العودة   > >

أصول الدعوة وطرقها 3

-- كود المادة: IDWH3033 المرحلة: بكالوريوس المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: 1 (/) ________________________________________ الدرس: 1 الإيمان بالقضاء والقدر. بسم الله الرحمن الرحيم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-03-2021, 10:22 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 24,889
افتراضي أصول الدعوة وطرقها 3


-[أصول الدعوة وطرقها 3]-
كود المادة: IDWH3033
المرحلة: بكالوريوس
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(/)
________________________________________
الدرس: 1 الإيمان بالقضاء والقدر.
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الأول
(الإيمان بالقضاء والقدر)

حقيقة مذهب السلف في الإيمان بالقدر، والنصوص الدالة عليه
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونصلي ونسلم على خير خلقه محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
فالإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها؛ ففي (صحيح مسلم) من حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل -عليه السلام- الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: -أي جبريل، عليه السلام- صدقت)).
والنصوص المخبرة عن قدرة الله أو الآمرة بالإيمان بالقدر كثيرة: فمن ذلك: قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49)، وقوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (الأحزاب: 38) وقوله: {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} (الأنفال: 42) وقال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان: 2) وقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} (الأعلى: 1 - 3).
وروى مسلم في صحيحه عن طاوس قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولون: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز.
وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القدر؛ فنزلت: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 48، 49).
والنصوص في ذلك كثيرة جدًّا؛ فإن النصوص الدالة على علم الله وقدرته ومشيئته وخلقه تدل على قدره -تبارك وتعالى- فالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله ومشيئته
(1/9)
________________________________________
وخلقه، والقدر يدل بوضعه -كما يقول الراغب الأصفهاني فيما نقله عنه ابن حجر العسقلاني- على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم؛ فلله تعالى القدرة المطلقة، وقدرته لا يعجزها شيء، ومن أسمائه -تبارك وتعالى- القادر والقدير والمقتدر، والقدرة صفة من صفاته؛ فالقادر: اسم فاعل من قدر يقدر، والقدير: فعيل منه، وهو للمبالغة، ومعنى "القدير": الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة، لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه؛ ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله -عز وجل-، قال تعالى: {إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (فصلت: 39)، والمقتدر: مفتعل من اقتدر، وهو أبلغ من قدير، ومنه قوله: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (القمر: 55).
وقد سئل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- عن القدر؟ فقال: القدر قدرة الله، قال ابن القيم: وقال الإمام أحمد: القدر قدرة الله، واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًّا، وقال: هذا يدل على دقة أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين.
وهو كما قال أبو الوفا؛ فإن إنكاره إنكار لقدرة الرب على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها، وقد صاغ ابن القيم هذا المعنى شعرًا فقال:
فحقيقة القدر الذي حار الورى ... في شأنه هو قدرة الرحمن
واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد ... لما حكاه عن الرضا الرباني
والحق أن تعريف أحمد -رحمه الله تعالى- قد كفى وشفى؛ فالقدر يعني ما قرره الله سبحانه في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} (آل عمران: 154) وفي قوله: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} (هود: 123) وغير ذلك من الآيات التي تدل على أنه لا يحدث شيء في الكون إلا بإرادة الله ومشيئته.
قال الطحاوي: وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئتُه تنفذ؛ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء الله؛ فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، لا راد لقضائه؛ ولذا فإن الذين يكذبون بالقدر لا يُثبتون قدرة الله تعالى.
(1/10)
________________________________________
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: من لم يقل بقول السلف فإنه لا يثبت لله قدرة، ولا يثبته قادرًا، كالجهمية ومن اتبعهم والمعتزلة المجبرة النافية، حقيقة قولهم: أنه ليس قادرًا وليس له الملك؛ فإن الملك إما أن يكون هو القدرة، أو المقدور، أو كلاهما، وعلى كل تقدير فلابد من القدرة؛ فمن لم يثبت له قدرة حقيقة لم يثبت له ملكًا، والذين كذبوا بالقدر لم يوحدوا الله -عز وجل- فإن نفاة القدر يقولون: خالق الخير غير خالق الشر.
ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وربما قالوا: ولا يعلمها أيضًا، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقعة بغير قدرته ولا صنعه؛ فيجحدون مشيئته النافذة وقدرته الشاملة؛ ولهذا قال ابن عباس: القدر نظام التوحيد؛ فمن وحَّد الله وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله وكذَّب بالقدر نقض تكذيبه توحيده.
وقد تقاطر أهل العلم على تقرير القدر والنص على وجوب الإيمان به، وما من عالم من علماء أهل السنة الذين هم أعلام الهدى وأنوار الدجى إلا وقد نص على وجوب الإيمان به، وبدّع وسفّه من أنكره وردَّه.
يقول النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه لأحاديث القدر من (صحيح مسلم): وفي هذه الأحاديث كلها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها.
قال في موضع آخر: تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله -سبحانه وتعالى.
ويقول ابن حجر -رحمه الله تعالى-: مذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (الحجر: 21).
(1/11)
________________________________________
تعريفات القضاء والقدر، والفرق بينهما
التعريف بالقضاء والقدر:
التعريف بالقدر:
القدر مصدر، تقول: قدَرت الشيء -بتخفيف الدال وفتحها-: أقدره -بالكسر والفتح- قدْرًا وقدَرا إذا أحطت بمقداره، والقدر في اللغة: القضاء والحكم، ومبلغ الشيء، والتقدير: التروية والتفكر في تسوية الأمر.
والقدر -في الاصطلاح-: ما سبق به العلم وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه -عز وجل- قدّر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى وعلى صفات مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قدرها.
وقال ابن حجر في تعريفه: المراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته.
ونقل السفاريني عن الأشعرية: أن القدر إيجاد الله تعالى الأشياء على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم وجرى به القلم.
وهذه التعريفات متقاربة فيما بينها، وهي تفيد أن القدر يشمل أمرين:
الأول: علم الله الأزلي الذي حكم فيه بوجود ما شاء أن يوجده، وحدد صفات المخلوقات التي يريد إيجادها، وقد كتب كل ذلك في اللوح المحفوظ بكلماته؛ فالأرض والسماء أحجامهما وأبعادهما وطريقة تكوينهما وما بينهما وما فيهما؛ كل ذلك مدوّن علمه في اللوح المحفوظ تدوينًا دقيقًا وافيًا.
(1/12)
________________________________________
والثاني: إيجاد ما قدّر الله إيجاده على النحو الذي سبق علمه وجرى به قلمه؛ فيأتي الواقع المشهود مطابقًا للعلم السابق المكتوب، والقدر يطلق ويراد به التقدير السابق لما في علم الله، ويطلق ويراد ما خلقه وأوجده على النحو الذي علمه.
وسئل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- عن القدر؟ فأجاب شعرًا قائلًا:
فما شئتَ كان وإن لم أشأْ ... وما شئتُ إن لم تشأْ لم يكن
خلقتَ العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وهذا لم تُعِن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن
التعريف بالقضاء:
القضاء: الفصل والحكم، وقد تقرر في أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذكر القضاء، وأصله القطع والفصل؛ يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاضٍ إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه؛ فيكون بمعنى الخلق، وقال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه، وكل ما أُحكم عمله أو أُتم أو أُدي أو أُوجب أو عُلم أو نُفّذ أو أُمضي فقد قضي، وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الأحاديث.
وللعلماء في التفرقة بين القضاء والقدر قولان:
الأول: القضاء هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر: وقوع الخلق على وزن الأمر المقضى السابق.
(1/13)
________________________________________
يقول ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى-: قال العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله.
وقال في موضع آخر: القضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل.
الثاني: عكس القول السابق؛ فالقدر: هو الحكم السابق، والقضاء: هو الخلق؛ قال ابن بطال: القضاء هو المقضي، ومراده بالمقضي: المخلوق، وهذا هو قول الخطابي؛ فقد قال في (معالم السنن): القدر اسم لما صار مقدرًا عن فعل القادر؛ كالهدم والنشر والقبض، أسماء لما صدر من فعل الهادم والناشر والقابض، والقضاء -في هذا-: معناه الخلق؛ كقوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} (فصلت: 12) أي خلقهن.
وبناء على هذا القول يكون القضاء من الله تعالى أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقديرين؛ فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع.
ويدل لصحة هذا القول نصوص كثيرة من كتاب الله، قال تعالى: {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} (مريم: 21) وقال: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} (مريم: 71)، وقال: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (البقرة: 117) فالقضاء والقدر -بناء على هذا القول- أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس -وهو القدر-، والآخر بمنزلة البناء -وهو القضاء- فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء.
معنى الإيمان بالقدر:
ويجب على كل مسلم أن يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، ويقصد بالإيمان بالقدر: الإيمان بعلم الله القديم، والإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وفي
(1/14)
________________________________________
بيان ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: الإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون، بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق؛ فـ ((أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة))؛ فما أصاب الإنسان لم يكن يخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف؛ كما قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحج: 70) وقال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحد: 22).
وأما الدرجة الثانية: فهي الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة: وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه -سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه-، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته.
وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد.
(1/15)
________________________________________
والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن، والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم.
هذا؛ وإن تقسيم القدر الذي يجب الإيمان به إلى خير وشر إنما هو بإضافته إلى الناس والمخلوقات؛ أما بالنسبة لله -عز وجل- فالقدر خير كله والشر لا ينسب إلى الله؛ فعلم الله ومشيئته وكتابته وخلقه للأشياء والحوادث، هذا كله حكمة وعدل ورحمة وخير؛ فإن الشر لا يدخل في شيء من صفات الله تعالى ولا أفعاله، ولا يلحق ذاتَه -تبارك وتعالى- نقصٌ ولا شرٌّ؛ فله الكمال المطلق والجلال التام؛ ولذلك لا يجوز إضافة الشر إلى الله مفردًا؛ وإنما يجوز أن يدخل الشر في العموم كقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (الرعد: 16) ويجوز أن يضاف إلى السبب كقوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} (الفلق: 1، 2) ويجوز أن يذكر بحذف فاعله، كقوله تعالى -فيما حكاه عن الجن-: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} (الجن: 10).
والحق أن الله تعالى لم يخلق شرًّا محضًا من جميع الوجوه؛ فإن حكمته سبحانه تأبى ذلك؛ فلا يمكن في جانبه تعالى أن يريد شيئًا يكون فسادًا من كل وجه ولا مصلحة في خلقه بوجه ما؛ فإنه تعالى بيده الخير كله والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير، والشر إنما حصل لعدم النسبة إليه؛ فلو نسب إليه لم يكن شرًّا، وهو من حيث نسبته إلى الله تعالى خلقًا ومشيئة، وليس بشر.
المرض مثلًا شر ومصيبة بالنسبة للإنسان عاجلًا؛ ولكنه خير في الآجل، وخير بالنسبة لله -عز وجل- لما يعلم ما يعقبه من مغفرة الذنوب وتطهير النفوس، وكذلك سجن أعداء الله للمؤمنين شرٌّ في ظاهره لما فيه من الآلام والمحن؛ ولكنه تمحيص
(1/16)
________________________________________
للنفوس وتطهير للصفوف وتربية للأرواح فضلًا عن الثواب الجزيل والخير العميم، وخلق إبليس فيه حكم كثيرة ظاهرة؛ كتوبة البشر بعد الزلل، واستخراج عبودية المؤمنين لله تعالى بجهاد إبليس وحزبه والصبر على إغرائه وإغوائه، والالتجاء إلى حمى الله واللياذ بركنه الركين.

أدلة وجوب الإيمان بالقضاء والقدر
الأدلة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:
قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49) قال الشوكاني: إن كل شيء من الأشياء خلقه الله سبحانه متلبسًا بقدر قدره، وقضاء قضاه سبق في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، وقال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (الأحزاب: 38) قال الحافظ ابن كثير: أي وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وقال صديق حسن خان: أي قضاء مقضيًّا وحكمًا مبتوتًا، وهو كظل ظليل وليل أليل وروض أريض في قصد التأكيد، ومن السنة حديث جبريل المشهور، وفيه أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان فقال: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه)).
قال الحافظ ابن حجر: الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (الحجر: 21).
(1/17)
________________________________________
النصوص الدالة على تقدير الله أفعال العباد:
1 - أعمال العباد جفت بها الأقلام وجرت بها المقادير: عن سراقة بن مالك -رضي الله عنه- قال: ((يا رسول الله، بيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن؛ فيم العمل اليوم؟ أفيم جفت به الأقلام وجرت به المقادير؛ أم فيم يستقبل؟ قال: لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر)) وفي رواية: ((فكل ميسر لما خُلق له)).
2 - علم الله بأهل الجنة وأهل النار: عن علي -رضي الله عنه- قال: ((كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس؛ فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا كتب شقية أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول؛ أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؛ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة؛ وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟! قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ... } (الليل: 5، 6))).
3 - استخراج ذرية آدم من ظهره بعد خلقه وقسمهم إلى فريقين: أهل الجنة، وأهل النار: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم -عليه السلام- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا، قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (الأعراف: 172، 173))).
(1/18)
________________________________________
وعن أبي الدرداء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((خلق الله آدم حين خلقه؛ فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذريته بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي)).
4 - كتابة أجل الإنسان وعمله ورزقه، وشقي أو سعيد، وهو جنين في رحم أمه: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق قال: ((إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح؛ فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل عمل أهل النار فيدخل النار)).
وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:
يجب على كل مسلم أن يؤمن بعقيدة القضاء والقدر إيمانًا راسخًا لا يقبل الشك؛ بل إنه لا يصح إسلام امرئ ولا يقبل إيمانه إلا بيقينه الجازم بالقضاء والقدر؛ لأن عقيدة القضاء والقدر ركيزة من ركائز الإيمان الست؛ وذلك لأن عقيدة القضاء والقدر قد دل عليها القرآن الكريم -كما ذكرنا-.
وفي السنة يقول -صلى الله عليه وسلم-: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك
(1/19)
________________________________________
شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا؛ ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن "لو" تفتح عمل الشيطان)).
- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)).
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن أول ما خلق الله تعالى القلم، ثم قال: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)).
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صفحتها ولتنكح؛ فإن لها ما قدر لها)).
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)).
فالإيمان بالقدر جزء من عقيدة المؤمن وركن من أركان الإيمان، وإنكاره أو التشكيك فيه كفر بالله ورسوله -عياذًا بك اللهم.
وقال صاحب "العقيدة الطحاوية": خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا وضرب لهم آجالًا، ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئتِه، ومشيئتُه تنفذ؛ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم؛ فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره؛ آمنا بذلك كله وأيقنَّا أن كلًّا من عنده، وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من
(1/20)
________________________________________
يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة؛ فلا يزداد في ذلك العدد ولا يُنقص منه.
وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله، وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه ولم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسُلَّم الحرمان ودرجة الطغيان؛ فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن آنامه، ونهاهم عن مرامه؛ كما قال تعالى في كتابه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23) فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب؛ فمن رد حكم الكتاب كان من الكافرين؛ فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود؛ فإنكار العلم الموجود كفر، وإنكار العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود.
وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان: 2) وقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (الأحزاب: 38) فويلٌ لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًّا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفَّاكًا أثيمًا.
(1/21)
________________________________________
وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلًا؛ فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصفَ المخلوق به؛ فهي مع الفعل؛ وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل إليها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286).
وأفعال العباد خلق الله وكسب العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، نقول: لا حيلة لأحد ولا حركة ولا تحوّل لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، تقدس عن كل سوء وحَيْن، وتنزه عن كل عيب وشيْن، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- من الذين يجادلون في كتاب الله ويتنازعون في القدر:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه وهم يختصمون في القدر؛ فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب؛ فقال: بهذا أمرتم؟! أو: لهذا خلقتم؟! تضربون القرآن بعضه ببعض؟! بهذا هلكت الأمم قبلكم، قال: فقال عبد الله بن عمرو: ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما غبطت نفسي بذلك المسجد وتخلفي عنه)).
(1/22)
________________________________________
وفي رواية للإمام أحمد -رحمه الله- بالإسناد السابق نفسه: ((أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟! وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟! فسمع ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخرج كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: بهذا أمرتم؟! أو بهذا بعثتم؟! أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟! إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا إنكم لستم ممن هاهنا في شيء؛ انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا)).
وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نتنازع في القدر؛ فغضب حتى احمر وجهه؛ حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان؛ فقال: أبهذا أمرتم؟! أم بهذا أرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه)).
قال المباركفوري -رحمه الله تعالى-: في (التحفة) في شرحه للحديث السابق: ((فغضب حتى احمر وجهه)) أي: نهاية الاحمرار؛ حتى صار من شدة حمرته، ((كأنما فُقِئ)) بصيغة المجهول أي: شق أو عصر ((في وجنتيه)) أي: خديه ((الرمان)) أي حبه، فهو كناية عن مزيد حمرة وجهه المنبئة عن مزيد غضبه؛ وإنما غضب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، وطلب سره منهي، ولأن من يبحث فيه لا يأمن من أن يصير قدريًّا أو جبريًّا، والعباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سر ما لا يجوز طلب سره.
هذا؛ وبالله التوفيق.
(1/23)
________________________________________
الدرس: 2 تابع الإيمان بالقضاء والقدر.
(1/25)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني
(تابع الإيمان بالقضاء والقدر)

أقسام القدر، وحكم التكذيب به
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وصار على نهجه إلى يوم الدين وبعد:
حكم من أنكر القدر:
من أنكر القدر فقد جحد أصلًا من أصول الشريعة وقد كفر بذلك؛ قال بعض السلف -رحمه الله-: انظروا إلى القدرية بالعلم؛ فإن جحدوه كفروا؛ وإن أقروا به خصموا، فإنكار القدر كفر بالله -جل وعلا- ينافي أصل التوحيد، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: القدر نظام التوحيد؛ فمن كذّب بالقدر نقض تكذيبه توحيده، يعني الإيمان بالقدر هو النظام، يعني: السلك الذي تجتمع فيه مسائل التوحيد حتى يقوم عقدها في القلب؛ فإذا كذّب بالقدر، معنى ذلك: انقطع السلك؛ فنقض ذلك التكذيب أمور التوحيد.
وهذا ظاهر؛ فإن أصل الإيمان أن يؤمن بالأركان الستة التي منها الإيمان بالقدر، قال ابن عمر: "والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر". لأن الله -جل وعلا- لا يقبل إلا من مسلم.
الإسلام شرط في صحة قبول الأعمال، ومن أنكر القدر ولم يؤمن بالقدر فإنه لا يقبل منه، ولو أنفق مثل أحد ذهبًا.
ثم استدل بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، هنا في قوله: ((تؤمن بالقدر خيره وشره)) القدر منه ما هو خير ومنه ما هو شر: خير بالنسبة لابن آدم وشر بالنسبة لابن آدم؛ فالمكلف قد يكون عليه قدر هو بالإضافة إليه خير، وقد يكون عليه القدر
(1/27)
________________________________________
بالإضافة إليه شر، وأما بالنسبة لفعل الله -جل وعلا- فالله -سبحانه وتعالى- أفعاله كلها خير؛ لأنها موافقة لحكمته العظيمة؛ ولهذا جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في ثنائه على ربه: ((والشر ليس إليك)).
فالله -جل وعلا- ليس في فعله شر؛ فالشر بما يضاف للعبد أصيب العبد بمصيبة فهو شر بالنسبة إليه؛ أما بالنسبة لفعل الله فهو خير؛ لأنها موافقة لحكمة الله -جل وعلا- البالغة، والله -سبحانه وتعالى- له الأمر كله.
وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: "يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك". وهذا لأن القضاء والقدر قد فرغ منه، يعني: تقدير الأمور قد فرغ منه، والله -جل وعلا- قد قدر الأشياء وقدر أسبابها؛ فالسبب الذي سيفعله المختار من عباد الله مقدر؛ كما أن نتيجته مقدرة.
ومن الإيمان بالقدر الإيمان بأن الله -جل وعلا- جعلك مختارًا، وأنك لست مجبورًا؛ فالقول بالجبر منافٍ للقول بالقدر، يعني القول بالجبر لا يستقيم مع الإيمان بالقدر؛ لأن الإيمان بالقدر إيمان معه الإيمان؛ لأن العبد مختار وليس بمجبر؛ لأن التكليف وقع بذلك.
والجبرية طائفتان: طائفة غلاة وهم: الجهمية وغلاة الصوفية الذين يقولون: إن العبد كالريشة في مهب الريح وحركاته حركات اضطرارية، ومنهم طائفة ليست بالغلاة وهم الأشاعرة ونحوهم الذين يقولون بالجبر في الباطن وبالاختيار في الظاهر، ويقولون: إن العبد له كسب: وهذا الكسب هو أن يكون العبد في الفعل الذي فعله محلًّا لفعل الله؛ فيفعل به فيكون هو محلًّا للفعل، ويضاف الفعل إليه على وجه الكسب -على ما هو معروف في موضعه من التفاصيل في كتب العقيدة المطولة.
(1/28)
________________________________________
ذكر مرتبة الكتابة:
سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة))، هذا فيه دليل على مرتبة الكتابة، وقوله: ((إن أول ما خلق الله القلم)) معناه -على الصحيح عند المحققين-: أنه حين خلق الله القلم؛ فأول هنا ظرف بمعنى: حين، وإن اسمها ضمير الشأن محذوف، إنه أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، يعني: حين خلق الله القلم قال له: اكتب، فيكون قول: ((اكتب)) هذا من جهة الظرفية.
وأما أول المخلوقات؛ فالعرش سابق في الخلق على القلم؛ كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي في الصحيح: ((قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)) فقوله: ((إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب))، أنه حين خلق قال له: اكتب، والعرش كان قبل ذلك؛ فإذن الكتابة كانت بعد الخلق مباشرة، بعد خلق القلم؛ وأما العرش فكان سابقًا، والماء كان سابقًا أيضًا؛ ولهذا نقول: الصحيح أن العرش مخلوق قبل القلم، كما قال ابن القيم -رحمه الله- في النونية:
والناس مختلفون في القلم الذي ... كُتِب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أم هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه ... عند الكتابة كان ذا أركان
كيفية الإيمان بالقدر:
أقسام التقدير:
أ- التقدير العام لجميع الكائنات: وهو الذي كتب في اللوح المحفوظ قبل خلق السَّمَوَات والأرض بخمسين ألف سنة.
(1/29)
________________________________________
ب- التقدير العمري: وهو تقدير كل ما يجري على العبد من نفخ الروح فيه إلى نهاية أجله.
جـ- التقدير السنوي: وهو تقدير ما يجري كل سنة، وذلك ليلة القدر من كل سنة قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِين * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان: 3، 4).
د- التقدير اليومي: وهو تقدير ما يجري كل يوم من عِزٍّ وذُلٍّ، وعطاء ومنع، وإحياء وإماتة، وغير ذلك؛ قال تعالى: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن: 29).
هل الإيمان بالقدر ينافي مشيئة الإنسان في أفعاله الاختيارية؟
والإيمان بالقدر على ما وصفنا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وقدرة عليها؛ لأن الشرع والواقع دالان على إثبات ذلك له، أما الشرع؛ فقد قال الله تعالى في المشيئة: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} (النبأ: 39) وقال: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (البقرة: 223) وقال في القدرة: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} (التغابن: 16) وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (البقرة: 286).
وأما الواقع فإن كل إنسان يعلم أن له مشيئة وقدرة بهما يفعل وبهما يترك، ويفرق بين ما يقع بإرادته كالمشي وما يقع بغير إرادته كالارتعاش؛ لكن مشيئة العبد وقدرته واقعتان بمشيئة الله تعالى وقدرته؛ لقول الله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير: 28، 29) ولأن الكون كله ملك لله تعالى، فلا يكون في ملكه شيء بدون علمه ومشيئته.
(1/30)
________________________________________
الاحتجاجُ بالقدر لترك الواجبات وفعل المعاصي احتجاجٌ باطلٌ
والإيمان بالقدر -على ما وصفنا- لا يمنح العبد حجة على ما ترك من الواجبات أو فعل من المعاصي؛ وعلى هذا فاحتجاجه به باطل من وجوه:
الأول: قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} (الأنعام: 148) ولو كان لهم حجة بالقدر ما أذاقهم الله بأسه.
الثاني: قوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (النساء: 165) ولو كان القدر حجة للمخالفين لم ينتفِ بإرسال الرسل؛ لأن المخالفة بعد إرسالهم واقعة بقدر الله تعالى.
الثالث: ما رواه البخاري ومسلم -واللفظ للبخاري-: عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما منكم من أحد إلا قد كُتب مقعده من النار أو من الجنة. فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا؛ اعملوا فكلٌّ ميسر. ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} (الليل: 5، 6)» وفي لفظ لمسلم: «فكل ميسر لما خلق له»، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعمل ونهى عن الاتكال على القدر.
الرابع: أن الله تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع؛ قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16) ولو كان العبد مجبرًا على الفعل لكان مكلفًا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل؛ ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل أو نسيان أو إكراه؛ فلا إثم عليه؛ لأنه معذور.
(1/31)
________________________________________
الخامس: أن قدر الله تعالى سرّ مكتوم لا يعلم به إلا بعد وقوع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر الله، وحينئذ تُنفى حجته بالقدر؛ إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه.
السادس: أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه من أمور دنياه حتى يدركه، ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر، فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر، أفليس شأن الأمرين واحد؟!
وإليك مثالًا يوضح ذلك:
لو كان بين يدي الإنسان طريقان: أحدهما: ينتهي به إلى بلد كلها فوضى وقتل ونهب وانتهاك للأعراض وخوف وجوع، والثاني: ينتهي به إلى بلد كلها نظام وأمن مستتب وعيش رغيد واحترام للنفوس والأعراض والأموال؛ فأي الطريقين يسلك؟ إنه سيسلك الطريق الثاني الذي ينتهي به إلى بلد النظام والأمن، ولا يمكن لأي عاقل أبدًا أن يسلك طريق بلد الفوضى والخوف ويحتج بالقدر؛ فلماذا يسلك في أمر الآخرة طريق النار دون الجنة ويحتج بالقدر؟!
السابع: أن المحتج بالقدر على ما تركه من الواجبات أو فعله من المعاصي لو اعتدى عليه شخص فأخذ ماله أو انتهك حرمته، ثم احتج بالقدر وقال: لا تلمني؛ فإن اعتدائي كان بقدر الله؛ لم يقبل حجته؛ فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه، ويحتج به لنفسه في اعتدائه على حق الله؟!
ويذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- رفع إليه سارق استحق القطع، فأمر بقطع يده؛ فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، فإنما سرقت بقدر الله، فقال: ونحن إنما نقطع بقدر الله.
(1/32)
________________________________________
أثر الإيمان بالقدر على المسلم
لقد بني هذا الدين على التسليم لحكمة الله وإرادته، وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة الربانية في الأوامر والنواهي، وكذلك كان أصحاب الأنبياء؛ فإن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم، فأول مراتب تعظيم الأمر التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم المسارعة إليه والمبادرة به، وهكذا كان الصحب الكرام فقد كانوا شديدي الأدب مع ربهم ومع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد قال فيهم ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض"، وفي مسألة القدر أجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب.
عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت له: قد وقع في نفسي شيء في القدر؛ فحدثني لعل الله يذهب من قلبي؛ فقال: "لو أن الله تعالى عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أُحُد ذهبًا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، قال: ثم أتيت ابن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك".
وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال لابنه عند الموت: "يا بني؛ إنك لن تجد حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فقال: يا رب، وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)). يا بني، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من مات على غير هذا فليس مني)).
(1/33)
________________________________________
هذا؛ وقد كان لهذه العقيدة في نفوس أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- أجل الأمل؛ فقد انطلقوا في الأرض وهم يحملون عقيدة القدر كما علّمهم إياها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد قال لابن عباس -رضي الله عنهما-: ((يا غلام، احفظ الله يحفظك؛ احفظ الله تجده تجاهك؛ إذا سألت فاسأل الله؛ وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك؛ وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)).
هذه العقيدة سكبت في قلوبهم السكينة، وأفاضت على نفوسهم الطمأنينة، وربَّتهم على العزة؛ فارتاحت أعصابهم وهم منطلقون لتبليغ هذا الدين إلى البشرية، وقد استصغروا قوى الأرض جميعًا أمام إيمانهم بقدر الله.
سئل سلمان الفارسي: ما قول الناس حتى تؤمن بالقدر خيره وشره؟ فقال: حتى تؤمن بالقدر: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، ولم يكن هذا قول سلمان فحسب؛ وإنما كان قول أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جميعًا؛ فأية سعادة تضفيها على النفس هذه العقيدة! وأية شجاعة انطوت عليها قلوب آمنت أن الأمر بيد الله وأن البشر لا أمر لهم.
إن قوى الأرض جميعًا لا تقف أمام إنسان يحمل هذا المبدأ، ويكن بين جنباته هذا الإيمان، ومن هنا نجد التفسير الصحيح للأعمال التي حققها هذا الإيمان على يد العصبة المؤمنة التي انطلقت بهذا الدين، إنها الأعمال تشبه الخوارق ولكنها حقائق، إن تلك الإنجازات العظيمة التي حققها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام، إن هي إلا ثمرة إيمانهم بالله واليوم الآخر، وقدر الله -عز وجل.
إن الإنسان الذي ينعم بعقيدة القدر ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الأمة لو اجتمعت لم تضره إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وأنه لم تمت نفسٌ حتى
(1/34)
________________________________________
تستكمل رزقها وأجلها، إنه هذا الإنسان هو وحده الذي يتحرر من العبودية للعباد بدخوله في العبودية لرب العباد؛ إذ كيف تنحني جبهته لأية قوة على ظهر الأرض وهو يعلم أن الأمر بيد خالق السموات والأرض ومن فيهن؟! وكيف تذل نفسه لعبد من تراب؟!
يقول ابن رجب -رحمه الله تعالى-: فمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب فهو تراب، فكيف يقدم طاعة من هو تراب على طاعة رب الأرباب؟! أم كيف يرضي التراب بسخط المالك الوهاب؟! إن هذا لشيء عجاب!.
إن هذه العقيدة لتنتزع كل مظهر للجبن من القلب الذي تعمره، فتدفع صاحبها إلى جهاد الكفار والطغاة دون أن يحسب لوسائلهم وأساليبهم أي حساب، ولماذا ينشغل بالحساب لهم وقد ضمن له خالقه وخالقهم أن يستوفي رزقه وأجله، ولماذا يجبن وهو يعلم أن المقدور نازل به لا محالة، وغير المقدور لن يحيق به أبدًا؛ فما أحسن قول من قال:
أي يومي من الموت أفر ... يوم لا قدر أو يوم قدِر
يوم لا قدر لا أرهبه ... ومن المقدور لا ينجو الحذِر
إن النفس المؤمنة بقدر الله -سبحانه وتعالى- لتنعم بنعمة أخرى لا تعدلها نعم الدنيا كلها؛ إنها نعمة الرضا في كل حال؛ ذلك أن هذه النفس ترى أن المقادير تجري بأمر الله -عز وجل- ومشيئته وتدبيره وأن الأحداث تنبثق بحكمة الله وإرادته، وهو يعلم والناس لا يعلمون كما قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 216)؛ فتعلم هذه النفس المؤمنة أن الله الذي قدر لها الخير أو الشر حكيم رحيم؛ فلا تبطر نعمة ولا تجزع من مصيبة؛ فهي شاكرة في السراء صابرة في الضراء، أمرها كله خير كما، قال
(1/35)
________________________________________
المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: ((عجبًا للمؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له؛ وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)).
فالمؤمن من ينظر إلى المصيبة فيعلم أنها قدر الله فيطمئن ويرضى؛ فيكون أكثر أدبًا من أن يعترض على مولاه وخالقه، وينظر إلى عاقبة المصيبة ومآلها من الثواب فيرضى ويصبر، وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلابة ابتلي على قدر ذلك؛ وإن كان فيه رقة هوِّن عليه؛ فما يزال البلاء بالرجل حتى يدعه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة)).
وهذا علقمة -رحمه الله- يفسر قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} فيقول: هو الرجل تصيبه المصيبة؛ فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: يهدي قلبه اليقين؛ فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ولقد ارتفعت نفوس الصحابة -رضوان الله عليهم- في ظلال هذا التصور الإيماني وسمت أرواحهم وأرهفت ضمائرهم حتى استوت في نظرهم السراء والضراء، وتماثل لديهم الشكر والصبر كما يقول عمر -رضي الله عنه-: "لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما أركب".
ويقول أبو محمد الحريري: الصبر: ألا يفرق بين النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما؛ فقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه مائة ألف دينار؛ هل يكون زاهدًا؟ قال: نعم، بشرط ألا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت، وقال بعض السلف: الزاهد: من لا يغلب الحلال شكره ولا الحرامَ صبره.
(1/36)
________________________________________
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما-: "أما بعد؛ فإن الخير كله في الرضا؛ فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر"، وقال ابن عطاء: الرضا سكون القلب إلى قديم اختار الله للعبد أنه اختار له الأفضل.
هذا؛ والصبر واجب باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله، وقيل عن الرضا: أنه واجب، وقيل: هو مستحب، وقد أجمع العلماء على أن حكمه لا يقل عن الاستحباب.
وأساس الرضا: الإيمان بقدر الله -عز وجل- كما تقدم، واستشعار للطف الله بعباده؛ قال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين، وأهل الرضا يلاحظون ثواب المبتلى وخيريته لعبده في البلاء، وأنه غير متهم في قضائه، وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء فينسيهم ألم المقضي به، وتارة يلاحظون عظمة المبتلي وجلاله وكماله فيستغرقون في مشاهدة ذلك، حتى إنهم لا يشعرون بالألم؛ بل ربما يتلذذون بما أصابهم لملاحظة صدوره من حبيبهم.
والرضا والصبر اللذين يثمرهما الإيمان بالقدر إنما هما الرضا بالمقدور من المصائب والنوائب، والصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، وعلى أنواع المكاره، وليس المقصود الرضا بالكفر والعصيان والفسوق عن أمر الله، ولا الصبر على الذل والضيم؛ فإن الله لا يرضى لعباده الكفر والمعصية والهوان؛ فليكن رضاك تبعًا لرضا ربك وصبرك في طاعة الله وفي سبيله.
إن الرضا بالقدر والصبر على البلاء: الطمأنينة إلى حكم الله -عز وجل-، فهو أهم القواعد التي يقام عليها السكن النفسي، وهي من أبرز الدوافع لانطلاق جميع الطاقة البشرية للعمل في هذه الأرض ضمن منهج الله -عز وجل-، فلا التفات للوراء ولا محطات للتحسر والندم، ولا "لو كان كذا وكذا لكان كذا وكذا"؛ ولكن قدر الله وما شاء فعل.
(1/37)
________________________________________
ففي هذه العقيدة هدوء القلب وراحة البدن والنفس والأعصاب ومفارقة الهم والحزن؛ فلا تمزق نفسي ولا توتر عصبي ولا شذوذ ولا انفصام؛ وإنما رضا وسكينة وسعادة وراحة وطمأنينة وبرد اليقين وقرة العين وهناءة الضمير وانشراح الصدر والاطمئنان إلى رحمة الله وعدله وعلمه وحكمته؛ فهو الملاذ والمعاذ من الوسواس والهواجس.
إن الاعتقاد بعقيدة القدر يحدث في واقع الناس وفوق هذه الأرض نتائج إيجابية هائلة؛ وأما المجتمعات التي تركت هذه العقيدة وفرغت من الإيمان بالله وتدبيره لشئون الحياة والأحياء؛ فيصيبها في الآخرة خلود في العذاب المهين، وفي هذه الدنيا ضياع السعادة وتمزق الأعصاب وضنك العيش وتوتر الحياة مصداقًا لقوله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه: 123، 125).
الإيمان بالقدر لا ينافي الأخذ بالأسباب:
ويجب ألا يغيب عن بالنا أننا مأمورون بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله -عز وجل- والإيمان أن بيده ملكوت كل شيء، والإيمان أن الأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله -سبحانه وتعالى- فالذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج والثمار؛ فمن أراد النسل الصالح فلا بد أن يتخذ لذلك سببًا وهو الزواج الشرعي، ولكن هذا الزواج قد يعطي الثمار وهي النسل وقد لا يعطي؛ حسب إرادة العزيز الحكيم ومشيئة اللطيف الخبير: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (الشورى: 49، 50).
(1/38)
________________________________________
ولذا يحرم على المسلم ترك الأخذ بالأسباب؛ فلو ترك إنسان السعي في طلب الرزق لكان آثمًا مع أن الرزق بيد الله تعالى، وقد بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الأسباب المشروعة هي من القدر؛ فقيل له: أرأيت رقًى نسترقي بها وتقًى نتقي بها وأدوية نتداوى بها؛ هي ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: ((هي من قدر الله)).
فالالتفات إلى الأسباب واعتبارها مؤثرة في المسببات شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع؛ لذا فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتداوي؛ فقد روى أصحاب السنن عن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير؛ فسلمت ثم قعدت؛ فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، التداوي؟ فقال: ((تداووا؛ فإن الله -عز وجل- لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم)).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)) وبناء على هذا الأمر بالتداوي قال الفقهاء باستحبابه وبعضهم قال بوجوبه: قال شارح "العقيدة الطحاوية": لقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب؛ وهذا فاسد فإن الاكتساب منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل المتوكلين، يلبس لَأمة الحرب ويمشي في الأسواق للاكتساب.
وهكذا كان فهم الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- للعلاقة بين الإيمان بالقدر وتعاطي الأسباب، وأن هذا التأني داخل في معنى الإيمان بالقدر ولا ينافيه، وإنما هو مقتضى من مقتضياته؛ روى الإمام البخاري أن عمر -رضي الله عنه- لما خرج إلى الشام لقيه
(1/39)
________________________________________
أمراء الأمصار، وأخبروه بانتشار الوباء فيها؛ فاستشاروا المهاجرين والأنصار ثم مهاجرة الفتح من مشايخ قريش، فاجتمع المهاجرة على الرجوع بعدًا عن الوباء وأمر بذلك عمر، فقال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟! أفرأيت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة؛ أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر الله؟!.
ولذا بكَّت عمر بن الخطاب جماعة من أهل اليمن كانوا يحجون بلا زاد؛ فذمهم؛ قال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناسًا من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتآكلون؛ إنما المتوكل الذي يُلقِي حبة في الأرض ثم يتوكل على الله.
يقول ابن قيم الجوزية: لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى.
مشيئة الرب ومشيئة العبد:
وقد يقال: إذا كان الله منح العبد الحرية والاختيار؛ فما معنى قوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير: 28، 29)؟
فنقول: معناها: أن الإنسان لا يشاء شيئًا إلا إذا كان في حدود مشيئة الله وإرادته؛ فمشيئة البشر ليست مشيئة مستقلة عن مشيئة الله، والله قد شاء للإنسان أن يختار أحد الطريقين: طريق الهداية وطريق الضلالة، فإذا اختار الطريق الأول ففي نطاق المشيئة الإلهية، وإذا اختار الطريق الثاني ففي نطاقها أيضًا، وكل الآيات التي جاءت على هذا النحو فمعناها لا يتعدى ما ذكرناه.
(1/40)
________________________________________
الهداية والإضلال:
وقد يقال أيضًا: لقد جاء في القرآن الكريم: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (النحل: 93) أي أن الله يضل من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته، وإذا كان الله يضل ويهدي فليس للعبد حرية الاختيار!.
والواقع أن الهداية والإضلال نتائج لمقدمات ومسببات لأسباب؛ فكما أن الطعام يغذي والماء يروي والسكين تقطع والنار تحرق؛ فكذلك هناك أسباب توصل إلى الهداية وأسباب توصل إلى الضلال، فالهداية إنما هي ثمار عمل صالح؛ والضلال إنما هو نتائج عمل قبيح.
فإسناد الهداية والإضلال إلى الله من حيث إنه وضع نظام الأسباب والمسببات لا أنه أجبر الإنسان على الضلال أو الهداية.
وحينما نرجع إلى الآيات القرآنية نجد هذا المعنى بينًا وواضحًا لا لبس فيه ولا غموض؛ فالله يقول: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَاب} (الرعد: 27)، ويقول سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت: 69) ويقول: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} (محمد: 17) فهداية الله للناس بمعنى: لطفه بهم، وتوفيقهم للعمل الصالح إنما هي ثمرة جهاد للنفس وإنابة إلى الله واستمساك بإرشاده ووحيه.
ويقول القرآن الكريم في الإضلال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (البقرة: 26، 27)، وقال -عز وجل-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} (إبراهيم: 27) كما قال -عز وجل-:
(1/41)
________________________________________
{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} (غافر: 35) وقال: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (الصف: 5) وقال: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (المطففين: 14) وقال سبحانه: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء: 155).
فنرى من هذه الآيات أن سبب الإضلال: هو الزيغ والخروج عن تعاليم الله، والكبر والجبروت والتعالي على الناس بغير حق، ونقض عهد الله -عز وجل- وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يُقطع، والفساد في الأرض، والكفر، واقتراف الآثام.
فهذه هي الأسباب التي أضلت الناس وأخرجتهم عن منهج الحق؛ لأنهم آثروا العمى على الهدى واستحبوا الضلال، واستحبوا الظلام على النور؛ فكان أن كافأهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، بمقتضى نظامه في ارتباط الأسباب بمسبباتها، وهذا ونحوه كثير في كتاب الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/42)
________________________________________
الدرس: 3 الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (1).
(1/43)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث
(الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (1))

أهداف دراسة السيرة النبوية، والبيئة التي نشأت فيها الدعوة
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونصلي ونسلم على خير خلقه محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وبعد:
أولًا تمهيدًا عن أهداف دراسة السيرة النبوية:
إن لدراسة السيرة العطرة أهدافًا عديدة من أهمها:
1 - يجد المرء في سيرته -صلى الله عليه وسلم- ما يعينه على فهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.
2 - إن الدارس لسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقف على التطبيق العملي لأحكام الإسلام التي تضمنتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في مجالات الحياة المختلفة.
3 - إن الاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقتضي معرفة شمائله وأحواله -صلى الله عليه وسلم- في المجالات المختلفة.
4 - إن الاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- دليل على محبة العبد ربه، وسينال العبد محبة الله له، وفي هذا يقول الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 31).
5 - يقف الدارس لسيرته -صلى الله عليه وسلم- على حقائق معجزاته، وهي دلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم- مما يقوي ويزيد الإيمان من ناحية، والفهم الجيد لهذه المعجزات في ضوء معرفة هذه الوقائع من ناحية أخرى.
6 - إن معرفة ما حفلت به السيرة من مواقف إيمانية عقدية وقفها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لإعلاء كلمة الله- تقوي من مزاعم المؤمنين السائرين على درب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتثبتهم للدفاع عن الدين والحق، وتبعث في قلوبهم الطمأنينة.
(1/45)
________________________________________
7 - في سيرته -صلى الله عليه وسلم- دروس كثيرة لجميع الناس ومواساة لهم في كافة أنواع الابتلاءات التي يتعرضون لها؛ لا سيما الدعاة.
8 - إن سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي المثل الأعلى للإنسان الكامل في جميع الجوانب.
9 - يحصل دارس السيرة على قدر كبير من المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة؛ من عقيدة، وشريعة، وأخلاق، وتفسير، وحديث، وسياسة، وتربية، واجتماع.
10 - يقف الدارس لسيرته -صلى الله عليه وسلم- على تطور الدعوة الإسلامية، وما كابده الرسول وأصحابه لإعلاء كلمة الله، وما واجهه هو وأصحابه من مشكلات، وكيفية التصرف في تذليل تلك العقبات وحل تلك المشكلات.
ولقد قيض الله تعالى للسيرة النبوية رجالًا عظامًا نقلوها إلينا مصونة من التبديل والتحريف، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما قال: ((يحمل هذا العلم من كل خلَف عدولُه؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)).
البيئة التي نشأت فيها الدعوة:
لقد تبوأ القرشيون مكانة كبيرة بوجود البيت العتيق الذي يحج إليه العرب من شتى المناطق، والتي كانت تحيط به أصنامهم التي زاد عددها كثيرًا، حتى وصلت إلى ثلاثمائة وستين صنمًا، وقد تولوا السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة، وتمكن هاشم بن عبد مناف بن قصي من عقد الإيلاف، وتوسيع نطاق التجارة المكية بنقلها من النطاق الإقليمي إلى آفاق العالم القديم الرحبة؛ لقوله -سبحانه وتعالى-: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} (قريش: 1، 2).
(1/46)
________________________________________
وقد حاز عبد المطلب بن هاشم جد النبي -صلى الله عليه وسلم- مكانة متميزة في قلوب الناس لكرمه وجوده، واشتهر بحفره بئر زمزم التي وفرت المياه في مكة؛ ومع أن عبد المطلب لم يكن أغنى رجال مكة ولا هو زعيمها الوحيد غير أن صلته المباشرة بشئون البيت العتيق وقيامه بخدمة حجاج البيت جعلته من أبرز زعماء مكة؛ فكان هو الذي فاوض أبرهة حين قدم بالأحباش غازيًا لمكة بقصد هدم الكعبة.
وعلى ذلك؛ فقد كانت عشيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- تتبوأ مكانة متميزة عن غيرها قبل مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- وعند بعثته.
أما تصوراتهم عن الله -عز وجل-: فقد انحرفوا عن الطريق القويم واتخذوا أصنامًا لهم عبدوها في كل مكان، وكانوا يتمسحون بها عند سفرهم وعند قدومهم؛ ولذلك فقد تعجبوا أن دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى التوحيد وقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (ص: 5).
قد روى الشيخان: أن عمرو بن عامر الخزاعي كان أول من سيب السوائب، كما أنكروا القيامة والبعث والنشور والدار الآخرة والحساب والجنة والنار؛ رغم إقرارهم بالربوبية وقسمهم بالله، كما قال سبحانه: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} (النحل: 38)؛ فهم يعبدون الأصنام لتقرِّبهم إلى الله تعالى الذي يطمعون منه أن يمنحهم ما يأملون في هذه الحياة، التي تنتهي عادة بالهلاك الأبدي الدائم عندهم الذي ينسبونه إلى الدهر: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} (الجاثية: 24)، ويفضح القرآن إنكارهم للآخرة في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز: قال الله -سبحانه وتعالى-: {وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} (هود: 7) وقال تعالى أيضًا: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} (الأنعام: 29).
(1/47)
________________________________________
أما أخلاقهم وأعرافهم وعاداتهم؛ فكثير منها هدمه الإسلام، ومن ذلك ممارسة الكثير من الرذائل من شرب للخمور، ولعب الميسر، والزواج بغير عدد، وقتل بعضهم للأولاد بسبب الفقر، ووأد البنات خوف العار والفقر، وإثارتهم للحروب لأتفه الأسباب، وأخذ الثأر.
وقد حكى الله تعالى عنهم كل تلك الرذائل في القرآن الكريم وعابهم عليها، من ذلك: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} (المائدة: 90) وقال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} (التكوير: 8، 9) وقال سبحانه {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (النحل: 58، 59).

الإعداد الإلهي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليقوم بأعباء الدعوة
لقد كان ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- تمهيدًا لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور؛ فقد أولى الله رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بعناية خاصة منذ مولده، وذلك إعدادًا له لحمل الرسالة الخاتمة التي يبدد الله بها الظلمات التي ملأت الكون، ولا عجب في ذلك؛ فهذا خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- الذي قضى حياته في مكافحة الوثنية؛ ولكنه لم يقضِ إلا على القليل منها؛ لم يقضِ عليها قضاء مبرمًا؛ فدعا ربه تعالى أن يبعث من ذريته رسولًا يطهّر الله به الأرض من الشرك والوثنية، ويعلم الناس دينهم ويزكيهم به؛ فيعلمون أن ربهم واحد ودينهم واحد؛ قال الله تعالى على لسان إبراهيم -عليه السلام-: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (البقرة: 129).
(1/48)
________________________________________
ولقد أراد الله تعالى للخير أن يعم الدنيا وأن يندحر الشر والضلال؛ فأذِن بميلاد محمد -صلى الله عليه وسلم- فلقد الله اصطفاه واختاره من أطهر الأنساب؛ قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124)، وقد روى البخاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)).
كما روى البخاري والبيهقي في (دلائل النبوة): أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((بعثتُ من خير قرون بني آدم، قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه)) وقد وُلد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام الفيل كما تؤكد الروايات، وقد ذكر ابن القيم أنه لا خلاف أنه ولد -صلى الله عليه وسلم- بجوف مكة، وأن مولده كان عام الفيل، وكان أمر الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة؛ إذ ذاك؛ لأنهم كانوا عُبَّاد أوثان فنصرهم الله على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه، إرهاصًا وتقدمة للنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي خرج من مكة، وتعظيمًا للبيت الحرام.
يقول الدكتور أحمد غلوش: وبالنسبة لميلاد المصطفى في عام الفيل: لأنه -صلى الله عليه وسلم- ولد قبل وقوع الحادثة بخمسين يومًا، فمن أجل أن يدرك الناس أن قدرة الله الغائبة عنهم تتصل بكل موجود، وكل ما في الكون قدر إلهي محض، وإذا أراد الله شيئًا قال له: "كن" فيكون؛ حتى إذا جاءهم محمد -صلى الله عليه وسلم- علموا أنه المبعوث لهم من الله تعالى، ومن أين للناس أن يدركوا هذه الأسرار في يوم مولده -صلى الله عليه وسلم؟!.
إن هذه الحكم وهذه الأسرار لم ترتبط وقتها في أذهان من رآها ببعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- ورسالته، ويكفي أنها تحرك الأذهان نحو عدم تأليه من يزول ويتغير، مثل النار المنطفئة أو البيوت المكسورة أو الأصنام المهتزة؛ وليتأكدوا من وجود قوة قاهرة
(1/49)
________________________________________
تحقق أعمالًا لا يقدر عليها الناس، ولا يمكنهم تفهم أسرارها، وذلك أثر ممكن الحدوث، وبخاصة أن أهل الكتاب وحكماء العرب يؤمنون بمبعث نبي بشرت به الكتب المنزلة؛ يقول الله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة: 146) ويقول سبحانه: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} (الأعراف: 157).
إن العالم كله قُبَيْل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبيل مولده كان في انتظار رسول جديد يجمع العالم على الحق، وعلى هذا؛ فإن حدوث الميلاد محاطًا بهذه الحكم يمثل عوامل تصديق رسالة الرسول بعد مبعثه، وتعد دوافع إيمانية للعقلاء الذين يعرفون أن النبوة صناعة ربانية ولا مانع من جريان الأحداث معها على نحو خارق لعادة الناس.
ما يستفاد من حادثة الفيل:
أولًا: منزلة البيت عند العرب عظيمة:
وتعود هذه المنزلة إلى بقايا ديانة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- ولكن هذه المنزلة شُوهت بالأصنام؛ إنه بيت الله؛ بل هو أول بيت وضع للناس لعبادة الله سبحانه؛ فلا يتقدم عليه بيت أيًّا كان هذا البيت.
ثانيًا: أن حسد النصارى وحقدهم على البيت يتمثل في موقف أبرهة: أنه يريد أن يصرف الناس عن تعظيم البيت ببناء كنيسة القليس؛ وعلى الرغم من الترهيب والترغيب فإن العرب رفضت ذلك ووصل الأمر إلى غايته بأن أحدث فيها أحد الأعراب.
(1/50)
________________________________________
ثالثًا: القداسة ليست في الحقيقة في تشييد البنيان وزخرفته وكثرة الإنفاق عليه -كما يظن الجهلاء-: إن القداسة مهابة وتعظيم للبيت يلقيها الله -تبارك وتعالى- في قلوب الناس على ما شاء من الأزمنة والأمكنة والأشخاص، ولقد كانت كنيسة القُليس التي بناها أبرهة الحبشي في بنيانها وزخرفتها وحداثتها وجمالها لا تُضاهَى؛ ومع هذا لم يضع الله لها أي هيبة أو قداسة في نفوس الناس، وظلت الهيبة والقداسة لبنيان الكعبة.
رابعًا: الناس لا يكرهون على الأمور القلبية: لقد أراد أبرهة أن ينفر الناس من الكعبة وتعظيمها ويصرف قلوبهم إلى كنيسة القليس، وهذا أمر قلبي، والله مقلب القلوب ومثبتها على الحق والصدق.
خامسًا: التضحية بالأنفس من أجل المقدسات: لقد هب الناس في وجه أبرهة وجيش أبرهة يريدون منعه من ارتكاب جريمته الحمقاء: وهي تدميره بيت الله الحرام، لقد بذل هؤلاء دماءهم دفاعًا عن مقدساتهم.
سادسًا: خونة الأمة وخاذلوها يخذلهم الله، وخونة الحق وخاذلو أهله يخذلهم: وهؤلاء العملاء الخونة الذين تعاونوا مع أبرهة وأصبحوا عيونًا له وجواسيس وأدلاء يدلون على طريق المسجد الحرام ليهدمه لعنوا في الدنيا والآخرة؛ لعنهم الناس، ولعنهم الله.
سابعًا: طبيعة المعركة حرب بين الله وبين الكفار: لقد صور حقيقة المعركة عبد المطلب زعيم مكة أدق تصوير حين أعلن الكعبة بيت الله وأبرهة يريد هدم بيت الله، والله -عز وجل- سيحمي بيته، إن للبيت ربًّا يحميه.
ثامنًا: المشركون قبل الإسلام وفي الجاهلية كانوا يؤمنون بالله، وبقدرته؛ ولكنهم كانوا يشركون معه غيره؛ فكانوا كفارًا بذلك: لقد تعلق عبد المطلب بأستار الكعبة
(1/51)
________________________________________
وبابها يدعو الله أن يحمي بيته ويهلك الجيش الغازي، وهذا النوع من إيمان المشركين قال الله فيه: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (يوسف: 106).
تاسعًا: قوة الكافر وحشده مهما عظمت وكثرت لا تقف لحظة واحدة أمام قدرة الله وبطشه ونقمته: فهو سبحانه واهب الحياة وسالبها في أي وقت شاء، والمؤمن يؤمن بهذه الحقيقة ويعتمد عليها بعد الأخذ بالأسباب؛ قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} (الطلاق: 3) وقال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (آل عمران: 122).
ومن قدرته سبحانه أن يضع القوة العظيمة في الطير الصغير ويسلب القوة العظيمة من الفيل الكبير.
عاشرًا: في هذه الحادثة توجيه أنظار الناس في الجزيرة العربية وخارجها إلى بيت الله الحرام بمكة، باعتباره المكان المقدس الذي تكفل الله بحفظه وحمايته من عبث العابثين وكيد الكائدين، وطريق حفظه كانت بمعجزة خارقة للعادة لا يملك البشر مثلها، وإيماء إلى مستقبل هذا البيت وميلاد هذا النبي الذي ارتبط بهذه المعجزة؛ إذ ولد في عامها وأنه سيحررها الله على يديه من الأصنام البشرية والحجرية.
حادي عشر: وفي حادثة الفيل دلالة: وهي أن الله لم يقدر لأهل الكتاب أبرهة وجنوده أن يدمروا البيت الحرام وأن يسيطروا على الأرض المقدسة، حتى والشرك يدنسه والمشركون هم سدنته ليبقى هذا البيت عتيقًا من سلطان المتسلطين مصونًا من كيد الكائدين، وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة حرة طليقة لا يهيمن عليها سلطان ولا يطغى فيها طاغية، ولا يهيمن على هذا الدين الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد، ويقود البشرية ولا يقاد، وكان هذا من تدبير الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن نبي هذا الدين قد ولد في هذا العام.
(1/52)
________________________________________
ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة تلف حول الأماكن المقدسة من الصليبية العالمية والصهيونية العالمية، ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الفاجرة الماكرة؛ فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب وسدنته من المشركين سيحفظه إن شاء الله ويحفظ مدينة رسول الله من كيد الكائدين ومكر الماكرين.

دلائل النبوة في مولد النبي -صلى الله عليه وسلم-
مولد النبي -صلى الله عليه وسلم- وما فيه من دلائل النبوة:
قال محمد بن إسحاق: فكانت آمنة بنت وهب أم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحدث أنها أُتيت حين حملت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة. وعن عثمان بن أبي العاص قال: حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة ولدته، قالت: فما شيء أنظر في البيت إلا نور، وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول: ليقعن عليَّ.
وذكر القاضي عياض عن الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف: أنها كانت قابِلته، وأنها أخبرت به حين سقط على يديها واستهل سمعت قائلًا يقول: يرحمك الله، وإنه سطع منه نور رؤيت منه قصور الروم.
وقد حكى السهيلي: أن إبليس رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط، وحين ولد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحين أنزلت الفاتحة، قال محمد بن إسحاق: وكان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة ينحر بها؛ فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش، هل وُلِد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم: والله ما نعلمه، فقال: الله أكبر؛ أما إذا أخطأتم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة
(1/53)
________________________________________
نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات، كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتًا من الجن أدخل أصبعه في فمه؛ فمنعه الرضاعة؛ فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله وحديثه؛ فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله؛ فقال: قد وُلِد وَلَد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدًا؛ فالتقى القوم، فقالوا: هل سمعتم حديث اليهودي؟ وهل بلغكم مولد هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي؛ فأخبروه الخبر، قال: فاذهبوا معي حتى أنظر إليه؛ فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة؛ فقالوا: أخرجي إلينا ابنك؛ فأخرجته وكشفوا له عن ظهره؛ فرأى تلك الشامة؛ فوقع اليهودي مغشيًّا عليه؛ فلما أفاق قالوا له: ما لك؟ ويلك، قال: قد ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل، فرحتم بها يا معشر قريش، والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب.
سقوط الشُرفات من إيوان كسرى، وخمود النيران، وغاصت بحيرة ساوة:
ومنذ أن ولد -صلى الله عليه وسلم- بدأت تتقوض وتتهدم معالم الشرك والضلال؛ ذكر ابن كثير أنه لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ارتجس إيوان كسرى، وسقط منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، وانهدمت الكنائس حولها بعد أن غاضت.
رضاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- وما فيها من دلائل النبوة:
كانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ابتعادًا لهم عن أمراض الحواضر؛ ولتقوى أجسادهم وتشتد أعصابهم ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم؛ فالتمس عبد المطلب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- المراضع واسترضع له
(1/54)
________________________________________
امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، ورأت حليمة من بركته -صلى الله عليه وسلم- كل العجب:
قال ابن إسحاق: كانت حليمة تحدِّث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء؛ قالت: وذلك في سنة شهباء، لم تُبقِ لنا شيئًا، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء، ومعنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبيِّنا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه؛ ولكن كنا نرجو الغيث والفرج؛ فخرجت على أتاني تلك حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم؛ وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي؛ فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده؛ فكنا نكرهه لذلك؛ فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري؛ فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه؛ قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت: فذهبت إليه وأخذته؛ وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي؛ فلما وضعته في حجري أقبل على ثدياي بما شاء من لبن؛ فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما -وما كنا ننام معه قبل ذلك- وقام زوجي إلى شارفنا تلك؛ فإذا هي ممتلئة لبنًا، فحلب منها ما شرب وشربت معه؛ حتى انتهينا ريًّا وشبعًا؛ فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي -والله، يا حليمة- لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك.
(1/55)
________________________________________
قالت: ثم خرجنا، وركبت أنا أتاني وحملته عليها معي؛ فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حُمُرهم؛ حتى إن صواحبي ليقلن لي: يابنة أبي ذؤيب، ويحك! أربعي علينا، أليست هذه هي أتانك التي كنت خرجت عليها؟! فأقول لهم: بلى، والله؛ إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا! قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد -وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها- فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لبنًا -أي ممتلئة الضرع- فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع؛ حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب؛ فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض قطرة لبن وتروح غنمي شباعًا لبنًا؛ فلم نزل نتعرف الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان؛ فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا -أي قويًّا.
قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا؛ لما كنا نرى من بركته؛ فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ؛ فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا.
ما يستفاد من الرضاعة:
أولًا: بركة هذا الرضيع على مرضعته: لقد ظهرت هذه البركة على حليمة السعدية في كل شيء:
- ظهرت في إدرار ثديها وغزارة حليبها، وقد كان قليلًا لا يكفي ولدها؛ فإذا هو يكفي ولدها ويكفي الرضيع محمدًا وزيادة.
- وظهرت بركته أيضًا في سكون الطفل ولدها -وقد كان كثير البكاء مزعجًا لأمه يؤرقها ويمنعها من النوم، وإذا هو شبعان ساكن جعل أمه تنام وتستريح.
(1/56)
________________________________________
- وظهرت بركته في شياههم العجفاوات التي لا تدر شيئًا، وإذا بها تفيض من اللبن الكثير الذي لم يعهد.
ثانيًا: إن هذه البركات من الله -تبارك وتعالى- على حليمة وأهلها؛ لحكمة هي أن يحب أهل هذا البيت هذا الطفل، ويحنوا عليه ويحسنوا معاملته ورعايته وحضانته: وهكذا كان؛ فقد كانوا أحدب عليه وأرحم به من أبنائهم.
ثالثًا: الخيرة فيما اختاره الله: لقد كانت حليمة السعدية ترغب عن حضانة أي طفل يتيم، وترغب في رضاعة غيره فمن له أب يكافئها مكافأة جزلة ويعطيها أجرًا يغنيها، هذا هو ظنها، ولكن لم تجد بغيتها، واختار الله لها هذا الطفل محمدًا الذي أخذته على مضض؛ لأنها لم تجد غيره وصواحبها قد أخذن ما يرضعن؛ فكان الخير كل الخير فيما اختار الله وظهرت نتائج هذا الاختيار.
وهذا درس للدعاة يستفيدون منه: إذ عليهم بعد الأخذ بالأسباب أن تطمئن نفوسهم إلى قدر الله واختياره، والرضا به والقناعة بجدواه والتوفيق منه، ولا تذهب أنفسهم حسرات على ما فاتهم.
رابعًا: لقد كان لفترة الرضاعة في بني سعد أكثر من فائدة على النبي -صلى الله عليه وسلم-: فالبادية في ظروفها، والحياة التي يحياها أهلها حياة شظف في العيش ليس فيها ترف ولا سرف، والرسول -صلى الله عليه وسلم- تربى على هذا الشظف في العيش وكان بعيدًا عن الترف والسرف والمخيلة، بحكم هذه البيئة القاسية في عمومها، وهذه البيئة النقية في جوِّها تكسب الجسم قوة، وكذلك السمع والبصر، والأفق رحب فسيح والجو خال من الضجيج، وهذه البيئة يعيش أهلها يتكلمون بلغتهم التي لا تشوبها شائبة ولا يختلط بها غيرها من اللهجات بخلاف المدينة؛ فتعلّم فصاحة بني سعد في اللغة؛ فهو كما قال: ((أنا أعربكم)) وهذه البيئة تعلمه التعاون والتعاطف والحب لمن أحسن إليه ورباه.
(1/57)
________________________________________
وهذه البيئة تكسب الطفل الجرأة والشجاعة؛ فهو يعيش في بادية تكثر فيها الوحوش المفترسة وهوام الأرض الكثيرة، ويرى منذ صغره كيف يتصدى لها الرجال ويقضون عليها؛ فيتجرأ على مقاومتها والتصدي لها وعدم الخوف منها، وقد تكون حديث المجالس للرجال والصبيان؛ فيبعث كل ذلك في قلبه الجرأة والشجاعة.
وهذه البيئة القاسية تؤدي إلى تعاون الناس؛ لأن كل واحد منهم يحتاج إلى الآخر؛ فتصبح الحاجة ملحة للتعاون والتكافل والتضامن للتغلب على أعباء الحياة وقساوتها، والحياة في البادية ينشأ فيها الطفل الرضيع مستقلًّا في حياته عن أبيه وأمه وعن أقربائه وعشيرته؛ فتنسّم جو الحرية؛ فيصفو ذهنه وينشأ مستقلًّا في التفكير.
شق صدره -صلى الله عليه وسلم-:
إن إرهاصات النبوة التيء تواكبت مع مولد النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرة، والتي منها شق صدره وهو عند أمه من الرضاعة حليمة بعد أن عاد معها مرة ثانية؛ فقد روى مسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان؛ فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب واستخرج منه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا: إن محمدًا قد قتل؛ فاستقبلوه وهو ممتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره -صلى الله عليه وسلم".
وروى ابن إسحاق عن نفر من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك قال: ((نعم: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام،
(1/58)
________________________________________
واستُرْضِعت في بني سعد بن بكر؛ فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بُهمًا لنا إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوء ثلجًا، ثم أخذاني فشقا بطني واستخرجا قلبي، فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك؛ فوالله لو وزنته بأمته لوزنها)).
وروى ابن أبي الدنيا بغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، كيف علمت أنك نبي؟ وبما علمت حتى استيقنت؟ قال: ((يأبا ذر، أتاني ملكان وأنا ببطحاء مكة فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنه برجل. فوزنني برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة. فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة. فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف. فوزنني فرجحتهم؛ حتى جعلوا يتثاقلون عليَّ من كفة الميزان، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه. فشق بطني؛ فأخرج قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم، فطرحهما؛ فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه؛ فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن، ووليا عني؛ فكأني أعاين الأمر معاينة)).
ولقد تكررت حادثة شق صدر النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة مرات:
منها: ما رواه الإمام أحمد وابن حبان عن أبي بن كعب: أن أبا هريرة -رضي الله عنه- سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ما أول ما رأيت في أمر النبوة؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
(1/59)
________________________________________
((إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لما أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرَها من على أحد قط، فأقبلا إليَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما هامسًا، فقال أحدهما للآخر: اضجعه فأضجعاني، بلا قسر ولا هصر، وقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره. فهوى أحدهما على صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع؛ فقال له: ادخل الرأفة والرحمة؛ فإذا مثل الذي أدخل يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغدُ وأسلم؛ فرجعت بها أغدو رقة على الصغير ورحمة للكبير)).
ثم تكررت حادثة شق صدر النبي -صلى الله عليه وسلم- قبيل البعثة عند الكعبة؛ فقد روى أنس بن مالك أنه: "لما حان أن يتنبأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ينام حول الكعبة وكانت قريش تنام حولها، فأتاه جبريل وميكائيل، فقالَا: بأيهما أمرنا؟ فقال: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا وجاءا من القابلة وهم ثلاثة، فألقوه وهو نائم، قلبوه لظهره وشقوا بطنه، ثم جاءوا بماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه، ثم جاءوا بطست من ذهب قد ملئت إيمانًا وحكمة؛ فمُلئ بطنه وجوفه إيمانًا وحكمة".
وقصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد الله -عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم- منذ صغره، وعلى امتداد عمره -صلى الله عليه وسلم- وإبعاده عن مزالق الطمع ووساوس الشيطان، وتلك حصانة حسية للرسول -صلى الله عليه وسلم- أضفاها الله عليه ليعيش طاهر الظاهر والباطن بتوفيق الله تعالى.
إن الله -سبحانه وتعالى- قد شاءت إرادته منذ الأزل أن يكون محمد خاتم المرسلين، أراد سبحانه أن يجعل منه المثل الأعلى للإنسان السوي الذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب وتصفية النفس، وأحاديث شق الصدر صحيحة بالسند أجمعت عليها سائر مؤلفات السيرة فلا مجال للشك في سندها، ولا يصح لمسلم أن يشكك في هذه
(1/60)
________________________________________
الروايات الصحيحة ويدعي أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- قال بها وهو طفل صغير لا يتحمل الرواية.
إن شق صدر النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لإخراج حظ النفس والشيطان من قلبه، لقد كان بوسع القدر الإلهي أن يضع في محمد -صلى الله عليه وسلم- ما يشاء الله له من فضل وخير بصورة معنوية غير مدركة بالحواس؛ ولكن الله أراد له هذه الصورة الحسية ليشهد الناس على هذه العجيبة الخالدة التي جعلت من محمد إنسانًا قويًّا شجاعًا طاهرًا نظيف الظاهر والباطن.
ولا نستطيع القول بأن حظ الشيطان مرتبط في النفس بجزء مادي أو غدة معينة؛ لأن هذا مما يستحيل تحديده، وكل ما يمكن الإشارة إليه أن شق صدر محمد -صلى الله عليه وسلم- من عناية الله به؛ ليترقى في الطهر ويسمو في السلوك ويعلو في روحانيته وشفافيته، ويقترب في نورانيته من الروح والملأ الأعلى.
وليست الحكمة من هذه الحادثة -والله أعلم- استئصال غدة الشر في جسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم أو علقة في بعض أنحائه لأمكن أن يصبح الشرير خَيِّرًا بعملية جراحية؛ ولكن يبدو أن الحكمة هي إعلاء أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتهيئته للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته.
إنها إذن عملية تطهير معنوي؛ ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي ليكون ذلك الإعلان الإلهي ظاهرًا بين أسماع الناس وأبصارهم وعلى مستوى تصوراتهم، وأيًّا كانت الحكمة فلا ينبغي -وقد ثبت الخبر ثبوتًا صحيحًا- محاولة البحث عن مخارج لصرف الحديث عن ظاهره وحقيقته والذهاب إلى التأويلات الممجوجة البعيدة المتكلفة.
وبالله التوفيق.
(1/61)
________________________________________
الدرس: 4 الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (2).
(1/63)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع
(الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (2))

