بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

   
 

المستشرقون والتراث

الكتاب: المستشرقون والتراث المؤلف: عبد العظيم محمود الديب (المتوفى: 1431هـ) الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة. مصر الطبعة: الثالثة، 1413 هـ - 1992 عدد الأجزاء: 1. أَعَدَّهُ للشاملة

إضافة رد
قديم 02-01-2021, 09:34 AM
  #1
إدارة الموقع
 الصورة الرمزية Eng.Jordan
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 24,351
افتراضي المستشرقون والتراث


الكتاب: المستشرقون والتراث
المؤلف: عبد العظيم محمود الديب (المتوفى: 1431هـ)
الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة. مصر
الطبعة: الثالثة، 1413 هـ - 1992
عدد الأجزاء: 1.
أَعَدَّهُ للشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ـ[المستشرقون والتراث]ـ
المؤلف: الدكتور عبد العظيم الديب
الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة. مصر
الطبعة: الثالثة، 1413 هـ - 1992
عدد الأجزاء: 1.
أَعَدَّهُ للشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
(/)
________________________________________
(1/2)
________________________________________
المُسْتَشْرِقُونَ والتراث
(1/3)
________________________________________
الطبعة الثالثة
1413 هـ - 1992 م

دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة. مصر
(1/4)
________________________________________
المُسْتَشْرِقُونَ والتراث

الدكتور عبد العظيم الديب

أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول بجامعة قطر

دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة. مصر
(1/3)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
(1/4)
________________________________________
مدخل إلى القضية:
ربما كان المدخل الصحيح لتقييم عمل المُسْتَشْرِقِينَ ودورهم في مجال تراثنا هو الإجابة عن هذه الأسئلة:

- كم كان حجم تراثنا؟ بمعنى: كم كان يُقَدَّرُ عدد الكتب التي تصلنا، لو لم يقدر له أن يلقى ما لقي، من تحريق وتغريق، وسطو وابتزاز، وإهمال وتهاون؟
- ثم كم بقي لنا بعد ذلك كله؟
- ثم كم منه في أيدينا الآن؟
- وكم في أيدي المُسْتَشْرِقِينَ؟
- وماذا صنعنا بما في أيدينا؟
- وماذا صنع المُسْتَشْرِقُونَ بما في أيديهم؟
- وكمن حُقِّقَ ونشر منه؟
- وكم حقَّقنا؟
- وكم حَقَّق المُسْتَشْرِقُونَ؟

أعتقد أنَّ الإجابة الدقيقة المُحَدَّدة عن هذه الأسئلة هي التي تعطي الصورة الصادقة، والحكم الصائب على عمل المُسْتَشْرِقِينَ ما دمنا بصدد تقييمه ووضعه في مكانه، وإعطائه قدره.

ومع أنَّ هذه المسأة في جملتها تبدأ بـ (كم) أي تحتاج إلى إجابة رقمية محدَّدة، فإننا لا نملك إلاَّ إجابة تقريبية عن بعضها، وعن بعضها الآخر لا نملك إجابة أصلاً، وعن بعض ثالث يستحيل أنْ نملك إجابة، فمن يستطيع أنْ يُقَدِّرَ لنا حجم تراثنا كله. لو لم يصبه ما أصابه؟؟ إنَّ ذلك فوق كل حَدْسٍ وأبعد من كمل تخمين.

إنَّ ما ضاع من تراثنا لا يمكن بحال أنْ يخضع لتقدير، فمن يستطيع أنْ يُقَدِّرَ لنا عدد المجلدات التي صنعت الجسر، بل السُدَّ الذي عبرت عليه خيول
(1/5)
________________________________________
هولاكو وجنوده بين شاطئي دجلة، ومن الذي يتسطيع أنْ يُحْصِي ما حرَّقه الصليبيون في حملاتهم التي جاءت في موجات متتالية مثل موجات التتار، وأشد فتكاً، وظلت نحو مائتي سَنَةٍ تتشبث بمواطئ أقدامها، وبالإمارات التي اتخذتها رؤوس جسور لاجتياح بلاد الإسلام جملة، وكانت الكتب والمكتبات طوال هذه المعارك هدفاً مقصوداً حيناً، ووقوداً للنيران الطائشة حيناً آخر، وإنْ أصاب القدس، وطرابلس، وعسقلان، وغَزَّة، والمَعَرَّةَ، وغيرها من المدن وإهلاكاً وإحراقاً، كيف يبقى على مكتباتها؟ وبحسبنا أنْ نذكر أنَّ «بعض المؤرِّخين قدَّر ما أتلفه الصليبيون في (طرابلس) وحدها بثلاثة ملايين مجلد» (1).

ويحدِّثنا التاريخ «أنَّ أحد الأطباء رفض دعوة سلطان بخارى للإقامة في بلاطه، لأنه يحتاج إلى أربعمائة بعير لنقل مكتبته» (2).

فإذا كانت الكتب في مدينة واحدة (طرابلس) نحو ثلاثمائة ملايين، والكتب التي في مكتبة خاصة لواحد من الأطباء تبلغ حِمْلَ أربعمائة بعير، فكم يبلغ ما كان في المدن الإسلامية كلها؟ وما كان في المكتبات الخاصة كلها؟
فإذا كان هو حجم التراث، وكان الباقي منه نحو ثلاثة ملايين مخطوطة فقط، فإذا عرفنا ما بقي بأيدينا، وما بقي بأييدي المُسْتَشْرِقِينَ، وما نشرناه، وما نشره المُسْتَشْرِقُونَ، وماذا نشروه من التراث؟ ولماذا نشروه؟ وكيف نشروه؟

إذا عرفنا ذلك، نستطيع أنْ نفصل في القضية، وأنْ نُقَدِّرَ للقوم عملهم حق قدره، لا نَنْقُصُهُمْ، ولا نبخسهم، ولا نزيدهم، ولا نُمَجِّدُهُم بدعوى (الاعتدال) و (الإنصاف) أو تغطية لشعور العجز والهوان.

وسنحاول في الصفحات القادمة أنْ نُقَدِّمَ نموذجاً لهذه الدراسة، عَلَّهَا تكون خطوة على الطريق، نحو الحكم (المنهجي) (العلمي) (الموضوعي) على عمل المُسْتَشْرِقِينَ، ودورهم في التراث.
__________
(1) الدكتور مصطفى السباعي. " من روائع حضارتنا ": ص 162.
(2) جلال مظهر. " حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي: ص 384.
(1/6)
________________________________________
اتجاهات النشر عند المُسْتَشْرِقِينَ:
للآن - فيما أعلم - ليس لدينا دراسة دقيقة، تقوم على حصر أعمال المُسْتَشْرِقِينَ، في مجال تحقيق التراث ونشره، ونحن - لا شك - أحوج ما نكون إلى هذه الدراسة، بل نراها تأخَّرت طويلاً، وإلى أنْ تَتِمَّ سيظل الحديث في هذا المجال (عمل المُسْتَشْرِقِينَ) يقوم على الحدس والتخمين، ويعتمد على ملاحظات سريعة، ويتأثَّرُ بأهواء مزاجية، وصلاتٍ شخصية، ومواقف نفسية، تجذبه من يمين ويسار.

وحينما نقوم بهذه الدراسة - إنْ شاء الله - نستطيع أنْ نرى في ضوئها ما يلي:
أولاً: عدد الكتب التي أخرجها المُسْتَشْرِقُونَ بجهودهم العلمية، وتحديد (الكَمِّ) الذي قاموا بخدمته من تراثنا، ويتبع ذلك، وينبني عليه بيان نسبة عملهم إلى مجموع ما تم نشرُهُ، فيتحدَّدُ بالضبط المقدار الذي اسهموا به في نشر تراثنا، فلا نغمطهم فضلهم - إنْ كان لهم فضلٌ - ولا ننسب إليهم ما لا يستحقُّون استجابة لعقدة الهوان، ومُرَكَّبَاتِ النقص التي سيطرت على كثيرين مِمَّنْ سَمَّوْا أنفسهم، وأسْمَتْهُمْ أجهزة التضليل (قادة الفكر).
ثانياً: معرفة اتجاهاتهم النشر لدى المُسْتَشْرِقِينَ، بمعنى أنْ نعرف الكتب التي تحظى باهتمامهم وتجذب انتباههم، من أي لون هي، ومن أي فرع من فروع المعرفة، وما قيمتها في هذا الفن، ثم ما علاقتها بما ينشرونه من فنون أخرى.
ثالثاً: درجة الدِقَّةِ والاتقان في هذه الأعمال، بل درجة الصحة
(1/7)
________________________________________
والصواب، وماذا فيها من خلل أو زلل نتيجة العجز عن إدراك سِرَّ العربية، وامتلاك ذوقها (3)، والعجز عن استكناه سِرَّ التراث، واستلهام روحه الرباني الإلهي.
بل ماذا فيها من خلل أو زلل، نتيجة للأحكام المُسَبَّقَةِ، والمواقف غير المحايدة، بل العدائية التي تدعو إلى تعمَّد التشويه والتحريف (4).

وعند ذلك تفرَّغ الأمَّة من هذه القضية ويصدر الحكم فيها بالأدلة الدامغة، والحقائق الثابتة، فننتهي منها، ومن اللجاجة حولها، ونفرغ لما سواها.

نموذج:
وقد حاولت إجراء نموذج مُصَغَّرٍِ لهذه الدراسة، لا يشمل عمل المُسْتَشْرِقِينَ كُلَّهُ - كما نرجو - وإنما شمل شريحة، أو قدراً لا بأس به من أعمالهم، ويتمثَّلُ هذا القدر في مجموعتين، من مجموعات المخطوطات المطبوعة:
الأولى: " معجم المخطوطات المطبوعة " (المجلدات الثلاثة الأولى) وهو من عمل الدكتور صلاح الدين المنجد (5).
__________
(3) كتب شيخ المُسْتَشْرِقِينَ الروسي، وأقدرهم بإطلاق (كراتشوفسكي) في يناير سنة 1909 م وهو في بيروت إلى شقيقته، يقول لها: «إنَّ اللغة العربية تزداد صعوبة، كلما ازداد المرءُ دراسة لها» (راجع المقدمة التي كتبتها زوجته لكتابه " مع المخطوطات العربية " - ترجمة الدكتور محمد منير مرسي). وما باللغة العربية من صعوبة! وكيف تزداد صعوبة مع الأيام كلما ازداد دراسة لها؟ إنَّ الصعوبة في إدراك سِرَّ اللغة العربية وامتلاك ذوقها، هذا هو الذي يعزُّ على المستشرق وأمثاله الذين لم ينشؤوا نشأة عربية، ولم يأخذوا اللغة العربية مأخذ الذين يتعرَّبُون من المسلمين، فيُشربون حُبَّهَا وذوقها في قلوبهم.
(4) نعني بذلك ما قد يكون من قُصُورٍ في قراءة النصوص التراثية التي نشروها، أو في تعليقاتهم عليها أو في المُقَدِّمات والدراسات التي يلحقوناه بها.
(5) طبع دار الكتاب الجديد. بيروت (طبعة ثانية) الجزء الأول 1398 هـ - 1978 م، الجزء الثاني 1400 هـ - 1980 م، والجزء الثالث 1983 م. وعلمتُ أنَّ جزءًا رابعاً لكن لم نستطع الوصول إليها للآن.
(1/8)
________________________________________
الثانية: " ذخائر التراث العربي " (الجزء الأول) وهو من عمل الدكتور عبد الجبار عبد الرحمن (6).
وكان ذلك على النحو التالي:
أولاً: بالنسبة لمعجم المخطوطات المطبوعة اتَّبعْتُ الخطوات الآتية:

1 - أحصيت كل المخطوطات المنثورة، فكانت النتيجة كالآتي:
في الجزء الأول: 414 أربعة عشر وأربعمائة (عنوان) ما بين كتاب، وجزء من كتاب، ورسالة صغيرة. (وذلك في الفترة من 1954 - 1960 م. خمس سنوات).

