ومن هو يا رسول الله؟ قال: زيد بن حارثة. قال: فغضبت حمنة غضباً شديداً، وقالت: يا رسول الله، أتُزَوِّجُ بنتَ عمتك مولاك؟ قالت زينب: ثم أتتني فأخبرتني بذلك، فقلت أشد من قولها وغضبت أشد من غضبها؛ فأنزل الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب: 36] قالت: فأرسلتُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقلت: إني استغفر الله، وأطيع الله ورسوله، افعل ما رأيت، فزوجني زيداً، وكنت أرثي عليه، فشكاني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعاتبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم عدت فأخذته بلساني، فشكاني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك زوجك واتق الله. فقال: يا رسول الله، أنا أطلقها. قالت: فطلقني، فلما انقضت عدتي، لم أعلم إلا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دخل علي ببيتي، وأنا مكشوفة الشعر، فقلت: إنه أمر من السماء .. فقلت: يا رسول الله، بلا خطبة، ولا إشهاد؟ فقال: الله المزوج، وجبريل الشاهد».
أخرجه أبو نعيم في الحلية (2/ 51)، والطبراني في الكبير (24/ 39)، والبيهقي في السنن الكبرى
(7/ 136)، والدارقطني في سننه (3/ 301)، وابن عساكر في تاريخه (19/ 357)، جميعهم من طريق: الحسين بن أبي السري، العسقلاني، عن الحسن بن محمد بن أعين الحراني، عن حفص بن سليمان، عن الكميت بن زيد الأسدي، به.
والحديث ضعيف، في إسناده:
«الحسين بن أبي السري»، ضعفه أبو داود، واتُهم بالكذب. انظر: تهذيب التهذيب (2/ 314).
و «حفص بن سليمان الأسدي» متروك الحديث. انظر: تهذيب التهذيب (2/ 345).
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره معلقاً (9/ 3137)، عن السدي، في قوله: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) قال: «بلغنا أن هذه الآية أنزلت في زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأراد أن يزوجها زيد بن حارثة رضي الله عنه، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بَعْدُ أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر زيد بن حارثة بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب بعض ما يكون بين الناس، فيأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تبنى زيداً».
(1/722)
________________________________________
الضعيفة فتدعي أنَّ زيداً عرض طلاقها على النبي - صلى الله عليه وسلم -، نزولاً عند رغبته، لما رأى من تعلقه بها.
4 - أنَّ هذه الروايات فيها قدح بعصمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونيل من مقامه الشريف، فيجب ردها وعدم قبولها، وتنزيه مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثل هذه القصص.
5 - أنَّ الآيات النازلة بسبب القصة ليس فيها ما يفيد أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقع منه استحسان لزينب رضي الله عنها، وقد تقدم وجه دلالتها على هذا المعنى، في أدلة المذهب الأول، والله تعالى أعلم.
****
(1/723)
________________________________________
خاتمة البحث
الحمد لله الذي منَّ علي بإتمام هذا البحث، والذي عشتُ معه قرابة خمس سنوات، جامعاً ودارساً لأحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، التي وردت في تفسير كتاب الله تعالى وأوهم ظاهرها معنىً مشكلاً، وقد خرجت بحمد الله تعالى بجملة من الفوائد والنتائج رأيت أنْ أُجملها في النقاط الآتية:
1 - يُعد موضوع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم من الموضوعات المهمة التي لم تحضَ بعناية كبيرة في مجال الدراسات القرآنية، إذ لم يتطرق له الأوائل ولا الأواخر بتصنيف مستقل، على الرغم من عنايتهم واهتمامهم بمشكل القرآن ومشكل الحديث عامة، ومن خلال استقرائي لكتب مشكل القرآن ومشكل الحديث فقد لاحظت أن المؤلفين في هذا المجال كان جُلُّ اهتمامهم هو التوفيق بين الآيات أو الأحاديث موهمة الاختلاف فيما بينها، أو التي يُوهِمُ ظاهرها معنىً مشكلاً، وأما الأحاديث المشكلة في التفسير بأنواعها الثلاثة (1) فلم يتوسعوا في دراستها، بله إفرادها بالتصنيف؛ لذا فإنَّ هذا البحث يُعد نافذة جديدة في مجال الدراسات القرآنية، والذي أسأل الله تعالى بمنه وفضله أنْ ينفع به.
2 - في هذا البحث إضافة جديدة في مجال الدراسات القرآنية المتخصصة في رد الشبهات التي تُثار ضد القرآن الكريم والسنة النبوية، ونحن في هذا العصر بأمس الحاجة للدراسات الأكاديمية المتخصصة التي تُعنى بالتصدي لكل ما يُثار حول ديننا وثقافتنا الإسلامية، خاصة المصدرين الأساسيين وهما الكتاب والسنة.