عصمة الله رسولَه -صلى الله عليه وسلم- من دنس الجاهلية
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونصلي ونسلم على خير خلقه محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته، وسار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
عصمة الله رسولَه من دنس الجاهلية:
لقد مَنَّ الله على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- منذ نشأته بأن حفظه من دنس الجاهلية، وأبعده عن الهزل وأهله، وعاش محمد -صلى الله عليه وسلم- حياته كلها في أعمال فاضلة وسلوك سليم، ولم يؤثَر عنه ريبة قط، بل كان في كل حالاته وأحواله رجلًا فاضلًا ممتازًا، حتى عُرف في مكة بحسن العمل وسمو السلوك.
ومع خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مجتمع مكة، واختلاطه بشبابها، وتعامله مع رجالها- كانت عناية الله معه، فصار رجلًا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأحبهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وأكثرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال.
ما رُؤي -صلى الله عليه وسلم- مُلاحِيًا ولا مماريًا أحدًا، حتى عرفه قومه بالأمين الصادق، صرف الله عنه كل ما يسيء ويشين، فعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((ما هممتُ بشيء مما كان أهل الجاهلية يهيمون به من الغناء إلا ليلتين، كلتاهما عصمني الله منهما. قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا: هيا بنا نسمر كما يسمر الشباب، وقلت لصاحبي: أبصر غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان، فقال: بلى، فدخلتُ حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفًا وغرابيل ومزامير. قلت: ما هذا؟ قيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا، ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة ففعل، فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فجلست
(1/65)
________________________________________
أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت له: لا شيء، ثم أخبرته بالذي رأيت، فوالله ما هممت ولا عدت بعدها لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته)).
ولما شب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت مكة تعجّ بمختلف أنواع اللهو والفساد والملاذ الشهوانية الدنسة، كانت حانات الخمر منتشرة وبيوت الريبة، وعليها علامات تعرف بها، ووجود المغنيات والماجنات والراقصات من الأمور العادية الموجودة في ذلك المجتمع، تتوجها عبادة الأصنام والأوثان.
وكان المجتمع المكي يوم ذاك يقر ذلك ويعتبره جزءًا من حياة الناس، والله سبحانه وتعالى برأ رسوله واختاره من أكرم معادن الإنسانية، ثم اختاره لحمل أكمل رسالات السماء إلى أمم الأرض، ولذلك أحاطه بكل أنواع الرعاية والحفظ.
وقد روى ابن سعد في (الطبقات) أن أم أيمن قالت: ((كانت بوانة صنمًا تحضره قريش تعظمه، وتنسك له النسائك ويحلقون رؤوسهم عنده، ويعكفون عنده يومًا إلى الليل، وذلك يومًا في السنة، وكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يحضر ذلك العيد مع قومه، فيأبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يحضر ذلك العيد مع قومه، حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن: إنا لنخاف عليك يا محمد مما تصنع من اجتناب آلهتنا، وجعلن يقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدًا ولا تكثر لهم جمعًا؟! قالت: فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع إلينا مرعوبًا فزعًا فقالت عماته: ما دهاك؟ قال: إني أخشى أن يكون بي لمم فقلن له: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، قال: إني كلما دنوت إلى صنم منها تمثّل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه. قالت: فما عاد لعيد لهم حتى تنبأ)).
(1/66)
________________________________________
حياة الكفاح وما فيها من دلائل النبوة:
قال ابن إسحاق: ((ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرًا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صب به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يزعمون، فرَّق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا أفارقه ولا يفارقني أبدًا، فلما نزل الركب بِصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيرا، في صومعة له، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا، وكانوا كثيرًا ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا قريبًا من صومعته صنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الركب حين أقبل وغمامة تظلله من بين القوم.
ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني صنعت لكم طعامًا يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم كبيركم وصغيركم وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم: والله يا بحيرا إن لك لشأنًا اليوم، أما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرًا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرا: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعامًا فتأكلون منه كلكم، فاجتمعوا عليه، وتخلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بين القوم لحداثة سنه في رجال القوم تحت الشجرة.
فلما رآهم بحيرا لم ير الصفة التي يعرف ويجد عندهم فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحدٌ منكم عن طعامي. قالوا: يا بحيرا ما تخلف أحد ينبغي لك أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدثنا سنًّا، فتخلف في رحالنا. قال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر
(1/67)
________________________________________
هذا الطعام معكم. فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا وقال له: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى، إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: لا تسألني باللات والعزى شيئًا؛ فوالله ما أبغض شيئًا قط بغضهما.
فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره، وجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخبره، فوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال بحيرا: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا. قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبْغُنَّه شرًّا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فخرج به فأسرِع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعًا حتى أقدمه سكنه حين فرغ من تجارته بالشام)).
رعي الغنم ودلالته على إعداد النبي -صلى الله عليه وسلم- لتحمل الرسالة:
لقد عمد محمد -صلى الله عليه وسلم- منذ أن أضحى يعيش في كنف عمه أبي طالب إلى مساعدته، ولا سيما أن أبا طالب كان في أشد الحاجة للمساعدة لفقره وكثرة عياله، فاشتغل
(1/68)
________________________________________
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برعي الأغنام في شعاب مكة وفجاجها، وقد ثبت في الحديث الصحيح قيامه بهذا العمل، حيث روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)).
وفي رعي الغنم ما فيه من تهيئة الله -سبحانه وتعالى- لنبيه، لتلقي الرسالة والقيام بأمر الدعوة، ويورد الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث خلاصة أقوال العلماء في ذلك فيقول: "الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة: أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكفلونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة -ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل، مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة؛ لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم.
وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر؛ لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أكثر انقيادًا من غيرها".
ويقول الدكتور أحمد غلوش في ذلك: "وللمرء أن يتساءل: وما الحكمة في رعي الغنم حتى يقدرها الله لأنبيائه جميعًا؟ ويجيب بقوله: أرى -والله أعلم- أن الحكمة في رعي الغنم هي تربية الأنبياء على ما سيكونون عليه، حين تكليفهم بالنبوة، وليتعلموا حسن التعامل مع الناس، وأهم هذه الفوائد ما يلي:
(1/69)
________________________________________
1 - التعود على المسئولية:
إن ثقل التكليف يحتاج إلى طاقات بشرية تتحمله، والنبوة تكليف شاق؛ لأنها تعني إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإنقاذ البشر من ضلالات الهوى ليسعدوا بنور الإيمان وبَرد اليقين، إن النبوة قمة الأمانة والمسئولية، وحاجتها إلى رسول يتحمل مشاقها ومصاعبها ضرورة لابد منها، ورعي الغنم عمل شاق يكفي في تصور مشقته أن الراعي يعيش واقفًا ومتحركًا طوال الوقت، حيث تسرح الغنم وتمرح، وهذه أعمال في حد ذاتها تحتاج إلى قوة وطاقة، ولذلك كان رعي الغنم مقدمة للنبوة لما فيهما معًا من مشقة وتعب.
2 - تعليم الصبر والتحمل:
تحتاج النبوة إلى التخلق بالخلق الكريم والاتصاف بالحلم والصبر، وذلك أمر يحققه رعي الغنم؛ لأن القطيع يرعى وهو مطلق السراح فيتوزع هنا وهنا، وكل ما يجمعه الراعي يعود من حيث أتى، وذلك أمر يحتاج إلى الصبر والتحمل، وبدون ذلك لا يمكن للراعي رعي الغنم.
ومِن رعي الغنم -إذن- تعلم الأنبياء الصبر والتحمل في دعوة الناس؛ لأن المدعوّين ليسوا على اتجاه واحد وإنما لكل اتجاهه.
3 - شمول الرعاية:
راعي الغنم يحتاج إلى سعة الأفق وهو يدير أمر غنمه؛ لتعدد جوانب الرعاية التي تحتاج إليها، ففيها الصغير المحتاج للرعاية وفيها الذكر وفيها الأنثى، كما أنها تحتاج دائمًا إلى البحث عن مصادر أكلها وغذائها، ولابد لها من حراسة تحميها
(1/70)
________________________________________
من الذئاب واللصوص، ومن الضروري المحافظة عليها من شدة الحر وقسوة البرد، وكثيرًا ما تنتابها الآلام والأوجاع، وعلى الراعي متابعة ذلك.
ومن مسئوليات الراعي: تدبير أمر مبيتها في الخلاء أو في البناء، إنها مسئوليات عديدة لا يصلح لها ضيق الأفق العاجز عن حمايتها، وإعداد كافة الجوانب التي تحتاج إليها، ولذلك كان رعي الغنم تدريبًا عمليًّا على مباشرة أعمال النبوة لتعدد المسئوليات النبوية.
4 - التسوية والعدل بين الناس:
يحتاج النبي إلى تبليغ الدعوة لسائر الناس على وجه يتناسب مع كل واحد منهم، ولا يُقدم واحدًا ويترك غيره، ولا يهتم بغني على حساب فقير، ولا يتصور أن الخير في هذا أو في ذاك فيفضله على غيره، ورعي الغنم يحقق هذا الخلق؛ لأن الراعي عليه أن يرفق بالضعيف، ويحيطه بعنايته، فلو ولدت نعجة في الطريق فعليه حمل المولود بيده، ولذلك نراه يسير خلف القطيع ليكون في عون الضعفاء ويراعي الأقوياء.
5 - تعليم التواضع:
إن اهتمام الأنبياء برعي الغنم يعودهم التواضع، وترك الكبر؛ لأن رعي الغنم والحرص عليها يحتاج إلى العمل الدءوب بعيدًا عن الخيلاء، حيث لا فخر بعمل كله تعب ومشقة تحت حر الشمس أو في برد الشتاء، والنبوة في حاجة إلى هذا التواضع الذي يجعل الأنبياء يتعاملون بالخلق الكريم مع كافة الناس، مع الرجال والنساء، مع الأغنياء والفقراء، مع الكبير والصغير، مع العظيم والحقير، وبذلك كانوا أمثلة عليا وقدوة سامية.
(1/71)
________________________________________
وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله- أنه رعى الغنم دليل على عظم تواضعه، واعترافه بفضل ما مَنَّ الله عليه به.
6 - الشجاعة:
الراعي يعمل على حماية غنمه من الذئاب واللصوص وغيرها، وهو لذلك يحتاج إلى شجاعة تعينه على هذه الحماية ليلًا ونهارًا، والأنبياء وهم يقومون بالدعوة يتصدى لهم الأعداء من شياطين الإنس والجن، وهم محتاجون للشجاعة والجرأة حتى يمكنهم القيام بواجب الدعوة.
7 - التأمل والتفكير:
وراعي الغنم الذكي القلب يجد في فسحة الجو الطلق أثناء النهار، وفي تلألؤ النجوم إذا جن الليل -موضعًا لتفكيره وتأمله، يسبح منه في هذه العوالم، يبتغي أن يرى ما وراءها، ويلتمس في مختلف مظاهر الطبيعة تفسيرًا لهذا الكون وخلقه، هذه الأفلاك والعوالم التي يراها في فسحة الكون أمامه متصلًا بعضها ببعض في نظام محكم {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} (يس: 40) وإذا كان نظام هذا القطيع من الغنم أمام محمد -صلى الله عليه وسلم- يقتضي انتباهه ويقظته حتى لا يعدو الذئب على شاة منها، وحتى لا تصل إحداها في مهامة البادية، فأي انتباه وأية يقظة تحافظ على نظام العالم كله مع إحكامه الموجود.
إن رعي الغنم مدرسة تحتاج إلى قوة البدن وقوة العزيمة والهدوء والأناة، مع الصدق والإخلاص وقصد الاستفادة والتعليم".
(1/72)
________________________________________
الإعداد الإلهي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من سن الخامسة والعشرين حتى بلوغه الأربعين
سفره صلى الله عليه وسلم إلى الشام للتجارة في مال خديجة رضي الله عنها:
ولما بلغت سنه -عليه الصلاة والسلام- خمسًا وعشرين سنة سافر إلى الشام المرة الثانية، وذلك للتجارة في مال خديجة -رضي الله عنها. قال ابن إسحاق: "وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه- بعثت إليه فعرضت إليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدما الشام".
وكانت هذه الرحلة موفقة حيث باعا وابتاعا وربحا ربحًا عظيمًا، وظهر للسيد الكريم في هذه السفرة من البركات ما حببه في قلب ميسرة غلام خديجة.
ومن البركات والإرهاصات التي حدثت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه الرحلة أنه نزل في ظل شجرة، قريبًا من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال له: "من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال له ميسرة: هذا رجل من قريش، من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي". ثم باع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلًا إلى مكة ومعه ميسرة، فكان ميسرة -فيما يزعمون- إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس، وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة
(1/73)
________________________________________
على خديجة بمالها باعت ما جاء به بأضعف أو قريبًا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه.
زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- من خديجة -رضي الله عنها:
ولما رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الشام إلى مكة رأت خديجة -رضي الله عنها- في مالها من الأمانة والبركة، ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه من خِلَالٍ عذبة وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة، وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبى عليهم ذلك، فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه تفاتحه أن يتزوج خديجة فرضي بذلك -صلى الله عليه وسلم- وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم الزواج.
وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلًا، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
ما يستفاد من تجارته -صلى الله عليه وسلم- في مال خديجة وزواجه منها:
أولًا: الأمانة والصدق أهم مواصفات التاجر الناجح:
إن التاجر الصادق الأمين لا يغش ولا يخدع ولا يدلس ولا يكذب؛ لأن هذه الصفات والأفعال تتناقض تمام التناقض مع الأمانة، وإذا عرف الناس عن هذا التاجر الأمانة ومحاربته للخداع والخيانة- أقبلوا عليه مطمئنين يتعاملون معه إذا كانوا أصحاب أموال، كخديجة -رضي الله عنها- أعطوه أموالهم ليضارب لهم بها، أو استأجروه في تجارتهم وأمِنوه على أموالهم، وأجزلوا له في سهمه من الربح.
(1/74)
________________________________________
وإذا كان الناس ليسوا أصحاب أموال -وإنما هم من المستهلكين- أقبلوا عليه يشترون منه ويبيعونه بثقة لأمانته وصدقه، وصفة الأمانة والصدق في التجارة عند محمد -صلى الله عليه وسلم- هي التي رغبت خديجة في أن تعطيه مالها؛ ليتاجر به ويسافر به إلى الشام، فوُفقت في ذلك توفيقًا لم توفق مثل هذا التوفيق مع غيره -صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: التجارة مورد من موارد الرزق، التي سخرها الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة:
وكان يدربه على فنون التجارة عمه أبو طالب، فقد سافر معه وتعرف على تجار الشام، والبضائع الرائجة عند أهل الشام، والبضائع الرائجة عند أهل مكة، والتاجر الصدوق الأمين في هذا الدِّين يُحشر مع الصديقين والشهداء والنبيين، وهي تدل على دين الرجل وأمانته، فإن التعامل بالدينار والدرهم يعرف به دِين الرجل، فإما الوفاء والصدق، وإما المماطلة والمراوغة، ومن ثم ولوغ الناس في عرضه وتشويه سمعته.
وهذه المهنة تقع ضمن المهن الحرة التي لا يقع صاحبها تحت إرادة الآخرين، واستعبادهم وقهرهم وإذلالهم.
ثالثًا: زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- من خديجة كان بتقدير الله:
ولقد اختار الله لنبيه زوجة تناسبه وتؤازره، وتخفف عنه ما يصيبه، وتعينه على حمل رسالته، بالوقوف في جانبه وتأييده، فلقد بذلت مالها كله لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولقد آمنت به وكفر الناس، وصدقته حين كذبه الناس، ولقد شهد لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال: ((لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد ولم يرزقني من غيرها)).
(1/75)
________________________________________
ذكر بناء الكعبة، وما فيه من الكرامة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم:
لما بلغت سنه -عليه الصلاة والسلام- خمسًا وثلاثين سنة جاء سيل جارف، وصدع بنيان الكعبة بعد توهينها من حريق كان أصابها قبل، فأرادت قريش هدمها ليرفعوها ويسقفوها، فإنها كانت رضية فوق القامة، فاجتمعت قبائلهم لذلك، ولكنهم هابوا هدمها لمكانها في قلوبهم، فقال لهم الوليد بن المغيرة: "أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل الإصلاح، قال: إن الله لا يهلك المصلحين" وشرع يهدم فاتبعوه، وهدموا حتى وصلوا إلى أساس إسماعيل، وجعل الأشراف من قريش يحملون الحجارة على أعناقهم، وكان العباس ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيمن يحمل.
وكان الذي تولى البناء نجار رومي اسمه ياقو، وقد خُصص لكل ركن جماعة من العظماء ينقلون إليه الحجارة، وقد ضاقت بهم النفقة الطيبة عن إتمامه على قواعد إسماعيل، فأخرجوا منها الحِجر، وبنوا عليه جدارًا قصيرًا علامة على أنه من الكعبة، ولما تم البناء ثمان عشرة ذراعًا، بحيث زِيد فيه عن أصله تسع أذرع، ورُفع الباب عن الأرض بحيث لا يُصعد إليه إلا بدُرج، أرادوا وضع الحجر الأسود موضعه، فاختلف أشرافهم فيمن يضعه وتنافسوا في ذلك، حتى كادت تشب بينهم نار الحرب، ودام بينهم هذا الخصام أربع ليال.
وكان أسن رجل في قريش إذ ذاك أبو أمية بن المغيرة المخزومي، عم خالد بن الوليد، فقال لهم: يا قوم لا تختلفوا وحكِّموا بينكم من ترضون بحكمه، فقالوا: نكل الأمر لأول داخل، فكان هذا الداخل هو الأمين المأمون -عليه الصلاة والسلام، فاطمأن الجميع له لما يعهدونه فيه من الأمانة وصدق الحديث، وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد؛ لأنهم كانوا يتحاكمون إليه؛ إذ كان لا يداري ولا يماري، فلما أخبروه الخبر بسط رداءه وقال: ((لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم وضع فيه الحجر، وأمرهم برفعه حتى انتهوا إلى موضعه، فأخذه ووضعه فيه)).
(1/76)
________________________________________
وهكذا انتهت هذه المشكلة التي كثيرًا ما يكون أمثالها سببًا في انتشار حروب هائلة بين العرب، لولا أن يمنَّ الله عليهم بعاقل مثل أبي أمية، ويرشدهم إلى الخير، وحكيم مثل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقضي بينهم بما يُرضي جميعهم، ولا غرابة أن يشارك النبي -صلى الله عليه وسلم- قومه ذلك العمل الجليل، وأن يُعرف بينهم بالصادق الأمين، فقد نشأ والله -سبحانه وتعالى- يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية وأنجاسها؛ لما يريده له من كرامته ورسالته، فما إن أصبح رجلًا حتى أضحى أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وأشهرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهًا وتكرمًا، حتى لقبه قومه بالأمين؛ لما جمع الله فيه من الخصال الصالحة.
د- ما يستفاد من قصة الحجر الأسود:
أولًا: الكعبة مكان مقدس عند العرب، وبناؤها وعمارتها شرف يُتنافس عليه في مكة.
ثانيًا: طريقة فض التنازع كانت موفقة ورضي بها الجميع، ويكفي أنها حققت كثيرًا، ويكفي أنها حقنت كثيرًا من الدماء، وأوقفت حروبًا طاحنة ستقوم في الحرم وبين أهل الحرم، ومن ثم فقدان الأمن والأمان فيه للناس أجمعين، وقد عاث أهله فسادًا فيما بينهم، فقتل بعضهم بعضًا وسفك بعضهم دماء بعض، ولو حدث هذا لنفرت الناس من الحرم ومن أهله، ولكن قضت حكمة الله أن يكون هذا الحرم آمنًا، هو ومن يقيم فيه وحوله، ومن يقصده؛ حتى يستمر الناس في تعظيمه، بل إن حرمة سفك دم بريء فيه أشد من حرمته.
(1/77)
________________________________________
ثالثًا: الأمانة صفة محمودة، وصفة عُرف بها نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بين المشركين، فأحبوه لذلك ووثقوا به، وفرحوا بدخوله من باب الصفا، لاتفاقهم على تحكيم أول من يدخل هذا الباب، فلما دخل قالوا: هذا الأمين رضينا به، هذا محمد -صلى الله عليه وسلم.
لقد تعارف هؤلاء على صدقه وأمانته، ولكنهم عندما بعثه الله رسولًا كذبوه واتهموه تهمًا باطلة، فقالوا عنه: كذاب ومجنون وساحر وشاعر وكاهن، وهم يعلمون حق العلم أنه العاقل الأمين الصادق، وصدق الله العظيم إذ يقول: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام: 33).
رابعًا: طريقة الحل كانت عادلة، لقد ألهمه تبارك وتعالى حكمًا رضيت به جميع القبائل؛ لأنه كان حكمًا عادلًا ساوى فيه بين جميع رؤساء القبائل المتنافسة، حتى رفعوه إلى موضع البناء، لقد أسهم هؤلاء المتنافسون بهذا الشرف، ولم تنفرد به قبيلة دون الأخرى، وهذا من توفيق الله لرسوله وتسديده قبل بعثته -صلى الله عليه وسلم-.
خامسًا: لقد حصل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه الحادثة شرفان: شرف فصل الخصومة، ووقف شلال الدماء الذي يتدفق، والله أعلم بزمان توقفه إن حصل، وشرف آخر مهم أيضًا، وهذا الشرف الذي تنافسوا عليه قام به هو، إذ حمل الحجر بيديه الشريفتين، وأخذه من البساط بعد رفعه، ووضعه في مكانه من البيت، وهذا يدل على أنه أحق الناس بهذا البيت وتعظيمه، والمحافظة على أمنه. قال تعالى: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (الأنفال: 34).
(1/78)
________________________________________
حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة:
بعدما تزوج محمد -صلى الله عليه وسلم- من خديجة -رضي الله عنها- لم يعد محتاجًا لمال يسعى لتحصيله، أو ينشغل في العمل من أجل كسبه، فلقد أغناه الله بمال خديجة -رضي الله عنها- وأغناه كذلك برضا النفس، وهدوء البال، وأغناه بالميل نحو التأمل والتفكير، لذلك نراه -صلى الله عليه وسلم- يبدأ حياة التأمل، ويتفرغ للتحنث، بعيدًا عن صخب الحياة وضجيج العمل.
وفي فترة ما قبل البعثة عاش محمد -صلى الله عليه وسلم- وعاش العالم كله مقدمات البعثة، والتي منها كثرة المبشرات.
تمتلئ كتب السيرة والتاريخ بالمبشرات الكونية والإنسانية، التي أشارت إلى قرب ظهور نبي في بلاد العرب، يُبعث للعالم كله لنشر العدل وتحقيق الأمن والسلام، وقد أتت أغلب هذه المبشرات من أحبار اليهود ورهبان النصارى، وكهان العرب.
إن مبشرات أهل الكتاب -من اليهود والنصارى- هي مبشرات صحيحة؛ لشهادة القرآن الكريم، حيث بيَّن الله تعالى بصورة قاطعة معرفة الأحبار والرهبان برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- وتحديد مواصفاته، ومكان ظهوره، وطبيعة رسالته العالمية. يقول الله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة: 146).
ودلالة الآية صريحة في أن أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى- يعرفون محمدًا ورسالته معرفة تفصيلية، ومع ذلك فقد جحد فريق منهم نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- وكتم ما يعرفه.
وإنما شبه معرفتهم له -صلى الله عليه وسلم- بمعرفتهم بأبنائهم، ولم يشبهه بمعرفتهم بأنفسهم؛ لأن الوالد يعرف ابنه في كل وقت وفي كل حال، وقد يغفل عن نفسه أحيانًا.
(1/79)
________________________________________
قيل لعبد الله بن سلام: "أتعرف محمدًا كما تعرف ابنك؟ قال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته، فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه".
لقد كان اليهود في المدينة المنورة يخوِّفون الأوس والخزرج قبل الهجرة، بقرب ظهور نبي، يتبعونه ويتقوون به؛ حتى يتمكنوا من قتل العرب قتل عاد وإرم، الأمر الذي دعا أهل المدينة إلى الإسراع في الدخول في الإسلام، واتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى لا يسبقهم اليهود إلى الإيمان به.
يروي ابن إسحاق أن عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه أنهم قالوا: "إن مما دعانا إلى الإسلام -مع رحمة الله تعالى وهداه لنا- ما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يُبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم".
ومما قاله الأحبار ما رواه ابن سعد بسنده عن أبي بن كعب قال: "لما نزل تُبَّع المدينة ونزل بقناة بعث إلى أحبار اليهود وقال لهم: إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية، ويرجع الأمر إلى دين العرب، فقال له سامول اليهودي -وهو يومئذ أعلمهم-: أيها الملك، إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسرائيل، مولده مكة، اسمه: أحمد، وهذه دار هجرته".
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- عندهم قبيل أن يُبعث، ويعلمون أن دار هجرته بالمدينة".
هذا وبالله التوفيق.
(1/80)
________________________________________
الدرس: 5 الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (3).
(1/81)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس
(الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (3))

حال النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل نزول الوحي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
تحبيب الخلاء إلى قلب النبي -صلى الله عليه وسلم:
وقد حَبَّب الله لمحمد -صلى الله عليه وسلم- الخلاء، فكان يخرج من مكة بعيدًا عن الصخب والضجيج، ويمكث وحيدًا في غار حراء، ومعه زاده وعدته مدة تضم الليالي ذوات العدد، حيث يقضي شهر رمضان في خلوته وانقطاعه عن الناس.
يقول الخطابي: "والخلوة يكون معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر، وقاطعة لدعاوى الشغل الفطري، والبشر لا ينفك عن طاعة ولا يترك مألوفه من عاداته إلا بالرياضة البليغة، والمعالجة الشديدة، فلطف الله تعالى بنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- في بداية أمره، فحبب إليه الخلوة وقطعه عن مخالطة البشر؛ ليتناسى المألوف من عاداتهم، ويستمر على هجران ما لا يحمد من أخلاقهم، وألزمه شعار التقوى، وأقامه في مقام التعبد بين يديه؛ ليخشع قلبه وتلين عريكته، فيجد الوحي منه حين وروده مرادًا سهلًا".
فجُعلت هذه الأسباب مقدمات لما أُرصد له من هذا الشأن؛ ليرتاض بها ويستعد لما نُدب إليه، ثم جاءه التوفيق والبِشر وأخذته القوة الإلهية، فجبرت منه النقائص البشرية، وجمعت له الفضائل النبوية.
ووجد محمد -صلى الله عليه وسلم- في هذا المسلك طريقًا يعيشه في خلوته، يلتمس أثناءها إشباع ما يتمنى الوصول إليه، ووجد في جبل حراء شمال مكة غارًا يأتيه المكيون فأحبه، وأخذ ينقطع فيه وحيدًا يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فكان إذا جاء رمضان يحمل طعامه وشرابه، ويمكث فيه بعيدًا عن الصخب والضوضاء يلتمس الحق،
(1/83)
________________________________________
وكان -صلى الله عليه وسلم- يطوف بالبيت قبل أن يذهب إلى الخلاء، وكان أول ما يبدأ به إذا انصرف من خلوته أن يطوف بالبيت قبل أن يدخل بيته.
إن تحبيب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخلاء تدريب على تخليه عن الناس، واتصاله بالملأ الأعلى، وهو يتلقى وحي الله تعالى، والذي سوف يتكرر كثيرًا ويدوم طويلًا، والخلاء يُعَلِّم الإنسان التجرد عن الماديات والشهوات المتصلة بها، ويشعره بقيمة المعنويات و********ات الغائبة عن الحواس.
تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها: ((ثم حُبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك)) وجاء تعبير الحديث بلفظ: ((حبب)) المبني للمجهول؛ إشارة إلى أن حب محمد -صلى الله عليه وسلم- للخلاء لم يكن من بواعثه البشرية، وإنما كان من الوحي والإلهام.
وكان -صلى الله عليه وسلم- يطيل النظر في الكون المحيط به في السماء، ونجومها وقمرها وشمسها وأفلاكها ومجراتها، وصورتها في الليل وفي النهار، ويتأمل الصحراء ساعات لهيبها المحرق، تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء، وساعات صفوها البديع إذ تكسوها أشعة القمر، أو أضواء النجوم، وينظر في أهل مكة والحياة تشغلهم، ويتأمل في الآتين لمكة وهم يطوفون بالبيت والأصنام أمامهم.
كان -صلى الله عليه وسلم- يتأمل في كل ذلك وفي غيره، يلتمس معرفة هذا الوجود وما وراءه من سبب وغاية.
النسك الذي كان يتعبد به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثناء تحنثه:
روى ابن كثير اختلاف العلماء في الشرع الذي كان يتعبد به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقيل: كان -صلى الله عليه وسلم- يتعبد بشرع نوح -عليه السلام، وقيل: كان يتعبد بشرع إبراهيم -عليه السلام، وقيل: كان يتعبد بشرع موسى -عليه السلام، وقيل: كان يتعبد بشرع عيسى -عليه السلام، وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به.
(1/84)
________________________________________
ولعل هذا القول الأخير أقوم من غيره، فهو الذي يتفق وما شغف محمد -صلى الله عليه وسلم- به من التأمل، ومن التفكير، وما عرف من غياب الشرائع يوم ذاك، حتى إن كثيرًا من الحنفاء لم يصلوا إلى شيء، رغم ما بذلوا من جهد للوصول إلى دين حقيقي.
واستمر محمد -صلى الله عليه وسلم- على عادته تلك في حب الخلاء والانقطاع له، ومداومة البحث عن الحقيقة حتى هداه الله إليه، بنزول الوحي وبدء الرسالة، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} (الضحى: 7).
يذهب المفسرون في بيان المعنى المراد من الضلال إلى معان كثيرة، فهو بمعنى الغفلة عما يراد بك من أمر النبوة، وبمعنى عدم معرفة دين وشرع ما، فهداك الله للإسلام وشريعته، وبمعنى في وسط ضلال قومك وكفرهم فهداهم الله بك، وبمعنى الحيرة فيما ترى فعرَّفك بالصواب والحق.

حال النبي عند نزول الوحي عليه، وصور ذلك الوحي
بلوغ محمد صلى الله عليه وسلم سن الأربعين:
وبلغ محمد -صلى الله عليه وسلم- سن الأربعين، وكمل في ذاته وأصبح مستعدًا لتكميل الآخرين، وهنا جاء وحي الله، كما هو الشأن مع جميع الأنبياء والمرسلين.
يروي البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: ((أُنزل الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن أربعين سنة)).
لقد حاول محمد -صلى الله عليه وسلم- الوصول إلى الحقيقة المتصلة بالوجود والحياة، وطال تفكيره وتدبره، ولم يصل إلى ما يتمنى ويريد، إنه يسمع عن دين الله وأنبياء الله، لكنه
(1/85)
________________________________________
لا يعرف حقيقة الألوهية وحقوقها، ويجهل كل ما يتصل بالنبوة والرسالة، وإدراكه للملأ الأعلى بسيط، والأسرار من حوله تتكاثر وتتعدد، وكلما طال تأمله تشعبت مناحي النظر، وبعدت عن الأسرار والغايات.
والعقل مهما سما إدراكه، ومهما دق فكره، ومهما تعمقت تأملاته ونظراته، لا يمكنه أن يصل إلى شيء من حقائق هذا الوجود، ولابد له من وحي الله؛ يكشف له الأسرار التي يحتاج إليها، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- مع صفاء نفسه وكمال عقله وسمو روحه- يحتاج إلى فيوضات الله تهديه للحق، وتنقذه من الحيرة، وتعرفه بالحقائق الدينية التي لا يمكن للعقل أن يصل إليها.
كما يحتاج لرحمة الله مراعاةً لجانب البشرية فيه، حتى لا تفاجئه روحانية الوحي، وغرائب الملأ الأعلى، ويحتاج كذلك إلى تعلم كيفية الاتصال بخالقه والتعامل مع الملائكة، واستقبال الوحي بمختلف صوره وأشكاله.
وقد تجلت فيوضات الله تعالى على محمد -صلى الله عليه وسلم- بصورة رقيقة شفيقة، عمادها الرحمة والمودة، وعناصرها الترقي ببشرية محمد -صلى الله عليه وسلم- ليكون نبيًّا ورسولًا.
وكانت رحمة الله مع محمد -صلى الله عليه وسلم- حين جاءه وحي الله تعالى؛ إذ كلفه بالنبوة أولًا، وجاءه الوحي ينبئه، ومن المعروف أن النبوة لا تُزيل طباع البشرية كلها، فلما خبر النبي -صلى الله عليه وسلم- الوحي، ورأى صوره وأنواعه، وأصبح متألقًا مع لقائه، جاءته الرسالة فصار رسولًا نبيًّا.
ولقد نُبئ محمد -صلى الله عليه وسلم- وجاءه الوحي من عند الله، واستمر على ذلك مدة تُعد تمهيدًا لإرساله، أراد الله أن يهيئه خلالها للتعامل مع الملائكة والاتصال بالله، ويعرفه كذلك بكل ما تحتاجه الرسالة من أمور لابد منها للرسول المختار.
(1/86)
________________________________________
بشرية الرسول -صلى الله عليه وسلم:
إن الرسول بشر يتصل بالله وبالناس، ولا بد له أن يتصف بصفات ذاتية، ترتقي به إلى درجة الكمال البشري، والسمو الروحي؛ ليسهل عليه الاتصال بالملأ الأعلى بجانبه الروحي، والتعامل مع الناس بجانبه في توازن وانسجام، وقد بدأت نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأوليات الوحي، كما أرادها الله تعالى، ولم يكلف بالرسالة إلا بعد أن أصبح مؤهلًا لها مستعدًا للقيام بواجبها.
وقد كان -صلى الله عليه وسلم- في مرحلة النبوة يخاف من الوحي يأتيه بإحدى صوره، ولذلك كان يأتي لخديجة شاكيًا ويقول لها: ((خشيت على نفسي)). ويصف الرجل الذي يظهر أمامه ويقول: سطا عليَّ الرجل، وكان يجري منه محاولًا الهرب من أمامه.
أما في مرحلة الرسالة؛ فكان يأنس بالوحي ويتعجله، ويخاف أن يتركه ولا يأتيه، وقد ذكر ابن كثير أن بدْأ الوحي بصورة التدرج يهدئ القلب ويطمئن النفس.
ومن صور الوحي في بدايته ما يلي:
1 - الرؤيا الصادقة:
إذا نام الإنسان انقطع عن عالم الناس، وعاش مع باطنه وإدراكاته اللاشعورية، وخلال النوم تهيم نفس النائم في رؤى، تتضمن أفكارًا وأحداثًا، لا يمكن له أن يتصور حدوثها في حالة اليقظة، ولذا كانت الرؤى المنامية تدريبًا للإنسان وهو في عالم اللاشعور، على ما سوف يراه في عالم الإدراك والشعور.
إن هذه المقدمة باب لأهمية الرؤى، وإبراز لدورها في تهيئة الإنسان لأحداث عالم اليقظة، وبخاصة إذا كانت الأحداث غريبة مدهشة.
(1/87)
________________________________________
ولقد كان من رحمة الله برسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- أن بدأ الوحي بالرؤية الصادقة، تقول السيدة عائشة -رضي الله عنها: ((أول ما بدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي: الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح))، وبذلك كان الوحي يُعلِّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو نائم ما يريده الله تعالى في رؤى صادقة خالية من الضعف والوهن، وكانت رؤى الوحي في وضوحها وظهورها تشبه ضوء الصبح في بيانه وسطوعه.
جاء في (فتح الباري) أنه ثبت في مراسيل عبيد بن عمير أنه صلى الله عليه وسلم أوحي إليه أولًا في المنام، حتى أتاه الملك بعد ذلك في اليقظة، على الصورة التي أتاه بها في المنام.
وقد تعددت الرؤى المنامية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان يندهش لذلك، ((رأى أن آتٍ أتاه ومعه صاحبان له فنظروا إليه فقالوا: هو هو، ثم ذهبوا، فهاله ذلك وتساءل عما رأى وعن حديثهم أمامه، فقال له عمه أبو طالب: يابن أخي ليس بشيء، وأتاه هذا الآتي مرة أخرى فجاء لعمه وقال له: يا عم، سطا بي الرجل الذي ذكرت لك، فأدخل يده في جوفي حتى إني أجد بردها، فخرج به عمه إلى رجل من أهل الكتاب يتطير بمكة، فحدثه حديثه وقال: عالجه، فصوب به وصعد وكشف عن قدميه، ونظر بين كتفيه وقال: يابن عبد مناف ابنك هذا طيب طيب، للخير فيه علامات، إن ظفرت به يهود قتلته)).
وأيضًا رأى في منامه أن سقف بيته نُزعت منه خشبة، وأُدخل فيه سلم من فضة، ثم نزل إليه رجلان، فأراد أن يستغيث فمُنع من الكلام، فقعد أحدهما إليه والآخر إلى جنبه، وأدخل أحدهما يده في جنبه، فنزع ضلعين منه، وأدخل يده في جوفه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجد بردهما، فأخرج قلبه ووضعه على كفه وقال لصاحبه: "نعم القلب، قلب رجل صالح، فطهّر قلبه وغسله، ثم أدخل القلب
(1/88)
________________________________________
مكانه، ووضع الضلعين، ثم ارتفعا ورفعا سلمهما، فإذا السقف كما هو، فذكر ذلك لخديجة بنت خويلد، فقالت له: أبشر؛ فإن الله لا يصنع بك إلا خيرًا، هذا خير فأبشر".
وهكذا تعددت الرؤى، وركزت على قضية إعلام الرسول بنبوته وتطهيره، وإعلامه ما ينتظره من أحوال وأعمال، حتى لا يفجأه الملك في صورته الحقيقية فيصاب بالخوف والاضطراب.
2 - نداءات الملائكة:
من صور الوحي الذي بدأ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- نداء الملائكة عليه، وإعلامهم إياه بنبوته، وهو لا يعرف المنادي ولا يمكنه تحديد مصدر النداء.
من ذلك ما رواه ابن كثير بسنده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لخديجة: ((إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر. قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل ذلك بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر قالت له خديجة: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة، فلما دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ أبو بكر بيده فقال: انطلق بنا إلى ورقة قال: ومن أخبرك؟ قال: خديجة، فانطلقا إليه وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له: إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربًا في الأرض، فقال له: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد قل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حتى بلغ: ولا الضالين، قل: لا إله إلا الله، فأتى محمد ورقة فذكر له ذلك، فقال ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبي مرسل)).
(1/89)
________________________________________
ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((خرجت مرة حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله، وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، فرفعت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفًا لا أتقدم أمامي وما أتأخر ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرفت راجعًا إلى أهلي، حتى أتيت خديجة فجلست إليها فقالت: يأبا القاسم أين كنت، فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إليّ؟ ثم حدثتُها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عمي واثبت، فوالذي نفسي بيده إني أرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة، فأخبرته بما أخبرتها به، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وأنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت، فرجعت خديجة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته بقول ورقة)).
وفي مرة تالية قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جواره وانصرف، وانصرف يسمع كما كان يسمع، حيث بدأ بالكعبة فطاف، فلقيه ورقة عند الكعبة قال له: "يابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت، فلما أخبره قال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبن، ولتقاتَلن، ولتؤذَين، ولئن أدركت ذلك لأنصرن الله نصرًا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبَّل يافوخه".
ويقول -صلى الله عليه وسلم- لخديجة: ((لما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، فنظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا بين السماء والأرض فقلت: دثروني دثروني، وصبوا عليَّ ماء باردًا)).
(1/90)
________________________________________
إن نداءات الملائكة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعجبه مما يسمع، دفعه إلى معرفة شيء من أسرار ما يسمع، ولذلك كان يرجع لخديجة يقص عليها ما رأى، وكانت خديجة -رضي الله عنها- خير معين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تسمع منه، وتجتهد في معرفة أسباب ذلك، وتسأل أهل الكتاب عن خبر ما يسمع، فتخبر زوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما يُسرِّي عنه ويطمئنه.
وكانت تبحث عن أسرار ما يرى لتطمئن عليه وتطمئنه -رضي الله عنها، قالت له مرة: ((يا بن عمي أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم. قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبريل فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني، فقالت: قم يابن عمي، فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، فحسرت فألقت خمارها، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت: يابن عمي اثبت وأبشر، فوالله إنه لملك، ما هذا شيطان)).
3 - كلام الشجر والحجر:
يروي ابن سعد بسنده ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أراد الله كرامته وابتدائه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يَرى بيتًا، ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه، فلا يرى أحدًا)).
روى الإمام مسلم عن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إني أعرف حجرًا كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)).
(1/91)
________________________________________
وروى ابن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه -رحمهما الله تعالى- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يا خديجة إني أرى ضوءًا وأسمع صوتًا لقد خشيت أن أكون كاهنًا فقالت: إن الله تعالى لا يفعل بك ذلك يابن عبد الله، إنك تصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتصل الرحم)).
4 - لقاء الملائكة:
من رحمة الله برسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- أن أخذ يهيئه للقاء ملك الوحي، وذلك بإرسال الملائكة إليه تعلمه كلمة أو شيئًا ما؛ ليستعد بذلك على ملاقاة جبريل -عليه السلام.
يروي ابن سعد ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما نزلت عليه النبوة كان يأتيه إسرافيل، واستمر معه يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل شيئًا من القرآن على لسانه)).
يقول أبو شامة: ((إن إسرافيل كان يأتي النبي وهو في غار حراء، فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدرجًا وتمرينًا، وأحيانًا كان يأتيه جبريل يصحبه ملك آخر. يقول ابن عباس -رضي الله عنهما: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وجبريل على الصفا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: يا جبريل، والذي بعثك بالحق، ما أمسى لآل محمد سَفَّة دقيق ولا كف من سويق، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هَدَّة من السماء أفزعته، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: أأمر الله القيامة أن تقوم؟ فقال جبريل: لا، ولكن أمر الله إسرافيل فنزل إليك حتى يَسمع كلامك، فأتاه إسرافيل فقال: إن الله تعالى بعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض إليك أن أُسَيِّر معك جبال تهامة زمردًا وياقوتًا وذهبًا وفضة، فإن شئت نبيًّا ملكًا، وإن شئت نبيًّا عبدًا، فأومأ إليه جبريل: أن تواضع، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: بل نبيًّا عبدًا، ثلاثًا)).
(1/92)
________________________________________
ويقول البراء بن عازب رضي الله عنه "أتاه جبريل وميكائيل فنزل جبريل وبقي ميكائيل واقفًا بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال هو هو قال: فزنه برجل فوزنه به، فرجحهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فزنه بعشرة فوزنه فرجحهم قال: زنه بمائة فوزنه فرجحهم قال زنه بألف فوزنه فرجحهم ثم جعلوا يتساقطون عليه من كفة الميزان فقال ميكائيل: تبعته أمته تبعته أمته ورب الكعبة، ثم أجلسني على بساط كهيئة درنوك فيه الياقوت واللؤلؤ فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشقه فأخرجه منه مغمز الشيطان، وعلق الدم فطرحها فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه فخاطه، ثم أجلساه فبشره جبريل برسالة ربه حتى اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم".
وفي (صحيح مسلم) عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ((بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- جالس وعنده جبريل، إذ سمع مقيضًا من السماء من فوق، فرجع جبريل، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد هذا ملك قد نزل، لم ينزل إلى الأرض قط، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته)).

حديث بدء الوحي وما فيه من الفوائد
وعن بداية نزول الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: ((أول ما بدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني
(1/93)
________________________________________
فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} (العلق: 1 - 3).
فرجع بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب منه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة -رضي الله عنها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي بصره، فقالت له خديجة: يابن عمي اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى، يا ليتني فيها جزعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟! قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي)).
فهذه قصة بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، والله -عز وجل- إذا أراد شيئًا هيئ أسبابه، حتى يظهر شيئًا فشيئًا، فأول ذلك الرؤيا الصادقة، وهي جزء من أجزاء النبوة بالنسبة للمؤمن، وحبب إليه -صلى الله عليه وسلم- الخلاء، وهو الابتعاد عن الخلائق، وذلك من أجل التعبد والخلوة بالله -عز وجل، وكيف لا تتعلق نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعبادة، وتُحبب إليه وهو النبي الخاتم، الذي بعثه الله -عز وجل- لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور.
(1/94)
________________________________________
والوصول إلى المراتب العظيمة، والارتفاع إلى المنازل العالية لا يكون بيسر وسهولة، ولكن بمعاناة ومشقة، وهذا ما تشير إليه ضم جبريل -عليه السلام- لرسولنا -صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ منه الجهد، وإن كانت الدعوة تحتاج إلى جهد ومشقة ومكابدة، فتلَقِّي الوحي كذلك كان غالبه بجهد ومشقة ومكابدة، كما أشار إليه قوله -صلى الله عليه وسلم، وقد سئل: ((كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قاله، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة -رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا)).
وفي الحديث من الفوائد والآثار الإيمانية:
1 - فضل اعتزال أهل السوء والمعاصي، وبركة الخلوة من أجل العبادة والتقرب إلى الله -عز وجل، ودل عليها كذلك قول الله -سبحانه وتعالى- حاكيًا عن إبراهيم -عليه السلام: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} (مريم: 48، 49).
2 - فضل الرؤيا الصالحة التي يراها المؤمن أو تُرَى له، فقد كانت الرؤيا الصالحة بداية إشراق شمس النبوة، فما زال النور يتسع حتى أشرقت شمس النبوة.
3 - فضل أُمِّنا خديجة -رضي الله عنها- وكيف أنها مثال للزوجة الصالحة، التي تعين زوجها على العبادة والطاعة، وكيف تستقبل الزوجة زوجها إذا عاد مهمومًا، وكيف تسعى لتفريج همه وتنفيس كربه، فخففت عنه أولًا بأن من اتصف بالصفات الفاضلة، لا يمكن أن يخزيه الله، بل لابد أن يرفعه
(1/95)
________________________________________
وأن يكرمه، ثم لم تقتصر -رضي الله عنها- على ذلك حتى ذهبت به إلى ورقة بن نوفل فبشّره بالنبوة، وكيف لا تكون خديجة -رضي الله عنها- كذلك، وقد اصطفاها الله -عز وجل- لخاتم أنبيائه وإمام رسله في الدنيا والآخرة، وقد ورد في فضلها -رضي الله عنها- أن جبريل قال للنبي -صلى الله عليه وسلم: ((هذه خديجة، أقرئها السلام من ربها، وأمره أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب)).
4 - وفي الحديث كذلك فضل ورقة بن نوفل، وقد رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد مماته في هيئة حسنة، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين)).
5 - قال الحافظ: "وفي هذه القصة من الفوائد: استحباب تأنيس من نزل به أمر؛ بذكر تيسيره عليه وتهوينه لديه، وأن من نزل به أمر استحب له أن يُطْلِع عليه من يثق بنصحه وصحة رأيه".
6 - وفي الحديث بيان سنة من سنن الأمم مع من يدعوهم إلى الله -عز وجل- وهي التكذيب والإخراج، كما قال الله تعالى عن قوم لوط: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (النمل: 56)، وكما قال قوم شعيب: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا} (الأعراف: 88)، وقال تعالى أيضًا: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} (إبراهيم: 13).
7 - عبادة الأصنام مرفوضة عند العقلاء الذين يستخدمون عقولهم.
8 - لقد أعد الله محمد بن عبد الله قبل البعثة لتلقي الوحي والتكليف بالرسالة، فبرأه الله من كل أعمال أهل الجاهلية الشركية، وعصمه من ذلك.
(1/96)
________________________________________
9 - هجر عبادة الأصنام وسيلة من وسائل الإنكار والتحصين للهاجر.
10 - إن التدبر والتفكر والبحث عن الحقيقة نوع من أنواع العبادة والهداية، يجدر بالمسلم أن يهتم بها.
11 - منزلة الكعبة في قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل الرسالة، فقد كان يقدسها ويجلها ويطوف بها معظمًا لها، وهذا من بقايا ديانة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام.
12 - أهمية القراءة والكتابة في هذا الدين، إذ بدأ الوحي بهما، فذكرهما في أول سورة أنزلت على الرسول -صلى الله عليه وسلم.
13 - {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43) ومع معرفة خديجة -رضي الله عنها- بما جرى للنبي -صلى الله عليه وسلم- وما استنتجته من ذلك، ولكنها ذهبت لتسأل من هو أعلم منها في هذا الشأن، إنه ورقة بن نوفل النصراني، الذي درس كتب أهل الكتاب فعضد رأيها.
14 - النبوات والرسالات تنطلق من مشكاة واحدة في الوحي، وجبريل -عليه السلام- هو الذي نزل بالقرآن على محمد -صلى الله عليه وسلم- كما نزل بسائر الكتب على سائر الأنبياء.
15 - العقبات في الطريق؛ لقد ذكر ورقة بن نوفل للرسول -صلى الله عليه وسلم- ما سيلاقيه من العنت والمشقة على أيدي الكفار، وأوصاه بالثبات، كما استعد بنصره إن بقي على قيد الحياة، وهذه طبيعة الدعاة من الرسل وغيرهم، إنه طريق الابتلاء والصبر ثم النصر، وهكذا كان يحدث لجميع الرسل.
هذا وبالله التوفيق.
(1/97)
________________________________________
الدرس: 6 بدء الوحي، وبداية الدعوة السرية.
(1/99)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس
(بدء الوحي، وبداية الدعوة السرية)

بداية نزول الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم- وفترته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك طريقه واتبع هداه، وبعد:
لقد كان بدء نزول الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم- ونزول صدر سورة اقرأ نقطة تحول في تاريخ البشرية، نقلتها من طريق الاعوجاج والظلام إلى طريق الهدى والنور، طريق الله المستقيم المؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة، ويعلق الأستاذ العقاد على ذلك بقوله: "لقد تحوّل خط التاريخ كما لم يتحول من قبل قط، وكما لم يتحول من بعد أيضًا".
وكان هذا الحدث هو مفرق الطريق، وقامت المعالم في الأرض واضحة عالية لا يطمسها الزمان، ولا تطمسها الأحداث، وقام في الضمير الإنساني تصور للوجود وللحياة وللقيم لم يسبق أن اتضح بمثل هذه السورة، ولم يجئ بعده تصور، في مثل شموله ونصاعته وطلاقته من اعتبارات الأرض جميعًا، مع واقعيته وملاءمته للحياة الإنسانية.
ولقد استقرت قواعد هذا المنهج الإلهي في الأرض، وتبينت خطوطه ومعالمه؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، لا غموض ولا إبهام، إنما هو الضلال عن علم، والانحراف عن عمد، والالتواء عن قصد.
إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة، الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه الأرض وانتهى عهد، والذي كان فرقانًا في تاريخ البشرية لا في تاريخ أمة ولا جيل، والذي سجلته جنبات الوجود كله، وهي تتجاوب به وسجّله الضمير الإنساني، وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها، وأن يذكر دائمًا أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان.
(1/101)
________________________________________
أيقن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رسول الله بعد أن نُقشت تلك الآيات من سورة اقرأ في صدره، وبعد حديث ورقة بن نوفل له، وازداد يقينه بعد نزول الآيات الأولى من سورة المدثر، فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري وهو يحدِّث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فترة الوحي فقال في حديثه: ((بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر*قُمْ فَأَنذِر} (المدَّثر: 2) إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُر} (المدَّثر: 5) فحمي الوحي وتتابع)).
وهذه الآيات الأولى في سورة المدثر، فيها الأمر من الله سبحانه وتعالى لمحمد -صلى الله عليه وسلم- بإنذار البشر، ودعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فهي تمثل في حياة محمد -صلى الله عليه وسلم- حدًّا فاصلًا بين عهدين، عهد ما قبل البعثة الذي يمثل أكثر عمره -صلى الله عليه وسلم- والذي لم يكن فيه مكلفًا من الله تعالى بشيء، وعهد ما بين البعثة الذي يمثل أخطر وأصعب مرحلة في حياته -صلى الله عليه وسلم؛ لأنها مرحلة تغيير طريق البشرية، وهي مرحلة خطيرة عندما نتصورها بكل أبعادها، فها هي الأوامر الربانية تأمره -صلى الله عليه وسلم- أن يترك عهد النوم، وأن يشمّر عن ساعد الجد، ليس لتغيير عقيدة قومه فحسب، بل لتغيير مسار البشرية بأكمله، ونقل تلك البشرية من طريق الهلاك والردى الذي كانت تتردى فيه، إلى طريق النجاة الذي يؤدي إلى سعادة الدنيا، والنجاة العظمى في الآخرة.
وهذه المهمة وهذا التكليف الإلهي لم يكن يسيرًا، بل كانت دونه من الصعوبات والأخطار ما لا يستطيعه أحد سوى محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي اختاره الله تعالى لهذه المهمة الشاقة، ونجح فيها -كما يشهد التاريخ- أيما نجاح، ووضع البشرية على الطريق الصحيح، وأوضح لها السبيل الحق وأنار لها الطريق، ولم يعد لفرد أو جماعة أو فئة عذر في تنكب طريق الحق، والزيغ عن الهدى والنور.
(1/102)
________________________________________
فترة الوحي:
واطمأن محمد -صلى الله عليه وسلم- لصدق ما رأى وما سمع، وتيقن أن الذي كان يأتيه هو وحي الله، وتأكد أنه فاز بذلك فوزًا عظيمًا، وحتى يستوعب كل ما رأى وتهدأ نفسه فترَ الوحي، وانقطع عنه جبريل -عليه السلام، فمكث -صلى الله عليه وسلم- أيامًا لا يرى جبريل، فحزن حزنًا شديدًا، وأخذ يدور بسببه بين رؤوس الجبال عساه يراه ويحدثه، والمدة التي انقطع فيها الوحي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يتفق عليها المؤرخون، وأرجح أقوالهم فيها أربعون يومًا؛ ليشتد شوق الرسول للوحي، وقد كان.
فإن الحال اشتد به -عليه الصلاة والسلام- حتى صار كل ما أتى ذروة جبل بدا له أنه يرمي نفسه منها، حذرًا من قطيعة الله له، بعد أن أراه نعمته الكبرى، وهي اختياره لأن يكون واسطة بينه وبين خلقه، فيتبدى له الملك قائلًا: أنت رسول الله حقًّا، فيطمئن خاطره ويرجع عما عزم إليه، حتى أراد الله أن يظهر للوجود نور الدين، فعاد إليه الوحي.
فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه: وفتر الوحي فترة، حزن فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا؛ كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه، ويرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
هذا وإن قصة عزمه -عليه الصلاة والسلام- على أن يرمي نفسه من ذرى الجبال، على الرغم من ورودها في البخاري، إلا أنها ليست على شرط الصحيح؛ لأنها من البلاغات، وهي من قبيل المنقطع، والمنقطع من أنواع الضعيف، والبخاري لا يُخرج إلا الأحاديث المسندة المتصلة برواية العدول الضابطين، ولعل البخاري ذكرها لينبهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي، الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة.
(1/103)
________________________________________
ولو أن هذه الرواية كانت صحيحة لأولناها تأويلًا مقبولًا، أما هي على هذه الحالة فلا نكلف أنفسنا عناء البحث عن مخرج لها، والتعليل الصحيح لكثرة غشيانه -صلى الله عليه وسلم- في مدة الفترة رؤوس الجبال، أن الإنسان إذا حصل له خير أو نعمة في مكان، فإنه يحب هذا المكان ويلتمس منه ما افتقده، فلما انقطع الوحي صار صلى الله عليه وسلم يكثر من ارتياد قمم الجبال -ولا سيما حراء-؛ رجاء أنه إن لم يجد جبريل في حراء فيجده في غيره.
وليس أدل على ضعف رواية رغبته في الانتحار، من أن جبريل كان يقول للنبي -صلى الله عليه وسلم- كلما أوفى بذروة جبل: يا محمد، إنك رسول الله حقًّا، وأنه كرر ذلك مرارًا، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفي في تثبيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وصرفه عما حدثته به نفسه، كما زعموا.
عودة الوحي:
قال ابن حجر: "وكان ذلك -أي: انقطاع الوحي أيامًا- ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العَود، فلما حصل له ذلك، وأخذ يرتقب مجيء الوحي أكرمه الله بالوحي مرة ثانية".
قال صلى الله عليه وسلم: ((جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جِواري هبطت، فلما استبطنت الوادي فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئا، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثْت منه رعبًا حتى هويت إلى الأرض، فأتيت خديجة فقلت: زملوني زملوني -أي: دثروني- وصبوا علي ماء باردًا. قال: فدثَّروني وصبوا عليَّ ماء باردًا فنزلت: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر*قُمْ فَأَنذِر*وَرَبَّكَ فَكَبِّر*وَثِيَابَكَ فَطَهِّر*وَالرُّجْزَ فَاهْجُر} (المدَّثر:1 - 5) وذلك قبل أن تفرض الصلاة)).
(1/104)
________________________________________
ثم حمي الوحي بعد، وتتابع، وهذه الآيات هي مبدأ رسالته -صلى الله عليه وسلم- وهي متأخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحي، وتشتمل على نوعين من التكليف مع بيان ما يترتب عليه:
النوع الأول: تكليفه -صلى الله عليه وسلم- بالبلاغ والتحذير، وذلك في قوله تعالى: {قم فأنذر} فإن معناه حذِّر الناس من عذاب الله، إن لم يرجعوا عما هم فيه من الغي والضلال، وعبادة غير الله تعالى، والإشراك به في الذات والصفات والحقوق والأفعال.
النوع الثاني: تكليفه -صلى الله عليه وسلم- بتطبيق أوامر الله -سبحانه وتعالى- على ذاته، والالتزام بها في نفسه ليحرز بذلك مرضاة الله، ويصير أسوة حسنة لمن آمن به، وذلك في بقية الآيات، فقوله: {وثيابك فطهر} الظاهر منه تطهير الثياب والجسد؛ إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه أن يكون نجسًا مستقذرًا، وإذا كان هذا التطهر مطلوبًا، فإن التطهر من أدران الشرك وأرجاس الأعمال والأخلاق أولى بالطلب.
وقوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُر} معناه: ابتعِد عن أسباب سخط الله وعذابه، وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته. وقوله: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِر} أي: لا تحسن إحسانًا تريد أجره من الناس، أو تريد له جزاء أفضل في هذه الدنيا.
أما الآية الأخيرة ففيها تنبيه على ما يلحقه من أذى قومه، حين يفارقهم في الدين، ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده، وبتحذيرهم من عذابه وبطشه فقال: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر}.
ثم إن مطلع الآيات تضمنت النداء العلوي، في صوت الكبير المتعال، بانتداب النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء، إلى الجهاد والكفاح والمشقة. {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر*قُمْ فَأَنذِر} كأنه قيل: إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، أما أنت الذي يحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم، وما لك والراحة، وما لك والفراش الدافئ والعيش الهادئ، والمتاع المريح؟! قم للأمر
(1/105)
________________________________________
العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيئ لك، قم للجهد والنصب والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل والجهاد الطويل الشاق، قم فتهيئ لهذا الأمر واستعد.
إنها كلمة عظيمة رهيبة، تنزعه -صلى الله عليه وسلم- من دفء الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ، لتدفع به في الخضم بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس، وفي واقع الحياة سواء.
وقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا، لم يسترح ولم يسكن ولم يعش لنفسه، ولا لأهله، قام وظل قائمًا على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ، ولا ينوء به عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى.
عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا، لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد، منذ أن سمع النداء العلوي الجليل، وتلقى منه التكليف الرهيب، جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء.