في الجزء الثاني: 352 اثنان وخمسون وثلاثمائة (عنوان) ما بين كتاب، وجزء من كتاب، ورسالة صغيرة. (وذلك في الفترة من 1961 - 1965 م. خمس سنوات).

في الجزء الثالث: 430 ثلاثون وأربعمائة (عنوان) ما بين كتاب، وجزء من كتاب، ورسالة صغيرة. (وذلك في الفترة من 1966 - 1970 م. خمس سنوات).

2 - أحصيتُ ما قام بنشره المُسْتَشْرِقُونَ في كل جزء، فكانت النتيجة كالآتي:
- في الجزء الأول 58 (عنواناً) (صرفنا النظر عن بعض الأعمال التي لا تعدو بضع صفحات).
- في الجزء الثاني 17 (عنواناً) (صرفنا النظر عن بعض الأعمال التي لا تعدو بضع صفحات).
__________
(6) مرتَّبٌ على حروف الهجاء بأسماء المؤلفين: يشمل الجزء الأول من حرف (أ - ش) في نحو (660) صفحة - نشر جامعة البصرة - سنة 1981 م.
(1/9)
________________________________________
- في الجزء الثالث 18 (عنواناً) (صرفنا النظر عن بعض الأعمال التي لا تعدو بضع صفحات).

3 - وعلى ذلك تكون النسبة المأوية لما نشره المُسْتَشْرِقُونَ إلى ما نشرناه كالآتي:
في الجزء الأول 14 %.
في الجزء الثاني 4 %.
في الجزء الثالث 4 %.
ويكون متوسط النسبة بين الأجزاء كلها هو 7 %.

وبالنظر إلى هذه النتائج نلاحظ أنَّ الفرق شاسع بين الجزء الأول والجزأين الثاني والثالث، حيث ترتفع النسبة إلى أكثر من ثلاثة أمثال، والأمر في حاجة إلى تفسير أو تعليل، ولعلَّنا لا نعدو الصواب إذا أرجعناه لما يلي:

1 - نحن نعتقد أنَّ (للزمن) دخلاً في ذلك، حيث اختصَّ الجزء الأول بفترة السنوات السبع من أول سنة 1954 م - إلى آخر سنة 1960 م، وهي ما بعد سنوات الحرب والتعمير، ذلك أنَّ فترة الحرب العالمية الثانية، التي انتهت سنة 1945 م، وما تلاها من مرحلة بناء، [وكانت أشد وأقسى من سنوات الحرب ذاتها]- كانت فترة خمود وركود، أعني أنَّ عمل المُسْتَشْرِقِينَ توقف أو كاد في أثناء الحرب وما تلاها من مرحلة بناء، فلما استقرَّت الأمور، وبدأ رجال الاستشراق يعودون لمؤسساتهم، ومواقعهم، كان لديهم عندما عادوا رصيداً من الأعمال توقف نشره، فأضافوه إلى ما جدَّ من عمل ووُلِدَ من نتاج، فكان ذلك هو السبب في تضاعف نسبة أعمالهم في هذه الفترة التي أعقبت فترة الحرب والتعمير.

ولعلَّ ما يؤيِّدُنا في ذلك ما ذكره نجيب العقيقي (وهو واحد منهم) (7)
__________
(7) انظر كتابه " الاستشراق والمستشرقون " حيث يتحدَّثُ عن المدرسة المارُونية ضمن مدارس الاستشراق، ويجعل نفسه واحداً من رجال المدرسة المارُونية.
(1/10)
________________________________________
حيث قال: «وأصيب نشاط لجنة " دائرة المعارف الإسلامية " بعد الحرب بشيء من الاضطراب، وقُضي على بعض أعضائها في ساحتها، ثم استأنفت من بعدُ نشاطها» (8).

ويلفت نظرنا في عبارته، قوله «بعد الحرب» مِمَّا يؤكِّدُ ما قلناه من أنَّ فترة ما بعد الحرب كانت فترة شدَّة وجُهدٍ، لا تقلُّ عن فترة الحرب ذاتها.

كما يلفت النظر أيضاً قوله: «وقُضي على بعض أعضائها في ساحتها» فهذا يؤكِّدُ ما سنقوله من علاقة المُسْتَشْرِقِينَ بوزارات المستعمرات، وأنهم كانوا طلائع الغزو الاستعماري، وأنهم كانوا في قلب معارك بلادهم وحروبها.

2 - ونستطيع أنْ نضيف عاملاً آخر، وتفسيراً آخر لنقص إنتاجهم، وهو أنَّ سنة 1960 م هي السَنَةُ التي أعلنتها الأمم المتحدة سَنَةَ إنهاء الاستعمار (9)، وبعدها اختفت النظم السياسية (وزارات المستعمرات) وكما هو مُقَرَّرٌ ومعروف للجميع، كانت هذه الوزارات هي الملجأ الأول الذي يعيش في كنفه الاستشراق، ويرعى حركته.

فلما زالت هذه الوزارات، أو ضعف شأنها، فقدت حركة الاستشراق أكبر مُعِينٍ لها، وتحوَّل من كان في كَنَفِهَا من المُسْتَشْرِقِينَ، إلى ما بقي من أوكار التبشير والاستخبارات، والمراكز الاستشارية ونحوها.
فكانت هذه الهزَّة سبباً - فيما نُقَدِّرُ - لهذا الانخفاض الواضح في إسهامات المُسْتَشْرِقِينَ.

3 - كم كُنَّا نتمنَّى أنْ نقول: إنَّ انخفاض نسبة أعمال المُسْتَشْرِقِينَ هذا
__________
(8) " الاستشراق والمستشرقون ": ص 1108.
(9) انظر حقائق أساسية عن الأمم المتحدة ص 173 أصدرته إدارة الإعلام العام بالأمم المتحدة - طبع بمطابع الشعب بالقاهرة سنة 1980.
(1/11)
________________________________________
جاء نتيجة لزيادة أعمالنا، وثمرة لكثرة إنتاجنا نحن في هذا المجال، بمعنى أنَّ (حجم) عمل المُسْتَشْرِقِينَ بقي كما هو، لكن سبب ازدياد نشاطنا وجهودنا بدأ عملهم ضئيلاً وجهدهم قليلاً. نعم، كنا نتمنَّى أنْ نقول ذلك، ولكن هذا لا يستقيم، ولا يكون صحيحاً، بسبب ما هو واضح من مُجرَّد النظر إلى العدد الكلي في الفترات الزمنية الثلاث التي كانت موضع الدراسة، فالتفاوت بينها يسير.
ويمكن التعبير عن ذلك بالأرقام بصورة أكثر وضوحاً هكذا:
60 كتاباً (متوسط العدد الكلي في السَنَةِ الواحدة من الفترة الأولى: 1954 - 1960 م).
70 كتاباً (متوسط العدد الكلي في السَنَةِ الواحدة من الفترة الثانية: 1961 - 1965 م).
80 كتاباً (متوسط العدد الكلي في السَنَةِ الواحدة من الفترة الثالثة: 1966 - 1970 م).

ونسبة ما يخص المُسْتَشْرِقِينَ في كل سَنَةٍ من السنوات كالآتي:
8،2 كتاباً في السَنَةِ الواحدة من الفترة الأولى.
3،4 كتاباً في السَنَةِ الواحدة من الفترة الثانية.
3،6 كتاباً في السَنَةِ الواحدة من الفترة الثالثة.

وبذلك يتأكَّدُ تماماً انخفاض إنتاج المُسْتَشْرِقِينَ منذ سنة 1960 م، كما يتَّضح أنَّ هناك زيادة في مُعدَّل إسهامنا، وإنجازنا - نحن المسلمين - في هذا المجال، إلاَّ أنها - كما أشرنا آنفاً - زيادة طفيفة، لا تتناسب مُطلقاً مع ازدياد عدد الجامعات والخرِّيجين، وعدد المؤسسات العلميَّة، ومراكز البحوث، والهيئات العاملة في مجال خدمة التراث، ولا مع مُعدَّل الثراء والرخاء، الذي حظي به العالم العربي، ولا مع هذه الصحوة الإسلامية الفكرية الرشيدة، التي يموج بها العالم الإسلامي اليوم.
(1/12)
________________________________________
ثانياً: بالنسبة لكتاب " ذخائر التراث " للدكتور عبد الجبار عبد الرحمن، فهو قد حَدَّدَ مجال عمله بقوله:
«يحاول هذا الكتاب ـ جهد المستطاع ـ حصر وتسجيل ما طبع من المخطوطات التي صنَّفها المؤلفون العرب والمسلمون في شتَّى فنون العلم والمعرفة منذ بدء التدوين إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري (10)، سواء ما أخرجته المطابع الشرقية، أو الغربية، وما حقَّقه ونشره المُسْتَشْرِقُونَ أو الشرقيون، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين» (11) أي أنه معجم للمخطوطات المطبوعة منذ بدأت الطباعة، على أنْ تكون هذه المخطوطات من عمل ونتاج القرون العشرة الأولى من الهجرة، كما جعل سنة 1980 م حداً ينتهي إلى الكتب التي طبعت عنده.
ولما يصل إلى يدنا للآن إلاَّ الجزء الأول، وقد أجرينا الإحصاء بطريق العيِّنة العشوائية، فاخترنا عدداً متساوياً من الصفحات من كل مائة بدون ترتيب، فحصلنا على ست وخمسين صفحة، بواقع ثماني صفحات من كل مائة، من المئات السبع.

ثم أجرينا باقي العمليَّات الإحصائية بالطريقة السابقة نفسها:
1 - حصرت عدد المؤلفات المنشورة في هذه الصفحات، فكانت (320) عشرين وثلاثمائة كتاب.
2 - أحصينا ما قام المُسْتَشْرِقُونَ بنشره فكانت النتيجة 32 كتاباً اثنين وثلاثين كتاباً.
3 - وعلى ذلك تكون النسبة المئوية 10 % عشرة في المائة.
ويلاحظ أنَّ هناك تفاوتاً بين هذه النتيجة والنتائج السابقة، بمعنى أنها في الواقع تسجل زيادة وارتفاعاً في السَنَةِ، حيث كان متوسط الأجزاء الثلاثة في " معجم " صلاح الدين المنجد 7 %.
__________
(10) أضاف المؤلف هامشاً هنا أنه «ركَّز على مؤلفات القرون العشرة الأولى، ولا يتعرَّضُ بعدها إلاَّ للمؤلفات البارزة» كذا قال.
(11) انظر ص: 10.
(1/13)
________________________________________
ونستطيع في النهاية أن نخرج بالنتائج الآتية:
1 - أنَّ معدل إسهام المُسْتَشْرِقِينَ وإنتاجهم سَجَّلَ هبوطاً ملحوظاً منذ مطلع الستينيات، ولا يزال مستمراً.
2 ـ أنه كانت هناك طفرة في السنوات التي تلت انتعاش الغرب بعد الحرب العالمية الثانية.
3 ـ أن نسبة الـ 10 % تعبر مؤشراً صادقاً إلى حد ما، لمتوسط إنتاج المُسْتَشْرِقِينَ. بالنسبة لمجموع ما نشر من مخطوطات منذ الطباعة للآن.