_________
(1) وهي: الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم، والأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها، والأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معنىً مشكلاً.
(1/724)
________________________________________
3 - برَّز عدد من الصحابة في هذا الموضوع، وقد كان لبعضهم عناية كبيرة بأحاديث التفسير المشكلة، ومن أشهر هؤلاء: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنها وعن أبيها، وعن الصحابة أجمعين، وقد كان لها إسهامات مميزة في معالجة النصوص التي يُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلاً، خاصة في مجال أحاديث التفسير.
4 - برَّزَ عدد من علماء التفسير والحديث في هذا الموضوع، وظهرت عنايتهم الكبيرة بدفع كل ما يُوهِمُ التعارض بين الكتاب والسنة، ومن أشهر من برَّز من المفسرين: الإمام الآلوسي، وأبو عبد الله القرطبي، صاحب التفسير، والحافظ ابن كثير، والقاضي ابن عطية، ومن المحدثين: الحافظ ابن حجر، والقاضي عياض، والإمام النووي.
5 - تميز هذا البحث بجِدَتِه وأصالته، حيث تناول غالب الأحاديث المشكلة في التفسير، وعمل على عرضها بطريقة علمية مؤصلة، وذلك بتحرير الإشكال فيها، وعرض مسالك ومذاهب العلماء في دفع الإشكال عنها، مع مناقشة تلك المذاهب بذكر الإيرادات والاعتراضات عليها، ومن ثم الترجيح وبيان الرأي الأقوى في دفع الإشكال، مع ذكر الحجة التي تسانده وتعضده.
6 - تميز هذا البحث ببعض الإضافات العلمية، التي لا تكاد توجد محررة في موطنٍ آخر، ومن هذه الإضافات دفع الإشكال الوارد على حديث: «ثَلاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ»، وقد أشار الشنقيطي - رحمه الله - إلى أنه لم يقف على تحرير شافٍ للإشكال الوارد في الحديث، بحيث يمكن الرجوع إليه، ولعل في دراستي لهذا الحديث تحريراً وحلاً للإشكال الوارد فيه، والله المستعان. (1)
7 - في أثناء دراستي لتعريف المشكل لم أقف على تعريفٍ جامعٍ مانعٍ له، بحيث يمكن الرجوع إليه واعتماده في هذا الباب، وقد عملت - في محاولة متواضعة مني - على إيجاد تعريف جامعٍ له، يشمل معناه في اصطلاح المفسرين والمحدثين والأصوليين.
_________
(1) للمزيد: ينظر: ص (562).
(1/725)
________________________________________
8 - من خلال استقرائي لكتب مشكل القرآن ومشكل الحديث ظهر لي أن الآيات أو الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها معارضة أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علمية ثابتة، أو حسٍ، أو معقول، لم تلقَ عناية كبيرة من العلماء، ولم يفرد من قبل بالتصنيف، لذا فإن هذا الموضوع يُعد من الموضوعات الجديرة بالدراسة والتحقيق، وهو مكمل لما أُلف قديماً وحديثاً حول مشكل القرآن والحديث.
9 - في أثناء الدراسة تبين لي أنَّ من الأسباب التي توهم الإشكال في الأحاديث هو وقوع الخطأ من الرواة في نقل لفظ الحديث، فتجد أحدهم ينقل الحديث بغير لفظه الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فيوهم معنى مشكلاً (1)، أو يروي حديثاً مرفوعاً للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذا الحديث من الغرابة والإشكال ما يستحيل معه أن يكون من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعند التحقيق يتبين خطأ رفعه، وأنَّ أصل الحديث يعود لرواية إسرائيلية (2)، أو غير ذلك.
10 - معرفة سبب النزول، وسبب ورود الحديث، مهمان للغاية في دفع التعارض بين النصوص الشرعية، إذ معرفة السبب تعين على فهم الآية والحديث ومعرفة المراد منهما، وبالتالي يسهل التوفيق بينهما عند التعارض.
11 - أن إنكار المجاز - والقول بوجوب حمل النصوص الشرعية على الحقيقة في كل الأحوال، وإن كان هناك قرينة على إرادة المجاز - رأي ينبغي إعادة النظر فيه؛ إذ القول بهذا الرأي ينشأ عنه تناقض بين النصوص الشرعية لا يمكن التخلص منه إلا بتكلف، والواجب هو التعامل مع النصوص الشرعية حسب الأساليب المتعارف عليها عند العرب، حيث كان القرآن ينزل بلغتهم ويخاطبهم وفق الأساليب التي تعارفوا عليها. (3)
12 - قد يتجاذب النصين دلالتان، وفي كلٍ من الدلالتين ما يُوهِمُ معارضة الدلالة الأخرى، فيظن الناظر أن هذا تعارض بين النصوص الشرعية، لكن عند التحقيق يتبين ضعف أحد الدلالتين، مما يؤكد أهمية معرفة دلالات
_________
(1) للأمثلة ينظر: ص (94، 181، 388، 510).