مرحلة الدعوة السرية
مرحلة الجهاد بالدعوة إلى الله سرّا ثلاث سنوات:
قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد نزول ما تقدم من آيات سورة المدثر بالدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى، وحيث إن قومه كانوا جفاة، لا دين لهم إلا عبادة الأصنام والأوثان، ولا حجة لهم إلا أنهم ألفوا آباءهم على ذلك، ولا أخلاق لهم إلا الأخذ بالعزة والأنفة، ولا سبيل لهم في حل المشاكل إلا السيف، وكانوا مع ذلك متصدّرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلين مركزها الرئيسي، ضامنين حفظ كيانها، فقد
(1/106)
________________________________________
كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية؛ لئلا يفاجئ أهل مكة بما يهيجهم.
الرعيل الأول:
وكان من الطبيعي أن يعرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- أولًا على ألصق الناس به من أهل بيته وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجلالة نفسه، وصدق خبره، جمعٌ عُرفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم: زوجة النبي -صلى الله عليه وسلم- أم المؤمنين خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها، ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وابن عمه علي بن أبي طالب، وكان صبيًّا يعيش في كفالة الرسول -صلى الله عليه وسلم، وصديقه الحميم أبو بكر الصديق، أسلم هؤلاء في أول يوم من أيام الدعوة.
قال ابن إسحاق: "وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء به، ثم إن جبريل أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين افترضت عليه الصلاة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت له عينٌ من ماء زمزم، فتوضأ جبريل ومحمد -عليهما السلام-، ثم صلى ركعتين وسجد أربع سجدات، ثم رجع النبي -صلى الله عليه وسلم، وقد أقرّ الله عينه وطابت نفسه، وجاءه ما يحب من الله، فأخذ يد خديجة حتى أتى بها إلى العين، فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات، ثم كان هو وخديجة يصليان سرًّا.
قلت: صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين، فبيَّن له أوقات الصلوات الخمس؛ أولها وآخرها، فإن ذلك كان بعد فرضيتها ليلة الإسراء.
(1/107)
________________________________________
فصل: أول من أسلم من متقدمي الإسلام والصحابة وغيرهم:
قال ابن إسحاق: ((ثم إن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- جاء بعد ذلك بيوم وهما يصليان، فقال علي: يا محمد ما هذا؟ قال: دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى، فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمرًا حتى أحدّث به أبا طالب، فكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يفشي عليه سرّه قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا عليّ، إذ لم تسلم فاكتم، فمكث عليّ تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب عليّ الإسلام، فأصبح غاديًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى جاءه فقال: ماذا عرضت عليَّ يا محمد؟ فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد، ففعل علي وأسلم)).
ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم على إسلامه ولم يظهره، وأسلم ابن حارثة -يعني زيدًا- فمكث قريبًا من شهر يختلف عليٌّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وكان مما أنعم الله به على عليٍّ أنه كان في حجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل الإسلام.
قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وكان مما أنعم الله به على عليّ أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمه العباس، وكان من أيسر بني هاشم: ((يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق حتى نخفف عنه من عياله، فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليًّا فضمه إليه، فلم يزل مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بعثه الله نبيًّا، فاتبعه علي وآمن به وصدقه)).
وقال آخرون: أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصديق.
(1/108)
________________________________________
والجمع بين الأقوال كلها: أن خديجة أول من أسلم من النساء، وظاهر السياقات، وقيل الرجال أيضًا، وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب، فإنه كان صغيرًا دون البلوغ على المشهور، وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت، وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم؛ إذ كان صدرًا معظمًا ورئيسًا في قريش مكرّمًا، وصاحب مال وداعية إلى الإسلام، وكان محببًا متألفًا يبذل المال في طاعة الله ورسوله.
قال يونس عن ابن إسحاق: ((ثم إن أبا بكر الصديق لقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أحقٌّ ما تقول قريش يا محمد، مِن تركك آلهتنا وتسفيهك عقولنا وتكفيرك آبائنا؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته، وقرأ عليه القرآن فلم يُقر، ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدِّق)).
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما دعوتُ أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر)) ".
ما يستفاد من الدعوة السرية:
1 - إن بدأ الدعوة النبوية بالسرية فيه حكمة جليلة ومصلحة عامة، تهم الدعوة في ذلك:
لأن بداية الدعوة لا يكون لها أنصار، والناس أعداء لكل جديد وإن كان خيرًا، وأعداء لما يجهلون، فإذا بدأ الرسول بإعلان دعوته قبل أن يؤمن بها أحد،
(1/109)
________________________________________
سيواجه أهل الصولة والجولة والقوة، فيقضون عليه وعلى دعوته قبل وجود أنصار من الذين يقفون إلى جانبه، ويقومون بتبليغ دعوته، ولذلك بدأ هذه المرحلة بتكوين الأنصار، ثم أعلن بعد ثلاث سنوات عن دعوته.
2 - الأخذ بالأسباب:
فإن على الداعية أن يحافظ على دعوته وعلى نفسه قبل أن تنتشر؛ حتى تنتشر ويوجد من يحمل الرسالة من بعده، ولا يكون ذلك إلا بالأسباب التي تحافظ عليه حتى يؤدي رسالته، ومن أهم هذه الأسباب: السرية.
3 - نعمة الزوجة الصالحة:
كان مِن نعم الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن هداه إلى اختيار خديجة زوجة له، فكانت معينًا ومثبتًا بفضل الله ومنته.
4 - جواز الاستعانة بمال الزوجة لنشر الدعوة إذا كان بطيب نفس منها، كما كان من خديجة -رضي الله عنها.
5 - صفات الرسول تؤهله لحمل الرسالة:
لقد مَنَّ الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بأخلاق حميدة وصفات عظيمة، أهَّلته لتلقي الرسالة وحملها. قال تعالى: {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124).
6 - حسن معاملة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حببت من يعرفه بالإسلام فآمن وصدق وتابع.
7 - الفقراء هم أتباع الرسل:
يُذْكَر أن معظم الذين آمنوا من الفقراء، فما السر في ذلك؟
إن الفقراء أقرب في الفطرة إلى الهداية؛ لأن سبيل الإغراء والإغواء لا تتوفر لهم بعكس الأغنياء، فإن سبل الفساد والإفساد متوفرة لهم وفي متناول أيديهم، والفقراء يبحثون عن محرر لهم، ومنصف ينصفهم من الطواغيت، الذين أذلوهم، وصادروا حرياتهم، واغتصبوا حقوقهم، والرسل وحدهم هم المنقذون لهم.
(1/110)
________________________________________
وخلاصة القول: إن الدعوة الإسلامية في مكة كانت في هذه المرحلة سرية، وكانت فكرة الدعوة ورسالة الدعاة مجهولة تمامًا عند الناس، وعند التنظيمات الأخرى، وعند أصحاب الجاه والسلطان، وعلى هذا، كانت الجماعة الإسلامية والدعوة الإسلامية تعيش في أمن وأمان، لا تصطدم مع غيرها، ولم تتعرض لمضايقة أحد من الزعماء وأصحاب النفوذ؛ لأنهم لم يشعروا بها ولم يعرفوا أهدافها ومراميها.
الجهر بالدعوة:
أول أمر بإظهار الدعوة لما تكونت جماعة من المؤمنين، تقوم على الأخوة والتعاون، وتحمل عبء تبليغ الرسالة، نزل الوحي يكلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمعالنة الدعوة ومجابهة الباطل بالحسنى، وأول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين} (الشعراء: 214) وقد ورد في سياق ذكرت فيه أولًا قصة موسى -عليه السلام- من بداية نبوته، إلى هجرته مع بني إسرائيل، وقصص نجاتهم من فرعون وقومه، وإغراق آل فرعون معه.
وقد اشتملت هذه القصة على جميع المراحل، التي مر بها موسى -عليه السلام- خلال دعوة فرعون وقومه إلى الله، وكأن هذا التفصيل جيء به مع أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بجهر الدعوة إلى الله؛ ليكون أمامه وأمام أصحابه مثال لما يلقونه من التكذيب والاضطهاد، حينما يجهرون بالدعوة، وليكونوا على بصيرة من أمرهم منذ البداية.
ومن ناحية أخرى: تشتمل هذه السورة على ذكر مآل المكذبين للرسل، مِن قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب الأيكة، عدا ما ذُكر من أمر فرعون وقومه؛ ليعلم الذين سيقومون بالتكذيب عاقبة أمرهم، وما سيلقونه من مؤاخذة الله إن استمروا عليها، وليعرف المؤمنون أن حسن العاقبة لهم وليس للمكذبين.
(1/111)
________________________________________
الدعوة في الأقربين:
ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشيرته بني هاشم بعد نزول هذه الآية، فجاءوا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو خمسة وأربعين رجلًا، فلما أراد أن يتكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بادره أبو لهب وقال: "هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكلم ودعْ الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يُسب بك بطون قريش، فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بِشرٍّ مما جئت به، فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يتكلم في ذلك المجلس".
ثم دعاهم ثانية وقال: ((الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم قال: إن الرائد لا يَكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا، أو النار أبدًا)). فقال أبو طالب: "ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقًا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامضِ إلى ما أُمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب، فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا، على جبل الصفا".
وبعدما تأكد النبي -صلى الله عليه وسلم- من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه.
(1/112)
________________________________________
الدرس: 7 دروس وعبر من مراحل الدعوة إلى الله عز وجل.
(1/113)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع
(دروس وعبر من مراحل الدعوة إلى الله عز وجل)

أساليب المشركين المتنوعة في إجهاض الدعوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وبعد:
أسلوب التهديد والمساومة والإغراء:
حاول الكفار مرات عديدة أن يتعاون معهم محمد -صلى الله عليه وسلم- في خلط الإسلام بالكفر؛ ليكونا سويًا دينًا خليطًا من هذا وذاك، وأن يعبدوا الله يومًا ويعبد محمد أصنامهم يومًا آخر وهكذا.
يروي ابن إسحاق بسنده أن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاصي بن وائل السهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، اعترضوا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وهو يطوف بالكعبة وقالوا له: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون: 1 - 6). فكانت المفاصلة الكاملة بين الإيمان والكفر.
المقاطعة العامة:
لما رأى كفار مكة أن بني هاشم وبني المطلب تواثقوا وتعاهدوا جميعًا، على حماية محمد -صلى الله عليه وسلم- عملوا على مقاطعتهم وعدم التعامل معهم مطلقًا، وتحالفوا على ألا يجالسوهم، ولا يبيعونهم ولا يشترون منهم، ولا يدخلون بيوتهم، ولا
(1/115)
________________________________________
يكلمونهم، ولا يتزوجون منهم ولا يزوّجوهم، حتى يسلِّموا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- لقتله والانتهاء من أمره.
وكتبوا بذلك ميثاقًا علقوه في جوف الكعبة، واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات، واشتد الأمر على بني هاشم وبني المطلب، حتى أكلوا ورق الشجر، وحوصروا في شِعبهم ولا يخرجون منه إلا في الأشهر الحرم، للتعامل مع وفود الحج والعمرة، وكان أهل مكة يزايدون عليهم لحرمانهم من كل خير، حيث منعوا أن يتصل بهم أحد من القبائل البعيدة عن مكة، وكانوا إذا رأوا تجارة قادمة سارعوا بشرائها، قبل أن تصل إلى المحاصرين في الشعب، مبالغين في ثمنها، ودام الحال على ذلك، حتى قضى الله بنقض المقاطعة وتمزيق الميثاق المكتوب.
ما يستفاد من المقاطعة:
أولًا: أغيظ ما يغيظ الكفار انتشار الإسلام بين الناس؛ لأن هذا يدل على انحسار الكفر واندحاره في مستقبل الأيام.
ثانيًا: أن أهل الباطل حين يعجزون عن مقارعة الحجة بالحجة، ومواجهة الفكرة بالفكرة، يلجئون إلى أسلوب التصفية، وسفك دماء الذين يخالفونهم في التوجيه والفكر والعقيدة؛ ظنًّا منهم أن بقتلهم تقتل دعواتهم وتموت مبادئهم، وهذا وهْم باطل وظن كاذب، أثبت الواقع كذبه وبطلانه.
ثالثًا: إن هذا الخبر يدلنا على الحالة النفسية التي يعاني منها معسكر الكفر، هذه المعاني تدل على انهيار في الروح المعنوية، وهم يرون الإسلام يزحف، والكفر يتراجع، ومصيرهم مهدد.
(1/116)
________________________________________
رابعًا: صلة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأقاربه وعشيرته، وكذلك المسلمون من بني هاشم، كانت حسنة، فتعاطفوا معهم ونصروهم، مع أنهم ليسوا على دينهم، ويمكن للداعية أن يحسِن علاقته مع عشيرته دون أن يخالف شرع الله وحكمه، ويستفيد من حسن الصلة بهم في خدمة دعوته، ونشر فكرته، وتوفير الحماية له من أعدائه.
خامسًا: إن وسيلة الضغط على هؤلاء المسلمين، بقيادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلى المتعاطفين معهم -كانت مؤلمة، إنها المقاطعة العامة في البيع والأخذ والعطاء، حتى جاعوا جوعًا شديدًا فأكلوا ورق الشجر على قِلته، وتقرحت أشداقهم، إلا أن الثبات والصبر على المبدأ، وقوة إيمان المسلمين ثبتتهم أمام هذه المقاطعة العامة، حتى كان الرجل يعود إلى أطفاله ليس في يده شيء يطعمهم إياه، فترتفع عقيرتهم بكاء من شدة الجوع الذي يعانون منه.
سادسًا: لقد سخّر الله -تبارك وتعالى- من الكافرين من يقف بجانب المسلمين، ويتعاطف معهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم، ويقدّم لهم يد العون والمساعدة سرًّا، فكان هشام بن عمرو يأتي بالبعير إلى الشِّعب ليلًا، وقد حمله طعامًا وتارة ثيابًا، ويدفعه إلى المحاصرين المقاطعين.
سابعًا: قيام الحجج الدامغة والبراهين الساطعة والمعجزات الخارقة، لا يؤثر في أصحاب الهوى وعبدة المصالح والمنافع؛ لأنهم يلغون عقولهم، ويغلقون قلوبهم وعقولهم عن التدبير، ويصمون آذانهم عن سماع الحق، ويغمضون أعينهم عن النظر والتأمل والاهتداء إلى الحق، بعد قيام الأدلة عليهم.
فلقد أخبرهم أبو طالب بما أخبر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما حدث للصحيفة من أكل الأرضة لها، وبقاء اسم الله فقط: باسمك اللهم، ورأوا ذلك بأم أعينهم، فما آمن منهم أحد؛ إنه الهوى الذي يصد عن اتباع الحق، ويصم الآذان عن سماعه.
(1/117)
________________________________________
ثامنًا: الشدائد لا تؤثر في عزائم أصحاب المبادئ والإيمان والقيم الإسلامية، لقد خرج المسلمون من هذه المحنة -على قساوتها وشدتها- أقوى، لا تلين لهم قناة ولا تهون لهم عزيمة، لقد استمروا في ثباتهم على طريق الهدى والتقى، والإصرار على محاربة الشرك، ومطاردته والقضاء عليه.
التشكيك في القرآن الكريم وإثارة الشبهات:
فقد أكثروا من ذلك وتفننوا فيه، بحيث لا يبقى لعامة الناس مجال للتدبر في دعوته والتفكير فيها، فكانوا يقولون عن القرآن: أضغاث أحلام يراها محمد بالليل ويتلوها بالنهار، ويقولون: بل افتراه من عند نفسه، ويقولون: إنما يعلمه بشر، وقالوا: {إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ}، أي اشترك هو وزملاؤه في اختلاقه، وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، وأحيانًا قالوا: إن له جنًّا أو شيطانًا يتنزل عليه، كما ينزل الجن والشياطين على الكهان. قال تعالى ردًّا عليهم: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} (الشعراء: 221، 222) أي أنها تنزل على الكذاب الفاجر المتلطخ بالذنوب، وما جربتم عليَّ كذبًا، وما وجدتم فيَّ فسقًا، فكيف تجعلون القرآن من تنزيل الشياطين؟!
وأحيانًا قالوا عن النبي -صلى الله عليه وسلم: إنه مصاب بنوع من الجنون، فهو يتخيل المعاني، ثم يصوغها في كلمات بديعة رائعة، كما يصيغ الشعراء، فهو شاعر وكلامه شعر. قال تعالى ردًّا عليهم: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} (الشعراء: 224 - 226).
فهذه ثلاث خصائص يتصف بها الشعراء، ليست واحدة منها للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فالذين اتبعوه هداة مهتدون متقون صالحون، في دينهم وخلقهم وأعمالهم وتصرفاتهم،
(1/118)
________________________________________
وليست عليهم مسحة من الغواية في أي شأن من شئونهم، ثم النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يهيم في كل واد كما يهيم الشعراء، بل هو يدعو إلى رب واحد ودين واحد وصراط واحد، وهو لا يقول إلا ما يفعل ولا يفعل إلا ما يقول، فأين هو من الشعر والشعراء، وأين الشعر والشعراء منه؟!
هكذا كان يرد عليهم بجواب مقنع حول كل شبهة كانوا يثيرونها ضد النبي -صلى الله عليه وسلم- والقرآن والإسلام، ومعظم شبهاتهم كانت تدور حول التوحيد، ثم رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم، ثم بعث الأموات ونشرهم وحشرهم يوم القيامة، وقد رد القرآن على كل شبهة من شبهاتهم حول التوحيد، بل زاد عليها زيادات أوضح بها هذه القضية من كل ناحية، وبيَّن عجز آلهتهم عجزًا لا مزيد عليه، ولعل هذا كان مثار غضبهم واستنكارهم الذي أدى إلى ما أدى إليه.
أما شبهاتهم في رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم-: فإنهم مع اعترافهم بصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمانته وغاية صلاحه وتقواه، كانوا يعتقدون أن منصب النبوة والرسالة أجل وأعظم من أن يعطى لبشر، فالبشر لا يكون رسولًا، والرسول لا يكون بشرًا حسب عقيدتهم، فلما أعلن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نبوته ودعا إلى الإيمان به تحيروا، وقالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} وقالوا: إن محمدًا بشر، {مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}، فقال تعالى ردًّا عليهم: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} (الأنعام: 91) وكانوا يعرفون ويعترفون بأن موسى بشر، ورد عليهم أيضًا بأن كل قوم قالوا لرسلهم -إنكارًا على رسالتهم: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}، فـ {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ}.
فالأنبياء والرسل لا يكونون إلا بشرًا، ولا منافاة بين البشرية والرسالة، وحيث إنهم كانوا يعترفون بأن إبراهيم وإسماعيل وموسى -عليهم السلام- كانوا رسلًا
(1/119)
________________________________________
وكانوا بشرًا، فإنهم لم يجدوا مجالًا للإصرار على شبهتهم هذه، فقالوا: ألم يجد الله لحمل رسالته إلا هذا اليتيم المسكين؟! ما كان الله ليترك كبار أهل مكة والطائف ويتخذ هذا المسكين رسولًا، {لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم}. قال تعالى ردًّا عليهم: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} (الزخرف: 32) يعني بأن الوحي والرسالة رحمة من الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
وانتقلوا بعد ذلك إلى شبهة أخرى، قالوا: إن رسل ملوك الدنيا يمشون في موكب من الخدم والحشم، ويتمتعون بالأبهة والجلال، ويوفر لهم كل أسباب الحياة، فما بال محمد يدفع إلى الأسواق للقمة عيش وهو يدعي أنه رسول الله {لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} (الفرقان: 7، 8).
ورد على شبهتهم هذه بأن محمدًا رسول الله، يعني أن مهمته هو إبلاغ رسالة الله إلى كل صغير وكبير، وضعيف وقوي، وشريف ووضيع، وحر وعبد، فلو لبث في الأبهة والجلال والخدم والحشم والحرس مثل رسل الملوك، لم يكن يصل إليه ضعفاء الناس وصغارهم، حتى يستفيدوا به، وهم جمهور البشر، وإذن فاتت مصلحة الرسالة ولم تكن لها فائدة تذكر.
أما إنكارهم البعث بعد الموت؛ فلم يكن لهم عندهم في ذلك إلا التعجب والاستغراب والاستبعاد العقلي، فكانوا يقولون: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} (الصافات: 16، 17) وكانوا يقولون: {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} (ق: 3) وكانوا يقولون على سبيل الاستغراب: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} (سبأ: 7، 8).
(1/120)
________________________________________
وقال قائلهم:
أموت ثم بعث ثم حشر ... حديث خرافة يا أم عمرو
وقد رد عليهم بتبصيرهم ما يجري في الدنيا، فالظالم يموت دون أن يلقى جزاءه، والمظلوم يموت دون أن يأخذ حقه من ظالمه، والمحسن الصالح يموت قبل أن يلقى جزاء إحسانه وصلاحه، والفاجر المسيء يموت قبل أن يعاقَب على سوء عمله، فإن لم يكن بعث ولا حياة ولا جزاء بعد الموت لاستوى الفريقان، بل لكان الظالم والفاجر أسعد من المظلوم والصالح، وهذا غير مقبول إطلاقًا.
ولا يتصور من الله أن يبني نظام خلقه على مثل هذا الفساد. قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (القلم: 35، 36) وقال: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (ص: 28) وقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (الجاثية: 21) وأما الاستبعاد العقلي فقال تعالى ردًّا عليه: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ} (النازعات: 27) وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الأحقاف: 33) وقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} (الواقعة: 62).
وبيَّن ما هو معروف عقلًا وعرفًا، وهو أن الإعادة أهون عليه، وقال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} (الأنبياء: 104) وقال سبحانه: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} (ق: 15).
وهكذا رد على كل ما أثاروا من الشبهات ردًا مفحمًا يقنع كل ذي عقل ولُب، ولكنهم كانوا مشاغبين مستكبرين، يريدون علوًّا في الأرض، وفرض رأيهم على الخلق، فبقوا في طغيانهم يعمهون.
(1/121)
________________________________________
اشتداد التضييق على الدعوة إلى الله:
قال ابن إسحاق: "ثم إن قريشًا اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومَن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه ب***** والشعر والكهانة والجنون، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- مظهر لأمر الله لا يستخفي به، يبادلهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم.

السخرية والتكذيب، وصد الناس عن الدعوة، والاعتداء، والمطالب التعجيزية
وقد سلكت قريش أساليب كثيرة لمجابهة الدعوة؛ والتي منها:
1 - السخرية والتحقير والاستهزاء والتكذيب:
قصدوا بها تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي -صلى الله عليه وسلم- بتهم هازلة وشتائم سفيهة، فكانوا ينادونه بالمجنون: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (الحجر: 6) يصفونه ب***** والكذب، {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (ص: 4) وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ملتهمة ناقمة وعواطف مفتعلة، وعواطف منفعلة هائجة {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون} (القلم: 51).
وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استهزءوا بهم، وقالوا: هؤلاء جلساؤه، مَنَّ الله عليهم من بيننا؟! قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِين} (الأنعام: 53) وكانوا كما قص الله علينا: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} (المطففين: 29 - 33).
(1/122)
________________________________________
وقد أكثروا من السخرية والاستهزاء، وزادوا من الطعن والتضحيك شيئًا فشيئًا، حتى أَثَّر ذلك في نفس رسول الله -صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} (الحجر: 97) ثم ثبته الله وأمره بما يذهب بهذا الضيق، فقال: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر: 99،98) وقد أخبره مِن قَبل أن يكفيه هؤلاء المستهزئين، حيث قال: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} (الحجر: 95، 96).
وأخبره أن فعلهم هذا سوف ينقلب وبالًا عليهم، فقال: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (الأنعام: 10).
2 - الحيلولة بين الناس وبين سماعهم القرآن، ومعارضته بأساطير الأولين:
كان المشركون يحولون بين الناس وبين سماعهم القرآن، ودعوة الإسلام بكل طريق يمكن، فكانوا يطردون الناس، ويثيرون الشغب والضوضاء، ويتغنون ويلعبون إذا رأوا النبي -صلى الله عليه وسلم- يتهيأ للدعوة، أو إذا رأوه يصلي ويتلو القرآن. قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت: 26).
حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتمكن من تلاوة القرآن عليهم في مجامعهم ونواديهم إلا في أواخر السنة الخامسة من النبوة، وذلك أيضًا عن طريق المفاجأة دون أن يشعروا بقصده قبل بداية التلاوة.
وكان النضر بن الحارث -أحد شياطين قريش- قد قدم الحيرة، ومعه بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم بسفنديار، وفي رواية عن ابن عباس: أن النضر كان قد اشترى قينة، فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه اسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد، وفيه نزل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (لقمان: 6).
(1/123)
________________________________________
3 - اعتداءات على رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
واخترقت قريش ما كانت تتعاظمه وتحترمه، منذ ظهرت الدعوة على الساحة، فقد صعب على غطرستها وكبريائها أن تصبر طويلًا، فمدّت يد الاعتداء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع ما كانت تأتيه من السخرية والاستهزاء والتشويه والتلبيس والتشويش، وغير ذلك.
وكان من الطبيعي أن يكون أبو لهب في مقدمتهم وعلى رأسهم، فإنه كان أحد رءوس بني هاشم، فلم يكن يخشى ما يخشاه الآخرون، فكان عدوًّا لدودًا للإسلام وأهله، وقد وقف موقف العداء من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منذ اليوم الأول، واعتدى عليه قبل أن تفكر فيه قريش، وقد أسلفنا ما فعل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في مجلس بني هاشم، وما فعل على الصفا، ورأى رسول الله من المشركين كثير الأذى وعظيم الشدة، خصوصًا إذا ذهب إلى الصلاة عند البيت، وكان من أعظمهم أذى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- جماعة سموا لكثرة أذاهم بالمستهزئين.
فأولهم وأشدهم عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، قال يومًا: يا معشر قريش، إن محمدًا قد أتى ما ترون من عيب دينكم، وشتم آلهتكم، وتسفيه أحلامكم، وسب آبائكم، إني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا عليه الصلاة والسلام كما كان يغدو إلى صلاته، وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد عليه الصلاة والسلام، احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا ممتقعًا لونه من الفزع، ورمى حجره من يده، فقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟!
(1/124)
________________________________________
قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم، فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل، والله ما رأيت مثله قط، هم بي أن يأكلني، فلما ذُكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ذاك جبريل ولو دنا منه لأخذه)).
وكان أبو جهل كثيرًا ما ينهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن صلاته عند البيت، فقال له مرة بعد أن رآه يصلي: ألم أنهك عن هذا، فأغلظ له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القول وهدده، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا، فأنزل الله تهديدًا له في آخر سورة اقرأ: {كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} (العلق: 15 - 19).
ومن أذيته للرسول -صلى الله عليه وسلم- ما حكاه عبد الله بن مسعود من رواية البخاري قال: ((كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد وهو يصلي، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى فرث جزور بني فلان فيلقه على محمد وهو ساجد، فقام عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وجاء بذلك الفرث فألقاه على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ساجد، فلم يقدر أحد من المسلمين -الذين كانوا بالمسجد- على إلقائه عنه؛ لضعفهم عن مقاومة عدوهم، ولم يزل -عليه الصلاة والسلام- ساجدًا حتى جاءت فاطمة بنته فأخذت القذر ورمته، فلما قام دعا على من صنع هذا الصنع القبيح فقال: اللهم عليك بالملأ من قريش، وسمى أقوامًا. قال ابن مسعود: فرأيتهم قتلوا يوم بدر)).
ومما حصل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أبي جهل ((أن هذا ابتاع أجمالًا من رجل يقال له الأراشي، فمطله بأثمانها، فجاء الرجل مجمع قريش يريد منهم مساعدته على أخذ ماله، فدلوه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لينصفه من أبي جهل؛ استهزاء مما يعلمونه من أفعال ذلك الشقي بالرسول -صلى الله عليه وسلم- فتوجه الرجل إليه وطلب منه المساعدة على أبي جهل، فخرج معه حتى ضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد،
(1/125)
________________________________________
فخرج ممتقعًا لونه، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم: أعط هذا حقه، فقال أبو جهل: لا تبرح حتى تأخذه، فلم يبرح الرجل حتى أخذ دينه، فقالت قريش: ويلك يا أبا الحكم! ما رأينا مثل ما صنعت. قال: ويْحكم، والله ما هو إلا أن ضرب عليَّ بابي، حتى سمعت صوته فملئت منه رعبًا، حتى خرجت إليه وإن فوق رأسي فحلًا من الإبل ما رأيت مثله قط، لو أبيت أو تأخرت لأكلني)).
ومن المستهزئين عقبة بن أبي معيط، كان الجار الثاني لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، وكان يعمل معه كأبي لهب، صنع مرة وليمة ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال عليه الصلاة والسلام: ((والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله فتشهد، فبلغ ذلك أبي بن خلف وكان صديقًا له فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال: لا شيء، دخل منزلي رجل شريف فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له، قال أبي: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدًا فلم تطأ عنقه، وتبصق في وجهه، وتلطم عينه، فلما رأى عقبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعل به ذلك)) فأنزل الله فيه سورة الفرقان: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} (الفرقان: 27 - 29).
ومن أشد ما صنعه ذلك الشقي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما رواه البخاري في صحيحه قال: "بينما النبي يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟! ".
ومن جماعة المستهزئين: العاص بن وائل السهمي القرشي، والد عمرو بن العاص، كان شديد العداوة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: "غَرَّ محمد أصحابه أن
(1/126)
________________________________________
يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر" فقال الله ردًّا عليه في دعواه في سورة الجاثية: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (الجاثية: 24).
وكان عليه دَين لخباب بن الأرت أحد رجال المسلمين، فتقاضاه إياه فقال العاصي: "أليس يزعم محمد هذا -الذي أنت على دينه- أن في الجنة ما يبتغي أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى هذا اليوم، فسأوتى مالًا وولدًا وأقضيك دينك، فأنزل الله في سورة مريم: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} (مريم: 77 - 80).
ومن جماعة المستهزئين الأسود بن عبد يغوث الزهري، وهو ابن أخي آمنة أم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو من بني زهرة أخوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم، كان إذا رأى أصحاب النبي مقبلين يقول: "قد جاءكم ملوك الأرض! استهزاءً بهم؛ لأنهم كانوا متقشفين، ثيابهم رثة، وعيشهم خشن، وكان يقول لرسول الله سخرية: أما كُلمت اليوم من السماء؟! ".
ومنهم الأسود بن المطلب الأسدي، ابن عم خديجة، كان هو وشيعته إذا مر عليهم المسلمون يتغامزون، وفيهم نزل في سورة المطففين: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} (المطففين: 29 - 32).
ومنهم الوليد بن المغيرة عم أبي جهل، كان من عظماء قريش، وفي سعة من العيش، سمع القرآن مرة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لقومه بني مخزوم: "والله لقد
(1/127)
________________________________________
سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، لتصبأن قريش كلها، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فتوجه وقعد إليه حزينًا وكلمه بما أحماه -أي: أغضبه- فقام فأتاهم فقال: تزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يهوس؟! وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن؟! وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا قط؟! وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب؟! فقالوا في كل ذلك: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر قليلًا ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فارتج النادي فرحًا، فأنزل الله في شأن الوليد في سورة المدثر مخاطبًا لرسوله -صلى الله عليه وسلم: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} (المدثر: 11 - 26).
4 - لجوء المشركين إلى أسئلة تعجيزية ومطالب غير عقلية:
وطالبت قريش أن يريهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- معجزات أو مزايا ليست عند البشر العاديين، من ذلك قولهم: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا*أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا}، فرد عليهم الله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (يونس: 15).
(1/128)
________________________________________
وقولهم: وقالوا: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا*أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا*أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلا*أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ} (الإسراء: 90 - 93)، ولذا قال لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في الآية نفسها: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} (الإسراء: 93) وسألوه أن يُسيِّر لهم جبال مكة ويقطع لهم الأرض ليزرعوها، ويبعث إليهم من مضى من الآباء الموتى -أمثال قصي- ليسألوه عن صدق محمد -صلى الله عليه وسلم- فرد الله عليهم في قوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} (الرعد: 31).
ولقد كان طلبهم على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدى والرشاد. قال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} (الأنعام: 109 - 111).
وقال سبحانه: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} (الإسراء: 59) وهكذا دأب كفار مكة على توجيه الأسئلة التعجيزية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطلبوا منه أن يحقق لهم أشياء ليست في مقدور البشر، من ذلك أنهم أرسلوا رسلهم إلى أهل الكتاب، يسألون عن مدى علمهم بصدق محمد -صلى الله عليه وسلم- وكيفية كشف مزاعمه.
يقول محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: "بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألوا الأحبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد
(1/129)
________________________________________
جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل مُتَقَوِّل، فتروا فيه أمركم.
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار اليهود أن نسأله عن أمور وأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا، وسألوه عن الأمور التي حددها الأحبار، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((أخبركم غدًا عما سألتم عنه))، ولم يستثنِ، فانصرفوا عنه.
ومكث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمس عشرة ليلة لا ينزل عليه من الله وحي، ولا يأتيه جبريل -عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعَدَنا محمد غدًا، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها، ولم يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وتألم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من انقطاع الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، وبعد خمس عشرة يومًا جاءه جبريل -عليه السلام- من الله -عز وجل- بسورة أصحاب الكهف، وفيها يعاتبه الله على حزنه عليهم، ويخبره عما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطوَّاف، وقول الله -عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء: 85).
فلما أخبرهم بنبأ ما سألوه عنه رجعوا إلى أنفسهم، وعلموا أنه لا طاقة لهم بمواجهة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مواجهة عقلية فكرية، ولذا لجئوا إلى العدوان والإيذاء المادي، ونشر الأكاذيب والمفتريات حول محمد ودعوته".
هذا، وبالله التوفيق.
(1/130)
________________________________________
الدرس: 8 تابع دروس وعبر من مراحل الدعوة إلى الله عز وجل.
(1/131)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن
(تابع دروس وعبر من مراحل الدعوة إلى الله عز وجل)

الهجرة إلى الحبشة، وما يستفاد منها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وبعد:
الهجرة الأولى إلى الحبشة:
كانت بداية الاعتداءات على المسلمين في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة بدأت ضعيفة، ثم لم تزل تشتد يومًا فيومًا، وشهرًا فشهرًا، حتى تفاقمت في أواسط السنة الخامسة، ونبا بهم المقام في مكة، وأخذوا يفكرون في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم، وفي هذه الظروف نزلت سورة الزمر، تشير إلى اتخاذ سبيل الهجرة، وتعلن بأنَّ أرض الله ليست بضيقة، قال -سبحانه وتعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: 10).
ولمَّا رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يصيب أصحابه من البلاء، وما كان ينالهم من التعذيب والإهانة، وأنه لا يقدر أن يمنع عنهم ما يصيبهم، نصح المسلمين بالخروج إلى الحبشة، وفي تلك الظروف الحرجة كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة فرارًا بدينهم من بلاد الفتنة إلى بلاد الأمان.
ومن الثابت أنَّ المسلمين هاجروا إلى الحبشة مرَّتين، وكانت الهجرة الأولى في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وهم أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، خرجوا متسللين سرًّا.
وقد ثبت من طرق صحيحة ما ورد عن أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- وكانت ضمن من هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى؛ حيث قالت: "لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في
(1/133)
________________________________________
منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيها)) فخرجنا إليها أرسالًا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، فأمنا على ديننا ولم نخش منه شيئًا، وكان عثمان بن عفان أوّل من خرج مهاجرًا، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وأورد الإمام البخاري حديثًا بسندٍ موصول إلى أنس قال: ((أبطأ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبرهما، فقدمت امرأة فقالت له: لقد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال -صلى الله عليه وسلم: صحبهما الله)).
إنَّ عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعد لوط -عليه السلام-، وقد سرد ابن إسحاق وغيره أسماء مهاجرة الحبشة، وهم: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وأبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وأبو صبرة بن أبي رهف العامري، وحاطب بن عمرو العامري.
وأمَّا النسوة فهنّ: رقية بنت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسهلة بنت سهل امرأة أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أبي أمية امرأة أبي سلمة، وليلى بنت أبي حثمة امرأة عامر بن ربيعة، وقد عُرِفَت هذه بالهجرة الأولى إلى الحبشة.
الهجرة الثانية إلى الحبشة:
عندما كان المسلمون في الحبشة أُشِيع أن قريشًا قد أسلمت، فرجع ناس منهم: عثمان بن مظعون، فلم يجدوا ما أخبروا به صحيحًا، فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وهي الهجرة الثانية، وقد ذكرت إحدى الروايات الصحيحة أنَّهم كانوا اثنتين وثمانين رجلًا سوى نسائهم وأبنائهم.
(1/134)
________________________________________
وقيل: إن عدة نسائهم كانت ثماني عشرة امرأة، ولا شكَّ في أن دوافع الهجرة الثانية قد شملت اشتداد البلاء، وتعاظم الفتنة، والتعذيب الدائم للمستضعفين من المسلمين، والعدوان المستمر على أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم.
مكيدة قريش بمهاجري الحبشة:
عزَّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنًا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين جَلَدَين لبيبين، وهما عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، قبل أن يُسلما، وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته، وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة، وزوَّداهم بالحجج التي يُطرَد بها أولئك المسلمون، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم، حضرا إلى النجاشي وقدَّمَا له الهدايا، ثم كلماه وقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم؛ من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم؛ لتردهم إليهم، فقالت البطارقة: صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهم، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم.
ولكن رأى النجاشي أنه لا بُدَّ من تمحيص القضية وسماع أطرافها جميعًا، فأرسل إلى المسلمين ودعاهم فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائنًا ما كان، فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم، ولم تدخلوا به في ديني، ولا دين أحد من هذه الملل؟ قال جعفر بن أبي طالب، وكان هو المتحدث عن المسلمين: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منَّا، نعرف نسبه وصدقه
(1/135)
________________________________________
وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، فأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فعدّد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنّا به، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرَّمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحلَّ ما كنّا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألّا نظلم عندك أيها الملك.
وبذلك يكون جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- قد وضع ملخصًا عامًّا للإسلام والدعوة إليه بين يدي ملك الحبشة ومن حوله، فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ، فقرأ عليه صدرًا من {كهيعص} فبكى والله النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال لهم النجاشي: إنَّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلّمهم إليكما، ولا يكادون، يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه، فخرجا، فلمَّا خرجا قال عمرو بن العاص لعبد الله بن أبي ربيعة: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، ولكن أصرَّ عمرو على رأيه، فلما كان الغد قال للنجاشي: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا،
(1/136)
________________________________________
فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح، ففزعوا، ولكن أجمعوا على الصدق كائنًا ما كان، فلمَّا دخلوا عليه وسألهم قال له جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا -صلى الله عليه وسلم: هو عبد الله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فأخذ النجاشي عودًا من الأرض، ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته، فقال: وإن نخرتم والله! ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم شيومٌ بأرضي، والشيوم: الآمنون بلسان الحبشة، مَنْ سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرًا من ذهب وأني آذيت رجلًا منكم، والدبر الجبل بلسان الحبشة.
ثم قال لحاشيته: ردوا إليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله منّا الرشوة حين ردَّ علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، قالت أم سلمة -التي تروي هذه القصة: فخرجا من عنده مقبوحين، عليهما ما جاء به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.
ما يستفاد من الهجرة إلى الحبشة:
أولًا: يذكر الحديث سببًا للهجرة إلى الحبشة، وهو قول الرسول -صلى الله عليه وسلم: ((إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا))، وهذا لا يعني أن هذا هو السبب الوحيد، والباعث الوحيد على الهجرة إلى الحبشة.
ونرى أن هناك سببًا آخر للهجرة، هو البحث عن محضنٍ آمن للدعوة الإسلامية، وإقليم للدولة الإسلامية، وقد ثبت أنَّ مكة لا تصلح أن تكون ذلك المحضن، ولا ذلك الإقليم لدولة الإسلام، وأن يقوم بدراسة الحبشة دراسة ميدانية،
(1/137)
________________________________________
ومدى صلاحيتها لمن هاجر إليها من المسلمين، والذي دفعنا لاستخلاص هذا الباعث، أنّ الذين أرسلهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الحبشة كانت لهم منعة وقوة في قومهم، ولم يكونوا من الفقراء والعبيد المستضعفين، بل كانوا من أشراف قومهم، وكانوا ذوي رأي حصيف وخبرة بالناس؛ كعثمان بن عفان وامرأته، وأبي حذيفة بن عتبة وامرأته، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سلمة وزوجه أم سلمة، وعثمان بن مظعون.
وكان من أهداف هذه الهجرة شرح قضية الإسلام، وموقف قريش منه، وإقناع الرأي العام بعدالة قضية المسلمين، على نحو ما تفعله الدول الحديثة من تحرُّك سياسي بشرح قضاياها وكسب الرأي العام إلى جوارها.
ثانيًا: إنَّ القائد دائم التفكير في أمر جماعته وأتباعه، فهو يبحث لهم عن مكان آمنٍ يأمنون فيه على دينهم، وعلى أنفسهم، وعلى ممارستهم لشعائر هذا الدين، وسائر أنواع العلاقات مع الله ومع الناس، والرسول -صلى الله عليه وسلم- القائد والرائد، هداه الله إلى اختيار الحبشة؛ ليأمن أتباعه على أنفسهم.
ثالثًًا: الدين أهم شيء في حياة المسلم، فهو أغلى من النفس والمال والأهل والولد والعشيرة والأقارب والقوم، وإذا اقتضت سلامة الدين مفارقة الأوطان والأولاد والأهل والقبيلة فليكن، وإن كانت هذه الأمور صعبة وشاقّة على النفس، إنَّ الغربة وهجرة الأوطان وَقْعُها على النفس أليم، وهكذا صمّم المهاجرون إلى الحبشة على هجرة الأوطان والإخوان والأقارب في سبيل الحفاظ على دينهم.
رابعًا: جواز الهجرة إلى بلد غير إسلامي، والحياة فيه حتى يأتي الله -عز وجل- بالفرج والنصر، فإنَّ الحبشة كمكة ليست دار إسلام آنذاك، فهما دار كفر، إلّا أنَّ مكة
(1/138)
________________________________________
دار كفر معادية للإسلام والمسلمين، والمسلم ليس آمنًا على دينه وعلى نفسه وماله، والحق أنّ المسلمين قد استفادوا من جوِّ الحرية العقدية المتاح في الحبشة، والذي لم يتوفّر في مكة، فعاشوا فيها آمنين على دينهم وأنفسهم.
ونجد من الواجب علينا هنا أن نستدرك فنقول: إنَّ الحياة في أيّ بلد غير إسلامي توفر الأمن فيه للدعاة يجب أن يكون بعيدًا عن التنازل عن أي شيء من هذا الدين، سواء كان عقيدة أو شريعة، وهذا ما وقفه المهاجرون بقيادة جعفر حينما سئلوا عن عقيدتهم في عيسى.
خامسًا: السرية والسرعة في الحركة وسيلة النجاح في مهمة الهجرة إلى الحبشة:
لقد خرج المهاجرون أفواجًا أفواجًا، ولم يخرجوا جميعًا في وقت واحد، وتجمَّعت هذه الأفواج حتى بلغت ثلاثة وثمانين رجلًا وتسع عشرة امرأة، ولقد تسلّل هؤلاء في الخفاء على شكل أفواج، فوجًا بعد فوج، حتى لا تشعر قريش بهم، وتسمع بخبرهم، فتهب لمنعهم من الهجرة، وتستمر في فتنتهم، وتزداد في تعذيبهم، ويوم أن علمت قريش متأخرة بخروج الفوج الأوّل إلى الحبشة سارعت إلى البحر لتمنعهم، وإذا هم قد ركبوا السفينة، وأخذت تبحر بهم في عباب البحر، فرجعوا خاسرين.
سادسًا: البطارقة قوم مرتشون، كان هذا شائعًا عند المشركين وعند غيرهم، ولقد سجّل القرآن هذه الصفة الذميمة لهم بقوله: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} (التوبة: 34) وهذه الصفة يخبرك بها أيضًا أحداث هذه الهجرة؛ إذ حمل عمرو بن العاص وزميله هدايا إلى البطارقة؛ كرشوة لهم حتى يؤيدوهم عند النجاشي فيما يريدون من إعادة المهاجرين إلى مكة، وقد نجح في التأثير عليهم بذلك، فوقف البطارقة يؤيدون طلب عمرو بن العاص وزميله في إعادة المهاجرين من الحبشة إلى مكة.
(1/139)
________________________________________
سابعًا: منطق معكوس:
إذا فسد الناس وفسدت القيم نجد أنَّ المعروف يصبح منكرًا، والمنكر يصبح معروفًا، ويؤمَّن الخائن ويخوّن الأمين، ويحكم الرويبضة، وهو الرجل التافه الحقير، يتكلم في شئون العامّة، لقد وقف عمرو بن العاص يصف هؤلاء المؤمنين الأتقياء الأنقياء بالسفهاء، وأنّهم فتية صغار أغرار، يوجههم طيشهم وضعف عقلهم وفهمهم، أمّا الذين يعبدون الأصنام الحجرية أو البشرية فهؤلاء أصحاب عقول كبيرة، وتصرفات سليمة مليئة بالحكمة، تأمّل قول عمرو: أنَّ فتية منا سفهاء، فارقوا دين قومهم، ووالله الذي لا إله إلا هو إنَّ السفيه هو الذي يرغب عن ملة الإسلام، وعبد الطاغوت وسجد للأوثان والأصنام، قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (البقرة: 130).
ثامنًا: لقد كان هدف قريش من إرسال سفيريها إلى الحبشة وملكها وبطارقتها هو إعادة المهاجرين بدينهم إلى أعتى قلاع الشرك، وفاتنة أهل الإيمان مكة، وقد كان أسلوب عمرو بن العاص في استجلاب البطارقة، وأسلوبه في التحريض على المسلمين، يخدم هدفه ويتناسب تمام التناسب مع الهدف الخبيث، فجاء بأسلوب ذكي، فيه من الغمز والتحريض ما يثير التعاطف ضد المسلمين، تأمَّل عبارته: إن فتية منَّا سفهاء، فارقوا أقوامهم في دينهم، ولم يدخلوا في دينكم، ومع هذا جاءوا لاجئين إلى الملك، يعيشون في حمايته، ويخالفوا دينه.
تاسعًا: يحرم السجود لغير الله من بشر أو شجر أو حجر:
هذا ما نطق به جعفر وتعلّمه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فالسجود عبادة تدل على التذلل والخشوع والانكسار، وهذه العبادة لا تكون إلّا لله -سبحانه وتعالى، وينبغي ألّا تكون
(1/140)
________________________________________
لغير الله، وإن كان ملكًا من الملوك، أو عظيمًا من العظماء، أمّا جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- يعلمنا العلم والعمل به، فإنه قد يعلم كثير من الناس أحكامًا شرعية، ولكنّهم عند العمل ينكصون على أعقابهم، بل إنهم يعملون نقيض ما تعلموه من أحكام، فإنَّ هيبة الملك ورهبة الأحوال وصعوبة الظروف وحساسيتها لم تؤثّر على جعفر وعلى من معه، فلم يسجدوا، وقد رأوا الناس يسجدون، ولم يجدوا حرجًا وقد عاينهم الملك الذي سيقبل بإقامتهم عنده أو يرفضها، ويرجعهم إلى العذاب والفتنة حين قال: ما لكم لا تحيوني كما يحيوني من أتانا من قومكم؟ فقال جعفر: إننا لا نسجد إلا لله.
أقول: جدير بالذين يطأطئون هاماتهم لطواغيت الأرض وقد أغناهم الله عنهم، ويا ليت هؤلاء يطَّلعون على سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسيرة أصحابه في هذا الشأن، يا ليتهم يطلعون على موقف جعفر يقود المهاجرين إلى الحبشة، وهو يرفض أن يسجد للملك، ويقول له دون تلجلج: إننا لا نسجد إلا لله، إنه الإسلام العزيز الذي يهب أصحابه وأتباعه العزة والمنعة والاستعلاء.
عاشرًا: سمات المجتمع الجاهلي:
قد حدثنا عن صفات المجتمع الجاهلي وسماته من اكتوى بنار جاهليته، وعاش فيها أعوامًا من حياته، إنه جعفر بن أبي طالب، فأبوه زعيم مكة، وبنو هاشم أهل الريادة والقيادة والرئاسة فيها، لقد عانى منها في مكة، وعانى منها بعد خروجه من مكة، وحياته في بلاء الغربة، فجاهلية قريش وكل جاهلية تقوم على الشرك وعبادة الأوثان، وإنّ الضد بعكسه تتميز الأشياء، فذكر الإسلام وخصائصه، وتأثيره في نفوس متبعيه؛ من تحرير من الشرك، وتأليه غير الله، وتحريم الزنا، وخطر سفك الدماء، وحرمة أكل الميتة، وحرمة اعتداء القوي
(1/141)
________________________________________
على الضعيف، لقد كانت استجابة من عنده عقل يميز الأشياء ويفرّق بين الحسنات والسيئات.
حادي عشر: الثقة المطلقة بالقائد:
لقد أخبر جعفر بأنَّ هذا الرسول موثوق عند قومه مؤمنهم وكافرهم، صادق لا يعرف الكذب إلى لسانه سبيلا، ولا إلى قلبه دليلًا، ومن كانت هذه صفاته جدير بأن يصدَّق وأن يتَّبع، وأن يطاع، فصدّقوه وآمنوا بما جاء به من دعوة إلى مكارم الأخلاق وكفٍّ عن شرورها.
ثاني عشر: الابتلاء في هذا الدين سنة لا تتوقف ولا تتخلف:
لقد أخبر جعفر عن هذه السنَّة، وأن الابتلاء لحق هؤلاء المؤمنين في مكة، وكان ابتلاء بالضرّاء، بالأذى، بحرق الأجسام، بخنق الدعاة، بتعذيبهم بوسائل يعجز عنها شياطين الجن، والموقف من هذا الابتلاء الثبات على المبدأ، والصبر على هذا الدين، حتى يأتي الله بالفرج والنصر والتمكين.
ثالث عشر: أسلوب جعفر في عرض قضيته -قضية المسلمين المهاجرين- كان أسلوبًا موفَّقًا ومؤثرًا وصادقًا، وجادًّا ومتميزًا، مما جعل النجاشي يتأثر بقوله، ويطلب أن يسمعه شيئًا من هذا القرآن الذي دعا إلى ما دعا إليه؛ من محاربة الرذائل، والإقبال على الفضائل، لقد بدأ يذكر قبائح الجاهلية التي تحاربها الفطرة السوية، ثم ذكر موقف الإسلام من القبائح، رفضها وتغييرها، والتزامهم بالتغيير، مما ترتَّب عليه الاضطهاد، فكان حسن التأني للأمور وجودة الأسلوب دافعًا للملك أن يتعاطف معهم، وأن يوفّر لهم في بلده الأمن والأمان.
(1/142)
________________________________________
أمَّا البطارقة فإنهم لم يتأثروا؛ لأنهم لا إيمان لهم، وقلوبهم مشغولة بالدنيا، ويبيعون أنفسهم ودينهم وأمانتِهم بهدية من مشرك أو كافر كما علمت.
رابع عشر: إننا نحسب بل نجزم أنَّ النجاشي الذي أسلم، هو هذا النجاشي الذي أعلن تأييده لما قال جعفر في عيسى -عليه السلام؛ إذ نفى عنه صفة الألوهية، ووصفه بالعبودية لله، في حين أن البطارقة غضبوا من وصفه، وأنكروا عليه ذلك.
لقد قال لجعفر ولهم حين سمع عقيدة المسلمين في عيسى -عليه السلام: أنَّ مصدر عقيدة المسلمين وغيرهم في الله، قبل التحريف واحدة: إنها عقيدة التوحيد، المحاربة للشرك، فالله غني عن الولد والوالد والزوجة، والذي يقول هذا كافر في دين الله.
وأمّام ضغط البطارقة والدولة لهم فيها نفوذ كبير، كتم النجاشي إيمانه بالله وتوحيده وعبادته، وترك أوضار الشرك وعقيدة التثليث، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان عالمًا بحقيقة إيمان الرجل فنعاه، وبعد موته صلى عليه صلاة الجنازة.
خامس عشر: الحبشة لا تصلح أن تكون محضنًا للدعوة الإسلامية، وإقليمًا للدولة الإسلامية: لقد تبيّن من الدراسة الميدانية أنَّ الحبشة لا تصلح لتكون إقليم الدولة الإسلامية المرتقبة لعدة أسباب هي:
1 - النظام الحاكم في الحبشة نظام ملكي ضعيف وغير مستقر، وبخاصَّة بين النجاشي الحاكم وبين مخالفيه من أسرته الحاكمة، الذين ينازعونه الملك، وقد وصل هذا النزاع إلى حدِّ القتال، ولقد عانى المسلمون من هذه الحالة القلق والاضطراب، وكانت ساعات حرجة؛ لأنها تقرر مصيرهم.
2 - إنَّ الملك -وإن كان حاكمًا على الحبشة- لم يكن قد بسط نفوذه على الناس، ولم يكن ليجرأ على إعلان عقيدته وإيمانه، بل كان ينكر ذلك
(1/143)
________________________________________
بلسانه حينما يسأل عن ذلك، ولم يعلم المسلمون بإسلامه في المدينة إلّا يوم موته، عن طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين نعاه إلى المسلمين، وصلى عليه صلاة الجنازة.
إنَّ حاكمًا لم يجرؤ على إعلان عقيدته أمام شعبه لا يصلح هو أن يحوّل هذا البلد إلى إقليم للدولة الإسلامية، ولا محضنًا للدعوة الإسلامية، يسيّر الجيوش لخدمتها ونشرها، والمحافظة على دعاتها.
3 - إنّ للبطارقة نفوذًا ملموسًا في الدولة، وهذا النفوذ يعادي الإسلام ويعادي التوحيد، بل هو متضامن كما علمت مع المشركين.

مرحلة ما بعد وفاة أبي طالب والسيدة خديجة، والرحلة إلى الطائف
مرحلة ما بعد وفاة عمه أبي طالب والسيدة خديجة، وما تبع ذلك من مزيد من الاضطهاد للدعوة:
لقد قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنوات من الجهاد والصبر والثبات على المبدأ في مكة، لم تلن له قناة، ولم تلن له عريكة، يدعو إلى الله على بصيرة، وكان يؤازره في هذه الفترة عمه أبو طالب، فقد وقف بجانبه، يدافع عنه، ويصد عنه كل عدوان، ويشاركه في تحمل الأذى من المشركين في مكة.
وقد علمتَ في خبر المقاطعة كيف انضمَّ أبو طالب وبنو هاشم مؤمنهم وكافرهم إلى شِعب أبي طالب مع الرسول -صلى الله عليه وسلم، ومع المؤمنين ثلاث سنوات، يتحملون شظف العيش وقسوته، وقد تعاهدت قريش على مقاطعتهم جميعًا، حتى جاعوا جوعًا شديدًا، فأكلوا أوراق الشجر، وتقرحت أشداقهم، وكان أبو
(1/144)
________________________________________
طالب يخشى على الرسول -صلى الله عليه وسلم- من القتل، فكان يخفي مكان نومه كل ليلة، ويحرسه هو وأقرباؤه.
لقد مرِضَ أبو طالب في العام العاشر من البعثة، وشعر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدنوّ أجل أبي طالب، وحاول جاهدًا أن يدخل أبو طالب الإسلام، فدعاه إلى الإيمان بالله، وأن يشهد شهادة الحق وشهادة التوحيد؛ حتى يشفع له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ربه بها، وألحّ عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مرض موته، فأبى استكبارًا وحمية جاهلية، خشية أن يعيّر بأنه ترك دين آبائه وأجداده، واتبع دين الحق والاستقامة والخير، ومات على الكفر، فكان حطبًا لنار جهنم، وكان في ضحضاح من النار.
بهذا جاءت الأخبار الصحيحة، فقد روى الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه بإسناده، عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب لمَّا حضرته الوفاة، دخل عليه النبي -صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل، فقال: ((أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله)) فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنه))، فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة: 113)، ونزلت: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} (القصص: 56).
مما يجدر ذكره أنَّ أبا طالب ظلَّ يحامي ويدافع عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى وفاته، ومع ذلك كله فقد علمت أنَّ الوحي أخبر بمصيره النار وبئس المصير، فقد روى البخاري -رحمه الله- في صحيحه، بإسناده إلى العباس بن عبد المطلب، أخي أبي طالب، أنه قال للرسول -صلى الله عليه وسلم: ((ما أغنيت عن عمك، فوالله كان يحوطك ويغضب لك، قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)).
(1/145)
________________________________________
وبعد موت أبي طالب بقليل من الأيام توفّيت زوج الرسول -صلى الله عليه وسلم- خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها، أم المؤمنين، وسيدة نساء أهل الجنة في الجنة، وقد وقفت بجانب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وآمنت برسالته، بل هي أول من آمن من الناس بهذا الدين، وشدت من روْع رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وواسته بمالها ورجاحة عقلها، تخفف ما يجد من عنت المشركين، وتهدئ من روعه، وهي تقول له وقد أخبرها أنه خائف على نفسه: "كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر".
لقد حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- على فراق عمه أبي طالب؛ لما علمت من دفاعه عنه إذا اشتدت قريش في إيذائه، حتى قال: ((ما نالت قريش مني شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب))، وحزن أيضًا في هذا العام حزنًا شديدًا لموت زوجه خديجة؛ حتى سمى هذا العام بعام الحزن، وكان ذلك في العام العاشر من البعثة.
لقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثير الذكر لها بعد موتها، يثني عليها، ويستغفر لها، حتى كان ذلك يؤجّج نار الغيرة في قلب عائشة -رضي الله عنها-، قالت عائشة -رضي الله عنها-: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ذكر خديجة، لم يكد يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها يومًا، فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوّضك الله عن كبيرة السن، قالت: فرأيته غضب غضبًا، سقطت في خلدي البال والقلب والنظرة وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء، فلمّا رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لقيت قال: كيف قلت؟! والله لقد آمنت بي إذ كذَّبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورُزقت منها الولد وحرمتموه مني)).
إن مما لا شك فيه أنَّ موت أبي طالب كان محزنًا للنبي -صلى الله عليه وسلم، وكان أشد حزنًا له موت زوجه خديجة -رضي الله عنها؛ لما قدّمه أبو طالب وقدمته خديجة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم،
(1/146)
________________________________________
أمَّا أبو طالب فقد حدثتنا كتب السيرة والسنة عن جهوده لنصرة الرسول -صلى الله عليه وسلم، منها: ما قاله ابن إسحاق: وكان له عضدًا وحرزًا في أمره، ومنعة وناصرًا على قومه. وأمَّا خديجة -رضي الله عنها- فقد كانت له وزير صدق على الإسلام، يشكو إليها وتخفف مصابه، وتسري عنه، وهذا الحزن له أسباب أخرى، وهو ما تَبِع موتها من طمع الأعداء في إيذاء الرسول -صلى الله عليه وسلم، وضعف الاستجابة له ولدعوته في هذه الفترة، التي تلت الوفاة، بل لقد سُدّت السبل في وجهه في مكة وفي خارج مكة، وهذا ولا شك يحزنه حزنًا شديدًا.
لقد امتدت أيدي السفهاء لتخنقه وهو يصلي في ظل الكعبة، وقام سفيه آخر بنثر التراب على رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم دخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إحدى بناته، فجعلت تغسل التراب وهي تبكي، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لها: ((لا تبكِ يا بنية، فإن الله مانع أباك)).
هذا الصدّ والأذى كان في مكة، وكان في الطائف، وكان في كل مكان يذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليه ليبلّغ دعوة ربه -عز وجل-، ويطلب النصرة، وقد كان من ثقيف من الصدِّ والأذى ما هو أشد على نفس النبي -صلى الله عليه وسلم.
إنَّ الأحداث التي جرت بعد الوفاة كان لها أثر أشدّ على نفس النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأحزنته حزنًا شديدًا، وقد نزلت سورة هود بعد عام الحزن بقليلٍ، تواسي الرسول -صلى الله عليه وسلم- عمّا أصابه، وعمَّا واجهه من غطرسة القريب والبعيد، وتحدد رسالته ومهمته بالنذارة والإنذار، قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (هود: 12).
لقد وضَّحت الآية الضيق النفسي الذي كان يجده في هذه الفترة من مضايقة هؤلاء الكفار.
(1/147)
________________________________________
رحلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف:
تروي كتب السنة والسيرة أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن ماتت زوجته، ومات عمه أبو طالب، الذي كان يدافع عنه وهو على شركه وكفره، ازدادت قريش في إيذاء الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والتضييق عليه، فتوجّه نحو الطائف؛ حيث تقيم قبيلة ثقيف؛ لعله يجد فيها القبول لدعوته، والنصرة له لتبليغ رسالة ربه، لقد وصل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف، والتقى سادة ثقيف، وهم ثلاثة إخوة، فجلس إليهم، ودعاهم إلى الله، وكلمهم في نصرة الإسلام، والقيام معه على من خالفه، فردوا عليه ردًّا قبيحًا، بين ساخر منه ومتهكم عليه، وبين مكذّب له وممتنع عن كلامه؛ إذ قال أحدهم: هو يمرط ستار الكعبة إن كان أرسله الله رسولًا. وقال الثاني: أما وجد الله أحدًا أرسله غيرك. وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا لئن كنت رسولًا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك.
ومكثَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ثقيف يبلّغ رسالة ربه، فما آمن معه أحد على المستوى الشعبي والمستوى الرسمي، فأراد أن يعود إلى مكة، وطلب منهم أن يكتموا خبره عن قريش؛ حتى لا يشمتوا به، ولا يتجرءوا على إيذائه، ففعلوا عكس ما طلب منهم، وأمعنوا في إيذائه، فأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وقعد له أهل الطائف صفين على طريقه، فلمَّا مرَّ جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعها إلّا رضخوها بالحجارة حتى أدموه، فخلص منهم وهما يسيلان بالدماء.
هذا، وبالله التوفيق.
(1/148)
________________________________________
الدرس: 9 دروس في فقه الدعوة من خلال الهجرة إلى المدينة.
(1/149)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع
(دروس في فقه الدعوة من خلال الهجرة إلى المدينة)

المسلمون يبدءون الهجرة إلى المدينة بعد بيعة العقبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين ورحمة الله للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن استنّ بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
المسلمون يبدءون الهجرة إلى المدينة:
بعد بيعة العقبة الثانية أخذ المسلمون يهاجرون من مكة إلى المدينة، وظلَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ينتظر الإذن من ربه، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أراه الله دار هجرته وهي المدينة.
روى الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه، بإسناده إلى عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابّتين، وهما الحرّتان)) والحرة أرض ذات حجارة سود كأنها قد احترقت.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((لمَّا صدر السبعون عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طابت نفسه، وقد جعل الله له منعة وقومًا، أهل حرب وعدة ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين؛ لما يعلمون من الخروج، فضيّقوا على أصحابه، وتعبّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فاستأذنوه في الهجرة، فقال: قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابّتين. ثم خرج إليهم مسرورًا وحدّد لهم مكان الهجرة، فقال: يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها، فجعل القوم يتجهّزون ويترافقون ويتواسون ويخرجون، ويخفون ذلك)).
هجرة عمر كانت علنًا، وهجرة غيره كانت سرًّا، كان المسلمون يهاجرون سرًّا؛ لأن قريشًا كانت تمنع كل من يريد الهجرة بالقوة وتؤذيه، أمّا عمر فقد أعلن أنه سيهاجر، وحدّد موعد هجرته متحديًا، فقد روى ابن عساكر وابن السمان في (الموافقة)، عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "ما علمت أحدًا من المهاجرين
(1/151)
________________________________________
هاجر إلا مختفيًا، إلّا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فإنه لمَّا همَّ بالهجرة تقلّد سيفه، وتنكّب قوسه، وأنفض بدنه -أي: أخرج أسهمًا من كنانته- وجعلها في يديه معدّة للرمي بها، واختصر عنزته، أي: حملها مضمومة إلى خاصرته، ومضى قِبَل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أتى المقام فصلّى ركعتين، ثم وقف على الحلق، واحدة واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلّا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه، أو ييتم ولده، أو ترمّل زوجته، فليتبعني وراء هذا الوادي، فما تبعه أحد".
وقفة تأمل:
إنَّ القارئ لأحداث الهجرة يجد أنَّ الجميع وفي مقدمتهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد هاجروا سرًّا وخفية عن قريش، أمّا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقد هاجر علانية، فماذا نستفيد من هذا؟
أقول: إنّ عمر بن الخطاب لم يكن أشجع المسلمين، بل كان من بينهم، فمن هو أشجع منه، بل إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يدانيه عمر في الشجاعة، كما علمنا من سيرته -صلى الله عليه وسلم- في الحرب؛ إذ كان أقرب المسلمين المقاتلين في ميدان المعركة إلى العدو، وكان إذا اشتدت الحرب وحَمِي الوطيس اتقى الصحابة -رضوان الله عليهم- بما فيهم علي بن أبي طالب برسول الله -صلى الله عليه وسلم.
والحكمة من هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- سرًّا تعود إلى أنَّ تصرفه يعدُّ تشريعًا عامًّا لجميع المسلمين، بخلاف اجتهاد عمر في هجرته، والرسول مطلوب منه التيسير على المسلمين، وهجرته علنًا وحمل المسلمين على الاقتداء به فيه حرج شديد لهم، وتكليف لهم بما يشقّ عليهم، والله -تبارك وتعالى- جعل أساس التكليف نفي
(1/152)
________________________________________
الحرج، فقال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78) وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185) فالحيطة والحذر، والأخذ بالأسباب، والتخفي من العدو، أمور مشروعة ومستحبة، أخذ بها الرسول -صلى الله عليه وسلم، وعمر لم يأخذ بها، والاقتداء بالرسول في هذه الأمور مطلوب، وعدم الحيطة والحذر مرفوض في الشرع على عمومه.
ويمكننا أيضًا أن نستخلص من فعل عمر في الهجرة على النحوِّ الذي هاجر فيه، وإقرار الرسول -صلى الله عليه وسلم- له، وعدم إنكاره عليه هجرته على هذه الصورة، جواز أن يتحدّى الفرد العدو الكثير من المشركين، معتزًّا بإيمانه وإسلامه.
هذا ولقد ترك الرسول -صلى الله عليه وسلم- أسلوب الهجرة وطريقها إلى المسلمين، فاتخذوا أسلوب السرّية، وهو ينسجم مع طبيعة المرحلة الدعوية، وشعارها: سرّية التنظيم، فالحركة كانت سرّية، وكان المشركون يفتنون من هاجر ويمنعونه ويؤذونه، أمّا عمر فقد خرج مهاجرًا علنًا يتحمّل مسئولية إعلانه، ووفقه الله لإرهاب عدوه، وقد استأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهجرته، فأذن له.
أجواء مكة بعد رحيل المسلمين منها:
ذكر البخاري أن أوّل من هاجر إلى المدينة مصعب بن عمير، وعبد الله بن أم مكتوم، وذكر ابن إسحاق وابن سعد أنّ أول من هاجر هو أبو سلمة بن عبد الأسد، وجزم بذلك موسى بن عقبة، وقد جمع الحافظ بن حجر بين ما ذكره البخاري وأصحاب السير، بحمل الأوّليّة على صفة خاصة، هي أنّ أبا سلمة خرج لها لقصد الإقامة بالمدينة، بخلاف مصعب، فكان عليه نية الإقامة بها؛ ليعلّم من أسلم من أهلها، فلكلٍّ أولية من جهة.
(1/153)
________________________________________
قال ابن إسحاق عن هجرة أبي سلمة: هاجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة، وكان قدِم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة من أرض الحبشة، فلمّا آذته قريش، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة مهاجرًا.
محنة أبي سلمة:
عن أمّ سلمة قالت: لمَّا أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رحّل لي بعيري، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة في حجري، ثم خرج بي، فلمّا رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه، على ما نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فأخذوني منه، قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، فقالوا: لا والله، لا نترك ابنتنا عندها، فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي إلى المدينة، ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنت أخرج كل غداة، فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبًا منها، حتى مرَّ بي رجل من بني عمي، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا ترحموا هذه المسكينة؟ فرّقتم بينها وبين زوجها وابنها، فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إلي ابني، ثم خرجت أريد زوجي، وما معي أحد من خلق الله، قالت: أتبلّغ ممن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلى أين يا بنت أمية، قلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أوَما معك أحد؟ فقلت: لا والله، إلا الله وابني هذا، قال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلًا من العرب كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت فحط عن
(1/154)
________________________________________
البعير، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى عنّي إلى شجرة فاضطجّع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلي بعيري فقدّمه، فرحّله ثم استأخر عني، وقال: اركبي، حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها نازلًا، فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة، فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبًا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة.
وعندما أراد صهيب الهجرة، قال له المشركون: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلون سبيلي؟ قال: فإني جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ربح صهيب)).
استئذان أبي بكر الرسول -صلى الله عليه وسلم في الهجرة، وتآمر قريش على قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
فكّر الصديق -رضي الله عنه- في الهجرة، وعندما أراد أن يهاجر طلب منه الرسول -صلى الله عليه وسلم- الانتظار؛ ليصحبه في هجرته عندما يؤذَن له بذلك، فأخذ الصديق في الاستعداد لهذه الهجرة، فاشترى راحلتين، وظلّ يعلفهما لمدة أربعة أشهر.
وقد روى الحاكم أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لجبريل -عليه السلام-: ((من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق))، وفي بعض الروايات أنَّ أبا بكر كثيرًا ما يستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة، فيقول له: ((لا تعجل، لعلّ الله يجعل لك صاحبًا)) فيطمع أبو بكر أن يكون هذا الصاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
عندما علم المشركون بما تمَّ في بيعة العقبة الثانية، وعندما رأوا المسلمين يهاجرون إلى المدينة، شعروا بالخطر من تجمُّع المسلمين بالمدينة، وخرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- إليهم،
(1/155)
________________________________________
فبدءوا يفكّرون في القضاء على هذا الخطر المحتمل المتمثّل في تهديد تجارتهم، وتنامِي قوة الإسلام الذي وقفوا أمامه طوال ثلاث عشرة سنة.
وفي يوم الخميس السادس والعشرين من شهر صفر، السنة الرابعة عشرة من النبوة، الموافق للثاني عشر من سبتمبر عام ستمائة واثنين وعشرين لميلاد المسيح -عليه السلام، بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة الكبرى، عقد زعماء قريش اجتماعًا خطيرًا في دار الندوة؛ ليتشاوروا في أنجح الوسائل للتخلُّص من الرسول -صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30).
وقد أجمل القرآن الكريم في هذه الآية الآراء التي طُرِحَت في هذا الاجتماع الخطير.
وفي رواية عن ابن عباس: ٍ أنّهم عندما اجتمعوا في دار الندوة للتشاور في أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم، جاءهم إبليس على هيئة شيخ جليل من أهل نجد، فقالوا: من الشيخ؟ قال: من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألّا يعدمكم رأيًا ونصحًا، وعندما دارت المناقشات اقترح أحد المؤتمرين أن يحبسوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه -كما تقولون- ليخرجن أمره من وراء الباب، هذا الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوكم على أمركم.
ثم اقترح أحدهم أن ينفوه، فدحض النجدي الاقتراح، مبينًا حسن حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ومنطقه، وأسره القلوب، سيجذب الناس إليه، ويغلب بهم قريشًا، وأخيرًا اقترح أبو جهل أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابًّا فتيًّا وسطًا
(1/156)
________________________________________
فيهم، ويعطَى كل واحد منهم سيفًا صارمًا، فيضربون جميعًا بأسيافهم محمدًا ضربة رجل واحد؛ ليتفرق دمه بين القبائل، ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فيرضوا بالدية، وأيّد النجدي هذا الاقتراح، ووافق عليه الجميع، وتفرقوا على ذلك، ولم يبق إلّا التنفيذ، وعلّل السهيلي حضور إبليس على هيئة رجل من نجد أنهم قالوا بأنَّ اجتماعهم لا يحضره أحد من تهامة؛ لأن هواهم مع محمد -صلى الله عليه وسلم.