تَحَفُّظٌ:
ولنا أن نتحفظ على هذه النتيجة (مؤقتاً) إلى أن يتم الحصر الشامل الكامل لجميع المخطوطات المطبوعة، وما قام به المُسْتَشْرِقُونَ منها.
بل سيظل هناك شيء من التحفظ [ولو تم الحصر الشامل]، ذلك أنَّ النسبة التي ستفلت من الحصر (وهذا شيء متوقع، بل مقطوع به) سيكون أكثرها من عملنا، وبالذات من نشر الأفراد، (العمل الشخصي) ذلك أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ يُحْسِنُونَ تسجيل أعمالهم وجدولتها، والنشر عنها، والإعلام بها، ونحن نحسن استقبالها والتنويه بها، أما جهود الأفراد بل الهيئات الإسلامية، فيقيني أَنَّ قدراً لا باس به من عملها سيظل خارج الإحصاء والحصر، وعندها يبدو عمل هؤلاء أكبر من حجمه، 0وأكثر من واقعه.
(1/14)
________________________________________
الاتجاه الفكري للمستشرقين:
في ضوء هذه الدراسة السابقة رأينا إسهام المُسْتَشْرِقِينَ من حيث (الكم والحجم) ونسبته إلى عملنا، أما من حيث اتجاههم الفكرية، التي يمثِّلها ويكشف عنها اختياراتهم، فقد أجرينا دراسة إحصائية على المجموعات السابقة من الكتب نفسها، وكانت النتيجة كما يلي:
أولاً: بالنسبة لما هو منشور في معجم الدكتور المنجد:

[الفن]-------------------------------- عدد الكتب -------------------النسبة المأوية

- التصوف والفلسفة وعلم الكلام .............. 40 ........................... 43 %
- التراجم والتاريخ .............................. 28 .......................... 30 %
- تفسير ......................................... 2 ............................ 2،1 %
- لغو ونحو ..................................... 3 ............................ 3،2 %
- أدب ........................................... 3 ............................ 3،2 %
- بلاغة ......................................... 3 ............................ 3،2 %
- رحلات وجغرافيا ............................. 4 ............................ 4،3 %
- شعر وطرائف ................................ 3 ............................ 3،2 %
- فقه ........................................... 4 ............................ 4،3 %

- علوم ......................................... 3 ............................ 3،2 %

.................................................. 93 .......................... 99،7 %

ولا تختلف الاتجاهات كثيراً بالنسبة لما هو منشور ي (ذخائر التراث)، حيث تتوزع الكتب على النحو التالي:

[الفن]-------------------------------- عدد الكتب ----------------النسبة المأوية
- التصوف والأخلاق ........................ 4 .............................. 12،5 %
- الديانات (مقارنة ونقد) ................. 2 .................................. 6 %
- عقيدة وكلام .............................. 2 ................................... 6 %
- تاريخ ..................................... 7 ................................. 21 %
(1/15)
________________________________________
- تراجم ..................................... 3 ...................................... 9 %
- سيرة ..................................... 1 ...................................... 3 %
- تفسير .................................... 1 ...................................... 3 %
- حديث .................................... 1 ...................................... 3 %
- أدب ..................................... 2 ...................................... 6 %
- شعر ..................................... 3 ...................................... 9 %
- لغة ونحو ............................... 3 ...................................... 9 %

--------------------------------------- 23 كتاباً ----------------------- 98،0 %

هناك كسور طفيفة تكمل بمجموعها المائة 100 %

ويجب أنْ ننبِّه هنا إلى ما يلي:
[أ] أنه قد يخالفنا مخالف في هذا التوزيع، ومرجع ذلك أنَّ هذه المؤلفات القديمة، قد يتنازعها أكثر من فنِّ من فنون المعرفة، وتصلح للانتساب لكل منها، بما حوته من موضوعات، ومن حيث الزاوية التي ينظر منها الناظر إليها، ومن حيث الاعتبار الذي يعتبرها به، فالكتاب في حياة أحد أئمة التصوف (مثلاً) قد يصنَّف في التراجم وقد يصنَّف في التصوُّف، بالنظر إلى ما حواه من مذهب الرجل وفكره.

وما برح مفهرسو الكتب يختلفون (أحياناً) في الفن الذي يضعون تحته هذا الكتاب في فن من الفنون ويشار إليه ويحال عليه في الفن الآخر الذي يمكن أن يحتويه أيضاً.
[ب] أنَّ هذا التوزيع - على قوة دلالته، ليس كافياً لتوضيح اتجاهات النشر عند القوم، فلا بُدَّ أنْ نرى أيَّ كتب في الفقه ينشرون، وأيَّ كتب في التاريخ، وأيَّ كتب في الفلسفة، وهكذا، فليس كل فقه ولا كل تراجم، ولا كل تاريخ، يكون كافياً باسمه وعنوانه، و (صنفه).

ولعلَّ هذه النتائج ليست في حاجة إلى نظر أو تأمُّل، فهي تنطق
(1/16)
________________________________________
باتجاهات القوم في النشر بوضوح، وتكشف عن أهدافهم بجلاء، فالتصوُّف والفلسفة وعلم الكلام (وهو الاتجاه الأول عندهم) ليعرفوا السلوك، والفكر، والعقيدة، ويا ويل من عرف عدوّه، سلوكه ونفسه، وحقائق فكره، ومناحي آرائه، ومكامن عقيدته، وخفايا قلبه.

فهذا الولوع العجيب الغريب بدراسة هذه العلوم، ونشر مؤلفاتها، لا تفسير له إلاَّ في ضوء أهدافهم، فهم يتعرَّفُون على هذا اللون من الفكر، ويتَّبعون شطحاته وانحرافاته، وكي تقعد بالناس عن الجهاد، بل عن العمل، أيَّ عمل، ويرون كيف يقوم لهم هذا - إذا رَوَّجُوهُ بمُهِمَّة الجيوش، إذ يشُلُّ حركة الأمة، ويُقعدها عن المقاومة ن بل يُزَيِّنُ لها الاستسلام.

ومن أراد دليلاً على ذلك، فلينظر في تاريخ الجزائر، ليرى كيف قاوم (الطُّرُقِيُّونَ) المتصوِّفُون حركة ابن باديس (الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية) وهي حركة دينية إسلامية واعية، داعية لحفظ الذات، و***** الهُوية، ثم إلى مقاومة الجادَّة الثابتة، والوقوف في وجه (فَرْنَسَةَ) الجزائر، ومسخها، وكيف كان لدراسات المُسْتَشْرِقِينَ، ومطبوعاتهم أثر في هذا التوجيه الاستعماري الخبيث (للطرقيِّين) واستخدامهم ضد المجاهدين والوطنيِّين، وقد أكد هذا المعنى أستاذنا الدكتور محمود قاسم (12) حين قال: « ... إنَّ الاستعمار الفرنسي للجزائر استطاع بجبروته وعَسَفه أنْ يفرض لغته على كثير من المُثقفين في الجزائر وشمال إفريقية، غير أنه لم يستطع أنْ ينال كثيراً من العقيدة الإسلامية، رغم ما بذله المُختَصُّون في شؤون الثقافة من محاولات لفصم العقلية الجزائرية، عن طريق تمجيد التصوُّف الكاذب، وإشاعة الخرافات والأباطيل، على نحو ما نراه
__________
(1) العميد الأسبق لكلية دار العلوم. جامعة القاهرة، ولكلامه في هذه القضية وزنه وقيمته، فهو من القلائل الذين حصلوا على دكتوراه الدولة في الفلسفة من السوربون، وكان - رَحِمَهُ اللهُ - من ألمع الدارسين للفكر العالمي، ثم هو أيضاً عايش هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ وخَبِرَهُمْ عن قُرْبٍ.
(1/17)
________________________________________
في مؤلَّفات لويس (ماسينيون) الذي خَصَّصَ حياته للكتابة في الحَلاَّج (13)، فجعله صورة من المسيح في الإسلام، وأعتقد أنَّ ماسينيون، ما كان يُعْنَى بالحلاَّج قد عنايته بتنفيذ مُخَطَّطٍ استعماري أحكم صُنْعَهُ؛ فقد ملأ كتابه الضخم عن الحلاَّج بحشد هائل من الخرافات والتُرَّهات والأباطيل، حتى يعمِّق الهُوَّةَ بين طائفتين توجدان بالجزائر: طائفة تتمسَّكُ بالقديم، فتنساق، حسب ظنِّهِ، إلى اعتقاد أنَّ هذه الخرافات والهذيانات هي صميم الإسلام، وطائفة مُثَقَّفَةٌ بالثقافة الحديثة تتَّجهُ من جانبها إلى السُخْرية والزراية بهذا الإسلام الخُرافي، بل من الإسلام كله» (14).

بل غير خافٍ أنَّ (لويس ماسينيون) هذا «كان مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون الشمال الإفريقي، والراعي الروحي للجمعيات التبشرية الفرنسية في مصر، وخدم الجيش الفرنسي خمس سنوات في الحرب العالمية الأولى» (15).

ومن أراد دليلاً آخر، فلينظر في تاريخ السودان، وكيف حاولوا أنْ يُمَزِّقُوهُ طوائف وفرقاً (وطُرُقاً) وكان أنْ تقدَّم أحدهم، وأعلن إسلامه وتسمَّى باسم الشيخ أمين، ولبس ملابس شيوخ الطُرُق، وعاث في عقول الناس فساداً وإفساداً، ثم هالهم أنْ طلع عليهم ذات صباح في صحبة (غوردون) قائد جيش الاحتلال الذي استدعته إنجلترا ليخمد ثورة السودان سنة 1885 م (16).

ولعل في تلك الواقعة التي أوردها الدكتور محمد محمد حسين في كتابه
__________
(13) مِمَّا يذكر بأسَى أنَّ عالماً جليلاً نَعُدُّهُ مستنيراً، أسرف على نفسه وعلى قُرَّائِهِ ذات حديث إلى مجلة إسلامية كبرى فمجَّد المُسْتَشْرِقِينَ، وما أدُّوهُ للتراث، ولما أراد أنْ يستدلَّ على قوله لم يجد إلاَّ عمل ماسينيون في تراث الحَلاَّج ودراسته، وهذا مِمَّا وقعنا فيه من تغرير وخداع.
(14) الدكتور محمود قاسم: " الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية ": ص 7، وانظر الفصل الثاني من 35 - 70.
(15) الدكتور محمد البهي: " الفكر الإسلامي الحديث وصِلَتُهُ بالاستعمار الغربي ": ص 556.
(16) انظر بحثنا لكاتب هذه السطور بعنوان (جنوب السودان - دراسة تاريخية) " صحيفة التربية ".
(1/18)
________________________________________
" حصوننا مهدَّدةٌ من داخلها " (17)، وهي أنَّ مندوب مؤسسة روكفلر (18) الأمريكية كان يزور الجامعة السورية بدمشق، وقد تلكَّأ هذا المندوب ولاذ بمختلف المعاذير، حين أعربت له الجامعة عن حاجتها إلى بعض المخابر والأجهزة العلمية، ولكنه لم يلبث أن ظهر البشاشة، ولم يتردَّدْ في قطع الوعود بالمساعدة حين انتقل الحديث إلى إنشاء معهد لدراسة التصوف الإسلامي».