(2) للأمثلة ينظر: ص (236، 539).
(3) للأمثلة ينظر: ص (665).
(1/726)
________________________________________
النصوص الشرعية، وأهمية التفريق بينها. (1)
13 - اشتهرت عند عامة المفسرين والفقهاء قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، وهذه القاعدة في نظري ينبغي تقييدها فيقال بالعموم إلا أن يأتي دليل على التخصيص؛ وقد قرر ذلك بعض الأئمة بأنه لا مانع من قصر اللفظ العام على سببه، لدليل يوجب ذلك. (2)
14 - أن النص الشرعي قد يرد على سبب خاص، وقد يرد ابتداء من غير سبب، فإذا تعارضا في العموم فإن عموم النص الوارد ابتداء من غير سبب، أقوى وأولى بالتقديم من عموم النص الوارد على سبب خاص. (3)
15 - أنَّ قصر بعض أفراد العام على سببه، أولى من قصر جميع أفراده على سبب النزول؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (4)
16 - أن دعوى الإجماع لا بُدَّ وأن يكون لها مستند من كتاب أو سنة، وأنْ لا تخالف شيئاً من النصوص، وغالباً ما يُحكى الإجماع ولا تجد له أصلاً، أو يكون أصله مختلف في حجيته، وتحقق ثبوت الإجماع عزيزٌ قَلَّ أنْ يثبت. (5)
17 - أن الإمام مسلم قد يروي حديثاً مشكلاً في صحيحه، فيظن الناظر لأول وهلة أن الحديث صحيح، لكنه عند التحقيق يتبين أن الإمام مسلم رواه بالمتابعات لا في الأصول، وما رواه بالمتابعات ليس هو في درجة ما رواه في الأصول من حيث القوة، كما نص على ذلك الأئمة، وعليه فينبغي التفريق في العزو بين ما رواه في الأصول وما رواه بالمتابعات، ليتميز الحديث قوة وضعفاً. (6)
18 - يُعد موضوع فقه الخلاف ومنهج التعامل مع المخالف من الموضوعات التي لم تحض بعناية كبيرة من قبل العلماء، من حيث الدراسة والتقعيد والتنظير، وهو جدير بالدراسة والتأصيل، وفي أثناء دراستي لبعض
_________
(1) للأمثلة ينظر: ص (76).
(2) للأمثلة ينظر: ص (123).
(3) للأمثلة ينظر: ص (123).
(4) للأمثلة ينظر: ص (124).
(5) للأمثلة ينظر: ص (333، 460).
(6) للأمثلة ينظر: ص (181).
(1/727)
________________________________________
نقاشات الصحابة، وتعقب بعضهم البعض، رأيت دقة فهمهم، وسلامة صدورهم، واحترامهم للرأي الآخر، فهذه عائشة رضي الله عنها حينما ذُكِرَ عندها أن ابن عمر رفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ» قَالَتْ: وَهَلَ؛ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ». قَالَتْ: وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؛ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ»، إِنَّمَا قَالَ: «إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ»، ثُمَّ قَرَأَتْ: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) [النمل: 80] و (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [فاطر: 22]».
فهذه عائشة قد أنكرت على ابن عمر قوله، على علم ومسمع من الصحابة، ومع علمهم وسماعهم لحديث ابن عمر، ولم نجد أحداً منهم شنَّع على عائشة أو رماها بسوء، مما يؤكد تحلي الصحابة رضوان الله عليهم بالأدب الجم في التعامل مع المخالف، وسلامة صدورهم واحترام بعضهم البعض، وإن مما ابتليت به الأمة في هذه الأزمنة ضيق العطن وعدم قبول رأي الآخر، والتشنيع على المخالف وإن كان له مستند من دليل شرعي، مما أوغر الصدور وزاد في الفرقة، والله المستعان.
19 - من خلال الدراسة لم أقف بحمد الله على نصين متعارضين استحال الجمع بينهما، أو نص مشكل استحال حل إشكاله، وهذا مما يؤكد قطعية النصوص الشرعية، وأنها حق من عند الله تعالى، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وإن رام الأعداء هدم هذا الدين، والنيل منه، إلا أن الله متم نوره ولو كره الكافرون.
20 - أن معرفة مقاصد الشريعة يعد من الأهمية بمكان، بل هو الفقه الحقيقي، وأما النظر المجرد في النصوص الشرعية دون إلمام بمقاصدها ففيه قصور يوقع الفقيه في حيرة وتناقضات، وربما قاده فهمه الخاطئ إلى انحراف في السلوك أو الاعتقاد.
21 - من خلال الدراسة تبين أهمية معرفة الأدوات والأساليب اللغوية التي كان العرب يتخاطبون بها، وقد نزل القرآن بلغتهم وخاطبهم بالأساليب التي تعارفوا عليها، فيجب على الناظر في تفسير آيات القرآن الكريم أن يكون
(1/728)
________________________________________
ملماً بهذه الأساليب حتى لا يعتقد معنىً غير مراد في النص فينشأ عنده إشكال بسبب فهمه لا بسبب النص.
22 - دخول الإسرائيليات في علم التفسير أثر سلباً على هذا العلم، فكان من نتائجه وقوع الغلط من بعض الرواة والمفسرين، حيث أدخلوا بعض الروايات الإسرائيلية في التفسير ظناً منهم أنها من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد يكون في بعض هذه الروايات من الغرابة والإشكال ما يستحيل معه أن يكون من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا مما يؤكد أهمية دراسة المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التفسير، دراسة علمية تختص بنقد المتون أكثر منها في نقد الأسانيد؛ إذ الثاني قد أخذ حظه من الدراسة والتحقيق بخلاف الأول.
23 - يُعد جمعُ رواياتِ الحديث وألفاظِه من أهم العوامل المساعدة في الكشف عن علل الحديث، وفي أثناء دراستي لعلل بعض أحاديث التفسير المشكلة تبين لي أنَّ هذا اللون من التحقيق لم يلقَ عناية كبيرة من العلماء رحمهم الله تعالى، وقد تميز هذا البحث بالاستطراد في شرح علل الحديث وبيان مخارجه، ومن ثَمَّ معرفة الخلل ومنشأ الإشكال، والذي غالباً ما يكون بسبب وهْمٍ من أحد الرواة.
24 - بلغ مجموع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم - التي تمت دراستها - ستة وسبعين حديثاً، وهذه الأحاديث وقفت عليها بعد طول استقراء في كتب التفسير، والحديث، وغيرها، وقد اقتصرتُ على دراسة ما رُويَ في الكتب التسعة فقط.
25 - بلغ مجموع أحاديث التفسير المشكلة الواردة في الصحيحين - التي تمت دراستها - سبعة وأربعين حديثاً.
26 - وبلغ مجموع الأحاديث التي كان منشأَ الإشكال فيها وَهْمٌ من بعض الرواة أحد عشر حديثاً، عشرة منها جاءت في الصحيحين.
27 - وبلغ مجموع الأحاديث المشكلة - التي ثبت بعد الدراسة والتحقيق أنها ضعيفة - خمسة عشر حديثاً.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

****
(1/729)
________________________________________
مُلخص البحث
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذا ملخص لرسالة الدكتوراه المعنونة بـ:
الأَحَادِيثُ المُشْكِلَة الوَارِدَةُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِنْ خِلالِ الكُتُبِ التِّسْعَةِ، جمعاً ودراسة
إعداد: أحمد بن عبد العزيز المقرن القصير
وتتكون الرسالة من مقدمة، وقسمين وخاتمة:
المقدمة: وتحتوي على أهمية البحث، وخطة البحث، والمنهج المتبع فيه.
القسم الأول: ويحتوي على دراسة نظرية في الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وقد تناولت في هذا القسم تعريف المشكل والتعارض، وأسباب وقوع التعارض، وشروطه، ومسالك العلماء في دفعه، ثم بينت المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في التفسير، وختمت هذا القسم ببيان عناية العلماء بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم.
القسم الثاني: وهو عبارة عن دراسة تطبيقية للأحاديث المشكلة الواردة في التفسير، وقد جعلته في ثلاثة فصول:
الأول: وفيه دراسة الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم.
الثاني: وفيه دراسة الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما ويُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها.
الثالث: وفيه دراسة الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما ويُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلاً.
الخاتمة: وذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث، وكان من أهمها:
1 - أن هذا الموضوع يعد نافذة جديدة في مجال الدراسات القرآنية، حيث لم يفرد من قبل بالتصنيف.
2 - بلغ مجموع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم - التي تمت دراستها - ستة وسبعين حديثاً، وهي على التفصيل الآتي:
أحاديث التفسير المشكلة الواردة في الصحيحين سبعة وأربعين حديثاً، والأحاديث التي كان منشأَ الإشكال فيها وَهْمٌ من بعض الرواة أحد عشر حديثاً، عشرة منها جاءت في الصحيحين، وبلغ مجموع الأحاديث المشكلة - التي ثبت بعد الدراسة والتحقيق أنها ضعيفة - خمسة عشر حديثاً.
* * * *
(/)
________________________________________
__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
رد مع اقتباس