الإعداد والتخطيط للهجرة، والدروس المستفادة منها
الإعداد والتخطيط للهجرة:
الإذن بالهجرة والتخطيط لها، وتجمُّع قريش حول بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقتله والخروج من بيت الصديق إلى غار ثور:
لمّا تمَّ اتخاذ القرار الغاشم بقتل النبي -صلى الله عليه وسلم، نزل إليه جبريل بوحي ربه تعالى، وأخبره بمؤامرة قريش، وأنَّ الله قد أذن له في الخروج، وحدّد له وقت الهجرة قائلًا: ((لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه))، وذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الهاجرة إلى أبي بكر الصديق، ليتفق معه على خطة الهجرة.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلّا أمر، قالت: فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فاستأذن فأذِنَ له فدخل، فتأخّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما جاء بك إلّا أمر حدث، فقال رسول
(1/157)
________________________________________
الله -صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: لا عين عليك، إنما هما ابنتاي، وفي لفظ: أهلك، فقال: إن الله قد أذن في الخروج والهجرة. فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: نعم، قالت عائشة: فوالله ما أنّ أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.
وفي هذا اللقاء تمَّ الاتفاق على خُطَّة الخروج من مكة، وعاد إلى بيته -صلى الله عليه وسلم، غادر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيته في ليلة سبع وعشرين من شهر صفر، سنة أربعة عشرة من النبوة، الموافق الثاني عشر والثالث عشر من سبتمبر سنة ستمائة واثنين وعشرين من الميلاد.
وأتى دار الصديق، ومنها خرَج إلى الغار، وتقدَّم معنا أنَّ الصديق قد جهَّز راحلتين منذ فترة لهذه الساعة، ساعة ميلاد الدولة الإسلامية، فقال الصديق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((خذ إحدى راحلتي هاتين، فقال -صلى الله عليه وسلم: بالثمن، لا أركب بعيرًا ليس لي، قال: هو لك، قال: ولكن بالثمن، قال: أخذتها بكذا وكذا، فقال: أخذتها بذلك))، وقيل: بأنّ هذه الراحلة هي الجدعاء، وكان الثمن ثمانمائة درهم، قالت عائشة: فحهزناها أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فشقّت أسماء بنت الصديق قطعة من نطاقها لتربط به القربة، وقد عرفت بذات النطاقين.
وروي أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن لها نطاقين في الجنة)) واستأجرا رجلًا ماهرًا بالطريق، وواعداه بعد ثلاث في الغار، وقد أمناه وهو على كفره، وقد أسلم بعد ذلك، واسمه عبد الله بن أريقط، وخرج الصديق بجميع ماله، وكان خمسة آلاف درهم؛ لينفقه في سبيل الله، كما أنفق أكثر من خمسة وثلاثين ألفًا قبل ذلك في سبيل الله، وقد خرجا من بابٍ خلفيّ في بيت الصديق، متنكرين، وفي
(1/158)
________________________________________
طريقهما إلى الغار ودّع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة التي أحبها، مكة التي وُلِد فيها وترعرع، فقال: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجتُ منك لما خرجت)).
وفي رواية أخرى: ((ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)).
وفي طريقهما إلى الغار، كان الصديق يمشي أمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحيانًا، وأحيانًا خلفه، فسأله -صلى الله عليه وسلم- عن السبب، فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي أمامك، وعندما انتهيا إلى الغار، قال أبو بكر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: مكانك حتى أستبرئ لك الغار، وبعدما تأكّد من خلوِّ الغار قال: انزل يا رسول الله، فنزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الغار.
موقف قريش بعد فشل خطتها في التخلّص من الرسول -صلى الله عليه وسلم- والخروج من الغار:
1 - إلقاء القبض على عليّ بن أبي طالب للتحقيق معه، وسحبه إلى الكعبة، وضربه لأخذ المعلومات منه.
2 - جاءت مجموعة منهم إلى بيت الصديق للبحث عنه هناك، أو لأخذ الصديق ليفعلوا معه ما فعلوا مع عليّ، فخرجت إليهم أسماء، فسألوها عن والدها، فقالت: بأنّها لا تدري، فغضب أبو جهل، فلطمها لطمة طرح منها قرطها.
3 - وضعوا جميع الطرق الخارجة من مكة تحت المراقبة.
4 - قرروا منح جائزة مقدارها مائتا ناقة من الإبل لمن يعثر عليهما حيين أو ميتين.
5 - استأجروا قصّاص الآثار ليتَّبِعوا آثارهما حيثما حلّا.
(1/159)
________________________________________
وصل المطاردون إلى فم الغار، فقد روى البخاري عن أبي بكر قال: ((كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الغار، فرفعت رأسي، فإذا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ رأسه رآنا، قال: ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما)).
وقد روي أنَّ الله أمر شجرة فنبتت في وجه النبي -صلى الله عليه وسلم، فسترته، وأمر حمامتين فوقعتا في فم الغار، وأنّ العنكبوت نسجَت على بابه، وقد ضعَّف بعضهم هذه الروايات من حيث الإسناد، والله -تبارك وتعالى- قادر على كل شيء.
وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت قريش بعد استمرار المطاردة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيّأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه للخروج.
فلمَّا كانت ليلة الاثنين غرة ربيع الأول السنة الأولى من الهجرة، الموافق السادس عشر من سبتمبر سنة ستمائة واثنين وعشرين من الميلاد ارتحلا، وارتحل معهما عامر بن فهيرة لخدمتهما، وأخذ بهما الدليل على طريق الساحل.
وروى البخاري عن الصديق -رضي الله عنه- قال: ((أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمرّ فيه أحد، فرُفِعَت لنا صخرة طويلة، لها ذيل لم تأتِ عليها الشمس)) الحديث. فنزلوا تحت ظلها بعدما سوّى الصديق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكانًا، وأعدَّ له فراشًا، ثم بدا الصديق يستكشف المكان، ويبحث عمَّن حوله، فوجد راعيًا عنده غنم، فحلب له لبنًا قدِمَ به على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فشرب منه -صلى الله عليه وسلم، ثم قال للصديق: ألم يأن الرحيل؟ قلت: بلى، قال: فارتحلنا.
حاول سراقة بن مالك الظفر بالمكافأة، فلاحظ وهو جالسٌ في قومه مرور الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصديق معه، فخرج مسرعًا في أثرهما، وكلما قاربهما ساخت أقدام فرسه في التراب، يقول سراقة: فناديت بالأمان فوافقا.
(1/160)
________________________________________
وذكر الإمام البخاري في صحيحه، عن الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجيّ وهو ابن أخي سراقة، أنَّ أباه أخبره، أنه سمع سراقة يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دية، كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جالسون، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أسودة في الساحل، أراها محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، ثم لبست في المجلس ساعة، ثم قمتُ فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرِج بفرسي، وهي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجة الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها، أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء، مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزئاني ولم يسألاني إلّا أن قالا: اخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدُم، ثم مضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
(1/161)
________________________________________
ومرَّ -صلى الله عليه وسلم- على خيمة أمّ معبد الخزاعية، وكانت بفناء خيمتها شاة عجفاء أقعدها الهزال عن الخروج إلى المرعى، فمسح -صلى الله عليه وسلم- على ضرعها، فتفاجت عليه ودرّت، فدعا بقدح يكفي الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فشرب الجميع، ثم حلبها مرة أخرى وملأه، ثم تركه عندها.
وخرج الركب الميمون، وجاء زوجها، فوجد اللبن عندها، فأخبرته الخبر، وذكرت له أوصاف الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال لها: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.
إسلام بريدة الأسلمي:
ذكر ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- في الإصابة، أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في طريق هجرته إلى المدينة، لقي بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وقد غزا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ست عشرة غزوة، ويؤخذ من هذا أنّ الداعية لا يفتر عن الدعوة إلى الله، بل يبشّر بدعوته وينشرها ويبلغها للناس، وهذا ما كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
دروس من الهجرة النبوية:
ومنَ الدروس المستفادة من الهجرة النبوية، إنّ الدارس لهجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بتفاصيلها، يستخلص منها الدروس التالية:
أولًا: التخطيط في الهجرة:
فقد كان لخطة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هجرته إلى المدينة العناصر التالية:
الهدف: الوصول إلى المدينة بسلام.
(1/162)
________________________________________
الرفيق في الرحلة: الصديق أبو بكر -رضي الله عنه.
الفدائي الذي يفدي الرسول -صلى الله عليه وسلم: علي بن أبي طالب.
المكان الآمن المؤقّت: غار ثور.
جهة التموين: أسماء بنت أبي بكر.
الاستخبارات: عبد الله بن أبي بكر.
دليل الرحلة: عبد الله بن أريقط.
مخفي الآثار: عامر بن فهيرة.
موعد الانطلاق من الغار: بعد ثلاثة أيام.
تفاصيل الخطة وشرحها:
إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قرّر ألّا يهاجر وحده، ولا بُدَّ من رفيق يساعده ويستعين به، لقد قرّر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يكون أبو بكر هو هذا الرفيق، فقد كان شجاعًا لا ينهار أمام الشدائد والمفاجآت، فالرحلة طويلة وشاقة، والسفر يسفر عن أخلاق الرجال.
وممّا يجدر ذكره أنَّ أبا بكر استأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة، فلم يأذن له، وقال له: ((لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبًا)).
لقد أذن الله للرسول -صلى الله عليه وسلم- والرفيق ينتظر الصحبة، فتوجه إلى بيت أبي بكر، لكنه يعلم أن قريش إنْ أحسّت بذلك ستمنعه، وعيون قريش تراقب حركاته وسكناته، وهي تعلم أنّ تحركات النبي في أول النهار وفي آخره، ويقيل في
(1/163)
________________________________________
وسطه، لا بُدّ أن يفوّت على مخابرات قريش ما تريد، فهم يراقبونه في وقت خروجه وتجواله، ويسكنون بسكونه، وتغفل أعينهم عن مراقبته، فاختار وقتًا لا يخرج فيه عادة، وقت الهاجرة، أي: شدة الحر؛ حيث تخف الحركة، يبقى كل واحد في بيته توقيًا لشدة الحر، دخل بيت الصديق -رضي الله عنه- في هذا الوقت، فوجد ابنتيه عائشة وأسماء -رضي الله عنهما-، فقال: ((أخرج عني من عندك، فقال يا رسول الله، إنهم أهلك، فقال: إنّ الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: الصحبة)).
والمدقق يجد أن غار ثور جنوب المدينة، وهذا تورية من الرسول -صلى الله عليه وسلم- على العدو؛ لأن الذي سيطارده سيتوجه فورًا إلى الشمال نحو المدينة، ولا يخطر بباله أن يتوجه إلى الجنوب حيث غار ثور؛ لأنه عكس طريق الهجرة تمامًا، إنه التخطيط النبوي العميق، والتنفيذ الدقيق.
هذا، وبالله التوفيق.
(1/164)
________________________________________
الدرس: 10 تابع دروس في فقه الدعوة من خلال الهجرة إلى المدينة.
(1/165)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العاشر
(تابع دروس في فقه الدعوة من خلال الهجرة إلى المدينة)

تخطيط النبي -صلى الله عليه وسلم- للهجرة إلى المدينة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين ورحمة الله للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن استنَّ بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وبعد:
تخطيط النبي -صلى الله عليه وسلم- للهجرة:
والمدقق يجد أن غار ثور جنوب المدينة، وهذا تورية من الرسول -صلى الله عليه وسلم- على العدو؛ لأنَّ الذي سيطارده سيتوجّه فورًا إلى الشمال نحو مكة، ولا يخطر بباله أن يتوجّه إلى الجنوب حيث غار ثور؛ لأنّه عكس طريق الهجرة تمامًا، إنه التخطيط النبوي العميق، والتنفيذ الدقيق.
وتقتضي الخطة أن يلجأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه إلى الغار، يخرجان في اليوم الثالث منه، ويتوجّهان نحو المدينة، ويقوم علي بن أبي طالب بالنوم في فراش الرسول -صلى الله عليه وسلم، ورَدِّ الأمانات إلى أهلها من مشركي مكة، ويقوم عبد الله بن أبي بكر بعد أن يطوف بنوادي قريش، ويسمع منهم عن الرسول -صلى الله عليه وسلم، وما الإجراءات التي سيتخذونها ضده، بتزويد النبي -صلى الله عليه وسلم- بأخبار قريش مساء، بعد أن يقضي طول النهار مع زعمائها وقادتها.
- وتقوم أسماء بتزويد النبي -صلى الله عليه وسلم- بالطعام والشراب في النهار، ويأتي عامر بن فهيرة راعي أبي بكر، فيخفي آثار عبد الله وأسماء، وكأنّي بعبد الله بن أبي بكر يأتي في اليوم الأول، فيخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الطلب بشأنه شديد، ويوصي بعدم الخروج من الغار، ويأتي في اليوم الثاني بأخبار أنّ الرصد قد خف، إلّا أن الخروج في اليوم الثاني حَرِج، ولكن التوصية أن يخرج في اليوم الثالث.
تأمّل الاتفاق بين التقدير النبوي الذي قدَّره الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن أريقط، دليل الطريق، وبين تقرير عبد الله بن أبي بكر.
(1/167)
________________________________________
ثانيًا: الاستعانة بعبد الله بن أريقط:
يُستخلَص منها جواز الاستعانة بالمشرك، واتخاذه دليلًا إذا لم يعرف عنه العداوة والغدر والخيانة، واشتُهِر بالصدق والوفاء، فليس بمستهجن أن يتَّصف بعض غير المسلمين ببعض الصفات الحسنة؛ كالكرم والشجاعة والنجدة والوفاء والصدق، وهذا غير الولاء، فإنه لا يحل اتخاذ المسلم غير المسلم وليًّا، قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍُ} (آل عمران: 28).
ويؤخَذ من حادثة عبد الله بن أريقط الاستفادة من الكفاءة، وتوظيفها لخدمة الإسلام والدعوة الإسلامية، إن لم يوجد في المسلمين مثلها.
ثالثًًا: دور المرأة في الهجرة:
يتناسب مع طبيعتها وفطرتها، أُخِذ هذا من دور أسماء وعائشة في تجهيز الراحلتين، ودور أسماء في تمويل الرسول وصاحبه في الغار بالماء والغذاء، ويومًا لا تجد ما تربط به الماء والغذاء، فتشقّ نطاقها شقين، فبشرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن لها نطاقين في الجنة، ودور أسماء في إقناع جدّها وقد تفقّد المال، وسأل عنه، وقد أخذه ولده المهاجر أبو بكر، فجزع وقال لأسماء: والله لقد فجعكم بماله مع نفسه، فقالت: كلّا، لقد ترك لنا خيرًا كثيرًا، وأخذت بيده ووضعتها على كوْم من الحجارة قد غطته، فقال لا بأس إذا كان لقد ترك لكم هذا، فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، فقالت أسماء: لا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكت الشيخ بذلك.
ويؤخَذُ من هذا درس، وهو الاستفادة من موقف أسماء، بأن تقف المرأة الداعية في هذا العصر وفي كل عصر، وعند الملمات، تتحمّل الجوع من أجل دينها
(1/168)
________________________________________
ودعوتها وعقيدتها، وتسكن ثائرة الأهل إذا عضتهم الحاجة بثباتها، وعلّمت أسماء المرأة كيف تخفي أسرار الرسول -صلى الله عليه وسلم، وأسرار المؤمنين في كل زمان ومكان؛ حين أنكرت أنّها تعلم عن الرسول -صلى الله عليه وسلم، وعن أبيها شيئًا، وقد جاء أبي جهل يسأل عنهما، فلطمها لطمة شديدة أسقطت قرطها من أذنها.
فالمرأة المسلمة في هذا الدين مكلفة بحمله ونشره والدفاع عنه، والهجرة إلى دار الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وتقديم ما لديها من خبرة وجهد وجهاد في خدمة المجتمع الإسلامي، وبناء الدولة الإسلامية.
رابعًا: التآمر على حياة الرسول ليلة الهجرة فيه أكثر من درس:
1 - أسلوب التصفية الجسدية من الطواغيت للرسل وأتباع الرسل، وسائر الدعاة في سائر الأمكنة والأزمان؛ إذ لمَّا أعياهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بصبره وثباته ورفضه لإغراءاتهم وإغواءاتهم، قرروا قتله، وأن يتوزّع دمه بين القبائل، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30).
2 - من أساليب التآمر على الدعاة النفي والتغريب من الوطن، وتقييد حرياتهم حتى لا يتصلوا بالناس، ولا يؤثّروا عليهم، أسلوب قديم حديث يتكرر عند المسلمين منذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم، وإلى أن تقوم الساعة.
3 - في قصة الشيطان الذي ظهر على صورة شيخ نجدي، دلالةٌ أنّ شياطين الإنس والجن متحدون ومتفقون في الهدف، وهو الصدّ عن سبيل الله، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.
(1/169)
________________________________________
4 - يظهر مدى حبِّ الصحابة للرسول -صلى الله عليه وسلم- حين رفض الشيخ النجدي اقتراح مَنْ اقترح السجن، بأنَّ الصحابة لن يسلّموه أبدًا، والشواهد على هذا الحب كثيرة، في الهجرة وغيرها.
5 - فشل القبائل في قتل الرسول -صلى الله عليه وسلم، وتوزيع دمه على القبائل، يدل على أن الله تعالى قد تعهَّد بحفظه وحمايته من الأعداء، على حياته، قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة: 67).
6 - أسلوب السخرية والاستهزاء بالدعوة والدعاة أسلوب خبيث استخدمه أبو جهل بقوله: إن محمد يعدكم جنانًا كجنان الأردن.
7 - يفهم من كلام أبي جهل أنَّ الأردن كانت بلادًا زراعية، تجود فيها المزروعات والفواكه منذ قديم الزمان، ويفهم من ذلك أيضًا أنَّ الأردن كانت مأهولة بالسكان، ومما ينبغي ذكره أن الأردن لا تطلق على الأراضي التي تقع شرقي نهر الأردن، إنّ الأردن في ذلك الوقت وبعد الفتح الإسلامي، وحتى اتفاقية سايكس بيكو، كانت تطلق على شمال الأردن وشمال فلسطين، وإنّ فلسطين كانت تطلق على جنوب الأردن وجنوب فلسطين، وشمال الأردن وشمال فلسطين منذ القدم أراض زراعية كثيرة المياه، بخلاف جنوب الأردن وجنوب فلسطين، فمعظمها أرض شبه صحراوية، قليلة المياه، قليلة الينابيع.
8 - ثقة النبي -صلى الله عليه وسلم- بربه وبنصره جعلته يتحدّى أبا جهل وسائر المتآمرين المحاصرين له، وينثر الرمل على رءوسهم؛ لأن أبا جهل الذي قال متهكمًا: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنات كجنان الأردن، وإن أنتم لم تفعلوا كان
(1/170)
________________________________________
فيكم الذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم نارًا تحرقون فيها، ويخرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو ينثر الرمل على رأسه وعلى غيره.

نتائج الهجرة
لقد تكوّنت الدولة الإسلامية بعد الهجرة النبوية، وأنشأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المؤسسات العسكرية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية، وأنجز أمورًا لم تكن لتتمَّ إلا بعد الهجرة وبناء الدولة.
أولًا: التكافل الاجتماعي:
لقد آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين المسلمين؛ من مهاجرين وأنصار، وتقاسموا الأموال والديار، وقدَّم أصحاب الأموال أموالهم لإخوانهم؛ ابتغاء مرضاة الله وثوابه، وبناء على أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- تآخوا أخوين أخوين، ولقد وصف الله هذا التكافل بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9).
ولقد روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه، بإسناده إلى إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: ((لمَّا قدِموا المدينة آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمِّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها تزوجتها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين السوق؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلّا ومعه فضل من أقط وسمن)).
(1/171)
________________________________________
ما يؤخذ من هذا:
1 - فضيلة الإيثار، وقد كانت هذه خصلة عند أهل المدينة، قد امتدحهم الله بها، وهذا تشجيع لكل مؤمن أن يؤثر أخاه ولو على نفسه، في أيّ مغنم من مغانم الدنيا.
2 - إنَّ عبد الله بن عوف عفَّ عن مشاركة سعد بن الربيع في ماله، ولم يرضَ أن يكون عيلة على غيره، بل بادر من أول يوم يعمل ويكتسب بيده.
3 - ويؤخَذ من هذا أنَّ عبد الرحمن بن عوف كان ناجحًا في تجارته، وممن عناهم الرسول -صلى الله عليه وسلم: ((التاجر الصدوق الأمين يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء)).
ويفهم أيضًا أنّ التجارة باب من أبواب الرزق والكسب الحلال.
ثانيًا: تنظيم شعب الدولة الإسلامية:
لقد وحَّد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد هجرته بين سكان المدينة من الأنصار والمهاجرين واليهود، فكتب كتابًا ينظم شعب المدينة، ويقرّر الحقوق والواجبات لكلٍّ من فئات الشعب، فهو رئيس الدولة، وهو الحاكم لهذه الدولة، ويجب أن تخضع له كل الفئات، ويلتزم أوامره في الداخل والخارج.
ثالثًا: بناء الاقتصاد الإسلامي:
لقد حلَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة، فوجد اليهود مسيطرين على الاقتصاد المدني، وسوق بني قينقاع هي السوق المقصودة والمعتمدة عند الناس، على الرغم من تحكُّم اليهود في الناس، واحتكار السلع، واستغلال حاجة الناس، إزاء هذا
(1/172)
________________________________________
الوضع قرَّر الرسول -صلى الله عليه وسلم- تصويب الوضع، وإقامة سوق إسلامية في التعامل، إسلامية في الإدارة، إسلامية في كل شيء، وقد أقامها بالفعل، فأقبل الناس على هذه السوق، وهجروا سوق يهود بني قينقاع.
وهكذا استطاع المسلمون أن يسيطروا على اقتصاد المدينة، ويتحكموا فيه، ويقهروا اليهود في أدق اختصاصاتهم.
رابعًا: تكوين القوة العسكرية المعاصرة:
إنَّ الإسلام قرّر إعلان الحرب على أعداء هذا الدين، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} (الأنفال: 39)، ومن ثَمَّ فالصراع المسلّح قائم بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، ومعسكر الكفر سيشحذ كل طاقاته وإمكاناته في هذا الصراع، فما على أهل الإيمان إلّا الاستعداد والإعداد والتخطيط.
ولقد اهتمَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أول يوم ببناء جيش قوي، يكون حارسًا للدولة الإسلامية، وحاميًا للدعاة في الخارج، وكاسرًا لشوكة الأعداء المحاربين، وهذا يتطلب جيشًا معاصرًا، فقد استوعب كل قضايا عصره؛ من حيث التخطيط والتدريب والتسليح، ولهذا لم يكتفِ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما عند العرب من أسلحة، بل بعث نفرًا من المسلمين ليتعلّموا صناعة الدبابات إلى جرش في اليمن، وكانت اليمن يوم ذاك خاضعة لحكم الفرس، وكانت دولة الفرس متطورة في أسلحتها، وقد مهَر من ذَهَب إلى اليمن في صناعة الدبابات والمنجنيق، فصنعها المسلمون واستخدموها في حصار الطائف، كما تروي كتب السيرة.
إنَّ شراء الأسلحة لا يحلّ المشكلة؛ لأن الذي يبيع قد يمنع في وقت من الأوقات، إنّ ما أقدم عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- يشعرك بأهمية الاستقلال في هذا الدين، الاستقلال في كل شيء، ومن ذلك أن يُصنَع السلاح بأيد إسلامية متوضئة.
(1/173)
________________________________________
خامسًا: إنشاء المؤسسات التربوية "المساجد":
إن كتب السيرة النبوية تروي لنا أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد اهتمَّ بالمؤسسات التربوية، وهي المساجد، وقبل أن يصل إلى المدينة قد أقام في قباء مسجدًا، سمِّي مسجد قباء، وهو أوّل مسجد في الإسلام، صلى فيه أيامًا، ثم سار بعد ذلك، فأدركته الصلاة يوم الجمعة عند بني سالم بن عوف، فبنى عندهم مسجدًا، وصلى فيه بهم الجمعة، وكانت أول جمعة في المدينة، واشترى الأرض من وليّها، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بنبش قبور المشركين التي فيها، وقطع نخيلها، ونقِلَت عظام الموتى، ثم بنى مسجده، وهو المسجد النبوي اليوم، والصلاة فيه بألف صلاة.
وحديث بناء المسجد في أرض الغلامين اليتيمين رواه الإمام البخاري في صحيحه.
إنّ الملفت للنظر اهتمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- ببناء المساجد والإكثار منها، وهذا يدل على مكانة المسجد في الإسلام وأهميته، والذي يدقّق النظر في وظيفة المسجد ورسالته، يجد له أكثر من وظيفة، فهو مكان لتأدية الصلاة، ومكان للتربية، يربِّي الرسول -صلى الله عليه وسلم- المسلمين رجالًا ونساءً وشيوخًا وغلمانًا، ويعلمهم القرآن، فهو بمثابة المدارس والمعاهد والجامعات.
وكان المسجد منبر إعلام وإشعاع فكري بالنسبة للمسلمين، يجتمعون فيه للبحث في قضاياهم العامّة، يتعارفون فيه، يتكاتفون ويتكافلون، ويتزاورون ويتحابون، ويحدثهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن قضاياهم، ويقدم لهم الحلول، وكان يحدثهم عن أحوال الغزوات أحيانًا، كما حدث في سرية مؤتة؛ إذ أخبر المسلمين بمجريات الأمور أثناء وقوع الغزوة، بعد أن جمعهم في المسجد، فقال -صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأصيب زيد بن حارثة شهيدًا، فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشدَّ على القوم حتى قُتِل شهيدًا، اشهدوا له بالشهادة، فاستغفروا له، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن
(1/174)
________________________________________
رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، فرفع الرسول -صلى الله عليه وسلم- إصبعيه قال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره)).
وكان المسجد مقرًّا للقضاء، يقضي فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين المتخاصمين بالحق والعدل، لا تأخذه في الله لومة لائم.
وكان المسجد مركز تجمُّع للجيوش الإسلامية، ومركز انطلاق كذلك، تنطلق منه الجيوش بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو بتوجيهاته وتوصياته، اغزُ باسم الله، وعلى بركة الله، يحدّد أهداف السرايا والبعوث، ويدعو إلى آداب الإسلام في القتال.
وكان المسجد مقرًّا للشورى، يستشير الرسول -صلى الله عليه وسلم- المسلمين فيه، فهو بمثابة مجلس الأمة، تُعرض فيه قضاياها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويفكر المسلمون وأهل الحل والعقد خاصّة بإيجاد الحلول المناسبة لتلك القضايا، في جوٍّ من الحرية في التفكير.
إنَّ على العلماء والدعاة والمسئولين أن يعيدوا للمسجد قدسيته، بإعادة إليه رسالته، فيكون مدرسة ومعهدًا وجامعة، ومحضنًا للتربية، ومجلسًا للأمة، ومركز إشعاع فكري، وتوجيه خلقي، وتوعية سياسية، ومنبرًا لقول كلمة الحق.

ملامح شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم-
شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- في بيته ومع أهله:
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في معيشته، في نفسه، لا يتكلف في لباس ولا طعام، يلبس ما تيسّر، وأكثر لبسه المعتاد من لباس الناس، وكان يلبس جيد الثياب إذا اقتضى الأمر لمقابلة وفود، أو لمناسبة عيد، وكان يأكل ما يجده، فإن وجد اللحم والحلوى أكل، وإن لم يجد إلا الخبز والزيت أو الخل أكل، وإن لم يجد ما يأكله بات طاويًا، وربما شدَّ على بطنه الحجر من شدة الجوع.
(1/175)
________________________________________
وكان ينام على فراض من جلد حشوه ليف، ويجلس على الحصير، وينام عليها كثيرًا.
معيشته في بيته:
كان حلو المعاشرة لزوجاته، كثير المسامرة لهنّ، متحملًا لأخلاقهنّ، وخاصة غيرتهن، وكان يقول: ((خيركم خيركم لأهله))، وكان نساءه يحتملن منه شدة الحال وخشونة العيش، وكان يسره ذلك منهنّ، فلمّا فكّرن يومًا أن يطلبن منه التوسعة والزينة والمطعم، شقّ ذلك عليه، وهجرهنّ شهرًا لا يكلمهن، ثم نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} (الأحزاب:28، 29).
فلمّا نزلت هاتان الآيتان خيّرَ نساءه وبدأ بعائشة، وقال لها: ((ما أحبّ أن تختاري حتى تستأمري أبواك)) ثم تلا عليها الآيات، وفيها التخيير بين أن تبقى عنده على شظف العيش وخشونة الحياة، وبين أن يفارقها ويمتعها متاعًا جميلًا، فكان جوابها على الفور: أفيك أستأمر أبواي، بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وكذلك فعل بكلِّ واحدة من نسائه على انفراد، فكان جوابها كجواب عائشة، وهي لا تعلم بما أجابت به غيرها.
وظلَّ هكذا شأنه مع نسائه من التقشف وخشونة العيش حتى توفاه الله.
تقول السيدة عائشة -رضي الله عنها: "ما شبع آل محمد يومين من خبز بُرّ، ولقد كنا نمكث الشهر والشهرين لا يوقد في بيتنا نار، وما كان طعامنا إلّا التمر والماء، ولقد توفِّي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما في بيتنا شيء يأكله ذو كبد، إلّا كسرة خبز من شعير على رفٍّ لي"، وقال أنس: "رَهن النبي -صلى الله عليه وسلم- درعًا له على شعير يأخذه لطعام أهله".
(1/176)
________________________________________
عمله في بيته -صلى الله عليه وسلم-:
سئِلت عائشة -رضي الله عنها: ماذا كان يعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في البيت؟ فقالت: "كان بشرًا من البشر، يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويعمل ما يعمل الرجل في بيته، فإذا حضرت الصلاة خرج".
خشيته وعبادته -صلى الله عليه وسلم:
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثير المراقبة لله -عز وجل- واسع الخشية منه، عظيم العبادة له، ففي الليل متهجدًا راكعًا ساجدًا، حتى تتورّم قدماه، وتفيض عيناه بالدمع من خشية الله، حتى يسمَع لصدره أزيز كأزيز الرجل المرجل من البكاء، فتقول له في ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها: ((أتفعل ذلك يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر، فيجيبها: أفلا أكون عبدًا شكورًا)).
وكان كثير اللهج باسم الله -عز وجل، فإذا أكل أو شرب، أو قام أو قعد، أو ابتدأ شيئًا، أو فعل أمرًا، بدأ ذلك كله بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا اختتمه بالحمد لله رب العالمين.
وكان لا يفتر عن الدعاء لربه، ومن دعائه -عليه الصلاة والسلام: ((اللهم إني أعوذ بك من عمل لا ينفع، وعمل لا يرفع، ودعاء لا يسمع، اللهم إني أسألك من الخير كله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك، اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء)).
(1/177)
________________________________________
ولما كذّبته ثقيف في الطائف وآذته، وأغرت به سفهاءها يرجمونه بالأحجار، حتى دميت قدماه، اتجه إلى الله خالقه بهذا الدعاء الرهيب: ((اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدوٍّ يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أنّ عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له السموات الأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تحلّ علي غضبك، أو ينزل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)).
مزاحه ودعابته -صلى الله عليه وسلم:
وممَّا يتصل بطيب النفس حب الدعابة البريئة، والمزاح مع الأصحاب والمترددين عليه، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يحب الدعابة، ويبتسم بالنكتة اللطيفة، ويمازح أصحابه، ويداعبهم بالنكات اللطيفة، جاءته امرأة عجوز تطلب إليه أن يدعو الله لها بدخول الجنة، فقال لها مداعبًا: ((أوَمَا علمت أنّ الجنة لا تدخلها عجوز؟ فولّت تبكي، فقال: ردوها، أما قرأت قوله تعالى: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً* فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا* عُرُبًا أَتْرَابًا} (الواقعة:35 - 37))) وجاءته امرأة من الأنصار تشكو إليه زوجها، فقال: ((أزوجك الذي في عينه بياض)) فجزعت؛ إذ ظنّت أن بعينه عيبًا لم تطلّع عليه، فأفهمها أنّ كل إنسان في عينه بياض حول المقلة، وجاءه أعرابي يسأله أن يمنحه ناقة يركب عليها في سفره، فقال له: ((أنا حاملك على ولد ناقة، فقال: وما أصنع به يا رسول الله؟! فقال -صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق)).
(1/178)
________________________________________
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لأمزح وما أقول إلا خيرًا)).
تواضعه وسماحته صلى الله عليه وسلم:
قد رأيت فيما مرَّ معك من معاملته لأصحابه أنَّها معاملة نبيّ كريم، وزعيم محبوب، وإنسان عظيم، استمدَّ عظمته من خصائصه لا من جاهه ولا من نفوذه، ومما يروع في سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه ظلّ هو الإنسان المتواضع، تواضع الأنبياء العظماء في مختلف مراحل دعوته؛ حين كان مضطهدًا، وحين كان منتصرًا، وحين كان وحيدًا، وحين كان سيد الجزيرة العربية المطاع، حين كان في أشد المحن، وما عهدنا بمثل هذا في تاريخ العظماء، وما كان محمد عظيمًا فحسب، ولكنه رسول الله أيضًا، يوم فتح الله له مكة، وانهزمت أمام جحافل جيوشه قريش الطاغية الباغية، التي ناصبته العداء نحوًا من عشرين عامًا، دخل مكة على جمل له، مطأطئ الرأس خضوعًا لله وشكرًا، وجاءه الرجال خائفين، وفيهم رجل ترتعد فرائسه، فقال له: ((هوّن عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد)).
وظل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستمع إلى العبد والعجوز والأرملة والمسكين، يقف في الطريق لكل من يستوقفه، ويصافح كل من يلقاه، فلا يترك يده حتى يكون الذي استوقفه هو الذي يترك يده، يتفقّد أصحابه، ويزور مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويستمع إلى مشاكلهم، ويشاركهم أحزانهم وأفراحهم.
رحمته وشفقته -صلى الله عليه وسلم:
كان -صلى الله عليه وسلم- واسع الرحمة بالأطفال والنساء والضعفاء، سمع بكاء صبي وهو في الصلاة، فخفّف صلاته؛ كي لا تفتن أمه التي كانت تصلي وراءه، ومرَّ بعد
(1/179)
________________________________________
انتهاء إحدى المعارك بجثة امرأة مقتولة، فغضب وقال: ((ألم أنهكم عن قتل النساء؟! ما كانت هذه لقاتل))، وبلغت رحمته بالحيوان حدًّا عجيبًا، فقد أمال الإناء إلى هرّة أرادت الشرب، ورأى جملًا هزيلًا فقال: ((اتقوا الله في هذه البهائم، أطعموها واركبوها صالحة))، وبلغت معاملته للأرقّاء ووصاياه فيهم حدًّا لم يعرفه التاريخ، وكل ذلك دليل على ما فاضت به نفسه الكبيرة من معاني الرحمة والشفقة.
مشاركته لآلام الناس:
اشتكت إليه فاطمة بنته ما تلقاه من أعمال البيت من شدة وعناء، وطلبت إليه أن يخدمها خادمًا، فرفض -عليه الصلاة والسلام- ذلك، وقال لها: ((لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع)).
وذهبت أم الحكم بنت الزبير وأختها فاطمة تسألان النبي -صلى الله عليه وسلم- معونة على أعمالهما البيتية، فقال لهما: ((سبقكما يتامى بدر)) وأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بيت فاطمة يزوره، ثم عدل فلم يدخل عليها، فبعثت عليًّا ليسأل عن سبب عدوله عن زيارتها، فأجابه الرسول -صلى الله عليه وسلم: ((إني رأيت على بابها سترًا موشيًا)) فعاد عليّ إلى فاطمة فأخبرها الخبر، فقالت فاطمة: ليأمرني فيه بما شاء، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((لترسلي به إلى فلان)) أهل بيت بهم حاجة، وأراد زيارتها مرة أخرى، فعاد كذلك دون أن يدخل عليها، فأرسلت تسأله عن سرِّ ذلك أيضًا، فأجابها: ((إني وجدت في يدها سوارين من فضة)) فبلغها ذلك، فأرسلتهما إليه، فباعهما النبي -صلى الله عليه وسلم- بدرهمين ونصف، وتصدق بهما على الفقراء.
(1/180)
________________________________________
زهده في الدنيا -صلى الله عليه وسلم:
قال الله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طه: 131) قال بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن عباس قال: ((كان ابن عباس يحدّث أنَّ الله تعالى أرسل إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم- ملكًا من الملائكة معه جبريل، فقال الملك: إنّ الله يخيّرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا وبين أن تكون ملكًا نبيًّا، فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن تواضع، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: بل أكون عبدًا نبيًّا)).
وقال عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، حدثني ابن عباس أنّ عمر -رضي الله عنه- قال: ((دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خزانته، فإذا هو مضطجع على حصير، فأدنى عليه إزاره وجلس، وإذا الحصير قد أثّر بجنبه، فقلبت عيني في خزانة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين، أو قال: قبضة من شعير، وقبضة من أرز نحو الصاعين، وإذا أفيق معلق أو أفيقان، قال: فابتدرت عيناي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يابن الخطاب؟ قلت: يا رسول الله، ومالي لا أبكي وأنت صفوة الله ورسوله وخيرته، وهذا خزانتك، وكسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت هكذا؟ فقال: يابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا، قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاحمد الله تعالى)) أخرجه مسلم.
هذا وبالله التوفيق.
(1/181)
________________________________________
الدرس: 11 هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في تريبة أصحابه.
(1/183)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي عشر
(هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في تريبة أصحابه)

تربية الصحابة على أخلاق الإسلام السامية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سلك طريقه وسار على نهجه واتبع هداه وبعد:
لقد حرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على تربية أصحابه على أخلاق الإسلام، كما حرصوا على التأسِّي به، على أنه لم يكلهم إلى ذلك فحسب، بل كان يتعهدهم بالإرشاد إلى الخِلال الحميدة، ويمرنهم على الأخذ بها، ويشجّع المحسن منهم ولو بالكلمة الطيبة، حتى تصير ملكة وخلقًا، وحتى يتنافس فيها المتنافسون.
من إرشاده إلى الأخلاق الفاضلة قوله: ((ثلاث من كن فيه استوجب الثواب، واستكمل الإيمان: خلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن محارم الله، وحلم يردُّ به جهل الجاهل)) أخرجه البزار من حديث أنس.
وقوله: ((إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون)) أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أنه قال: أراد معاذ بن جبل سفرًا إلى جهة فقال: ((يا نبي الله أوصني، قال: اعبد الله ولا تشرك به شيئًا، قال: زدني، قال: إذا أسأت فأحسن، قال: زدني، قال: استقم وليحسن خلقك)) أخرجه ابن حبان في صحيحه.
وقوله: ((اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب)) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة.
وقوله: ((عفُّوا تعفّكم نساؤكم، وبرّوا آباءكم تبركم أبناؤكم)) رواه الطبراني من حديث عائشة، وقوله: ((ما من شيء بأثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من
(1/185)
________________________________________
خلق حسن، وإنّ الله يبغض الفاحش البذيء)) أخرجه الترمذي عن أبي الدرداء، والبذيء بفتحٍ فكسر ثم تشديد، الذي يتكلّم بالفحش ورديء الكلام.
وقوله: ((إن لله خََلْقًا خلقهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله)) رواه الطبري وقال: ((أحبّ الأعمال إلى الله -عز وجل- سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تطرد عنه جزعًا، أو تقضي عنه دينًا)) رواه أبو الشيخ من حديث ابن عمر.
وقوله: ((إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذمّوا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسّروا)) رواه البيهقي من حديث معاذ -رضي الله عنه.
وعن ابن عباس قال: وقع بين خالد بن الوليد وعمَّار بن ياسر -رضي الله عنهما- كلام، فقال عمار: لقد هممت بألّا أكلمك أبدًا، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((يا خالد، ما لك ولعمار؟ رجل من أهل الجنة قد شهد بدرًا، وقال لعمار: إنّ خالدًا يا عمار سيف من سيوف الله على الكفار، قال خالد: فما زلت أحب عمارًا من يومئذ)).
وقوله -صلى الله عليه وسلم: ((اتَّق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وقال -صلى الله عليه وسلم: ((من سعادة المرء حسن الخلق، ومن شقاوته سوء الخلق)) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن جابر بن عبد الله.
وقوله: ((إن هذه الأخلاق من الله، فمن أراد الله به خيرًا منحه خلقًا حسنًا، ومن أراد به شرًّا منحه خلقًا سيئًا)) رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة.
(1/186)
________________________________________
وقال: ((إنّ الله قسَّم بينكم أخلاقكم كما قسَّم بينكم أرزاقكم، وإن الله -عز وجل- يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلّا من يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قلت يا رسول الله: وما بوائقه؟ قال: غشمه وظلمه)) أخرجه أحمد عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- والغشم -بفتح فسكون- الظلم، فالعطف تفسير.
وقال: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، كما قال -صلى الله عليه وسلم: ((من أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه)) أخرجه الحاكم عن ابن عمرو، وقال أنس -رضي الله عنه: ((لقد خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألَا فعلت كذا)) متفق عليه.
هذا، إلى ما غرسه في نفوسهم من ملكة النظر والبحث والاستنباط؛ إذ لم يكن همّه على المعجزات، بل توجيه النفوس إلى النظر في آيات الله، في الأنفس والآفاق، فنشأ من ذلك:
1 - معرفة الخالق التي هي رأس المعارف والعلوم اليقينية.
2 - تقوية غريزة حب النظام والجمال، وناهيك بجمال الطبيعة.
3 - تربية ملكة تقدير الجمال والنظام، والبحث في الروابط والأسباب، وفي ذلك تربية الأفكار وتنمية العقول؛ لأن شأنها الميل إلى التعليل والاستنتاج، وناهيك بتربية العقول والأفكار، وما ينشأ عنها من الآثار الحسنة، ولهذا كان الصحابة ومَن بعدَهم من السلف الصالح، من الشخصيات اليقظة التي لا
(1/187)
________________________________________
تخدعها الشعوذة والخرافات والأوهام، بل قلَّ أن تجد للكهانة بين أبناء الأمة الإسلامية سوقًا نافقة، كما تجدها في سائر الديانات، ذلك أنَّ الإسلام قام على النظر في البرهان، قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 111).
4 - غرس مبادئ قوة العزم والرأي، واستقلال الفكر، والاعتماد على النفس، ولهذا لم يجد النبي -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه ضعفًا في مواقف الجدِّ، فلم يجد همَمَهم فاترة، وعقولهم قاصرة، كما وجد موسى -عليه السلام- في بني إسرائيل ذلك الخَوَر الفاضح، حين ذهب بهم إلى العدو، إذا بهم ينكصون على أعقابهم، ويخاطبونه بلسان الخائر الجبان: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة: 24) ألَا بعدًا لقوم لا يؤمنون، ألهذا كانوا يقترحون الآيات ويمعنون في طلب المعجزات، كلا لم يجد من أصحابه مثل هذا.

وُدُّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ووفاؤه، وتفقُّد أحوال أصحابه، وكرمه
ودّه -صلى الله عليه وسلم- ووفاؤه:
كان -صلى الله عليه وسلم- أكثر ما يكون ودًّا ووفاء للضعفاء والبسطاء من الذين حملوا معه أعباء الدعوة وأثقال الجهاد، وذات يوم مرَّ أبو سفيان على سليمان وصهيب وبلال، وكانوا عبيدًا فأعتقوا، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدوّ الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقصَّ عليه فقال: ((يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك)) فانطلق إليهم أبو بكر فقال: أغضبتم يا إخوتي؟ قالوا: لا، يغفر الله لك، لقد خشي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون قد مسَّهم حرج أو استشعروا إهانة، وهم البسطاء الضعفاء، الذين لم يكن لهم شرف ولا كرامة إلّا بالإسلام، فإنه
(1/188)
________________________________________
لشرف لا يعدوه شرف، كرامة لا تعلو عليها كرامة، فأي سموّ ارتقى إليه هذا الإنسان العظيم الذي وسع خلقه كل الناس، وعمّ أرجاء الدنيا.
ولنواصل المسيرة مع شيء من ذلك النبع الفيّاض في حياة الرسول الوفي -صلى الله عليه وسلم:
كان يقف كل يوم عقب صلاة الصبح ويقول: ((هل فيكم مريض أعوده؟ هل فيكم جنازة أتبعها؟ فإن قالوا: لا، قال: من رأى منكم رؤيا فليقصها))، وتموت امرأة كانت تباشر خدمة المسجد، ويدفنها المسلمون دون أن يعلموا النبي -صلى الله عليه وسلم، ثم يعرف النبي بوفاتها بعد ذلك، فيحزن ويقول لأصحابه متألمًا: ((هلّا أعلمتموني))، قالوا: ماتت بالليل، وكانت ظلمة، فكرهنا أن نشقّ عليك، فيذهب -عليه الصلاة والسلام- إلى قبرها، ويدعو الله لها، ثم ينطلق إلى أهلها فيقدّم لهم العزاء والسلوى.
ويبلغ به الوفاء مبلغًا هو في غاية السمو والجلال، وذلك حين يقدُم عليه وفد النجاشي ملك الحبشة، الذي كان له يد بيضاء على المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده فرارًا من ظلم قريش، واستجابة لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيقوم النبي بنفسه على خدمة الوفد ورعايته، فيقول له أصحابه: يا رسول الله، إنا نكفيك هذا، فيقول: ((إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافأهم)).
لقد كافأهم بنفسه؛ لأن ردَّ الجميل عنده لا يقبل الإنابة، إنهم قد أكرموا أصحابه من أجله في ديارهم، وأعزوهم في هجرتهم وغربتهم، وكذلك يكون الوفاء.
وهو وفيّ في غضبه مثل وفائه في رضاه، ودودٌ في حزنه مثل ودّه في سروره، وذلك غاية الكمال والجلال، في أعقاب معركة حنين قسّم الغنائم على المهاجرين دون الأنصار، وهم الذين تحملوا عبء المعركة وأهوالها، وهم الذين ثبتوا مع رسول -صلى الله عليه وسلم- حتى تبدّل الفرار انتصارًا، وضاقت نفوس الأنصار لحرمانهم من
(1/189)
________________________________________
الغنائم، وتحدّثوا في ذلك، وعلم -عليه الصلاة والسلام- بهذا، فقام فيهم خطيبًا وقال: ((يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم، قالوا: بلى، قال: ألَا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: وماذا نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المَنُّ لله ورسوله، قال: والله لو شئتم فقلتم فصدّقتم وصُدِّقتم، جئتنا وحيدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك، وخائفًا فأمّنّاك، ومخذولًا فنصرناك، فقالوا: المَنّ لله ورسوله، فقال: أوجدتم في نفوسكم يا معاشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألّفت بها قومًا أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعبًا وسلك الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، فبكى القوم، وقالوا: رضينا بالله ربًّا، ورسوله قسمًا، ثم انصرفوا وقد رضوا واطمأنوا)).
فليس حرمان الأنصار من الغنائم تخليًا عنهم، ولا قَلَا لهم، ولا نكرانًا لدورهم، ولا جحودًا لسجلهم المشرّف في تاريخ الدعوة، ولكنّه لحكمة أجَلّ وأعظم، أما الودّ فباقٍ على حاله، وأمّا الوفاء فهو منهم ولهم وبهم؛ لأنهم أنصاره وكفى.
وكان له مع الأنصار أيضًا مواقف تفيض ودًّا ووفاءً، وهم بذلك جديرون، فبعد أن أتمّ الله عليه نعمته، وأكمل له دينه، ففتح له مكة، ودانت له جزيرة العرب، سمع همسات الأنصار من حوله: إن دولة المدينة قد دالت، فإن محمدًا سيبقى في بلده مسقط رأسه، والتي يحمل إليها أسمى معاني الحب والوفاء، من يوم أن تركها إلى يومنا هذا، والتي كان يتوجّه إليها دائمًا بقوله: ((والله إنك لأحب البلاد إلى الله، وإنك لأحبّ البلاد إلي، ولولا أنّ قومك أخرجوني منك ما خرجت))،
(1/190)
________________________________________
والآن قد عاد إليها وطاب له المقام فيها، ويسمع الرسول منهم ذلك، فيذهب إليهم ويقول لهم في ودٍّ ووفاء: ((يا معشر الأنصار، معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم))، وهنا ترتفع أصواتهم شاكرة لله فضله، وللرسول وفاءه.
إنه سيعود إليهم وسيموت ويدفَن في المدينة، ذلك البلد الأمين الذي آواه وأيده ونصره وأعزه، عرفانًا بالجميل، ووفاء للذكرى، وتقديرًا لأهله الكرام الأوفياء.
كان -صلى الله عليه وسلم- وفيًّا للكرام الأوفياء، محبًّا لهم على البعد، مقدرًا لهم على السمعة، وكان يعطيهم حقهم من التكريم والتعظيم والوفاء، ولم يكن هذا بغريب على شيمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
بعد أن انتهت إحدى المعارك بين المسلمين وأعدائهم، وقد انتصر فيها المسلمون، ووقع في أيديهم عدد من الأسرى، سيقوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم، تقدّمت إحدى الأسيرات ووقفت بين يدي الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وقالت: يا محمد، هلك الولد، وغاب الرافد، فإن رأيت أن تمنَّ علي، وتخلّي عني، ولا تشمت بي الأعداء، فإني ابنة سيد قومه، إن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويفشي السلام، ولا يرد طالب حاجة، فقال -صلى الله عليه وسلم: ((من أبوك؟)) قالوا: حاتم الطائي، فقال: ((لو كان أبوها مسلمًا لترحمنا عليه، فخلوا سبيلها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق))، فخرجت إلى أخيها عدي وقالت: ائت محمدًا، فإن فيه خصال الخير كلها، إنه يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الضعيف، ويعرف حق الكبير، وما رأيت أحدًا أجود منه ولا أكرم.
(1/191)
________________________________________
غضبه -صلى الله عليه وسلم- وشدته في الحق
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يخشى في الله لومة لائم، وهذه بعض المواقف التي غضب فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم:
فلقد غضب عندما قيل له: إن فلانة ماتت واستراحت، أخرج الإمام أحمد في المسند، من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((جاء بلال إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ماتت فلانة واستراحت، فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: إنما يستريح من دخل الجنة))، قال قتيبة: من غفر له.
كما غضب -صلى الله عليه وسلم- عندما تكلّم البعض في إمارة أسامة بن زيد وأبيه -رضي الله عنهما-، قال أهل السير: دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسامة، فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فعسكَر بالجرف، وخرج في عسكره أبو بكر وعمر وسعد وسعيد وأبو عبيدة، فتكلّم قوم وقالوا: يُستَعْمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين، فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غضبًا شديدًا، فخرج وقد عَصَّب رأسه بعصابة، فصعد المنبر وقال: ((أمّا بعد، فما مقالة بلغتني عنكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وايم الله، إن كان للإمارة خليقًا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة)).
واشتد برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعه، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وهو على المنبر: ((إن تطعنوا في إمارته -يريد أسامة بن زيد رضي الله عنهما- فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايم الله، إن كان لخليقًا لها، وايم الله، إن كان لأحبّ الناس إليّ، وايم الله، إنّ هذا لها لخليق -يريد أسامة بن زيد- وايم الله، إن كان لأحبهم إليّ من بعده، فأوصيكم به، فإنه من صالحيكم)).
(1/192)
________________________________________
قوله -صلى الله عليه وسلم: ((وايم الله، إن كان لخليقًا لها)) أي حقيقًا بها، وفيه جواز إمارة العتيق، وجواز تقديمه على العرب، وجواز تولية الصغير على الكبار، فقد كان أسامة صغيرًا جدًّا، توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن ثمان عشرة سنة، وقيل: عشرين، وجواز تولية المفضول على الفاضل للمصلحة، وفي هذه الأحاديث فضائل ظاهرة لزيد ولأسامة -رضي الله عنهما.
كذلك غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الجَوْر في الوصية: عن الذيّال بن عبيد بن حنظلة بن حزيم، عن حنيفة، سمعت جدي يقول: قال حنيفة لابنه حزيم: اجمع لي بنيك، فإني أريد أن أوصي، فجمعهم ثم قال: جمعتهم يا أبتاه، قال: فإني أوّل ما أوصي به مائة من الإبل التي كنّا نسمي المطيبة في الجاهلية صدقة على يتيمي هذا، في حجره، قال: اسم اليتيم ضرس بن قطيعة، قال حزيم لأبيه حنيفة: إني أسمع بنيك يقولون: إنما تقرّ بها عين أبينا، فإذا مات اقتسمناها، وقسمنا له مثل نصيب بعضنا، قال: أسمعتهم يقولون ذلك؟ قال: نعم، قال: فبيني وبينك رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا إليه، فإذا هو جالس فقال: من هؤلاء المقبلون، فقالوا: هذا حنيفة النعم، أكثر الناس بعيرًا بالبادية، قال: فمن هذان حواليه؟ قالوا: أمّا الذي عن يمينه فابنه حزيم الأكبر، ولا نعرف الذي عن يساره، فلمّا جاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- سلّم حنيفة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ثم سلّم حزيم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا أبا حزيم، ما رفعك إلينا؟ قال: هذا رفعني وضرب فخذ حزيم، قال: أوَليس هذا حزيم؟ قال: نعم، قال: يا رسول الله، إني رجل كثير المال، عليّ ألف بعير، وأربعون من الخيل، سوى مالي في البيوت، خشيت أن يفجأني الموت أو أمر الله، فأردت أن أوصي، فأوصيت بمائة من الإبل التي كنا نسميها في الجاهلية المطيبة، صدقة على يتيمي هذا في حجرته، قال: فرأيت
(1/193)
________________________________________
الغضب في وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى جثا على ركبتيه، ثم قال: ((ألا لا -ثلاث مرار- إنما الصدقة خمس، وإلّا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلّا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلّا فثلاثون، فإن كثرت فأربعون))، قال: فبادره حنيفة قال: فأشهدك يا رسول الله إنها أربعون من التي كنا نسميها المطيبة في الجاهلية، قال: فودّعه حنيفة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((فأين يتيمك يا أبا حُزيم))، قال: هو ذاك النائم، قال: وكان شبيه المحتلم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((لعظمت هذه هراوة يتيم))، ثم إن حنيفة وبنيه قاموا إلى أبا عِرْهم، فقال حزيم: يا رسول الله، إن لي بنين كثيرة، منهم ذو اللحى، ومنهم دون ذلك، وهذا أصغرهم وهو حنظلة، فقسمت عليه يا رسول الله، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((ادنُ يا غلام، فدنا منه، فرفع يديه فوضعهما على رأسه، ثم قال: بارك الله فيه))، قال الذيال: فرأيت حنظلة يؤتَى بالرجل الوارم وجهه، والشاة الوارم ضرعها، فيتفل في كفّه، ثم يضعه على صلعته، ثم يقول: باسم الله، على أثر يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ثم يمسح الورم فيذهب.
وكذلك غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- عند حثّ خباب -رضي الله عنه- بالصبر على ما يلقاه من أذى:
عن قيس بن أبي حازم، عن خباب -رضي الله عنه- قال: ((أتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسّد بردة في ظل الكعبة، فشكونا إليه، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألَا تدعو الله لنا؟ فجلس محمرًا وجهه، فقال: قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه، فيجعل فرقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشّط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يصير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت، ما يخاف إلّا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)).
(1/194)
________________________________________
وخباب هو ابن الأرت، وكان ممن أوذي في الله، سُبي في الجاهلية، فاشترته أم أنمار، وكان حدادًا، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يألفه قبل النبوة، فلمّا شرّفه الله بها أسلم خباب، فكانت مولاته تعذبه بالنار، فتأتي بالحديدة المحماة فتجعلها على ظهره ليكفر، فلا يزيده ذلك إلّا إيمانًا.
وقوله: متوسّدٌ بردة -أي: كساء مخططًا- والمعنى: جاعل البردة وسادة له، من توسّد الشيء جعله تحت رأسه، فشكونا: أي الكفار، ألَا تدعو الله لنا، أي: على المشركين فإنهم يؤذوننا، فقوله: محمرًا وجهه، أي: من أثر النوم، ويحتمل أن يكون من الغضب، وبه جزم ابن التين. قاله الحافظ.
فيُحفر له بصيغة المجهول، أي: يجعل له حفرة، بالمنشار -بكسر الميم- وهو آلة يشقّ بها الخشبة، فيجعل فرقتين: أي يجعل الرجل شقين، يعني: يقطع نصفين، ما يصرفه ذلك: أي لا يمنعه ذلك العذاب الشديد عن دينه، ويمشّط بصيغة المجهول بأمشاط الحديد، جمع المشط وهو ما يتمشّط به الشعر، ما دون عظمه من لحم وعصب.
قوله: والذئب على غنمه: أي ما يخاف إلا الذئب على غنمه، ولا يخفى ما فيه من المبالغة في حصول الأمن وزوال الخوف، ولكنكم تستعجلون: أي سيزول عذاب المشركين، فاصبروا على أمر الدين كما صبر من سبقكم، قال ابن بطال: أجمعوا على أنّ من أكرِه على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة.
وأما غير الكفر، فإن أكره على أكل الخنزير مثلًا فالفعل أولى.
قال المحققون من العلماء: إذا تلفّظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلّا مجرى المعاريض، فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ومتى لم يكن كذلك
(1/195)
________________________________________
كان كافرًا؛ لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها، مثاله: أن يقال له: اكفر بالله، فيقول: باللاهي.
كذلك غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما طلبت منه قريش رد عبدين كانا أسلما، وأتيا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل صلح الحديبية.
عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: خرج عبدان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية، قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم، قالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرقّ، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردّهم إليهم، فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: ((ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا، وأبَى أن يردّهم وقال: هم عتقاء الله عز وجل)).
كذلك غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سُئل عن أشياء كرهها:
عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج حين زاغت الشمس، فصلّى لهم صلاة الظهر، فلما سلّم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أنّ قبلها أمورًا عظامًا، ثم قال: من أحب أن يسألني عن شيء فليسألني عنه، فوالله لا تسألونني عن شيء إلّا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا، قال أنس بن مالك -رضي الله عنه: فأكثر الناس البكاء حين سمعوا ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وأكثر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: سلوني، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله، قال: أبوك حذافة، فلمّا أكثر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أن يقول: سلوني، برك عمر -رضي الله عنه- فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، قال: فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: أولى والذي نفس محمد بيده، لقد عرضت عليّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر.
(1/196)
________________________________________
قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتيبة بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعق منك، أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس، قال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
كذلك غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- عند اعتزاله لنسائه:
عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: حدثني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: ((لما اعتزل نبي الله نساءه قال: دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساءه، وذلك قبل أن يؤمرنَ بالحجاب، فقال عمر: فقلت: لأعلمنّ ذلك اليوم، قال: فدخلت على عائشة، فقلت: يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله، فقالت: ما لي ومالك يابن الخطاب، عليك بعيبتك، قال: فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة قد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله، والله لقد علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله؟ قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت، فإذا أنا برباح غلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاعدًا على أسقف المشرُبة، مدل رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينحدر، فناديت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم قلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله، فإنّي أظن أن رسول الله ظنّ أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله بضرب عنقها لأضربنَّ عنقها، ورفعت صوتي، فأومأ إلي أن: ارقه، فدخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه
(1/197)
________________________________________
إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلّق، قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيك يابن الخطاب؟ قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلّا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله وصفوته من خلقه، وهذه خزانتك! فقال: يابن الخطاب، ألَا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء، فإن كنت طلقتهن فإنّ الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر، والمؤمنون معك، وقلّما تكلمت، وأحمد الله بكلام إلّا رجوت أن يكون الله مصدق قولي، والذي أقول، ونزلت هذه الآية آية التخيير: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} (التحريم: 5) وقوله: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} (التحريم: 4) وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي، فقلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم إن شئت، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرًا، ثم نزل نبي الله ونزلت)).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/198)
________________________________________
الدرس: 12 تابع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في تريبة أصحابه.
(1/199)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني عشر
(تابع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في تريبة أصحابه)

أثر شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تربية أصحابه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
أثر شخصية النبي -صلى الله عليه وسلم- في تربية أصحابه:
لقد كان لشخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- عظيم الأثر في شخصية أصحابه -رضوان الله عليهم، فكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالنسبة لهم، الإنسان الكامل الذي يسعى كل واحد منهم إلى الوصول سماته وصفاته، ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- حريصًَا على ترسيخ القيم والمبادئ السامية في نفوسهم وقلوبهم، وكان ذلك أولًا بالفعل قبل القول؛ لأنّ الفعل أرسخ في النفوس، وأقدر على التعبير، ومن ذلك ما يأتي:
معاملته لأصحابه:
يقول أنس خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((خدمت النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته))، وقالت عائشة -رضي الله عنها: ((ما ضرب شيئًا قط، ولا ضرب امرأة ولا خادمًا)).
وقال أبو هريرة -رضي الله عنه: ((دخلت السوق مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليشتري سراويل، فوثب البائع إلى يد النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقبّلها، فجذب يده ومنعه قائلًا: هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا رجل منكم، ثم أخذ السراويل، فأردت أن أحملها فأبى، وقال: صاحب الشيء أحق بأن يحمله)).
وكان -عليه الصلاة والسلام- مرة في سفر مع جماعة، فلمّا حان موعد الطعام عزموا على إعداد شاة يأكلونها، فقال أحدهم: عليّ ذبحها، وقال الآخر: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: وعليّ جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك العمل، فقال: علمت أنكم تكفونني، ولكنني أكره أن أتميز عليكم، وأن الله -سبحانه وتعالى- يكره من عبده أن يراه مميزًا بين أصحابه.
(1/201)
________________________________________
كذلك جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، فقال لغلام له قصاب: اجعل لي طعامًا يكفي خمسة، فإني أريد أن أدعو النبي -صلى الله عليه وسلم- خامس خمسة، فإنّي قد عرفت في وجهه الجوع، فدعاهم، فجاء معهم رجل، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لصاحب الدعوة: ((إن هذا قد تبعنا، فإن شئت أن تأذن له فأذن له، وإن شئت أن يرجع رجع، فقال الأنصاري: لا، بل أذنت له)).
وكذلك كان من عادته -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه أنه يقبل معذرة المسيء، ولا يجابه أحدًا بما يكره، وإذا بلغه عن أحدٍ شيء يكرهه، نبّه على خطئه بقوله: ما بال أقوام يفعلون كذا، دون أن يذكر اسمه، ولم يكن يحب أن يقوم له أحد، وكان يجلس حيث انتهى به المجلس، وينزل إلى أسواقهم فيرشدهم إلى الأمانة، وينهاهم عن الخداع والغش في المعاملات.
وكان من عادته -صلى الله عليه وسلم- أن يبشّ إلى كلِّ من يجلس إليه، حتى يظن أنه أحب أصحابه إلى قلبه، ويقرّب إليه ذوي السبق في الإسلام والجهاد، ولو كانوا غمار الناس، ويستشر أولي الرأي فيما هو من شئون السياسة أو الحرب، أو أمور الدنيا، وينزل عند آرائهم ولو خالفت رأيه، كما حصل في معركة بدر وغيرها.
الرسول المعلم -صلى الله عليه وسلم:
حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كلها إرشاد وهداية وتعليم، وخاصَّة ما كان من أقواله -عليه الصلاة والسلام، التي قصد بها التشريع والهداية.
((جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يريد الجهاد، فقال: أحيّ والداك؟ فقال: نعم، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم: ففيهما فجاهد))، كذلك قبّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس جالس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: ((مَنْ لا يرحم لا يرحم)).
(1/202)
________________________________________
وكذلك جاءت امرأة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إنا لا نقدر عليك في مجلسك، فواعدنا يومًا نأتك فيه، فقال: موعدكن بيت فلان، فجاءهن لذلك الوعد، وكان فيما حدثهن: ((ما منكن امرأة يموت لها ثلاث من الولد فتحتسبهم إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة: واثنان، قال: واثنان)).
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه فقال لهم: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله، قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلّا ماله أحب إليه من مال وارثه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت)).
وعن أبي مسعود قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت من خلفي صوتًا: ((اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك عليه، فالتفتّ فإذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت: يا رسول الله هو حرّ لوجه الله، فقال: أما إنّك لو لم تفعل لمستك النار، أو للفحتك النار)).
وقال -عليه الصلاة والسلام: ((إذا جاء أحد خادمه بطعامه فليجلسه معه، فإن لم يقبل فليناوله منه))، وقال أيضًا: ((لا يقل أحدكم: عبدي أمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، وليقل: غلامي جاريتي فتاي وفتاتي)).
وسئل النبي -صلى الله عليه وسلم: ((أي الأعمال خير، قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله، قيل: فأيّ الرقاب أفضل، أي في العتق، قال: أفرأيت إن لم أستطع بعض العمل، قال: فتعين صانعًا، أي تصنع لأخرق -هو الذي لا يحسن صنعة، فقيل له: أفرأيت إن ضعفت، قال: تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك)).
قال حرملة بن عبد الله: جئت النبي -صلى الله عليه وسلم: فقلت: ما تأمرني أعمل؟ فقال -عليه الصلاة والسلام: ((ائت المعروف واجتنب المنكر، وانظر الذي تكرهه أن يقول لك القوم إذا قمت
(1/203)
________________________________________
من عندهم فاجتنبه))، قال حرملة: فلما رجعت تفكرت، فإذا هما -أي: ائت المعروف واجتنب المنكر- لم يدعا شيئًا.
وكذلك خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا بالصحابة فقال: ((أيها الناس، اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من قبلكم، وحملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلّوا محارمهم)) وفي رواية أخرى زيادة: ((وإياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفاحش المتفحش)).
وعن عائشة بنت سعد، أن أباها قال: اشتكيت بمكة شكوى شديدة أي: مرضًا شديدًا، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- يعودني، فقال: ((يا رسول الله، إني أترك مالًا، وإني لم أترك إلا ابنة واحدة، أفأوصي بثلثي مالي وأترك الثلث؟ قال: لا، قال: أوصي بالنصف وأترك لها النصف؟ قال: لا، قال: أوصي بالثلث وأترك الثلثين؟ فقال -صلى الله عليه وسلم: الثلث، والثلث كثير، إنك تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفَّفون الناس)).
وكان ممن قال لأبي ذر: ((إفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن طريق الناس لك صدقة، وهدايتك الرجل في أرض الضالة صدقة)).
كذلك مرَّ رجل على النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه بعض الصحابة، فرأى الصحابة من جلده ونشاطه ما أعجبهم، فقال: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله، فقال -عليه الصلاة والسلام: ((إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان)).
(1/204)
________________________________________
وجاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأله شيئًا من المال، وهو قوي معافى، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم: ((أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حلس -أي: كساء غليظ ممتهن- نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من ماء، فقال -صلى الله عليه وسلم: ائتني بهما، فأتى بهما، فأخذهما النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده، وقال: من يشتري هذين، قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم: من يزيد على درهم درهمين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال له: اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فائتني به، فأتاه به، فشدّ فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عودًا بيده، ثم قال: اذهب فاحتطب، ولا أرينك خمسة عشر يومًا، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: هذا خير من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلّا لثلاث: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع)).
وسأل رجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((أيّ الإسلام خير؟ فقال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف))، وبينما النبي -صلى الله عليه وسلم- في مجلس يحدّث القوم جاءه أعرابي فقال له: متى الساعة؟ فأجابه: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)).
وجاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبًا، ويقاتل حمية، فقال -صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله -عز وجل)).
وعن أسماء بنت يزيد قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلينا أسورة من ذهب، فقال لنا: ((أتعطيان زكاته؟ قالت: فقلنا: لا، فقال: أما تخافان من أن يسوّركما الله أسورة من نار، أديا زكاته)).
(1/205)
________________________________________
وجاء رجل إلى مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما نزل عن ناقته سأل الرسول -صلى الله عليه وسلم: ((أأطلق ناقتي وأتوكل، فقال -عليه الصلاة والسلام: اعقلها -أي اربطها- وتوكل)).