ففي تلك الأمثلة ما يشهد بأي اتجاه يريدونه لنا، فحين تعلق الأمر بالمخابر والأجهزة العلمية التي تنقلنا إلى العل وتنتج لنا منجزات العصر، كان التلكؤ والاعتذار، وحين كان الأمر متعلقاً بالتصوف كانت الاستعدادات جاهزة، والمنح مبذولة، والإمكانات متاحة، حيث ينقلنا ذلك الفكر إلى المتاهات، والخلافات، ونظل نمضغ أشياء لا تسمن ولا تغني من جوع.

وقد عَبَّرَ عن ذلك أصد تعبير في أوجز لفظ أستاذنا الدكتور محمود قاسم: «لقد نقلنا المُسْتَشْرِقُونَ إلى أرسطو على حين نقلوا أنفسهم وقومهم إلى مناهج المسلمين وعلومهم» (19).

ألف ليلة:

وإذا لم يكف كلُّ ما قدمناه من أدلة على اتجاه النشر عندهم، وأنهم يوجهونه إلى معرفتنا ثم إلى تمزيقنا وتدميرنا.

إذا لم يكف كلُّ ما قدمناه من أدلة على اتجاه النشر عندهم، وأنهم يوجِّهُونه إلى معرفتنا ثم إلى تمزيقنا وتدميرنا.

إذا لم يكف ذلك، فهل أتاك نبأ «ألف ليلة وليلة»؟؟ تلك القصص الخرافية التي رَوَّجُوهَا فينا، حتى فشت منها فاشية في كل أنحاء العالم الإسلامي، ومن يتتبَّع طبعاتها المتوالية، ويتتبَّع الدراسات والبحوث التي أجريت بشأنها، يُدرك أنهم جعلوها لنا زاداً واتَّخذوها - هم - مصدر الدراسات للمجتمع الإسلامي في عصوره الناهضة الواعدة، فجعلوا ما في هذه الأقاصيص من خرافات هي الصورة الحقيقية للمجتمعات الإسلامية.
__________
(17) انظر: ص 144.
(18) معلوم أنها مؤسسة تزعم أنها تقدم مساعدات ومعونات لتنمية الدول المُتَخَلِّفَةِ.
(19) أنور الجندي: " المؤامرة على الإسلام ": ص 209.
(1/19)
________________________________________
في إبان قيادتنا للإنسانية، وريادتنا للبشرية، وأيام إسعادنا للدنيا، وسعادتها بنا، جعلوا " ألف ليلة وليلة " هي الصورة (الحقة) لحياة المسلمين، حينما يسودون ويقودون، بمنهج يبدو مستقيماً، في ظاهره، وفي حقيقته كل الالتواء، إذ قالوا: «إنَّ الأدب مرآة للمجتمع الذي يولد فيه» وهو وثيقة يُحَرِّرُهَا (الناس) بعيداً عن السلطة، وعن المراقبة، حيث لا رغبة ولا رهبة، ولا مجاملة، وحيث يكتب من يكتب بنفسه لنفسه، لا يعنيه أْنْ يَطَّلِعَ الناس على ما يكتب، ولا يدري أنَّ الناس سيقرأون ويدرسون ما كتب (20)، كذا قالوا.

وبهذا الأسلوب، وبهذا المنطلق صارت " ألف ليلة وليلة " معين الدارسين، منها يأخذون أخبار تاريخهم ومن وحيها يرسمون صورة أجدادهم، وآبائهم، ومن هنا لم نعجب حينما كتب (أحدهم) مقالاً هائجاً في مجلة سيارة من المجلات التي تدعو إلى (النهضة) وتحلم (باليقظة) لا نعجب إذ جعل عنوان مقاله: (لئلاَّ يعود هارون الرشيد).
وكتب كاتب واع ممن يدري من أين أتت هذه السموم، يرثي لحاله، ويدعوه أنْ يعاود النظر في تاريخ أمته وكان مقاله بعنوان (بل، ليعد هارون الرشيد).
ولا تعجب إذا سمعتَ - كما سمعتُ أستاذاً جامعياً، ممن انعقد لهم لواء الريادة في مجال الفكر والتربية، وصياغة العقول، عقول شبابنا وأجيالنا المقبلة، صرخ ذات حديث عن التراث وهو يتأفف ويكاد يصاب بالغثيان: «أتريدوننا أنْ نعيد ليالي بغداد وهارون الرشيد؟؟؟.!!!».

وآخر ذات يوم يقول، وهو في نشوة الإعجاب بنفسه الراضي عن واقعه كل الرضا، شاعراً أنه مفكر العصر والأوان. يقول: «كان هارون الرشيد
__________
(20) لسنا هنا لمناقشة هذا المنهج (الآن) وهو الذي يبدو في ظاهره صائباً لكن وراء ذلك ألف تحفظ وتحفظ.
(1/20)
________________________________________
إذا صعد على الدرج في قصره، يصطف له صفان من العذارى على الجانبين، وهن عاريات الصدور متعطرات متبرِّجات بزينة، حتى يتكئ بيده على (النهود)!!.

هكذا تسري سموم " ألف ليلة وليلة " تقتل في بطء، وتفتك على مهل، وبدون أنْ تترك أثراً أي أثر (مثل ذلك النوع من السموم التي صارت تستخدمه وكالات الاستخبارات (الحديثة) (المتحضِّرة) في التخلص من المناوئين.

ولو أردت أنْ تعرف مدى احتفاء هؤلاء بـ " ألف ليلة وليلة "، فانظر في " دائرة المعارف الإسلامية " لترى أنهم كتبوا عنها 35 صفحة كاملة، وأنَّ نحو عشرين من عُتاتهم وأعلامهم أصدروا أبحاثاً عنها، ما بين دراسات وترجمات وتعليقات.

وبالتالي كان لنا مثل هذه العناية أو أشد، حتى صارت تقدم حلقات مسلسلة في الإذاعات مسموعة ومرئية، وكأنَّ ما كان من كتابات ودراسات، وطبعات ومختصرات، لم يكف، فأرادوا بالسم أنْ يصل إلى النخاع.

وآخر أخبر " ألف ليلة وليلة " ما كتبه الأستاذ أحمد بهجت في صحيفة " الأهرام " على لسان والد طالبة في كلية الآداب بجامعة القاهرة يشكو من تكليف ابنته بدراستها، واطلاعها على ما فيها من فُحْشٍ يخدش الحياء، ويرجو (فقط) أنْ تتاح لأبنائنا طبعة (مُهَذَبَةً) خالية من هذه (الألفاظ). وإلى هنا والأمر طبيعي لا شيء فيه، ولكن الذي يلفت الانتباه أنَّ الأستاذ الجامعي الذي أمر طلابه بهذا ثار وهاج وماج وسب وشتم، واتهم من يحول بين (الطالبات) وبين هذه الـ " ألف ليلة وليلة " بكل ما فيها وجعله جاهلاً بالتراث ولا يدري ما معناه وقيمته.

وهكذا تكون قد نجحت خطة القوم، في وضع " ألف ليلة وليلة " في بؤرة الشعور، أو في بؤرة التراث، إنْ صح هذا التعبير.
(1/21)
________________________________________
الأغاني:
وفي كتاب " الأغاني " نموذج آخر لاتجاهات هؤلاء في النشر، فقد لقي هذا الكتاب من العناية والمبالغة في شأنه أكبر مما لقيته " ألف ليلة وليلة "، ولن تخطئ أصابع المُسْتَشْرِقِينَ وراء ذلك، هذا الكتاب العجيب الغريب، الذي ليس أعجب منه إلاَّ حياة مؤلفه، فقد قالوا: «إنه أموي نسباً شيعي مذهباً» وهذا لم يتفق لأحد سواه، أما وصف حياته، وخلقه وسلوكه، ففيه ما يقبح ذكره (21)، ويكفي أنَّ علماء الرجال الأثبات قالوا في الحُكْمِ على روايته «كَذَّابٌ يأتي بالعجائب والغرائب بِحَدَّثَنَا وَأَنْبَأَنَا» (22).

هذا الكتاب وما لقيه من اهتمام ظهر أيضاً في العناية بطبعه، وإخراجه ونشره وإذاعته، ثم في الدراسات والأبحاث حوله، ثم تيسيره وإتاحته لكافة المستويات على هيئة " تجريد الأغاني "، و " تهذيب الأغاني "، و " مختارات الأغاني ". ثم أيضاً حلقات إذاعية ومسلسلات، حتى صار هو المصدر الأول (لكل) الدراسات الأدبية (تقريباً) وتعدَّى ذلك إلى دراسة التاريخ، بل وتاريخ الفكر من فقه وتفسير وعقيدة، ومن ثم استشرى خطره وصار ما فيه من طرائف وغرائب أحكاماً ثابتة، وقضايا مقررة، يستند إليها من يطعنون في رُواة السُنَّة، وفي فتاوى الأئمة، وآراء الفقهاء، وأحكام القضاة.

وصار وهو كتاب " الأغاني " أي يُؤَرِّخُ لجانب من جوانب الحياة، هو جانب اللهو والعبث، صار ما فيه من استطراد، وأخبار تابعة لأخبار اللهو والمجون، صار ذلك هو الأصل، والأساس الذي يبني عليه، والمصدر الذي يُعتمد عليه عند الدارسين، وما ذاك إلاَّ لأنه أقرب موردٍ إليهم، وأيسر شِرْبٍ بين يديهم، فمنه يعبون، وبه يَرْتَوُونَ وَيَرْوُونَ، حتى شربت الأُمَّةُ كلها أو كادت من هذا النبع المسموم.
__________
(21) منذ فترة ونحن نعد بحثاً في هذا الموضوع جعلنا عنوانه " كتاب الأغاني - ذلك النهر المسموم " لكن تجذبنا الشواغل وما يَجِدُّ من قضايا هنا وهناك، فلا نفرغ له. فعسى أنْ يكون ذلك قريباً إنْ شاء الله.
(22) " ميزان الاعتدال "، و " لسان الميزان ".
(1/22)
________________________________________
هذه آثارهم:
كثيراً ما يمتن علينا هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ، وتلاميذهم، بأنهم نشروا لنا أمهات المراجع، والكتب والأصول، فيذكر لنا نجيب العقيقي ومن لَفَّ لَفَّهُ. «أنهم أخرجوا لنا ألوف الذخائر، مرتبة مفهرسة، تعتمد عليها جامعاتنا، ويرجع إليها علماؤنا مثل:
1 - " السيرة النبوية " لابن هشام.
2 - " فتوح البلدان " للبلاذري.
3 - " الطبقات الكبرى " للواقدي.
4 - " معجم الأدباء " لياقوت.
5 - " نفح الزهور " لابن إياس.
6 - " الكامل " للمبرد.
7 - " نقائض " جرير والفرزدق.
8 - " تاريخ " الطبري.

ولكن لست أدري لماذا لم يذكروا أنهم نشروا (23) مثل هذه الكتب:
1 - " أخبار الحلاَّج " الحسين بن منصور ت 309 هـ - 622 م. نصوص قديمة جمعها ماسينيون مع ترجمة فرنسية.
2 - " الطواسين " للحلاَّج.
3 - " البلغة في الحكمة ".
4 - " طبقات الصوفية " السُّلَمِي أبو عبد الرحمن [محمد بن الحسين].
__________
(23) المقصود هنا هو كل ما نشرته مؤسساتهم ومطابعهم ومجلاتهم، سواء أكان من عملهم وتحقيقهم أم من عملنا نحن، بل إنَّ ما يكون من عملنا هو في الواقع ثمرة لتوجُّههم وأثر لفكرهم. وهذا أسوأ من عملهم المباشر.
(1/23)
________________________________________
5 - " آداب الصحبة وحسن المعاشرة " للسُّلمي أيضاً.
6 - " التشوف إلى رجال التصوف " ابن الزيات الشاذلي يوسف بن يحيى (627 هـ - 1230 م).
7 - " الرسائل الصغرى " لابن عباد الرندي، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم (ت 792 هـ).
8 - " الخلوة والتنقل في العبادة ودرجات العابدين " الحارث بن أسد المحاسبي (234 هـ - 857 م).
9 - " ذم الدنيا " لابن أبي الدنيا، أبو بكر عبد الله بن محمد عبيد القرشي البغدادي (281 هـ).
10 - " المنتقى من كتاب الرهبان " لابن أبي الدنيا أيضاً.
11 - " المسائل " للخراز، أبو سعيد أحمد بن عيسى (286 هـ - 899 م).
12 - " رسائل الجُنَيْد " الجُنَيْدُ بن محمد البغدادي (297 هـ).
13 - " مثلي الطريقة في ذم الوثيقة " للسان الدين بن الخطيب (776 هـ - 1374 م).
14 - " الأئمة المستورين " المهدي بن عبد الله.
15 - " الشافية " لأبي فراس شهاب الدين الإسماعيلي.
16 - " الهفت والأظلة " للمفضل بن عمر الجعفي. صاحب فرقة خاصة (المفضلية) من الشيعة الإسماعيلية.
(1/24)
________________________________________
17 - " تاج العقائد ومعدن الفوائد " لعلي بن محمد الوليد الراعي الإسماعيلي المطلق (612 هـ).
18 - " الإيضاح " للراعي، شهاب الدين الإسماعيلي.
19 - " الأقصار في فقه الشيعة " للنعمان بن محمد المغربي القاضي (ت 363 هـ).
20 - " الحِكَمْ الجعفرية " للإمام جعفر الصادق - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -.
21 - " تفسير الإمام جعفر الصادق ".
22 - " تنقيح الأبحاث والملل الثلاث " لابن كمونة اليهودي سعد بن منصور (683 هـ - 1384 م).
23 - " رسالة راهب من فرنسة إلى المقتدر بالله " لراهب من فرنسة.
24 - " الديا سطرون أو الإنجيل الرباعي " ألفه باليونانية ططيانس. ترجمة ابن الطيب البغدادي (435 هـ).
25 - " مثالب عَليٍّ بن أبي بشير " (أبي الحسن الأشعري) للأهوازي، الحسن بن علي بن إبراهيم المقرئ (446 هـ - 1074 م).
26 - " رسالة في الحكمين وتصويب أمير المؤمنين عَلِيٌّ في فعله " للجاحظ.
27 - " النهج السديد والدر الفريد " لأبي الفضائل مفضل القبطي المصري (759 هـ).
28 - " الأخلاق والانفعالات النفسانية " لابن سينا.
29 - " عيون الحكمة " لابن سينا أيضاً.
(1/25)
________________________________________
30 - " تعبير الرؤيا ". أرطاميدوس - نقله إلى العربية حُنين بن إسحاق (260 هـ - 873 م).
31 - " الآثار العلوية " لأرسطوطاليس.
32 - " رسالة في ماهية العدل " مسكويه أحمد بن محمد (421 هـ).
33 - " الحيل " (في الفقه) للخصاف أبو بكر أحمد بن عمرو (261 هـ).
34 - " ديوان أبي نواس ".
35 - " رسالة في التربيع والتدوير " للجاحظ التي يسخر فيها من أحمد بن عبد الوهاب ويهزأ بعيوبه الجسمية.
36 - " المفاخرة بين الجواري والغلمان " للجاحظ أيضاً.

تأمَّل في هذه الكتب [وهي نماذج من مائة وخمسة وعشرين كتاباً موضوع الدراسة في الإحصاء الذي أشرنا إليه] وانظر كيف يلغون في موضوع الفرق ونشأتها، وكيف يلجون ويلحون ويلحفون في هذ القضية، ثم كيف يستميتون في إبراز هذه الاتجاهات الفكرية المتعارضة، وكأنهم يريدون أنْ يعرفوا التربة التي فيها نشأت والعوامل التي بها ازدهرت، حتى يُهَيِّؤُوا لها دائماً أنْ تظل حية متأججة، تشغل الأُمَّة وتستهلك قواها، وتستحوذ على فكر علمائها، ولُبِّ قادتها، فتضرب بينهم الفرقة، ويعشعش الخلاف. وللأسف كثير من ذلك قد كان.
(1/26)
________________________________________
خيانة المنهج:
ليسوا أمناء:

إنَّ أكثر ما يلوكه المُسَبِّحُون بحمد المُسْتَشْرِقِينَ، هو الإشادة بدقَّتهم وتجرُّدهم للبحث والعلم، وقدرتهم على التمحيص والتدقيق، وأنهم قادة هذا الميدان وفرسان هذا المجال، والمستشرقون أيضاً حرصوا كُلَّ الحرص على أنْ يُضْفُوا على أنفسهم هيبة العلم وقداسة محرابه، وأنْ يُخْفُوا تحت شارته وردائه كل (أغراضهم) و (أهوائهم). وأصبحت كلمات (الأكاديمي) (البحث العلمي) (المنهج) (حرية الرأي) (قيمة العمل) (الحيدة العلمية) ... الخ.
أصحبت هذه الشعارات درعاً سابغاً توارت تحته مكنونات الصدور وخفيات الضمائر وسموم الأحقاد، ولكن لله دَرُّ الإمام أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور حين قال: «إنه ما أَسَرَّ أحد معصية قط إلاَّ ظهرت في آثار يده وفلتات لسانه».

ولو وضع تلاميذ المُسْتَشْرِقِينَ وأتباعهم، والذاكرين الشاكرين لهم، هذه الغشاوة عن أعينهم، وهذه الحجب عن بصائرهم، لرأوا ما خلف هذه الأقنعة، وعلموا أنَّ كلام المُسْتَشْرِقِينَ في العلم والمنهجية وحرية البحث والحيدة العلمية مجرد أقنعة تتراكم وتتراكب إمعاناً في إخفاء ما تحتها، ولو نظرنا في عمل هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ بمقاييس (العلم) و (المنهج العلمي) و (البحث الأكاديمي) ... لوجدناهم أول من يصفع هذا المنهج على قفاه، ويدوسه بقدميه. وهو في نفس الوقت رافع رايته، متقدم باسمه، ضارب بسيفه.

وإنَّ القوم لعلمهم أنَّ حرب الكلمة، ليست كحرب السلاح والدم، في الثانية كلما تكاثفت الضربات، وتوالت الطعنات وتقدمت الجيوش تحرق وتدمر، كلما كان النصر.

لكن في حرب الكلمة والفكر (كلما كانت الضربة) أخف وأرق وألطف، وكلما تباعدت الضربات، وكلما كانت الضربات والطعنات مغلفة
(1/27)
________________________________________
بغلاف كافٍ من الحقائق، والصدق، كلما كان كذلك كان، أوجع وأوقع، وأخطر.

نماذج من تحريف النصوص وخيانة المنهج:
جولدتسيهر:
- يحمل المُسْتَشْرِقُ جولدتسيهر على السُنَّة المُطَهَّرةُ حملة شعواء، ويحشد لما يقوله من التشكيك فيها، أدلة من أوهامه، وتزييفاته، وتحريفاته، نكتفي بعرض نموذج واحد لهذه التحريفات، التي يزيِّف بها النصوص، ويُغَيِّرُهَا، لتحقق له هدفه.

وهو محاولة الطعن في رُواة الحديث جملة، فيستعرض، بعض ما يقوله علماء الرجال في الرُواة، ويُخرجونه مخرج الجرح والتعديل، ليوهم بأنَّ هؤلاء الرُواة، مجروحون، كذَّابون.

فمن ذلك قوله: ويقول وكيع عن زياد بن عبدالله البَكَّائِي: «إِنَّهُ مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ كَانَ كَذُوباً» ولكن ابن حجر يقول في " التقريب " «ولم يثبت بأنَّ وكيعاً كذَّبهُ».

يريد جولدتسيهر بهذا أنْ يقول: إنَّ زياداً البَكَّائِي كان كذوباً، مع عُلُوِّ منزلته في الحديث، وذلك بشهادة (وكيع) أحد أعمدة الجرح والتعديل، فإذا كان مثل زياد البَكَّائِي (كَذُوباً) فأي ثقة بالحديث، والسُنَّة؟؟!!.

فلننظر أصل النص، وكيف حَرَّفَهُ جولدتسيهر، جاء في " التاريخ الكبير " للإمام البخاي: «وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ السَّدُوسِيُّ عَنْ وَكِيعٍ: وَهُوَ (أَيْ زِيَادٌ بْنُ عَبْدِ اللهِ البَكَّائِي) أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ». اهـ.

هذا هو النص كما ترى ينفي عن زيادٍ الكذبَ أَشَدَّ النفي وأبلغه، فهو «أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ». أي أنه أبعد من الكذب بِسَجِيَّتِهِ وفطرته، وطبعه وشرف نفسه، وعُلُوِّ هِمَّتِهِ وَسُمُوِّ نفسه، فلو كان الكذب (حَلاَلاً) غير مَنْهِيٍّ عنه شرعاً ما كذب. كما رُوِيَ عن بعضهم «لَوْ كَانَتْ خِيَانَتُكَ حَلاَلاً مَا خُنْتُكَ»، مبالغة في بُعْدِ الخيانة عن طبعه، ومُجافاتها لِشِيَمِهِ.

ومع وضوح هذا النص يُحَرِّفُهُ هذا المُسْتَشْرِقُ إلى: «إِنَّهُ مَعَ شَرَفِهِ
(1/28)
________________________________________
فِي الحَدِيثِ كَانَ كَذُوباً».

- ومن تحريفات جولدتسيهر أيضاً في نفس المجال، اتِّهامه للإمام الزُّهْرِيِّ بأنه كان «مستعدا لأن يضع الأحاديث لبني أمية، وأن يَكْسُو رغبات الحكومة باسمه المُعْتَرَفِ به عند الأُمَّة الإسلامية، ولم يكن الزُّهْرِيُّ من أولئك الذين لا يمكن الاتفاق معهم، ولكنه كان ممن يرى العمل مع الحكومة،فلم يكن يَتَجَنَّبُ الذهاب إلى القصر، بل كان كثيراً ما يتحرك، في حاشية السلطان، بل إننا نجده في حاشية الحَجَّاجِ عندما ذهب إلى الحج، وهو ذلك الرجل المُبْغَضُ ... » الخ.

يريد بذلك أنْ يُوهِمَ القارئ أنَّ الزُّهْرِيَّ كان تابعاً لذوي السلطة، يجري في فلكهم ويستمتع بالقرب منهم، في مقابلة ما يؤدِّيه لهم من خدمات في تخصُّصه، أي العلم بالحديث، حيث يخترع لهم الأحاديث التي (تكسو رغبتهم ثوباً دينياً).

ولا يعنينا هنا تفنيد هذه التُّهم، فليس هذا مجاله (24)، ولكن يعنينا أنْ نضع أمام القارئ الصورة البشعة لتحريف النصوص وتزييفها، بقصد تنفير الناس من الإمام (الزُّهْرِيِّ) أحد أعمدة السُنَّةِ وأركانها، فَالزُّهْرِيُّ لم يكن مع الحَجَّاجِ بن يوسف الثقفي في حاشيته حين حَجَّ، وإنما كان مع عبد الله بن عمر، حين اجتمع مع الحَجَّاجِ «وإليك النص على حقيقته كما ورد في " تهذيب التهذيب " لابن حجر: «أخرج عبد الر زاق في " مُصَنَّفِهِ " عن الزُّهْرِيِّ قال: كتب عبد الملك إلى الحَجَّاِج أَنْ اقْتَدِ بابْنِ عُمَر فى المناسك، فأرسل إليه الحَجَّاِج يوم عرفة: إذا أردت أَنْ تروح فآذِنَّا، فراح هو وسالم وأنا معهما، قال ابن شهاب: وكنت صائماً فلقيت من الحر شدة» فالزُّهْرِيُّ، إنما كان مع عبد الله بن عمر، حين اجتمعا بالحَجَّاِج [في الحج]، لا في معية الحَجَّاِج» (25).
__________
(24) نحيل القارئ إلى الكتاب القَيِّمْ " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " لنابغة الدعوة والإسلام المرحوم الدكتور مصطفى السباعي من ص 187 - 235 [وعنه أخذنا مادة هذه الفقرات عن تحريف جولدتسيهر].
(25) الدكتور مصطفى السباعي: " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " ص 223.
(1/29)
________________________________________
ثم هو يتعامى أيضاً، عن ورع عبد الملك، وأمره لِلْحَجَّاجِ بالاقتداء بابن عمر، وعن طاعة الحَجَّاجِ واقتدائه بابن عمر، ولكنه لا يرى شيئاً من ذلك، حتى يؤكد ما قرره في أذهان تلاميذهم من مؤرِّخينا، عن ظلم بني أمية وفسادهم.

ونموذج ثالث لتحريف هذا المُسْتَشْرِقِ نفسه، في نفس المعنى، أعني اتِّهَامَ الزُّهُرِيِّ بالوضع - كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ - قال عن الزُّهُرِيِّ واستعداده لمسايرة الحُكَّامِ، ووضع ما يَرَوْنَ من أحاديث: «قد كانت تقواه تجعله يشك أحياناً، ولكنه لا يستطيع دائماً أنْ يتحاشى تأثير الدوائر الحُكومية، وقد حَدَّثَنَا معمر عن الزُّهُرِيِّ بكلمة مُهِمَّةٍ، وهي قوله: " أكرهنا هؤلاء الأمراء على أنْ نكتب (أحاديث) فهذا الخبر يُفْهِمُ استعدادَ الزُّهُرِيِّ أنْ يكسو رغبات الحكومة، باسمه المعترف به عند الأُمَّة الإسلامية».

ونلاحظ أنه في نفس الوقت يحاول أنْ يظهر بمظهر الحيدة العلميَّة، الخالية من الغرض، فلا يحرم
الزُّهُرِيَّ من وصف (التقوى) المعروف به، بل يُضفي على عبارته ما يجعلها أولى بالتصديق، فيجعل الزُّهُرِيَّ ذلك التقي الصالح، يستشعر الندم أحياناً، ويعترف بخطئه، ويبرر لنفسه ذلك بأنه واقع تحت الإكراه، من السلطة. وهكذا بهذا الملمس الناعم يسوق تريينه وتحريفه، وينفثه في خفة ومهارة.

وهو في كل ذلك يرتكز على ذلك النص المنقول عن (مَعْمَرْ) ليوهم القارئ بأنه يُوَثِّقُ ما يقول، ويملك دليلاً على ما يَدَّعِي.
وهذا النص الذي نقله فيه تحريف متعمَّد يقلب المعنى رأساً على عقب، وأصله كما عند ابن عساكر، وابن سعد: أنَّ الزُّهُرِيَّ كان يمتنع عن كتابة الأحاديث - كان يفعل ذلك ليعتمدوا على ذاكرتهم، ولا يَتَّكِلُوا على الكتب كما ذكرنا من قبل - فلما طلب منه هشام وَأَصَرَّ عليه أَنْ يُمْلِي على ولده ليمتحن حفظه كما تقدم، وأملى عليه أربعمائة حديث، خرج من عند هشام وقال بأعلى صوته: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا كُنَّا مَنَعْنَاكُمْ أَمْراً قَدْ بَذَلْنَاهُ الآنَ لِهَؤُلاَءِ، وَإِنَّ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ (الأَحَادِيثِ) فَتَعَالَوْا
(1/30)
________________________________________
حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ بِهَا فَحَدَّثَهُمْ بِالأَرْبَعِمِائَةَ الحَدِيث».

هذا هو النص التاريخي لقول الزُّهْرِي، وقد رواه الخطيب بلفظ آخر وهو: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ الْعِلْمِ - أَيْ كِتَابَتَهُ - حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءُ فَرَأَيْنَا أَنْ لاَ نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ». اهـ.

ونترك التعليق لقلم المرحوم الدكتور مصطفى السباعي إذ يقول: «فانظر كم الفرق بين أنْ يكون قول الزُّهْرِِي كما روى جولدتسيهر: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ» وبين أنْ يكون قوله كما رواه المُؤَرِّخُونَ: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ الأَحَادِيثِ» أو كما رواه الخطيب «عَلَى كِتَابَةِ الْعِلْمِ» ثم انظر إلي هذه الأمانة العلمية حذف «الـ» من «الأَحَادِيثِ» فقلبت الفضيلة رذيلة ... حيث كان النص الأصلي يدل على أمانة الزُّهْرِي وإخلاصه في نشر العلم، فلم يرض أَنْ يبذل للأمراء ما منعه عن عامة الناس إِلاَّ أَنْ يبذله للناس جميعاً، فإذا (أمانة) هذا المُسْتَشْرِقِ تجعله ينسب لِلْزُّهْرِِي أنه وضع للأمراء أحاديث أكرهوه عليها، فأين هذا من ذاك؟؟» (26).

وِلْ دْيُورَانْتْ:
وإذا شئنا نماذج أخرى لتحريفاتهم، فإليك ما أورده (ول ديورانت) في كتابه " قصة الحضارة " (27).
يقول عن النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وقد أعانه نشاطه وصحته على أداء واجبات الحب والحرب، ولكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره،
__________
(26) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص 221 - 223.
(27) قامت على ترجمة هذا الكتاب الإدارة الثقافية بالجامعة العربية، وصدر على نفقتها في أكثر من ثلاثين جزءًا. وقد نقد هذا التصرف من الجامعة العربية الأستاذ الجليل محمد محمد حسين - رَحِمَهُ اللهُ -، وقال: « ... إنَّ اختيار هذا الكتاب للترجمة جريمة دبَّرتها الصهيونية الهَدَّامة المُتَخَفِّيَةِ في زوايا اليونسكو ... إلخ» انظر " حصوننا مهددة ن داخلها ": ص 187 - 189 لترى نقداً موضوعياً علمياً لهذا الكتاب.
(1/31)
________________________________________
وظن أنَّ يهود خيبر قد دَسُّوا له السم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت، فأصبح بعد ذلك الحين عرضة لحميات، ونوبات غريبة ... إلخ» (28).

ولا يعنينا أنْ نناقش القبح والفحش الذي كتب به المؤلف ما كتبه عن نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَالسَّلاَمُ - بأبي هو وأمي وبنفسي وبالناس أجمعين - فليس هذا مجال مناقشته، ولكن الذي يعنيني أنْ أضبط هذا المُسْتَشْرِقَ العلاَّمة، مُتَلَبِّساً بخيانة المنهج، وذلك قوله: «وَظَنَّ أَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ قَدْ دَسُّوا لَهُ السُمَّ فِي اللَّحْمِ». فهذا التعبير بـ «ظَنَّ» يريد به أنْ ينفي صحة الخبر، ليبرئ اليهود بالتالي من جريمة محاولة قتله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالسُمِّ، ومن قتل الصحابي الجليل الذي أكل معه.
وهذا الخبر (خبر دس السم) موجود مشهور في مصادر السيرة النبوية المختلفة، فقد أورده ابن هشام في سياق غزوة خيبر، وأورده ابن سعد في " طبقاته "، ورواه " البخاري " في غير موضع: 5/ 176، و " مسلم ": 7/ 14 - 15 كلاهما من حديث أنس، وأحمد برقم 2885 من حديث ابن عباس و " أبو داود ": 1/ 146، و " الدارمي ": 1/ 33 عن جابر ... [وفيه اعتراف اليهود بدس السم وعفو الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عن هذا الجُرْمِ الفظيع، مع موت الصحابي الجليل البراء بن معرور بهذا السُمِّ].

ومع ثبوت هذا الخبر ووفرة مصادره تأبي (الأمانة العلمية) و (الحيدة الأكاديمية) و (منهج البحث) على هذا المُسْتَشْرِق العتيد إلاَّ أنْ يُزَيِّفَ ويُحَرِّفَ، فينكر الخبر، وينسب الحادثة في إيجاز بارع إلى مجرد ظَنٍّ ووهم.
وعلى حين ينكر هذا الخبر الثابت، يُحَرِّفُ وَيُزَيِّفُ خبراً آخر، يزيد فيه وينقص منه.
فيقول في ص 77 وهو يتحدَّثُ عن الثراء الذي جاء المسلمين نتيجة للفتح: « ... وكان للزبير بيوت في عدة مدن مختلفة، وكان يمتلك ألف جواد، وعشرة آلاف عبد ... ».
__________
(28) الجزء الثاني من المجلد الرابع، مسلسل رقم 13 ص 46 سطر 7 - 10.
(1/32)
________________________________________
وهذا الخبر بهذه الصورة وبهذا الإيجاز يجمع ألواناً وأفانين من التحريف، ففيه زيادة، وفيه نقص، وفيه تغيير وتبديل. وبيان ذلك:
أنَّ الخبر ورد في المصادر المعروفة والمشهورة هكذا: «وكان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه خراجهم كل يوم، فما يُدْخَلُ إلى بيته منها درهماً واحداً يتصدَّق بذلك جميعه».

هكذا ورد الخبر في:
1 - " الإصابة " لابن حجر العسقلاني: 1/ 546.
2 - " أسد الغابة " لابن الأثير: 2/ 198.
3 - " البداية والنهاية " لابن كثير: 7/ 251.
4 - " صفة الصفوة " لابن الجوزي: 1/ 346.
5 - " الاستيعاب " لابن عبد البر (بهامش " الإصابة "): 1/ 583.

وبعض هذه المراجع من منشورات المُسْتَشْرِقِينَ، أعني هذا الخبر بهذه الصبغة كان متاحاً له وبين يديه، «وهم يزعمون، ويزعم تلاميذهم أنهم يستقصون المراجع، ولا يخطون حرفاً إلاَّ بعد جمع كل تلاميذهم أنهم يستقصون المراجع، ولا يخطون حرفاً إلاَّ بعد جمع كل ما يتصل بموضوعهم) ولكنه كما ترى ارتكب التحريفات الثلاثة الآتية».
1 - زيادة ألف جواد من عنده، فقد أقحمها في الخبر، ولا وجود لها فيه أصلاً.
2 - نقص الجزء الأخير من الخبر عن تصدق الزبير بخراج هؤلاء المماليك.
3 - زيادة الألف مملوك إلى عشرة آلاف.

وهكذا تكون (الأمانة العلمية) و (النزاهة) و (الحيدة) و (التجرد) و (المنهج) إلى آخر هذا الركام من الأحجار التي يُلقمونها لمن يريد أنْ ينظر في عمل المُسْتَشْرِقِينَ.
(1/33)
________________________________________
وهاك نموذج آخر للتحريف وخيانة المنهج، وهو ما قاله هذا المُسْتَشْرِقُ عن هارون الرشيد، ذلك الخليفة العظيم، وعلاقته بالبرامكة، قال: «وكان هارون يحب جعفر حباً أطلق ألسنة السوء في علاقتهما الشخصية، ويقال: إنَّ الخليفة أمر بأنْ تصنع له جبة ذات طوقين، يلبسها هو وجعفر معاً، فيبدوان كأنهما رأسان فوق جسم واحد، ولعلهما كانا في هذا الثوب يمثلان حياة بغداد الليلية» (29) (كذا).

انظر: مؤرِّخُ الحضارة، عملاق الفكر، وربيب الأكاديمية، وسادن العلم، وأستاذ البحث والمنهج، ينكر الحديث الثابت والخبر المتفق عليه، الذي تردَّد في كل الكتب تقريباً، «عن دَسِّ اليهود السُمَّ للرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -»، وَيُضِيفُ وَيُغَيِّرُ في خبر ثروة الزبير - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، ويأتي هنا بخبر (لقيط) لا يُدْرَى له أصل، فيحتفي به أيما احتفاء، بل يبني عليه من عنده، فيتَّخذ منه مناسبة ليطعن بغداد دار السلام عاصمة الدنيا كلها في ذلك الوقت، فيقول: «ولعلهما كانا في هذا الثوب يمثلان حياة بغداد اليلية» هكذا يقذف المجتمع كله بهذ الفرية، ولنا على هذا الكلام ملاحظتان:

الملاحظة الأولى:

أنَّ الخبر على فرض صِحَّتِهِ، كان الأولى به أنْ يعف عن ذكره، فلا (يُلَوِّثُ) به كتابه، ولا يؤذي به حياء قارئه، فهذا شأن العلماء، والباحثين، لا سيما وأنَّ الخبر في سياقه مقحم لا قيمة له، فإثبات قوة الصلة بين هارون الرشيد والبرامطة لا تحتاج إلى مثل هذا الفحش، الذي يعف عنه عامة الناس، بله كبار العلماء، (آهٍ متى يعود لأمَّتنا مكانها حتى تقيم حدود الله، وتجلد هؤلاء القذفة).
__________
(29) الجزء الثاني من المجلد الرابع (مسلسل رقم 13) ص 93 سطر 5 - 8. ولا يعفي " ديورانت " أنه عزا هذا الكلام إلى " مرجليوث " في كتابه " محمد ومطلع الإسلام " بل إنَّ هذا يضاعف الجرم (أفعى ترضع سُمًّا) ويشهد بعراقة الإفساد، وتمكن الحقد من نفوس القوم، وإحكام الكيد وسوء المكر، وإنَّ الإنسان ليعجب أيَّ علاقة لهذا الكلام عن هارون الرشيد بكتاب عن " محمد ومطلع الإسلام "؟؟ أية منهجية هذه؟؟؟
(1/34)
________________________________________
الملاحظة الثانية:

أنَّ هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ دائماً يدعون إلى العقل، وتحكيم العقل في الخبر مهما كانت صحة سنده، والسؤال للمستشرق العملاق، هل يقبل عقلُ غافل (أي عاقل)، بله عقل متحضر، بله عقل (مؤلف عالمي) هل يقبل العقل أنْ يمشي رجلان في ثوب واحد؟؟ وكيف؟ وبأي سعة يكون هذا الثوب؟ وأيهما يمشي أولاً؟ وأيهما يمشي ثانيا؟ أم كان هناك إيقاع موسيقي يضبط حركتهما؟؟.

وإذا تركنا هذا الإمكان (العلمي)، فهل يقبل العقل أنَّ حاكماً في مثل منزلة هارون الرشيد كان فارغاً لهذا العبث، بل لهذا الفساد؟ وهل يعقل أنَّ من يصل إلى هذا الحد من (السقوط) يمكن أنْ يكون صاحب هذا التارخ الذي زحم الدنيا، من الغزوات والانتصارات والسفارات، والبناء، وقيادة (الدنيا كلها) في طريق الحضارة والنور، هذه الخطوات الفساح التي تمت في عهد الرشيد، هل يقبل عقلُ عاقل أنَّ هارون الرشيد الذي كان يقود الجيوش بنفسه، ويقضي الشهور تلو الشهور في ملابس الميدان، هذا الذي أَذَلَّ أباطرة الروم، ودفع عن ثغور المسلمين دسائسهم ومؤامرتهم، حتى مات مجاهداً ودفن هناك في (طوس) على أطراف دولته، بعيداً عن عاصمته و (قصره) مسيرة أيام، هل يعقل عاقل أنَّ هذا المجاهد يصل إلى هذا المنحدر من السقوط؟؟ إلاَّ في عقل هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ.

بل إنَّ جعفر البرمكي هذا كان قائداً مُحَنَّكاً، ولا شك أنَّ مُؤَرِّخَ الحضارة قرأ عن أعماله الحربية العظيمة، وأنَّ هارون الرشيد كان يرمي به في أخطر المآزق، ويلجأ إليه في أشق المضايق، فطالما قمع الفتنة، وردع
(1/35)
________________________________________
العدوان، وَسَدَّ الثغور، وحمى الحصون، جال في أرض العدو وصال.
أفمثل هذين العظيمين الطاهرين المجاهدين يكون فارغاً لما يرمز إليه بهمزه ولمزه، ذلك المؤلف العالمي (الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ) (30).

متشرق ثالث:

فَانْ فلُوتن:
يعتبر (فان فلوتن) أحد المُسْتَشْرِقِينَ المعنيين بالتاريخ الإسلامي، خاصة فترة الأمويين والعباسيين، ونستطيع أنْ نجد اسمه يتردَّدُ في كثير من الكتب الجامعية مرجعاً من مراجعهم يباهون به، ويفتخرون بالاعتماد عليه، وهو يغريهم بما ينسبه إلى الطبري، والبلاذري، واليعقوبي، والواقدي، ونحوهم، فَيُخَيَّلُ للباحثين والدارسين أنه (وَثَّقَ) كل أخباره، وأتى بها من منابعها، فيعجبون به، ويطمئنون إليه ز

" السيطرة العربية ":
لفلوتن كتاب بهذا الاسم، ونظراً لأهميته في مجال التاريخ حظي بعناية من رجال التاريخ عندنا، فترجمه إلى اللغة العربية سَنَةَ 1934 م الدكتور حسن إبراهيم حسن، ومحمد زكي إبراهيم وطبعت الترجمة طبعتين، ثم ترجمه سَنَةَ 1980 م مرة ثانية الدكتور إبراهيم بيضون، وفلوتن متخصِّص في تاريخ هذه الفترة حيث كانت أطروحته للدكتوراه في نفس الموضوع، ودراسته ومقالاته تتجه كلها هذه الوجهة.

ومن هنا كان لكلامه وزن وقيمة، وكان (لتحريفه) للمصادر
و__________
(30) نحن نعرف ويعرف (ول ديورانت) أكثر مِنَّا مَنْ قادة الفكر والرأي في بلاده يصدق عليهم يقيناً ما حاول أنْ يرمي به هارون الرشيد وجعفر بل حاول أنْ يرمي به المجتمع المسلم في بغداد كلها، نحن نعرف ولكن نعفُّ ونُطَهِّرُ قلمنا وكتابنا أنْ نذكر، ولا نهم ولا نلمز.
(1/36)
________________________________________
(خيانته) للمنهج خطر عظيم، وكان هذا منه جُرْماً أي جرم.

ونحن نلتزم بهدفنا هنا، فلا يعنينا ما في الكتاب من تهجُّم على الإسلام والمسلمين، الذي لا يعدو أنْ يكون سَبًّا وَشَتْماً (بأسلوب أكاديمي)، وإنما يعنينا هنا جريمته في حق (التراث) وكيف حَرَّفَ المصادر والمراجع وزيفها. وإليك هذا المثال:
جاء في ص 67: قوله: «وقد فرضت حالة الترف المتصاعدة هذه [يقصد الترف الذي أصابه المسلمون ثمرة للفتوح] تغطية دائمة لمواجهة متطلبات جديدة، واللجوء إلى الاستدانة كطريقة فَذَّةٍ من أجل إشباع رغباتهم ... » ثم أحالنا على " الطبري ": 1/ 2811.
فماذا نجد في الطبري في هذا الموضع؟
لم نجد في " الطبري " إلاَّ خبراً عن استدانة سعد بن أبي وقاص من بيت مال الكوفة، وكان خازن بيت المال عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، وكان سعد والي الكوفة، فاستقضى عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - سعداً. واشتدَّ في مطالبته، فاستمهله سعد فلم يقبل، وكان بينهما تلاوم، ووصل إلى عثمان بن عفان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا -، ملامهما معاص، وقال لهما: أنتما أصحاب رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكيف تتلاحيان هكذا أمام الناس، وعزل سعداً، وأقرَّ عبد الله بن مسعود على عمله.

هذا هو ما ذكره الطبري، فكيف يفهم منه أيُّ قارئ؟ بَلْهَ باحث ضليع، يقتعد مقعد الأستاذية؟؟
كيف يفهم من هذه الحادثة أنَّ الاستدانة قد صارت ظاهرة في المجتمع؟؟ وأنها أصبحت وسيلة (فَذَّةٍ) لإشباع الترف الذي شاع فيه؟ كيف يفهم هذا؟ وبأي منطق يقال هذا؟ وأي ترف كان في مجتمع الكوفة سنة 26 هـ؟
ثم لو نظر إلى هذه الحادثة بعين مجردة، ودون تعمق ولا (منهج بحث) ولا ... ولا ... ألا يجد فيها فخراً للإسلام والمسلمين؟؟ ألاَ ترى كيف لم يستطع الحاكم (والي الكوفة) أنْ ينال من مال الجماعة إلاَّ قرضاً. ثم الا يرى كيف كانت أمانة خازن بين المال الذي لم يسمعه السكوت عن (الواالي).
(1/37)
________________________________________
واصطناع يَدٍ عنده، وأي (يَدٍ)؟ بالتأجيل فقط طبعاً (لا بالتنازل) ثم ألاَ يرى تلك الحرية التي وسعت (موظفاً) (صرفاً) (خازناً) يلاحي الأمير، ويناصيه، ويغلظ له؟؟!! أية (ديمقراطية) هذه؟؟ ألاَ تهز أعطافه؟ ألاَ تُرَوِّعُهُ؟ ألاَ تُبْهِرُهُ؟.

ثم ألاَ يتبادر إلى الذهن أنَّ الحاجة، والفاقة هي التي ألجأت سعداً إلى الاستدانة؟؟ وهذا هو الواقع!! ففيم كان يستدين سعد في ذلك الوقت؟؟ وفي أي مجال كان ينفق فيه في ذلك الحين؟؟ فقد كانوا يعيشون عيش الكفاف!!

ثم لو مَدَّ بصره قليلاً لقرأ في الأسطر التالية بقية القصة، وكيف أنَّ سعداً لشدة ألمه من عنف عبد الله بن مسعود، وعدم رفقه وَتَأَنِّيهِ به - رفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم رب السماوات والأرض ... فقاطعه عبد الله بن مسعود قائلاً: ويلك!! قُلْ خيراً ولا تلعن. وخاف أنْ يدعو سعدُ عليه، فقال سعدٌ عند ذلك: أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك!!! كلمات تقطر تقوى، وتندى بالحب والإخاء، ومواقف تنطق بالطهارة والتعفف.

ولو قرأ بقية الصفحة لوجد أنَّ الأمير الذي تولى بعد سعد على الكوفة مكث خمس سنين، وليس على داره باب!!! فأي ترف؟ وأي استدانة؟.

ولكن هكذا بهذا التحريف، وبهذا التزييف، استكره النص، واستنطقه ما لا ينطق به، وقال على الطبري ما لم يقل، وقلب الحسنات سيئات.
والأمثلة لا تنتهي، ولكننا نكتفي بنموذج آخر من كلام (فلوتن) في نفس الكتاب. في نفس الموضوع جاء في ص 66: «ولقد أصابت الأسر المرموقة في الكوفة ثراءً، فاحشاً كان مصدره (المغانم) والأعطيات السنوية، فكان الكوفي إذا ما ذهب إلى الحرب، يصطحب معه أكثر من ألف من الجمل، عليها متاعه وخدمه» ثم نسب ذلك إلى " الطبري ": 2/ 8106 س 8.

وعلى البديهة ترفض أنْ يكون هذا الكلام في " الطبري "، فنحن نعرف الطبري - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إماماً ورعاً، مُؤَرِّخاً مُحَدِّثاً فَقِيهاً، أو على الأقل (عاقلاً
(1/38)
________________________________________
يدري ماذا يقول)!! فكيف يذهب الجندي المقاتل إلى الميدان ومعه أكثر من ألف من الجمال تحمل متاعه وخدمه؟ كيف يقاتل ومعه هذه الحاشية؟ وما يصنع بحمل ألف جمل من المتاع في الميدان؟ وإذا فرضنا أنَّ الجيش كان عشرة آلاف مقاتل (وهذا تقدير متواضع) فكم عدد الجمال التي تحمل متاعهم؟ أليست أكثر من عشرة ملايين من الجمال؟ كيف يتحرك هذا الجيش؟ وأية طرق تسعهم وأية مياه تكفيهم؟ وأية مراع تطعمهم؟ وإذا سقط من الجيش بضعُ مئات أو آلاف قتلى في الميدان، فأين تذهب الملايين من الجمال التي تحمل أمتعتهم؟.

لو قرأ أي عاقل هذا الخبر في أصح كتاب لاتَّهَمَ صاحبه، أو على الأقل نسبه إلى الخطأ والوهم، ورفض أنْ يحكي هذا الكلام أو ينقله.

ولكن المُسْتَشْرِقَ العظيم في غمرة اجتهاده لإثبات أنَّ فتوحات المسلمين كانت انتهاباً لخيرات وثروات البلاد التي فتحوها راح يجمع الأدلة من هنا وهناك، ويلويها لَيًّا، ويزيفها تزييفاً. إلاَّ أننا ما كنا نتوقع أنْ يخرج بتزييفه إلى حد اختراع هذه الخرافة، التي لا شك لم ينتبه إليها، فقد شهدت عليه لا له.

وهل لذلك أصل في " الطبري "؟؟.
إنَّ عبارة الطبري تقول على لسان قيس بن الهيثم أحد أصحاب مصعب بن الزبير قبيل التحامه مع جيش عبد الملك بن مروان، يُرَغِّّبُ أهل العراق في القتال، ويبيِّن لهم حسن معاملة ابن الزبير لهم، ورفعه لمنزلتهم ومكانتهم: « ... والله لقد رأيت سيد أهل الشام على باب الخليفة يفرح إن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف، وأحدنا على ألف بعير ... ».
فالقائل هنا يريد أنْ يوازن لأهل العراق بين معاملة خليفة الشام لأصحابه، فالسيد منهم يقف بالباب. ويعدها تكريماً من الخليفة لو أرسله في حاجته، وبين إكرام حكامهم (الزُبَيْرِيِّينَ) لهم، فالواحد منهم على ألف بعيرٍ. ومعنى على ألف بعير، أي أمير ألف، وكان هذا أكبر لقب في الجيش
(1/39)
________________________________________
بعد القائد العام، أي أنهم في كنف الزُبَيْرِيِّينَ كلهم أمراء (*).

وهكذا نختم بهذا النموذج من تحريف المُسْتَشْرِقِينَ وخيانتهم للمراجع والمصادر.
ولا يَقُولَنَّ أحد: إنكم بهذا تتصيَّدون للقوم أخطاءهم تصيُّداً!! ومن الذي لا يخطئ؟ بحسبهم فخراً، ويكفيهم نُبْلاً أنْ تُعَدَّ عيوبهم، وأنْ تُحْصَى أخطاؤهم، من ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسن فقط؟ لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة.

والجواب:
أولاً: أنَّ هذه ليست كبوات، وليست هفوات، بل هي عَمْدٌ مع سَبْقِ الإصرار والترصد.
ثانياً: أنها حقاً قليلة، لا تساوي شيئاً بالنسبة إلى ما في الكتاب من حقائق صادقة، ومعلومات قيمة، بل لما فيه أحياناً من تمجيد لنا، وثناء على تاريخنا، واعتراف بعظمة ديننا. ولكن ذلك لا يخدع إلاَّ السُذَّجَ، والأغرار، فإنَّ هذا أمر مقصود، مدروس، وكيد محكم وتدبير خبيث، ذلك أنهم لو صارحونا بكل ما في جعبتهم من السهام، وما في فكرهم من سموم لكان لهم منا العناد والإعراض، بل المقاومة والدفاع، والانتقام، يقول العلاَّمة أبو الحسن الندوي - مَدَّ اللهُ في عمره - تحت عنوان: الاستراتيجية الدقيقة: «ومن دَأْبِ كثير من المُسْتَشْرِقِينَ أنهم يعينون لهم غاية ويقررون في أنفسهم تحقيق تلك الغاية بكل طريق، ثم يقومون لها بجمع معلومات - من كل رطب ويابس - ليس لها أي علاقة بالموضوع، سواء من كتب الديانة والتاريخ، أو الأدب والشعر، أو الرواية والقصص، أو المجون والفكاهة
__________
(*) انظر " العسكرية العربية " للواء الركن محمود شيث خطاب " كتاب الأُمَّة ": رقم 3 ص 44.
(1/40)
________________________________________
، وإنْ كانت هذه المواد تافهة لا قيمة لها، ويقدمونها بعد التمويه بكل جرأة، ويبنون عليها نظرية ليس لها وجود إلاَّ في نفوسهم وأذهانهم.

إنهم في أغلب الأحيان يذكرون عيباً واحداً، ويجوِّدون لتمكينه في النفوس بذكر عشرة محاسن، ليست لها أهمية كبيرة، وذلك كي يق القارئ خاشعاً أمام سعة قلوبهم وسماحتهم، ويسيغ ذلك العيب الواحد الذي يكفي لطمس جميع المحاسن.

وكثير من هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ يَدُسُّونَ في كتاباتهم مقداراً خاصاً من " السُمِّ " ويحترسون في ذلك، فلا يزيد على النسبة المعينة لديهم، حتى لا يستوحش القارئ، ولا يثير ذلك فيه الحذر، ولا يضعف ثقته بنزاهة المؤلف.

إنَّ كتابات هؤلاء أشد خطراً على القارئ من كتابات المؤلفين الذين يكاشفون العداء، ويشحنون كتبهم بالكذب والافتراء، ويصعب على رجل متوسط في عقليته أنْ يخرج منها، أو ينتهي في قراءتها دون الخضوع لها» (31).
__________
(31) " الإسلام والمستشرقون " بحث ألقاه سماحته أمام المؤتمر الذي عقد بهذا الاسم (الإسلام والمستشرقون) بإشراف (دار المصنِّفين) بأعظم جره بالهند في فبراير سَنَةَ 1982 م، وكان لنا شرف المشاركة فيه: (انظر " مجلة البعث الإسلامي " رمضان سَنَةَ 1402 هـ، ص 14، 15).
(1/41)
________________________________________
(1/42)
________________________________________
الخاتمة:
الآن نستطيع أنْ نقول بالنتائج التالية، بعضها بالتحقيق، وبعضها بالتقريب:

1 - إنَّ حجم عمل المُسْتَشْرِقِينَ في مجال نشر التراث، وتحقيقه، لا يكاد يذكر (32).

2 - إنهم عُنُوا بالنشر في اتجاهين:
* تراث الفرق، والإحن، وكل ما يؤدي إشاعته ونشره إلى تجديد النزاع بكل صوره، الفكري، والمذهبي والسياسي.
* كل ما يفقدنا الثقة بماضينا وأمجادنا، ورجالنا، وقادتنا، ويكفيهم " ألف ليلة "، و " الأغاني ".

3 - إنهم يلبسون طيلسان البحث العلمي، ويرفعون لواء (الأكاديميات) وهم مُضَلِّلُونَ، خائنون للعلم، و (المنهج) و (الأمانة) و (طرق البحث) البحث.

4 - إنَّ عنايتهم بالتراث، كانت، وما زالت، وستظل، من باب (أعرف عدُوَّك) فهذه الكتب (التراثية) هي الخرائط، والصور، لعقولنا، وعواطفنا، ومشاعرنا، واتجاهاتنا، واهتماماتنا، وحبنا، وبغضنا،
__________
(32) ما زلنا في حاجة إلى دراسة استقصائية شاملة، لا تقوم على (العَيِّنَاتِ) والنماذج كالتي قمنا بها.
(1/43)
________________________________________
وغضبنا، ورضانا. فهي المفاتيح التي عرفوا بها كيف يُخَطِّطُونَ لتدميرنا ثقافياً، واجتماعياً، وفكرياً، وعلمياً، بعد ما حَطَّمُونَا عسكرياً، وحربياً، وسياسياً.

5 - ومن أعجب العجب أنْ تجد أُمَّةً - مثل أُمَّتِنَا - تشكر، وتُمَجِّدُ وتعظم أمر سارقي وثائقها، لمجرَّد أنهم احتفظوا بها، أو قَدَّمُوا إليها صورة منها، وعهدي بالدول الواعية، أنها تفضل حرق وثائقها من أنْ تقع في يد أعدائها.

واللهَ أسأل: أنْ تعود أُمَّتُنَا إلى مجدها وَعِزِّهَا، وأنْ يعيننا على قول الحق ويجعله خالصاً لوجهه.
(1/44)
________________________________________
المحتويات:
الموضوع ------------------------------------------------------ الصفحة

مدخل إلى القضية .................................................. ....... 5
اتجاهات النشر عند المُسْتَشْرِقِينَ ........................................ 7
الاتجاه الفكري للمُسْتَشْرِقِينَ ............................................. 14
هذه آثارهم .................................................. .............. 23
خيانة المنهج .................................................. ........... 26
الخاتمة .................................................. ................. 43
(1/45)
________________________________________




http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة
   
 
__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
Eng.Jordan متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المستشرقون, التراث

مواضيع ذات صله بحوث ودراسات منوعة


« المستشرقون في الميزان | المستشرقون والتنصير »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المستشرقون في الميزان Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 02-01-2021 09:32 AM

     

 

 

  sitemap 

 

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:46 AM.