تأليف قلوب الصحابه واستمالتهم، والاهتمام بأمرهم، وتفقد أحوالهم، وقضاء حوائجهم
تآلف النبي -صلى الله عليه وسلم- لقلوب أصحابه واستمالتهم والاهتمام بأمرهم وتفقد أحوالهم وقضاء حوائجهم:
أولًا: تآلف النبي -صلى الله عليه وسلم- لقلوب أصحابه واستمالتهم:
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما قال عليّ -رضي الله عنه-: "أوسع الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، وكان يتألّف قلوبهم، ويكرم كريمهم، ويتفقدهم في شئونهم، ويعطي كلًّا من جلسائه نصيبه من التكريم، حتى يحسب جليسه أنه ليس أحد أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره؛ حتى يكون هو المنصرف منه، ومن سأله حاجة لم يرده إلّا بها، أو ميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء، دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب، ولا فاحش ولا عياب، ولا مداح، يتغفّل عما لا يحب، ولا يقابل أحدًا بما يكره، إلّا أنه في الحق من أشد الناس غيرة على حرمات الله، وإنكارًا على انتهاك آداب الشريعة، يجالس الفقراء، ويصغى إلى العبد والأرملة والمسكين".
قال أبو هريرة -رضي الله عنه: ((دخلت السوق مع النبي -صلى الله عليه وسلم، فاشترى سراويل، وقال للوزان: زن وأرجح، فوثب البائع إلى يده -صلى الله عليه وسلم- يقبلها، فجذب يده وقال: هذا ما تفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك، إنما أنا رجل منكم، ثم أخذ السراويل، فذهبت لأحملها، فقال: صاحب الشيء أحق أن يحمله)).
(1/206)
________________________________________
وكان في مجلسه كثير الصمت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن يتكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسمًا، وكان كلامه فضلًا لا فضول ولا تقصير، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، قال ابن أبي هالة: كان سكوته -صلى الله عليه وسلم- على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر.
وإليك نموذج من تأليفه -صلى الله عليه وسلم- لقلوب من حوله:
في السنة السادسة من الهجرة عزم -عليه الصلاة والسلام- على أن يوسّع نطاق دعوته إلى الله، فكتب ثماني كتب إلى ملوك العرب والعجم، وبعث بها إليهم يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكان من جملة من كاتبهم بطل من الأبطال، وملك من الملوك، ثمامة بن أثال الحنفي، سيد من سادات بني حنيفة، وشريف من أشرافها، بل هو ملك من ملوك اليمامة، فلا يُعصَى له أمر، ولا يرد له طلب، كان بطلًا مغوارًا فارسًا شجاعًا، فلما وصله كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما كان منه إلّا أن تلقاه بالازدراء والإعراض، أخذته العزة بالإثم، فأصمَّ أذنيه عن سماع دعوة الحق والخير، ثم ركبه الشيطان فأغراه بقتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووأد دعوته، فدأب يتحيّن الفرص للقضاء على النبي -صلى الله عليه سلم، حتى أصاب منه الغرة، وكادت أن تتمّ الجريمة الشنعاء، لولا أنّ أحد أعماله أثناه عن عزيمته، في آخر لحظة نجّى الله النبي -صلى الله عليه وسلم- من شره ومن مكره.
ولكن ثمامة وإن كان قد كفّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، إلّا أنه لم يكفّ عن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، جعل يتربّص بهم حتى ظفر بعدد منهم وقتلهم شرَّ قتلة، لما بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الخبر، ما كان منه إلّا أن أهدَرَ دمه، وأعلن ذلك في أصحابه.
لم يمض على ذلك طويل وقت، حتى عزم ثمامة بن أثال على أداء العمرة، انطلق من أرض اليمامة موليًا وجهه شطر مكة، وهو يمنّي نفسه بالطواف حول
(1/207)
________________________________________
الكعبة، والذبح للأصنام، بينما كان ثمامة في بعض طريقه قريبًا من المدينة، نزلت به نازلة لم تقع له في الحسبان، وذلك أنّ سرية من سرايا النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت تجوس خلال الديار؛ خوفًا من أن يطرق المدينة طارق، أو يريدها معتدٍ بشر، فأسرت السرية ثمامة وهي لا تعرفه، وقد أهدر النبي -صلى الله عليه وسلم- دمه، أتت السرية بثمامة إلى المدينة وشدته إلى سارية من سواري المسجد ينتظرون النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقف عليه بنفسه، وعلى أسيرهم، وأن يأمر له بأمره.
لمّا خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد وهمَّ بالدخول، فإذا به يرى ثمامة مربوطًا في السارية، فقال لأصحابه: أتدرون من أخذتم؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال -صلى الله عليه وسلم: هذا ثمامة بن أثال الحنفي، هذا ثمامة ملك من ملوك العرب، وسيد من سادات بني حنيفة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم: أحسنوا إساره، ثم رجع -عليه الصلاة والسلام- إلى أهله، وقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام وابعثوا به لابن أثال.
ثم أمر بناقته أن تحلب له بالغدو والرواح، وأن يقدّم إليه لبنها، وقد تمَّ ذلك كله قبل أن يلقاه -عليه الصلاة والسلام، أو يكلمه بكلام، ثم إنه أقبل -عليه الصلاة والسلام- على ثمامة يريد أن يستدرجه إلى الإسلام، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال بكل ثقة واعتزاز: عندي يا محمد خير، فإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد مالًا فسلْ تعط منه ما شئت.
تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- يومين على هذا الحال، يؤتَى له بالطعام والشراب، ويكرم أيما إكرام، ويحلب له من لبن ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم أتاه بعد يومين فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال ثمامة كلامًا لم يزد عليه شيئًا، قال: ليس عندي إلّا ما قلت لك من قبل، فإن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد مالًا فسلْ تعط منه ما شئت، التفت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أصحابه وقال: فكوا وثاقه، فكوا وثاق
(1/208)
________________________________________
ثمامة وأطلقوه، ففكوا وثاقه وأطلقوه، غادر ثمامة مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومضى، حتى إذا بلغ نخلًا من حواشي المدينة فيه ماء، أناخ راحلته عنده، وتطهر من مائه، فأحسن طهوره، ثم أعاد أدراجه إلى المسجد، وما إن بلغ حتى قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
ثم التفت إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا محمد، والله ما كان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، وقد أصبح وجهك الآن أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الأديان كلها إليّ، ووالله ما كان بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح أحب البلاد كلها إلي، ثم أردف قائلًا: لقد كنت أصبت في أصحابك دمًا، فما الذي توجبه عليّ؟
قال -عليه الصلاة والسلام- مبشرًا لثمامة: لا تثريب عليك يا ثمامة، فإن الإسلام يجُبّ ما قبله، وبشره بالخير الذي كتبه الله له بإسلامه، فانبسطت أسارير ثمامة، وقال: والله لأصيبنّ من المشركين أضعاف ما أصبت من أصحابك، ولأضعنّ نفسي وسيفي ومن معي في نصرتك ونصرة دينك.
ثم قال: يا رسول الله، إني خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبماذا تأمرني أن أفعل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: امضِ لأداء عمرتك، ولكن على شرعة الله ورسوله، وعلمه ما يقوم به من المناسك.
مضى ثمامة إلى غايته، حتى إذا بلغ بطن مكة، ووقف يجلل بصوته العالي قائلًا: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، فكان ثمامة أول مسلم على ظهر الأرض دخل مكة ملبيًا، سمعت قريش صوت التلبية والتوحيد، فهبت مغضبة مذعورة، استلّت السيوف من الأغماد، اتجهت نحو الصوت لتبطش بهذا الرجل الذي اقتحم عليها عرينها، ولمّا أقبل
(1/209)
________________________________________
القوم على ثمامة رفع صوته بالتلبية والتوحيد، وهو ينظر إليهم بكلِّ كبرياء وعزة، فهمّ فتًى من فتيان قريش أن يرديه بسهم، فأخذوا على يديه، وقالوا: ويحك! أتعلم من هذا؟ إنه ثمامة بن أثال ملك اليمامة، والله إن أصبتموه بسوء قطع قومه عنكم النيرة وأماتونا جوعًا، ثم أقبل القوم على ثمامة بعد أن أعادوا السيوف إلى أغمادها، وقالوا: ما بك يا ثمامة؟ أصبوت وتركت دينك ودين آبائك، قال -رضي الله عنه-: ما صبوت، ولكني تبعت خير دين، اتبعت دين محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم أردف في كل عزٍّ وافتخار: أقسم برب هذا البيت، إنّه لا يصير لكم بعد عودتي إلى اليمامة حبة من قمحها، ولا شيء من خيراتها حتى تتبعوا دين محمد عن آخركم، رسول الله.
اعتمر ثمامة بن أثال على مرأى من قريش كما أمره -عليه الصلاة والسلام- أن يعتمر، ذبح تقربًا إلى الله، لا إلى الأنصاب والأصنام، ومضى إلى بلاده فأمر قومه أن يحبسوا النيرة عن قريش، وأن يقاطعوا قريشًا حتى ترضخ وتعتذر للنبي -صلى الله عليه وسلم- فاستجابوا له وأطاعوا أمره، قطعوا خيراتهم عن أهل مكة.
أخذت المقاطعة والحصار الذي فرضه ثمامة على قريش يشتد شيئًا فشيئًا، حتى ارتفعت الأسعار على قريش، فشا فيهم الجوع، اشتد فيهم الخوف، حتى خافوا على أنفسهم وأبنائهم أن يهلكوا جوعًا، عند ذلك خضعوا وذلوا وكتبوا للرسول -صلى الله عليه وسلم- يتوسلون ويقولون: إن عهدنا بك إنك تصل الرحم، وتحض على ذلك، وهأنت قد قطعت أرحامنا، فقتلت الآباء بالسيف، وأمتّ الأبناء بالجوع، وإن ثمامة بن أثال قد قطع عنا ميرتنا وأضرّ بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يبعث إلينا بما نحتاج إليه فافعل، فما كان منه -صلى الله عليه وسلم- الرحمة المهداة، إلا أن كتب إلى ثمامة بأن يطلق إليهم ميرتهم، فأطلقها.
(1/210)
________________________________________
ظلّ ثمامة ما امتدت به الحياة وافيًا لدينه، حافظًا لعهد نبيه -صلى الله عليه وسلم- فلمّا التحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى، وطفق العرب يخرجون من دين الله ذرافات ووحدانا، وقام مسيلمة الكذاب في بني حنيفة يدعوهم إلى الإيمان به، وقف ثمامة موقفًا شجاعًا في وجه مسيلمة الكذاب، وقال لقومه: يا بني حنيفة، إياكم وهذا الأمر المظلم الذي لا نور فيه، إنه والله لشقاء كتبه الله -عز وجل- على من أخذ به منكم، وبلاء على من لم يأخذ به، ثم قال: يا بني حنيفة، إنه لا يجتمع نبيان في وقت واحد، وإن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ولا نبي بعده، ولا نبي يشرَك معه، ثم انحاز بمن بقي على الإسلام من قومه، وأخذ يقاتل المرتدين جهادًا في سبيل الله وإعلاء لكلمة الله، فجزى الله ثمامة بن أثال عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأكرمه بعد ذلك بالجنة التي وعد الله بها المتقين.
فلنا مع هذه القصة عبر وعظات ودروس ووقفات، وقد ضرب لنا -عليه الصلاة والسلام- أروع الأمثلة وأجمل الصور في فنّ تعامله، وتنوعه في أسلوبه في دعوته، وعرض رسالته صلوات ربي وسلامه عليه، فمن تلك الدروس:
أولًا: يجب على الدعاة إلى الله أن ينوّعوا في أساليب النصح إلى الله؛ فتارة يكون بالمخاطبة والمحاورة، وتارة يكون بالمكاتبة والمراسلة، كما كان يفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ثانيًا: يجب أن نتحلى ويتحلى الدعاة إلى الله بالحكمة والبيان والموعظة والإحسان، كما قال الله سبحانه وتعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) فقد أحسن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع ثمامة حتى أسلم ثمامة.
ثالثًا: لا بد من استئلاف قلوب الناس بالكلمة الطيبة والعطاء والمساعدة، فقد أكرم -عليه الصلاة والسلام- ثمامة أيّ إكرام، مع أنه من أعداء الله ورسوله، فكان ذلك الإحسان سببًا في إسلامه.
(1/211)
________________________________________
رابعًا: على المسلم أن يسخّر كل ما يملك من طاقات وجَهْد وأموال وعقار وجاه وسلطان وفكر وبيان في سبيل نصرة دين الله تعالى، والذبّ عن عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فيجب على التجار وأصحاب رءوس الأموال أن يدافعوا عن دين الله ودين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأن يدافعوا عن عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويضربوا الحصار على تلك الدول الكافرة الظالمة المعتدية بمقاطعتها، وعدم استيراد منتجاتها، كما فعل ثمامة بقريش، بمنعه النيرة حتى رضخوا لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
خامسًا: اصدع بما تؤمر وأعرض عن الجاهلين: فقد صدَع ثمامة بما أمر به، وأعرض عن الجاهلين، فقد كان أول مسلم على وجه الأرض يدخل مكة ملبيًا بالدعوة إلى دين الله، فالدعوة إلى دين الله والذبّ عن عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسئولية الجميع، وكل إنسان بحسب طاقته وقدرته ومكانته واستطاعته، كما قال الله -سبحانه وتعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104).
ثانيًا: الاهتمام بأمر أصحابه -صلى الله عليه وسلم- وتفقّد أحوالهم وقضاء حوائجهم:
لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شديد الاهتمام بأصحابه، والقارئ للسنة النبوية الشريفة يرى كيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعود من مرض من أصحابه، ويتبع جنازة من مات منهم، وإذا افتقد أحدهم في صلاة الصبح سأل عنه، ومن كان منهم في حاجة إلى المال ساعده بماله، وحثّ الصحابة على مساعدته، وهكذا كان حريصًا على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وعلى إفشاء روح الحب والتعاون والاحترام فيما بينهم.
وإليك بعض مظاهر هذا الاهتمام وذلك الحرص منه -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه:
(1/212)
________________________________________
عن أنس -رضي الله عنه- قال: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا افتقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبًا دعا له، وإن كان شاهدًا زاره، وإن كان مريضًا عاده))، وعن علي بن الحسين أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلّى صلاة فعجّل فيها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((إنما عجلت أني سمعت صبيًّا يبكي، فخشيت أن يشق ذلك على أبويه)).
وعن أنس أن أعربيًّا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسأله، وعليه برد، فجذبه فشقّ البرد حتى بقيت الحاشية في عنق النبي -صلى الله عليه وسلم، فأمر له النبي -صلى الله عليه وسلم- بشيء.
وعن أبي هريرة قال: ((والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع، وإن كنت لأعتمد بيدي على الأرض من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون فيه، فمر بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله -عز وجل، ما أسأله عنها إلّا ليستتبعني، فمرّ ولم يفعل، ثم مرّ أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم، فعرف ما في نفسي وما في وجهي، فتبسّم وقال: أبا هر، الحق، فاتبعته، فدخل فاستأذنت فأذن لي، فوجد لبنًا في قدح، فقال لأهله: أنى لكم هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان، فقال: يا أبا هر، انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: فأحزنني ذلك، وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، إذا جاءته صدقة أرسل بها إليهم، ولم يرزأ منها شيئًا، وإذا جاءته هدية أرسل إليهم فأشركهم، فأصاب منها.
قال: فأحزنني إرساله إياي، وقلت: أرجو أن أشرب من هذا اللبن شربة أتغذّى بها، فما يغني عني هذا اللبن في أهل الصفة، وأنا الرسول، فإذا جاءوا أمرني، فكنت أنا أعطيهم، ولم يكن في طاعة الله -عز وجل- وطاعة رسوله بد، فانطلقت إليهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت، وقال -صلى الله عليه وسلم:
(1/213)
________________________________________
أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: قم فأعطهم، فآخذ القدح، فأعطي الرجل حتى يروى، ثم يردّه إليّ حتى روي جميع القوم، فانتهيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخذ القدح فوضعه على يديه، ثم رفع رأسه فنظر إليّ فتبسَّم، وقال: اقعد، فقعدت، فشربت، وقال: اشرب، فما زال يقول: اشرب اشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا، قال: فأرني، فرددت إليه الإناء، فحَمَد الله -عز وجل- وشرب منه)).
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا حدّث بالحديث أو سأل عن الأمر كرره ثلاثًا ليفهم ويُفهم عنه.
وعن جابر بن عبد الله قال: ((قفلنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوة، فتعجّلت على بعير لي قطوف، فلحقني راكب من خلفي فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما أنت راءٍ من الإبل، فإذا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما يعجلك؟ قلت: كنت حديث عهد بعرس، قال: أبكرًا أم ثيبًا؟ قلت: ثيبًا، قال: فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك، قال: فلما ذهبنا لندخل قال: أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا -أي: عشاء- لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة)).
وغيرها من المواقف والأحاديث التي تدل على حرصه -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه واهتمامه بهم، وتفقده لأحوالهم برغم ما كان من ضيق وقته وكثرة أشغاله -صلى الله عليه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/214)
________________________________________
الدرس: 13 تعريف بالمدعو وبيان حقوقه وواجباته، وسنة الاختلاف.
(1/215)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث عشر
(تعريف بالمدعو وبيان حقوقه وواجباته، وسنة الاختلاف)

التعريف بالمدعو، وبيان حقوقه وواجباته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك طريقه وصار على نهجه واتبع هداه وبعد:
من هو المدعو؟
الإنسان، أي إنسان كان هو المدعو إلى الله تعالى؛ لأن الإسلام رسالة الله الخالدة، بعث الله به محمدًا -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس أجمعين، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (الأعراف: 158) وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (سبأ: 28) وهذا العموم بالنسبة للمدعوين لا يستثنَى منه أي إنسان مخاطب بالإسلام ومكلف بقبوله والإذعان له، وهو البالغ العاقل، مهما كان جنسه ونوعه ولونه ومهنته وإقليمه، وكونه ذكرا أو أنثى، إلى غير ذلك من الفروق بين البشر، ولذلك كان ممن آمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم- العربي كأبي بكر، والحبشي كبلال، والرومي كصهيب، والفارسي كسلمان، والمرأة كخديجة، والصبي كعلي بن أبي طالب، والغني كعثمان بن عفان، والفقير كعمار، وعلى هذا فالدعوة إلى الله عامة لجميع البشر وليست خاصة لجنس دون جنس، أو طبقة دون طبقة، أو فئة دون فئة، ولهذا يخاطب القرآن البشر بصفتهم الآدمية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} (البقرة: 21) وقال سبحانه: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (الأعراف: 31).
وعلى الداعي أن يفقه عموم دعوته إلى الله، ويحرص على إيصالها لكلّ إنسان يستطيع الوصول إليه، وهذا لا يناقض ابتداء الداعي بالأقربين إليه، فيدعوهم قبل البعيدين؛ لأن لكل إنسان الحق في إيصال الدعوة إليه، فليس الأبعد بأولى من الأقرب، بل الأقرب أولى؛ لسهولة تبليغه واحتمال صيرورته داعيًا أيضًا بعد
(1/217)
________________________________________
إسلامه، فيسهل إيصال الدعوة إلى البعيدين، ولهذا جاء في القرآن الكريم: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214) وهذا وإن كان خطابًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكنه يشمل الدعاة إلى الله، فعليهم أن ينذروا الأقربين إليهم، مبتدئين بأفراد أسرهم وأقاربهم ومن يعرفونهم، بل إنّ دعوة الأهل وأفراد الأسرة أوجب من غيرهم؛ لأنّ الداعي إن كان رب أسرة فإنه مسئول عنه ((كلكم راع ومسئول عن رعيته)) وهذه المسئولية تشمل القيام بشئونهم المادية؛ من توفير الطعام والشراب والمسكن، ونحو ذلك من الأشياء المادية، كما تشمل شئونهم الدينية؛ بتعليمهم ما يلزمهم من أمور الإسلام ودعوتهم إليه، قال تعالى مثنيًا على أحد رسله الكرام: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ} وقال تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6) ووقايتهم من النار تكون بدعوتهم إلى الإسلام، وطاعة أوامر الله وترك نواهيه.
حقوق المدعو:
ومن حقِّ المدعو أن يؤتى ويُدعَى، أي أنَّ الداعي يأتيه ويدعوه إلى الله تعالى، ولا يجلس الداعي في بيته وينتظر مجيء الناس إليه، وهكذا كان يفعل ذلك الداعي الأول نبينا الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم، يأتي مجالس قريش ويدعوهم، ويخرج إلى القبائل في منازلها في موسم قدومها مكة، ويدعوهم، ويذهب إلى ملاقاة من يقدم إلى مكة ويدعوه، فقد جاء في سيرة ابن هشام: فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حين يبيّن عن الله ما بعثه به، فيقف على منازل القبائل من العرب فيقول: ((يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي، وتمنعوني حتى أبيّن عن الله ما بعثني به)).
(1/218)
________________________________________
وكان -صلى الله عليه وسلم- لا يسمع بقادم إلى مكة من العرب له اسم وشرف إلّا تصدى له، فدعاه على الله وعرض عليه ما عنده، ولم يكتفِ -صلى الله عليه وسلم- بأهل مكة ومن كان يأتيها، وإنما ذهب إلى خارجها، ذهب إلى الطائف يدعو أهلها، فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، فجلس إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدعاهم إلى الله، ونسأل هنا: لماذا كان المدعوّ يؤتى ويدعى ولا يأتي؟ والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إن وظيفة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- التبليغ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} (المائدة: 67) وقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (النور: 54) وهذا التبليغ قد يستلزم نقلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى مكان من يراد تبليغه؛ لاحتمال عدم وصول خبر الدعوة إليه، أو إنها وصلته بصورة غير صحيحة، أو وصلته بصورة صحيحة ولكن لم ينهض، فيأتي إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليسمع منه، فلأجل هذه الاحتمالات كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يأتي إلى أماكن الناس لتبليغهم الدعوة إلى الله.
الوجه الثاني: شفقته -صلى الله عليه وسلم- على عباد الله، وحرصه على هدايتهم، وتخليصهم من الكفر، كل ذلك كان يحمله على الذهاب إليهم في أماكنهم ومنازلهم، ويبلّغهم الدعوة إلى الله.
الوجه الثالث: إن البعيد عن الإسلام قلبه مريض، ومرضى القلوب لا يعرفون مرضهم، ولا يحسون به، فلا يشعرون بالحاجة إلى علاجه، فلا بدّ من إخبارهم بمرضهم من قِبَل الرسل الكرام، ولا ينتظرون مجيئهم إليهم ليخبروهم، بل يذهبون إليهم ويخبرونهم بالمرض والعلاج؛ لأن من أعراض مرضهم إعراضهم عن الدعوة والمجيء إلى صاحبها، وعلى الداعي المسلم أن يقتدي برسول الله -صلى الله عليه وسلم-
(1/219)
________________________________________
فينتقل إلى الناس في أماكنهم ومجالسهم وقراهم، ويبلّغهم الإسلام ويدعوهم إلى الله تعالى، ويا حبذا لو توزّع الدعاة إلى القرى والمحلات، وتفرّغ كل واحد منهم إلى جهة، وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي: "يتكفّل كل عالم بإقليم أو بلدة أو محلة أو مسجد أو مشهد، فيعلم أهله دينهم، وتمييز ما يضرهم عمَّا ينفعهم، وما يشقيهم عمّا يسعدهم، ولا ينبغي أن يصبر إلى أن يُسأل عنه، بل ينبغي أن يتصدى إلى دعوة الناس إلى نفسه، فإنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء ما تركوا الناس على جهلهم، بل كانوا ينادونهم إلى مجامعهم، ويدورون على أبواب دورهم في الابتداء، ويطلبون واحدًا واحدًا، فيرشدونهم، وهذا فرض عين على العلماء كافّة، وعلى السلاطين كافّة أن يرتبوا في كل قرية وفي كل محلة فقيهًا متدينًا يعلّم الناس دينهم، فإن الخلق لا يولدون إلّا جهّالًا، فلا بدّ من تبليغ الدعوة إليهم في الأصل والفرع، لا يستهان بأي إنسان، لا يجوز للداعي أن يستصغر شأن أيّ إنسان، أو أن يستهين به فلا يدعوه؛ لأنّ من حق كل إنسان أن يدعَى، وقد يكون هذا الذي لا يقيم له الداعي وزنًا سيكون له عند الله وزن كبير بخدمته للإسلام والدعوة إليه.
وهكذا، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو كل إنسان يلقاه أو يذهب إليه، جاء في السيرة النبوية: أنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أن عرض نفسه الكريمة على قبائل العرب التي وافت الموسم في مكة، وكان ذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ولم يستجب لهم منهم أحد، لقي ستة نفر من الخزرج عند العقبة من منى، وهم يحلقون رءوسهم، فجلس إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله وآمنوا، ثم رجعوا إلى قومهم بالمدينة، وذكروا لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ودعوهم إلى الإسلام، ففشا فيهم حتى لم يبقَ دار من دور الأنصار إلّا فيه ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يستصغر شأن أولئك الستة وهم
(1/220)
________________________________________
يحلقون رءوسهم، بعد أن لم يستجب له أحد من القبائل النازلة حوالي مكة، ولم يقل في نفسه الكريمة: أي أمل في هؤلاء المشغولين بحلق رءوسهم، ثم إن أولئك الستة كانوا هم الدعاة الأول إلى الإسلام في المدينة، فعلى الداعي أن يقتدي بهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يستهين بأحد فيزهد في دعوته، فقد يكون الخير الكثير على يد هذا الذي لا يرى فيه خيرًا الآن.
واجبات المدعو:
وإذا كان من حقّ المدعو أن يؤتَى ويُدعَى وأن لا يستهان به ولا يستصغر شأنه، فإن عليه أن يستجيب إذا ما دعي إلى الله؛ لأنه يدعى إلى الخير والحق، ويستجيب لنداء ربه -جل جلاله- وعلى ذلك فالمدعوون هم مقصد العملية الدعوية كلها، وهم الغاية التي يراد إحداث تأثير فيها، وحتى يتحقق التأثير المطلوب في المدعوين يحتاج الدعاة إلى معرفة مسبَقة بالمدعوين، تمكنهم من الالتقاء بهم، وإحداث نوع من التجاذب والتجاوب معهم.
إن الإنسان عموما ينظر لغيره بمرآته، ويفسر ما يرى بطبيعته ومشاعره، ويقبل على من يحرص عليه، ويسمع من يخاطب عواطفه وقلبه، هذه الحقائق الفطرية المتصلة بالإنسان تحتم معرفته قبل المجيء إليه، وإعداد الموضوع الذي سيعرض عليه، وصياغة الأسلوب المناسب لخطابه، وباللغة التي يفهمها، وبواسطة هذا الإعداد يمكن الوصول الجادّ للمدعوين.
إن معرفة خصائص الجمهور النفسية والفكرية ليس أمرًا سهلًا، ولكنه يحتاج إلى دراسات نظرية وميدانية توضّح جوانب معينة في المدعوين، تتصل بأنواعهم وأجناسهم وأمزجتهم وثقافتهم وأديانهم، فلقد اختار الله لكل أمة رسولًا من
(1/221)
________________________________________
بينها، بعد أن عايشهم وخبرهم وأحاط بمذاهبهم وأخلاقهم، وذلك من صناعة الله وتقديره، نلحظ ذلك في قصص القرآن الكريم؛ حيث إن نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم -عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه- قد أرسِلوا إلى أقوامهم بعد أن عاشوا قبلهم مدة ما قبل الرسالة، ولذلك كان رسل الله -عليهم الصلاة والسلام- يدعون قومهم إلى التوحيد، وبعدها ينتقلون مباشرة إلى توجيههم نحو الصواب، ووجوب التخلّص من الرذائل التي كانت متفشية فيهم.
إنّ الرسل كانوا يتحرّكون بوحي من الله تعالى، ومع ذلك فقد جعل الله حركتهم أسوة للمؤمنين، يتخذونها منهجًا للدعوة، ودستورًا للعمل الخير الأمين.

سنة الاختلاف، والاختلاف فى علم الفقه، والاختلاف بين الصحابة
الاختلاف بين الناس سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، يقول الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (هود: 118، 119) قال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة، من إيمان وكفران، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} (يونس: 99) وقوله: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} (هود: 119) أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآراءهم"، وقال عكرمة: "مختلفين في الهدى"، وقال الحسن: "مختلفين في الرزق، سخر بعضهم بعضًا، والمشهور الصحيح الأول، وقوله: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} (هود: 119) أي: الموحدين من أتباع الرسل، الذين تمسّكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وخاتم الرسل والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ووازروه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة؛ لأنهم الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن، من طرقٍ يشد
(1/222)
________________________________________
بعضها بعضًا: ((إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)) رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.
كما قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (البقرة: 213) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59) أمّا الاختلاف الذي يؤدي إلى إضعاف الأمة وتفرقها فهو منهي عنه، من ذلك ما رواه الترمذي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: ((خطبنا عمر، فقال: يأيها الناس، إني قمت فيكم مقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فينا، فقال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة)) وروي في الصحيحين أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر أنّ من فارق الجماعة شبرًا فمات، مات ميتة جاهلية، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذّ إلى النار)).
الاختلاف في علم الفقه:
يقول الشيخ الإمام محمد أبو زهرة: "يجب أن نقرّر أنّ الاختلاف الفقهي في غير ما جاء به نصٌّ من الكتاب والسنة، كان دراسة عميقة لمعاني الكتاب والسنة، وما
(1/223)
________________________________________
يستنبط منهما من أقيسة، ولم يكن افتراقًا، بل كان خلافًا في النظر، ولا شك أن هذا النوع من الاختلاف فيه تيسير على المسلمين، يقول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولًا واحدًا لكان الناس في ضيق".
وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في (حلية الأولياء) عن عبد الله بن الحكم قال: سمعت مالك بن أنس -رحمه الله تعالى- يقول: "شاورني هارون الرشيد في أن يعلق (الموطأ) في الكعبة، ويحمل الناس على ما كان فيه، فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكلّ عند نفسه مصيب، فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في (الفتاوى): "صنّف رجل كتابًا في الاختلاف، فقال أحمد: لا تسمه كتاب الاختلاف، ولكن سمه السعة"، وروى ابن سعد في (الطبقات) عن الواقدي قال: "سمعت مالك بن أنس يقول: لمّا حجّ المنصور قال لي: إني قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، ودانوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم".
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة
المصدر: ملتقى شذرات

__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-03-2021, 10:26 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 24,889
افتراضي

وقال ابن قدامة المقدسي -رحمه الله تعالى: "وأما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين؛ كالطوائف، وهي المذاهب الفقهية الأربعة، فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة".
(1/224)
________________________________________
روى أبو نعيم بسنده عن سفيان الثوري أنه قال: "إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه"، وذكر ابن مفلح في (الآداب الشرعية) عن الإمام أحمد، أنّه لا إنكار على من اجتهد فيما يصوغ فيه خلاف في الفروع، فقال: "وقد قال أحمد في رواية المروذي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب، ولا يشدد عليهم".
روى الخطيب البغدادي عن سفيان الثوري: "ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهي أحد من إخواني أن يأخذ به"، وقال ابن رجب الحنبلي: "والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعًا عليه، فإن المختلف فيه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدًا أو مقلدًا لمجتهد تقليدًا سائغًا"، وقال ابن قدامة: "لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار على المجتهدات".
وقال الدهلوي: "لقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم فيهم من يقرأ البسملة، وفيهم من لا يقرأها، ومنهم من لا يجهر بها، ومنهم من يسرّ بها، وكان منهم من يقنط في الفجر، ومنهم من لا يقنط، ومنهم من لا يتوضأ من الحجامة، ومنهم من يتوضأ من ذلك، إلى أن قال: ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثلما كان أبو حنيفة أو أصحابه، والشافعي، وغيرهم، يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرًّا ولا جهرًا".
هذا وقد اختلف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم في الطريق لحرب بني قريظة، حول حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم: ((لا يصلينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة)) فأدركتهم الصلاة في الطريق، فقال قوم: لا نصلي إلّا في بني قريظة، وفاتتهم صلاة العصر، وقال قوم: لم يرد منا تأخير الصلاة، فصلوا في الطريق، فلم يعب
(1/225)
________________________________________
واحدًا من الطائفتين إذن، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر أحد الفريقين بالقضاء، ولم يعنفه على اجتهاده.
قال ابن عبد البر: "ونهى السلف -رحمهم الله تعالى- عن الجدال في الله -جل ثناؤه- في صفاته وأسمائه، وأمّا الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ لأنه علم يحتاج فيه إلى ردّ الفروع على الأصول؛ للحاجة إلى ذلك، وليس الاعتقادات كذلك".
وقال الآمدي: "وإن أفضى الخلاف بين المجتهدين، فإن ذلك غير محذور مطلقًا، فإن جميع الشرائع والملل كلها من عند الله، وهي مختلفة، ولا محذور فيها، وإلا لما كانت مشروعة من عند الله، كيف وأن الأمة الإسلامية معصومة من الخطأ على ما عُرِف، فلو كان الاختلاف مذمومًا ومحذورًا على الإطلاق لكانت الصحابة مع اشتهار اختلافهم وتباين أقوالهم في المسائل الفقهية مخطئة، بل الأمة قاطبة، وذلك ممتنع، وعلى هذا فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه على الاختلاف في التوحيد والإيمان بالله ورسوله، والقيام بنصرته، وفيما المطلوب فيه بالقطع دون الظن، والاختلاف بعد الوفاق، واختلاف العامّة ومن ليس له أهلية النظر والاجتهاد".
اختلاف الصحابة:
قال أبو الحسن الأشعري صاحب كتاب (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين): "اختلف الناس بعد نبيهم -صلى الله عليه وسلم- في أشياء كثيرة، ضلّل بعضهم بعضًا، وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقًا متباينين، وأحزابا متشتتين، إلّا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم".
(1/226)
________________________________________
قال محقق هذا الكتاب محمد محي الدين عبد الحميد معلقًا على كلام الأشعري: "اعلم أولًا أنّ أصحاب الرسول كانوا كلهم أجمعون عند وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعدها على عقيدة واحدة، وطريق واحد، ولم يكن أحدهم ليختلف مع الآخر، إلا في فهمٍ أوتي في كتاب الله أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم، يعرضه على أخيه، فإن لم يكن عنده ما يدفعه من سنة أو فهم في كتاب أو سنة، رجع إلى قول أخيه، وتقبله أحسن القبول، إلّا قومًا كانوا يبطنون النفاق ويظهرون الوفاق، كان منهم المعروف في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وإذا أنت نظرت فيما اختلفوا فيه وجدتهم قد اختلفوا في أمور اجتهادية، لا يوجب الخلاف في أحدها إيمانًا ولا كفرًا، بل لا يوجب الخلاف فيها كلها مجتمعة إيمانًا ولا كفرًا، ووجدت أنهم قد كان غرض كل واحد من المختلفين في كل مسألة منها إقامة مراسم الدين، وإدانة مناهج الشرع القويم، بل أنت تجدهم قد اختلفوا في بعض هذه المسائل، والرسول -صلى الله عليه وسلم- بين أظهرهم لم يفارق هذه الدنيا، ثم جاء من بعد عصرهم -رضوان الله تعالى عليهم- قوم استغلوا أحيانًا اختلاف الصحابة في بعض المسائل، واتخذوا من هذا الخلاف سبيلًا يسلكونه إلى تفريق كلمة هذه الأمة، وراحوا يلتمسون لبعض وجهات النظر أدلة لم يقتنع بها الذين خالفوا هذا الاتجاه في العصر السابق، بل لعلّ الذين كانوا يرون هذا الاتجاه قد عدلوا عنه، ولم يبقوا متمسكين به، إمّا اقتناعًا بما استدل به من خالفهم، وإما إبقاء على وحدة الأمة واستمساكها، بالإيلاف الذي امتنّ الله تعالى به عليهم؛ إذ لم يكن في أحد الرأيين ما يخالف نصًّا من كتاب الله أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهم بذلك يضربون أروع المثل لفناء الفرد في الجماعة الصالحة".
ونستطيع أن نقسّم لك بعد الذي أسلفناه الاختلاف الحاصل في المسائل الاجتهادية بين الصحابة إلى قسمين:
(1/227)
________________________________________
القسم الأول: الاختلاف في مسائل لم تصل فيما بعد من شعار جماعة من أهل الفرق.
القسم الثاني: الاختلاف في مسائل اجتهادية أيضًا، اتخذها قوم من بعدهم تكأة، إمّا للطعن في بعض الصحابة، وإمّا جعلوها أساسًا لنحلتهم، أو استدلوا بها في مسألة من مسائلهم التي اتخذوها شعارًا لهم، وهذا التقسيم يمكن أن يأخذ من قول المؤلف عقيب ذكر الاختلاف في شأن عثمان -رضي الله عنه- وعقيب الاختلاف في عهد علي، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم، ونضرب لك أمثلة من كل واحد من هذين النوعين؛ ليتضح أمرهما اتضاحًا لا نحتاج معه إلى شيء.
لمَّا اشتد الوجع برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لمن حوله من أصحابه: ((أأتوني بقرطاس أكتب لكم كتابًا، لا تضلوا بعدي)) فاختلف من حوله: هل يجيئون بقرطاس ليملي عليهم الرسول -صلوات الله وسلامه عليه، أم يكتفون بما علموه من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم، وقال عمر بن الخطاب: إن النبي قد غيّبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط في ذلك، حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع)).
كذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قبيل مرضه الذي عقِبَه انتقاله للرفيق الأعلى، قد جهّز جيشًا، وجعل على رأسه أسامة بن زيد، ولما أخذه المرض توقّف الجيش عن المسير، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر حياته: ((جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلّف عنه)) مع هذا اختلفوا أيتمون بعث أسامة إيذانًا للعرب ولغيرهم بأنّ وجع النبي -صلى الله عليه وسلم- ووفاته لم تثنِ عزائم أصحابه عن إتمام ما شرع لهم، أم يبقون أسامة ومن معهم يترقّبون ما يكون من العرب، فقد كان بعضهم يخشى انتقاد العرب، اختلفوا في ذلك قبيل وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته، ولكن أبا بكر -رضي الله عنه- أصرّ على اتّباع الأمر، ثقة منه بأن البركة في اتباع أمره -صلى الله عليه وسلم- وأنّ في بعثه إرهابًا لمن تحدثه نفسه من العرب بالانتقاد.
(1/228)
________________________________________
كذلك لما أذيع نعي النبي -صلى الله عليه وسلم- هال الخبر بعض أصحابه، حتى غيب عقولهم فاختلفوا: أمات الرسول -صلى الله عليه وسلم- أم لم يمت، حتى قال عمر بن الخطاب -وهو من هو في- هذا الصدد: "من قال إنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد مات ضربته بالسيف" ووقف أبو بكر -رضي الله عنه- يعلن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد لحق بربه، وأن شأنه في هذا الأمر شأن غيره من الناس، ويتلو على الذين هالتهم المصيبة قول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران: 144) ويسمع عمر المضطرب القويّ الضعيف عن احتمال الفاجعة هذه الآية الكريمة، فيثوب إليه الرشد، ويعلم أنّ وعد الله حق، ويتذكر ما حفظه من قبل من هذه الآية، ومن نحو قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (الزمر: 30) ومن نحو قوله سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} (الأنبياء: 34) فيخضع لقضاء الله، ويؤمن بأن الله تعالى قد اختار لرسوله ما عنده، بعد أن أكمل به الدين الذي رضيه لهم، ويقول: "والله لكأنّي لم أسمع هذه الآية من قبل".
كذلك، اختلفوا في المكان الذي يدفنون فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيذهبون بجثمانه الطاهر إلى مكة فيدفنونه هناك في مقابر آبائه؛ ولأن مكة مكان مولده ومبعثه، ثم فيها البيت الحرام الذي جعله الله قبلته، وفيها قبر أبيه إسماعيل -عليه السلام- أم يذهبون به إلى بيت المقدس فيدفنونه هناك؛ حيث يوجد قبر أبيه الخليل إبراهيم -عليه السلام- وكثير من الأنبياء، أم يبقونه في المدينة؛ لأنها دار هجرته، ومقر أنصاره الذين أظهر الله بهم دينه، ويقف أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في هذه المسألة موقف الحكيم الرزين، فيروي لهم، أنّه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرّر أن الأنبياء يدفنون حيث يقبضون، فتجتمع كلمتهم على أن يدفن في حجرة عائشة التي مات بها، وهي في داره -صلى الله عليه وسلم- الملاصقة لمسجده والشارعة أبوابها فيه.
(1/229)
________________________________________
كما حدث أن استحلّ جماعة من العرب منع الزكاة بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- ويختلف الصحابة في أمرهم: أيقاتلونهم كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقاتل الكفار، أم يتركونهم مخافة ألا يقووا على قتالهم، فتضيع هيبة العرب إياهم، وينحاز عمر بن الخطاب إلى القائلين بترك قتالهم، ويشتد في خلاف أبي بكر، ويستدل لما ذهب إليه من الرأي، ويقول لأبي بكر: كيف نقاتلهم وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم)) ويجد أبو بكر مساغًا للردّ عليه، ويقول له: أليس قد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هذا: ((إلّا بحقها)) ومن حقها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه، ويذعن عمر -رضي الله عنه- وينقاد لفهم أبي بكر في الحديث.
ويحارب المسلمين من ارتدّ من العرب، ويحاربون غيرهم، وفي المسلمين كثير ممن حفظ القرآن الكريم، ويموت بعض هؤلاء في حروب الردة وغيرها، فيخاف عمر أن يستحرّ القتل في حفظة القرآن الكريم، فيذهب إلى أبي بكر يلتمس منه أن يجمع القرآن، ويعرضه على ثقات الحفاظ، ويأبى أبو بكر -رضي الله عنه-؛ لأن ذلك شيء لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ويحاول عمر إقناعه بأن المصلحة فيما يدعوه إليه، وأن الضرر الذي ينجم عن الامتناع أكثر مما يتعلل به، وينضم إلى أبي بكر جماعة من الصحابة، ولكن إخلاص عمر -رضي الله عنه- في الذي يدعوهم إليه، ما يزال يدفعه إلى مقاولتهم وحجاجهم حتى يشرح الله صدورهم لما شرح له صدر عمر، فيؤخذوا في جمع الصحف والعسب والرقاع والأدم، ويرسم أبو بكر الطريق إلى بلوغ هذه الغاية، ويستقر رأي جميعهم على ما شرح الله له صدور الذين كانوا يختلفون.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/230)
________________________________________
الدرس: 14 أصناف المدعوين وكيفية دعوتهم، والدعوة على الوجه الأمثل.
(1/231)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع عشر
(أصناف المدعوين وكيفية دعوتهم، والدعوة على الوجه الأمثل)

أصناف المدعوين: الملأ، وجمهور الناس، والمنافقون، والعصاة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
في كل مجتمع يوجَد سادة كما يوجد أشراف لهم نفوذ فيه، وقد يكون بأيديهم السلطان، وهؤلاء هم الصفّ الأول من المدعوين، ويسميهم القرآن الملأ.
وإزاء هؤلاء يوجد جمهور الناس وعامّتهم، وهؤلاء هم الصنف الثاني من المدعوين.
فإذا ما استجاب الناس إلى الدعوة إلى الله، ودخل الإيمان في قلوبهم، وصارت الغلبة للمؤمنين، وصار المجتمع إسلاميًّا- أمكن عند ذاك ظهور صنف آخر يظهر الإسلام رياءً ونفاقًا ويبطن الكفر، وهؤلاء هم المنافقون، وهم الصنف الثالث من أصناف المدعوين.
كما أن من دخل في الإسلام قد يكون إسلامه ضعيفًا، وإيمانه رقيقًا، مما يجعل انزلاقه إلى المعاصي سهلًا، وهؤلاء هم العصاة، ويكوّنون الصنف الرابع من أصناف المدعوين، ولا بد من الكلام عن هذه الأصناف في المباحث التالية:
المبحث الأول: الملأ:
تعريف الملأ: يستعمل القرآن الكريم كلمة الملأ في قصصه عن الرسل الكرام، وما جرى لهم من أقوامهم، والملأ كما يقول المفسرون: هم أشراف القوم وقادتهم ورؤساؤهم وسادتهم، فهم إذن البارزون في المجتمع وأصحاب النفوذ فيه، الذين يعتبرهم الناس أشرافًا وسادة، أو يعتبرون حسب مفاهيم المجتمع وقيمه أشراف المجتمع وسادته، ومن ثَمَّ يستحقون في عرف الناس قيادة المجتمع والزعامة والرئاسة فيه، وقد يباشرون ذلك فعلًا، وإطلاق كلمة الملأ على هؤلاء
(1/233)
________________________________________
في القرآن الكريم بهذا المعنى هو من قبيل بيان الواقع، لا من قبيل بيان استحقاقهم فعلًا للشرف والسيادة والقيادة والرئاسة، ويشبه هذا الإطلاق ما ورد في رسائل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى رؤساء فارس والروم ومصر، فقد جاء في بعض هذه الرسائل مخاطبة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- إلى رئيس الروم بعبارة: إلى عظيم الروم، فإطلاق هذه العبارة على رئيس الروم من قبيل بيان واقعة، وهو أنه عظيم في نظر الروم؛ لرئاسته لهم، وليس بيانًا لاستحقاقه هذا الوصف.
الملأ والدعوة إلى الله:
والوصف الغالب على الملأ من كل قوم معاداتهم للدعوة إلى الله، فقد قاوموا دعوة الرسل الكرام إلى الله تعالى، وكانوا هم الذين يتولون كبر المقاومة الأثيمة للدعوة إلى الله، ويقودون حملة التكذيب والافتراء والتضليل ضد أنبياء الله تعالى، يدل على ذلك قول ربنا تبارك وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} (سبأ: 34، 35) يخبر الله -سبحانه وتعالى- في هذه الآية الكريمة رسولَه محمد -صلى الله عليه وسلم- مسليًا له، أنه ما أرسل من رسول إلى قرية إلّا قال مترفوها وهم أولي القوة والحشمة والثروة والترف والرياسة، وقادة الناس في الشر: لا نؤمن به ولا نتبعه، وقال تعالى عن سيدنا نوح -عليه السلام: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (الأعراف: 59) فقال الملأ من قومه: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الأعراف: 60).
فالملأ من قوم نوح هم الذين تصدّوا للدعوة إلى الله، وهم الذين نسبوا نبيهم إلى الضلال المبين، وهذا من أعظم الظلم والصد عن سبيل الله؛ إذ يوصف الحق الذي جاء به نوح من ربه بالضلال، ولكن هذا هو منطق الملأ، وكذلك كان
(1/234)
________________________________________
موقف الملأ من قريش من دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قاوموا هذه الدعوة المباركة، وآذوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورموه بالكذب وتآمروا به قال تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ* أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ* وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ* مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} (ص: 4 - 7)، والملأ في الآية الكريمة هم سادة قريش وقادتها ورؤساؤها وكبراؤها، قالوا لقومهم: استمروا على دينكم ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد -صلى الله عليه وسلم- من التوحيد.
وفي السيرة النبوية الشيء الكثير عن موقف الملأ من قريش وغيرهم من الدعوة إلى الله، التي بلغهم إياها الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم، من ذلك ما ذكره ابن هشام في سيرته من أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج إلى القبائل ويدعوها إلى الله، وكان يمشي وراءه أبو لهب -وهو من أشراف قريش- ويقول للناس: لا تطيعوه ولا تسمعوا منه، وكذلك عندما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف، واجتمع بنفر منهم -وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافها- ردوه أقبح رد، ولم يكتفوا بذلك، وإنما أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس.
أسباب عداوة الملأ للدعوة إلى الله:
من التأمل في الآيات المسوقة في قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أقوامهم، تظهر لنا أسباب مخاصمة الملأ للرسل الكرام، وعداوتهم لهم، ورفضهم دعوتهم، ومن أهم هذه الأسباب: الكبر الذي تغلغل في نفوسهم، وحبهم الرياسة والجاه، والجهالات التي حسبوه أدلة ويقينيات، ونتكلم فيما يلي عن كل سبب مع ما ورد بشأنه من آيات وآثار.
(1/235)
________________________________________
أولًا: الكِبْر:
الكبر خلق ذميم وآفة عظيمة متسقرة في النفس، وتظهر آثاره في الخارج بأشكال مختلفة ومواقف متعددة، ومن آثاره عدم رؤية الحق في غالب الأحيان، أو رؤيته ولكن الكبر يمنع من الاعتراف به والانقياد له، كما يمنع الاعتراف بالفضل لأولي الفضل، ويمنع الكبر من الرؤية الصحيحة لقدر نفسه، فيراها فوق أقدار الناس، فيستنكف أن يكون معهم أو تابعًا لأحد منهم، وقد يقترن الحسد مع الكبر، فيزيد من آثاره سوءًا وصدودًا عن الحق وجحدًا له، ومحاربة لأهله وعداوة لهم، ومن الآيات الدالة على صفة الكبر في الملأ، وما أدت إليه من نتائج غاية في السوء والقبح قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (النمل: 14) ففرعون وقومه أنكروا نبوة موسى -عليه السلام- مع أن نفوسهم أيقنت بها، وكان الحامل لهم على إنكارها ظلمهم وتكبرهم على موسى -عليه السلام.
كذلك ما بينه الله تعالى عن الملأ من قريش، وكيف أنهم وصفوا دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالكذب والاختلاق، قال تعالى مخبرًا عنهم: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} (ص: 7) وكيف أنهم وصفوه ب***** والجنون -قبّحهم الله تعالى- قال تعالى مخبرًا عن الملأ من قوم نوح: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} (هود: 27) فالملأ من قوم نوح يقولون: ما نراك اتبعك إلّا أراذل القوم، وهم الفقراء والضعفاء وأصحاب الحرف الخسيسة، ولم يتبعك السادة والأشراف، ولا القادة والرؤساء، فيكيف نكون معهم ومثلهم في متابعتك.
(1/236)
________________________________________
وفي السيرة النبوية: أنّ الملأ من قريش قالوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: لا نرضى أن نكون مع هؤلاء، يعنون ضعفاء المسلمين مثل صهيب وعمار وبلال وخباب، فاطردهم عنك ولا تبقهم في مجلسك إذا دخلنا عليك، فإذا فرغنا من الحديث معك والسماع منك وخرجنا، فأدخلهم إن شئت، فأنزل الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} (الكهف: 28) وقال تعالى عن أولئك المتكبرين المتعجرفين، الذين طلبوا ما طلبوا: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} (الكهف: 28) وقال تعالى عن المتكبرين عن رسالة الإسلام والإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (الزخرف: 31، 32) ومعنى هذه الآية الكريمة: أنّ المعترضين على القرآن الكريم، المتكبرين عن الإيمان به، والتصديق بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- قالوا: هلّا كان إنزال القرآن على رجل كبير في أعينهم من القريتين مكة والطائف، وعن ابن عباس: يعنون بالرجل العظيم جبارًا من جبابرة قريش، فهم بدافع كبرهم النفسي يستصغرون شأن الرسول -صلى الله عليه وسلم، ولا يرونه أهلًا للرسالة، وأنهم أو غيرهم من الكبراء هم المستحقون للرسالة وتنزّل الوحي، ورد الله عليهم قولهم بأنّ الأمر بيد الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ثانيا: حب الرياسة والجاه:
والملأ يحبون الرياسة والجاه والتسلط على رقاب العباد، ولذلك فهم يعارضون كل دعوة تسلبهم مكانتهم بين الناس، وتجعلهم تابعين كبقية الناس، وهم يتصورون أن قبولهم الدعوة إلى الله يسلبهم جاههم وسلطانهم، ولذلك يقاومونها ويعادونها، ويأتون بالأباطيل لتبرير عداوتهم، ومن الآيات الدالة على
(1/237)
________________________________________
حبهم للرياسة والجاه، أن هذا الحب كان من أسباب رفضهم دعوة الحق إلى الله تعالى ما يأتي:
1 - في قصة نوح -عليه السلام- قال تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} (المؤمنون: 24) فالملأ دفاعًا عن رياستهم على الناس، وتسلطهم عليهم يقولون لقومهم: إن نوحًا بدعوته هذه يريد أن يتفضل عليكم، أن يترفع ويتعاظم عليكم ويترأس عليكم، ويريد الملأ بهذا الادعاء صرف الناس عن نوح -عليه السلام؛ لتبقى سيطرتهم ورياستهم عليهم، والحقيقة أن رسل الله لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، ولا رياسة ولا تعاظمًا، وإنما هم بطبيعة دعوتهم يصيرون أئمة للناس، وتصير لهم الرياسة، ولكن ليست هي مثل رياسة أولئك الملأ المتكبرين على الله.
قال تعالى عن فرعون وملئه: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ* قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ* قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} (يونس: 75 - 78) ففرعون وملؤه استكبروا عن اتباع الحق والانقياد له، وكانوا قومًا مجرمين، ثم برروا استكبارهم عن الحق بالادِّعاء بأن موسى وهارون يريدان ثنيهم عن الدين الذي كان عليه آباؤهم، أو أنهما يريدان أن تكون لهما الكبرياء، أي: العظمة والرياسة في الأرض.
وقال تعالى عن الملأ من قريش: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} (ص: 6) هذا بعض ما قاله الملأ من قريش، ومعناه كما جاء في
(1/238)
________________________________________
(تفسير القرطبي): إن هذا لشيء يراد، كلمة تحذير، أي: إنما يريد محمد -صلى الله عليه وسلم- بما يقول الانقياد له، ليعلو علينا، ونكون له أتباعًا، فيتحكم فينا بما يريد، فاحذروا أن تطيعوه.
ثالثا: الجهالة:
والملأ غارق في الجهالة، ولا يشعر بجهالته، فهو يكفر بربه، ويرد دعوته الكريمة التي بعث بها رسله إلى الناس، ويصفها بأنها ضلال، ويرمي مبلغيها وهم الرسل الكرام بالسفاهة وخفة العقل، ويقلّب الدهماء عليهم، ويكيد ضدهم ويعاديهم، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (الزخرف: 23) والمترفون هم الملأ، وجوابهم على دعوة رسل الله أنهم وجدوا آباءهم على ملة ودين، وأنهم مقتفون أثرهم، لا يحيدون عن ذلك، وهذا من جهلهم؛ لأن الباطل لا يتابع، وأن الحق أحق أن يتبع، وهذا التقليد الذميم للباطل القديم الذي كان عليه الآباء والأجداد من أعظم أسباب التمرد على الحق، قال تعالى في داء التقليد الذميم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170) وقال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} (الأعراف: 127).
الملأ من قوم فرعون يعتبرون موسى نبي الله والداعي إليه، وأتباعه المؤمنين- مفسدين في الأرض، ويقلّبون فرعون على مقاومتهم والقضاء عليهم، إن جهلهم مع كبرهم وحبهم للرياسة والجاه جعلهم يعتبرون موسى مفسدًا في الأرض.
(1/239)
________________________________________
الملأ هم الملأ في كل زمان ومكان، والملأ بأوصافهم وأخلاقهم التي بينها القرآن الكريم يوجدون في كل مجتمع، وفي كل مكان وزمان، ولهذا فهم يقفون غالبًا في وجه كل دعوة إلى الله تعالى، ويحاربونها بدافع من الكبر الذي يغشى نفوسهم، وبدافع حب الرياسة على الناس، وخوفهم من أن تسلبهم هذه الدعوة الإصلاحية مركزهم ومكانتهم وترفهم، ومما يدل على بقاء الملأ في كل زمان ومكان، معارضين لكل دعوة طيبة خيرة تريد الإصلاح وإيصال الناس إلى خالقهم.
إن الدوافع التي دفعت الملأ من الأقوام الماضية إلى محاربة رسل الله والدعوة إليه، هي نفسها توجد في نفوس الكبراء والمترفين، فالكبر يعلق في النفوس المريضة، والحرص على الرياسة والجاه والمنزلة موجود في النفوس، وإنما ينقمع بالإيمان، والجهل يخيم على مثل هذه النفوس التي تعشق العلوّ في الأرض، وإذا ما دخل أصل الإيمان في نفوس السادة والكبراء والأشراف، فإن هذا الإيمان يبقى ضعيفًا غالبًا، لا يقوى على منعهم من الصد عن سبيل الله، ولا عن محاربة الدعاة إلى الله تعالى بشبهات واهية من جنس شبهات الملأ القدامى، الذين حاربوا رسل الله وصدوا عن دعوتهم المباركة، وقد تنبه المفسرون إلى أن الملأ يبقون معارضين للدعوة إلى الله.
جاء في تفسير ابن كثير بصدد قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الأعراف: 60) قال: وهكذا حال الفجار، إنما يرون الأبرار في ضلالة، وقال أيضًا في مكان آخر من تفسيره: ثم الواقع غالبًا أن من يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته.
المبحث الثاني: جمهور الناس:
تعريف جمهور الناس: نريد من قولنا: جمهور الناس معظمهم؛ لأن جمهور كل شيء معظمه وأكثره، والمقصود بمعظم الناس ما عدا الملأ، وهم عادة قلة،
(1/240)
________________________________________
أما ما عاداهم فهم أكثرية الناس في أي مجتمع بشري، وهؤلاء الجمهور يكونون عادة مرءوسين للملأ وتابعين لهم، وكما يكونون غالبًا فقراء وضعفاء، ويباشرون مختلف الأعمال والحرف، والجمهور أسرع من غيرهم إلى الاستجابة إلى الحق، فهم أتباع رسل الله، يصدقونهم ويؤمنون بهم قبل غيرهم، قال هرقل لأبي سفيان يوم اجتمع به في الشام، لما سمع هرقل بأنه من مكة، فأراد أن يسأل عن أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم، قال هرقل: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هم أتباع الرسل.
والواقع أن أتباع رسل الله كانوا من جمهور الناس، والملأ قالوا لنوح -عليه السلام: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} وقول الملأ من ثمود كما حكاه الله -جل جلاله- عنهم: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} (الأعراف: 75) وكذلك كان أتباع نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في مكة من الضعفاء، وقد نالهم من المشركين أذًى كثيرًا، قال ابن كثير: ثم الواقع غالبًا أن يتبع الحق ضعفاء الناس.
المبحث الثالث: المنافقون:
تعريف المنافق: المنافق في الاصطلاح الشرعي هو الذي يظهر غير ما يبطنه ويخفيه، فإن كان الذي يخفيه التكذيب بأصول الإيمان فهو المنافق الخالص، وحكمه في الآخرة حكم الكافر، وقد يزيد عليه في العذاب لخداعه المؤمنين بما يظهره لهم من الإسلام، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (النساء: 145) وإن كان الذي يخفيه غير الكفر بالله وكتابه ورسوله، وإنما هو
(1/241)
________________________________________
شيء من المعصية لله، فهو الذي فيه شعبة أو أكثر من شعب النفاق، وأساس النفاق الكفر والجبن، أمّا الكفر فهو ما يبطنه المنافق، وأما الجبن فهو الذي يجعل المنافق يظهر خلاف ما يبطنه من الكفر، ولهذا لا يكون المنافق إلّا جبانًا خوّارًا، ضعيف القلب، يحسن الكيد والمواربة والعمل في الظلام، وإذا لقي المؤمنين أظهر لهم نفسه كأنه مؤمن، {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (البقرة: 14) فهم لجبنهم يقولون: إننا مؤمنون، وإذا خلوا إلى قرنائهم من المنافقين والكاذبين قالوا: نحن نستهزئ بالمؤمنين بقولنا لهم: إننا مؤمنون.
المبحث الرابع: العصاة:
تعريفهم: نريد بالعصاة كصنف من أصناف الناس: من كان عندهم أصل الإيمان، وهو الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولكنهم لا يقومون بحقوق هذه الشهادة، فهم يخالفون بعض أوامر الشرع، ويرتكبون بعض نواهيه، ومنهم المكثر من المعاصي، ومنهم المقلّ، ومنهم بين ذلك على درجات كثيرة جدًّا، ومتنوعة جدًّا، لا يحصيها إلّا الله تعالى، والمسلم غير معصوم من المعصية، جاء في الحديث: ((كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطاءين التوابون)) وتعليل ذلك أنّ نفس الإنسان قابلة لارتكاب المعصية، كما هي قابلة لفعل الطاعة، والمطلوب من المسلم أن يحرص على طاعة الله وعدم معصيته، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس: 7 - 10) وإذا وقع في معصية فعليه أن يسارع إلى التوبة، ويقلع عن معصيته، وينيب إلى ربه.
(1/242)
________________________________________
اتحادٌ بين الأصل الإنساني ووحدة التكاليف الشرعية:
الله -سبحانه وتعالى- يخاطب الناس جميعًا بأنه خلقهم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، فقال -عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} (الأعراف: 189) وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء: 1) وقال -عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقرّر أنّ الناس لآدم، وآدم من تراب.
إن الأديان ضرورية للبشرية وفطرية بها، هذه حقيقة تاريخية وفكرية ودينية أيضًا، فكل إنسان له دين، والذين ينكرون الأديان لا يؤمنون بأي دين منها، ويحاربون كل الأديان، لهم دين جديد هو ألّا يكون لهم دين، فهم عندما رفضوا الدين اتخذوا دينًا آخر وهو الهوى، قال -سبحانه وتعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الجاثية: 23) ولمّا كان الإسلام دعوة إلى الكافة وإلى العالم أجمع، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا إلى الناس جميعًا، قال تعالى مخاطبًا رسوله -صلى الله عليه وسلم-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (سبأ: 28) وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (الأعراف: 158) وأنه لا نبي بعد النبي -صلى الله عليه وسلم، فهو خاتم النبيين، قال -سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (الأحزاب: 40) وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107) وقال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} (الأنعام: 19).
والنتيجة من كل ذلك أنّ الإسلام هو دين جميع الشعوب والأجيال، فهو دين الجيل الذي بُعث فيه محمد -صلى الله عليه وسلم- ودين الأجيال من بعده حتى يوم الدين؛ لأنه دين
(1/243)
________________________________________
الله -سبحانه وتعالى، وأنه لن يقبل من البشر دينًا غيره، قال -سبحانه وتعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران: 19) وقال -عز وجل-: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85) وقال -عز وجل: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة: 285).

تنوع الخطاب الدعوي وفق أحوال المدعوّين
لا بُدَّ للداعية من اتباع المنهج القرآني والمسلك النبوي في الدعوة إلى الإسلام، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) وكلمة الحكمة: هي وضع الأمور في نصابها، واتباع الوسائل الحديثة في استجلاب الأنصار وقيادة الناس والجماهير والأتباع، وإفهام الناس، وخصوصًا أهل الغرب، بأنّ الإسلام لا يجعل من العرب شعبًا مختارًا يفضل غيره بسلالة معينة أو دم خالص، بل إن الله اختار هذا الدين لعباده مشتملًا على تعاليم راشدة، وشريعة عادلة، ثم وكِّل إلى العرب أن يحملوا هذه التعاليم والشرائع ليعملوا بها وليعلموها من شاء، ولا بد من القدوة الحسنة في الدعاة إلى الإسلام، والقدوة الحسنة هي أهم الدعائم، فالمسلمون الذين يطوفون الآن في المشارق والمغارب، في أمريكا وفي أوروبا وفي اليابان وفي إفريقيا، لو كانوا صورة صادقة للإسلام الصافي لاستجاب لهم كثيرون، لكنهم يحملون أسماء إسلامية ويتصرفون تصرفات تُحتسَب على الإسلام والمسلمين، ولا بد كذلك من العمل على تأليف القلوب، فإن تأليفها بالأموال أساس من الأسس الإسلامية التي جاء بها القرآن الكريم، فقد جعل للمؤلفة قلوبهم مصرفًا من
(1/244)
________________________________________
مصارف الزكاة والصدقات، وهو ليس شراء للذمم، وإنما هو إظهار لمروءة الإسلام ولتعاليمه في معاونة المحتاجين.
المسلمون هم أمة الإجابة، وذلك أمر مقرر بعد إسلامهم واستجابتهم لنداء الحق، والدخول في دين الله تعالى، ولقد بلّغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الإسلام، ولم ينتقل إلى ربه إلّا بعد أن أوصل الإسلام إلى العالم المعروف يوم ذاك، وأرسل رسله، وكتب إلى كل ملوك وسلاطين الدنيا، وبعدما أوجد للإسلام قاعدة بشرية تتحمّل مسئوليتها تجاه الدعوة، تتمثل في أبناء الجزيرة العربية، وقد قام الصحابة والتابعون من بعدهم بواجبهم، وشعروا بثقل الأمانة التي تحملوها، فشمّروا عن سواعدهم، وانطلقوا إلى كل مكان أمكنهم أن يصلوا إليه، داعين إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.
وانتشار الإسلام بدأ ببعثة النبي -صلى الله عليه وسلم، وهو مستمر حتى الآن، فلقد بدأ بالدعوة سرًّا في مكة، ثم كان الجهر بها، وبعد الهجرة كانت الغزوات والفتوحات حتى وصل للعالم كله، وهكذا ظهر الإسلام في جزيرة العرب، ومن مكة والمدينة كان انطلاقه، ولم ينتقل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى إلّا وقد أسلمت الجزيرة العربية كلها، ودخلت في دين الله تعالى جميعًا.
وبعدها قال الرسول -صلى الله عليه وسلم: ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) وفي نفس الوقت وصل البلاغ إلى أقاليم العالم بواسطة الرسائل والوفود وحركة التجار، وانتشار أخبار الإسلام والمسلمين، بما فيها من مزايا ومحاسن، ومن الجزيرة العربية بدأ انطلاق الفاتحين، ففتحوا بلاد الشام ومصر، اللذين مثّلا نقطتي الانطلاق لنشر الإسلام شرقًا وغربًا، ومن مصر تحرك المسلمون بإسلامهم في موجات متتابعة إلى جهات ثلاث، بواسطة الدعاة والفاتحين، فمن مصر اتجهت الانطلاقة الأولى
(1/245)
________________________________________
إلى الشمال الإفريقي، وتمَّ فتحه، فدخلت ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا في الإسلام، ومن الشمال الإفريقي امتدَّ الإسلام إلى الأندلس والبرتغال وجنوب فرنسا.
ومن مصر أيضًا كانت الانطلاقة الثانية إلى الجنوب، وتمَّ فتح بلاد النوبة والسودان وتشاد، ووقفت عند حدود الصحراء الكبرى، ومن مصر كذلك كانت الانطلاقة الثالثة إلى الشمال؛ حيث ركب المسلمون البحر الأبيض، وفتح أهم جزره مثل تكريت وصقلية، وغيرها، وباستقرار الإسلام في السودان صار السودان مركزًا رئيسيًّا للدعاة والعلماء بالنسبة لأفريقيا، وقد ساهم عرب الجزيرة في مساعدة السودانيين في إيصال الإسلام إلى شرق أفريقيا، فركبوا البحر الأحمر إلى قارة أفريقيا، وتمكنوا مع السودانيين والأحباش في نشر الإسلام في أوغندا وكينيا وزيمبابوي ومقديشيو وجزر القمر وتنزانيا وغيرها.
وهكذا وصل الإسلام إلى كل إفريقيا في القرن الأول لظهور الإسلام ما عدا جنوب أفريقيا، فقد وصلها الإسلام متأخرًا مع المهاجرين المسلمين، الذين جاءوا من الهند وبلاد المغرب وأفريقيا.
ومن بلاد الشام، الجناح الشرقي للإسلام، وصل الإسلام إلى بلاد فارس إيران، ومن إيران تحرك الإسلام جنوبًا إلى الهند، وشرقا إلى بلاد التركستان وأفغانستان، ومن بلاد التركستان انطلق الإسلام إلى الصين، وقد قام عرب الجزيرة بركوب البحر إلى الجنوب الذي كانوا يذهبون إليه تجارًا، يحملون الإسلام في سلوكهم ونشاطهم، وتمكنوا بذلك من نشر الإسلام في الجزر وأشباه الجزر الموجودة في المحيط الهندي، وبذلك دخل الإسلام في الملاوي وإندونيسيا والفلبين وماليزيا وسيلان، ولما استقرّ الإسلام في وسط وجنوب آسيا، اهتمّ أهل هذه
(1/246)
________________________________________
البلاد بالإسلام فانطلقوا به إلى الشمال عكس اتجاهه السابق، ونشروا الإسلام في تركيا وبلاد الأناضول وشرق أوروبا، وهكذا انتشر الإسلام في قارات العالم في القرون الأولى.

أحوال الدعوة في الأقطار الإسلامية، وكيف تكون الدعوة على الوجه الأمثل
أحوال الدعوة في الأقطار الإسلامية:
المسلمون اليوم أحوج الناس إلى اكتشاف حقيقة الإسلام مرة أخرى، بعدما عمَّ الجهل بالإسلام، وتحوّل عند البعض إلى ثقافة فكرية لا تأثير لها في واقع الحياة، وامتلأ نشاط المسلمين بنظم وأنشطة غير إسلامية، لدرجة أنّ من ينظر إلى أحوال الناس يتخيّل نفسه في مجتمع لا إسلام فيه، فالنساء في الطريق عاريات مائلات مميلات، والخلاعة والمجون سمة الشباب، ودور اللهو والعبث تستقبل روادها ليل نهار، والإعلام بصوره جميعًا خلط بين الجد والهزل، وصوت الباطل فيه أعلى من الحق، في كثير من الأحيان، والمؤسسات الدينية تعمل بلا خطة منتظمة، وبعيدًا عن هدف مقصود، والدعوة في جملتها تحتاج لتخطيط وتنظيم وإشراف، ولا بد من مضاعفة الجهد، وتنشيط العمل على كل من يريد العمل لله بصدق وإخلاص.
كيف تتم الدعوة على الوجه الأمثل بين المسلمين:
بعد تفهُّم طبائع الناس وحقيقة الدعوة، كان على الوسائل أن تقوم بدورها في الإبلاغ على وجه يضمن نجاحها في الغالب، وهذا الضمان ضرورة عرّفها الله -سبحانه وتعالى
(1/247)
________________________________________
- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو يأمره بقوله: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} (الأعلى: 9) وبقوله -سبحانه وتعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} (الأنعام: 68) وهكذا عرّف الله رسوله أن يتخذ المناسبة الحسنة، فيذكّر حين يغلب على ظنّه أن الذكرى ستنفع، ويترك القوم حينما يلقاهم يعبثون بآيات الله؛ لأنهم لا يسمعون ساعتئذٍ، وسيعرضون عن الدعوة إذا عرضت عليهم، ومن الأساليب ذاتها نعرف كيف نعرض الدعوة في حسن وجمال.
وعرضها الحسن يتطلب شقين: شقًّا يتعلق بالدعوة، وشقًّا يتعلق بالناس، أمّا الشق الذي يتعلق بالناس فهو يتكون من نقاط، تلاحظه الأساليب فيما يلي:
أولًا: تقدير الإنسان:
حيث أعطى الله للإنسان كثيرًا من النعم، وسخر له الكون كله، ورزقه العقل ليفهم الأمور ويتدبرها، فلما جاءت الدعوة لم تنقص الإنسان شيئًا، بل أعلنت محافظتها على كثير من المسائل الفطرية؛ إذ بينت أنه لا إكراه في الدين؛ لأن الإكراه لا يتفق مع طبيعة الدين الذي يحتاج إلى إخلاص شامل للظاهر والباطن معًا، وبينت كذلك أنّ الناس جميعًا سواء، فهم لا يتمايزون بسبب النسب أو الجاه.
ثانيًا: ملاحظة التنوع البشري:
وتلاحظ الوسائل تنوع الناس أمام الأدلة، وقد رأينا كيف أنّ العلماء أجمعوا على أنّ من الناس من تكفيه الأدلة الخطابية، ومنهم من تكفيه الأدلة البرهانية اليقينية، ومنهم المجادل اللدود، ومن هنا أتت الأساليب مراعية هذا التنوع، فجاءت المواعظ الحسنة، والحكمة، والجدل بالحسنى؛ لتتناسب مع كافة الطوائف.
(1/248)
________________________________________
ثالثًا: التنوع الغريزي:
من المعلوم أن الجبلّة البشرية تنطوي على مجموعة من الصفات، لا يمكن إزالتها بالكلية، وقد لاحظ النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الجبلة في الناس، فلم يحاول هدمها، وإنما ترقّى بها، فهو في المال يعطي رجالًا لا لحاجاتهم، وإنما لشدة حبهم للمال، ويبين ذلك -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله في النار)) وفي الفخر يعطيه لأبي سفيان يوم فتح مكة ويقول: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)).
أما الشق المتعلق بالدعوة، فهو يتمثل في النقاط التالية:
1 - تقدير الدعوة:
تبدأ الأساليب في مناقشة عقائد الناس، مبينة فسادها من واقع فكر الناس أنفسهم، وقد رأينا كيف جادل سيدنا إبراهيم الناس في ألوهية الأصنام والكواكب والأشخاص، وكيف بينت القصة ضلال الكافرين والمشركين، وإنما بدأت الأساليب بذلك، حتى لا تترك الناس في ضلالهم؛ لكي تدعوهم بالحق بعد تخليصهم من الباطل.
2 - تجزئة الدعوة:
وتدعو الناس على مهل، وتجزئ للناس دعوتها، فلا تقدمها لهم جملة حتى لا تثقل عليهم، وتلاحظ استعداد الناس للجزء الذي تقدمه لهم، ومن هنا استمرّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو مدة طويلة إلى التوحيد وهو في مكة، ولم يتنقل إلى غير التوحيد؛ لأنه أراد أن يلمس أسس الدعوة، ويعرضه لهؤلاء المشركين، فمكث -صلى الله عليه وسلم- يدعو
(1/249)
________________________________________
بالتوحيد حتى شرعت الصلاة قبيل الهجرة، ويلاحظ أنّ الدعوة كانت تقدّم الأهم على المهم، ولذلك قدّمت التوحيد وإثبات الرسالة على سائر تعاليمها؛ لأنهما الأصل.
3 - تكرار الدعوة:
ومن خلال الأساليب يظهر التكرار واضحًا للدعوة، لما في التكرار من فائدة، فهو يشعر بالأهمية، ويحرك العقل والوجدان.
4 - بيان الغاية من الدعوة:
تحديد أي شيء هو مقدمة نجاحه، وبيان فائدته أقوى دليل على خلوده، ولقد اهتمت الأساليب بادئ ذي بدئ ببيان أهداف الدعوة، فعرّفت أن الإيمان بالدعوة يحقق في الدنيا النجاة من الضرر، والتمكين في الأرض، والنصر والفوز، ويحقق في الآخرة السعادة والأمان، بل إن سائر تعاليم الدعوة هادفة إلى حفظ الضرورات الخمسة، التي تحقق سعادة الدنيا والآخرة.
5 - الدليل المناسب:
وتحقق الأساليب بأدلتها فائدة عظيمة؛ ذلك أنها تلاحظ نوعية المدعوين، ومدى تقدمهم، وتأتي لهم بالأدلة المناسبة، فمثلًا: تكون الأدلة بالمحسوسات أحيانًا، وبالمعنويات أحيانًا أخرى، وبهما معًا أحيانًا أخرى، وذلك يحقق لها الوصول إلى أفهام الناس أجمعين، والدعوة تستطيع أن تنوع دليلها وتصنعه في شكل قصة، أو في مثل، وهكذا تبعًا لطبيعة من تخاطبهم، خاصة وأنها أحاطت بهم، ومن الأوْلى أن تكون الأدلة مستنتجة من نعم الله الكاملة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/250)
________________________________________
الدرس: 15 معاملة غير المسلمين وكيف يدعون إلى الإسلام.
(1/251)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس عشر
(معاملة غير المسلمين وكيف يُدعَون إلى الإسلام)

القاعدة الأولى في معاملة أهل الذمة في دار الإسلام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
القاعدة الأولى في معاملة أهل الذمة في دار الإسلام: أن لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين إلا في أمور محددة مستثناة؛ كما أن عليهم ما على المسلمين من واجبات إلا ما استثنى:
- حق الحماية:
فأول هذه الحقوق: هو حق تمتعهم بحماية الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، وهذه الحماية تشمل حمايتهم من كل عدوان خارجي، ومن كل ظلم داخلي؛ حتى ينعموا بالأمان والاستقرار.
أ- الحماية من الاعتداء الخارجي:
أما الحماية من الاعتداء الخارجي؛ فيجب لهم ما يجب للمسلمين، وعلى الإمام أو ولي الأمر في المسلمين بما له من سلطة شرعية وما لديه من قوة عسكرية أن يوفر لهم هذه الحماية، قال في (مطالب أولي النهى) من كتب الحنابلة: يجب إلى الإمام حفظ أهله الذمة ومنع من يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب؛ بل كانوا بدارنا ولو كانوا منفردين ببلد، وعلل ذلك بأنهم جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبَّد عقدُهم؛ فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين.
وينقل الإمام القرافي المالكي في كتبه (الفروق) قول الإمام الظاهري ابن حزم في كتابه (مراتب الإجماع): أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا
(1/253)
________________________________________
يقصدونه؛ وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح؛ ونموت دون ذلك؛ صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة، وحكى في ذلك إجماع الأمة، وعلق على ذلك القرافي بقوله: فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونًا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم.
ومن المواقف التطبيقية لهذا المبدأ الإسلامي: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية حينما تغلب التتار على الشام، وذهب الشيخ ليكلم قطلو شاه في إطلاق الأسرى؛ فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة؛ فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى؛ فهم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرًا لا من أهل الذمة ولا من أهل الملة؛ فلما رأى إصراره وتشدده أطلقهم له.
ب - الحماية من الظلم الداخلي:
وأما الحماية من الظلم الداخلي؛ فهو أمر يوجبه الإسلام ويشدد في وجوبه، ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إلى أهل الذمة بأذى أو عدوان؛ فالله تعالى لا يحب الظالمين ولا يهديهم؛ بل يعاجلهم بعذابه في الدنيا أو يؤخر لهم العقاب مضاعفًا في الآخرة.
وقد تكاثرت الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الظلم وتقبيحه وبيان آثاره الوخيمة في الآخرة والأولى، وجاءت أحاديث خاصة تحذر من ظلم غير المسلمين من أهل العهد والذمة؛ يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((من ظلم معاهدًا، أو انتقصه حقًّا، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة))، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((من آذى ذميًّا؛ فأنا خصمه؛ ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة)) وقال أيضًا: ((من آذى ذميًّا فقد آذاني؛ ومن آذاني فقد آذى الله)).
(1/254)
________________________________________
وفي عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لأهل نجران: أنه لا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر؛ ولهذا كله اشتدت عناية المسلمين منذ عهد الخلفاء الراشدين بدفع الظلم عن أهل الذمة وكف الأذى عنهم، والتحقيق في كل شكوى تأتي من قِبَلهم.
كان عمر -رضي الله عنه- يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة، خشية أن يكون أحد من المسلمين قد أفضى إليهم بأذى؛ فيقولون له: ما نعلم إلا وفاء -أي بمقتضى العهد والعقد الذي بينهم وبين المسلمين- وهذا يقتضي أن كلًّا من الطرفين وفّى بما عليه، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: "إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا".
- حق التدين:
ويحمي الإسلام فيما يحميه من حقوق أهل الذمة: حق الحرية، وأول هذه الحريات: حرية الاعتقاد والتعبد؛ فلكل ذي دين دينه ومذهبه، لا يُجبر على تركه إلى غيره، ولا يُضغط عليه أي ضغط ليتحول منه إلى الإسلام، وأساس هذا الحق: قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة: 256) وقوله سبحانه: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99) قال ابن كثير في تفسير الآية الأولى: أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا تحتاج إلى أن يُكره أحد على الدخول فيه.
وسبب نزول الآية كما ذكر المفسرون يبين لنا جانبًا من إعجاز هذا الدين: فقد رووا عن ابن عباس قال: كانت امرأة تكون مقلاة -أي قليلة النسل- فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، كان يفعل ذلك نساء الأنصار في الجاهلية؛ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار؛ فقال آباؤهم: لا
(1/255)
________________________________________
ندع أبناءنا -يعنون لا ندعهم يعتنقون اليهودية- فأنزل الله -عز وجل- هذه الآية: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة: 256).
فرغم أن محاولات الإكراه كانت من آباء يريدون حماية أبنائهم من التبعية لأعدائهم المحاربين الذين يخالفونهم في دينهم وقوميتهم، ورغم الظروف الخاصة التي دخل بها الأبناء دين اليهودية وهم صغار، ورغم ما كان يسود العالم كله حينذاك من موجات التعب والاضطهاد للمخالفين في المذهب؛ فضلًا عن الدين كما كان في مذهب الدولة الرومانية التي خيرت رعاياها حينًا بين التنصر والقتل؛ فلما تبنت المذهب الملكاني؛ أقامت المذابح لكل من لا يدين به من المسيحيين من اليعاقبة وغيرهم، رغم كل هذا رفض القرآن الإكراه؛ بل من هداه الله وشرح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة؛ ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا -كما قال ابن كثير.
فالإيمان عند المسلمين ليس مجرد كلمة تلفظ باللسان أو طقوس تؤدى بالأبدان؛ بل أساسه إقرار القلب وإذعانه وتسليمه؛ ولهذا لم يعرف التاريخ شعبًا مسلمًا حاول إجبار أهل الذمة على الإسلام؛ كما أقر بذلك المؤرخون الغربيون أنفسهم.
وكذلك صان الإسلام لغير المسلمين معابدهم وراعى حرمة شعائرهم؛ بل جعل القرآن من أسباب الإذن في القتال: حماية حرية العبادة، وذلك في قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (الحج: 39، 40).
(1/256)
________________________________________
وقد رأينا كيف اشتمل عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل نجران: أن لهم جوار الله وذمة رسوله على أموالهم وملتهم وبِيَعهم، وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء القدس نص على حريتهم الدينية وحرمة معابدهم وشعائرهم: "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملتها: لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود" -كما رواه الطبراني.
وكل ما يطلبه الإسلام من غير المسلمين أن يراعوا مشاعر المسلمين وحرمة دينهم؛ فلا يظهروا شعائرهم وصلبانهم في الأمصار الإسلامية، ولا يحدثوا كنيسة في مدينة إسلامية لم تكن لهم فيها كنيسة من قبل؛ وذلك لما في الإظهار والإحداث من تحدي الشعور الإسلامي مما قد يؤدي إلى فتنة واضطراب.
على أن من فقهاء المسلمين من أجاز لأهل الذمة إنشاء الكنائس والبيع وغيرها من المعابد في الأمصار الإسلامية، وفي البلاد التي فتحها المسلمون عنوة، أي: أن أهلها حاربوا المسلمين ولم يسلموا لهم إلا بحد السيف إذا أذن لهم إمام المسلمين بذلك؛ بناء على مصلحة رآها ما دام الإسلام يقرهم على عقائدهم، وقد ذهب إلى ذلك الزيدية والإمام ابن القاسم من أصحاب مالك.
ويبدو أن العمل جرى على هذا في تاريخ المسلمين وذلك منذ عهد مبكر؛ فقد بنيت في مصر عدة كنائس في القرن الأول الهجري، مثل: كنيسة ماري مرقص بالإسكندرية ما بين عامي 39 و56 هجرية؛ كما بنيت أول كنيسة بالفسطاط في حارة الروم ما بين عامي 47 و68 هجرية؛ كما سمح عبد العزيز بن مروان حين
(1/257)
________________________________________
أنشأ مدينة حلوان ببناء كنيسة فيها، وهذا التسامح مع المخالفين في الدين من قوم قامت حياتهم كلها على الدين وتم لهم به النصر والغلبة أمر لم يعهد في تاريخ الديانات، وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم.
يقول العلامة الفرنسي غوستاف لوبون: رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفًا أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته، وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوروبا المرتابون، أو المؤمنون القليلون الذين أمعنوا النظر في تاريخ العرب.
والعبارات الآتية التي اقتطفها من كتب الكثيرين منهم تثبت أن رأينا في هذه المسألة ليس خاصًّا بنا؛ قال روبرت سن: أن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية.
تسامح فريد:
إن التسامح الديني والفكري له درجات ومراتب؛ فالدرجة الدنيا من التسامح: أن تدع لمخالفك حرية دينه وعقيدته، ولا تجبره بالقوة على اعتناق دينك أو مذهبك؛ بحيث إذا أبى حكمت عليه بالموت أو العذاب أو المصادرة أو النفي أو غير ذلك من ألوان العقوبات والاضطهادات؛ فتدع له حرية الاعتقاد؛ ولكن لا تمكنه من ممارسة واجباته الدينية التي تفرضها عليه عقيدته، والامتناع مما يعتقد تحريمه عليه.
والدرجة الوسطى من التسامح: أن تدع له حق الاعتقاد بما يراه من ديانة ومذهب، ثم لا تضيق عليه بترك أمر يعتقد وجوبه أو فعل أمر يعتقد حرمته؛
(1/258)
________________________________________
فإذا كان اليهودي يعتقد حرمة العمل يوم السبت؛ فلا يجوز أن يكلف بعمل في هذا اليوم؛ لأنه لا يفعله إلا وهو يشعر بمخالفة دينه، وإذا كان النصراني يعتقد بوجوب الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد؛ فلا يجوز أن يمنع من ذلك في هذا اليوم.
والدرجة التي تعلو هذه في التسامح: ألا تضيق على المخالفين فيما يعتقدون حله في دينهم أو مذهبهم وإن كنت تعتقد أنه حرام في دينك أو مذهبك، وهذا ما كان عليه المسلمون مع المخالفين من أهل الذمة إذ ارتفعوا إلى الدرجة العليا من التسامح؛ فقد التزموا كل ما يعتقده غير المسلم أنه حلال في دينه، ووسعوا له في ذلك، ولم يضيقوا عليه بالمنع والتحريم، وكان يمكنهم أن يحرموا ذلك مراعاة لشريعة الدولة ودينها، ولا يتهموا بكثير من التعصب أو قليل؛ وذلك لأن الشيء الذي يحله دين من الأديان ليس فرضًا على أتباعه أن يفعلوه؛ فإذا كان دين المجوسي يبيح له الزواج من أمه أو أخته؛ فيمكنه أن يتزوج من غيرهما ولا حرج، وإذا كان دين النصراني يحل له أكل الخنزير؛ فإنه يستطيع أن يعيش عمره دون أن يأكل الخنزير، وفي لحوم البقر والغنم والطير متسع له.
ومثل ذلك الخمر؛ فإذا كان الإنجيل قد جاء بإباحتها؛ فليس من فرائض المسيحية أن يشرب المسيحي الخمر؛ فلو أن الإسلام قال للذميين: دعوا زواج المحارم وشرب الخمر وأكل الخنازير مراعاة لشعور إخوانكم المسلمين لم يكن عليهم في ذلك أي حرج ديني؛ لأنهم إذا تركوا هذه الأشياء لم يرتكبوا في دينهم منكرًا ولو أخلوا بواجب مقدس؛ ومع هذا لم يقل الإسلام ذلك، ولم يشأ أن يضيق على غير المسلمين في أمر يعتقدون حله، وقال للمسلمين: اتركوهم وما يدينون.
(1/259)
________________________________________
روح التسامح عند المسلمين:
على أن هناك شيئًا آخر لا يدخل في نطاق الحقوق التي تنظمها القوانين، ويلزم بها القضاء، وتشرف على تنفيذها الحكومات؛ ذلك هو روح السماحة التي تبدو في حسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان، وهي الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية ولا يغني فيها قانون ولا قضاء، وهذه الروح لا تكاد توجد في غير المجتمع الإسلامي.
تتجلى هذه السماحة في مثل قول القرآن في شأن الوالدين المشركين اللذين يحاولان إخراج ابنهما من التوحيد إلى الشرك: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (لقمان: 15).
وفي (ترغيب القرآن في البر والإقساط) إلى المخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين قال -سبحانه وتعالى-: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8) وفي قول القرآن يصف الأبرار من عباد الله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} (الإنسان: 8) ولم يكن الأسير حين نزلت الآية إلا من المشركين.
وفي (قول القرآن) يجيب عن شبهة المسلمين في مشروعية الإنفاق على ذويهم وجيرانهم من المشركين المصرّين: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} (البقرة: 272).
وقد روى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث إلى أهل مكة مالًا لما قحطوا ليوزع على فقرائهم؛ هذا على الرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى هو وأصحابه، روى الإمام أحمد والشيخان عن أسماء بنت أبي
(1/260)
________________________________________
بكر قالت: قدمت أمي وهي مشركة؛ فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله؛ إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم؛ صِلي أمك.
وفي (قول القرآن) يبيِّن أدب المجادلة مع المخالفين: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ} (العنكبوت: 46)، وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأهل الكتاب يهودًا كانوا أو نصارى؛ فقد كان يزوروهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم ويأخذ منهم ويعطيهم.
ذكر ابن إسحاق في السيرة: أن وفد نجران -وهم من النصارى- لما قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة دخلوا عليه مسجده بعد العصر؛ فكانت صلاتهم؛ فقاموا يصلون في مسجده؛ فأراد الناس منعهم؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((دعوهم)) فاستقبل المشرق فصلوا صلاتهم.
وعقب المجتهد ابن القيم على هذه القصة في (الهدي النبوي)؛ فذكر مما فيها من الفقه جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضًا إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكنون من اعتياد ذلك.
وروى أبو عبيد في (الأموال) عن سعيد بن المسيب: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود فهي تجرى عليهم". وروى البخاري عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاد يهوديًّا وعرض عليه الإسلام؛ فأسلم؛ فخرج وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه به من النار))، وروى البخاري أيضًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله، وقد كان في وسعه أن يستقرض من أصحابه، وما كانوا ليضنوا عليه بشيء؛ ولكنه أراد أن يعلم أمته، وقبِل النبي -صلى الله عليه وسلم- الهدايا من غير المسلمين، واستعَّان في سلمه وحربه بغير المسلمين؛ حيث ضمن ولاءهم له،
(1/261)
________________________________________
ولم يخشَ منهم شرًّا ولا كيدًا؛ ومرت عليه جنازة فقام لها -صلى الله عليه وسلم- واقفًا؛ فقيل له: إنها جنازة يهودي؛ فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((أليست نفسًا؟!)).
وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الصحابة والتابعين لغير المسلمين؛ فعمر يأمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين، ثم يقول قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} (التوبة: 60) وهذا من مساكين أهل الكتاب، ويمر في رحلته إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى؛ فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين، وأصيب عمر بضربة رجل من أهل الذمة أبي لؤلؤة المجوسي؛ فلم يمنعه ذلك أن يوصي الخليفة من بعده -وهو على فراش الموت-: فيقول: أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، وأن يوفي بعهدهم وأن يقاتل من وراءهم؛ وألا يكلفهم فوق طاقتهم.
وابن عمر يوصي غلامه أن يعطي جاره اليهودي من الأضحية، ويكرر الوصية مرة بعد مرة؛ حتى دهش الغلام وسأله عن سر هذه العناية بجار يهودي، قال ابن عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) وماتت أم الحارث بن أبي ربيعة، وهي نصرانية؛ فشيعها أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان بعض أجلاء التابعين يعطون نصيبًا من صدقة الفطر لرهبان النصارى، ولا يرون في ذلك حرجًا؛ بل ذهب بعضهم كعكرمة وابن سيرين والزهري إلى جواز إعطائهم من الزكاة نفسها.
وروى ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد: أنه سئل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل ملتكم من المسلمين وأهل ذمتكم، وذكر القاضي عياض في (ترتيب المدارك) قال: حدث الدارقطني: أن القاضي إسماعيل بن إسحاق دخل عليه الوزير عبدون بن صاعد النصراني وزير الخليفة المعتضد بالله العباسي فقام له القاضي ورحب به: فرأى إنكار الشهود لذاك، فلما خرج الوزير قال القاضي
(1/262)
________________________________________
إسماعيل: قد علمت إنكاركم، وقد قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} (الممتحنة: 8). وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر؛ وتتجلى هذه السماحة بعد ذلك في مواقف كثير من الأئمة والفقهاء في الدفاع عن أهل الذمة واعتبار أعراضهم وحرماتهم كحرمات المسلمين.
ونكتفي هنا بكلمات نيرة للفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي شارحًا بها معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم؛ فذكر من ذلك: الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال إذايتهم في الجوار، وعن قدرة على إزالته لطفًا منا بهم لا خوفًا ولا تطيعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم وحفظ غيبتهم: إذا تعرض أحد لأذيتهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم وإيصالهم إلى جميع حقوقهم.

الأساس الفكري لتسامح المسلمين، وتبليغ الدعوة لغير المسلمين
الأساس الفكري لتسامح المسلمين:
- وأساس النظرة المتسامحة التي تسود المسلمين في معاملة مخالفيهم في الدين يرجع إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين وقلوبهم، وأهمها:
1 - اعتقاد كل مسلم بكرامة الإنسان، أيًّا كان دينه أو جنسه أو لونه، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (الإسراء: 70) وهذه الكرامة المقررة توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية.
(1/263)
________________________________________
ومن الأمثلة العملية: ما ذكرناه من قبل: وهو ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله: "أن جنازة مرت على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقام لها واقفًا؛ فقيل له: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي فقال: ((أليست نفسًا)). بلى ولكل نفس في الإسلام حرمة ومكانة؛ فما أروع الموقف وما أروع التفسير والتعليل.
2 - اعتقاد المسلم أن اختلاف الناس في الدين واقع -بمشيئة الله تعالى- الذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيار فيما يفعل ويدع: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29) {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود: 118)، والمسلم يوقن أن مشيئة الله لا راد لها ولا معقب؛ كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة.
3 - وليس المسلم مكلفًا أن يحاسب الكافرين على كفرهم، أو يعاقب الضالين على ضلالهم؛ فهذا ليس إليه، وليس موعده هذه الدنيا؛ إنما حسابهم إلى الله في يوم الحساب وجزاؤهم متروك إليه في يوم الدين؛ قال تعالى: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (الحج: 68، 69) يخاطب رسوله في شأن أهل الكتاب: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (الشورى: 15) وبهذا يستريح ضمير المسلم، ولا يجد في نفسه أي أثر للصراع بين اعتقاده بكفر الكافر وبين مطالبته ببره والإقساط إليه، وإقراره على ما يراه من دين واعتقاد.
4 - إيمان المسلم بأن الله تعالى يأمر بالعدل، ويحب القسط، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ولو مع المشركين، ويكره الظلم، ويعاقب الظالمين ولو كان الظلم من مسلم لكافر؛ قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: 8) وقال -صلى الله عليه وسلم-:
(1/264)
________________________________________
((دعوة المظلوم -وإن كان كافرًا- ليس دونها حجاب)) قال -صلى الله عليه وسلم-: ((دعوة المظلوم ليس دونها حجاب)).
شهادة التاريخ:
وقد حفل الواقع التاريخي للأمة الإسلامية في مختلف عصورها وشتى أقدارها بأروع مظاهر التسامح الذي لا يزال الناس يتطلعون إليه إلى اليوم في معظم بقاع الأرض؛ فلا يجدونه، وهذه معاملة المسلمين في العصرين الأموي والعباسي لغير المسلمين من أهل الذمة:
أما في العصر الأموي؛ فأكتفي بنقل هذه السطور من كتاب (قصة الحضارة) لـ"وول ديورانت" يقول: لقد كان أهل الذمة المسيحيون الزرادشتيون واليهود والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام؛ فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص وأداء ضريبة عن كل شخص، تختلف باختلاف دخله وتتراوح بين دينار وأربعة دنانير.
ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفى منها الرهبان والنساء والذكور الذين هم دون البلوغ والأرقاء والشيوخ والعجزة والعمى الشديد والفقر، وكان الذميون يعفون في نظير ذلك من الخدمة العسكرية، أو إن شئت فقل: لا يُقبلون فيها، ولا تفرض عليهم الزكاة البالغ قدرها: 2.5% المائة من الدخل السنوي.
وكان لهم على الحكومة أن تحميهم، ولم تكن تقبل شهادتهم في المحاكم الإسلامية؛ ولكنهم كانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم.
(1/265)
________________________________________
أما العصر العباسي -عصر ازدهار الحضارة الإسلامية- ومكانة أهل الذمة فيه؛ فيكفينا مؤنة الحديث فيه صفحة أخرى ننقلها من كتاب (الإسلام وأهل الذمة) للدكتور الخربطلي؛ لأنه يعتمد فيما يقرره على المراجع التاريخية الأساسية، أو على كتابات المستشرقين أنفسهم:
اشتهر بين أهل الذمة في العصر العباسي كثير من العظماء مثل: جرجيس بن يختيشوع، طبيب الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وقد وثق الخليفة فيه وأكرمه، ومن هؤلاء: جبرائيل بن يختيشوع، طبيب هارون الرشيد، الذي قال الرشيد عنه: كل من كانت له حاجة إليّ فليخاطب بها جبريل؛ لأني أفعل كل ما يسألني فيه ويطلبه مني، وكان مرتب الطبيب عشرة آلاف درهم شهريًّا.
واهتم الكُتَّاب المسلمون بالأديان والمذاهب؛ فكان ابن حزم الأندلسي مُلمًّا بالإنجيل واللاهوت المسيحي إلمامًا تامًّا، وألمّ ابن خلدون بالإنجيل والتنظيمات الكنسية وتحدث عن بعضها في مقدمته، وكان القلقشندي يرى ضرورة معرفة الكتاب بأعياد الذميين الدينية.
وذكر المقريزي كثيرًا من التفاصيل عن أعياد النصارى واليهود وتحدث عن فرقهم المختلفة، وذكر أسماء بطارقة الإسكندرية، وتحدث كل من القزويني والمسعودي عن طوائف أهل الذمة؛ نرى هذا واضحًا في كتاب (التنبيه والإشراف) للمسعودي.
واعترف كيرتون بتسامح حكام المسلمين؛ فقال: كان سلوك الحكام المسلمين في الغالب أحسن من القانون المفروض عليهم تنفيذه على الذميين، وليس أدل على ذلك من كثرة استحداث الكنائس وبيوت العبادة في المدن العربية الخالصة، ولم تخلُ دواوين الدولة قط من العمال النصارى واليهود؛ بل إنهم كانوا يتولون في بعض الأحيان أرفع المناصب وأخطرها فاكتنزوا الثروات الضخمة، وتكاثروا وتكاثرت لديهم الأموال الطائلة كما اعتاد المسلمون المساهمة في الأعياد المسيحية.
(1/266)
________________________________________
تبليغ الدعوة لغير المسلمين:
دعوة غير المسلمين إلى الإسلام إما أن تكون في الداخل أو الخارج؛ فدعوة غير المسلمين الذين يعيشون في بلاد الإسلام تكون من خلال المعاملة الطيبة؛ بحيث يشعرون أن الإسلام هو الذي يحث المسلمين على ذلك، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى؛ على المسلمين، وخصوصًا الدعاة منهم، أن يكونوا قدوة طيبة ومثالًا صالحًا لدينهم بأن يتخلقوا بأخلاق الإسلام، وأن يترجموه على أنفسهم ترجمة عملية؛ فيتأثر بهم من يخالطهم من غير المسلمين.
أما دعوة غير المسلمين في البلاد الغير إسلامية؛ فله عدة طرق:
منها:
1 - استئجار بعض الصحف والمجلات الغربية في هذه الدول؛ بل إنشاء مجلات إسلامية، وخاصة للأطفال، تشرح الإسلام على بساطته وجماله.
2 - الاتصال بالعلماء والأدباء الغربيين، وإطلاعهم على الإسلام من مصادره ومن منبعيه الفياضين وهما: الكتاب، والسنة.
3 - تأليف الكتب والنشرات المبسطة، أو الرسائل الصغيرة المبسطة التي تشتمل على حقائق الإسلام، وتترجم إلى لغة الأقوام المراد تبشيرها، ودعوتهم إلى الإسلام؛ بحيث تكون هذه الكتب والنشرات والرسائل موضحة لحقائق الإسلام من ناحية العقيدة، ومن ناحية العبادة، ومن ناحية التكليفات الخاصة بالمجتمع؛ فتكتب باللغات الأوروبية، واليابانية، والإفريقية كلها.
4 - التعاون مع الغربيين الذين أسلموا لوضع المخططات لنشر الإسلام، والاستعانة بهم في نشر الدعوة إلى الإسلام بين قومهم.
(1/267)
________________________________________
5 - إنشاء المعاهد الإسلامية في البلاد التي يتوجه إليها الدعاة الإسلاميون، وأن تكون مزودة بتفسيرات من القرآن الكريم بلغة تلك البلاد؛ وكذلك بتفسيرات من الأحاديث النبوية بتلك اللغات أيضًا.
6 - تقوية الإذاعات العربية لإيصال الإسلام إلى أسماع جميع الغربيين بأساليب حديثة ومشرقة.
7 - إعلام الغربيين بما جاء في كتابهم من تحريف وتناقض ومعوقات عن التقدم والرقي، وما جاء في كتبهم من توحيد الإله، ونبوة المسيح، وبعثة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم.
8 - إفهام الدول الشيوعية بأن الإسلام ليس أفيونًا للجماهير -كما زعم لهم الزاعمون- بدليل أن مسيو جارودي -وهو شيوعي فرنسي- عاش ردحًا من الزمن في جبهة التحرير الجزائرية؛ اعترف بأن الدين الإسلامي هو الذي أوقد شرارة هذا الكفاح العزيز الغالي، وغذاها على مدى الأيام والسنين، وأن الإسلام يستحيل أن يوصف بأنه مخدر للشعوب.
9 - الاستعانة بالسينما والمسرح لعرض التمثيليات الإسلامية، بعيدًا عن شخصيات الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- والصحابة -رضوان الله عليهم- بعد مراجعتها من الجهات الدينية المختصة.
10 - لا بد أن ينتظم طرق الدعوة إلى الإسلام: الدافع الديني للدعوة؛ لأنه -لا شك- هو الأساس قبل التنظيم وقبل الهيئات التي تنظم هذه الدعاية إلى الإسلام؛ فلا بد من الإيمان الصادق؛ وإذا لم يوجد هذا الانبعاث فلا يمكن أن ينجح أي تنظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/268)
________________________________________
الدرس: 16 أساليب الإقناع والتأثير النفسي: الخطابة.
(1/269)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس عشر
(أساليب الإقناع والتأثير النفسي: الخطابة)

الخطابة: تعريفها، وقيمتها، وتاريخها، ومكانتها في العصر الجاهلي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن سلك طريقه، وصار على نهجه، واتبع هداه، وبعد:
تعريف الخطابة:
جاء في (المعجم الوجيز): خطب الناس وفيهم وعليهم خطابة وخطبة: ألقى عليهم خطبة، وجاء معناها في (لسان العرب) و"الخطبة": مصدر الخطيب، وخطب الخاطب على المنبر، ورجل خطيب حسن الخطبة، وجمع الخطيب خطباء خطَب -بالضم- خطابة -بالفتح-: صار خطيبًا، وفي (المصباح المنير): خاطبه مخاطبةً وخطابًا: وهو الكلام بين متكلم وسامع، ومنه اشتقاق الخطبة، وجاء في (مختار الصحاح): خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابًا، وخطب على المنبر خُطبة -بضم الخاء- وخطابة.
تعريف الخطابة عند القدماء:
فقد عرفها أرسطو بقوله: هي القدرة على النظر في كل ما يوصل إلى الإقناع في أي مسألة من المسائل.
وعرفها ابن رشد بقوله: هي قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء المفردة.
وعرفها ابن خلدون: بأنها القياس المفيد في ترغيب الجمهور، وحملهم على المراد منهم، وما يجب أن يستعمل في ذلك من المقالات.
تعريف الخطابة عند المحدثين:
(1/271)
________________________________________
فقد عرفها الشيخ محمد أبو زهرة بقوله: الخطابة: صفة راسخة في نفس المتكلم يقتدر بها على التصرف في فنون القول؛ لمحاولة التأثير في نفوس السامعين، وحَمْلهم على ما يراد منهم بترغيبهم وإقناعهم.
كما عرفها الشيخ علي محفوظ بأنها: ملَكة الاقتدار على الإقناع، واستمالة القلوب، وحمل الغير على ما يراد منه.
وعرفها الدكتور أحمد الحوفي بقوله: هي فن مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته؛ فلا بد من مشافهة، وإلا كانت كتابة أو شعرًا مدونًا، ولا بد من جمهور يستمع؛ وإلا كان الكلام حديثًا أو وصية؛ ولا بد من الإقناع وذلك بأن يوضح الخطيب رأيه للسامعين ويؤيده بالبراهين؛ ليعتقدوه كما اعتقده، ثم لا بد من الاستمالة، والمراد بها: أن يهيج الخطيب نفوس سامعيه أو يهدئها، ويقبض على زمام عواطفهم يتصرف بها كيف شاءَ؛ سارًّا أو محزنًا، مضحكًا أو مبكيًا، داعيًا إلى الثورة أو إلى السكينة.
وإذن فأسس الخطابة: مشافهة، وجمهور، وإقناع، واستمالة.
ومن السهل بعد ذلك أن يتبين قصور تعريف الخطابة بأنها: فن الكلام الجيد؛ لأن الكلام الجيد ينتظم الخطابة والكتابة والشعر، ومن السهل أيضًا أن نرى نقصًا في تعريفها: بأنها القدرة على النظر في كل ما يوصل إلى الإقناع في أي مسألة من المسائل؛ لأن كثيرًا من الكتب مقنع، وكثيرًا من الكتاب مقنعون؛ لأن الأساتذة في شروحهم ومحاضراتهم مقنعون، وليس واحدًا من هؤلاء خطيبًا؛ لأنهم يتجهون إلى العقل لا إلى العاطفة؛ فهم يقنعون ولكنهم لا يستميلون.
ثم من السهل أن نجد نقصًا في تعريف الخطابة بأنها: فن الاستمالة؛ لأن المنظر الطبيعي الراقي يستميل الذواقين للجمال وليس خطبة، ولأن الممثل البارع
(1/272)
________________________________________
يستميل الأنظار بإشارته أو حركته أو زيه أو وقفته دون أن ينطق؛ فليس بخطيب؛ ولأن البائس العاري الجسد المهلهل الثوب المغضن الوجه المعروق الجسد، قد يستميل المحسن بمنظره هذا، وما هو بخطيب.
قيمتها:
الخطابة منذ كانت سلاح المجتمع الإنساني في سلمه وحربه، وفي ترقيته والإسراع به نحو المثل الأعلى الذي يجب أن يقصد إليه؛ فليس بدعًا أن كانت بلاغ النبيين إلى أممهم، والراح الذي يسكبه القواد في نفوس جنودهم قبيل المعركة؛ فيسرعون باسمين إلى قتال أعدائهم، وغصن الزيتون يلوح به دعاة السلام في عالم كربه العداء والخصام، والقوة الساحرة التي يقود بها الزعماء السياسيون والمصلحون الاجتماعيون أممَهم إلى حياة أرقى وأعز وأبقى، ولسان الأحزاب السياسية تنشر به دعوتها وتظفر به على خصومها، ونورًا يهدي القضاة إلى العدالة وتبرئة المظلوم والقصاص من الباغي، ثم هي -في العصر الحديث خاصة- عدة الزعماء والساسة؛ تستند إليها الديمقراطية وتعتمد عليها الدكتاتورية، ويتسلح بها المؤتمرون في المجامع الدولية، ويصعد عليها النواب إلى قمة الشهرة وذيوع الأحدوثة، ويرتقي بها المحامون إلى الصيت الطائر والثراء الغامر.
تاريخ الخطابة:
لقد نشأت الخطابة منذ وجد الاجتماع البشري على وجه الأرض، منذ اجتمع الناس في مكان واحد، استوطنوه وتفهموا بلسان واحد عرفوا الخطابة؛ لأنه من الطبيعي أن يختلفوا في رأي أو عقيدة، ومن الطبيعي أن يتنافسوا على غنيمة أو متاع أو سلطة؛ فيحاول المتفوق أن يستميل إليه من يخالفونه، وأن يقنعهم؛ فإذا
(1/273)
________________________________________
ما أقنعهم واستمالهم فهو خطيب، وقوله خطبة، ثم إنه من الطبيعي أيضًا أن تنشب أمور تستدعي تعاون المجتمع وتضافر قواه على اجتلاب نفع عام مشترك، أو اتقاء ضير؛ فيتصدر بعض النابهين من هذا المجتمع لقيادة الجماعة وزعامتها، عدتهم في ذلك خطابتهم.
على أن الناس في حياتهم القديمة تسلحوا بأسلحة مادية للدفاع والعدوان، وتسلحوا أيضًا بسلاح معنوي هو اللسان، وما زالت الخطابة -إلى الآن- سلاحًا مرهفًا تتصاول به الأمم، وإن جيَّشت جيوشها وافتنت في اختراع القذائف والمدمرات؛ لذلك لم يخلُ من الخطابة سجل أمة وعى التاريخ ماضيها؛ فقد حفظها خط آشور المسماري، وقيدها خط الفراعنة الهيروغليفي، ثم رواها تاريخ اليونان السياسي والأدبي منذ القرن السابع قبل الميلاد، وبها أخضع "بوذا" الجموع الهندية لتعاليمه، وبها أذاع الدين أنبياء بني إسرائيل، وكان لها مكانها العظيم في مجامع العرب قبل الإسلام وفي أسواقهم الأدبية بنوع خاص.
مكانة الخطابة لدى العرب في العصر الجاهلي:
وإذا ما تحدثنا عن الخطابة عند العرب في العصر الجاهلي؛ لوجدنا أن الظروف قد هيأتهم تمامًا ليكونوا خطباء مبرِّزين؛ فالأمية وتباعد الديار، والإحساس العميق بالسيادة عند كل قبيلة، والتنازع فيما بينهم على أتفه الأسباب، وحبهم الجارف للتفاخر بالأحساب والأنساب، وتقديرهم البالغ للشجاعة والإقدام خصوصًا في ساحة الوغى للدفاع عن العرض والشرف والكرامة ... كل ذلك وغيره جعل العرب يهتمون بالخطابة أيما اهتمام؛ حيث كانوا يقدمون خطيبهم إلى جيرانهم من أهل القبائل الأخرى؛ ليعبر عنهم ويفاخرَ بهم، وفي الحروب يهجو ويدفع، وفي المناسبات يهنئ ويحمل البُشرى.
(1/274)
________________________________________
ولقد اتجه العرب إلى الخطابة بفطرتهم دون أن يتأثروا بغيرهم من الأمم الأخرى، وكان استعدادهم لها واضحًا طبيعةً وسجيةً، عاش العرب في الجاهلية أحرارًا أباة للضيم، لُسْنًا فِصاحًا، يتفاخرون بإجادة القول كما يتفاخرون بالشجاعة والكرم، وأسعفتهم بديهة حاضرة، ولغة رنانة غنية، واشتعلت بينهم حروبٌ ومنازعاتٌ؛ فازدهرت الخطابة عندهم؛ لكنهم في الغالب لم يتصوروا الموضوع وحدةً ذات معانٍ مرتبةٍ كما تصور اليونان والرومان؛ وإنما كانت لهم لفتات ونظرات إلى ما يهمهم من الموضوع؛ فلا يستقصون ولا يرتبون الأفكار.
ولعل سبب ذلك: شيوع الارتجال، وفي هذا يقول الجاحظ: وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال؛ وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة؛ وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين ينتحي على رأس بئر أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمناقلة، أو عند صراع أو في حرب؛ فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد؛ فتأتيه المعاني أرسالًا، وتنسال عليه الألفاظ انسيالًا، ثم لا يقيده على نفسه، ولا يدرسه أحدًا من ولده، وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ أو يحتاجوا إلى تدارس ...
ولهذا كثرت حكمهم القصار، وشاع بينهم الإيجاز، وبان في خطبهم أثر الارتجال والانفلات من ترتيب الخطبة إلى مراحل وأجزاء، واتسمت معانيهم بالصدق والبعد عن المبالغات.
(1/275)
________________________________________
ولعل هذا من تأثير الشعر في الخطابة من حيث الإيجاز والجمل القصار، أو لعل السبب ميلهم إلى النظر الجزئي والتعبير العاجل السريع الموجز؛ يقول الدكتور أحمد الحوفي: ولست أوافق الجاحظ على دعواه: أن العرب هم الخطباء في قوله: وجملة القول: أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس؛ وأما الهند فإنما لهم معانٍ مدونة وكتب مجلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، ولليونان فلسفة وصناعة ومنطق، وكان صاحب المنطق نفسه -يقصد أرسطو- بكيء اللسان غير موصوف بالبيان، وفي الفرس خطباء؛ إلا أن كل كلام للفرس وكل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة، وعن مشاورة ومعاونة وعن طول التفكير ودراسة الكتب.
لا أوافق الجاحظ؛ لأن العرب من أخطب الأمم حقيقةً، ومن أحسنها بيانًا، وأحضرها بديهةً؛ ولكن الجاحظ غمط الأمم الأخرى حقها مدفوعًا بالعصبية للعرب حين كان الشعوبية يجحدون فضل العرب، ويحاولون أن يفرضوا مجدهم؛ أما إذا نظرنا إلى الارتجال والإعداد؛ وجدنا العرب أكثر الأمم ارتجالًا وأقلها إعدادًا؛ لأن الخطيب اليوناني ما كان ليتصدَّى للخطابة قبل أن يعد وينسق؛ مخافةَ النقد، وكذلك كان الخطيب الروماني؛ فقد كان "شيشرون" ينقح خطبَه ويتدرب على إلقائها قبل أن يخطب، وما زال هذا دأبه إلى سن الستين.
على أن الإسلام قد نقل العرب نقلًا جديدًا؛ فنمى الخطابة وقواها؛ إذ كانت من وسائله في الدعوة، ثم كانت من أسلحة الأحزاب السياسية التي نشأت بعد ذلك، وهي ضرورية في كل جمعة وعيد، ثم إنهم تأثروا بالقرآن الكريم والحديث الشريف والثقافة الإسلامية والعربية والدخيلة؛ فتعددت مجالي القول، وتنوعت الخطابة، والتصقت المعاني، وتسلسلت وصارت الخطبة ذات طابع لا
(1/276)
________________________________________
تكاد تحيد عنهم؛ كأن تبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم يأتي الموضوع، ثم الختام. لكن أثر اليونان كان فيهم ضعيفًا، من هذه الناحية ونواحي الأدب كله؛ لأنهم عكفوا على ترجمة علوم اليونان ولم يترجموا أدبهم، وإذا كان إسحاق بن حنين قد ترجم كتاب (الخطابة) لأرسطو؛ فإن أثره كان ضعيفًا في الخطباء لأنه لم يُشَع بينهم؛ ولأن الفطرة غلبت عليهم؛ ولأن الخطابة لم تكن تعلَّم كما كانت تعلم عند اليونان والرومان، وحتى المؤدبون كانوا يعلمون الشعر والكتابة ولا يعلمون الخطابة، ثم إن نظرة أرسطو إلى الخطابة نظرة متفلسفة، والعرب لم يميلوا إلى فلسفة أدبهم.
على أن العرب لم تكن لهم خطابة قضائية؛ لأنهم كانوا يعتمدون في تقاضيهم على البينة واليمين؛ فلم يكن هناك مجال يتصاول فيه الخطباء، ولم يكن عندهم محلفون يجد الخطيب في استمالتهم وإقناعهم، وكانت خطبهم السياسية -على كثرتها- حزبيةً مذهبيةً أكثرَ منها عامة؛ لأن نظام الحكم لم يكن برلمانيًّا كنظام الأمم الديمقراطية المعاصرة، أو كنظام اليونان في عهد الديمقراطية.
ونلاحظ أن الخطب الحفلية -التكريم، والتأبين، والوفود- قليلة عندهم وموجزة؛ على أن في تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده كثيرًا من الخطباء المصاقع الذين أجادوا الافتنان في الخطب السياسية والوعظية والحربية.
فإذا ما نظرنا إلى الناحية النظرية؛ وجدنا الجاحظ قد تناول كثيرًا من أمور الخطابة في كتابه (البيان والتبيين)؛ إذ تحدث عن مقوماتها وآثارها، وصفات الخطباء ومزاياهم وعيوبهم، وانطلاقهم وحَصْرهم وملابسهم، واعتمادهم على المخاصر والعصي والقسي ... إلخ، وتحدث عن البدء والختام والإيجاز والإسهاب ... إلى غير ذلك من المسائل الموصولة بالخطابة؛ لكن كتاب الجاحظ
(1/277)
________________________________________
تناول هذه الموضوعاتِ كلها في مواضعَ متفرقة لا يجمعها نسق واحد؛ لأن الكتاب عرض للبيان العربي شعره ونثره، وعرض للبلغاء من شعراء وكتاب وخطباء، وكانت الخطابة تجيء مفرقةً هنا وهناك؛ لأن الجاحظ لا يعدو هذا المسلك في مؤلفاته.
ولم يكد يمضي على كتاب الجاحظ نصف قرن حتى ظهر كتاب (نقد النثر) الذي تناول الخطابة في أحد فصوله.
هذا؛ وقد نظر العرب إلى حالهم ومنازعتهم؛ فوضعوا نظامًا يكفل الأمن ويقلل الصراع؛ وكأن هذا النظام نفسه سبب لازدهار الخطابة العربية وتنوع أغراضها. وفحوى هذا النظام: أقاموا أسواقًا تدور مع أيام السنة في جميع أماكن الجزيرة؛ وحتى يحققوا أكبر فائدة من هذه الأسواق جعلوها مكانًا للكسب المادي وتقوية للشعور القوي القومي، ودفعًا للتسابق الأدبي واللغوي والعقلي، وقد اختاروا لهذه الأسواق الأشهر الحرم؛ حتى يضمنوا لأنفسهم الحركة الآمنة والقول الجريء والنقد الحر؛ وأقاموها في سائر أنحاء الجزيرة؛ لكي يشترك الجميع فيها؛ حتى يحققوا أكبر الفائدة منها.
ومن أقدم الخطباء المشهورين: كعب بن لُؤي الجد السابع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد كان يخطب العرب في الشئون المختلفة، ويحث كِنانة على البر وأعمال الخير، وكان مهيبًا مسموعَ الكلمة، ولما مات أكبروا موتَه وأرخوا به، وظلوا يتخذونه تاريخًا حتى عام الفيل؛ فأرخوا به حتى كانت الهجرة النبوية؛ فاتخذها عمر بن الخطاب مبدأً لتاريخ المسلمين. ومن مشهوريهم بعد ذلك: قيس بن خارجة بن سنان: خطيب داحس والغبراء، وكذلك أكثم بن صيفى، والحارث بن عياد، وقيس بن مسعود، وغيرهم.
(1/278)
________________________________________
خصائص الخطابة في العصر الجاهلي وأغراضها
خصائص الخطابة في العصر الجاهلي:
قد تميزت الخطابة في العصر الجاهلي بخصائص عدة، منها ما يلي:
أولًا: خصائصها اللفظية:
أ - اتسامها بقصر الجمل وسرد الحكم: حتى تكاد تنقطع الصلة بين جملة وأخرى.
ب - قوة الألفاظ وجزالتها: حتى كانت تصل أحيانًا إلى الخشونة، ولعل السبب في ذلك قوة نفوسهم؛ لأن الكلمات صورة حية لنفس قائلها؛ تجيش صدورهم باليأس؛ فتنطق ألسنتهم بما يعتمل في صدورهم.
جـ- وجود بعض الألفاظ الغريبة: وذلك تأثرًا ببعض القبائل التي تنطقها مثل حِمير.
د- استعمالها في معانيها الحقيقة، وعدم اللجوء كثيرًا إلى المجاز، ويرجع السبب في ذلك إلى إحاطتهم الكاملة بلغتهم، وعلمهم علمًا صحيحًا بمدلولات الألفاظ، ووجه دلالتها عليها وقلة حاجتهم إلى استعمال لفظ في مدلول آخر، وهذا لا يمنع أن يكون في كلامهم الكنايات الرائعة والأمثال السائرة والتشبيهات المحكمة؛ فإن ذلك كان عندهم ولكن لم يكن كثيرًا في خطبهم؛ لإرسالهم القولَ ارتجالًا من غير تحضير وتهيئة.
(1/279)
________________________________________
ثانيًا: خصائصها المعنوية:
أ - أنها نظرية تنشأ عن اللمحة العارضة والفكرة الطارئة وعفو الخاطر من غير إرهاق للفكر ولا تعمق في النظر.
ب - كما جاءت خطبهم غيرَ متماسكة الأجزاء وغير مسلسلة الأفكار؛ لأنهم لم يكونوا أهل علوم يسودهم التفكير المنظم والتقسيم المستغرق لكل جوانب الموضوع؛ ولذلك كان المعنى عندهم لا يأتي مرتبًا. وأصدق الخطب التي تدل على ذلك خطب أكثم بن صيفَى؛ فإن مَن ينظر فيها يجد أنها جاءت حكمًا متناثرة؛ بل هي در منثور غير منتظم في عقد، وأحيانًا يتحد الغرض في الخطبة فتأتي متماسكة؛ ولكن هذا النوع جاء نادرًا؛ وإذا جاء يأتي موجزًا كل الإيجاز؛ كخطبة أبي طالب في زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- من السيدة خديجة -رضي الله عنها-.
جـ- عدم مجافاتها للواقع بمراعاة الصدق فيها بعيدًا عن المجازفة والمبالغة؛ وذلك للميول والرغبة في قول الحق وصراحة الرأي.
د- كانت معبرة عن خبرتهم وتجاربهم في دروب الحياة وميادينها، تأتي في غير إرهاق ولا تعب.
ثالثًا: خصائص الأسلوب:
أ - الارتجال: وهو ظاهر فيها؛ إذ يلاحظ عدم التنسيق وترابط الأفكار.
ب - البعد عن التكلف لعدم التهيؤ والاستعداد لها مسبقًا.
جـ- السجع، وقصر الفواصل، وتمييز اللفظ، وضرب الأمثال، واستنتاج العبر والعظات.
(1/280)
________________________________________
أغراض الخطابة في العصر الجاهلي:
أ - الصلح:
كانت العداوة والخصومات بين العرب في الجاهلية غالبًا ما تنتهي بفضل خطباء نابهين، يلقون من الأقوال المؤثرة ما يؤلف بين القلوب المتنافرة، ويصلح بين النفوس المتخاصمة، ويحول العداوة إلى محبة وسلام، وذلك ببيان مزايا الأمن والأمان والمودة والوئام، وكذلك نتيجة العداوة والخصام من قتل وتشريد وضياع للأنفس والأموال.
ومثال ذلك نقله "مرثد الخير بن ينكف" في الصلح بين حيين من العرب: سبيع بن الحارث، وميثم بن مثوب، وكانا قد تنازعا في الشرف وتشاحنَا؛ فقال مرثد في الصلح بينهما: إن التخبط وامتطاء الهجاج، واستحقاب اللجاج، سيقفكما على شفا هوةٍ في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة؛ فتلافيَا أمرَكما قبل انتكاث العهد، وانحلال العقد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة، وأنتما في فسحة رافهة، وقدم واطدة، والمودة مثرية، والبقية معرضة؛ فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد، وأصغى إلى التقاطع؛ ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم، وكيف كان صيور أمرهم؛ فتلاقوا القرحة قبل تفاقم الثأي، واستفحال الداء، وإعواز الدواء، استحكمت الشحناء، وإذا استحكمت الشحناء تقضبت عرى الإبقاء وشمل البلاء.
ب - المفاخرة والمنافرة:
حيث كان الخطيب يقف فيجرد لسانه وألفاظه وعباراته في بيان مزاياه ومزايا قبيلته، من ناحية الحسب والنسب والأصل العريق، وقد يبالغ في ذلك إلى حد
(1/281)
________________________________________
كبير؛ كما أنه يحاول أن يسلب غيره كل المعاني والصفات الكريمة، وها هو علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل تحادثَا، ثم أخذ كل منهما يسلب الآخر ما فيه من صفات الخير.
وقد ظلت المفاخرات والمنافرات جارية في العرب حتى جاء الإسلام؛ فنهى عنها، ومنع التمايز والتفاضل الذي يظنه الناس تمايزًا وتفاضلًا، وحصر التفاضل بين الناس في التقوى والعمل الصالح، وهما لا يعلمهما إلا الله تعالى؛ لأنهما عملان خالصان لله -عز وجل- فلا يجوز التباهي بهما، والتباهي بهما يفسدهما ويذهب بثوابهما.
جـ- الرثاء:
فالعربي القديم كان يتميز بعاطفة جياشة وحس مرهف؛ ولذلك كان يتأثر بشدة عندما تحل به مصيبة، أو تنزل به نازلة؛ فينطلق لسانه معبرًا عما يجيش في نفسه ويختلج في أعماقه، ومن ذلك ما قاله أكثم بن صيفى في تعزيته لعمرو بن هند في أخيه:
"أيها الملك، إن أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، وارتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك، واعلم أن الدنيا ثلاثة أيام: فأمس عظة وشاهد عدل؛ فجعك بنفسه، وأبقى لك وعليك حكمه، واليوم غنيمة وصديق أتاك ولم تأتِه، طالت عليك غيبته، وستسرع عنك رحلته، وغد لا تدري من أهله، وسيأتيك إن وجدتك؛ فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم للقادر، وقد مضت لنا أصول نحن فروعها؛ فما بقاء الفروع بعد أصولها؟! واعلم أن أعظم من المصيبة: سوء الخلق منها، وخير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله".
(1/282)
________________________________________
والخطبة -كما هو واضح من كلماتها- تهوِّن من شأن الدنيا، وتذكر الناس بأنهم عنها راحلون.
د- الوصايا:
قد يشعر صاحب المكانة العالية والمنزلة الرفيعة في أهله وعشيرته بدنو أجله وقرب رحيله؛ فيلقي على سمع أحبابه وأنصاره ما ينبغي أن يكونوا عليه في حياتهم من بعده؛ كوصية ذي الأصبع العدواني لابنه والتي قال فيها:
"يا بني، إن أباك قد فني وهو حي، وعاش حتى سأم العيش؛ وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته؛ فاحفظ عني؛ ألِن جانبك لقومك يحبوك؛ وتواضع لهم يرفعوك؛ وابسط لهم وجهك يطيعوك؛ ولا تستأثر عليهم بشيء يودوك؛ وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم؛ يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم، واسمح بمالك، واحمِ حريمك، وأعزز جارك، وأعِنْ من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ؛ فإن لك أجلًا لا يعدوك؛ وصن وجهك عن مسألة أحد شيئًا فبذلك يتم سؤددك.
ومن ذلك أيضًا: وصية أكثم بن صيفى لبنيه، والتي جاء فيها:
يا بني تميم، الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندامة، ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذنب، كلم اللسان أنكى من كلم السنان، والكلمة مرهونة ما لم تنجم من الفم؛ فإذا نجمت فهي أسد محرب، أو نار تلهب، ورأي الناصح اللبيب دليل لا يجوز ونفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن والضرب.
هـ- خطب الزواج:
فقد كان من العادات المتأصلة فيهم أن يقوم ولي الزوج بخطبة يبين فيها مزايا وخصال الخير في الزوج، ورغبته في الزوجة وقبوله لها.
(1/283)
________________________________________
من ذلك: خطبة أبي طالب في زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- من السيدة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- والتي قال فيها:
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا وبيتًا محجوجًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمدَ بنَ عبدِ اللهِ بنَ أخي مَن لا يُوازَنُ به فتًى مِن قُريشٍ إلا رَجَحَ عليه؛ برًِّا، وفَضْلًا، وكَرَمًا، وعَقْلًا، ومَجْدًا، ونُبلًا، وإن كان في المال قَلَّ؛ فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبةٌ ولها فيه مثلُ ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليه.
والدعوة إلى الوحدة ونبذ الخلافات:
وهذا من أعظم وأنبل الأغراض التي اهتم بها الخطباء العرب في العصر الجاهلي؛ حيث كانوا يدعون في بعض خطبهم إلى جمع الشمل وإزالة أسباب الفرقة؛ لأن فيها الضعف والضياع وذهاب الريح، وكانوا يتخذون من الأسواق وغيرها مكانًا للالتقاء بالجموع الغفيرة من الناس؛ ليعم النفع وينتشر الحب والسلام، ومن الذين فعلوا ذلك عبد المطلب جد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمام سيف بن ذي يزن، عندما ذهب إليه وفد من قريش بعد أن أجلى الحبشة عن بلاد العرب.
وجاء في كتاب (الأدب العربي وتاريخه في العصر الجاهلي): أن الوصايا من الخطب؛ وإنما تكون من حكيم لقومه، أو من سيد لعشيرته، أو أَب لبنيه، أو من أم لابنتها، ويغلب أن يكون ذلك عند الإحساس بالأجل أو العزم على الرحلة:
فمن ذلك: وصية النعمان بن ثواب العبدي، قال في (مجمع الأمثال): وكان رجلًا يوصي بنيه ويحملهم على أدبه؛ فأوصى أحدهم -وكان صاحب حرب- قال: "يا بني، إن الصارم ينبو والجواد يكبو والأثر يعفو؛ فإذا شهدت حربًا
(1/284)
________________________________________
فرأيتَ نارها تسعر وبطلها يخطُر وبحرها يزخر وضعيفها ينصر وجبانها يجسر؛ فأقلل المكث والانتظار؛ فإن الفرار غير عار إذا لم تكن طالب ثار".
ومنها: ما قالته امرأة عوف بن محلم الشيباني، وكان عمرو بن جحل جد امرئ القيس الشاعر قد خطبها إلى أبيها فزوجها منه؛ فلما كان بناؤه بها أوصتها أمها وصية لم تدع شيئًا من تأديب المرأة وكفايتها إلا وعته فيها، قالت:
"أي بنية، إنك فارقت بيتك الذي منه خرجت، وعشكَ الذي فيه درجت إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه؛ فكوني له أمةً يكن لك عبدًا، واحفظي له خصالًا عشرًا يكن لك ذخرًا:
أما الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة وحسن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لموضع عينيه وأنفه؛ فلا تقع عينُه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيبَ ريح؛ وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه؛ فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، أما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله والإرعاء على حَشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير، وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمرًا ولا تفشين له سرًّا؛ فإنك إن عصيت أمره أوغرت صدره؛ وإن أفشيت سره لم تأمني غدره، ثم إياك والفرحَ بين يديه إذا كان مهتمًّا والكآبة بين يديه إذا كان فرحًا".
المنافرة:
ومن النثر المأثور عن أهل هذا العصر ما كان يقع أولًا على جهة المحاورة بين رجلين، ثم يتورط أحدهما أو كلاهما؛ فينزع بهما الجدل إلى المنافرة: وهي التحاكم إلى الأشراف من حكام العرب؛ ليفصلوا بينهما ويقضي الحَكَم لأحدهما أو يسوي بينهما:
(1/285)
________________________________________
ومن ذلك: ما وقع لعامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة العامريين، وحديثهما مشهور، قالوا: إن عامرًا وقف لعلقمة يومًا فجعل ينازعه الشرفَ في قومه، وتفاقم بينهما الأمر، وكان مما قاله عامر: والله لَأَنَا أشرف منك حسبًا وأثبت منك نسبًا وأطول قصدًا، قال علقمة: أنافرك: وإني لبر وإنك لفاجر، وإني لولود وإنك لعاقر، وإني لوفي وإنك لغادر. قال عامر: أنافرك: وإني أنشر منك أُمة، وأطول قمة، وأبعد همة. وطال بينهما الكلام؛ فتواعدَا على الخروج إلى من يحكم بينهما، وجعلَا يطوفان الأحياءَ، وهاب الناس أن يحكِّموا بينهما؛ خيفةَ أن يقع في حييهما الشر؛ حتى دفعَا إلى هرم بن قطبة الفزاري؛ فلما علِمَ بأمرهما أمر بنيه أن يفرقوا جماعة الناس؛ تفاديًا من الفتنة، وجعل يطاولهما ويخوف كل واحد منهما من صاحبه؛ حتى لم يبقَ لواحد منهما هم سوى أن يسوي في حكمه بينهما، ثم دعاهما بعد ذلك والناس شهود؛ فقال لهما: أنتما كركبتي البعير تقعان إلى الأرض معًا وتقومان معًا؛ فرضيَا بقوله وانصرفا عنه إلى حييهما، وقد عمِّر هرم هذا إلى أيام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال عمر: "أيهما كنتَ منفرًا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو قلتُها الآن لعادت جزعةً -يعني: الفتنة أو الحرب- فقال له عمر: إنك لأهل لموضعك من الرياسة".
وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/286)
________________________________________
الدرس: 17 بلاغة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأثرها في الخطابة.
(1/287)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع عشر
(بلاغة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأثرها في الخطابة)

أثر القرآن في بلاغة الرسول، وبلوغه -صلى الله عليه وسلم- الغاية في البيان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
أ- أثر القرآن الكريم في بلاغة الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
الرسول -صلى الله عليه وسلم- أكثر الخلق تأثرًا بكتاب الله على الإطلاق، لقد كان محمد -صلى الله عليه وسلم- آية في فصاحة القول وسمو البيان، بل كان أبلغ العرب قاطبة، وهذه قضية لم تكن في يوم من الأيام موضع ارتياب من منصف قديم أو حديث، صديق أو عدو، وقد كانت هذه البلاغة العالية أثرًا طبيعيًّا لأسباب توافرت لها، ونتيجة حتمية لمقدمات أدت إليها، فالنبي محمد عربي، وهو من خير العرب قبيلة، ومن أعلاهم نسبًا، ومن أعظمهم بيتًا.
العرب سادة الأمم، وقريش سادة العرب، وبنو هاشم سادة قريش، ومحمد سيد بني هاشم، بل هو -صلوات الله عليه- سيد الأولين والآخرين، ومن مظاهر سيادة قريش أنها كانت أفصح قبائل العرب لهجة، وأصفاها بيانًا، وأعذبها منطقًا، وأقواها لسانًا.
ولقد تهيأ للغة القرشية قبل الإسلام من عوامل النقاء والصفاء والفصاحة والبيان، ما جعلها جديرة بأن ينزل بها القرآن، بأن ينزل بها كتاب الله تعالى، ذلك الكتاب الذي تحدى العرب ببلاغته وفصاحته، بالقول الجزل واللطيف العذب من ألفاظه، وبالرائع البارع من تراكيبه، وبالرفيع السامي من معانيه.
ولم يكد يقترب يوم ميلاد الإسلام حتى كانت اللغة القرشية سيدة لغات العرب بلاغة وفصاحة، وهذا مصداق قوله تعالى في شأن القرآن الكريم: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء: 192 - 195) ومن المؤكد أن القرآن نزل كله أو جله بلغة قريش،
(1/289)
________________________________________
وقد وصف القرآن الكريم قريشًا باللدد في الخصومة. قال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} (مريم: 97) وأكد هذا المعنى في قوله سبحانه: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (الزخرف: 57، 58) فوصفهم بالجدل وبالخصومة الشديدة.
وهذه الأوصاف -اللدد والمبالغة في الخصومة والجدل- كلها تعني ذرابة اللسان ونصاعة البيان، والقدرة على تصريف القول وتشقيقه، والذهاب به كل مذهب عند المحاجة بين هذه القبائل، القرشية المستقرة في بطحاء مكة.
وبين هؤلاء القوم الذين عُرفوا باللَّسن والفصاحة، قضى محمد بن عبد الله طفولته الثانية وشبابه وكهولته، ويصرح النبي -صلى الله عليه وسلم- بأثر نسبه في قريش واسترضاعه في بني سعد، فيقول: ((أنا أعربكم؛ أنا من قريش، ولساني لسان سعد بن بكر)) أما السر الأعظم في بلاغة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو التدبير الإلهي بأن يكون محمد أفصح العرب، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113) فقد امتن الله على رسوله بأنه أنزل عليه الكتاب والحكمة، وبأنه علمه علومًا لم يكن يدري عنها شيئًا، والله سبحانه إنما يمتن بجلائل النعم، فلا شك أن مما تدل عليه هذه الآية أن الله -عز وجل- ألهم رسوله روائع البيان، وخصه بالمثل الأعلى في فصاحة اللسان.
ب- شواهد على أن الرسول بلغ الغاية في البيان البشري:
وذلك في قوله تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} (النساء: 113) دليل على سمو بلاغة النبي، ذلك أن الله امتن عليه بتعليمه ما لم يكن يعلم،
(1/290)
________________________________________
وبأن فضله عليه عظيم، فلا جرم يكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الفصاحة مثالًا يحتذى بين قوم يقدسون البيان، كما كان مثالًا يحتذى في مكارم الأخلاق.
فالله سبحانه لا يمتن على رسله إلا بالفضائل الكبرى، ولا يصف فضله بأنه عظيم حتى يكون من ذلك تمييزه الرسول على أقرانه بفصاحة اللسان، وقوة البيان، وربما أشارت إلى ذلك أيضًا الآية الكريمة: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} (الضحى: 5) فهي لم تذكر ما يعطيه الله لرسوله، أي أن المفعول الثاني ليعطي قد حُذف، وحذف المفعول يُؤذِن بالعموم، فلا شك أن مما أعطاه الله لرسوله -فرضي- البيان، ولا يكون الرضا حتى يكون متفوقًا فيه على غيره من فصحاء العرب.
والبيان فضيلة في كل بيئة وفي كل زمان ومكان، وهو عند العرب في حياة النبي وقبلها فضيلة الفضائل، ثم إن سياق الآية يفيد أن الله سيعطيه جلائل النعم، فبدهي أن الله أعطى لرسوله نعمة البيان على أتم ما تكون، ومما يدل على ذلك ما ورد في الآية الكريمة {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} (النساء: 63) والمعنى: قولًا بليغًا في أنفسهم، أي يغوص فيها ويبلغ غاية ما يراد منها. وقيل: أن المراد بالقول البليغ أن يكون الوعظ بكلام بليغ، وكل المعاني تؤكد أنما يقوله الرسول يتسم بالبلاغة ويمتاز بها.
قال السيد رشيد رضا في تفسيره (المنار): "وفي الآية شهادة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالقدرة على الكلام البليغ، وهي شهادة له بالحكمة ووضع الكلام في موضعه، وهذا بمعنى إيتاء الله تعالى نبيه داود الحكمة وفصل الخطاب، وما أوتي نبي فضيلة إلا أوتي مثلها خاتم النبيين -صلى الله عليه وسلم. وشهادة الله تعالى له في هذا المقام أكبر شهادة، وقد تكرر في القرآن الكريم ذكر التبيين على أنه بعض الغايات التي أنزل القرآن من
(1/291)
________________________________________
أجلها. قال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (النحل: 64).
ولا يمكن أن يقوم الرسول بهذا التكليف الشاق، وأن يؤدَى على أكمل وجه هذه المهام المتعددة، إلا إذا كان غاية في البيان ومثلًا عاليًا في الفصاحة، كما لا بد أن يكون له امتياز على أولئك الفصحاء الأبيِناء، حتى يظهر فضله موضع فخرهم وأنبل فضائلهم، فلا يتعاظمهم إلا أن يكون الرسول فيه المثل الأعلى، فالبيان هو الوسيلة الناجحة في الإقناع، وإلزام المدعوين الحجة، وحملهم على أن يصدقوا الرسول فيما جاء به، وأن يخجلوا من تكذيبه بعد أن تقوم عليهم الحجة، ويفحمهم البرهان بالفصاحة التي وهبها الله سبحانه لهارون، وقد خاف موسى أن يضيق صدره ولا ينطلق لسانه، حين يكذبه القوم الظالمون، قال حين يكذبه القوم الظالمون فرعون وملؤه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} (الشعراء: 12، 13) وعبارة القرآن: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} (القصص: 35) رائعة قوية.
ولا شك أن فصاحة هارون كانت العامل الأقوى في شد العضد؛ لأنها هي التي نوه بها موسى وأعلن عن حاجته القصوى إليها، فالفصاحة -إذن- من أقوى الدعائم التي تقوم عليها الرسالات، ومن أهم الوسائل التي يتحقق بها البلاغ.
جـ- الصحابة يصفون بلاغة الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
روي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: ((ما سمعت كلمة غريبة من العرب إلا سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسمعته يقول: مات حتف أنفه، وما سمعتها من عربي قبله، وقد وصف النبي مرة سحابة، وأصحابه يسمعون فقالوا له: ما رأينا الذي هو أفصح منك!! فقال: وما يمنعني من ذلك، فإنما أنزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين)).
(1/292)
________________________________________
ويروي الرواة أن أبا بكر -رضي الله عنه- قال للنبي -صلى الله عليه وسلم: ((لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم، فما سمعت الذي هو أفصح منك!! فقال -عليه الصلاة والسلام-: أدبني ربي فأحسن تأديبي)) وفي معنى هذا الحديث حديث آخر، روي عن علي -رضي الله عنه- رواه عنه العسكري قال: ((قدم بنو فهد بن زيد على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: أتيناك من غور تهامة، وذكر خطبتهم وما أجابهم به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم قال، أي علي: فقلنا: نبي الله، نحن بني أب واحد، ونشأنا في بلد واحد، وإنك تكلم العرب بلسان لا نفهم أكثره، فقال: أدبني ربي، ونشأت في بني سعد بن بكر)).
وفي كتاب (الرعد والبرق) لابن أبي الدنيا في حديث مرسل: أن أعرابيًّا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت أفصح منك". وروي عن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكلم أبا بكر بلسان كأنه أعجم، لا يَفهم مما يقولان شيئا.

أمور مهمة في وصف بلاغة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأمثلة من كلامه
أ- منطق الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث صحيح أن الأنبياء قليلو الكلام قال: ((إنا معاشر الأنبياء بُكَّاء)). وجعل الجاحظ من أسباب قلة كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- النفور من التكلف، والبعد من الصنعة، وشدة المحاسبة للنفس، وذكر في هذا الموضع قول الله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (ص: 86) فأكثر أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- الإقلال من الكلام، ولكن ذلك ليس عن عجز بل كراهية للتكلف، وإظهار القدرة على الكلام، وقد كان ذلك شأن كثيرين من بلغاء العرب، ولا يزال شأن كثيرين من صناع الكلام.
(1/293)
________________________________________
قال الجاحظ: "والذي تجود به القريحة وتعطيه النفس سهوًا رهوًا مع قلة لفظه وعدد هجائه أحمد أمرًا، وأحسن موقعًا من القلوب، وأنفع للمستمعين من كثير خرج بالكد والعلاج. قال: والدليل الواضح والشاهد القاطع قول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((نصرت بالرعب وأعطيت جوامع الكلم)) وهي الألفاظ القليلة المحتوية على المعاني الكثيرة، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يكره الإكثار من الكلام والمبالغة والتكلف فيه، وفي ذلك يقول: ((ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؟!: أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة؟!: الثرثارون المتفيهقون)) ويقول: ((أبغض الرجال إلى الله تعالى البليغ، الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها)).
وقد نهى -صلى الله عليه وسلم- عن التشادق فقال: ((إياي والتشادق)) وهو أن يلوي المتكلم شدقه تفصحًا. وقال: ((إن الله يكره الانبعاق في الكلام، فنضر الله وجه رجل أوجز في كلامه واقتصر على حاجته)).
وكما بغض الإكثار رغب في الإيجاز، في مثل قوله لجرير بن عبد الله البجلي: ((يا جرير، إذا قلت فأوجز وإذا بلَّغْتَ حاجتك فلا تتكلف)) ونلاحظ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو المثل الأعلى في البلاغة البشرية، لم يكتف بالتبغيض في الثرثرة والتكلف، بل أخرج هذه المعاني في كلمات قاصية تناسب هذه المعاني، وحين شبه جاء بتشبيه من شأنه العون على ما يريده، مِن تهجين الكلام الزائد عن الحاجة، وقد كان يمكن أن يعبر عن هذه المعاني التي عبرت عنها هذه الألفاظ: المتفيهقون، الثرثارون، التشادق، الانبعاق، بألفاظ مرادفة لها أخف منها وأعذب، ولكن من المتفق عليه أن من بلاغة الكلام التطابق التام بين المعاني والألفاظ المعبرة عنها.
(1/294)
________________________________________
وقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- في صفة منطق الرسول قولها: ((ما كان رسول الله يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بيِّن فَصْل، يحفظه من جلس إليه)). وقد جاء في وصف أم معبد لمنطق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما يشبه وصف عائشة قالت: ((إن صَمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هزر، كأن منطقه خرزات نظم يتحررن)). وفي وصف هند بن أبي هالة لمنطق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأحواله ما يؤكد كل ما سبق، وكان هند وصافًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلًا لا فضول فيه ولا تقصير)).
ومن حديث عمر -رضي الله عنه: ((كان -صلى الله عليه وسلم- أوجز الناس كلامًا، وبذلك جاءه جبريل، وكان مع الإيجاز يجمع كل ما أراد)). وقد وُصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه كان جهير الصوت، أحسن الناس نغمة. ومن قول البراء -رضي الله عنه: ((ما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه)) وروي عن قتادة -رحمه الله- قوله: ((ما بعث الله نبيًّا إلا حسن الوجه حسن الصوت)).
ب- أثر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الخطابة:
وَصف البلغاء لبلاغة الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
للجاحظ وصف طويل لكلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومما جاء فيه: "هو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة ونُزِّه عن التكلف، واستعمل المبسوط في جانب البسط، والمقصور في جانب القصر، وهجر الغريب الحوشي ورغب عن الهجين السوقي، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم،
(1/295)
________________________________________
ولا يَحتج إلا بالصدق ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة ولا يبطئ ولا يعجل".
وقال الزمخشري: "هذا اللسان العربي كأن الله مخضه، وألقى زبدته على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- فما من خطيب يقاومه إلا نكص متفكك الرحل، وما من مصقع يناهزه إلا رجع فارغ السجل".
وقال القاضي عياض في كتابه (الشفا): "وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان -صلى الله عليه وسلم- بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قَول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله، مَن تأمل حديثه وسبره علم ذلك وتحققه".
يقول الرافعي: "إن أسلوب النبي -صلى الله عليه وسلم- أسلوب منفرد في هذه اللغة، قد بان من غيره بأسباب طبيعية فيه، وإنك لا ترى فيه حرفًا مضطربًا، ولا لفظة مستكرهة على معناها، ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعنى، وأن جهات الصنعة في الكلام من اللغة والبيان والحكمة، قد سلمت للنبي -صلى الله عليه وسلم- على أتمها، ولم تسلم لبليغ غيره قط، واللغة في النبي فطرية، والبيان بيان أفصح الناس نشأة وأقواهم من الذكاء والإلهام، وأما الحكمة فتلك حكمة النبوة وتبصير الوحي، وتأديب الله تعالى".
(1/296)
________________________________________
وبعد هذا الإيراد لما قاله الصحابة والبلغاء في وصف بلاغة الرسول -صلى الله عليه وسلم- نحب أن نقف عند أمور:
الأول: أن هذه الأوصاف شملت كل ما يتصل بالكلام:
فالرسول قليل الكلام طويل السكوت، لا يتكلم إلا إذا دعت إلى الكلام حاجة، معتدل في إلقاء كلامه، لا يبطئ بطأ ملحوظًا ولا يسرع، وهو -صلى الله عليه وسلم- حسن الصوت جهيره، حلو المنطق عذب الألفاظ، يفخم الحروف حين ينطق بها طبيعة لا تكلفًا، ليس فيه عيب خلقي يجور على الحروف فيلويها أو ينقصها، ولا يعمد إلى التكلف ولا يرضاه، فإن التكلف يجعل الكلام ثقيلًا مملولًا، والتكلف -كما يقول الجاحظ- ما دخل في شيء إلا أفسده.
وتناولت الأوصاف الألفاظ المفردة والجمل المركبة والمعاني، فألفاظه -صلى الله عليه وسلم- مألوفة مأنوسة، إلا حين يقتضي المعنى لفظًا يناسبه، فيختار الرسول اللفظ الأقل إلفًا، ولكنه ينأى عن الغريب الوحشي وعن السوقي المبتذل، وألفاظه جزلة حين يقتضي المعنى الجزالة، رقيقة حين يتطلب المعنى الرقة، وفي الحالتين هي واضحة الدلالة على معانيها، كل كلمة تعبر بدقة عن تمام معناها.
والأسلوب سهل لا تعقيد فيه ولا التواء، آخذ بحظه الوفير من البيان، موجز حيث لا يحمد إلا الإيجاز، مبسوط حيث يقتضي المقام البسط، فِطري مطبوع.
أما معانيه فتمتاز بالصحة، لُحمتها الصدق وسداها الحكمة والحق، بعيدة عن الخيال، منزهة عن المواربة والخلابة والتمويه.
(1/297)
________________________________________
الثاني: وصف كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه فضل:
وهذا الوصف من أدل الدلائل على البلاغة وسمو الحكمة، فالبليغ الذي ينطق بالكلمة فتُحسم بها الأمور وتنقاد لها العقول، هو صاحب منطق سليم وفكر قويم، وحكمة بارعة وقدرة فذة، على إسكات من يجاذبه الرأي أو يراجعه القول، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك مع لطف الخطاب ولين الجانب وسجاحة الخلق، وهذه أمثلة قليلة ولها نظائر كثيرة في كلامه -صلى الله عليه وسلم.
1 - عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: ((كنت عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((احتجبا منه)) فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه)). فالكلمة حاسمة فاصلة، ولذلك لم تستطع واحدة منهما أن تراجع النبي بعدها.
2 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: ((لما فتحت مكة قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجمعهم فقال: ما الذي بلغني عنكم؟ قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون فقال: أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وفي رواية البخاري: بالشاة والبعير إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟! فقالوا: بلى، فقال: لو سلك الناس واديًا أو شعبًا وسلك الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار)).
(1/298)
________________________________________
وفي رواية أخرى تتعلق بغنائم حنين، بيَّن لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- السر في إعطائه القرشيين، وهو أن يتألف قلوب سادتهم، وأن الأنصار قالوا: "يا رسول الله، قد رضينا".
فلا شك أن كلمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت حاسمة للموقف، وكانت مرضية للأنصار، ومن لطيف ما فيها مقابلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- نفسه وقد جلى عن هذه المبالغة بالشاة والبعير، فكأنه يقول لهم: أتغضبون لأن انقلبتم بمن لا يوزن به شيء، وانقلب الناس بهذا المال الذي لا يُعد شيئًا في جانب ما ترجعون به إلى بيوتكم.
وقد جاء ذلك صريحًا في قول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به)) وهكذا اقتنع الأنصار بأن نصيبهم أوفى وأوفر وأكرم وأجل، ورضوا وهم يعلمون أن النبي يحبهم ويعزهم، ويذكرون قوله فيهم: ((لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، والأنصار شعار والناس بِثار)) كما في البخاري وغيره.
وهذا نموذج من خطب النبي -صلى الله عليه وسلم، فبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال: ((أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشيبة قبل الكبرة، ومن الحياة قبل الموت، فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار)).
بين يدي الساعة:
عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل)) رواه الترمذي.
(1/299)
________________________________________
الأبحاث البلاغية:
1 - في قوله -صلى الله عليه وسلم: ((بين يدي الساعة)) استعارة مكنية، وطريق إجراء هذه الاستعارة أن نقول: شبه الساعة برجل، وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اليد، على سبيل الاستعارة المكنية بجامع القرب بين كل منهما، فاليد قريبة من الرجُل، والفتن قريبة من الساعة.
2 - في قوله: ((فتنًا كقطع الليل المظلم)) تشبيه يسمى مرسلًا مفصَّلًا؛ لأن أداة التشبيه قد ذكرت فيه وهي الكاف، فهو مرسل من هذا الوجه، ومفصل لأن وجه الشبه وهو الظلمة قد ذكر فيه، وقد تمت فيه الأركان.
3 - في قوله: ((يصبح)) و ((يمسي)) وفي قوله: ((مؤمنًا)) و ((كافرًا)) تَقابل جميل، وهذا ما يسمى في علم البلاغة الطباق، كقوله تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} (الكهف: 18) والطباق هو أن يجمع المتكلم بين لفظين متقابلين، وقد يكون الطباق في الفعل كما في الأول: ((يصبح)) و ((يمسي))، وقد يكون في الاسم كما في قوله: ((مؤمنًا)) و ((كافرًا))، وقد يكون في الحرف كقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: 228).
4 - قوله: ((يبيع دينه بعرض من الدنيا)) جملة خبرية يقصد منها التحذير والتخويف.
الحرية الشخصية:
عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم
(1/300)
________________________________________
وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)) رواه البخاري والترمذي.
الأبحاث البلاغية:
1 - قوله صلى الله عليه وسلم: ((مثل القائم)) و ((كمثل قوم استهموا)) فيه تشبيه يسمى تشبيهًا تمثيليًّا؛ لأن وجه الشبه صورة منتزعة من متعدد، وهذا النوع من التشبيه له تأثير عظيم على النفس، فإنه إذا وقع في صدر القول بعث المعنى إلى النفس، بوضوح وجلاء مؤيَد بالبرهان؛ ليقنع السامع، وإذا جاء بعد تمام المعاني كان كالبرهان، الذي تثبت به الدعوى والحجة، التي توجب الإذعان، مثل قول الشاعر:
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل
2 - بين لفظ: ((أعلاها)) ولفظ ((أسفلها)) طباق بين اسمين، والطباق هو الجمع بين لفظين متقابلين في المعنى، كما هو معلوم في علم البديع، وكذلك يوجد طباق بين قوله: ((القائم)) و ((الواقع)).
3 - ((وإن أخذوا على أيديهم)) في هذا اللفظ كناية لطيفة، فقد كنى عن المنع بالأخذ على الأيدي، فهو -إذن- كناية عن صفة، أي: فإذا منعوهم عن تنفيذ ما أرادوا ... إلخ.
الجنة تحت ظلال السيوف:
عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف))
(1/301)
________________________________________
ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)).
الأبحاث البلاغية:
1 - ((الجنة تحت ظلال السيوف)) قال القرطبي: "هذا من الكلام النفيس البديع، الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته، وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة، مع الألفاظ الوجيزة، بحيث تعجز الفصحاء اللسن والبلغاء المصاقع، عن الإتيان بنظيره وشكله، فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار عن ثوابه، إلى أن قال: وهذا كما جاء في الحديث الشريف: ((الجنة تحت أقدام الأمهات)) ففي التعبير استعارة تصريحية، فالمجاهد في سبيل الله يدخل الجنة بسبب جهاده، وصبره على لقاء العدو، وضربه بالسيف، حتى كأن السيوف أصبح لها من كثرتها ظلال تظلل الضاربين".
2 - ((منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب)) فيه من علم البديع ما يسمى بالسجع، وهو ما اتفقت فيه أكثر الفقرات في الوزن والتقفية، ولا يُستحسن السجع إلا إذا جاء عفوًا.
كان بيان القرآن الكريم، وتشريع أحكام جديدة لم ترد في القرآن، وتثبيت عقائد المسلمين في الألوهية، والبعث، والنبوة، وتهذيب أخلاق المؤمنين، وتقويم سلوكهم، كانت كل هذه الأغراض الأساسية للحديث النبوي الشريف، وقد خاطب الله -سبحانه وتعالى- رسوله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44).
(1/302)
________________________________________
فكان الحديث تفصيلًا لما أُجمل في القرآن، وتوضيحًا لما أبهم فيه، وبيانًا لمتشابهه، كما أن الأحكام التي وردت في الحديث النبوي -ولم يرد لها ذكر في القرآن- هي أحكام شرعية صحيحة ثابتة، يلزم العمل بها، كما يلزم العمل بما جاء في القرآن، فالسنة هي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، وقد يحاول بعض الجهلة أو بعض الضالين المضلين، أن يشكك في حكم من الأحكام، بحجة أنه لم يرد في القرآن الكريم، وربما فعل بعضهم ذلك تظرفًا أو تهربًا من عقوبة، كما روي أن شاعرًا أندلسيًّا سكر، فأُخذ إلى القاضي ليقيم عليه حد الشرب، فلما مثل بين يدي القاضي أنشد أبياتًا جاء فيها:
قرأت كتاب الله تسعين مرة ... فلم أرَ فيه للشراب حدودًا
وهي مغالطة واضحة، كأن كل حكم لم يرد في القرآن لا يصح العمل به، ولو أخذنا بقول هذا الشاعر ومن يضلون ضلاله من سكارى عصرنا، سكارى الشراب، سكارى الجهل، وسكارى الانحراف، لأهملنا كثيرًا من تعاليم الإسلام، فعدد الصلوات ليس في القرآن، وكثير من أحكام الصوم ليس في القرآن، وكذلك أفعال الحج وغيرها من العبادات والمعاملات، ليس في القرآن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وقال: ((خذوا عني مناسككم)).
وقد ابتلي بعض العلماء قديمًا بمن طلب منه أن يدله على مأخذ حكم شرعي، وكان من الأحكام التي جاءت في السنة، فذكر العالم الحديث النبوي الذي تضمن هذا الحكم المسئول عنه، فقال السائل: هل ورد هذا الحكم في القرآن؟ فقال العالم: نعم. قال السائل: في أيِّ آية؟ قال العالم: في قوله
(1/303)
________________________________________
تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: 7) وفي قوله سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: 80).
وقد رويت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحاديث، وُصف كل منها بأنه ثلث الإسلام. قوله -صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)) قال أبو القاسم حمزة بن محمد: "سمعت أهل العلم يقولون: هذا الحديث ثلث الإسلام".
حديث آخر:
ما رواه النعمان بن بشير، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه)).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/304)
________________________________________
الدرس: 18 من أنواع الخطابة الدينية: خطبة الجمعة.
(1/305)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن عشر
(من أنواع الخطابة الدينية: خطبة الجمعة)

الجمعة: تعريفها، وفضلها، وسننها، وشروطها، ووقتها، ومن تجب عليهم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
والجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها: مِن الاجتماع، سمي اليوم به لأنه جُمع فيها خلق آدم من الماء والطين، روى علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم: لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال: ((لأن فيها طُبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة، من دعا الله فيها استجيب له)) أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح.
وقيل: سمي بذلك لاجتماع الأنصار مع أسعد بن زرارة فيه، فصلى بهم وذكّرهم، فسموه بالجمعة بعد أن كان يسمى يوم العروبة، أي: يوم التحسين؛ لأنه يوم تجمل.
وهو أفضل أيام الأسبوع. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح، حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة، إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه)).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال عبد الله بن سلام: "قد علمت أية ساعة هي، فقلت له: فأخبرني بها، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت له: كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي)) وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي))؟ فقلت: بلى. قال: هو ذاك". وصححه الترمذي.
(1/307)
________________________________________
فضل الجمعة وآدابها وسننها وشروطها:
أ- فضيلة الجمعة:
هذا يوم عظيم، عظم الله به الإسلام وخصص به المسلمين. قال الله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (الجمعة: 9) فحرم الاشتغال بأمور الدنيا وبكل صارف عن السعي إلى الجمعة، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله -عز وجل- فرض عليكم الجمعة في يومي هذا في مقامي هذا)). وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((من ترك الجمعة ثلاثًا من غير عذر طبع الله على قلبه، وفي لفظ آخر: فقد نبذ الإسلام وراء ظهره)).
واختلف رجل إلى ابن عباس يسأله عن رجل مات، لم يكن يشهد جمعة ولا جماعة فقال: في النار، فلم يزل يتردد إليه شهرًا يسأله عن ذلك وهو يقول: في النار، وفي الخبر: إن أهل الكتابين أُعطوا يوم الجمعة فاختلفوا فيه فصرفوا عنه، وهدانا الله تعالى له، وأخره لهذه الأمة وجعله عيدًا لهم، فهم أولى الناس به سبقًا، وأهل الكتابين لهم تبع.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم -عليه السلام- وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد، كذلك تسميه الملائكة في السماء، وهو يوم النظر إلى الله تعالى في الجنة)). وفي الخبر: إن لله -عز وجل- في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: ذَكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الجمعة فقال: ((فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله -عز وجل- شيئًا إلا أعطاه الله إياه، وأشار بيده يقللها)) أخرجه الشافعي والسبعة إلا أبا داود والترمذي.
(1/308)
________________________________________
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه الله، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)) أخرجه أبو داود والنسائي. وقال ابن عبد البر: "إنه أثبت شيء في هذا الباب، وأكثر الأحاديث على هذا، وبه قال أكثر أهل العلم".
وقيل: إن ساعة الإجابة من وقت جلوس الخطيب على المنبر، إلى أن يفرغ من الصلاة. قال أبو بردة بن أبي موسى الأشعري: "قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن ساعة الجمعة؟ قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((هي ما بين أن يجلس الإمام -يعني على المنبر- إلى أن تقضى الصلاة)). واختار ابن القيم أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر؛ لاحتمال أن يكون -صلى الله عليه وسلم- دل على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البر: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين".
ب- من تجب عليهم الجمعة:
والجمعة تجب على المسلم الذكر الحر المكلف المقيم الصحيح، الخالي من الأعذار. عن طارق بن شهاب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: مملوك وامرأة وصبي ومريض)) رواه أبو داود وقال: لم يسمع طارق من النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أنه في سنن أبي داود بلفظ: ((عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض)) بلفظ: أو. وفي الباب عن تميم الداري وابن عمر: ((ليس على مسافر جمعة)) وفيه أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((خمسة لا جمعة عليهم: المرأة، والمسافر، والعبد، والصبي، وأهل البادية)).
(1/309)
________________________________________
وإذا عرفت هذا فقد اجتمع من الأحاديث أنها لا تجب الجمعة على ستة أنفس: الصبي، وهو متفق على أنه لا جمعة عليه، والمملوك، وهو متفق عليه إلا عند داود، فقال بوجوبها عليه لدخوله تحت عموم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ} (الجمعة: 9) فإنه تقرر في الأصول دخول العبيد في الخطاب. وأجيب عنه بأنه خصصته الأحاديث وإن كان فيها مقال، فإنه يقوي بعضها بعضًا.
والمرأة، وهو مجمع على عدم وجوبها عليها، وقال الشافعي: "يستحب للعجائز حضورها بإذن الزوج" ورواية البحر عنه أنه يقول بالوجوب عليهن، خلاف ما هو مصرح به في كتب الشافعية. والمريض، فإنه لا يجب عليه حضورها إذا كان يتضرر به، والمسافر لا يجب عليه حضورها، وهو يُحتمل أن يراد به مباشرة السفر.
جـ- وقت الجمعة:
الوقت وإن كان شرطًا لكل صلاة، لكن الجمعة تختص بأنها لا تصح إلا فيها، بخلاف غيرها من الصلوات، فإنها تقضى بعده، ووقتها عند الحنفيين ومالك والشافعي والجمهور وقت الظهر. قال أنس بن مالك: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الجمعة إذا مالت الشمس)) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والبيهقي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو الذي أجمع عليه أكثر أهل العلم أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس لوقت الظهر.
وقال سلمة بن الأكوع: ((كنا نصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجمعة إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء)) أخرجه أحمد ومسلم والبيهقي.
ويمتد وقتها إلى آخر وقت الظهر إلحاقًا لها بها لوقوعها موضعها، وتلزم الجمعة بالزوال لأن ما قبله وقت جواز، وفعلها بعده أفضل، خروجًا من الخلاف،
(1/310)
________________________________________
ولأنه الوقت الذي كان -صلى الله عليه وسلم- يصليها فيه في أكثر أوقاته، والأَولى فعلها عقب الزوال صيفًا وشتاء، وصحح بعض الحنابلة أنه لا يدخل وقتها إلا في الساعة السادسة من النهار، وقال: ولنا على جوازها في الساعة السادسة السنة والإجماع؛ أما السنة فما روى جابر بن عبد الله قال: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس)) أخرجه مسلم. وعن سهل بن سعد قال: ((ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم)) متفق عليه.
قال ابن قتيبة: "لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال". وقال سلمة: ((كنا نصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء)) أي: ليس لها ظل ممتد يستظل به، رواه أبو داود.
وخطبة الجمعة لها شروط، وشروط صحة الجمعة عند الأئمة الأربعة والجمهور لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الجمعة: 9) والذكر هو الخطبة لاشتمالها عليه أمر بالسعي إليه، فيكون واجبًا؛ لأنه لا يجب السعي لغير الواجب، ولمواظبته -صلى الله عليه وسلم- على الخطبة. قال ابن عمر: ((كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب)) أخرجه السبعة إلا ابن ماجه، وهذا لفظ أبي داود.
ولم يرد أنه -عليه الصلاة والسلام- أو أحد من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم، صلى الجمعة بدون خطبة، فهي من جملة الخصوصيات التي لم يرد إسقاط الركعتين إلا مع مراعتها، فكانت شرطًا.
ويشترط عند المالكية والشافعية خطبتان، وهو مشهور مذهب الحنبلية، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ولم يثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى الجمعة بدون
(1/311)
________________________________________
خطبتين. وقال الحنفيون والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وابن المنذر: "الشرط خطبة واحدة، والثانية سنة، وهو رواية عن أحمد" وقال الحسن البصري والظاهرية وابن الماجشون المالكي: "الخطبة مستحبة". قال الشوكاني: "وهذا هو الظاهر" وأجاب عن أدلة الجمهور بما ملخصه:
أ- أن استمراره -صلى الله عليه وسلم- على الخطبة في كل جمعة، فهو مجرد فعل لا يفيد الوجوب، فضلًا عن الشرطية.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) لا يدل على وجوب الخطبة؛ لأنها ليست صلاة، بل ولا يدل على وجوب الصلاة على الصفة التي كان يصليها؛ لأنه كان يواظب على أشياء ليست واجبة، كما يدل عليه حديث المسيء صلاته، فإنه لم يعلمه التشهد وكان يواظب عليه.
واستدلالهم بقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الجمعة: 9) يفيد وجوب الخطبة؛ لأن الذكر ليس نصًّا في الخطبة، بل محتمل لها وللصلاة، وحمله على الصلاة أولى للاتفاق على وجوبها، بخلاف الخطبة ففي وجوبها خلاف، ورُد بأن وجوب الخطبتيْن ظاهر من المواظبة عليهما، وهو بيان لصفة صلاة الجمعة الواجبة، وهذا ظاهر مطابق لقواعد الأصول ودقائق الشريعة المطهرة. وأيضًا فإن صلاة الجمعة وجبت بهذه الصفة التي واظب عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فمن قصر فيها عما كان عليه العمل، فإنه لم يؤد ما وجب عليه، وهو واضح في الشرطية.
ب- بأن تواتر العمل بهذه الصفة من عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الآن، والأحاديث الصحيحة بينت هذه الصفة تفصيلًا، فلم يصلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرة بدون خطبتين، وهذه المواظبة المستمرة لا يصح حملها إلا على أنها بيان لهذا الواجب يلحق به في الوجوب.
(1/312)
________________________________________
جـ- بأن تأدية الخطبة داخل تحت كيفية الصلاة المأمور بها في حديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) لقيام الخطبتين مقام ركعتين. قال الشيخ منصور بن إدريس: "عن ابن عمر وعائشة: قصرت الصلاة من أجل الخطبتين، فهما بدل ركعتين، فالإخلال بأحدهما إخلال بإحدى الركعتين".

آداب الجمعة
بيان آداب الجمعة على ترتيب العادة، وهي عشر جمل:
الأول: أن يستعد لها يوم الخميس عزمًا عليها واستقبالًا لفضلها، فيشتغل بالدعاء والاستغفار والتسبيح بعد العصر يوم الخميس؛ لأنها ساعة قوبلت بالساعة المبهمة في يوم الجمعة.
قال بعض السلف: "إن لله -عز وجل- فضلًا سوى أرزاق العباد، لا يعطي من ذلك الفضل إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة".
ويغسل في هذا اليوم ثيابه ويبيضها، ويعد الطيب إن لم يكن عنده، ويفرغ قلبه من الأشغال التي تمنعه من البكور إلى الجمعة، وينوي في هذه الليلة صوم يوم الجمعة؛ فإن له فضلًا، وليكن مضمومًا إلى يوم الخميس أو السبت لا مفردًا فإنه مكروه، ويشتغل بإحياء هذه الليلة بالصلاة وختم القرآن، فلها فضل كثير، وينسحب عليها فضل يوم الجمعة.
الثاني: إذا أصبح ابتدأ بالغسل بعد طلوع الفجر، وإن كان لا يبكر فأقربه إلى الرواح أحب؛ ليكون أقرب عهدًا بالنظافة، فالغسل مستحب استحبابًا مؤكدًا، وذهب بعض العلماء إلى وجوبه. قال -صلى الله عليه وسلم-: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))
(1/313)
________________________________________
والمشهور من حديث نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما: ((من أتى الجمعة فليغتسل)) وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((من شهد الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل)).
وكان أهل المدينة إذا تساب المتسابان يقول أحدهما للآخر: لأنت أشر ممن لا يغتسل يوم الجمعة. وقال عمر لعثمان -رضي الله عنهما- لما دخل وهو يخطب: "أهذه الساعة؟! منكرًا عليه ترك البكور، فقال: ما زدت بعد أن سمعت الأذان على أن توضأت وخرجت، فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمتَ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يأمرنا بالغسل".
وقد عُرف جواز ترك الغسل بوضوء عثمان -رضي الله تعالى عنه- وبما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضل)).
من اغتسل للجنابة فليفِض الماء على بدنه مرة أخرى، على نية غسل الجمعة، فإن اكتفى بغسل واحد أجزأه وحصل له الفضل، إذا نوى كليهما، ودخل غسل الجمعة في غسل الجنابة، ومن اغتسل ثم أحدث توضأ ولم يبطل غسله والأحب أن يحترز عن ذلك.
الثالثة: الزينة، وهي مستحبة في هذا اليوم، وهي ثلاثة: الكسوة والنظافة وتطييب الرائحة، أما النظافة فبالسواك وحلق الشعر وقلم الأظافر وقص الشارب، وسائر ما سبق في كتاب الطهارة. قال ابن مسعود: "من قلم أظافره يوم الجمعة أخرج الله -عز وجل- منه داء، وأدخل فيه شفاء".
وأحب طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه، وروي ذلك في الأثر. قال الشافعي -رضي الله عنه: "من نظف ثوبه قَلَّ همه، ومن طاب ريحه زاد عقله".
(1/314)
________________________________________
وأما الكسوة فأحبها البياض من الثياب؛ إذ أحب الثياب إلى الله تعالى البيض، ولا يلبس ما فيه شهره، ولبس السواد ليس من السنة ولا فيه فضل، بل كره جماعة النظر إليه؛ لأنها بدعة محدثة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم، والعمامة مستحبة في هذا اليوم.
الرابع: البكور إلى الجامع، ويستحب أن يقصد الجامع من فرسخين وثلاث وليبكر، ويدخل وقت البكور بطلوع الفجر، وفضل البكور عظيم، وينبغي أن يكون في سعيه إلى الجمعة خاشعًا متواضعًا، ناويًا للاعتكاف في المسجد إلى وقت الصلاة، قاصدًا للمبادرة إلى جواب نداء الله -عز وجل- إلى الجمعة إياه، والمسارعة إلى مغفرته ورضوانه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما أهدى بيضة، فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفعت الأقلام، واجتمعت الملائكة عند المنبر يستمعون الذكر، فمن جاء بعد ذلك فإنما جاء لحق الصلاة، ليس له من الفضل شيء)).
والساعة الأولى إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها حين ترمد الأقدام، والرابعة والخامسة بعد الضحى الأعلى إلى الزوال، وفضلها قليل، ووقت الزوال حق الصلاة ولا فضل فيه، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((ثلاث لو يعلم الناس ما فيهن لركضوا ركض الإبل في طلبهن: الأذان والصف الأول والغدو إلى الجمعة)). وقال أحمد بن حنبل -رضي الله عنه-: "أفضلهن الغدو إلى الجمعة". وفي الخبر: إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد، بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأول فالأول على مراتبهم، وجاء في الخبر: إن الملائكة يتفقدون الرجل إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة، فيسأل بعضهم بعضًا
(1/315)
________________________________________
عنه ما فعل فلان؟ وما الذي أخره عن وقته؟ فيقولون: اللهم إن كان أخره فقر فأغنه، وإن كان أخره مرض فاشفه، وإن كان أخره شغل ففرغه لعبادتك، وإن كان أخره لهْو فأقبل بقلبه إلى طاعتك.
وكان يُرى في القرن الأول سحرًا وبعد الفجر الطرقات مملوءة من الناس، يمشون في السرج ويزدحمون بها إلى الجامع كأيام العيد، حتى اندرس ذلك فقيل: أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع، وكيف لا يستحي المسلمون من اليهود والنصارى، وهم يبكرون إلى البِيع والكنائس يوم السبت والأحد، وطلاب الدنيا كيف يبكرون إلى رحاب الأسواق للبيع والشراء والربح، فلم لا يسابقهم طلاب الآخرة. ويقال: إن الناس يكونون في قربهم عند النظر إلى وجه الله -سبحانه وتعالى- على قدر بكورهم إلى الجمعة، ودخل ابن مسعود -رضي الله عنه- بكرة الجامع فرأى ثلاثة نفر قد سبقوه بالبكور، فاغتم لذلك وجعل يقول في نفسه معاتبًا لها: رابع أربعة وأنا رابع أربعة من البكور ببعيد.
الخامس: في هيئة الدخول، ينبغي ألا يتخطى رقاب الناس، ولا يمر بين أيديهم، والبكور يسهل ذلك عليه، فقد ورد وعيد شديد في تخطي الرقاب، وهو أنه يُجعل جسرًا يوم القيامة يتخطاه الناس. وروى ابن جريج مرسلًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلًا يتخطى رقاب الناس، حتى تقدم فجلس، فلما قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاته عارض الرجل حتى لقيه فقال: "يا فلان، ما منعك أن تجمع اليوم معنا؟ قال: يا نبي الله، قد جمعت معكم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ألم نرك تتخطى رقاب الناس؟! أشار به إلى أنه أحبط عمله.
وفي حديث مسند أنه قال: ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: أولم ترني يا رسول الله؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: رأيتك تأنيت وآذيت، أي تأخرت عن البكور وآذيت الحضور".
(1/316)
________________________________________
ومهما كان الصف الأول متروكًا خاليًا فله أن يتخطى رقاب الناس، لأنهم ضيعوا حقهم وتركوا موضع الفضيلة. قال الحسن: "تخطوا رقاب الناس الذين يقعدون على أبواب الجوامع يوم الجمعة، فإنه لا حرمة لهم".
السادس: ألا يمر بين يدي الناس، ويجلس حيث هو إلى قرب أسطوانة أو حائط؛ حتى لا يمرون بين يديه -أعني بين يدي المصلي- فإن ذلك لا يقطع الصلاة ولكنه منهي عنه، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((لأن يقف أربعين عامًا خير له من أن يمر بين يدي المصلي)) وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((لأن يكون الرجل رمادًا أو رميمًا تذروه الرياح خير من أن يمر بين يدي المصلي)).
وقد روى في حديث آخر في المار والمصلي، حيث صلى على الطريق أو قصر في الدفع، فقال: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلَّى ما عليهما في ذلك، لكان أن يقف أربعين سنة خيرًا له من أن يمر بين يديه)). والأسطوانة: الحائط، والمصلى: المفروش حد للمصلي، فمن اجتاز به فينبغي أن يدفعه. قال -صلى الله عليه وسلم-: ((ليدفعه، فإن أبى فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان)). وكان أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- يدفع أن يمر بين يديه حتى يصرعه، فربما تعلق به الرجل فاستعدى عليه عند مروان، فيخبره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بذلك، فإن لم يجد أسطوانة فلينصب بين يديه شيئًا طوله قدر ذراع، وليكون ذلك علامة لحده.
السابع: أن يطلب الصف الأول فإن فضله كثير، كما رويناه، وفي الحديث: ((من غسل واغتسل وبكر وابتكر، ودنا من الإمام واستمع، كان ذلك له كفارة لما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام)) وفي لفظ آخر: ((غفر الله له إلى الجمعة الأخرى)).
(1/317)
________________________________________
الثامن: أن يقطع الصلاة عند خروج الإمام ويقطع الكلام أيضًا، بل يشتغل بجواب المؤذن ثم باستماع الخطبة، وقد جرت عادة بعض العوام بالسجود عند قيام المؤذنين، ولم يثبت له أصل في أثر ولا خبر، ولكنه إن وافق سجود تلاوة فلا بأس بها للدعاء لأنه وقت فاضل، ولا يُحكم بتحريم هذا السجود فإنه لا سبب لتحريمه، وقد روي عن علي وعثمان -رضي الله عنهما- أنهما قالا: "من استمع وأنصت فله أجران، ومن لم يستمع وأنصت فله أجر، ومن سمع ولغا فعليه وزران، ومن لم يستمع ولغا فعليه وزر واحد". وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((من قال لصاحبه والإمام يخطب: أنصت أو مه؛ فقد لغا، ومن لغا والإمام يخطب فلا جمعة له)).
وهذا يدل على أن الإسكات ينبغي أن يكون بإشارة أو رمي حصاة، لا بالنطق، وفي حديث أبي ذر: ((أنه لما سأل أبيّ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ فأومأ إليه أن اسكت، فلما نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له أبيّ: اذهب فلا جمعة لك، فشكاه أبو ذر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: صدق أبيّ)).
وإن كان بعيدًا من الإمام فلا ينبغي أن يتكلم في العلم ونحوه، بل يسكت ولا يجلس في حلقة من يتكلم، فمن عجز عن الاستماع بالبعد فلينصت فهو المستحب، وإذا كانت تكره الصلاة في وقت خطبة الإمام فالكلام أولى بالكراهة. وقال علي -رضي الله عنه-: "تكره الصلاة في أربع ساعات: بعد الفجر وبعد العصر ونصف النهار والصلاة والإمام يخطب".
التاسع: أن يراعي في قدوة الجمعة ما ذكرناه في غيرها، فإذا سمع قراءة الإمام لم يقرأ سوى الفاتحة، فإذا فرغ من الجمعة قرأ الحمد لله سبع مرات قبل أن يتكلم، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين سبعًا سبعًا، وروى بعض السلف أن من فعله عصم من الجمعة إلى الجمعة، وكان حرزًا له من الشيطان. ويستحب أن
(1/318)
________________________________________
يقول بعد الجمعة: اللهم يا غني يا حميد يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك. يقال: من داوم على هذا الدعاء أغناه الله -سبحانه وتعالى- عن خلقه ورزَقه من حيث لا يحتسب، ثم يصلي بعد الجمعة ست ركعات، فقد روى ابن عمر -رضي الله عنهما ((أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي بعد الجمعة ركعتين)) وروى أبو هريرة أربعًا، وروى علي وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- ستًّا، والكل صحيح في أحوال مختلفة، والأكمل أفضل.
العاشر: أن يلازم المسجد حتى يصلي العصر، فإن أقام إلى المغرب فهو الأفضل، يقال: من صلى العصر في الجامع كان له ثواب الحج، ومن صلى المغرب فله ثواب حجة وعمرة، ولا ينبغي أن يتكلم في الجامع وغيره من المساجد بحديث الدنيا. قال -صلى الله عليه وسلم-: ((يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم أمر دنياهم، ليس لله تعالى فيهم حاجة، فلا تجالسوهم)).
كذلك يستحب الإكثار في يومها وليلتها من قراءة القرآن والذكر والدعاء؛ لحديث أبي أمامة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قرأ حم، الدخان في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتًا في الجنة" أخرجه الطبراني في (الكبير). وحديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قرأ السورة التي يُذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس". وحديث أبي سعيد الخدري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)) أخرجه النسائي وكذا البيهقي والحاكم مرفوعًا وموقوفًا وقال: "هذا صحيح الإسناد".
فيسن قراءة ما ذُكر كله أو بعضه ليلة الجمعة ويومها، لا على وجه يشوش على مصل أو نائم، أما رفع الصوت بالقراءة في المسجد فمكروه أو حرام، وقال
(1/319)
________________________________________
العلامة الشيخ عبد العزيز المليباري الشافعي: "وسن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها لأحاديث فيها، وقراءتهما نهارًا آكد، وأولاه بعد الصبح مسارعة للخير، وأن يكثر منها ومن سائر القرآن فيهما، ويكره الجهر بقراءة الكهف وغيرها إن حصل به تأذٍّ لمصل أو نائم، كما صرح به النووي. وقال شيخنا في (شرح العباب): ينبغي حرمة الجهر بالقراءة في المسجد، وحمل قول النووي بالكراهة على ما إذا خيف التأذي، وعلى كون القراءة في غير المسجد".
فهو هو ذا العلامة ابن حجر شارح (العباب) يقول بحرمة رفع الصوت بقراءة سورة الكهف في المسجد، وبيَّن أن قول النووي بالكراهة محمول على ما إذا كانت القراءة خارج المسجد وكان التأذي خفيفًا.
ويسن قراءة سورة: {الم تَنْزِيلُ} (السجدة: 1، 2) بعد الفاتحة في الركعة الأولى في صلاة الصبح، و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} (الإنسان: 1) في الركعة الثانية؛ لحديث ابن عباس ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح: {الم تَنْزِيلُ} (السجدة: 1، 2) و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} (الإنسان: 1) وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون)) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وظاهره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يواظب على قراءة هاتين السورتين في صبح الجمعة، كما يُشعر به لفظ: كان، ويؤيده حديث ابن مسعود: ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة {الم تَنْزِيلُ} (السجدة: 1، 2) و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} (الإنسان: 1) يديم ذلك)) أخرجه الطبراني في (الصغير) بسند رجاله ثقات، وهو عند ابن ماجه غير قوله: يديم ذلك.
وكان -صلى الله عليه وسلم- يقرأ السورتين بتمامهما، خلافًا لما يفعله بعض الناس من الاقتصار على بعضهما، فهو خلاف السنة، وهذا مذهب الشافعي وبه قال الحنفيون وأحمد، إلا أنه تكره المداومة عليهما عندهم. قال في (المحيط): "يستحب قراءة
(1/320)
________________________________________
هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا؛ لئلا يظن الجاهل أنه لا مجزئ غيره، أو يرى القراءة بغيره مكروهة. وقالت المالكية: يكره تعمد قراءة سورة فيها سجدة في الفريضة، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وروى أشهب عنه جواز قراءة السورة التي فيها السجدة، إذا كان وراء الإمام عدد قليل لا يخاف أن يختلط عليهم".
وقال ابن حبيب: "يجوز قراءة سورة فيها سجدة في الصلاة الجهرية دون السرية؛ لأمن التخليط في الجهرية، ومنهم من علل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض". قال ابن دقيق العيد: "أما القول بالكراهة مطلقًا فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغي أن تترك أحيانًا لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات".
ولا وجه للقول بالكراهة مطلقًا أو في الصلاة السرية، بل يرده حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة)) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما، فهو يدل على عدم التفرقة بين السرية والجهرية.
فالراجح أن قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة سنة ثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ولا وجه للقول بتركها في بعض الأحيان، لخوف اعتقاد العوام الوجوب أو نحوه؛ إذ لا عبرة بتوهم خلاف الوارد، وإلا لتُرك غالب أحكام الشريعة خوف اعتقاد العوام خلاف الوارد، وهو غير معقول.
والحكمة في قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- هاتين السورتين في صبح الجمعة، أنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، فكان في قراءتها في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه وما يكون، فتكون السجدة جاءت تبعًا وليست مقصودة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/321)
________________________________________
الدرس: 19 خطبتا العيدين، والخطب الدينية في موسم الحج.
(1/323)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع عشر
(خطبتا العيدين، والخطب الدينية في موسم الحج)

صفة صلاة العيد وكيفيتها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
قال الشوكاني في (نيل الأوطار) بعنوان: باب صلاة العيد قبل الجمعة بغير أذان ولا إقامة: "عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يصلون العيد قبل الخطبة)) رواه الجماعة إلا أبا داود.
وفي الباب عن جابر عند البخاري ومسلم وأبي داود قال: ((خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الفطر فصلى قبل الخطبة)). وعن ابن عباس عند الجماعة إلا الترمذي قال: ((شهدت العيد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة، وفي لفظ: أشهد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه صلى قبل الخطبة)). وعن أنس عند البخاري ومسلم ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى يوم النحر ثم خطب)). وعن البراء عند البخاري ومسلم وأبي داود قال: ((خطبنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الأضحى بعد الصلاة)) وعن جندب عند البخاري ومسلم قال: ((صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر ثم خطب ثم ذبح)) ".
كيفية صلاة العيد:
صلاة العيد ركعتان قبل الخطبة بلا نداء اتفاقًا؛ لقول ابن عمر: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة)) أخرجه الشافعي. ولقول ابن عباس: ((صلى نبي الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس يوم الفطر ركعتين، بغير أذان ولا إقامة، ثم خطب بعد الصلاة ... )) الحديث أخرجه أحمد. قال أبو محمد بن عبد الله بن قدامة: "خطبنا خطبة العيدين بعد الصلاة لا نعلم فيه خلافًا بين المسلمين، إلا عن بني أمية، ولا يعتد بخلافهم لأنه مسبوق بالإجماع قبلهم، ومخالف لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة، وقد أُنكر عليهم فعلهم وعُد بدعة.
(1/325)
________________________________________
وما روي عن عمر وعثمان أنهما خطبا قبل الصلاة لم يصح، وعلى تقدير صحته فلا يعارض ما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- وعن خلفائه من طرق صحيحة، أنهم كانوا يصلون قبل الخطبة، وانعقد عليه الإجماع، وتقدم أن ابن الزبير رجع عما كان يراه من تقديم خطبة العيد".
هذا؛ وكيفية صلاة العيد أنه متى دخل وقتها يصلي الإمام ركعتين، فيكبر تكبيرة الإحرام ناويًا بقلبه صلاة عيد الفطر أو الأضحى، ثم يضع يديه على سرته قابضًا اليسرى باليمنى، ويأتي بدعاء الاستفتاح، ثم يكبر سبع تكبيرات أو ستًا رافعًا يديه مع كل تكبيرة، ويفصل بين كل تكبيرتين بسكتة مقدار ثلاث تسبيحات، ثم يتعوذ ثم يبسمل ثم يقرأ الفاتحة وسورة، ثم يركع ويطمئن راكعًا ويرفع مطمئنًا، ويسجد ويطمئن ساجدًا، ويجلس ويطمئن جالسًا، ويسجد ويطمئن ساجدًا، ثم يبتدئ الركعة الثانية بخمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، إن كان كبر في الأولى سبعًا أو ستًا، ويبتدئ بالقراءة ثم يركع ويتم الركعة كسائر الصلوات.
وإذا فرغ الإمام من صلاة العيد قام مستقبلًا الناس، وشرع في أداء الخطبة اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم، ويسن افتتاح الخطبة بحمد الله والثناء عليه، ثم الوعظ والأمر بالطاعة اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم.
قال جابر بن عبد الله: ((شهدت الصلاة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم عيد، فبدأ بالصلاة ثم الخطبة بغير أذان ولا إقامة، فلما قضى الصلاة قام متوكئًا على بلال، فحمد الله وأثنى عليه ووسط الناس، وذكرهم وحثهم على طاعته، ثم مضى إلى النساء ومعه بلال، فأمرهن بتقوى الله ووعظهن، وحمد الله وأثنى عليه، وحثهن على طاعته ثم قال: تصدقن؛ فإن أكثركن حطب جهنم، فقالت امرأة من سفلة النساء سفعاء الخدين: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن
(1/326)
________________________________________
العشير، فجعلن ينزعن حليهن وقلائدهن وقرطهن وخواتمهن، يقذفن به في ثوب بلال يتصدقن به)) أخرجه أحمد ومسلم والنسائي والبيهقي.
وقال ابن عباس: ((شهدت الصلاة يوم الفطر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل النبي -صلى الله عليه وسلم- كأني أنظر إليه يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء ومعه بلال فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} (الممتحنة: 12) فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال: أنتن على ذلك، فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله. قال: فتصدقن، فبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفَتَح والخواتم في ثوب بلال)) أخرجه أحمد والشيخان. الفتح أي: الخواتيم العظام، والخواتم أي: الخواتم الصغيرة.
ويسن الإكثار من التكبير أثناء الخطبة؛ لقول سعد المؤذن: ((كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير في خطبة العيدين)) أخرجه ابن ماجه.
وقد ذكر الفقهاء أنه يطلب افتتاح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع تكبيرات؛ لقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "السنة أن تفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات تترا، والثانية بسبع تكبيرات تترا". أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة، لكن عبيد الله المذكور تابعي، وقول التابعي: السنة كذا، ليس ظاهرًا في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا يحتج به، أما إذا قاله الصحابي فيحتج به على الراجح.
قال ابن القيم: "وكان -صلى الله عليه وسلم- يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين والاستسقاء، فقيل: يفتتحان بالتكبير، وقيل: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل: يفتتحان بالحمد".
(1/327)
________________________________________
قال شيخ الإسلام تقي الدين: "هو الصواب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم)). وكان -صلى الله عليه وسلم- يفتتح خطبه كلها بالحمد لله".
ويسن وقوف الخطيب في العيد على الأرض متكئًا على قوس أو عصا؛ لما روى البراء بن عازب ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نُووِل يوم العيد قوس فخطب عليه)) أخرجه أبو داود. عند أحمد: ((وأُعطي قوسًا أو عصا فاتكأ عليه)).
وله أن يخطب على راحلة؛ لحديث أبي سعيد الخدري: ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب يوم العيد على راحلته)) أخرجه أبو يعلى بسند رجاله الصحيح.
هذا؛ وإن خطب قاعدًا فلا بأس؛ لأن الخطبة غير واجِهة فأشبهت صلاة النافلة، أما خطبة العيد على منبر فخلاف السنة؛ لقول أبي سعيد الخدري: "أخرج مروان المنبر في يوم عيد فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنة؛ أخرجت المنبر في يوم عيد ولم يكن يخرج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، ولم يكن يُبدأ بها، فقال أبو سعيد الخدري: من هذا؟ قالوا: فلان بن فلان، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من رأى منكم منكرًا؛ فإن استطاع أن يغيره بيده فليغيره بيديه، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي.
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخرج يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به صلاة العيد، ثم يقوم فيتوجه إلى الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيخطبهم ويعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يخرج طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات أخرج، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف، واستمر العمل على هذه السنة في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
(1/328)
________________________________________
فلما كان معاوية وكان مروان أمير المدينة من جهته، وبدأ بالخطبة قبل صلاة العيد، ورأى الغيورون على الإسلام أن عليهم واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- واجب الاتباع، وأن عليهم أن ينبهوا الأمير ليعود إلى السنة، من هؤلاء الغيورين أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري، قام إلى مروان وهو يتهيأ للصعود على المنبر، فقال له: "عليك بالصلاة قبل الخطبة؛ سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يعبأ به مروان، وقال له: قد تُرك هذا الوضع، فجذب أبو سعيد الخدري مروان من ثوبه ليمنعه من ارتقاء المنبر، فجذبه مروان فارتقى، فقال أبو سعيد: غيرتم والله سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال له مروان: قد ذهب ما تعلم.
قال أبو سعيد: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، وخطب مروان ثم صلى ثم قال لأبي سعيد: إن الناس لم يعودوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلت الخطبة قبل الصلاة للمحافظة على سماعها. قال أبو سعيد: أما أبو مسعود فقد أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أديت ما عليّ، وقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من رأى أو علم منكم منكرًا فليغيره وليزله بيده، فإن لم يستطع الإزالة باليد فليطلب إزالته وليهاجمه بلسانه، فإن لم يستطع استخدام لسانه فلينكره بقلبه، ومن لم يَكره المنكر ويغضب له في نفسه ويمنعه في دخيلته، ويغار على أمور إيمانه، من لم يفعل ذلك فليس بمؤمن؛ لأن ذلك أضعف الإيمان)) ".
مذهب العلماء كافة: أن خطبة العيد بعد الصلاة. قال القاضي عياض: "هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء الأمصار وأئمة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين بعده، والجمهور على أن مروان أول من قدم الخطبة على صلاة العيد، والحديث الذي معنا نص في هذا، وقيل: إن
(1/329)
________________________________________
عثمان في شطر خلافته الأخير قدم الخطبة؛ لأنه رأى من الناس من تفوته الصلاة، فحرصًا منه -رضي الله عنه- على إدراك الناس الصلاة قدم الخطبة. وقيل: إن عمر -رضي الله عنه- قدم الخطبة".
قال النووي بعد أن ساق القولين المذكورين: "وليس ما روي عنهما بصحيح، فالمعتمد في أول من قدم الخطبة هو قول الجمهور، وأنه مروان حين كان أمير المدينة، والسر في عمله هذا أن الناس كانوا ينصرفون عن سماع خطبته، ولم يكن يجلس لها بعد الصلاة إلا عدد قليل، وكان الكثير منهم يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها مِن سب من لا يستحق السب، والإفراط في مدح من لا يستحق، فقصَد إسماع الناس خطبته بهذا الأسلوب، وهل كان دافعه إحراج الناس وإلزامهم سماعه فحسب، أو كان يهدف إلى تحصيل ثواب أكثر لهم بسماعهم خطبة العيد، فسماع الخطبة سنة يثاب عليها، نميل إلى الثاني، والله أعلم بالسرائر".
هذا؛ وبعد أن اشترط العلماء تقديم صلاة العيد على خطبته، اختلفوا فيمن خالف ذلك وقدم الخطبة على الصلاة، فذهب الحنفية إلى أنه يسن تأخير الخطبة على الصلاة، لكن يعتد بها إن قدمت وإن كانت على خلاف السنة، ولا يعيدها بعد الصلاة، وجمهور الفقهاء على أنه لا يعتد بالخطبة إذا قُدمت، ويندب إعادتها بعد الصلاة. وقيد المالكية ندب إعادتها بقرب الزمن عرفًا، فإن طال الزمن بعد الصلاة؛ فلا تعادان.
ومن هذا العرض يتضح أن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -في هذا الحديث- هو مخالفة سنة، ومنه ندرك مدى غيرة الصحابة على الدين، ومدى قيامهم واهتمامهم بهذا الواجب حتى مع حكامهم، نعم أنكر الرجل بلسانه واكتفى منه أبو سعيد بهذا الإنكار.
(1/330)
________________________________________
فقد أثار الإمام النووي هنا إشكالًا وجوابه، فقال: "قد يقال: كيف تأخر أبو سعيد -رضي الله عنه- عن إنكار هذا المنكر حتى سبقه إليه هذا الرجل؟ وجوابه أنه يُحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضرًا أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة، فأنكر عليه الرجل، ثم دخل أبو سعيد وهِما في الكلام. ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرًا من الأول، ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة بسبب إنكاره، فسقط عنه الإنكار، ولم يَخف ذلك الرجل شيئًا لاعتضاده بظهور عشيرته أو غير ذلك، أو أنه خاف وخاطر بنفسه، وذلك جائز في مثل هذا، بل مستحب، ويحتمل أن أبا سعيد هَم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد. والله أعلم".
وهذه الاحتمالات التي ساقها النووي جوابًا عن الإشكال، لا تتفق وما رواه مسلم في باب العيدين، فقد روى عن أبي سعيد ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس، وهم جلوس في مصلاهم، فإن كانت له حاجة ببعثٍ ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: تصدقوا تصدقوا تصدقوا، وكان أكثر مَن يتصدق مِن النساء ثم ينصرف)). فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم، فخرجتُ مخاصرًا مروان، أي: يده في يده، حتى أتينا المصلى.
فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرًا من طين ولبن، فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحوه نحو المنبر، وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا يا أبا سعيد، قد ترك ما تعلم قلت: كلا -والذي نفسي بيده- لا تأتونا بخير مما أعلم، ثلاث مرار، ثم انصرف.
فهذا الحديث يُبْعد تأخر أبي سعيد في الإنكار عن الرجل، ويبعد أن يكون قد سكت خوفًا على نفسه في الوقت الذي لم يخف فيه الرجل، أو خاف وخاطر،
(1/331)
________________________________________
بل هذا الحديث يثبت أن أبا سعيد أنكر المنكر بيده ثم بلسانه، بصورة أشد من صورة إنكار الرجل، والجمع بين الحديثين سهل دون حاجة إلى هذه الاحتمالات، فأبو سعيد حاول منع مروان بيده كما أنكر بلسانه، فلما صعد مروان المنبر أنكر الرجل فأيده أبو سعيد.
ولا إشكال ولا حاجة إلى القول بأنهما قضيتان، هذا وإنما أُخرت الخطبة عن الصلاة لأنها لما كانت غير واجبة جعلت في وقت يتمكن مَن أراد تركها مِن تركها، بخلاف خطبة الجمعة والاستماع لها أفضل، وقد روى عن الحسن وابن سيرين أنهما كرها الكلام يوم العيد والإمام يخطب. وقال إبراهيم النخعي: "يخطب الإمام يوم العيد قدر ما يرجع النساء إلى بيوتهن".
وهذا يدل على أنه لا يستحب لهن الجلوس والاستماع إلى الخطبة؛ لئلا يختلطن بالرجال، وحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في موعظته النساء بعد فراغه من خطبته دليل على أنهن لم ينصرفن قبل فراغه، وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أحق بالاتباع. قاله أبو محمد بن قدامة.
الجماعة في صلاة العيد:
الجماعة شر ط في صحة صلاة العيد كالجمعة عند الحنفيين وهو رواية عن أحمد، فمن لم يدركها مع الإمام لا يصليها وحده ولو في الوقت عند الحنفيين؛ لأنها لن تعرف قربة إلا بالجماعة، فلا تتم بالمنفرد ويأثم إن فاتته بلا عذر. عن أبي حنيفة: أن من حضر المصلى ولم يدرك صلاة العيد مع الإمام فله أن يصلي ركعتين أو أربعًا.
وقالت الحنبلية: لا يجب قضاؤها بل يستحب؛ لما روي عن أنس أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام بالبصرة جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلي بهم ركعتين يكبر فيهما، ولأنها قضاء صلاة فكانت على صفتها كسائر الصلوات. وهو مخير إن شاء صلاها في جماعة كما ذكرنا عن أنس، وإن شاء صلاها
(1/332)
________________________________________
وحده. وعن أحمد أنه يقضيها أربعًا إما بسلام واحد أو بسلامين، وهو قول الثوري لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "من فاته العيد فليصل أربعًا".
وروي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: "إن أمرت رجلًا أن يصلي بضعَفة الناس أمرته أن يصلي أربعًا" رواه سعد بن منصور. وقالت المالكية: الجماعة في العيد سنة مؤكدة لمن تلزمه الجمعة، وأمكنه تأديتها مع الإمام، ومن فاتته مع الإمام يندب له صلاتها منفردًا في وقتها، ولا تقضى بعد الزوال. وقال الحسن البصري والشافعية: "الجماعة مندوبة في العيد، فتصح من المنفرد والمسافر والعبد والنساء، وتقضى لو فاتت وهو رواية عن أحمد".
ومن أدرك إمام العيد في التشهد فقد أدرك العيد، فإذا سلم الإمام قام المسبوق فصلى ركعتين، يأتي فيهما بتكبير العيد اتفاقًا؛ لعموم ما تقدم عن أبي هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) وهو بعمومه يتناول العيد، ولأنه أدرك بعض الصلاة -التي ليست بدلًا من أربع- فقضاؤها على صفتها كسائر الصلوات.

الخطب الدينية في موسم الحج
يقول الله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 96، 97).
يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به ويصلون به ويعتكفون عنده - {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} يعني الكعبة التي بناها
(1/333)
________________________________________
إبراهيم الخليل، عليه السلام- الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك، ونادى الناس إلى حجه، ولهذا قال تعالى: {مُبَارَكًا} أي وضع مباركًا وهدى للعالمين.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه، عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: ((قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قال: قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة. قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركتك الصلاة فصلِّ، فكلها مسجد)).
وعن علي -رضي الله عنه- في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} (آل عمران: 96) قال: "كانت البيوت قبلة، ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله". عن خالد بن عرعرة قال: "قام رجل إلى علي -رضي الله عنه- فقال: ألا تحدثني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة".
وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقًا، والصحيح قول علي -رضي الله عنه. وقوله تعالى: {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} (آل عمران: 96) بكة: مِن أسماء مكة على المشهور. قيل: سميت بذلك لأنها تَبُك أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يُذَلون بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون. قال قتادة: "إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولا يُفعل ذلك ببلد غيرها".
وعن مجاهد: "وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة؛ منها: مكة وبكة والبيت العتيق والبيت الحرام والبلد الأمين، والمأمون وأم رحم وأم القرى، وصلاح والعرش على وزن بدر، والقادس لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة والناسة -بالنون وبالباء أيضًا- والحاطمة والرأس وكوثاء والبلدة والبُنْية والكعبة.
(1/334)
________________________________________
وقوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} (آل عمران: 97) أي دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وإن الله عظمه وشرفه. ثم قال تعالى: {مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} (آل عمران: 97) يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل.
وقد كان ملتصقًا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطُواف منه ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (البقرة: 125) وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} (آل عمران: 97) أي: فمنهن مقام إبراهيم والمشاعر.
وقال مجاهد: "أثر قدميه في المقام آية بينة". وعن ابن عباس في قوله تعالى: {مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} (آل عمران: 97) قال: "الحرم كله مقام إبراهيم". ولفظ عمرو: "الحجر كله مقام إبراهيم". وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: "الحج مقام إبراهيم" وقد صرح بذلك مجاهد.
وقوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: "كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج". وعن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} (آل عمران: 97) قال: "من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أُخِذَ بذنبه". وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} (العنكبوت: 67) وقال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش: 3، 4).
(1/335)
________________________________________
وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها، وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعًا وموقوفًا، ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: ((لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)) وقال يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا مَن عرفها، ولا يختلى خلاها. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيطهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذخر)).
ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه، ولهما واللفظ لمسلم أيضًا عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد من يبعث البعوث إلى مكة: "إئذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولًا، قام به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به: ((أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها فقولوا له: إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب)).
فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم ولا فارًّا بجزية".
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة)) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع
(1/336)
________________________________________
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واقفًا بالحرورة بسوق مكة يقول: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)) رواه الإمام أحمد وهذا لفظه. وفي قوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} (آل عمران: 97) قال: آمنًا من النار.
عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة وخرج مغفورًا له)).
وقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران: 97) هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (البقرة: 196) والأول أظهر، وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريًا.
وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع. قال الإمام أحمد -رحمه الله: عن أبي هريرة قال: ((خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: لو قلت "نعم"؛ لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ((خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فقال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
(1/337)
________________________________________
وعن علي -رضي الله عنه- قال: لما نزلت {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران: 97) قالوا: يا رسول الله، في كل عام؟ فسكت. قالوا: يا رسول الله، في كل عام؟ قال: ((لا، ولو قلت "نعم" لوجبت)) فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة: 101).

شروط وجوب الحج، وصحة أركانه، وواجباته ومحظوراته
أما الشرائط فشرط صحة الحج اثنان: الوقت، والإسلام، فيصح حج الصبي ويُحرِم بنفسه إن كان مميزًا، ويحرم عنه وليه إن كان صغيرًا، ويفعل به ما يفعل في الحج من الطواف والسعي وغيره. وأما الوقت فهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فمن أحرم بالحج في غير هذه المدة فهي عمرة، وجميع السنة وقت العمرة، ولكن من كان معكوفًا على النسك أيام منى فلا ينبغي أن يحرم بالعمرة؛ لأنه لا يتمكن من الاشتغال عقيبه؛ لاشتغاله بأعمال منى.
وأما شروط وقوعه عن حجة الإسلام فخمسة: الإسلام والحرية والبلوغ والعقل والوقت، فإن أحرم الصبي أو العبد ولكن عُتق العبد وبلغ الصبي بعرفة أو بمزدلفة، وعاد إلى عرفة قبل طلوع الفجر أجزأهما عن حجة الإسلام؛ لأن الحج عرفة وليس عليهما دم إلا شاة، وتشترط هذه الشرائط في وقوع العمرة عن فرض الإسلام إلا الوقت. وأما شروط وقوع الحج نفلًا عن الحر البالغ فهو بعد براءة ذمته عن حجة الإسلام، فحج الإسلام متقدم ثم القضاء لمن أفسده في حالة الوقوف، ثم النذر ثم النيابة ثم النفل، وهذا الترتيب مستحق، وكذلك يقع وإن نوى خلافه.
(1/338)
________________________________________
أما شروط لزوم الحج:
فخمسة: البلوغ، والإسلام، والعقل، والحرية، والاستطاعة، ومن لزمه فرض الحج لزمه فرض العمرة، ومن استطاع لزمه الحج وله التأخير، ولكن فيه على خطر، فإن تيسر له ولو في آخر عمره سقط عنه، وإن مات قبل الحج لقي الله -عز وجل- عاصيًا بترك الحج، وكان الحج في تركِته يحج عنه، وإن لم يوصي كسائر ديونه، وإن استطاع في سنة فلم يخرج مع الناس وهلك ماله في تلك السنة قبل حج الناس، ثم مات لقي الله -عز وجل- ولا حج عليه، ومن مات ولم يحج مع اليسار فأمره شديد عند الله تعالى. قال عمر -رضي الله عنه: "لقد هممت أن أكتب في الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلًا".
وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس: "لو علمت رجلًا غنيًا وجب عليه الحج، ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه". وبعضهم كان له جار موسر فمات ولم يحج فلم يصل عليه. وكان ابن عباس يقول: "من مات ولم يُزك ولم يحج سأل الرجعة إلى الدنيا". وقرأ قوله -عز وجل: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} (المؤمنون: 99، 100).
وأما الأركان التي لا يصح الحج بدونها فخمسة:
الإحرام، والطواف، والسعي بعده، والوقوف بعرفة، والحلق بعده على قول. وأركان الحج كذلك إلا الوقوف. والواجبات المجبورة بالدم ست: الإحرام من الميقات، فمن تركه وجاوز الميقات مَحلًا فعليه شاة. والرمي فيه الدم قولًا واحدًا. وأما الصبر بعرفة إلى غروب الشمس والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى وطواف الوداع فهذه الأربعة يجبر تركها بالدم على أحد القولين، وفي القول الثاني فيها دم على وجه الاستحباب.
(1/339)
________________________________________
وأما وجوه أداء الحج والعمرة فثلاثة:
الأول: الإفراد، وهو الأفضل وذلك أن يقدم الحج وحده، فإذا فرغ خرج إلى الحل فأحرم واعتمر، وأفضل الحِل لإحرام العمرة الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية، وليس على المفرد دم إلا أن يتطوع.
الثاني: القران، وهو أن يجمع فيقول: لبيك بحج وعمرة معًا، فيصير محرمًا بهما، ويكفيه أعمال الحج وتندرج العمرة تحت الحج كما يندرج الوضوء تحت الغسل، إلا أنه إذا طاف وسعى قبل الوقوف بعرفة فسعيه محسوب من النسكين، وأما طوافه فغير محسوب لأن شرط الطواف الفرد في الحج أن يقع بعد الوقوف، وعلى القارن دم شاة، إلا أن يكون مكيًا فلا شيء عليه؛ لأنه لم يترك ميقاته، إذ ميقاته مكة.
الثالث: التمتع، وهو أن يجاوز الميقات محرمًا بعمرة ويتحلل بمكة، ويتمتع بالمحذورات إلى وقت الحج، ثم يحرم بالحج، ولا يكون متمتعًا إلا بخمس شرائط:
أحدها: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام، وحاضره من كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
الثاني: أن يقدم العمرة على الحج.
الثالث: أن تكون عمرته في أشهر الحج.
الرابع: ألا يرجع إلى ميقات الحج ولا إلى مثل مسافته لإحرام الحج.
الخامس: أن يكون حجه وعمرته عن شخص واحد؛ فإذا وجدت هذه الأوصاف كان متمتعًا ولزمه دم شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج قبل
(1/340)
________________________________________
يوم النحر متفرقة أو متتابعة، وسبعة إذا رجع إلى الوطن، وإن لم يصم الثلاثة حتى رجع إلى الوطن صام العشرة تتابعًا أو متفرقًا.
وأما محظورات الحج والعمرة:
فستة:
الأول: اللبس للقميص والسراويل والخف والعمامة، بل ينبغي أن يلبس إزارًا ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فمكعبين، فإن لم يجد إزارًا فسراويل.
الثاني: الطِّيب.
الثالث: الحلق.
الرابع: الجماع، وهو مفسد للصيام.
الخامس: مقدمات الجماع كالقبلة والملامسة التي تنقض الطهر.
السادس: قتل صيد البر، أعني ما يؤكل أو هو متولد من الحلال والحرام، فإن قتل صيدًا فعليه مثله من النعم، يراعى فيه التقارب في الخلقة، وصيد البحر حلال ولا جزاء عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/341)
________________________________________
الدرس: 20 تابع الخطب الدينية في موسم الحج.
(1/343)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العشرون
(تابع الخطب الدينية في موسم الحج)

بيان بعض أحكام الحج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن سلك طريقه وسار على نهجه واتبع هداه وبعد:
ترتيب الأعمال الظاهرة من أول السفر إلى الرجوع:
وهي عشر جمل:
الجملة الأولى: في السير من أول الخروج إلى الإحرام؛ وهي ثمانية:
الأول: في المال:
فينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع، ويستصحب من المال الحلال الطيب ما يكفيه لذهابه وإيابه، من غير تقتير، بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد، والرفق بالضعفاء والفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه.
الثانية: في الرفيق:
ينبغي أن يلتمس رفيقًا صالحًا محبًّا للخير معينًا عليه، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإن جبن شجعه وإن عجز قواه، وإن ضاق صدره صبّره، ويودع رفقاءه المقيمين وإخوانه وجيرانه، فيودعهم ويلتمس أدعيتهم، فإن الله تعالى جاعل في أدعيتهم خيرًا، والسنة في الوداع أن يقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول لمن أراد السفر: ((في حفظ الله وكنفه، زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ووجَّهك للخير أينما كنت)).
الثالثة: في الخروج من الدار:
ينبغي إذا هم بالخروج أن يصلي ركعتين أولًا، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} (الكافرون: 1) وفي الثانية الإخلاص، فإذا فرغ رفع يديه
(1/345)
________________________________________
ودعا الله سبحانه عن إخلاص صافٍ، ونية صادقة، وقال: اللهم أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل والمال والولد والأصحاب، احفظنا وإياهم من كل آفة وعاهة، اللهم إنا نسألك في مسيرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم إنا نسألك أن تطوي لنا الأرض، وتهون علينا السفر، وأن ترزقنا في سفرنا سلامة البدن والدين والمال، وتبلغنا حج بيتك، وزيارة قبر نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد والأصحاب، اللهم اجعلنا وإياهم في جوارك، ولا تسلبنا وإياهم نعمتك، ولا تغيّر ما بنا وبهم من عافيتك.
الرابعة: إذا حصل على باب الدار قال: بسم الله توكلت على الله، لا قوة إلا بالله 4:11 لا حول ولا قوة إلا بالله، ربي أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي، اللهم إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة، بل خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، وقضاء فرضك، واتباع سنة نبيك، وشوقًا إلى لقائك، فإذا مشى قال: اللهم بك انتشرت، وعليك توكلت، وبك اعتصمت، وإليك توجهت، اللهم أنت ثقتي، وأنت رجائي، فاكفني ما أهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به مني، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك، اللهم زودني التقوى واغفر ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت، ويدعو بهذا الدعاء في كل منزل يدخل عليه.
الخامسة: في الركوب:
فإذا ركب الراحلة يقول: بسم الله وبالله، والله أكبر توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إني وجهت
(1/346)
________________________________________
وجهي إليك، وفوضت أمري كله إليك، وتوكلت في جميع أموري عليك، أنت حسبي ونعم ال****.
فإذا استوى على الراحلة واستوت تحته قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، سبع مرات، وقال: الحمد لله الذي هداني لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، اللهم أنت الحامل على الظهر، وأنت المستعان على الأمور.
السادسة: في النزول:
والسنة ألا ينزل حتى يحمي النهار، ويكون أكثر سيره بالليل. قال -صلى الله عليه وسلم-: ((عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل، ما لا تطوى بالنهار)) وليقلل نومه بالليل حتى يكون عونًا على السير، ومهما أشرف على المنزل فليقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأراضين السبع وما أقلت، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، ورب البحار وما جرين، وأسألك خير هذا المنزل وخير أهله، وأعوذ بك من شره وشر ما فيه، اصرف عني شر شرارهم، فإذا نزل المنزل صلى ركعتين فيه ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق، فإذا جن عليه الليل يقول: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما دب عليك، أعوذ بالله من شر كل أسد وأُسود، وحية وعقرب، ومن شر ساكن البلد، ووالد وما ولد، وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم.
الجملة الثانية في آداب الإحرام: من الميقات إلى دخول مكة؛ وهي خمسة:
الأول: أن يغتسل وينوي به غسل الإحرام، أعني: إذا انتهى إلى الميقات المشهور الذي يحرم الناس منه، ويتمم غسله بالتنظيف ويسرح لحيته ورأسه، أظفاره ويقص شاربه.
(1/347)
________________________________________
الثاني: أن يفارق الثياب المخيطة، ويلبس ثوبي الإحرام، فيرتدي ويتزر بثوبين أبيضين، فالأبيض هو أحب الثياب إلى الله -عز وجل- ويتطيب في ثيابه وبدنه، ولا بأس بطيب يبقى أثره بعد الإحرام، فقد رؤي بعض المسك على مفرق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد الإحرام مما كان استعمله قبل الإحرام.
الثالث: أن يصبر بعد لبس الثياب حتى تنبعث به راحلته إن كان راكبًا، أو يبدأ بالسير إن كان راجلًا، فعند ذلك ينوي الإحرام بالحج أو بالعمرة قرانًا أو إفرادًا كما أراد.
الرابع: إذا انعقد إحرامه بالتلبية المذكورة، فيستحب أن يقول: اللهم إني أريد الحج فيسره لي، وأعني على أداء فرضه، وتقبله مني، اللهم إني نويت أداء فريضتك في الحج، فاجعلني من الذين استجابوا لك، وآمنوا بوعدك، واتبعوا أمرك، واجعلني من وفدك الذين رضيت عنهم وارتضيت وقبلت منهم، اللهم فيسر لي أداء ما نويت من الحج، اللهم قد أحرم لك لحمي وشعري ودمي وعصبي ومخي وعظامي، وحرمتُ على نفسي النساء والطيب ولبس المخيط ابتغاء وجهك والدار الآخرة، ومن وقت الإحرام حرم عليه المحذورات الستة التي ذكرناها من قبل فليتجنبها.
الخامس: يستحب تجديد التلبية في دوام الإحرام، خصوصًا عند اصطدام الرفاق، وعند اجتماع الناس، وعند كل صعود وهبوط، عند كل ركوب ونزول، رافعًا بها صوته، فإنه لا ينادي أصم ولا غائبًا كما ورد في الخبر، ولا بأس برفع الصوت بالتلبية في المساجد الثلاثة؛ فإنها مظنة المناسك، أعني: المسجد الحرام ومسجد الخِيف ومسجد الميقات، وأما سائر المساجد فلا بأس فيها بالتلبية من غير رفع صوت، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا أعجبه شيء قال: ((لبيك إن العيش عيش الآخرة)).
(1/348)
________________________________________
الجملة الثالثة: في آداب دخول مكة إلى الطواف؛ وهي ستة:
الأول: أن يغتسل بذي طوى لدخول مكة، والاغتسالات المستحبة المسنونة في الحج تسعة: الأول: للإحرام من الميقات، ثم لدخول مكة، ثم لطواف القدوم، ثم للوقوف بعرفة، ثم للوقوف بمزدلفة، ثم ثلاثة أغسال: لرمي الجمار الثلاث، ولا غسل لرمي جمرة العقبة، ثم لطواف الوداع، ولم ير الشافعي -رضي الله عنه- في الجديد: الغسل لطواف الزيارة ولطواف الوداع.
الثاني: أن يقول عند الدخول في أول الحرم وهو خارج مكة: اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرِّم لحمي ودمي وشعري على النار، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك.
الثالث: أن يدخل مكة من جانب الأبطح؛ تأسيًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم، وإذا خرج خرج من ثنية كُدَى، وهي التثنية السفلى، والأولى هي العليا.
الرابع: إذا دخل مكة وانتهى إلى رأس الردم، فعنده يقع بصره على البيت فليقل: لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم أنت السلام ومنك السلام ودارك دار السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إن هذا بيتك عظمته وكرمته وشرفته، اللهم فزده تعظيمًا وزده تشريفًا وتكريمًا، وزده مهابة، وزد مَن حجه بِرًّا وكرامة، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وأدخلني جنتك، وأعذني من الشيطان الرجيم.
الخامس: إذا دخل المسجد الحرام فليدخل من باب بني شيبة، وليقل: بسم الله وبالله ومِن الله، فإذا قرب من البيت قال: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك، وعلى إبراهيم خليلك، وعلى جميع أنبيائك ورسلك، وليرفع يديه وليقل: اللهم إني أسألك في مقامي
(1/349)
________________________________________
هذا في أول مناسكي، أن تتقبل توبتي وأن تتجاوز عن خطيئتي، وتضع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام، الذي جعله مثابة للناس وأمنًا، وجعله مباركًا وهدى للعالمين، اللهم إني عبدك والبلد بلدك والحرم حرمك، والبيت بيتك، جئتك أطلب رحمتك، وأسألك مسألة المضطر الخائف من عقوبتك، الراجي لرحمتك الطالب مرضاتك.
السادس: أن تقصد الحجر الأسود بعد ذلك، وتمسه بيدك اليمنى وتقبله.
الجملة الرابعة في الطواف: فإذا أراد افتتاح الطواف -إما للقدوم وإما لغيره- فينبغي أن يراعي أمورًا ستة:
الأول: أن يراعي شروط الصلاة من طهارة الحدث، والخبث في الثوب والبدن والمكان وستر العورة، فالطواف بالبيت صلاة، ولكن الله سبحانه أباح فيه الكلام.
الثاني: إذا فرغ من الاضطباع فليجعل البيت على يساره، وليقف عند الحجر الأسود، وليتنح عنه قليلًا ليكون الحجر قدامه، فيمر بجميع الحجر بجميع بدنه في ابتداء طوافه، وليجعل بينه وبين البيت قدر ثلاث خطوات؛ ليكون قريبًا من البيت فإنه أفضل.
الثالث: أن يقول قبل مجاوزة الحجر بل في ابتداء الطواف: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم، ويطوف، فأول ما يجاوز الحجر ينتهي إلى باب البيت فيقول: اللهم هذا البيت بيتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا الأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار، وعند ذكر المقام يشير بعينه إلى مقام إبراهيم -عليه السلام: اللهم إن بيتك عظيم
(1/350)
________________________________________
ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين، فأعذني من النار ومن الشيطان الرجيم، وحرم لحمي ودمي على النار، وآمني من أهوال يوم القيامة، واكفني مؤنة الدنيا والآخرة، ثم يسبح الله تعالى ويحمده، حتى يبلغ الركن العراقي فعنده يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك، والكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد.
فإذا بلغ الميزاب قال: اللهم أظلنا تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم اسقني بكأس محمد -صلى الله عليه وسلم- شربة لا أظمأ بعدها أبدًا، فإذا بلغ الركن الشامي قال: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور، رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، فإذا بلغ الركن اليماني قال: اللهم إني أعوذ بك من الكفر، وأعوذ بك من الفقر ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة.
ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا برحمتك فتنة القبر وعذاب القبر، فإذا بلغ الحجر الأسود قال: اللهم اغفر لي برحمتك، أعوذ برب هذا الحجر من الدَّين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر، وعند ذلك قد تم شوط واحد، فيطوف كذلك سبعة أشواط، فيدعو بهذه الأدعية في كل شوط.
الرابع: أن يرمل في ثلاثة أشواط، ويمشي في الأربعة الأخر على الهيئة المعتادة.
ومعنى الرمل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطى، وهو دون العدْو وفوق المشي المعتاد، والمقصود منه ومن الاضطباع إظهار الشطارة والجلادة والقوة، هكذا كان القصد أولًا قطعًا لطمع الكفار، وبقيت تلك السنة، والأفضل الرمل مع الدنو من البيت، فإن لم يمكنه للزحمة فالرمل مع البعد أفضل، فيخرج إلى
(1/351)
________________________________________
حاشية المطاف وليرمل ثلاثًا، ثم ليقترب إلى البيت في المزدحم وليمش أربعًا، وإن أمكنه استلام الحجر في كل شوط فهو الأحب، وإن منعته الزحمة أشار باليد وقَبَّل يده، وكذلك استلام الركن اليماني يستحب من سائر الأركان، وروي: ((أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يستلم الركن اليماني ويقبله ويضع خده عليه)) ومن أراد تخصيص الحجر بالتقبيل، واقتصر في الركن اليماني على الاستلام أغنى عن اللمس باليد، فهو أولى.
الخامس: إذا تم الطواف سبعًا فليأت الملتزَم، وهو بين الحجر والباب، وهو موضع استجابة الدعوة، وليلتصق بالبيت وليتعلق بالأستار، وليلصق بطنه بالبيت وليضع عليه خده الأيمن، وليبسط عليه ذراعيه وكفيه، وليقل: اللهم يا رب البيت العتيق، اعتق رقبتي من النار، وأعذني من الشيطان الرجيم، وأعذني من كل سوء، وقنعني بما رزقتني، وبارك لي فيما آتيتني، اللهم إن هذا البيت بيتك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك من النار، اللهم اجعلني من أكرم وفدك عليك، ثم ليحمد الله كثيرًا في هذا الموضع، وليصل على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعلى جميع الرسل كثيرًا، وليدع بحوائجه الخاصة، وليستغفر من ذنوبه. كان بعض السلف في هذا الموضع يقول لمواليه: "تنحوا عني حتى أقر لربي بذنوبي".
السادس: إذا فرغ من ذلك ينبغي أن يصلي خلف المقام ركعتين، يقرأ في الأولى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثانية الإخلاص، وهما ركعتا الطواف. قال الزهري: "مضت السنة أن يصلي لكل سبع ركعتين، وليدع بعد ركعتي الطواف وليقل: اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واعصمني بألطافك حتى لا أعصيك، وأعني على طاعتك بتوفيقك، وجنبني معاصيك، واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ورسلك، ويحب عبادك
(1/352)
________________________________________
الصالحين، اللهم حببني إلى ملائكتك ورسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم فكما هديتني إلى الإسلام فثبتني عليه بألطافك وولايتك، واستعملني لطاعتك وطاعة رسولك".
المرور أمام المصلي في الحرم المكي:
يجوز أن يصلي المصلي في المسجد الحرام والناس يمرون أمامه رجالًا ونساء بدون كراهة، وهذا من خصائص المسجد الحرام، فعن كثير بن كثير بن المطلب بن وداعة، عن بعض أهله، عن جده ((أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي بما يلي بني سهم، والناس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة)). قال سفيان بن عيينة: "ليس بينه وبين الكعبة سترة" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
طواف الرجال مع النساء:
روى البخاري عن ابن جريج قال: "أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال. قال: كيف تمنعهن وقد طاف نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الرجال؟ قال: قلت: أبعد الحجاب أم قبله؟ قال: أي لعمري، لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن الرجال، كانت عائشة -رضي الله عنها- تطوف حِجرة من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين. قالت: انطلقي عنك وأبتْ، فكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكن هن كن إذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن، وأخرج الرجال".
وللمرأة أن تستلم الحجر عند الخلوة، والبعد عن الرجال، فعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لامرأة: "لا تزاحمي على الحجر، إن رأيت خلوة فاستلمي، وإن رأيت زحامًا فكبِّري وهللي إذا حاذيت به، ولا تؤذي أحدا".
(1/353)
________________________________________
ركوب الطائف، وسنن الوقوف بعرفة، والدفع إلى منى
أ- ركوب الطائف:
يجوز للطائف الركوب وإن كان قادرًا على المشي، إذا وجد سببًا يدعو إلى الركوب، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن)). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: ((طاف النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة؛ ليراه الناس)).
ب- كراهة طواف المجذوم مع الطائفين:
روى مالك عن ابن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- رأى امرأة مجذومة تطوف بالبيت، فقال لها: "يا أمة الله لا تؤذي الناس، لو جلست في بيتك، ففعلت، مر بها رجل بعد ذلك فقال لها: إن الذي نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: ما كنت لأطيعه حيًّا وأعصاه ميتًا".
جـ- استحباب الشرب من ماء زمزم:
وإذا فرغ الطائف من طوافه وصلى ركعتيه عند المقام، استحب له أن يشرب من ماء زمزم. ثبت في الصحيحين ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شرب من ماء زمزم، وأنه قال: إنها مباركة، إنها طعام طُعم وشفاء سقم، وأن جبريل غسل قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمائها ليلة الإسراء)). وروى الطبراني في (الكبير) وابن حبان عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم؛ فيه طعام الطُعم وشفاء السقم ... )) الحديث. قال المنذري: "ورواته ثقات".
(1/354)
________________________________________
د- آداب الشرب منه:
يسن أن ينوي الشارب عند شربه الشفاء ونحوه، مما هو خير في الدين والدنيا، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ماء زمزم لما شرب له)). وعن سويد بن سعيد قال: "رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى ماء زمزم واستسقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكر، عن جابر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ماء زمزم لما شرب له)). وهذا أشربه لعطش يوم القيامة ثم شرب" رواه أحمد بسند صحيح. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تستشفى شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله)).
ويستحب أن يكون الشرب على ثلاثة أنفاس، وأن يستقبل به القبلة ويتضلع منه، ويحمد الله تعالى ويدعو بما دعا به ابن عباس، فعن أبي مليكة قال: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: من أين جئت؟ قال: شربت من ماء زمزم. قال ابن عباس: أشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ذاك يا بن عباس؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر الله وتنفس ثلاثًا وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((آية بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم)) رواه ابن ماجه". وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- إذا شرب من ماء زمزم قال: "اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء".
هـ- أصل بئر زمزم:
روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أن هاجر لما أشرفت على المروة حين أصابها وولدها العطش، سمعت صوتًا فقالت: "صه، تريد نفسها، ثم تسمعت
(1/355)
________________________________________
فسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوده وتقول بيدها هكذا: تغترف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغترف". قال ابن عباس -رضي الله عنهما: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغترف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا)) قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن ها هنا بيت الله، يبتني هذا الغلام وأبوه، وأن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مثل الرابية تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله".
وسنن الوقوف بعرفة وآدابه:
أحدها: أن يغتسل بنمرة للوقوف.
الثانية: ألا يدخل عرفات إلا بعد الزوال.
الثالثة: أن يخطب الإمام خطبتين ويجمع الصلاتين.
الرابعة: تعجيل الوقوف عقب الصلاتين.
الخامسة: أن يحرص على الوقوف بموقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند الصخرات.
السادسة: إذا كان يشق عليه الوقوف ماشيًا، أو كان يضعف به عند الدعاء، أو كان ممن يقتدى به ويُستفتى، فالسنة أن يقف راكبًا، وهو أفضل من الماشي، فإن كان لا يضعف بالوقوف ماشيًا ولا يشق عليه، ولا هو ممن يستفتى، ففي الأفضل أقوال للشافعي -رحمه الله تعالى- أصحها راكبًا أفضل؛ اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم، ولأنه أعون على الدعاء، وهو المهم في هذا الموضع. والثاني: ماشيًا أفضل. والثالث: هما سواء، هذا حكم الرجل، وأما المرأة فالأفضل أن تكون قاعدة لأنه أستر لها.
(1/356)
________________________________________
السابعة: الأفضل أن يكون مستقبلًا للقبلة، متطهرًا ساترًا عورته، فلو وقف محدثًا أو جنبًا أو حائضًا أو عليه نجاسة أو مكشوف العورة -صح وقوفه وفاتته الفضيلة.
الثامنة: أن يكون مفطرًا فلا يصوم، سواء أكان يضعف به أم لا؛ لأن الفطر أعون له على الدعاء، وقد ثبت في الصحيح ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقف مفطرًا)) والله تعالى أعلم.
التاسعة: أن يكون حاضر القلب فارغًا من الأمور الشاغلة عن الدعاء، وينبغي أن يقدم قضاء أشغاله قبل الزوال، ويتفرغ بظاهره وباطنه عن جميع العلائق، وينبغي ألا يقف في طرق القوافل وغيرهم لئلا ينزعج بهم.
العاشرة: أن يكثر من الدعاء والتهليل وقراءة القرآن، فهذه وظيفة هذا الموضع المبارك، ولا يقصر في ذلك فهو معظم الحج ومخه ومطلوبه، وفي الحديث الصحيح: ((الحج عرفة)) فالمحروم من قصر في الاهتمام بذلك واستفراغ الوسع فيه، ويُكثر من هذا الذكر والدعاء قائمًا وقاعدًا، ويرفع يديه في الدعاء ولا يجاوز بهما رأسه، ولا يتكلف السجع في الدعاء، ولا بأس بالدعاء المسجوع إذا كان محفوظًا أو قاله بلا تكلف ولا فكر فيه، بل يجري على لسانه من غير تكلف.
وينبغي أن يكثر من التضرع فيه والخشوع، وإظهار الضعف والافتقار والذلة، ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة، بل يكون قوي الرجاء للإجابة، ويكرر كل دعاء ثلاثًا، ويفتتح دعاءه بالتحميد والتمجيد لله تعالى والتسبيح، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ويختمه بمثل ذلك، وليكن متطهرًا متباعدًا عن الحرام والشبهة في طعامه وشرابه ولباسه ومركوبه، وغير ذلك مما معه، فإن هذه من آداب جميع الدعوات، وليختم دعاءه بآمين.
(1/357)
________________________________________
وليكثر من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وأفضل ذلك ما رواه الترمذي وغيره عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)). وفي كتاب الترمذي عن علي -رضي الله عنه- قال: ((أكثر ما دعا به النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة في الموقف: اللهم لك الحمد كالذي تقول وخيرًا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي ولك ربي تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح)).
ويستحب أن يكثر من التلبية رافعًا بها صوته، ومن الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن يأتي بهذه الأنواع كلها، فتارة يدعو وتارة يهلل وتارة يكبر وتارة يلبي، وتارة يصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم، وتارة يستغفر ويدعو منفردًا ومع جماعة، وليدع لنفسه ووالديه وأقاربه وشيوخه وأصحابه وأحبابه وأصدقائه، وسائر من أحسن إليه وسائر المسلمين، وليحذر كل الحذر من التقصير في ذلك، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره، ويستحب الإكثار من الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات، مع الاعتقاد بالقلب، وأن يكثر من البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات، وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم، يجتمع فيه خيار عباد الله المخلصين وخواصه المقربين، وهو أعظم مجامع الدنيا.
وقيل: إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غُفر لكل أهل الموقف، وثبت في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله تعالى فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه يباهي بهم الملائكة يقول: ما أراد هؤلاء؟)).
(1/358)
________________________________________
وروينا عن طلحة بن عبيد الله -أحد العشرة رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((ما رؤي الشيطان أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة)) وما ذاك إلا أن الرحمة تنزل فيه، فيتجاوز الله عن الذنوب العظام.
وعن الفضيل بن عياض -رضي الله عنه- أنه نظر إلى بكاء الناس بعرفة فقال: "أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل واحد فسألوه دانقًا، أكان يردهم؟ قيل: لا. قال: والله للمغفرة عند الله -عز وجل- أهون من إجابة رجل بدانق".
وعن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم- أنه رأى سائلًا يسأل الناس يوم عرفة فقال: "يا عاجز، أفي هذا اليوم تسأل غير الله تعالى".
فرع:
ومن الأدعية المختارة: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم اغفر لي مغفرة من عندك تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة منك أسعد بها في الدارين، وتب عليّ توبة نصوحًا لا أنكثها أبدًا، وألزِمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبدًا. اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وأغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، ونوِّر قلبي وقبري وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله، وأستودعك ديني وأمانتي وقلبي وبدني وخواتيم عملي، وجميع ما أنعمت به علي، وعلى جميع أحبائي والمسلمين أجمعين.
الحادية عشرة: الأفضل للواقف ألا يستظل، بل يبرز للشمس إلا لعذر بأن يتضرر، أو أن ينقص دعاؤه واجتهاده.
(1/359)
________________________________________
الثانية عشرة: ينبغي أن يبقى في الموقف حتى تغرب الشمس، فيجمع في وقوفه بين الليل والنهار، فإن أفاض قبل غروب الشمس فعاد إلى عرفات قبل طلوع الفجر، فلا شيء عليه، وإن لم يعد أراق دمًا. وهل هو واجب أو مستحب؟ فيه قولان للشافعي -رحمه الله تعالى- أصحهما أنه مستحب، والثاني واجب، وهذا فيمن حضر نهارًا، أما من لم يحضر فلا شيء عليه ولكن فاتته الفضيلة.
الثالثة عشرة: ليحذر كل الحذر من المخاصمة والمشاتمة والمنافرة والكلام القبيح، بل ينبغي أن يحترز عن الكلام المباح ما أمكنه؛ فإنه تضييع للوقت المهم.
الرابعة عشرة: ليستكثر من أعمال الخير في يوم عرفة، وسائر أيام عشر ذي الحجة، فقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ما العمل في أيام أفضل منه في هذه الأيام -يعني أيام العشر- قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بماله ونفسه فلم يرجع بشيء)) وأيام العشر هي الأيام المعلومات، وأيام التشريق هي الأيام المعدودات.
السنة للإمام إذا غربت الشمس وتحقق غروبها أن يفيض من عرفات، ويفيض الناس معه، ويؤخر صلاة المغرب بنية الجمع إلى العشاء، ويكثر من ذكر الله تعالى، والسنة أن يسلك في طريقه إلى المزدلفة على طريق المأزَمَين، وهو بين العَلَمين الذين هما حد الحرم من تلك الناحية، والمأزَم: هو الطريق بين الجبلين، وحد المزدلفة ما بين مأزمي عرفة المذكورين.
(1/360)
________________________________________
الدفع إلى منى:
السنة أن يقدم الضعفة من النساء وغيرهن قبل طلوع الفجر إلى منى؛ ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس، ويكون تقديمهم بعد نصف الليل، وأما غيرهم فيمكثون حتى يُصلوا الصبح بمزدلفة، فإذا صلوها دفعوا متوجهين إلى منى، فإذا وصلوا قزح -وهو آخر المزدلفة وهو جبل صغير وهو المشعر الحرام- صعده إن أمكنه، وإلا وقف عنده أو تحته، ويقف مستقبل الكعبة فيدعو ويحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويحمده، ويكثر من التلبية.
واستحبوا أن يقول: اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة: 198، 199) ويكثر من قوله: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ويدعو بما أحب ويختار الدعوات الجامعة، وبالأمور المهمة ويكرر دعواته.
أ- حكم رمي الجمرات:
ذهب جمهور العلماء إلى أن رمي الجمار واجب وليس بركن، وأن تركه يُجبر بدم لما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن جابر -رضي الله عنه- قال: ((رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)).
(1/361)
________________________________________
ب- استحباب التكبير والدعاء مع كل حصاة:
عن عبد الله بن مسعود وابن عمر -رضي الله عنهما- أنهما كانا يقولان عند رمي جمرة العقبة: "اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا". وعن إبراهيم أنه قال: "كانوا يحبون للرجل إذا رمى جمرة العقبة أن يقول: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا. فقيل له: تقول ذلك عند كل جمرة؟ قال: نعم". وعن عطاء قال: "إذا رميت فكبر وأتبع الرمي التكبيرة" روى ذلك سعيد بن منصور. وفي حديث جابر -رضي الله عنه- عند مسلم ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكبر مع كل حصاة)). قال في (الفتح): "وأجمعوا على أن من لم يكبر لا شيء عليه". وعن سلمان بن الأحوص عن أمه قالت: ((رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند جمرة العقبة راكبًا، ورأيت بين أصابعه حجرًا فرمى ورمى الناس معه)).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/362)
________________________________________
الدرس: 21 من أساليب الإقناع العقلي ووسائله.
(1/363)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي والعشرون
(من أساليب الإقناع العقلي ووسائله)

الجدل
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
أ- الجدل:
الجدل: نقاش بين طرفين متخاصمين، وجاء لفظ الجدل مصرحًا به في القرآن الكريم في نحو سبع وعشرين آية، وهو نوعان: جدل مذموم وجدل ممدوح، فالجدل المذموم هو الجدل في تقرير الباطل والدفاع عنه، وعلى سبيل المثال:
1 - الجدل في الله وآياته بغير علم وبهدف التشكيك.
2 - جدال الكفار.
3 - الجدال في الحج، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن هذا النوع من الجدل فيقول: ((أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا)).
وأما الجدل المحمود فهو كل جدل أيّد الحق ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى، وهو منهج الدعاة إلى الله تعالى من الأنبياء وغيرهم، بأن يجادلوا المعاندين وأهل الباطل بالحجة والبرهان؛ لإثبات الحق والدفاع عنه وقرع حجج المبطلين.
ب- جدل القرآن:
الجدل القرآني أسلوب من أساليب الدعوة، ويقوم بدوره على وجه كامل، وذلك على النحو التالي:
1 - الإقناع العقلي المجرد:
خاطب الجدل العقل وناقش الخصوم مناقشة تعتمد على كثير من المسلَّمات، حتى يقطعوا بصحة المدعي أمامهم، وكأن الجدل في هذا المعنى يستنتج النتائج
(1/365)
________________________________________
الصحيحة بعد ذكره للمقدمات الصادقة. ذكر السيوطي أن الإسلاميين من علماء الكلام استنتجوا من أول سورة الحج إلى قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} (الحج: 7) خمس نتائج وعشر مقدمات لها.
أما النتائج فقد احتواها قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ}. (الحج: 6، 7).
وأما المقدمات العشر فهي سهلة الإيراد وذلك أن الله أخبر عن يوم القيامة وزلزلة الساعة، وذلك حق منقول إلينا بالتواتر، ولا يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق، فالله هو الحق، وأخبر سبحانه وتعالى عن أهوال الساعة، وعن قدرته الشاملة، ولابد للساعة من إحياء الموتى فالله القادر يحيي الموتى سيعاقب المعاندين وسيثيب الطائعين، وأخبر عن الساعة وخلق الإنسان من تراب، وإماتته بعد ذلك، وخلق الأرض، وصدق خبره في كل ذلك بدلالة الواقع، ومن صدق خبره في ذلك صدق في أخباره عن مجيء الساعة، فصدق أن الساعة آتية لا ريب فيها، ولا تأتي الساعة إلا ببعث مَن في القبور، فثبت أن الله يبعث من في القبور.
وهذه المقدمات العشر جاءت في قوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} (الأنبياء: 1 - 5).
وهكذا نجد النتائج أمام العقل ثابتة صادقة، وهي نتائج ذا تأثير نفسي بالغ، فهي لا تقف عند شكلية القياس، بل تجعل المجادِل كلما وصل إلى نتيجة ازداد إيمانًا وتصديقًا، حيث تشمل النتائج على إبراز حقيقة الألوهية، وقدرة الله سبحانه وتعالى، وتخبر
(1/366)
________________________________________
عن إحياء الموتى، وبعثهم في يوم الساعة الآتية بلا ريب، وتتحدث عن ضرورة الحساب على الأعمال.
ومن أجل الوصول بالعقل إلى اقتناع كامل بالشيء، الذي هو محل الجدل، رأينا الجدل يأتي بالأمر المتناقش فيه، ويحلله إلى منتهى أقسامه ويرد كل قسم على حدة، لينتهي أخيرًا إلى الرأي الحق، وذلك كقوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} (غافر: 28) فترى هذه الآية تقسم الرأي في موسى عقليًّا؛ لأنه إما أن يكون كاذبًا وأما أن يكون صادقًا، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه لا يتعداه، وإن كان صادقًا فاتباعه نفع وفوز ونجاة، والتقسيم يؤدي في النهاية إلى عدم التعرض لموسى -عليه السلام، وعدم محاولة قتله.
ومن هذا قوله تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الأنعام: 143، 144).
وقد رد الله في هذه الآيات على اليهود تحريمهم لذكور الأزواج المذكورة تارة، وتحريمهم لإناثها تارة ثانية، وتحريمهم لما في أرحام الإناث حسب ما اتفق تارة ثالثة، فجادلهم الله في رده بطريق السَّبر والتقسيم، فبيّن أنه خلق من كل زوج مما ذكر ذكرًا وأنثى، وسألهم عن سبب التحريم وعلته؛ لأن العلة إما أن تكون
(1/367)
________________________________________
بسبب الذكورة أو بسبب الأنوثة، أو بسبب الذكورة والأنوثة معًا، أو بسبب خارج عن حدود مصدر الشيء المحرم، كأن ينزل بها وحي من الله، وتلك هي أسباب التحريم كلها، ولا يُعقل سبب سواها.
ويترتب على هذه الأسباب أن يحرم الذكورة والأنوثة معًا، أو يحرم ما فصله الوحي إن كان هو السبب، لكن السبب المشاهد أن اليهود يحرمون على هواهم، فيحرمون هذا تارة وذاك تارة أخرى، ويحلون الشيء بعد تحريمه، وقد حصر الله علة التحريم الممكنة، وسألهم عن تحديدها إن وُجدت، وبذلك أبطل فعلهم، وأثبت أن ما قالوه ضلال وكذب، وهكذا بالسبر والتقسيم ينزاح الشك، وتستريح النفس، ويتيقن العقل المجرد والفهم السليم.
2 - مراعاة الطبائع النفسية:
يعتز الإنسان برأيه وبفكرته وإن كانت خاطئة، والمعاندون أكثر الناس تشددًا في هذا المجال، والجدل يراعي هذه الناحية في مناقشاته، حيث نرى في في طرق الجدل ما عُرف بطريقة مجاراة الخصم، ومجمل هذه الطريقة أن يسلم المجادل ببعض مقدمات الخصم؛ للإشارة إلى أن هذه المقدمات لا تنتج ما يريد أن يستنتجه، وإنما هي بعيدة عنه.
ومن أمثلة هذه الطريقة قوله تعالى: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} (إبراهيم: 10، 11) فدعوى الخصم أن الرسل بشر، والبشر لا يستطيعون أن يتلقوا وحي الله، وهم بدعوى الرسالة يريدون صد أقوامهم عن عبادة الآباء والأسلاف.
(1/368)
________________________________________
وبملاحظة رد الرسل عليهم نرى التسليم للخصوم بأنهم بشر، ويذكرون أن البشرية لا تتنافى أن يمن الله بالرسالة على من يشاء من البشر.
وفي هذا النوع من الجدل استدارج للخصم واستجلاب لإصغائه، وربما كان من الممكن بهذه الطريقة ثنيه عن الإنكار، بعد بيان فساد العلاقة بين القضية المسلَّمة والنتيجة التي رُتبت خطأ عليها.
يقول الشهرستاني: "واعلم أن الموافقة في العبارة على طريق الإلزام على الخصم من أبلغ الحجج، وأوضح المناهج، ومن طرق الجدل التي تساير الطبائع الإنسانية، وتُرضي الغرائز البشرية ما عرف بقياس الخَلف، وهو جدل يثبت الأمر بإبطال نقيضه. ومثاله قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء: 82) فقد أثبت قول الله هذا أن القرآن من عند الله تعالى، بإبطال أنه من عند الله؛ لأنه خلا من الاختلاف اللازم له لو كان من عند غير الله".
ومن الطرق التي تراعي هذه الطبائع ما نلمسه من بعض صور الجدل، التي تتجه إلى مناصحة المدعو وإرشاده، والأخذ بيده إلى الصواب، وتوجيه نظره إلى ما حوله ليأخذ منه الفائدة، وهذه السور تراعي الجدل في ثناياها، وترد عليها في إجمال وتدليل.
ومن أمثاله قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} (الرحمن: 1 - 9).
(1/369)
________________________________________
فقد لاحظت هذه الآيات أقوال الخصوم واعتراضاتهم، من غير أن توردها، وردت عليها في إيجاز ودليل ملموس، وبذلك تأخذ بيد المستمع إلى الحق عن طريق وضع الأدلة السهلة الواضحة.
ومن الطرق التي راعت طبائع الناس: مجاملة الخصوم وعدم الرد المباشر على دعاويهم، مع عدم التسليم بها، كقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (سبأ: 24) وكقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} (الزخرف: 81) وذلك لأن المجاملة أدعى إلى الطاعة وأقوى في التأثير.
3 - ملاحظة التنوع البشري:
يختلف الناس في مجادلاتهم؛ فمنهم المجادل العنيد، ومنهم المناقش السهل، ولقد راعى الجدل هذه الاختلافات، فمع العناد يلجأ إلى إفحام الخصم وإلزامه، ثم يأخذ بيده إلى الحقيقة، ويبينها له في وضوح، فلقد كان المعاندون يطلبون في إصرار أن يكون الرسول ملكًا؛ لإزالة اللبس من إرسال البشر، فرد الله إصرارهم في وضوح وإيجاز، وعرفهم لو أنه لو أرسل ملكًا على صورته الملكية لهلك الناس من رؤيته، ولو جعله على صورة البشرية -يعايشهم ويدعوهم في بشريته هذه- لبقي اللبس وطلبوا ملكًا آخر، وهكذا في تسلسل لا ينتهي، وهو محال نشأ من طلبهم المحال، وعليهم بعد ذلك أن يُسلموا بالرسول البشر.
ومن أمثلة هذه المراعاة قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} (الأنعام: 91) وفي هذه الآية بيان لإنكار اليهود إنزال الوحي على بشر هو محمد، بينما هم يؤمنون برسالة موسى -عليه السلام. وقد رد الله عنادهم
(1/370)
________________________________________
وأفحمهم بأخصر طريق بسؤالهم عن المسلَّمات عندهم، وهي من نوع ما ينكرون، ولذلك سألهم عن الكتاب الذي جاء به موسى، عن من أنزله عليه؟
وحينما يبدأ المعاند في إنكار المسلمات، بإلقاء شبهه عليها، نجد القرآن الكريم -لأن قصده الحق- يأتي بطريقة تُعرف بالانتقال، حيث يترك ما أُلقيت عليه شبهة الخصم، وينتقل إلى ما لا شبه فيه، وذلك كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: 258).
فإن النمرود قد جادل في الأمور المسلمة، وادعى قدرته على الإحياء والإماتة، وبرغم بطلان ادعائه، فإن إبراهيم -عليه السلام- لا يناقشه فيه، بل ينتقل إلى استدلال آخر لا يجد الملك فيه وجهًا يتخلص به منه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} (البقرة: 258) وفي هذا إفحام وإلزام للملك المعاند المكابر؛ لأنه لا يظنه أن يقول أن الآتي بالشمس من المشرق؛ لأن من أسن منه يكذبه.
ومن هذا الانتقال قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المنافقون: 8) وفي هذه الآية إفحام للمنافق، ورد لقوله الذي يزعم عزة المنافقين وذلة المؤمنين، إذ تثبت عزًا وذلًا ولا تنكرهما، لكنها تجعل العزة للمؤمنين والذلة للمنافقين.
أما إن كان الخصم سهلًا لينًا؛ فإن الجدل يلين معه في المناقشة، ويرده إلى أمور مسلمة ابتداء، وذلك كقوله تعالى: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} (الأنعام: 101) فقد
(1/371)
________________________________________
استدل سبحانه وتعالى على بطلان أن يكون له ولد بأمر معروف مألوف، لا يماري فيه أحد، وهو أنه لو كان له ولد لكانت له صاحبة، ولم يدع أحد أن له صاحبة، فيجب ألا يكون له ولد.
وأما إن كان الخصم من المكابرين، الذين لا يستفيدون مطلقًا، فإن الجدل يضع معهم حدًا حتى لا يخرج الجدل عن الحسنى، التي أمر الله أن يتحلى بها جدل الدعوة، وذلك كقوله تعالى للكافرين: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون: 6) فقد وضع هذا الجدل حدًا للنقاش مع هؤلاء الكافرين المكابرين.
يقول الإمام الخازن: "والمخاطبون بهذه الصورة كفرة مخصوصون، قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون، ولذلك أمر الله رسوله أن يترك الجدل معهم، ويعرفهم أن له دينه ولهم دينهم، والأمر لله بعد أن أوضح الحجة وألزمهم المحجة".
4 - الترغيب والترهيب:
يراعي الجدل القرآني هذا النوع في الخطاب؛ لأن الإنسان يحب الخير ويسعى إليه، ويكره الألم وينفر منه، ولهذا الغرض يسوق القرآن حوارًا يجري بين أهل الجنة وأهل النار، فيقول تعالى: {نَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} (الأعراف: 44) والوعد المسئول عنه أشياء جاءت على ألسنة الرسل، تظهر في الآخرة، كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، ومجرد اعتراف الكفار بوقوع الوعود به يثير وجدان الكافرين، ويجعلهم يرهبون مصيرهم بسبب الكفر، ويحاولون النجاة.
ويقول تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} (الأعراف: 50) هذه الآية تبين
(1/372)
________________________________________
أن الجنة فوق النار، وأن ماءها العذب اللذيذ كثير، فيه فيض وسعة، إلا أنه مع كثرته محرم على الكافرين.
وهكذا يقدم الجدل القرآني صورا متعددة من مناقشة الخصوم، مما جعله أسلوبًا ناجحًا للدعوة، تملك التأثير في الناس وهدايتهم إلى الصواب، فالجدل أسلوب للدعوة، يحتاج الرسل والدعاة إلى معرفة الجدل؛ ليؤثروا في معارضيهم؛ لأن تغيير العقائد ليس أمرًا سهلًا، وقد أعطى الله رسله البيان وأرسلهم بلغة أقوامهم، ومنحهم القدرة على المخاصمة؛ لكي يردوا جدل المعارض ويقنعوا السائل، ويأخذوا بيد الجميع عن طريق المناقشة الحرة العاقلة.
والجدل بالحسنى أسلوب حسن للدعوة، فهو أولًا يبين للداعية بعض ما سوف يصادفه من أعداء دعوته، ويبصره بمشاق الطريق الذي سوف يسلكه، وذلك لأن المعارضين دائمًا يقفون ضد دعوة التغيير، فإذا لاحظنا أن الدعوة الإسلامية تطالب المعاندين بتغيير جذري، يشمل الحياة كلها، لظهر سر قوة المخاصمة وشدة العناد، وإذا ما علم الداعية أنه أمام موقف صلب من الناس، لزمه أن يستعد له بقوة عقلية ونفسية، ويخوض طريقه الصعب صابرًا محتملًَا.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- هو القدوة في هذا المجال، فلقد كان القوم يحاولون هدم رأيه، ويصفونه بمختلف الأكاذيب، ومع ذلك يذكر الجدل أنه كان يقف يرد رأيهم ويثبت ضلالهم. يقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} (سبأ: 43). فهؤلاء الكفار حينما سمعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتلو عليهم الآيات البينات، ويذكرهم بالأدلة الواضحة قالوا: إن محمدًا رجل كاذب وساحر، يهدف إلى إبعاد الناس عن دين آبائهم، وقرآنه كلام
(1/373)
________________________________________
مختلق، ودينه سحر مبين، فتراهم اتهموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكتابه ورسالته خصومة وجدلًا.
إن الله -سبحانه وتعالى- مع من يدعو إلى دينه يدافع عنه وينصره، ولذلك أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يرد بالطريقة الجدلية على اتهامات معارضيه، فلئن تباهوا بما لهم من مال وولد، وظنوا أن ذلك يدفع العذاب عنهم، وقالوا: نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين، فإن الله تعالى يُعلم رسوله الرد ويأمره، فيقول تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} (سبأ: 36، 37).
وهكذا يرد الله مباهاتهم بمالهم؛ لأن هذا المال رزق أعطاه الله لهم، وهو قادر على إزالته من ملكيتهم، ولن يكون المال أيًّا كان بمقرب من الله والجنة، ومانع من العذاب والنار، ولكن الإيمان والعمل الصالح هما أساس الحساب خيرًا كان أو شرًا.
ولئن وجهوا اتهاماتهم إلى القرآن الكريم، وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، فإن الله يُعلم رسوله الرد، ويأمره به في قوله تعالى: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (الفرقان: 6).
ولئن كانوا يستبعدون القيامة ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، فإن الله يأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالرد فيقول: {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ} (سبأ: 30).
ومن هذه الآيات نرى أن مجادلة النبي -صلى الله عليه وسلم- هادفة، فهو يأخذ مكابراتهم ويرد عليها ردًا مقنعًا قاصرًا على المعترض عليه. والداعية يأخذ من هذه المواقف صورة التأييد الإلهي لرسوله -صلى الله عليه وسلم- الداعية الأول، ويسير على الدرب في الدعوة، متوقعًا
(1/374)
________________________________________
المعارضة البشرية، متأكدًا من التأييد الإلهي، ويجب عليه أن يصبر على كل ما يلقاه، فلقد أمر الله الرسول من قبل بقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} (المزمل: 10) أي: إذا دعوتهم وعارضوك وتقوّلوا عليك الأقاويل فاصبر عليهم، وتجلد لقولهم، وأعرض عنهم إعراضًا لا يشوبه أذى ولا شتم ولا مقاومة، وعليك أن تكل الأمر إلى الله تعالى في النهاية.
والجدل ثانيًا يبصر بالدعوة ويبين أساسياتها، ويعرض القرآن في هذا الموضوع جدل سيدنا إبراهيم مع النمرود إثباتًا للألوهية. يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: 258).
فهذا جدل حول إثبات الألوهية بأدلتها، تراها أدلة مفحِمة ملزمة من أقرب الطرق، وقد ترك سيدنا إبراهيم دليل الإحياء والإماتة، حينما أوجد النمرود شبهة شكلية عليه، وانتقل إلى دليل لا شبهة فيه عند النمرود، وهو مطلع الشمس ومغربها، وهنا بهت النمرود.

المحاجة، والمناظرة، والمحاضرة، والندوة، والدرس الديني
من وسائل الإقناع: المحاجة:
المحاجة تعني: قدرة الفرد على تفنيد ودحض حجج الطرف الآخر بالأدلة والبراهين، الاستدلالية والواقعية، وحثه على التخلي عنها، والدفاع في الوقت نفسه عن آرائه، وتقديم حجج لإقناع الطرف الآخر بها، وذلك حين يتحاجون حول قضية خلافية.
(1/375)
________________________________________
ينطوي هذا التعريف على أن المحاجة تتضمن عمليتين رئيسيتين؛ هما:
1 - التفنيد: وهي عملية يتم بموجبها إثبات أن صحة حجة الطرف الآخر، أو النتيجة المترتبة عليها، أو المستمدة منها -زائفة أو خاطئة أو ذات قيمة مشكوك فيها.
2 - الإقناع: من خلال الاستعانة بمجموعة من الحجج التي يستدل منها الفرد على صحة دعواه.
وحري بالذكر أن هناك بعض المفاهيم المتداخلة مع مفهوم المحاجة، من قبيل الجدل، ويفضل الباحث في هذا السياق استخدام لفظ المحاجة، على الرغم من عدم شيوعه على لفظ الجدل، رغم ذيوعه؛ لأن مفهوم الجدل ارتبط تاريخيًا ولغويًا بمدلولات، تعمل على نشأة تصورات سلبية عنه في أذهان الناس.
ومثال للمحاجة: محاجة إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه وقومه، في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام: 74 - 82)
(1/376)
________________________________________
المناظرة:
المناظرة أسلوب علمي من أساليب الدعوة المباشرة، وصورتها أن يتخير الدعاة موضوعًا مثارًا بين الناس، اختلفت الآراء فيه وكثرت المناقشات حوله، وبعد ذلك يقوم الداعية باختيار عدد من العلماء المهتمين بالموضوع المثار، شريطة أن يمثلوا جميع الاتجاهات حول الموضوع، ويقوم كل منهم بالإعداد لتوجهه، على أن يحدَّد موعد ومكان للقاء يدعى إليه الناس، وكل من يهمه هذا الموضوع.
المحاضرة:
المحاضرة حديث طويل يلقى مباشرة على المستمعين، والمحاضر يختار موضوعه مما يعرض له من مشاكل الحياة والناس، وهذا يجعله قريبًا من قلوب الناس محبوبًا لديهم، ويجب أن يكون الموضوع المختار مدروسًا دراسة وافية مستفيضة، بعد تحضير طويل وعميق، محللًا إلى عناصر بارزة، وخطوات واضحة مرتبة ترتيبًا طبيعيًا، ينتقل بالسامع من حلقة إلى حلقة، ويفضي في النهاية إلى ختام يستحسنه المستمع.
والذي يقوم بإلقاء المحاضرة هو الشخص الذي حضر الموضوع وجهزه، وفي أحيان قليلة نادرة يقوم بإلقائها شخص آخر نيابة عن المحضِّر.
والمحاضرة عادة تكون من أهل التخصص الدقيق، ويصاحبها استعداد خاص كتجهيز مكان، والإعلان المسبق عن موضوعها.
لقد ذكر الأستاذ البهي الخولي تخطيطًا لمحاضرة في موضوع مقومات الإنسان الفاضل، نوجزها هنا استفادة بها لأهميتها.
(1/377)
________________________________________
يقول الأستاذ البهي: "إن من السهل عليك أن تفترض في هذا الإنسان أن له رسالة في الحياة، يعمل جاهدًا لتحقيقها، وهو عزيز برسالته؛ لأن الإنسان الذي يعيش بلا غاية معينة ولا مبدأ معروف يشبه السوائم المهملة، أما هذا فهو صاحب رسالة وهدف.
وأخيرًا لا بد لعبد العزة والرسالة من العلم؛ ليكون من أمره على بصيرة وهدى، ومن لا علم له لا بصر له".
تقوم المحاضرة إذن على بيان مقومات الشخصية الفاضلة، وهي العزة والرسالة والعلم، وتوضيح دور هذه المقومات في النشاط والحركة، فإذا وضح المحاضر ذلك اقتنع السامع بالمحاضرة.
ويمكن للمحاضر أن يقسم الدعائم الأساسية إلى عناصر فرعية، ويستحضر لكل عنصر ما يؤكده ويوضحه من كتاب الله، ومن سيرة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومن سيرة صحابته الكرام، ومن حركات التاريخ وحوادث الزمان التي تُسمع أو تُقرأ أو تُشاهد.
وعلى هذا فعناصر المحاضرة الرئيسية هي:
أ- أهمية العلم للإنسان فردًا وجماعة.
ب- ضرورة محافظة الإنسان على إنسانيته.
جـ- دعائم الإنسانية الفاضلة: العزة والثقة.
د- لا بد للإنسان من هدف وغاية.
هـ- آثار الالتزام بدعائم العزة على صاحبها.
(1/378)
________________________________________
وعلى المحاضر أن ينظر في الدعائم فيحدد معناها وطرق تحقيقها، والمحافظة عليها، فمثلًا يجد أن العزة معناها أن لا يُذل المرء لمخلوق مثله، ويجد أن الإسلام يغرس العزة في نفس المسلم؛ لأنه من ناحية ابتغاء المنافع والخوف على الأرزاق قد علم أن رزقه في السماء، وما كان في السماء فهو مصون لا تتطاول إليه يد عابث في الأرض، ولا بد من الحملة على الرجل الذليل بمقارنته بالرجل العزيز، فنجد أن عناصر العزة هي تعريفها، والعوامل التي تحافظ عليها، وفوائدها، والأضرار التي يقع فيها من لا يتمسك بها.
الندوة:
والندوة وسيلة للدعوة الإسلامية، وصورتها أن يجتمع عدد من العلماء والدعاة لمناقشة موضوع ما، على أن يقوم كل منهم بتوضيح جزئية من الموضوع، أمام جمهور يسمعهم ويتابعهم، وبهذا التصور يسمع الناس عددًا من آراء العلماء في موضوع واحد، يكمل بعضهم بعضًا، ويمكن للمستمعين أن يعلقوا على المتحدثين اعتراضًا أو اتفاقًا أو استفهامًا، وحينئذ تعرف المحادثة بأنها محادثة مفتوحة.
الدرس الديني:
الدرس الديني وسيلة جيدة من وسائل الاتصال بالجماهير، وطريق عظيم من طرق الدعوة إلى الله تعالى، وله دوره في تثقيف الناس وتبصيرهم بأمور دينهم، ولن نكون مبالغين إذا قلنا: إن الدرس الديني له الدور الريادي في تثقيف العوام من الناس، وجذبهم إلى دور العبادة، وتعريفهم ما لهم وما عليهم تجاه ربهم وتجاه بعضهم البعض.
(1/379)
________________________________________
والدرس الديني يتميز بالهدوء والأخذ والرد، والدرس الديني كان يسمى في القديم بمجلس الوعظ والذكر، وهي تسمية تنم عن الهدف والغاية من هذه المجالس، فهي ترقق القلوب، وتفسح لها طريق القرب من الله تعالى، بالحب والرجاء تارة، وبالخوف والخشية تارة أخرى، والدرس الديني الذي يؤدى الآن في المساجد أو غيرها ليس مجرد دردشة عادية، أو تضييعًا للوقت بين الصلوات، كما يحدث في بعض الأوقات ومن بعض الناس، كلا، وإنما الدرس الديني الذي نعنيه هو ذلك الدرس الذي يقوم على خطة مدروسة وله منهجه السليم.
أسأل الله -عز وجل- أن يوفقكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/380)
________________________________________
__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
أسوأ, الدعوة, وطرقها


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه للموضوع أصول الدعوة وطرقها 3
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أصول الدعوة وطرقها 2 Eng.Jordan دراسات ومراجع و بحوث اسلامية 0 01-03-2021 10:19 AM
أصول الدعوة وطرقها 1 Eng.Jordan دراسات ومراجع و بحوث اسلامية 0 01-03-2021 10:17 AM
أصول الدعوة Eng.Jordan دراسات ومراجع و بحوث اسلامية 0 01-03-2021 10:15 AM
أصول الدعوة Eng.Jordan دراسات ومراجع و بحوث اسلامية 0 01-03-2021 10:10 AM
أصول الخطايا يقيني بالله يقيني شذرات إسلامية 7 02-10-2012 02:49 AM

     
 

  sitemap 

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:23 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع