العودة   > >

أصول الدعوة وطرقها 4

الكتاب: أصول الدعوة وطرقها 4 كود المادة: IDWH4043 المرحلة: بكالوريوس المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: 1 -- كود المادة: IDWH4043 المرحلة: بكالوريوس المؤلف:

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-03-2021, 10:28 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 24,889
افتراضي أصول الدعوة وطرقها 4


الكتاب: أصول الدعوة وطرقها 4
كود المادة: IDWH4043
المرحلة: بكالوريوس
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
-[أصول الدعوة وطرقها 4]-
كود المادة: IDWH4043
المرحلة: بكالوريوس
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(/)
________________________________________
الدرس: 1 الدعوة وصلتها بالحياة وأثر الإسلام في الاجتماع.
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الأول
(الدعوة وصلتها بالحياة وأثر الإسلام في الاجتماع)
1 - الدَّعْوَةُ وَصِلَتُهَا بِالْحَيَاةِ

الأَحْوَالُ السياسيةُ قَبْلَ الإسْلامِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وعلى آلِهِ، وأصحابِهِ، ومنِ اهتدَى بهديهِم إلى يَوْمِ الدينِ، وبَعْدُ:
فَأُرحِّبُ بِكمْ -أيُّها الأُخوةُ الكِرامُ- في هذا اللقاءِ الأولِّ في المحاضراتِ التي سأسجلُها لكم -إن شاءَ اللهُ تعالى- في مُقررِ أصولِ الدعوةِ، وهذا المُقررٌ مُهمٌّ للمسلمين؛ لأنَّه يُعطيهمْ فِكرةً واضحةً عن كثيرٍِ من المباحثِ الإسلاميةِ التي يحتاجُ إليها المسلمُ، ثم هي بعدَ ذلك تُوجِّهُهُم -بفضل الله تبارك وتعالى- إلى أن يسلكوا طريقَ الأنبياءِ والمرسلينََ في الدعوةِ إلى اللهِ ربِّ العالمين، على المنهجِ الذي سَلَكَهُ نبيُّ الهُدى والرحمةِ -صلى اللهُ عليه وآلهِ وسلَّم.
والمحاضرةُ الأولى التي معنا في هذا اللقاء تحت عُنوانٍ كبيرٍ، ألا وهو: "الدعوةُ وصلتُها بالحياةِ" وهذا العنوان تحته موضوعاتٍ متعددةٍ، وهي ثلاثةٌ إذا أردتُ أن أحصرَها الآن، وسندرسُ -إن شاء الله تعالى- في كل محاضرةٍ موضوعًا منها.
والموضوعُ الأولُ في هذا اللقاء بعنوان: "أَثَرُ الإسلامِ في السياسةِ" وتحته العناصر التالية:
العنصرُ الأولُ: الأحوالٌ السياسيةُ قبل الإسلام، ويشتملُ على النقاط التالية:
أ- تعريفٌ السياسةِ: لغةً واصطلاحًا:
السياسةُ في اللغةِ: جاء في (المصباح المنير): ساسَ زيدٌ الأمرَ يسوسه أي: دبَّره وقامَ بأمرِهِ، وجاء في (لسان العرب): السُّوسُ: الزيادةُ، يقول: ساسُوهم سَوْسًا، والسياسة: القيامُ على الشيء بما يُصلِحُهُ.
هذا هو تعريفُ السياسة في اللغة.
أما تعريفُ السياسةِ اصطلاحًا فلها تعريفاتٌ متعددةٌ؛ وقبلَ أنْ أُعَرِّفَها في الاصطلاحِ، أودُّ أنْ أُشيرَ إلى أنَّ استتبابَ أيِّ أمرٍ من أمورِ أيِّ مجتمعٍ بشريٍّ لا بد فيه من عدلٍ قائمٍ، وقد أشار إلى ذلك ابنُ خلدونَ -رحمه الله تبارك وتعالى- في مواضِعَ من مقدمته، ومما ذكرَ -رحمه الله- من قولٍ في هذا:
(1/9)
________________________________________
إنَّ الاجتماعَ الإنسانيَّ ضَروريٌّ، ويعبر الحكماءُ عن هذا بقولهم: الإنسانُ مَدنيٌّ بالطبع، أي: لا بد له من الاجتماعِ الذي هو المَدنيةُ في اصطلاحهم، وهو معنى العُمرانِ ... إلى أن قالَ: ثم إنَّ هذا الاجتماعَ إذا حصلَ للبشر وتم عُمران العالَم بهم، فلا بد من وازعٍ يدفع بعضَهم عن بعضٍ.
وهذا ما أودُّ أن أشيرَ إليه في أنه: لا بد للمجتمعِ البشريِّ من عدلٍ قائمٍ يسودُهم وينطلقون من خلالِهِ، وهذا ولا شكَّ يكون بسلوكِ الصراطِ المستقيم، صراطِ اللهِ الذي له ما في السمواتِ وما في الأرضِ، وقد جاءتْ الشرائعُ الإسلاميةُ ببيانِ هذه الأمور، وتوضيحِها، ودعوةِ الناس إليها.
وبناءً على ذلك، أُذكرُ بعضَ التعريفاتِ لكلمة السياسةِ في الاصطلاح، فقد قيل فيها: بأنها تدبيرُ شُئونِ الدولةِ الإسلاميةِ، التي لم يرِدْ بحكمها نص صريح، أو التي من شأنها أن تتغير وتتبدل بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها العامة.
وعرفها بعضُهم بأنها: هي تحقيق الحاكم الذي يسوس أمر الأمة للمصلحة التي تُعود على الأفراد والجماعات، وذلك بتطبيق أحكام استُنبطت بواسطة أُسس سليمة، أقرتْها الشرعية، مثل: المصالح المرسلة، سد الذرائع، الاستحسان، العرف، الاستصحاب، الإباحة الأصلية، وكل ذلك فيما لم يرد فيه نصٌّ.
ب- النقطةُ التاليةُ في هذا العنصر هي بعنوان: "الحياةُ السياسيةُ خارج الجزيرة العربية قبل الإسلام":
وأَضْرِبُ في ذلك بعضَ النماذج، وأبدأ بنموذج الهند والصين قديمًا، فأقول فيما كان من سياسة في الهند: كانت تقوم على اعتبار القوة الإلهية مصدرًا لكل القواعدِ والأنظمةِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ، وكانت ترتكز على قوانين:
(1/10)
________________________________________
"مانو" و"برهما" وتقسِّمُ المجتمعَ إلى طبقاتٍ، وعلى هذا التقسيم يتفاوتُ الأفرادُ في الحقوق والحريات السياسية والمدنية.
أما الصينُ: فكانت تقوم على أساس: أنَّ الإمبراطور يستمد سلطتَه من السماء، فهو يحكم وفقًا للحق الإلهي الذي يُخَوِّلُه سلطةً مطلقةً، فالملكُ في نظرهم: ابنُ السماء، ولكن ظهرت فيما بعد نظرياتٌ واتجاهاتٌ سياسيةٌ حقيقيةٌ على يد الفيلسوف الصيني الشهير: "كنفوشوس" وكذلك: "منشسيوس" وكان لها الأثر الكبير في توجهات الحياة السياسية في الصين قديمًا.
جـ- النقطة التالية تحت هذا العنصر هي بعنوان: "نموذجُ اليونان والرومان السياسي أيضًا":
ويتمثل النموذجُ السياسيُّ الرومانيُّ في أنَّ الفكرَ المثاليَّ المجردَّ طغى على حساب الحركة عندهم، ففشل في إيجاد دولةٍ تعبر عن حقيقة العصر، وآمالِ الشعب؛ أما الرومانُ فقد كان طُغيان الحركة مسيطرًا على الممارسة السياسية، والحركةُ عندهم تعني: القوة، ونشر النفوذ، والسيطرة على المجتمعات الأخرى، وحتى حين تنصَّرت الدولةُ الرومانيةُ على يد الإمبراطور: "قسطنطين" فإنَّ التشريعاتِ والمؤسساتِ لم تتغير هناك، وبقي الأمرُ على ما هو عليه.
د- النقطة الرابعة تحت هذا العنصر وهي: "في بيان السياسة عند العرب قبل الإسلام":
والعربُ قبل الإسلامِ قد وُجد في بعض الممالِكِ عندهم -وخاصة في جنوب الجزيرة العربية- بعضُ القواعد، أو القوانينُ، أو التنظيمُ السياسيُّ في بعض المناطق، ولكن لم يكن للعرب في بلاد الحجاز نوعٌ من الحكومات المعروفة الآن، ولم يكن لهم قضاءٌ يحتكمون إليه، أو جهازُ أمنٍ يُقرُّ النظامَ ويحافظُ عليه، ولا حتى جيشٌ يدرأ عنهم الأخطارَ الخارجيةَ، ولم يكن ثَمَّة سلطة تضرب على أيدي المعتدين، وتُوقِعُ العقاب على المجرمين، وإنما كان الرجلُ المعتدَى عليه يثأر لنفسه بنفسه، وعلى قبيلته بعد ذلك أن تشدَّ أزرَه.
(1/11)
________________________________________
وقد وُجد في مكةَ نوعٌ من الوظائفِ التي لم تكن موجودةً في بلد من البلاد العربية؛ وذلك لمركزها الديني بين البُلدان، ووفود الحُجاج إليها من كل مكان، وقد كانت هذه الوظائفُ متمثلةً -مثلًا- في الحجابة والسقاية والرفادة، وقد اعتبر العرب هذا نوعًا من أنواع السلطات السياسية، ولكنَّ الأقربَ أنها وظائفُ شرفيةٌ، تَطَلَّبْتَها طبيعةُ البلاد، وظروفُ الحجاج، وليست نوعًا من أنواع السلطة السياسية.
ومما يؤكد الفراغَ السياسيَ التي كانت تعيشه بلادُ الحجاز، ما حصل عندما جاء أبرهةُ الأشرمُ؛ لهدمِ الكعبة، فخرج له عبدُ المطلبِ، وسأله أن يردَّ عليه إبلَه، ولم يناقشْهُ في مصير مكةَ وأهلِها، كما أن مكةَ اختلفوا في وضع الحجر الأسود عند تجديد بناء الكعبة، ولو كان هناك ثَمةُ سلطة سياسية في البلاد لكانت هي المرجعُ في مثل هذه المشكلة.
وقد عَرف العرب مع هذا نوعًا من الممارسات شبه السياسية، مثل: الأحلاف، والجِوار؛ وأحلاف الجاهلية منها ما هو على الخير: كحلف الفضول، الذي تعاقدت فيه بُطونٌ من قريشِ في دار عبدِ الله بنِ جدعانَ، على ألا يجدوا في مكة مظلومًا إلا قاموا معه؛ حتى تُردَّ عليه مظلمتُه، ومنها ما هو على الشر: كتحالف بطونِ قريشٍ على حصار النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابِه، وبني هاشم في شِعب أبي طالب.
وكان عندهم أيضًا الجوارُ: والجوار: هو الحمايةُ والمَنعةُ للمستجير، ولم يكن الجوارُ في الجاهلية مقصورًا على الحمايةِ من الظلمِ؛ بل تعدَّى بهم الأمرُ إلى إجارةِ الظالمينَ، وهو ما حرَّمه الإسلامُ، وتوعَّد فاعِلَه بالعذابِ.
ولقد كانت قبائلُ
(1/12)
________________________________________
العربِ قبل الإسلام متفرقةً متناحرةً، كما أخبر المولى - سبحانه وتعالى- عنهم؛ ممتنًّا على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: من الآية: 63).
ونحن نعلم ما كان عليه الحالُ بين الأوسِ والخزرجِ في المدينة، ولم تكن بقيةُ قبائلِ العرب بعيدةً عن هذا الواقِعِ، فقد كانتْ قلوبُهم شتَّى، تثور الحروبُ بينهم لِأتْفَهِ الأسبابِ.

أَبْرَزُ المَعالِمِ السياسيةِ الداخليَّةِ والخارجيةِ للدَّولةِ الإسلامِيةِ
أَنْتَقِلُ بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو بعنوان: "أَبْرَزُ المعالم السياسية الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- النقطة الأولى: أبرز التشريعات السياسية للدولة الإسلامية:
بعد أن أشرتُ إلى الأحوال السياسية قبل الإسلام عند غير المسلمين قبل البعثة، وعند عربِ الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، يحسنُ بنا هنا أن نوردَ بعضَ ما تضمَّنَه وما جاء به الإسلامُ من سياسةٍ فريدةٍ أسعدتْ الأفرادَ والمجتمعاتِ.
وأَبْدأُ بأبرز التشريعاتِ في ذلك فأقول:
بدأت الدولةُ الإسلاميةُ تتخذ طابعَها وتتشكل تشريعاتُها السياسية في شُئونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، وكان صاحبُ السلطةِ فيها هو رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وصحابتُه -رضي الله عنهم- هم أعوانُه ووزَراؤُه؛ شئونهم الداخلية والخارجية تحكمها الشريعةُ الإسلاميةُ، وكان من الصحابة -رضوان الله عليهم- الرضا والتسليم، وقد وصفهم ربُّهم- سبحانه وتعالى- بذلك بقوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (النور: 51).
وصحابةُ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هم ساداتُ المؤمنين، وجاء الشرعُ بما ينظم شئونَ الإنسانِ في كل المجالات، ومن ذلك ما يتعلق بالسياسة في كل مجالاتها الداخلية والخارجية،
(1/13)
________________________________________
يحددُ العلاقةَ بين الراعي والرعية، وبين أفرادِ الرعية مع بعضهم، يحدد لكلٍّ مسئولياته، ويعرفه بواجباته، فجاءتِ النصوصُ الشرعيةُ من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة ببيان هذه السياسةِ، ومنها على سبيل المثال:
قولُ الله- تبارك وتعالى-: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: من الآية: 38) وهذا فيه بيانٌ لطبيعة السلطة في الإسلام.
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (التوبة: 123) وفي هذا بيان لنوعٍ من العلاقة الخارجية.
وقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 179) وفي هذا حفظٌ للحدود، وإقامةٌ لها؛ كي تُحفظ النفسُ، ويُحفظ المالُ، وكلُّ ذلك في إطار تحقيق الأمن الداخلي للمجتمع.
هذه أبرز التشريعاتِ السياسيةِ للدولةِ الإسلاميةِ؛ وأعني بها: التشريعاتِ عمومًا.
ب- أَنْتَقِلُ بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعُنوان: ملامحُ السياسة الداخلية للدولة الإسلامية:
لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يستمدُّ سياستَه الداخلية لهذه الدولة الإسلامية من وحي الله -سبحانه وتعالى- ومن الصعب -في هذا اللقاء السريع- أن أحيطَ بجوانبِ السياسية الداخلية لهذه الدولة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وتنظيمِها، ولكن يمكن الإشارةُ إلى شيء من هذه السياسة وهذا التنظيم، الذي كان يقوم به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لتعرف الأمة شيئًا عن السياسةِ الداخليةِ للدولةِ الإسلاميةِ في عهدِها الأولِّ، وما يجب أن تكون عليه الحكوماتُ بعد ذلك:
فمن ملامحِ هذه السياسة: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يقوم بمهمة البلاغِ، فكان يتلقى الوحيَ ويبلغه للناس، وكان يدعو الناسَ للإسلام مع الحرص على التأليف بينهم، وكان
(1/14)
________________________________________
يحذِّرُهم -صلى الله عليه وآله وسلم- من الشرك، وكان يتولَّى الفصلَ في المنازعاتِ، وتعيينِ الوُلاةِ، وجمعِ الأموال الزكوية ونحوِها، وإنفاقها في مصارفها.
وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- يستشير أصحابَه فيما يستجدُّ له من الأمور، فقد ثبتتْ مُشاورتُه لهم في أمورٍ كثيرةٍ، والمشاورة لم تكن قاصرةً على أمور الحرب، أو الجانب العسكري فحسب؛ بل كانت تتعدى إلى ما وراء ذلك.
وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- يستخلفُ على المدينة حين غيابِه، أو يؤمِّر على البعوث والسرايا ونحوها، إذا لم يخرج هو -صلى الله عليه وآله وسلم- كما كان يحرص على توزيع مَهام الدولة توزيعًا دقيقًا، فكان هناك صاحبُ السر، وكان هناك الكتابُ -أعني: كتابَ الوحي- وكتاب الرسائل، وكتاب العُهود، والصلح والمواثيق، وكان هناك صاحبُ الخَتْم، وغير ذلك.
والنبيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- جعل مسئوليةَ حمايةَ البلدِ على كل قادر من أفراد الرعية، فلم يكن هناك جيشٌ محددٌ؛ بل كان -صلى الله عليه وآله وسلم- ينادي الناسَ بالجهاد، ثم يختار منهم مَن يصلح لذلك، مع اعتنائه -صلى الله عليه وآله وسلم- الكامل باختيار من يراه الأصلحَ؛ لخوض غِمار هذه الحروب، والمَهام العسكريةِ.
هذه أبرزُ الملامحِ السياسية الداخلية للدولة الإسلامية في عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم.
جـ- أَنْتَقِلُ إلى نقطة أخرى تحت هذا العنصر وهي بعنوان: العلاقاتُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية:
تتمثل العلاقةُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية في عهد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- مع غيرِها بمظاهرَ، منها:
أولًا: الدعوةُ والجهادُ: كانت العلاقاتُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية مع غيرها من الدول مبنيةً على أساس الدعوةِ إلى الله -سبحانه وتعالى- ولم يكن من سياسةِ الدولة
(1/15)
________________________________________
الإسلامية اللجوءُ إلى الحرب إلا بعد عِدة مراحلَ، وكان من السياسة القتالية الإسلامية تحقيقُ الهدف بأدنى حد من الخسائر حتى في صُفوفِ العدوِّ، وذلك بالنهي عن قتل الشيوخ، والنساء، والأطفال، وعدم قطع الأشجار.
ويدل على ذلك أن رسولَ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان إذا أَمَّر أميرًا على جيش أو سَرية أوصاهُ في خاصتِه بتقوى الله، ومَن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: ((اغزوا بِسم الله في سَبيلِ اللهِ، قاتلوا مَن كَفَرَ باللهِ، اغْزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تَمْثُلُوا، ولا تقتلوا وَلِيدًا)) وهذا في الحقيقة مظهرٌ جميلٌ من مظاهر الإسلام، وحرصِه على عدم سَفْكِ الدماء.
وكان القتالُ في الإسلام -كما هو معلوم، وسيأتي حديثٌ لذلك مستقِلٌّ إن شاء الله تعالى- له أهدافٌ يحققها، وكانت من ورائه متطلباتٌ تدعو إليه، وإذا وقَعَ بعد استنفاذ الجَهد في ذلك، كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في هذا الحديث- يحذرُ من الغدر والخيانة، أو التمثيل بالأعداء، أو قتلِ الأطفال والنساء والشيوخ، وهذا في الحقيقة من عَظَمة دينِ الله -تبارك وتعالى- ونحن نردُّ به على مَن يتهمون الإسلامَ بالإرهابِ، أو العنفِ، أو ما إلى ذلك.
أيضًا من مظاهر العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية إرسالُ الرسلِ والرسائل:
حيث كان النبيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- يبعثُ مع بعضِ صحابتِهِ مِن الرسائل الدعوية إلى المُلوك وغيرهم، ومنها -مثلًا-: كتابه -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى هِرقلَ عظيمِ الروم، الذي أرسل به دِحيةَ بنَ خليفةَ الكلبيَّ -رضي الله عنه- وكتابه أيضًا إلى كسرى عظيمِ فارس، الذي أرسل به عبدَ اللهِ بنَ حُذافةَ السُّهميَّ، وكتابه إلى النجاشي ملك الحبشة، الذي أرسل به
(1/16)
________________________________________
عمروَ بنَ أميةَ الضمريَّ، وكتابه إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية، الذي أرسل به حَاطِبَ بنَ أبي بلتعةَ، إلى غير ذلك من الكُتُب التي بعث بها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من الملوك، وغيرهم.
وكان الهدفُ منها دعوةَ هؤلاء الناس إلى الله -تبارك وتعالى- وهذا أيضًا في الحقيقة بيانٌ لوظيفة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في البلاغ، وأنه كان يتحرَّى بدعوته الناس جميعًا.
وهذا من العلاقات الخارجية في الحقيقة للدولة الإسلامية.
ومن العلاقات أيضًا الخارجية للدولة الإسلامية العهود والمواثيق:
فالعهودُ والمواثيقُ نوعٌ من العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية مع غيرها، فقد كانت تُعقد عهودٌ ومواثيقٌ في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وما زال المسلمون -إلى يومنا هذا- يحتاجون إلى إجراء هذه العهود، وتِلْكُمُ المواثيقِ مع الدول الأخرى، والبلاد المختلفة.
وقد أجرى النبيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- صلحًا مع كفارِ قريشٍ، وقد سمَّى الحق -تبارك وتعالى- هذا الصلحَ فتحًا، كما في قول الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} (الفتح: 1) رغم أنَّ الناظرَ في بنود هذا الصلح قد يجدُ أنَّ فيه إجحافًا بالإسلام والمسلمين، ولم يرْضَهُ في أول الأمر بعضُ الصحابة، ولكنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي كان يتبع الوحيَ، وكان مؤيدًا بتأييد الله -تبارك وتعالى- له، أجرى هذا الصلحَ وهو يعلم أن لهذا الصلحِ -الذي أجراه- ثمارًا جليلةً عظيمةً، فقد كان صلحُ الحديبية بمثابةِ النصر للدولةِ الإسلاميةِ، وانتشارِ الإسلام بشكلٍ أوسعَ في الجزيرة العربية وما حولها.
ومن أبرز نتائجه:
أن هذا الصلحَ كان مقدمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز اللهُ به رسولَه -صلى الله عليه وآله وسلم- وجندَه، وأيضًا من نتائجه: اعترافُ قريشٍ بمكانة المسلمين كفريق قوي، تُبرَمُ معه المعاهداتُ.
(1/17)
________________________________________
ومن ثماره أيضًا: تَفَرَّغَ الرسولُ -صلى الله عليه وآله وسلم- لمخاطبة قادةِ بعضِ الدول -كما أشرت سابقًا: كقيصر، وكسرى، والنجاشي، وأمراء الأعراب، ودعوة هؤلاء جميعًا إلى الإسلام.
وكان من ثماره: تفرغ الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- لمحاربة اليهودِ، حيث خرج رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بعد نحوٍ من شهرينِ إلى غَزوةِ خَيبرَ.
وبهذا تتضحُ لنا أبرزُ المعالمِ للسياسةِ الخارجيةِ للدولةِ الإسلاميةِ.

خَصَائِصُ النِّظامِ السياسيِّ في الإسْلامِ
أَنْتَقِلُ بعد ذلك إلى العنصر الثالث في هذا اللقاء وهو بعنوان: خَصائِصُ النظام السياسي في الإسلام:
وهذا في الحقيقةِ عُنصرٌ مُهِمٌّ؛ لأنه يبين أيضًا مكانةَ هذا الدين، وكيف أن الإسلامَ سارَ بالمسلمين وسلكَ بهم مَسلكًا حسنًا، وأن نظامَه السياسي كغيرِه من الأنظمة هو أحدُ مفرداتِ منظومةِ دينِ الإسلامِ، كالتربية الإسلامية مثلًا، وما إلى ذلك.
وهذه الخصائصُ الخالدةُ التي جاء بها الإسلامُ تُبرِزُ دورَه في أنه دينٌ إلهيٌّ، جاء لِيُقَوِّمَ حياةَ الأفراد والمجتمعاتِ.
لهذا سأذكرُ هنا -إن شاء الله تبارك وتعالى- أهمَّ خصائصِ النظام السياسي في الإسلام؛ لنعرِفَ أيضًا عظمةَ هذا الدين، الذي جاء به النبيُّ الأمينُ -صلى الله عليه وآله وسلم.
أُولَى خصائصِ النظام السياسي في الإسلام: الربانيةُ:
وهذه الربانيةُ تتمثل في رَبانيةِ المصدر وربانية الوِجهةِ؛ أما ربانيةُ المصدِر: فلها ثمارٌ عديدةٌ، ومعنى ربانية: يعني: أن هذا النظام جاء من عند الرب الخالق -جل في علاه- الالتزامُ بما جاء من عند الله سبحانه له ثمارٌ عديدة، منها:
العِصمةُ من التناقض، وأيضًا: البراءةُ من التحيز والميل لمصلحة طائفة من البشر، أو بلد دون آخر، وأيضًا: الاحترامُ وسهولةُ الانقيادِ، وأيضًا: التحرُّرُ من عُبُودية الإنسانِ للإنسان، والعبوديةُ هي: الذلُّ والخضوعُ والانقيادُ، وقد انحرفتِ الأنظمةُ السياسيةُ الوضعيةٌ بتذليل
(1/18)
________________________________________
الأَتْبَاع للمتبوعين، وانحرفت في جانب آخر من جوانب العبودية وهو أنَّ السادةَ قد يُحرِّمون على أَتْبَاعهم مَا يَشَاءُونَ، وَيُحِلِّلُون لهم ما يشاءون.
أما في الإسلامِ فالمشرعُ هو الله -تبارك وتعالى- فلا ربَّ سواه، ولا عبوديةَ لأحدٍ إلا لَهُ هو.
وهذا معنى رَبانيةِ المصدر.
أما ربانيةُ الوِجهة: فمعناها: أن يبتغي الإنسانُ بعمله ربَّ العزةِ والجلال - سبحانه وتعالى- فالإنسانُ المسلمُ هو الذي تكون أعمالُه كلُّها لله - سبحانه وتعالى- كما قال -جل ذكره-: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 161، 163) هكذا يُعلن الإنسانُ المؤمنُ تَوجُّهَهُ لله -سبحانه وتعالى- في جميعِ أمورهِ، ومن جملتها: منهجه السياسي الذي يسير عليه.
ولعلكم تلاحظون: أن الأمرَ في هذه الآية مُوجَّهٌ للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أولًا: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} وإذا كان إمام الدولة خاتَم الأنبياء والمرسلين -صلوات الله وسلامه عليه- الذي يتلقى الوحيَ من ربه، هو أولُ العابدين لله، هو أولُ الخاضعين لله، هو أولُ المستجيبينَ لله، فلا شكَّ أن غيرَه من بابِ أولى، والعملُ بالنظام السياسي الإسلامي أمرٌ يُتعبَّدُ اللهُ -تبارك وتعالى- به.
فالسياسيُّ المسلمُ هو الذي يسيرُ على شَرْعِ الله، مُخلصًا في ذلك نيتَه لله -تبارك وتعالى- ولا شكَّ أنه مأجورٌ عند الله -سبحانه وتعالى- على عملهِ، ويدل على ذلك حديثُ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي يقول فيه: ((سَبْعةٌ يُظلهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه ... )) وذكر منهم: ((الإمام العادل)).
وفي المقابل فإن مَن أعرَضَ عن السياسةِ الإسلاميةِ وعَمِلَ بخلافِها، فإنَّه ولا شك معرَّضُ للعقوبة من الله -سبحانه وتعالى- ويدل على ذلك قولُ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((ما مِن عبدٍ اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعَيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ، إلَّا لَمْ يَجِدْ رائحةَ الجنةِ)).
(1/19)
________________________________________
الخاصيةُ الثانيةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام: الشمولُ:
النظامُ السياسيُّ في الإسلام كما أنه نِظامٌ رَبانيٌّ فهو أيضًا نظامٌ شاملٌ يشملُ الدنيا والآخِرةَ، يشمل جميعَ الأفرادِ والمجتمعاتِ، يلبي حاجاتِ المجتمعاتِ في أي عصرٍ، وفي أي مصرٍ، وفي أي زمانٍ، وفي أي مكانٍ؛ لأن مصدرَه اللهُ -تبارك وتعالى- الخالقُ، وهو القائل في كتابه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام: من الآية: 38).
فالنظامُ السياسيُّ في الإسلام لم يأتِ قاصرًا على ما يَهُم الحاكم، أو على ما يهم المحكوم؛ بل جاء شاملًا لكل ما يحتاجُه النظامُ من بيانٍ لواجبات الأمير وحقوقِه، وواجبات المأمور وحقوقه، وجاء أيضًا بما يُنظم علاقةَ الدولةِ الإسلاميةِ بغيرِها من الأمم والشعوب، من المسلمين وغير المسلمين، ويدل على هذا الشمول قولُ الحق -تبارك وتعالى-: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: من الآية: 89).
قال ابنُ الجوزيِّ -رحمه الله تبارك وتعالى في تفسير هذه الآية-:
لكل شيء من أمور الدِّينِ إما بالنصِّ عليه، أو بالإحالةِ إلى ما يُوجِبُ العلم، مثل: بيانُ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أو إجماعُ المسلمين؛ وعن أبي ذر -رضي الله تبارك وتعالى عنه- قال: "لقد تركنا محمدٌ -صلى الله عليه وآله وسلم- وما يُحرِّكُ طائِرٌ جَناحَيْهِ في السماء إلا ذَكَرَ لنا منه عِلْمًا".
وهذا في الحقيقة واضحٌ من خلال التشريعاتِ الربانيةِ التي جاءت من عند الله -تبارك وتعالى- لأنه من المعلومِ أن اللهَ -عز وجل- أكملَ لنبيه الدينَ، وأتم بذلك علينا نعمتَه، ورضي لنا الإسلامَ دينًا، ولم يقبضْ ربُّ العزة والجلال نبيَّه وحبيبَه ومصطفَاهُ -صلوات الله وسلامه عليه- إليه إلا بعد أن بلغ البلاغَ المبينَ، واللهُ -عز وجل- أنْزَلَ عليه في عَرفاتٍ في حَجَّة الوداع قولَه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ} (المائدة: من الآية: 3).
وهذا يدلُّ بوضوحٍ على أن الإسلامَ لم يدعْ شيئًا يحتاج إليه الفردُ أو الجماعةُ إلا وأتى به، ومن ذلك ما يتعلق بالنظام السياسي
(1/20)
________________________________________
الخاصيةُ الثالثةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام هي: العالميةُ:
النظامُ السياسيُّ في الإسلام له صفةُ العالميةِ؛ لأنه منزلٌ لجميع الناس على حدِّ سواء، وصالحٌ لهم جميعًا بِحَسَبِ طبيعتهمِ الإنسانيةِ، بغض النظر عن الجنسِ أو اللونِ أو اللغةِ، وبصرف النظر عن المكان والزمان، فالدينُ الإسلاميُّ وما جاء به من النُّظُمِ له هذه الخاصيةُ في الزمان والمكان، فعالميةُ الزمانِ تعني: أنها صالحةٌ إلى قيام الساعة، وعالمية المكان تعني: أنها صالحةٌ على أي جزء من أجزاء المعمورة، فهي صالحةٌ للناس جميعِهم على اختلافِ أجناسهِمْ ولغاتِهِمْ.
ولقد جاءتْ الآياتُ والأحاديثُ ببيان هذه الصفةِ، ومن ذلك: قولُ الحق -تبارك وتعالى- في كتابه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (الأعراف: من الآية: 158) وقال اللهُ -عز وجل- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وخاطَبَهُ بذلك: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107) صلوات الله وسلامه عليه.
فَبِعثَةُ النبيِّ -عليه الصلاة والسلام- بِعثةٌ عامَّةٌ، بعثةٌ شاملةٌ، ليست محدودةً، ولَا لَقَوْمٍ دونَ قومٍ، كما كان الحالُ عليه الأنبياء السابقين قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ولذلك نجد أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- ذكرَ في حديثهِ أنه فُضِّلَ على الأنبياءِ بفضائلَ، كقوله: ((فُضلتُ عَلَى الأنبياءِ بِخَمْسٍ ... )) وفي رواية: ((بِست ... )) وذكر منها -صلى الله عليه وآله وسلم- قوله: ((وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه خَاصةً، وبُعِثْتُ إلى الناس عَامةً)).
ولهذا أخبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن هذا الدينَ سيبلغُ الآفاقَ، وذلك في قوله: ((ليبلغنَّ هذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ والنهارُ)) ويعني بهذا: ((الأمر)): الدينَ والوحيَ والتشريعَ الذي بُعثَ به -صلى الله عليه وآله وسلم- وذكر أنَّ اللهَ -عز وجل-: ((لا يتركُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَر إلا أدخلَهُ اللهُ هذا الدينَ، بِعِزِّ عَزيزٍ أو بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بهِ الإسلامَ، وذلًّا يُذِلُّ اللهُ بهِ الكُفْرَ)).
(1/21)
________________________________________
ولأنَّ الإسلامَ هو آخرُ الأديانِ ولا دينَ بعده، فلا بد أن يكون صالحًا لكل زمانٍ ومكانٍ إلى قيام الساعةِ، كما أنَّ بقاءَ المصدرِ الأصليِّ لهذا الدين سليمًا لم يُحرَّفْ دليلٌ قاطِعٌ أيضًا على عالَميةِ هذا الدينِ وأنظمتِه باختلاف أنواعِها.
ويدل على هذه العالميةِ قولُ الحق -تبارك وتعالى-: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: من الآية: 89) كما يدل على بقاء هذا المصدرِ دونَ تحريفٍ أو تبديلٍ أو تغييرٍ ليلبيَ احتياجاتِ البشر على مدى الأزمانِ والعُصُورِ قولُ الحق -تبارك وتعالى- في القرآن الكريم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9).
الخاصيةُ الرابعةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام: الوسطيةُ:
جاء الإسلامُ وَسَطًا في عقيدتِه، ووسطًا في شريعتِه، وذلك بين الغُلُوِّ والتقصيرِ، وكذلك أيضًا وسطًا في أنظمتِه، ومن جُملتِها: النظامُ السياسيُ في الإسلام، فلا هو نِظامٌ دِيكْتَاتُوريٌّ مُفْرِطٌ، ولا نظامٌ دِيمُقراطيٌّ مُفَرِّطْ، وهو بهذا خيرُ نظامٍ عَرَفَتْهُ البشريةُ.
وسمةُ الوسطيةِ من السماتِ الجليلةِ العظيمةِ لدين الإسلام -تبارك وتعالى- والدينُ الإسلاميُّ وسطٌ في كلِّ الأمور بين الإفراطِ والتفريطِ، وقد وَصَفَ اللهُ -سبحانه وتعالى- هذه الأمةَ بالوسطيةِ في كتابه، فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: من الآية: 143).
والوسطُ هو العدلُ الخِيارُ.
ولهذا، كانتْ هذه الأمةُ وكان هذا الدينُ متميزًا بهذه المَيزةِ الجليلةِ، ألا وهي الوسطيةُ، وبهذا ارتفعَ على جميعِ الأديانِ، وهيمنَ عليها، وهو بحقٍّ دينُ التوسطِ والاعتدالِ، ونحن إذ نُقدِّمُه للبشرية نقدمه بهذه السماتِ والصفاتِ الجليلةِ العظيمةِ الرفيعةِ العاليةِ.
الخاصيةُ الخامسةُ والأخيرةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام: موافقةُ الفِطرةِ:
هذا الدينُ الذي جاء من عند الله -عز وجل- يتفقُ مع الفطرةِ البشريةِ، ويوافقُ
(1/22)
________________________________________
قدراتِ الإنسانِ وإمكانياتِه وحاجاتِه، ولذلك يمكن أن نقولَ بأنَّ الدينَ جاء موافقًا للفِطرة الإنسانيةِ، واللهُ -عز وجل- قد فَطَرَ عبادَه على الإسلام، فَإِذَنْ الإسلامُ -بِناءً على ذلك- يتفقُ ويوافقُ الفطرةَ؛ قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} (الروم: من الآية: 30).
ويقولُ الرسولُ -صلى الله عليه وآله وسلم- كما في حديث أبي هريرة: ((كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطرَةِ ... )) والتغييرُ يأتي على الإنسانِ بعدَ ذلك نتيجةَ المجتمع الذي الذي يعيشُ فيه؛ ولذلك قال: ((فأبَواهُ يُهوِّدَانِهِ، أو يُنصرانِهِ، أو يُمجِّسانِهِ)).
وموافقةُ الفطرةِ في المجالِ السياسيِّ الإسلاميِّ يَظهَرُ في أُمورٍ متعددةٍ؛ الإتيان بالأنظمة والتشريعات السياسية الممكنةِ التطبيقِ في واقعِ البشرِ، فالتشريعاتُ والأنظمةُ السياسيةُ ممكنةُ التطبيقِ في واقع البشرِ، كذلك أيضًا مما يُوافقُ الفِطرةَ في المجال السياسي الذي جاء به الإسلامُ هو أنَّ النظر إلى الحاكمِ في الإسلام على أنه بَشرٌ، له حقوقُهُ، وعليه واجِباتُهُ، ويُنظرُ أيضًا إلى المحكوم على أنَّه بشرٌ، له حقوقٌ، وعليه واجباتٌ، وهذا في الحقيقةِ أيضًا مِن سَمَاحةِ وعَدْلِ الإسلامِ.
هُناك خاصيةٌ أخرى من خصائص النظام السياسي في الإسلام، وهو أنه: نِظامٌ أخلاقيٌّ، ويشمل ذلك أمرينِ:
الأمرُ الأولُ: إتيانُهُ بالتشريعاتِ الأخلاقيةِ الفاضلةِ، وحثُّ الناس على الالتزام بها.
ثانيًا: أنَّ الغايةَ في الإسلامِ لا تُبِرِّرُ الوسيلةَ -كما هو الحالُ في كثيرٍ من الأنظمةِ السياسيةِ.
ومن المُلاحظِ: أنَّ الصِّبغةَ الأخلاقيةَ الظاهرةَ مَيْزَةٌ واضحةٌ للنظامِ السياسيِّ في الإسلامِ عن سائرِ الأنظمةِ السياسيةِ القديمةِ والمعاصرةِ، فالإسلامُ إلى جانبِ أنه أتى بأنظمةٍِ متعددةٍِ راعَى في هذه الأنظمةِ الأخلاقَ الكريمةَ التي جاء بها النبيُّ الأميُّ محمدُ بنُ عبد الله - صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/23)
________________________________________
وهذه الخصائصُ تجعل النظامَ السياسيَ في الإسلامِ في أعلى مَراتبِ الأنظمةِ في العَالَمِ كلِّهِ، وبالتالي نحن ندعو المسلمينَ جميعًا إلى أن يلتزموا -أولًا- بالنظامِ السياسيِّ في الإسلامِ، وندعو غيرَ المسلمين إلى أن يقفوا على جَمَالِ الإسلامِ بخصائِصهِ التي جاء بها.
وأَكْتَفَي بهذا، وَصِلِّ اللهمّ وسلِّمْ وبَاركْ على نبينا مُحمدٍِ، وعلى آلِهِ، وصحبِهِ، وسَلَّم.

2 - أَثَرُ الإسلامِ في الاجتماعِ

نِظامُ المجتمَعِ في الإسلامِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
فهذه هي المحاضرة الثانية في سلسلة هذه المحاضرات، وهي تحت العنوان السابق: "الدعوةُ وصلتُها بالحياة".
وسأتكلمُ في هذه المحاضرة عن الموضوع الثاني تحت هذا العنوان الكبير، وهو: "أثرُ الإسلام في الاجتماع" وتنقسم هذه المحاضرة إلى عناصر متعددة:
العنصر الأول: نظام المجتمع في الإسلام؛ ويشتمل على النقاط التالية:
أ- أهمية النظام للمجتمع:
من الحقائق الثابتة التي أشار إليها العلامة ابنُ خلدون في مقدمته: أن الاجتماع الإنساني ضروري، وهو ما يُعبر عنه بقول بعضهم: الإنسان مدني بالطبع، ومعنى ذلك: أن المجتمع ضروري للإنسان وهو ما يؤيده الواقع، فالإنسان يُولد في المجتمع ويعيش فيه ويموت فيه، وإذا كان المجتمع ضروريًّا للإنسان ولا بد من وجوده، فإن النظام على أيِّ نحوٍ كان ضروريًّا للمجتمع، لا يُتصور وجوده بدونه؛ لأن الأفراد لا يمكنهم العيش بحرية مطلقة داخل المجتمع، وإلا كان في ذلك هلاكُهم أو اضطراب حياتهم، وانقلاب مجتمعهم إلى مجتمع حيوانات كالذي نشاهده في الغابات.
ولهذا كان لا بد من نظام للمجتمع يتضمن الحدود التي يجب أن يقف عندها الجميع، والضوابط العامة التي يجب أن يلتزموا بها في سلوكهم؛ حتى يستطيعوا العيشَ بأمان واستقرار.
(1/24)
________________________________________
وإذا كان لكل مجتمع نظام على نحوٍ ما، فإن هذا النظام لا بد له من أساس وأصول يرتضيها المجتمع، ويقوم عليها نظامه الذي يسير بموجبه، والنظام يكون صالحًا أو فاسدًا تبعًا لصلاح أو فساد أساسه وأصوله التي يقوم عليها؛ لأن الفرعَ يتبع الأصل في الصلاح والفساد، وإذا كان نظام المجتمع قد يكون صالحًا أو فاسدًا فإن صلاحه وفساده ينعكس على أفراده، ويتأثرون به، ويتحمَّلون تَبعاتَه فيسعدون به، أو يشقَون.
وعلى هذا فيجب على مَن يريد الخير لنفسه ولمجتمعه أن يبحث ويتحرى عن الأساس الصالح الذي يقوم عليه نظام المجتمع؛ ويسعى لتثبيت هذا الأساس، وإقامة نظام المجتمع عليه.
والواقع أن الإسلام كفانَا مئونةَ البحث والتحري عن هذا الأساس الذي يقوم عليه النظام الصالح والمجتمع؛ كما كفانا مئونة البحث عن طبيعة هذا النظام الصالح وخصائصه، مما يجعل الأمر سهلًا ميسورًا لبناء مجتمع صالح الذي يسعد به الناس جميعًا.
ب- وبناءً على ما قلتُ، أنتقل إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: أساس نظام المجتمع في الإسلام؛ لأنه إذا كان المجتمع الصالح لا يسعد إلا إذا كان النظام صالحًا، وقد ذكرتُ أن الإسلام كفانا مئونة ذلك.
فلنتعرف الآن في هذه النقطة على: أساس نظام المجتمع في الإسلام:
إن أساس نظام المجتمع في الإسلام هو العقيدة الإسلامية؛ لأن المطلوب من كل إنسان أن يحمل هذه العقيدة، ليعرف مركزَه في الحياة، وعلاقته بالكون والغرض الذي من أجله خُلق، وهذه العقيدة هي الموجهة لأفكار الإنسان وسلوكه، وسائرِ تصرفاته، ولا يمكنه التخلي عنها في شأن من الشُئون.
وحيث إن الإنسان اجتماعيٌّ بالطبع -كما قلنا- فمنِ البَدهي أن تكون العقيدة الإسلامية هي الموجهة له في بناء هذا المجتمع، أو بكلمة أخرى يجب أن تكون العقيدة الإسلامية
(1/25)
________________________________________
هي الأساس لبناء المجتمع ونظامه؛ حتى يعملَ الأفراد في ضوء عقيدتهم كأفراد وأعضاء في المجتمع، كما يعمل المجتمع كجماعة منظمة في ضوء هذه العقيدة التي يحملها أفرادُه، ويترتب على ذلك أن كل من يحمل هذه العقيدة، ويدين بها ويلتزم بمقتضاها يكون أهلًا للانتماء إلى هذا المجتمع الإسلامي، فيصبح عُضوًا فيه، ويساهم في بقائه وتحقيق أغراضه، والتمتع بمزاياه، وتحمل تبِعاته، مهما كان جنسه، أو نوعه، أو لونه، أو لغته.
والحقيقة أن تقديم الإسلام هذا الأساسَ لإقامة المجتمع البشري كان حدثًا ضخمًا وفريدًا في التاريخ البشري، ما كان الناس يعرفونه ولم يخطر ببالهم؛ فالرومان واليونان والفرس والعرب قبل الإسلام أقاموا مجتمعاتِهم على أساس الجنس، أو القبيلة، أو السلالة، أو الإقليم، وبنَوْا على هذا الأساس أباطيلَ كثيرةً، تولَّد عنها الظلم والبغي وإهدار كرامة الإنسان، فلما جاء الإسلامُ بهذا الأساس الجديد لبناء المجتمع ونظامه كان ذلك انقلابًا هائلًا في الحياة البشرية؛ تكريمًا للإنسان، ووضعًا للأمور في نِصابها.
فليس من اللائق بالإنسان بناءُ مجتمعه على أساس الجنس أو القبيلة أو الإقليم كما كانت تفعل المجتمعات الجاهلية قبل الإسلام؛ ذلك لأن أصل البشر واحد، ولا يمكنه حجبَ هذه الحقيقة لاختلاف الناس بالأنساب والأجناس؛ لأن أجناسهم وشعوبهم المختلفة كالأغصان للشجرة الواحدة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} (النساء: من الآية: 1).
وفي الحديث الشريف: يقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((كلكم لآدم، وآدمُ من تراب ... )) وكذلك لا معنى لاتخاذ الإقليم أساسًا للمجتمع البشري؛ لأن الأرض خلقها الله للناس، فهي إقليمهم، وهي وطنهم المشترك، قال تعالى: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} (الرحمن: 10).
(1/26)
________________________________________
وأيضًا فإن الجنس والقبيلة والسلالة لا يصلح واحد منها أن يكون أساسًا للمجتمع البشري؛ لأنه بطبيعته ضيق لا يمكنه أن يسعَ الناس جميعًا، فليس بمقدور أحد أن يكون من هذا الشَّعب أو القبيلة أو الجنس بعد أن خلقه الله من غيرها، وإنما الممكن المقدور للإنسان أن يعتنق العقيدة الإسلامية، فيكون من أعضاء المجتمع الإسلامي، ومن يرفض اعتناق هذه العقيدة فإن الإسلام والعقيدة الإسلامية والمجتمع الإسلامي لا يرفض قَبوله فيه إذا رغب هو في الانتماء إليه؛ بشرط إعلان ولائه له، وخضوعه لنظامه عن طريق عقد الذمة، وفي هذه الحالة سيجد غيرُ المسلم مكانًا أمينًا في هذا المجتمع الفكري، ويتمتع بحقوق العامة والخاصة، وبحماية تامة لنفسه وماله وعرضه.
وعلى هذا، فقول البعض: إن إقامة المجتمع على أساس العقيدة الإسلامية بغير اضطهاد غير المسلمين، وإكراههم على تبديل دينهم قولُ باطل هو من قبيل التشويش والتضليل والجهالة؛ لأن الإسلام يقرر: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين} (البقرة: من الآية: 256) والفقهاء يقررون قاعدةَ: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

خَصائِصُ النِّظامِ الاجتماعيِّ في الإسلامِ
أنتقلُ بعد ذلك إلى العنصر الثاني من عناصر هذه المحاضرة، وهو بعنوان: خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- المعالم البارزة لخصائص النظام الاجتماعي:
بعد أن بينت أساس النظام الاجتماعي في الإسلام، وما يترتب على هذا الأساس، أود أن أبين هنا خصائص هذا النظام، أو معالمه البارزة، وهذا أمر مهم للغاية، والواقع أن خصائصه مشتقة من أساسه، أو قائمة عليه، وهي كثيرة، أهمها:
مراعاة الأخلاق، والالتزام بمعاني العدالة، والعناية بالأُسرة، وتحديد مركز المرأة في المجتمع، وتحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع.
(1/27)
________________________________________
وسأتكلم -إن شاء الله تعالى- عن هذه الخصائص أو المعالِمِ بشيءٍ من الإيجاز:
أولًا: مراعاة الأخلاق؛ تعلمون جميعًا أن للأخلاق منزلةً رفيعةً في الإسلام، ولها آثار ظاهرة في مختلف أنظمتِه، ومنها النظام الاجتماعي، فهذا النظام يمتاز بحرصِه الشديد على طَهارة المجتمع ونظافته من القبائح والرذائل، فالزنا محرم وعقوبته الجَلد والتغريب، أو الرجم على ما هو معلوم في حالاته.
والقذف -وهو رمي الغير بالزنا- محرم، وعقوبته الجلد؛ لئلا تعتاد الألسنة على هذا القول البذيء فَتَأْلَفُهُ، وفي هذا تلويثٌ للمجتمع، وتسهيل لوقوع الفاحشة؛ ولهذا كان عقابه غليظًا، ولكنه عادل، ويتفق ورعاية الأخلاق الفاضلة، وبَذاءة اللسان مثل السّباب والشتم محظورةٌ في الإسلام، وعقوبته التعزير.
والقمار بأنواعه محرم في شرع الإسلام، ولا يقره المجتمع الإسلامي، وشهادة الزور من الكبائر، والتجسس، والغَيبة، والنميمة، وكل ما يُوقع العداوةَ والبغضاءَ بين أفراد المجتمع منكراتٌ لا يقبلها النظام الاجتماعي في الإسلام.
والمعاملات يجب أن تقوم على الطُّهر، وحسن النية، والأمانة، فلا يجوز الخداع، والتضليل، والغش، والكذب في أيةِ معاملةٍ بين الناس، والمنكرات لا يجوز إقرارها في المجتمع أبدًا؛ لأنها كالجراثيم، إن بقيت انتشرت وصارت كالوباء؛ ولهذا يشدد الإسلام النَّكيرَ على مَن يظهر هذه المنكرات، أو يتكلم بها إذا جرَّه الشيطان إليها، ويجعل إعلانها والتحدث بها جريمة ثانية.
فقد جاء في الحديث: ((أيها الناس، من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات فاستتر فهو في سِتر الله، ومن أبدى صفحتَه أقمنَا عليه الحد)).
وفي النظام الاجتماعي الإسلامي جملةٌ من الوسائل الوِقائية التي تقي المجتمع من الأسواء والمنكرات، وتسدُّ المنافذَ والثغراتِ في وجه الشيطان، وهذه الوسائل لازمة، ولا يجوز تجاوزُها، فلا يجوز للمرأة -مثلًا- أن تخلوَ برجل غير زوجها أو من محارمها، وإذا خرجتْ من بيتها فيجب أن يكون لباسُها شرعيًّا.
(1/28)
________________________________________
ومن مظاهر مراعاة الأخلاق في النظام الاجتماعي الإسلامي التوادد والتراحم والتعاطف بين أفراده، فإن الإسلام دعا إليها، وقد شبه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حالَ المؤمنين في التراحم بمثَلٍ عظيم، فقد جاء في الحديث: ((مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتعاطفِهِم وتراحمِهِم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عُضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى)) وفي الحديث الآخر: ((الراحمون يرحمُهم الله تعالى، ارحموا مَن في الأرض يَرْحَمْكُم مَن في السماء)).
وفراغ القلب من معاني الرحمة علامةٌ على شِقوة الإنسان، جاء في الحديث: ((لا تُنزع الرحمةُ إلا من شقي)).
والشفقة على الصغار والأولاد من علامات عمارة القلب والرحمة؛ جاء عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: ((قَبَّلَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الحسنَ بنَ عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- وعنده الأقرعُ بن حابس، فقال الأقرعُ: إن ليَ عشرةً من الوَلَد، ما قبَّلت منهم واحدًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: مَن لا يَرحم لا يُرحم)).
وفي القرآن الكريم في وصف صحابةِ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح: من الآية: 29).
فالتراحمُ بين المؤمنين من الصفات الأصلية فيهم، وتجعل المجتمع الإسلامي كالأُسرة الواحدة، والحق أنَّ مجتمعًا يصل فيه التراحمُ إلى هذا الحد لمجتمعٌ سعيدٌ حقًّا، ومع الرحمة تعاون نظيف على الخير، وأيد كريمة تمتد إلى كل ما هو محتاج؛ لأن الإسلام دعا إلى التعاون، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: من الآية: 2).
وهذا التعاونُ المطلوبُ يشمل الأسرةَ، والجيرانَ، والأصحابَ، والرفيقَ في السفر، والمنقطعَ، والغريبَ، واليتيمَ، والمسكينَ، وكلَّ ذي حاجة في المجتمع الإسلامي، قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
(1/29)
________________________________________
وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (النساء: من الآية: 36).
وفي السنة النبوية جملةٌ من الأحاديث في باب التعاون؛ منها: ((مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كُربة فرج الله عنه كربةً من كرب يومِ القيامةِ)) وفي الوصية بالجار ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في قوله: ((ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه)).
والتعاون المطلوب لا يقف عند حد إعانة المحتاجين فقط، وإنما يتجاوزه إلى آفاق واسعة ومجالات مختلفة؛ لأن دائرتَه أعمالُ الخير وهي واسعة جدًّا، فالتعاون على تشييد مسجد، أو فتح مدرسة، أو إنشاء مستشفى، أو بناء قَنطرة، أو طَبْعِ كتابٍ نافعٍ يخدم الإسلام، والتعاون على إزالة منكر، أو فساد، أو ظلم، أو صد عدوان، ونحو ذلك، كلُّه من التعاون المطلوب؛ لأنه تعاونٌ على البر، وتعاون على إزالة الفساد والمنكرات، وبالتالي، إقامة الأخلاق ومراعاتها.
أيضًا من خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام أو معالمه البارزة: الالتزام بمعاني العدالة:
والالتزام بمعاني العدالة من أنواع الأخلاق الفاضلة؛ بل في ذِروتها، وإنما أفردْتُها هنا بالذكر؛ لأهميتها، ولتشعبها، وتعددِ مظاهرها، وبروزها في النظام الاجتماعي الإسلامي.
ومما يدل على أهمية العدل في الإسلام ورود الآيات الكثيرة فيه بالدعوة إليه بصورة عامة أو خاصة؛ فمن الآيات التي تأمر بالعدل بصورة عامة قول الله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل: 90).
ومن الآيات التي أمرت بالعدل في مسائل معينة:
(1/30)
________________________________________
العدل في القول، وذلك كما جاء في قوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام: من الآية: 152).
والعدل في الكتابة كما جاء في قوله: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} (البقرة: من الآية: 282).
والعدل في الحكم: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (النساء: من الآية: 58).
ومن هنا كان الحسابُ يوم القيامة -أيضًا- بالعدل؛ لأن اللهَ هو الحَكَمُ العَدْلُ، فلا تُظلم نفس شيئًا، قال تعالى: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} (يونس: من الآية: 54) وقال سبحانه: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} (الأنبياء: من الآية: 47).
وإذا نظرنا إلى هذه الآيات الناهية عن الظلم، تبين لنا أهمية العدل في الإسلام، حتى يمكن أن يُقال دون مبالغة: بأن الإسلام هو دين العدالة في كل شيء.
إن تأكيد الإسلام على معاني العدل، وضرورة الالتزام به والنهي عن الظلم وضرورة تجنبه تترتب عليه نتائج خطيرة، ذلك أن المجتمع الذي يشيع فيه العدل يحس أفراده بالاطمئنان على حقوقهم؛ لأن القانون يكون مع المحق وإن كان ضعيفًا، لا مع المبطل وإن كان قويًّا، وبعكس ذلك، إذا شاع الظلم ونَدُرَ العدل أحس الأفراد بالقلق الدائم على حقوقهم، وزال عنهم الاطمئنان والاستقرار، وكان ذلك إيذانًا بدمار هذا المجتمع.
وقد أشار الرسول الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى أثر التفريط بالعدل، وكيف يؤدي بالأمة إلى الهلاك، وقد جاء في الحديث: ((إنما أُهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ الشريف تركوه، وإذا سرق الضيعف أقاموا عليه الحدَّ، وأيم الله، لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت لقطعت يدَها)).
(1/31)
________________________________________
وتعليل هلاك الأمم بسبب الظلم أن الظلم كالنار يحس بوطأتها المظلومون، فإذا شاع الظلم وغارت معاني العدل كثر المظلومون الذين لا يرَون في هذا المجتمع حمايةً لهم ولا حفظًا لحقوقهم، وإنما يرون فيه هضمَ حقوقِهم، وهذا يجرهم إلى عدم الاهتمام به، وببقائه وهذا في الحقيقة يؤدي إلى دمار المجتمع وهلاكه، فالعدل والالتزام به يحمي المجتمع وهو دَعامة من الدعامات القوية التي يقوم عليها بناؤه.
أيضًا من المعالم البارزة للنظام الاجتماعي في الإسلام: العناية بالأسرة:
الأسرة هي أساس كيان المجتمع؛ لأن من مجموعها يتكون المجتمع، فهي بالنسبة له كالخلية لبدن الإنسان، ويترتب على ذلك أن الأسرة إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع؛ ولهذا اعتنى النظام الاجتماعي الإسلامي بالأسرة عناية كبيرة، تظهر في الأحكام الكثيرة بشأنها، وأكثر هذه الأحكام وردت بها آيات في القرآن الكريم، يتعبد المسلمون بتلاوتها في صلاتهم وفي خارج صلاتهم؛ فضلًا عن الأحاديث النبوية الكريمة الواردة في موضوع الأسرة.
وليس من شأني هنا أن أفصل القول في أحكام الأسرة، فهذا أمر يطول، ولا تتسع له دراستنا، ولا هو مطلوبنا هنا، وإنما يكفينا أن نشير إلى معالم التنظيم الإسلامي في موضوع الأسرة، وأنا أتكلم عن النظام الاجتماعي في الإسلام وهو من صميم النظام الإسلامي، وما أود أن أشير إليه هنا الزواج وإجراءاته، وحقوق الزوجة، وحقوق الزوج، وحقوق الأبوين والأولاد، كل هذه أنظمة جاء بها الإسلام، هي من أبرز معالم النظام الاجتماعي فيه.
أيضًا تحديد مركز المرأة في المجتمع مَيزة رابعة، وخاصية من خصائص النظام الاجتماعي الإسلامي:
فالمرأة في المجتمع حدد الإسلام لها وضعًا بتحديدٍ دقيقٍ ومفصلٍ وصريحٍ، حتى لا تدخل الأهواء في هذه المسألة الخطيرة جدًّا، وحتى تتحقق للمجتمع طهارته ونظافته، وعفته، واستقامته، وتنشأ فيه الأجيال القوية الأمينة، فيبقى المجتمع على صلاحه واستقامته، ويسعد أفراده، وقد تناول
(1/32)
________________________________________
القرآن الكريم بآيات كثيرة شئون المرأة وتحديد مركزها الاجتماعي، وما لها وما عليها، وكذلك فعلت السنة النبوية، ولا شك أن معالجة موضوع المرأة في القرآن بآيات كثيرة وفي السنة بأحاديث كثيرة يدل دلالة قاطعة على أهمية هذا الموضوع.
والواقع أن حالة المرأة في المجتمع ومدى ما لها وما عليها من الحقوق والواجبات، ونوع الضوابط التي تحكم سلوكها، كل ذلك كان ولا يزال من أعظم المؤثرات في سَير المجتمع، وفي مدى صلاحه وفساده؛ ولهذا كله فقد أولى الإسلام مسألةَ المرأة كل ما تستحق من عناية وتوضيح، حتى تستبين الأمور، ويعرف الناس المسلكَ السديدَ في معالجة هذه المسألة على الوجه الصحيح.
وأنا هنا لا أريد الإحاطة بكل جزئيات الموضوع، وإنما أود أن أذكر نقاطًا بارزةً فيه، على وجه يعطي فكرة جيدة عن مركز المرأة في المجتمع في نظر الإسلام؛ ومن ذلك:
أن المرأة تتمتع بحق الحياة؛ لأنها نفس معصومة كالرجل، ولهذا حرم الإسلام وأدَ البنات، وأوجب القصاص في قتلها عمدًا كما هو الحكم بالنسبة للرجل، والقرآن الكريم لَامَ وشنَّعَ على العرب كثيرًا، وبيَّن سوء منهجهم البشع عندما كانوا يقتلون البنت وهي حية، وهذا يبين شيئًا من مكانة المرأة في الإسلام.
وأيضًا المرأة أهل للتكريم؛ لأنها إنسان، والله تعالى يقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (الإسراء: من الآية: 70).
وأيضًا للمرأة حق اكتساب الأموال بالطرق المشروعة؛ لأن لها ذمة صالحة لاكتساب الحقوق المالية وغير المالية، فهي فيه كالرجل، ومن أسباب اكتساب الأموال الميراث، وقد أثبته الشرع الإسلامي للمرأة بعد أن حَرَمَها منه الجاهليون، قال الله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} (النساء: 7) وللمرأة إذن
(1/33)
________________________________________
حق التصرف في أموالها كما تشاء، دون حاجة إلى إذن أحد ما دامتْ عاقلةً رشيدةً.
والمرأة أيضًا لها حق المهر في عقد النكاح؛ قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (النساء: من الآية: 4) قال: {وَآتُوا النِّسَاءَ} فإذن هذا حق من حقوقها، وحق النفقة على الزوج، قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: من الآية: 233) وحق النفقة على أولادها باعتبارها أمًّا.
وللمرأة أيضًا حق تعلم العلوم النافعة لها بالكيفية المناسبة لطبيعتها، وبشرط الالتزام التام بالآداب الإسلامية اللازمة لها، وأعظم ما ينفعها في ذلك أن تتعلم شريعةَ الإسلام، وما فيها من حلال وحرام، وأن تتعلم كيف تربي أبناءَها، وما إلى ذلك؛ وأما العلوم الدُّنيوية المباحة فإذا شاءت المرأة أن تتعلمَ منها شيئًا فلا بأسَ، ولكن بالشرط الذي أشرت إليه سابقًا وهو الالتزام بالآداب وبالكيفية المناسبة لها، والمحافظة على عفتها وكرامتها.
كما ينبغي عليها في هذا الصدد أن تتعلم ما يلائم طبيعتها، ويقوي اختصاصها الفطري في تربية الأولاد، ورعاية البيت، فتتعلم فنون الخياطة، والطبخ، وأصول تربية الأولاد، ونحو ذلك.
وأيضًا من خصائص النظام الإسلامي: تحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع:
من خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام تحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع؛ بمعنى: أن كل فرد فيه مطالب بالعمل على إصلاح المجتمع، وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه، والتعاون مع غيره لتحقيق هذا المطلوب، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: من الآية: 2).
ومن أعظم التعاونِ التعاونُ على إصلاح المجتمع، وإذا كان الفرد مَطَالَبًا بإصلاح المجتمع، فمن البَديهي أنه مطالب بعدم إفساده، وعلى هذا لا يجوز إعطاء الرِّشوة
(1/34)
________________________________________
كما لا يجوز أخذها، ولا يجوز إعطاء الربا كما لا يجوز أخذه، جاء في الحديث: ((لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه)) وفي حديث آخر: ((الراشي والمرتشي والرائش بينهما)).
هذه هي أبرز المعالم الواضحة لخصائص النظام الاجتماعي في الإسلام.
ب- أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى في هذا اللقاء، وهي بعنوان: ضرورة قيام المجتمع الصالح:
وأنا أتحدث عن النظام الاجتماعي في الإسلام أدعو هنا إلى ضرورة قيام المجتمع الصالح؛ لأن المطلوب من المسلم تحقيق الغرض الذي خُلق من أجله، وهو عبادة الله وحدَه، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: من الآية: 56) والعبادة: اسم جامع لِمَا يحبه الله تعالى من الأقوال، والأفعال، والأحوال الظاهرة والباطنة، وهذا المعنى الواسع للعبادة يقتضي أن يجعلَ المسلم أقوالَه وأفعالَه وتصرفاته وعلاقاته مع الناس على وِفق ما جاءت به الشريعة.
والمسلمُ لا يستطيع أن يصوغ حياتَه هذا الصياغة الإسلامية، إلا إذا كان المجتمع الذي يعيش فيه منظمًا على نحو يَسهُل عليه هذه الصياغة، أي: أن يكون مجتمعًا إسلاميًّا صحيحًا، فإن لم يكن كذلك بأن كان مجتمعًا جاهليًّا صِرفًا، أو مجتمعًا مشوبًا بمعاني الجاهلية، فإن المسلم لا يستطيع فيه أن يحيا الحياة الإسلامية المطلوبة، أو يتعذر عليه ذلك.
ولهذا يأمر الإسلام بالتحول من المجتمع الجاهلي إلى المجتمع الإسلامي، ما دام عاجزًا عن إزالة جاهليته، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: 97).
(1/35)
________________________________________
ولهذا يجب على كل مسلم أن يتعهد المجتمعَ الذي يعيش فيه، وأن يزيل المنكرات حالَ ظهورها أو وقوعها، وألا يستهينَ بذلك؛ لأن المنكرات كالجراثيم التي تُؤثر في الجسد قطعًا، وإذا لم تمرض البعض فإنها تضعف مقاومته، فيسهل عليها فيما بعد التغلب عليه.
ولهذا كانت أولى مهمات الدولة الإسلامية إقامة هذا المجتمع الإسلامي الفاضل، وإزالة المنكرات منه، قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (الحج: 41).
وقيام الأفراد بإصلاح المجتمع ينجيهم، وينجي المجتمعَ من الهلاك الجماعي، أو العقاب الجماعي، أو الضيق، والضنك، والقلق، والشر الذي يصيب المجتمع، وتوضيح هذه الجملة يحتاج إلى شيء من التفصيل؛ لأهمية الموضوع وخطورته، فأقول:
من سنة الله تعالى: أن المجتمع الذي يشيع فيه المنكرُ، وتُنتهك فيه حرماتُ الله، وينتشر فيه الفسادُ، ويسكت الأفراد عن الإنكار والتغيير، فإن الله تعالى يَعمُّهم بمِحنٍ غِلاظٍ قاسيةٍ تعم الجميعَ، وتصيب الصالح والطالح، وهذه في الحقيقة سنة مخيفة، وقانون رهيب، يدفع كل فرد لا سيما مَن كان عنده علم وفقه أو سلطان إلى المسارعة والمبادرة فورًا لتغيير المنكر؛ دفعًا للعذاب والعقاب عن نفسه، وعن مجتمعه.
والدليل على ما نقول من القرآن والسنة: قول الله تعالى في كتابه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الأنفال: 25) قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في هذه الآية: "أمَرَ الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم العذاب" فمقصود الآية إذن: واتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح.
(1/36)
________________________________________
وقد جاءت السنة النبوية بما جاء به القرآن؛ ففي (صحيح الإمام البخاري) -رحمه الله تبارك وتعالى - عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((مثلُ القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها، وكان الذين في أسفلها إذا استقَوا من الماء مروا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقَنا، فإن تركوهم وما أرادوا هَلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجوا جميعًا)).
في هذا الحديث دليلٌ على تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة للجماعة كلها عند ظهور المعاصي، وانتشار المنكر، وعدم التغيير، وأنه إذا لم تُغير المنكرات وترجع الأمور إلى حكم الشرع وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران ذلك البلد، ويمكن القول أيضًا: أن في هذا الحديث الشريف دلالة أخرى، وهي: أن الانحراف عن المنهج الصحيح والمسلك السديد يؤدي إلى الهلاك والضرر، ولا ينفع في دفعهما عن الجماعة كون المنحرفين حسنِ النية والقصد؛ لأن الذين أرادوا خرقَ السفينة، إنما أرادوا بخرقها عدم إيذاء مَن فوقهم، فنيتهم حسنة، ولكن لم تغنِ عنهم حسن نيتهم ومقصدهم؛ لأن فعلَهم خروجٌ على النهج السديد في معالجة ما يَهم الجميع.
وجاء عن أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- قال: ((يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (المائدة: من الآية: 105) وإني سمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: إن الناس إذا رأَوا الظالمَ، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه)).
فهذا يدل على أن وقوع الفساد في المجتمع والسكوت عليه وعدم تغييره سببٌ للعقاب الجماعي.
ولذلك أدعو -وأنا أتحدث في هذا المكان- إلى أهمية وضرورة قيام المجتمع الصالح؛ لأن قيام المجتمع الصالح الذي يتعاون فيه الأفراد على البر والمعروف والتقوى ينجيهم جميعًا من الفوضى، ومن عذاب الاستئصال
(1/37)
________________________________________
والهلاك والضيق والضنك، وما إلى ذلك، ويصبح المجتمع بهذا مجتمعًا سليمًا عفيفًا طاهرًا نظيفًا نقيًّا، وهذا ما يريده الإسلام، ويدعو إليه.

وُجُوبُ الاجتماعِ على الكِتابِ والسُّنَّةِ، ونبذُ الاختلافِ والفُرْقَةِ
العنصر الثالث في هذا اللقاء بعنوان: وجوب الاجتماع على الكتاب والسنة، ونبذ الاختلاف والفرقة؛ ويشتمل على العناصر التالية:
أ- الأدلة على وجوب إتباع الكتاب والسنة:
يجب على المؤمنين أن يلتزموا بكتاب الله، وسنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وقد أمر الله -عز وجل- في كتابه بالاجتماع على كتابه وهدي نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- ومن ذلك: ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: من الآية: 103).
وقد وردت آياتٌ كثيرة في كتاب الله -عز وجل- بهذا المعنى، وهي تأمر المؤمنين وتحثهم على لزوم الجماعة والائتلاف، وتبين لهم أنَّ الأمةَ الإسلاميةَ أمةٌ واحدةٌ، ولا سبيلَ إلى هذا الاجتماع إلا بإقامة الدين لله وحدَه، وتوحيده، وإتباع هدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- والبعد عن الشرك بكل أنواعِه وفروعِه وألوانِه، والبعد كذلك عن البدع؛ لأنه لا يوجد في الإسلام: "بِدْعَةٌ سَيِّئَةٌ أو بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ" وكَيْفَ ذَلِكَ؟! والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقولُ ويخبرُ بأن: ((كل بدعة ضلالة ... )).
فالآيةُ التي معنا -وهي قوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} - دعوةٌ إلى الاجتماع على كتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد ورد عن السلف في معنى كلمة: "الحبل" الوارد في الآية السابقة أنه هو القرآن، والإخلاص لله وحدَه، والإسلام.
وقد دلت السنة النبوية على ما دل عليه القرآن؛ ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تَعبُدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا مَن ولَّاه الله أمرَكم)).
(1/38)
________________________________________
ب- النقطة الثانية في هذا العنصر، وهي بعنوان: الأدلةُ على ذَمِّ التفرق والاختلاف:
الجماعةُ هي الأصل، وملازمتُها هو الواجبُ والمطلوبُ، أما مفارقة الجماعة فأمر طارئ وحادث، وهو مع ذلك أمر خطير وشنيع، ويؤدي إلى الهلاك والدمار -والعياذ بالله تبارك وتعالى- لأن التفرق يُضعف الأمة، ويذهب بهيبتها، ولذلك جاءت الآيات الكثيرة تحذِّر منه، وتحمل في ثناياها الوعيدَ الشديدَ لمَن ترك الجماعة وفارقها.
ومن ذلك: ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى-: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (آل عمران: 105: 107).
وقد جاء عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: "يوم تبيض وجوه أهلُ السنة، وتسود وجوه أهلُ البدعة".
ولو تأملت هذه الآيةَ مرةً أخرى، ونظرت إلى قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا} والخطابُ موجه لجماعة المؤمنين، وفيه تحذير شديد، ونهي كبير عن التفرق والاختلاف بعدَ مَا جاءنا من عند الله -عز وجل- وبعد ما جاءتنا البينات الواضحات التي أتى بها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد بينت الآية أن التفرق والاختلاف مآلُ أصحابه إلى النار وبئس القرار، أما اتِّباع الكتاب والسنة فمآلُ أصحابه إلى الجنة ونعم القرار والمصير؛ والله -عز وجل- نهى في آيات كثيرة عن التفرق -أيضًا- والاختلاف، وهذا كما جاء في قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونََ} (الأنعام: من الآية: 153).
ولعل الملاحظ من هذه الآية: أن الله -تبارك وتعالى- أفردَ الصراط هنا بالذكر، حينما ذكر الصراطَ ذكره مفردًا، قال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} لأن الطريق إلى الله واحد؛
(1/39)
________________________________________
ولأن الصراطَ المستقيمَ صراطٌ واحد يؤدي إلى الله -تبارك وتعالى- وهو اتباع الكتاب والسنة؛ أما السبل الأخرى فهي سُبل منحرفة، سبلُ أهل التفرق والخلاف والشقاق -والعياذ بالله تعالى- والله -عز وجل- قد جمع هذه السبلَ؛ لأنها كثيرة، بخلاف الصراط الواحد، ولهذا نهانَا عن سلوك صراطها، أو اتباع منهجها ومسلكها، فقال: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونََ}.
ويقول أيضًا -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (الأنعام: 159) وهذه -أيضًا- آية مخيفة إذا قرأها الإنسان وتأمل معناها ووقف على حقيقة هذا المعنى، أدرك أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بريء من الذين فرقوا دينَهم، واختلفوا فيه، فخرجوا عن كتابه الله وهدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولِمَا لا يتبرأ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من هؤلاء ورب العزة والجلال -سبحانه وتعالى- يقول في كتابه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: 115).
وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذ في النار)) فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هنا يبين حقيقةَ أن: ((يد الله مع الجماعة)) وأن الخارج عن الجماعة شاذٌّ: ((ومن شذ شذ في النار)).
فعلينا إذن معشر أهل الإيمان أن نقيم نظامَ اجتماعِنا على كتاب الله وهدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن ندرك أن النظام الاجتماعي في الإسلام نظامٌ فريدٌ قائمٌ على الحق، قائم على العدل، قائم على الخير؛ لأنه من عند الله -تبارك وتعالى- وعلى المسلمين أن يكونوا أمةً واحدةً على هذا الدين، ضمن هذا النظام الذي جاء به الإسلام من ضمن الأنظمة السديدة التي جاءت من عند الله رب العباد - سبحانه وتعالى.
وإذا سلك المسلمون هذا الطريقَ فازوا برضوان الله -تبارك وتعالى- وسعدوا في دُنياهم وفي حياتهم، وأصبح مجتمعُهم مجتمعًا نظيفًا قائمًا على العفة، والكرامة، والطُّهر.
أسال الله -سبحانه وتعالى- أن يوفق المسلمين في مجتمعاتهم لكل خير، وأن يقيموا هذه المجتمعاتِ على البر والتقوى والمعروف.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.
(1/40)
________________________________________
الدرس: 2 أثر الإسلام على الاقتصاد وكون الإسلام عقيدة وشريعة.
(1/41)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني
(أثر الإسلام على الاقتصاد وكون الإسلام عقيدة وشريعة)
1 - أثر الإسلام في الاقتصاد

تعريف الاقتصاد وأساسه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
فهذه هي المحاضرة الثالثة في سلسلة محاضراتنا في مادة طرق الدعوة ومَوْضُوعُ هَذَا اللقَاءِ يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْعُنْوَانِ الْكَبِيرِ الَّذِي سَبَقَ أَنْ قُلْتُهُ؛ ألا وهو "الدعوة وصلتها بالحياة"، هذا هو العنوان الكبير للمحاضرات السابقة -الأولى والثانية- وهو -أيضًا- العنوان الكبير لموضوع هذا اللقاء؛ ألا وهو بعنوان "أثر الإسلام في الاقتصاد".
فمحاضرة اليوم عن أثر الإسلام في الاقتصاد، وهذه المحاضرة تشتمل على العناصر التالية:
العنصر الأول: تعريف الاقتصاد وأساسه، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- تعريف الاقتصاد الإسلامي: عَرَّفَ الدكتور أحمد محمد صقر الاقتصاد الإسلامي بتعريف كبيرٍ واسع، وَهُوَ دَقِيقٌ أَيْضًا فِي نَفْسِ الْوَقْتِ قَالَ فِيهِ: هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَبْحَثُ فِي كَيْفِيَّةِ إِدَارَةِ واستغلال الموارد الاقتصادية النادرة؛ لإنتاج أمثال ما يمكن إنتاجه من السلع والخدمات؛ لإشباع الحاجات الإنسانية من متطلباتها المادية، التي تتسم بالوَفْرَةِ والتنوع في ظل إطارٍ معينٍ من القيم الإسلامية والتقاليد والتَّطَلُّعَاتِ الْحَضَارِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ.
وهو أيضًا العلم الذي يبحث في الطريقة التي يوزع بها هذا الناتج الاقتصادي بَيْنَ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْعَمَلِيَّةِ الإِنْتَاجِيَّةِ بِصُوَرةٍ مُبَاشِرَةٍ، وغير المشتركين بصورة مباشرةٍ أيضًا، في ظل الإطار الحضاري نفسه. هذا التعريف في الحقيقة تعريف يشمل أطراف الاقتصاد الإسلامي.
النقطة التالية في هذا الموضوع، وتحت هذا العنصر بعنوان "أساس النظام الإسلامي"، النظام الإسلامي يعتمد على أساسٍ كبير، هَذَا الْأَسَاسُ هُوَ الْعَقِيدَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ؛ فَالْعَقِيدَةُ الْإٍسْلَامِيَّةُ هِيَ الْأَسَاسُ لِلنِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ الإِسْلَامِيّ، وهذه العقيدة تُبَيِّنُ عَلَاقَةَ الإنسان بالكون وبخالق الكون وبالغاية التي من أجلها خُلِقَ الإنسان، وتُفَصِّلُ -في الوقت ذاته- وسائل تحقيق هذه الغاية؛ فالإنسان في ضوء هذه العقيدة الحقَّةِ من مخلوقات الله، بَلْ وَمِنْ أَفْضَل تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- خَلَقَهُ لِعِبَادَتِهِ، وأعني بالعبادة: العبادة بمعناها الواسع، وأنه لا يبلغ الإنسان هذه الغاية إلا بالخضوع المطلق لله رب العالمين.
(1/43)
________________________________________
ومظهر هذا الخضوع: أن يَصُوغَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَسُلُوكَهُ وَنَشَاطَهُ، ومنه النشاط الاقتصادي على النحو الذي فصله وشرعه الله -تبارك وتعالى- وعلى هذا فإن النظام الاقتصادي في الإسلام يعمل مع غيره من أنظمة الإسلام الأخرى؛ لتسهيل وتيسير السُّبُلِ لِلْإِنْسَانِ؛ لِبُلُوغِ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا -ألا وهي عبادة الله -تبارك وتعالى- وحده؛ فإذا تيسرت هذه العبادة للإنسان زَكَّتْ نَفْسَهُ بِالْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ، وَصَارَ أهلًا للظفر بالحياة الطيبة في الآخرة؛ فَضْلًا عَنْ ظَفَرِهِ بِالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا.
إِنَّ فِقْهَ هَذَا الْأَسَاسِ لِلنِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ فِي الْإِسْلَامِ من قِبَلِ المسلم ضروريٌّ جدًّا له؛ لأنه بهذا الفقه سَيَعْرِفُ مَرْكَزَهُ الْحَقِيقِيَّ في الدنيا وعلاقته بها وَغَايَتَهُ في الحياة، وبالتالي يتقبل بنفسٍ رَضِيَّةٍ جميع الضوابط والتنظيمات التي جاء بها الشرع الإسلامي في مجال النشاط الاقتصادي؛ لَأَنَّ هَذَا كُلُّهُ يَقُومُ عَلَى عَقِيدَةٍ قَامَتْ فِي ذَاتِ الْإِنْسَانِ، تَجْعَلُهُ يَخْضَعُ لِرَبِّ الْعِزَّةِ والجلال، ويندفع -في الوقت ذاته- لتنفيذ التنظيمات والضوابط والتقيد بما جاء من عند الله تعالى، وَبِهَذَا تَظْهَرُ ثمار النظام الاقتصادي في واقع الحياة، ويسهم هذا النظام في تحقيق ما خلق الإنسان من أجله.
ومن معاني العقيدة الإسلامية ولوازمها التي لها علاقة في موضوع النظام الاقتصادي وأساسه هذه الأمور التالية:
أولًا: الاعتقاد الجازم والإيمان بأن الملك لله وحده؛ إن الكون بكل ما فيه -وبدون أي استثناء- مملوك لله تعالى على وجه الحقيقة، فلا شريك لله في ذرةٍ منه؛ لأن الله تعالى هو خالقه، وقد قال ربنا في كتابه: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} (المائدة: من الآية: 17) وقال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} (سبأ: 22)
(1/44)
________________________________________
ومن لوازم الملك التام: التصرف التام في المملوك، ولهذا فإن لله وحده حق التصرف المطلق في جميع المخلوقات.
ثانيًا: المال مال الله، والمال: هو ما يتموله الإنسان، ويستفيد منه، ويمكن إحرازه، وكل ما تحت سلطة الإنسان هو مما أعطاه الله إياه، ومما مَلَّكَهُ اللَّهُ تَعَالَى إياه، فَمَا أُعْطِيتَهُ أَنْتَ -أيها الإنسان- هُوَ من جملة ما في هذا الكون الذي هو كله بيد رب العزة والجلال، وهو كله ملك لله -سبحانه وتعالى- وَأَنَّ اللَّهَ تعالى هو مالكه على الحقيقة، ولذلك أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور: من الآية: 33) فما عندك أنت -أيها الإنسان- من مال هو في الحقيقة من الله -تبارك وتعالى- وهذا من لوازم -أو من مقتضيات- العقيدة التي يجب أن يفهمها الإنسان.
ثالثًا: تسخير الله تعالى مَخْلُوقَاتِهِ لِنَفْعِ الْإِنْسَانِ؛ فَاللَّهُ تَعَالَى -بمحض فضله- سَخَّرَ للإنسان ما خَلَقَهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، وهَيَّأَ لها سُبُلَ هَذَا الانْتِفَاعِ بِمَا أَوْدَعُهُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَقْلٍ وَجَوَارِحَ، يَسْتَطِيعُ بِهَا الاهْتِدَاءَ إِلَى سُبُلِ الانْتِفَاعِ بِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ قال ربنا -تبارك وتعالى-: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (الجاثية: من الآية: 13) وقال جل ذكره: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} (لقمان: من الآية: 20) وقال تعالى -ممتنًّا على الإنسان بما أودعه فيه مما يستطيع به الاهتداء إلى سبل الانتفاع بما خلقه الله له-: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (الملك: 23).
وكما أشرت؛ الملك الحقيقي لله -تبارك وتعالى- ومع هذا فقد أَذِنَ الله -بمحض فضله- للإنسان أن يختص بالانتفاع بالمال والتصرف فيه، وأضافه الله إليه، وسماه مالكًا له؛ كما قال الله تعالى في كتابه: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 188)
(1/45)
________________________________________
وقال -جل ذكره-: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة} (الأنفال: من الآية: 28) فهذه الآيات الكريمة تضيف المال للإنسان إضافة ملكٍ واختصاص، وفي الحديث الشريف: ((لَا يَحِلّ مال مسلم إلا بطيبٍ من نفسه)) فهذا الحديث الشريف يضيف المال للإنسان على وجه الملك له، ومع هذا فإن الملك الحقيقي يبقى لله -تبارك وتعالى- لَأَنَّهُ يستحيل أن يشاركه أحد في ملك شيءٍ من الكون؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْتَأْثِرَ لِوَحْدِهِ بِمُلْكِ شَيْءٍ.
ومعنى ذلك أن إضافة الملك للإنسان هي من قبيل الإضافة التي يمكن أن نقول عنها: إضافة مجازية. أو أن نقول بأن الإنسان فيما يملكه هو **** فيه عن مالكه الحقيقي. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَخْضَعَ فِيمَا يَمْلُكُهُ إِلَى جَمِيعِ القيود والتنظيمات التي شَرَعَهَا المالك الحقيقي -وهو الله تبارك وتعالى- وأنه لا يجوز للإنسان أبدًا أن يخرج عن هذه القيود؛ فإن خرج عنها كان عاصيًا لأمر الله، واستحق العقاب المقرر في الشرع، وَقَدْ يُنْزَعُ مِنْهُ الملك نهائيًّا أو مؤقتًا -كليًّا أو جزئيًّا- وقد أدرك فقهاؤنا -رَحِمَهُمُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذِهِ الْمَعَاني، وأشار بعضهم إليها، وذلك في تفسير الله -جل ذكره-: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه} (الحديد: من الآية: 7) حيث قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله. ثم قال -رحمه الله تعالى- وهذا دليل على أن الأموال ليست أموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء؛ فاغتنموا الفرصة فيها قبل أن تُزَالَ عنكم إلى من بعدكم.
خامسًا: استعمال المال في مَرْضَاةِ اللَّهِ تعالى، وكل ما يؤتاه المسلم من مال يجب أن يستعمله في مرضاة الله؛ لتحقيق الغاية التي خُلِقَ من أجلها، وهي عبادة الله
(1/46)
________________________________________
تعالى؛ لِيَظْفَرَ بالحياة الطيبة في الدار الآخرة، قال الله -تبارك وتعالى-: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} (القصص: من الآية: 77) وهذا لا يعني أن يَحْرِمَ الإنسان نفسه من الطيبات المباحة، أَوْ أَنْ يُرْهِقَ جسده بحرمانه مما يحتاج إليه؛ قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ} (الأعراف: من الآية: 32).
الدُّنْيَا وسيلة لا غاية، والدنيا -بكل ما فيها من متاعٍ وأموال- ليست هي الغاية للإنسان، وإنما هي وسيلة إلى الغاية التي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا، وَهِيَ إِعْدَادُ نَفْسِهِ للدَّارِ الْآخِرَةِ، وذلك لا يكون إلا بعبادة الله تعالى؛ فلا يجوز للإنسان أن ينسى هذه الغاية إذا ظَفَرَ بِوَسَائِلَ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا، وَلَا يَجْعَلُ الدُّنْيَا -أَوْ شَيْئًا منها- هِيَ غَايَتُهُ؛ فَمَتَاعُ الدُّنْيَا يَمِيلُ إليه المسلم كوسيلةٍ فقط تُسَهِّلُ له بلوغ الغاية التي خلق من أجلها، وينبغي أن يعلم أن سيفارق هذه الوسائل قطعًا، ولا يبقى له إلا ما استفاده منها في عبادة ربه ومرضاته.
إِنَّ إدراك هذه المعاني واستحضارها في الذهن من الأمور الضرورية؛ لضبط النشاط الاقتصادي على النحو الذي يريده الإنسان؛ لأن الضوابط الحقيقية لنشاط الإنسان هي التي تضبطه من داخله؛ تضبط إرادته وقصده ونظرته وميله؛ فإذا انضبط الداخل سهل ضبط الخارج -أي: النشاط الخارجي للإنسان- وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المعاني جميعًا في آياتٍ كثيرة: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الكهف: من الآية: 7) وقال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (الكهف: 46).
وبالتالي نَعْرِفُ أَنَّ الْعَقِيدَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ أَسَاسُ النظام الإسلامي، بهذا الفهم الذي ذكرته الآن، وهو أن المال مال الله -تبارك وتعالى- وأن العبد
(1/47)
________________________________________
مستخلف في هذا المال، وأن الله هو الذي تفضل عليه وسخر له المال وسخر مخلوقاته؛ كي ينتفع بها الإنسان، وبالتالي على الإنسان أن يستخدم المال في مرضاة الله، وأن يجعل الدنيا وسيلة لا غاية، حتى يصل إلى الغاية المطلوبة، ألا وهي رضوان الله -عز وجل- وعندئذٍ يتمتع بجنات الخلد التي أعدها الله -تبارك وتعالى- لعباده المتقين.

خصائص النظام الاقتصادي
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني من عناصر هذا اللقاء، وهو بعنوان "خَصَائِصُ النِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ وَمَبَادِئُهُ" وَهَذَا الْعُنْصُرُ يَشْتَمِلُ عَلَى النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
أ- خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي: الْمُطَّلِعُ عَلَى نِظَامِ الاقْتِصَادِ فِي الْإِسْلَامِ يَجِدُهُ نِظَامًا فَرِيدًا بَيْنَ النُّظُمِ الاقْتِصَادِيَّةِ، وهناك مبادئ مهمة كثيرة، وخصائص فريدة بهذا النظام، يحسن ذكرها هنا، وهي: أنه نظام مستقل هذا النظام -أعني: النظام الاقتصادي في الإسلام- نظام مستقل عن غيره من النظم، ولا يمكن بحالٍ أن يوصف بوصفٍ غير الإسلام.
وقد أخطأ الذين حاولوا ربط هذا النظام بواحدٍ من النظم الاقتصادية السائدة -كالرأسمالية والاشتراكية- لأن النظام الاقتصادي يختلف عن غيره في الأهداف والوسائل والتشريعات، واللقاء بينه وبين غيره من النظم في بعض الجزئيات لا يجعل منه نظامًا اشتراكيًّا أو رأس ماليٍّ كما يزعم بعض الذين ينظرون إلى ظاهر الأمور نظرةً جزئية سطحية، ويجب أن يُعْلَمَ أن نظامنا الاقتصادي جزء من كل؛ فالاقتصاد في الإسلام يرتبط مع عقيدة الإسلام وخلق الإسلام وتشريعات الإسلام الأخرى، ولا يمكن أن نقيم نظام الإسلام الاقتصادي بعيدًا عن أنظمة الإسلام الأخرى؛ لأن هذا النظام لا يؤدي دوره الأداء الصحيح في إصلاح الجانب المالي عند الأمة ما لم يعمل الإسلام عمله في
(1/48)
________________________________________
إصلاح النفوس، وغرس القيم الفاضلة فيها، وإحاطة المجتمع بسوره الأخلاقي الذي يحكم مسيرة الفرد والمجتمع.
الخاصية الثانية -من خصائص النظام الاقتصادي في الإسلام-: أنه نظام فطري؛ عندما يتعامل الفرد وفق نظام الإسلام يجد هذا النظام قريبًا إلى فطرته، فلا تجد صدودًا عن التعامل به، فَالْإِنْسَانُ مَفْطُورٌ عَلَى حُبِّ التَّمَلُّكِ، وَالْإِسْلَامِ يُبِيحُ الْمِلْكِيَّةَ فِي أَوْسَعِ صوَرِهَا، وكل ما يفعله هو تقييدها بقيود؛ حتى لا تضر الفرد والمجتمع، وكذلك يبيح الإسلام له من العمل ما لا يضر بنفسه أو بغيره من الأفراد أو من المجتمعات، وأنت إذا نظرت في النظام الشيوعي وَجَدْتَهُ نِظَامًا يُصَادِمُ الفطرة الإنسانية؛ حيث يمنع أصحابه من ملكية وسائل الإنتاج، ويحول الشعب إلى عمالٍ عند الدولة، وفي سبيل تحقيق هذا المبدأ استولى على الأراضي والمصانع والمنشآت.
وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ مَفْطُورًا عَلَى حُبِّ التَّمَلُّكِ وَالْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ هُنَاكَ ثَارُوا، فَسَالَتْ دِمَاؤُهُمْ أَنْهَارًا؛ لقد قتل الشيوعيُّونَ في روسيا أكثر من ثلاثين مليونًا من البشر، هذا عدا الذين سَجَنُوهُمْ أو نَفَوْهُمْ، ويصادم النظام الشيوعي الفطرة الإنسانية من جانبٍ آخر؛ فهو يطالب كل عاملٍ في الدولة أن يبذل كل ما يستطيع في سبيل تحقيق الغاية من العمل الذي يقوم به، ولكنه لا يعطيه ما يكافئ جهده، بل يعطيه من المال ما يسد حاجته، والإنسان مفطور على أن يبذل من الجهد بمقدار ما يتوقع من المكافأة؛ فإذا كانت المكافأة محدودة قل الجهد، وَدَفَعَ ذلك الْعُمَّالَ إِلَى التقاعس عن العمل، وبالتالي يقل الإنتاج، وأنت إذا نظرت في نظام الإقطاع وجدته يصادم الفطرة الإنسانية أيضًا؛ فلم يكن يسمح -ولا يمكن أن يُسْمَحَ- في ذلك النظام للإنسان أن ينتقل من مجال عملٍ إلى مجالٍ آخر، فكل عملٍ مقصور على فئةٍ معينة، وهذا يخالف الفطرة الإنسانية، فالمرء قد لا يناسبه عمل معين، ويناسبه غيره.
(1/49)
________________________________________
الخاصية الثالثة: الاعتدال والتوازن: إن مشكلة الأنظمة الاقتصادية التي تختلف عن الإسلام أنها ترى جانبًا واحدًا من الحقيقة، ويخفى عليها بقية الجوانب، والإسلام تَفَرَّدَ؛ لأنه من تنزيل العليم الخبير سبحانه بالرؤية الشاملة لجميع الجوانب، فجاء نظامه الاقتصادي معتدلًا متوازنًا، يتضح هذا للناظر في النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي وضع التشريعات الكثيرة لحماية حرية الملكية الفردية وحرية العمل، ولكنه أهمل إهمالًا كبيرًا رعاية حق المجتمع، فنال الأغنياء والأثرياء في تلك المجتمعات أكثر من حقهم، فَنَشَأَتْ عَنْ ذَلِكَ مَظَالِمُ كثيرة، ووقع الضرر بالآخرين.
وأنت إذا نظرت في النظام الشيوعي وجدت واضعيه يهدفون إلى تحقيق مصلحة المجتمع، وَلَكِنَّهُمْ فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ ذَلِكَ ظَلَمُوا الْفَرْدَ، وَمَنَعُوهُ مِنْ حُقُوقِهِ فِي الْمِلْكِيَّةِ وَالْعَمَلِ، وَجَاءَ الْإِسْلَامُ وحده؛ ليضع نظامًا صالحًا لإقامة حياة الأفراد وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه؛ لا يُظْلَمُ فِيهِ الْفَرْدُ ولا المجتمع، وهذا ما لا نجده في النظم الأرضية البشرية.
الخاصية الرابعة: تحقيق التراحم والتعاون: إن الإسلام يقيم نظامًا اقتصاديًّا، ينسجم في مساره مع هدف الإسلام في إقامة المجتمع الإسلامي المتراحم المتعاون؛ فالتشريعات الاقتصادية الإسلامية توجه الأغنياء إلى السعي في مصالح الفقراء، وتقديم العون لهم، وسد خُلتِهِمْ، وليس لهم في ذلك مِنَّةٌ، بل هو أمر إلهي رباني، يُعَاقَبُ من حَادَ عَنْهُ؛ فالإسلام يقول لأبنائه: أنتم إخوة فيما بينكم.
ويقول لهم: المال الذي في أيديكم مال الله، وللفقراء حق في أموالكم، ويفرض في سبيل تحقيق هذا فرائض -كالزكاة والخمس من الغنيمة والخراج- ويحبب ويحث على الصدقات والإنفاق، وهذا يجعل المجتمع الإسلامي مجتمعًا تسوده الألفة والمودة بين أبناء هذا
(1/50)
________________________________________
المجتمع، ويتحقق فيه التواصل، والتراحم، والتعاون، والبر، والمودة، وما إلى ذلك.
وأنت إذا نظرت إلى المجتمع الشيوعي تجد أن أحد أَعْمِدَتِهِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا هُوَ الصِّرَاعُ بَيْنَ طَبَقَاتِ الْمُجْتَمَعِ، هَذَا الصِّرَاعُ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى العداوة والبغضاء وسفك الدماء ونهب الأموال، ومن ينظر في حال الدول الشيوعية يعلم صدق هذا الذي نقوله.
والمجتمعات الرأسمالية لا تخلو من هذا المرض؛ فالفارق هناك بين البشر كبير؛ فئة كبيرة هي التي تملك الثروة، وبقية الأفراد لا يملكون إلا القليل، والأغنياء هناك لا شأن لهم بالفقراء؛ فالمال مالهم، ولا شأن لأحدٍ بهم، وهذا يدعو إلى قطيعة هذه المجتمعات والنفرة فيما بينهما بعكس ما جاء به الإسلام والنظام الاقتصادي.
الخاصية الخامسة -من خصائص النظام الاقتصادي في الإسلام-: هو أنه نظام يقوم على أخلاق الإسلام وَقِيَمِهِ: لَقَدْ قَامَ النِّظَامُ الْإِسْلَامِيُّ عَلَى إِتَاحَةِ فُرَصِ الْعَمَلِ أَمَامَ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ، كَمَا أَبَاحَ التَّمَلُّكَ لَهُمْ عَلَى حَدٍّ سواء، ولكنه لم يترك ذلك فوضى من غير حدودٍ ولا ضوابط؛ لقد عنى الإسلام بغرس الأخلاق الفاضلة والقيم الحميدة التي تُقِيمُ مِنَ الْإِنْسَانِ حَارِسًا عَلَى نَفْسِهِ، تَمْنَعُهُ من التصرفات الخاطئة، ولذلك تجد كثيرًا من المسلمين لا يسرقون، ولا يغشون، ولا يحتكرون، ولا يكذبون في التعامل، مع قدرتهم على هذا كله؛ لخوفهم من الله -تبارك وتعالى- بل ترى النوم قد جفاهم، وملأ القلق نفوسهم إذا دخل شيء من المال في حيازتهم؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَعْرِفُوا حُكْمَهُ الشَّرْعِيَّ، وَلَا يَهْدَأُ لَهْمُ بَالٌ حَتَّى يَقِفُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فِيهِ، وتراهم يتخلصون منه، ويبذلونه في مصارفه الشرعية؛ إذا تبين لهم أنه لا يحل لهم.
(1/51)
________________________________________
ولا يكتفي الإسلام بغرس التقوى والخلق القويم في النفس الإنسانية، ولكنه أيضًا يضع الضوابط الشرعية التي تحكم التصرفات العملية، ويأمر الدولة الإسلامية أن تقوم على مراعاة هذه الضوابط والأحكام؛ فهناك مصادر للمال لا يرضاها الإسلام، ولا يجيز لأبنائه التعامل من خلالها؛ كالسرقة والغش والزنا وبيع المحرمات -كالخمر والخنزير- وأكل مال اليتيم، والغلول من الغنيمة، ونحو ذلك.
الشياطين، وانظر إلى المجتمع الرَّأْسِمَالِيِّ البعيد عن هذه الضوابط؛ كيف يقيم الصروح الضخمة التي تُدَمِّرُ القيم والأخلاق، وتؤدي إلى الظلم والاستبداد؟! فالبنوك الربوية التي تَمْحَقُ الكسب تقوم في كل مدينة وقرية، وتستخدم جيوشًا من العمال والموظفين؛ كي تُحَقِّقَ الْكَسْبَ الْحَرَامَ لِفَرِيقٍ مِنَ الْبَشَرِ، والعمارات الشاهقة ترتفع في كثيرٍ من المدن؛ لتتاجر بالأعراض وتتاجر بالأموال، والأموال هناك تُبْذَلُ بِسَخَاءٍ؛ لِإِقَامَةِ الْعُرُوضِ الْفَاجِرَةِ هُنَا وَهُنَاكَ بِاسْمِ الْفَنِّ، فَمُسَابَقَاتُ مَلِكَاتِ الْجَمَالِ والأمثال والأفلام والتمثيليات والمسارح، أغلبها تقوم على الإفساد والظلم.
وانظر إلى إسرافهم في الإنفاق، وكيف يحرقون المحاصيل؛ حتى لا ترخص الأسعار، وانظر كيف يمتصون دماء الشعوب، ويتوزعون بينهم مناطق النفوذ؟! وَكُلُّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ إِنَّمَا صَدَرَتْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؛ لأنهم لا يعرفون الأخلاق، ولا يتمتعون بها، أما الإسلام جاء بتعاليم كريمةٍ شريفة عظيمة وخصائص فريدة أقام من خلالها صروح العدل والكرامة، ولذلك أقول بأن مِنَ الْخَصَائِصِ الْعَظِيمَةِ في الاقتصاد الإسلامي: أنه اقْتِصَادٌ يَقُومُ عَلَى أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ وَقِيَمِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا مَا لَا يَتَوفَّرُ فِي أَيِّ نظامٍ من الأنظمة الأخرى.
ونحن إذا نظرنا إلى ذلك علمنا فضل الإسلام ومكانة الإسلام، وأهمية الحرص على أن نأخذ جميع أنظمتنا من الإسلام الذي جاء من عند الله -تبارك وتعالى- وهذه مبادئ وخصائص -أيها المستمع الكريم- مهمة، يجب أن ننتبه إليها، وأن نفهمها، وأن نعرفها، وأن نتعلمها.
(1/52)
________________________________________
ننتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى في هذا العنصر، وهي بعنوان "المبادئ العامة في النظام الاقتصادي الإسلامي":
النظام الاقتصادي الإسلامي فيه جملة كبيرة من المبادئ العامة، وهي تقوم أيضًا على أساس الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَعَنْ هَذِهِ الْمَبَادِئِ تَتَفَرَّعُ جُزْئِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ وتنظيمات مختلفة، وَسَأَذْكُرُ هُنَا -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- من هذه المبادئ العامة بعضها، وهي: "حرية العمل" و"حق الملكية" و"حق الإرث".
وَسَأَذْكُرُ كلامًا يَسِيرًا حَوْلَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ المبادئ؛ الأمر الأول -أو المبدأ الأول-: هو حرية العمل: الإسلام يحث على العمل، ويكره العجز والكسل، وأشرف الأعمال وأعظمها قدرًا عند الله ما يقرب إليه من العبادات الخالصة -كالصلاة والأعمال المباحة- إذا اقترنت بها النية الصاحية -كالزراعة والصناعة ونحو ذلك.
وَفِي بَابِ الْكَسْبِ وَالنَّشَاطِ الاقْتِصَادِيِّ يحث الإسلام على العمل، ويبارك العامل، ويثني على جهد وكسبه الحلال، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (الجمعة: من الآية: 10) وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك: 15) وفي الحديث الشريف: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَط خَيْرٌ من أن يأكل من عَمِلِ يَدِهِ)) وَالْحَثُّ عَلَى الْعَمَلِ وَبَذْلِ النَّشَاطِ الاجتماعي والاقتصادي جاء عامًّا مطلقًا، وعلى هذا فإنه يشمل جميع أنواع النشاط الاقتصادي، ومختلف أنواع المعاملات والمكاسب، وذلك مثل: التجارة والزراعة والصناعة والشركة والمضاربة والإجارة، وسائر ما يباشره الإنسان من أوجه العمل والنشاط الاقتصادي؛ لغرض الكسب الحلال.
وَلَا تَنْقُصُ قيمة الإنسان في نظر الإسلام بمباشرة أي عملٍ حلال -وإن عده الناس عملًا بسيطًا أو حقيرًا- لأن قيمة الإنسان في نظر الإسلام في دينه وتقواه، لا في ماله
(1/53)
________________________________________
وغناه، ولا في عمله ومهنته، ولهذا وجدنا أكابر الأمة من علمائها وفقهائها يمتهنون مختلف المهن الحرة المباحة كما وجدنا بعض الصحابة الكرام -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- يؤجرون أنفسهم لغيرهم؛ للقيام ببعض الأعمال المباحة الحلال لقاء أجرٍ معلوم.
والإسلام قد حث على إعانة الفقير، وَجَعَلَ الْمُعِينَ خَيْرًا من الْمُعَانِ مِنْ جِهَةِ نَوَالِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وفي هذا يقول -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)) وهذا يدعو إلى العمل وإلى الكسب المباح، وإلى أن يسعى الإنسان، وأن يبذل قصارى جهده في أن يؤمن له ولمن يعول ما يحتاجون إليه، وهذا من المبادئ العامة التي أتى بها الإسلام.
المبدأ الثاني -من هذه المبادئ-: حق الملكية الفردية؛ من الأمور الْبَدَهِيَّةِ الواضحة التي يعرفها صغار المطلعين على الشريعة الإسلامية أن الإسلام أَقَرَّ لِلْأَفْرَادِ بحق الملكية الفردية، وبهذا الإقرار أمكن للفرد أن يكون مالكًا؛ قال الله -تبارك وتعالى-: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} (يس: 71) فأثبت الله تعالى هنا للناس الملك؛ لما خلقه الله -سبحانه وتعالى- وقد قال تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} (البقرة: من الآية: 279) فأثبتت هذه الآية الملك للناس، وأضافت المال إليهم إضافة ملكٍ واختصاص، وقد قال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} (الأنعام: من الآية: 152) وقال: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} (الليل: 17 - 18).
فهذه الآيات الكريمات وأمثالها تضيف المال للإنسان؛ مما يدل دلالة قاطعةً واضحة على أن الإسلام يقر مبدأ الملكية الفردية، وَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي تُقَرِّرُ هَذَا الْمَبْدَأَ، ومن ذلك ما قاله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((لَا يَحِلُ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ)) وقد شرعت نظم الإسلام -أو جاءت النظم في الإسلام- قائمة على هذا
(1/54)
________________________________________
الأساس ألا وهو الإقرار بمبدأ حق الملكية الفردية، وَمِنْ ذَلِكَ الْمِيرَاثُ وَالزَّكَاةُ، وَالْمُهُورُ فِي النِّكَاحِ، والنفقات، وغير ذلك؛ إذ بدون الاعتراف بحق الملكية لا يبقى معنى للميراث، ولا يمكن تحقيق فرض الزكاة.
والدلائل الشرعية الدالة على إقرار مبدأ حق الملكية الفردية لا تفرق بين مالٍ ومال؛ فسواء كان المال المملوك منقولًا أو عقارًا؛ مأكولًا أو غير مأكول؛ حيوانًا أو نباتًا؛ وسائل إنتاج أو وسائل استهلاك، فكل هذا الاختلاف في المال -موضوع الملكية- لا يهم؛ لأن المال المضاف إلى الفرد إضافة ملكٍ واختصاص، الذي جاءت به النصوص الشرعية -وذكرنا بعضها- لم تقيد المال بصفة معينة، بل جاءت مطلقةً من كل قيد، عدا ما عُرِفَ من نصوص أخرى من حرمة تملك بعض الأشياء -كالخمر والخنزير- أو ما كان سبب ملكه حرامًا، وإن كان هو بنفسه يصلح أن يكون مملوكًا؛ كالمغصوب والمسروق ونحو ذلك.
وقد رَتَّبَ الإسلام على مبدأ حق الملكية الفردية التزامًا عامًّا على الكافَّةِ باحترامه -على الكافة أن يحترموه وأن لا يمسوه إلا بوجه حق- كما قال تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل} (البقرة: من الآية: 188) وقال تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} (النساء: 2)، وقد سبق أن ذكرت الحديث: ((لَا يَحِلُ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ)) كما قرر الإسلام عقابًا لمن ينقض هذا الالتزام، ويتجاوز على حق الملك للغير، فهناك عقوبة السرقة وقطع الطريق وخيانة الأمانة والنهي ونحو ذلك؛ سواء أكانت هذه العقوبات عقوبات حدودٍ أم تعذير.
وَلَكِنَّ إقرار الإسلام -مع هذا- بحق الملكية الفردية -كَمَا ذَكَرْتُ وَأَشَرْتُ- لا يعني أنه حق مطلق من كل قيد، وأن موقف الإسلام منه هو موقف الحارس له فقط، فالحقيقة أن الإسلام -مع إقراره بحق الملكية وحمايته له- فَإِنَّهُ يُنَظِّمُه ويقيده بجملة قيود منذ نشأته إلى اندثاره، وبهذا يجمع الإسلام بين موقفينِ بالنسبة لحق الملكية الفردية؛ الأول: الاعتراف به والحماية له، الثاني: التقييد والتنظيم لهذا الحق، وهذا
(1/55)
________________________________________
التقييد يظهر في أمورٍ كثيرة جاءت بها الشريعة الإسلامية؛ فهناك وَضَعَ الإسلام أسبابًا شرعيةً للملكية -كالعمل والسعي أو الميراث أو ما إلى ذلك- أما أن يستولي الإنسان على المال الحرام، أو أن ينفق المال المباح الذي تَمَلَّكه في معصية الله -تبارك وتعالى- فالإسلام يمنع كل ذلك.
المبدأ الثالث -من المبادئ التي أود الحديث عنها هنا-: حق الإرث، وهو من المبادئ المقررة في الشرع الإسلامي؛ فإذا مات شخص، وترك مالًا، وورثه أقرباؤه كان -أو وجب- أن يرثه أقرباؤه على مقتضى ما جاءت به شريعة الإسلام، والإسلام قد أعطى هذه الحقوق للأقرب فالأقرب، ونال المستحقون للميراث سهامًا معينة من تركة الميت، جاء بها الإسلام، وذلك إذا تَوَفَّرَتْ شروط الميراث وأسبابه، وزالت موانعه حسب الشرع الإسلامي، وكما هو مقرر فيه.
وحق الإرث يقوم على أساسٍ من الفطرة والعدل واحترام إرادة المالك، ويدفع الإنسان إلى أن يبذل المزيد من الجهد والنشاط، وهذا النظام أيضًا يحقق ضمانًا اجتماعيًّا لأفراد الأسرة الواحدة، وَيُفَتِّتُ الثَّرَوَاتِ، ويمنع تكديسها، فهو لهذا كله مبدأ عظيم من مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي.
وأود أن أشير هنا -قبل أن أنتقل من هذه المبادئ- أن هذا المبدأ -ألا وهو حق الإرث- قائم على أساسٍ من العدل؛ فإن الإنسان في حياته يعيل أولاده، ويعيل من هو مكلف بِإِعَالَتِهِمْ -كأمه وأبيه وزوجته- وقد يُلْزَمُ بهذا الإنفاق إلزامًا عن طريق القضاء إذا امتنع عنه، والغالب عدم امتناعه.
فمن العدل إذًا أن تكون أمواله بعد موته لأولئك الذين كان هو السبب في وجودهم -كأولاده- أو كانوا هم السبب في وجوده -وذلك مثل أبويه- ليستعينوا جميعًا بهذه الأموال بالإنفاق منها على أنفسهم، كما كان هو في حياته ينفق منها عليهم، وهذا الحق أيضًا -ألا وهو حق الإرث- يقوم على أساس احترام إرادة المالك، وذلك أن الإنسان يرغب رغبةً أكيدة أن تكون أمواله بعد موته لأقربائه لا لغيرهم، فيجب احترام إرادته في هذا، وأن تُدْفَعَ أمواله إلى ورثته من بعده، وَقَدْ فَصَّلَ الشَّرْعُ الْإِسْلَامِيّ الحكيم هذا، وَبَيَّنَ حِصَصَ هَؤُلَاءِ الْأَقْرِبَاء من الميراث على نحوٍ دقيق عادل،
(1/56)
________________________________________
ولا شك أن المسلم يسره ويرضيه أن تصير أمواله إلى ورثته من بعده وفقًا لهذا التقسيم الشرعي العادل.
وأيضًا حق الإرث يدفع إلى أمرٍ آخر -ألا وهو بذل المزيد من النشاط والجهد- وهذا أمر واضح؛ لأن الإنسان في حياته لا يعمل لنفسه فقط، وإنما لمن يهمه شأنهم من أفراد أسرته أيضًا، فالإنسان يكد ويتعب ويجتهد في حياته ويعمل؛ ليسد حاجات أهله ومن يعول، وكما أنه يعمل لتوفير حاجاتهم الحاضرة، فكذلك يبذل أيضًا جهدًا آخر؛ لتوفير ما يسد حاجاتهم في المستقبل؛ فإن بقي في قيد الحياة تولى الإنفاق بنفسه عليهم، وإن مات هو تولوا هم بأنفسهم الإنفاق من أمواله التي تركها لهم.
وعلى هذا فإذا مُنِعَ التَّوَارُثُ؛ فإن الإنسان تضعف همته في العمل، ويقل نشاطه الاقتصادي؛ لأنه يعلم أن ثمرة جهده لا ترجع إلى أفراد أسرته الَّذِينَ يَهْتَمُّ بِأَمْرِهِمْ، ولا شك أن المجتمع سيخسر كثيرًا من فتور الناس عن العمل، ومن ضعف دوافعهم على بذل كل ما يستطيعون من جهدٍ ونشاطٍ اقتصادي.
ومبدأ الميراث يحقق في الحقيقة ضمانًا اجتماعيًّا داخل الأسرة؛ لما يوفره من أموالٍ تعود إلى الأحياء منهم إذا مات أحدهم، وترك مالًا؛ فلا يضيع الصغير واليتيم والأرملة، ولا يصيرون عالة على المجتمع، وفي هذا تخفيف عن كاهل الدولة في سد حاجات المحتاجين.
وكذلك الميراث أيضًا: يُفَتِّتُ الثَّرَوَاتِ، وَيَمْنَعُ مِنْ تَكْدِيسِهَ في أيدٍ قليلة؛ لأن تَرِكَةَ الإنسان بعد موته تُقَسَّمُ عَلَى عَدَدٍ غَيْرِ قَلِيلٍ من أقاربه، ولما كان الإنسان غير مخلدٍ في الدنيا، وَعُمْرُهُ فِي الْغَالِبِ قصير، لا يتجاوز بعض عشراتٍ من السنين؛ فإن الثروة التي يجمعها الإنسان في حياته لا بد أن تتفتت بعد زمنٍ قصير، وتفتيت الثروات الكبيرة مما يُرَغِّبُ فِيهِ الْإِسْلَامُ، ويسلك لتحقيقه سبلًا كثيرة هادئة مريحة، لا عنف فيها ولا اهتزاز، ومن هذه السبل تقرير مبدأ الميراث؛ فتنظيم الإرث في الإسلام جاء إذًا على غايةٍ من العدل والدقة، مما لا نجد له نظيرًا مطلقًا في أي شرعٍ آخر.
(1/57)
________________________________________
وقد حرصت أن أُفَصِّلُ هذا، وأبينه؛ كي أرد به على من يتعرضون ويقفون أمام أنظمة الإسلام وشرائعه التي جاء بها كتاب الله، وبينها رسول الهدى والرحمة -صلوات الله وسلامه عليه- وبكل ذلك يتضح لنا ويظهر أن نظام الإسلام الاقتصادي أيضًا هو الوحيد -أو هو النظام الفريد- الذي يمكن أن يلبي حاجة الأفراد وحاجة المجتمعات، وهو النظام الوحيد القادر على أن يقيم نظامًا اجتماعيًّا يَتَّسِمُ أَفْرَادُهُ فِيهِ بِالرَّاحَةِ وَالْهُدُوءِ والمودة والصلة والتراحم.
ورأس المال يوزع بينهم بطرقٍ مضبوطة، ومع هذا كله، فالإسلام يعطي لكلٍّ قيمة عمله بقدر ما يعمل ويجتهد، وَيُمَلِّكُهُ بقدر ما يكد، وينصح.

دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم الإسلامي
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثالث من عناصر هذا اللقاء، وهو بعنوان: دور الاقتصاد الإسلامي في العالم" ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- دَوْرُ الاقْتِصَادِ الْإِسْلَامِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ: الاقتصاد الإسلامي هو المنهج الاقتصادي الوحيد الذي يتوافر له التجاوب لدى الشعوب الإسلامية، فالعالم الإسلامي اليوم يصل إلى مِلْيَار ونصف المليار من سكان هذا الكوكب، والإسلام -إن شاء الله تعالى- فِي تَوَسُّعٍ مطَّردٍ بعيد المدى، بل الإسلام اليوم لعله يكون أكثر الأديان نموًّا، فهو من ناحيةٍ يَكْسِبُ كل يومٍ أرضًا جديدة، وقوىً مضافة على امتداد جبهة عريضة في العالم.
وَتَرْتَبِطُ هَذِهِ الْجُمُوعُ الإسلامية التي ذَكَرْتُ إلى عددها قبل قليل، ترتبط بتعاليم الإسلام؛ عقائديًّا، كما ترتبط به سياسيًّا واقتصاديًّا، ومن ثم فإن خير سبيلٍ لتحريك هذه الجموع والحصول على استجابتها السريعة يكون عن طريق الإسلام، وباسم الإسلام.
وإننا لا نذكر أن الثورة البلشيفية سَنَةَ 1917 مِيلَادِيَّة قد لقيت مقاومة شديدة في المناطق الإسلامية بالاتحاد السوفيتي، والتي تَتَرَكَّزُ فيها أغلبية مسلمة -كمناطق القوقاز، وما إلى ذلك- وأن القادة السوفيت لم يستطيعوا أن ينفذوا إلى هذه المناطق، إلا بعد أن ادعوا أنهم جاءوا لإعمال تعاليم الإسلام من حيث القضاء على الاحتكار والاستغلال، وإقامة المساواة والشورى، وبناء الاقتصاد على أساسٍ جديد، وغير ذلك من الشعارات التي رفعوها.
وبالتالي يَظْهَرُ أن الإسلام له دور كبير في المسلمين، وَيُضَافُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَسَاسَ الاقْتِصَادِ الْإِسْلَامِيّ هو الشريعة الإسلامية، وهي أحكام يؤمن المسلمون بقدسيتها وحرمتها، ووجب تنفيذها بحكم عقيدتهم الدينية، وإيمانهم أن الإسلام دين نزل من السماء على خاتم النبيين -صلى الله عليه وآله وسلم- وأنه لا يقتصر على مجرد العبادة والهداية الروحية، ولكنه -أساسًا- أُسْلُوبٌ لِلْحَياة، فيجدر بنا إذن أن نقيم اقتصادنا على أساس تعاليم الإسلام؛ لنضمن له الفاعلية وقوة التنفيذ، وهو غاية ما يتطلع إليه أَيُّ تنظيم اقتصادي ينشد النجاح والاستقرار.
ومن هنا تبرز -من زاوية أخرى- أهميةُ الاقتصاد الإسلامي ودوره بالنسبة للعالم الإسلامي، وبوصفه للمنهج الاقتصادي الذي تَرْتَبِطُ به عقائديًّا جماهير هذا العالم، وتتوافر له الفاعلية وقوة التنفيذ.
(1/58)
________________________________________
وثمة نقطة أخرى تُحَتِّمُ على المسئولين في العالم الإسلامي إعمال الاقتصاد الإسلامي والتزامه، وهي القضاء على هذا التمزق الذي يعاني منه أفراد الأمة الإسلامية -موزعين بين ضميرهم الديني وقوانينهم الوضعية- فهذه القوانين الوضعية تواجه نفوسًا أبيَّةً لدى المسلمين، وتؤرِّق ضمائِرَهم، وبالتالي تجعلهم قلقين متفرقين متمزقين، ولا يُلَبِّي، وَلا يَقُومُ بدورٍ حقيقيٍ لدى المسلمين إلا ما جاء به النظام الإسلامي.
ومن هنا تبرز -كما ذكرت- أهمية الاقتصاد الإسلامي، ويبرز دوره بالنسبة للعالم الإسلامي -بوصفه المنهج الاقتصادي- الذي يحقق لجماهير هذا العالم الوحدة والتناسق بين حياتهم المادية وحياتهم الروحية.
النقطة التالية تحت هذا العنصر، وهي:
ب- بعنوان "دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم أجمع":
(1/59)
________________________________________
بعد ما ذكرت دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم الإسلامي وأهميته، أذكر هنا أيضًا أهمية -أو دور- الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم أجمع، وقد أشرت إلى أن العالم الإسلامي يتجاذبه في ذلك اتجاهان؛ الاتجاه الرأسمالي والاتجاه الاشتراكي، ولكلٍ منهما مساوئ، وقد أشرت إلى ذلك قبل قليل، وقد أوضحت فيما مضى أن للإسلام اتجاهًا خاصًّا، وأن له سياسة اقتصادية متميزة، وهي سياسة تجمع بين المصلحتين؛ الخاصة والعامة، وكلاهما لديه أصل.
فهي لا تهدر المصلحة العامة شأن النظم الاقتصادية أو الجماعية، وإنما هي منذ البداية تعتد بالمصلحتين على درجةٍ واحدة، وتحاول دومًا التوفيق بينهما، وهي سياسة تجمع بين المصلحة المادية والحياة الروحية؛ وإذا كانت السياسة الاقتصادية الإسلامية على هذا النحو توفقُ بين كافة المصالح المتعارضة بما يحقق الصالح العام، وَتُقَدِّمُ الحل العملي للمشكلة الاقتصادية، وبالتالي لمشكلة الحرب والسلام؛ فإنه لمن الخير للبشرية كلها أن تأخذ بالإسلام، وأن تعرف دوره في ذلك، وأنه هو الوحيد الذي يلبي لها احتياجاتها، وهو الوحيد الذي يسهم في الاقتصاد وفي حل مشاكل العالم الاقتصاديَّة، ومن هنا تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي ودوره بالنسبة للعالم أجمع.
ولذلك نحن ننادي من خلال ما جاءنا من عند الله -عز وجل- العالم كله أن يأخذوا بهذه الأنظمة والتشريعات التي جاءت من عند الله -عز وجل- إن أردوا رفعةً ونشاطًا وحيوية وعزة وكرامةً في هذه الحياة الدنيا، قبل أن يلقوا رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.
وأكتفي بهذا، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

2 - الإسلام عقيدة وشريعة

تعريف العقيدة، وأهميتها، والمناهج في إثباتها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
ألتقي بكم -أيها المستمعون الكرام- في المحاضرة الرابعة، وهي بعنوان "الإسلام عقيدة وشريعة" وهذه المحاضرة تشتمل على عدة عناصر:
العنصر الأول: تعريف العقيدة وأهميتها والمناهج في إثباتها: ويشتمل على النقاط التالية:
أ- تعريف العقيدة لغة واصطلاحًا:
العقيدة في اللغة: مأخوذة من مادة "عَقَد"، أعني: من الفعل "عَقَدَ" وهذا الفعل مداره في اللغة على اللزوم والتأكد والاستيثاق، قال تعالى في القرآن الكريم: {لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ} (المائدة: من الآية: 89) وتعقيد الأيمان إنما يكون بقصد القلب وعزمه -بخلاف لغو اليمين التي تجري على اللسان بدون قصد- والعقود هي أوثق العهود، ومنها قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة: من الآية: 1) وهذا في الحقيقة يبرز شيئًا من مكانة العقيدة، حينما تؤخذ من هذه المادة، ألا وهو "عَقَدَ" الدالة على اللزوم والتأكد والاستيثاق، ومعنى هذا أنها عقيدة يجب أن تكون ملازمة للإنسان، مستوثقًا منها، وأن يكون قائمًا عليها، قامت في قلبه بيقينٍ واستيثاقٍ وتأكيد.
تعريف العقيدة في الاصطلاح: العقيدة في الاصطلاح: هي الأمور التي تُصَدِّقُ بِهَا النفوس، وتطمئن إليها القلوب، وتكون يقينًا عند أصحابها، لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك، وأصول عقائد الدين التي جاءت من عند الله -تبارك وتعالى- حددها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بقوله: ((الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى)).
(1/60)
________________________________________
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر: وهي: ب- بعنوان "أهمية العقيدة":
لا شك أن العقيدة لها أهمية عظيمة في حياة الإنسان؛ بل في حياة البشرية جمعاء، ويدلنا على ذلك أمور كثيرة، يمكننا أن نوجزها في النقاط التالية:
العقائد: هي الركائز والأسس التي تقوم عليها المبادئ والشرائع، فالبشر أسرى المعتقدات والأفكار؛ فالذين يعتقدون أن الله هو ربهم ومعبودهم، وأن مصيرهم إليه، وأن الدنيا معبر وطريق، يقيمون حياتهم وفق شريعة الله؛ بحيث تهيمن هذه الشريعة على تصرفاتهم وأعمالهم، والذين كفروا بالله، وقالوا بأزلية المادة، أقاموا حياتهم وِفْقَ مُعْتَقَدَاتِهِم، وعملوا لهذه الحياة، وقد قال الله عنهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ}.
والذين أَلَّهُوا الأبقار، فَضَّلُوهَا عَلَى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَقَدَّمُوا لَهَا الْقَرَابِينَ وَالنذور، وَحَرَّمُوا ذبحها، وأهلكوا أنفسهم في سبيل تقديسها، وقل مثل ذلك في الذين عَبَدُوا النيران والأشجار والأحجار والشمس والقمر، والعقائد في الحقيقة تظهر أهميتها في أنها تستولي على أنفس أصحابها، وتدفعهم لبذل أموالهم وأنفسهم في سبيل تحقيق ما يعتقدونه، وهم راضون مطمئنون، وهذا يفسر لنا السر في انْتِصَارِ أَصْحَابِ الْعَقَائِدِ، وَعَدَمِ تَنَازُلِهِمْ عَنْ مَبْدَئِهِمْ، على الرغم من الآلام والمصائب التي تعترض طريقهم، وَضَلَالُ الْإِنْسَانِ في معتقده يجر عليه البلاء، ويضل عمله وسعيه، واعتبر في هذا بالذين قدسوا الأصنام؛ كيف أهانوا أنفسهم؟ وكيف ضيعوا أموالهم؟ وكيف سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ عندما حاربهم المسلمون؟ وعندما يقومون لمحاربة دين الله -تبارك وتعالى- فيخسرون بذلك أنفسهم وأهليهم، وفي النهاية يخلدون في النار وبئس المصير.
وأعظم خلافٍ حصل على مدار التاريخ: هو الاختلاف حول قضايا الاعتقاد، ولذلك كانت أعظم مهمات الرسل تصحيح عقائد البشر الزائفة؛ لأن الناس قد عبدوا على مدار التاريخ الأصنام والأوثان والقبور، والله -عز وجل- أرسل الأنبياء والمرسلين؛ كَيْ يَرُدُّوا النَّاسَ إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمْ الْحَقّ؛ فَنُوح -عليه السلام- نَهَى قومه
(1/61)
________________________________________
عن عبادة الأصنام والأوثان فلم يستجيبوا: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} (نوح: 23)، وإبراهيم عليه السلام قال لقومه -مناقشًا إياهم فيما يعبدون-: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} (الشعراء: 72 - 74) وقال القرآن للعرب -منكرًا عليهم-: {أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} (النجم: 19 - 22)، ونسب الضَّالُّونَ الولد إلى الله: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} (التوبة: من الآية: 30) والنصاري زعموا في عيسى ما زعموه: {وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} (التوبة: من الآية: 30).
ولقد ذكر الله -عز وجل- معتقدهم الآثم في أكثر من آية من كتابه، والعرب زعموا أن الملائكة إناث: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} (الزخرف: من الآية: 19) وذلك ولا شك إفك كبير: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ} (الصافات: 149 - 156).
واختلف البشر في صفات ربهم، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الْقَبَائِحَ، فَالْيَهُودُ -عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ تَتْرَى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ- قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيام، وتَعِبَ في اليوم السابع واستراح، فأكذبهم الحق في مقالتهم أنه تعب وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} (ق: 38) ومن افتراءاتهم على الله قولهم: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} (المائدة: من الآية: 64) وهذه الخلافات العقائدية تسبب اختلافًا بين الأمم، بل بين أبناء الأمة الواحدة؛ فيتعادون، ويتباغضون، ثم يتقاتلون، ويتناحرون، وما خبر الحروب الدينية التي
(1/62)
________________________________________
قامت بين النصارى عنا ببعيد، وقد أهلكت الحرث والنسل، وصدق الله إذ يقول: {وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (المائدة: من الآية: 14).
أما العقيدة الصافية المستقيمة: فإنها ت*** المودة والمحبة بين البشر؛ قال سبحانه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (آل عمران: من الآية: 103) والعقيدة التي جاء بها الرسل ضرورية للبشر ضرورة الماء والهواء؛ لَأَنَّهَا تُحَرِّرُ الْعَقْلَ مِنَ الْخُرَافَةِ، وَتُفَسِّرُ لِلْإِنْسَانِ لُغْزَ الْحَيَاةِ، وَتَدُلُّه على مصدر وجوده، ومصدر وجود الكون، كَمَا تُعَرِّفُهُ العلاقة التي بينه وبين الله، وبينه وبين الكون وتحدثه عن العوالم الأخرى التي هي من عالم الغيب، وَتُبَصِّرُهُ بِمَصِيرِهِ بَعْدَ الْحَيَاةِ، وَالْإِنْسَانُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْإِجَابَةِ الشَّافِيَةَ عن هذه القضايا؛ فإنه سيبقى متعبًا قلقًا حائرًا.
والذي ينظر في حال الفلاسفة والمفكرين الذين لم يهتدوا بهدي الله سيشعر بمدى التعب النفسي والإرهاق الفكري الذي عانى منه هؤلاء الرجال جميعًا، وبالتالي فالعقيدة الإسلامية مهمة في حياة الإنسان؛ بها يصلح الإنسان، وتصلح حياته، وتصلح، وتستقيم نظرته في هذه الحياة الدنيا، فيعبد ربًّا واحدًا، ويتوجه إلى إلهٍ واحد، ويعرف أنه خُلِقَ لغاية كريمة، وأن مراده ونهايته إلى رب العزة والجلال -سبحانه- فلا يعيش إلا لله، ولا يصرف همه إلا في مرضاة الله -تبارك وتعالى.
النقطة الثالثة تحت هذا العنصر بعنوان "المناهج في إثبات العقائد": هناك منهجان لمعرفة قضايا الاعتقاد، وانْتَبِهُوا غَايَةَ الانْتِبَاهِ لهذا، الأول: منهج الرسل، وَهَذَا الْمَنْهَجُ يَقِفُ الْعَقْلُ الْإِنْسَانِيُّ فِيهِ عِنْدَ حَدِّ التَّصْدِيقِ بِاللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَىَ- ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَلَقَّى عَنِ اللَّهِ عَقِيدَتَهُ فِي اللَّهِ وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر.
(1/63)
________________________________________
والعقل الإنساني هنا يتدبر وحي الله ويفقهه، ولا يخوض في هذه القضايا بعيدًا عما أوحى الله إليه، وعلى المسلم في هذه الحال أن يتأكد من صدق نسبة النصوص إلى الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- لَأَنّ هذه النصوص -إن كانت صادقة- وجب عليه أن يترك رأيه وهواه، وَيُحَكِّمُ مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ، وهذا المنهج يمكن أن نطلق عليه "المنهج الإيماني القرآني النبوي"، وعمدة هذا المنهج: الأخذ بنصوص الكتاب وصحيح حديث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في مسائل الاعتقاد.
المنهج الثاني: منهج الفلاسفة الذين رفضوا الاحتكام إلى الشرع، وأصروا على أن يضربوا في بَيْدَاءَ شَاسِعَةٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، لَقَدْ غَفَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخُوضَ فِي هَذِهِ الْمَيَادِينِ بنفسه؛ لأنها قضايا غيبية، لا تدخل في نطاق قدرات العقول البشرية.
ولذلك فإن الفلاسفة كانوا أعدى أعداء الرسل، وَقَدْ تَأَثَّرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ بِهُؤَلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ، فاحتكموا إلى الموازين والمقاييس العقلية التي أخذوها من أولئك الْفَلَاسَفَةِ، وَعَارَضُوا بِهَا الشَّرْعَ، وَحَكَّمُوهَا فِي الشَّرْعِ، وردوا بها كثيرًا من الأحكام الشرعية بحجة: أن الأدلة العقلية يقينية، والأدلة الشرعية كثير منها ظنيّ الثبوت، ظني الدلالة، أو ظني الثبوت، وإن كان قطعيَّ الدلالة، أو ظني الدلالة وإن كان قطعي الثبوت.
فَرَدَّ هَؤُلَاءِ أَحَادِيثَ الْآحَادِ فِي الْعَقِيدَةِ، وَمُنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا فِي الْعَقِيدَةِ وَالْأَحْكَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بنصوص الكتاب؛ لِكَوْنِهَا ظَنِّيَّةَ الدلالة، ويمكننا أن نسمي هذا المذهب "المذهب الفلسفية الكلامي"، وهذا فريق من الناس أكثر الناس اختلافًا وتناقضًا، وَقَدْ حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ الْجَهَابِذَةُ مِنْ مَغَبَّة السَّيْرِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ، وَبَعْضُ سَالِكِيهِ تَرَاجَعَ عَنْه جزئيًّا أو كليًّا بعد أن عرفوا ما فيه من اعوجاج، والطريق الأول: طريق الرسل، وهو طريق سهل قصير مأمون العواقب.
(1/64)
________________________________________
أما هذا فإن سالكيه لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ إلا بعد أن يقتحموا لُجَّةَ البحر الخضم؛ فِمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الشَّكَ أولًا، ومنهم من أوجب النظر، أو القصد إلى النظر، ومنهم الذين نَادَوْا بتعلم الرياضيات، والطبيعيات، ومنهم من قال: نبدأ بالمنطق ثم الطبيعيات والرياضيات، وهي علوم لا يتقنها إلا الخاصة؛ فكيف يتيسر لعوام الناس تعلمها؟
إن الوحي عندنا أساس، والعلم السماوي هو نور العقل، والعلم السماوي يعرفنا بربنا وأنفسنا والكون من حولنا، ولسنا بحاجة إلى مقاييس الفلاسفة وموازين المتكلمين.
قيل لابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: كَيْفَ عَرَفْتَ ربك؟ قال: "عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي" وصدق والله؛ اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا.
وإذا كان العقل يستضيء بنور الوحي؛ فإن الوحي السماوي قد حَوَى الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ الْبَاهِرَةَ، وَأَلْزَمَ الْعَقْلَ بِالنَّظَرِ فِي مَلَكُوت السَّمَوَاتِ والأرض، والتفكير في ذلك في قدرة العقل ومؤنته، وهذا التفكر يؤكد الإيمان ويقويه، كما قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران: 190 - 191).
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة الرابعة وهي:
د- تحت هذا العنصر، وهي بعنوان: "ملاحظات مهمة في المسائل الاعتقادية":
طالما أنني أتحدث هنا عن العقيدة، وَأُبَيِّنُ أَنَّ الْإِسْلَامَ عَقِيدَةٌ وَشَرِيعَةٌ، لا بد أن أتحدث عن العقيدة هنا بشيءٍ من التفصيل؛ فبعد أن بَيَّنْتُ أن المنهج الصحيح الصواب في المسلك الذي يجب أن يَسْلُكَهُ الإنسان هو أن يلتزم بنصوص الكتاب والسنة، وهو مذهب الأنبياء والمرسلين، أود في هذه النقطة أيضًا أن أعطي بعض الملاحظات المهمة التي تتعلق بالمسائل الاعتقادية، وهذه الملاحظات هي كما يلي:
(1/65)
________________________________________
الأول: أنها عقيدة غيبية، وَلَيْسَتْ أُمُورًا مَحْسُوسَةٌ؛ فالله غيب، وكذلك الملائكة، واليوم الآخر، والقدر؛ أما الرسل والكتب فالإيمان بها إنما يكون بالتصديق بنسبتها إلى الله تعالى -أي: أن الله -عز وجل- أرسل الرسل، وأنزل الكتب- فهذا غيب، وهناك قضايا هامة أُلْحِقَتْ بِمَسَائِلِ الاعْتِقَاد، وبُحِثَتْ فِي كُتُبِ الْعَقِيدَةِ لِأَهَمِّيَّتِهَا، وأمور الإيمان بصورة عامة التي جاءت من عند الله -تبارك وتعالى- كلها أمور غيبية -أعني بذلك: مسائل الإيمان وأركان الإيمان- فالله غيب، والملائكة كذلك، والأنبياء، والمرسلون، واليوم الآخر، والقدر؛ خيره وشره، كل ذلك أركان الإيمان، وهي مسائل غيبية، وهي سمة من سمات هذا الدين.
الثاني من هذه الملاحظات: أن نعرف أن مصدر هذا الغيب هو الوحي السماوي الصادق؛ فالغيب مصدره من رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى- ونحن إذا عَلِمْنَا شيئًا من الأمور المستقبلية، أو علم الله -عز وجل- بَعْضَ أَنْبِيَائِهِ شيئًا من ذلك، فإنما هذا من الله -سبحانه وتعالى- وحده، وعلم الغيب عند الله -سبحانه وتعالى- وحده دون سواه، قال جل ذكره: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (البقرة: 1 - 3).
فالإيمان بالغيب أمارة من أمارات الإيمان، بل هي صفة من الصفات الجليلة للمؤمنين، وطالما أنهم يؤمنون بالغيب دَلَّ ذَلِكَ على أنهم لا يعلمونَهُ، ويصدقون به، وأن مصدره هو رَبُّ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ -سبحانه وتعالى- والإيمان بالغيب يقابله: عدم التصديق إلا بالمحسوس -كما هي نظرية الشيوعيين- وقد باء هؤلاء بالخسران لما لم يؤمنوا برب العزة والجلال سبحانه؛ لأنهم لا يشاهدونه، وهذا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عُقُولِهِمْ وَفَسَادِ مُعْتَقَدِهِمْ.
الْمُلَاحَظَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ هَذِهِ الْمُلَاحَظَاتِ: أَنَّ مَسَائِلَ الْعَقَائِدِ يَقِينٌ، وَلَا تَصِحُّ الْعَقِيدَةُ مَعَ الشَّكِّ؛ فالشك ينافي الاعتقاد الصحيح، قال الله -عز وجل-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} (الحجرات: من الآية: 15) وهذا في الحقيقة مدح لهذا الإيمان، مدح لهم؛ لأنهم
(1/66)
________________________________________
آمنوا دون ارتياب، آمنوا بيقين واعتقادٍ سليم، بخلاف حال الذين ذَمَّهُمُ اللَّهُ لِرَيْبِهِمْ وَشَكِّهِمْ، فقال عنهم: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}.
الملاحظة الرابعة: العقيدة في الإسلام وحدة متشابكة مترابطة؛ إذا هُدِمَ أصل من أصولها خرج صاحبها من دائرة الإسلام، فالذي يكفر باليوم الآخر أو الجنة أو النار، أو يُكَذِّبُ الرسلَ أو واحدًا منهم، أو يكذب بالملائكة أو بواحدٍ منهم، أو بشيء مما أخبر الله -عز وجل- به فهو كافر، وإن آمن بغيره، قال تعالى: -في الذين يكفرون ببعض أصول الاعتقاد-: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا} (النساء: 150 - 151).
وقد ذَمَّ اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ لِكُفْرِهِمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَمُصْطَفَاهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَفِي هَذَا يَقُولُ -جَلَّ ذكره-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمَْ} (البقرة: من الآية: 91).
ومن هنا يظهر لنا خطأ إطلاق اسم الإيمان على الذين يؤمنون بوجود الله من الكفار، ولو لم يعبدوه ويوحدوه، ولو لم يؤمنوا بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ فالإيمان بوجود الله وحده لا يكفي، ولا يُطْلَقُ على العبد هذا الاسم إلا إذا أتى بجميع أركان الإيمان؛ فَإِذَا تَرَكَ بَعْضَهَا أَوْ أَنْكَرَ وَاحِدًا مِنْهَا فَقَدْ هَدَمَ بِذَلِكَ إِيمَانَهُ؛ لَأَنَّ الْأَمْرَ -كَمَا ذَكَرْتَ- بأن الإيمان وحدة متشابكة مترابطة.
الملاحظة الخامسة: الاعتقاد الجازم لا يكفي وحده، وانتبه -أيها المستمع الكريم- لهذه الملاحظة الدقيقة، الاعتقاد الجازم لا يكفي وحده، وذلك لأن فرعون جزم بأن الآيات التي جاء بها موسى من عند الله -عز وجل- هي من الله -تبارك وتعالى- ولقد ذكر الله ذلك عنه وعن قومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (النمل: من الآية: 14).
(1/67)
________________________________________
وإبليس جازم بصدق الرسل والكتب، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْمَلُوا، ويرضوا، ويسلموا ما قُبِلَ منهم بحال؛ إذًا التصديق فقط لا يكفي وَحْدَهُ، بل لا بد من الاعتقاد الجازم من الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم- نبيًّا ورسولًا، ولا بد من الإعلان عن ذلك باللسان، وتصديق ذلك بالعمل -أي: أن يذعن الإنسان وينقاد لله -تبارك وتعالى- فما آمن أبدًا من اعتقد ورفض الخضوع والطاعة لله، كما هو حال الشياطين والمستكبرين.
الْمُلَاحَظَةُ السَّادِسَةُ: كُلُّ مَنْ أَنْكَرَ شيئًا من أصول الاعتقاد أو فروعه المعلومة من الدين بالضرورة؛ فإنه كافر لا شك في كفره؛ انتبه لهذا: من أنكر شيئًا من أصول الاعتقاد أو من فروعه المعلومة من الدين بالضرورة، فهو كافر لا شك في كفره.
أما الذي يترك عملًا من الأعمال الشرعية الواجبة، أو يفعل شيئًا مما حرمه الله فإنه يكون عَاصِيًا، وَالَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي هُمُ الْخَوَارِجَ، أَمَّا مَنْهَجُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَإِنَّ تَرْكَ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلَ الْمُحَرَّمَاتِ يُعَدُّ ذنبًا ومعصية تشوه الإيمان وتنقصه، ولكنها لا تزيله وتذهبه.
ولكن الذي يكفر به الإنسان هو إنكار شيء من أصول الاعتقاد الصحيح التي جاءت في كتاب الله، أو على لسان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

معنى الشريعة والأسس التي بنيت عليها
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو بعنوان: معنى الشريعة والأسس التي بُنِيَتْ عليها، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- معنى الشريعة: الشريعة: علم على جميع ما أنزله الله من أحكام، إلا أن بعض العلماء المتأخرين جعلوا الشريعة علمًا على الأحكام العملية دون غيرها.
والاصطلاح الذي وضعه العلماء للأحكام العملية: هو الفقه أو علم الفروع، وَسَنُلِمُّ إِلْمَامَةً سَرِيعَةً بِهَذَا الْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ أَقُولُ: إن مدار الفقه في لغة العرب على الفهم والعلم، قال موسى -عليه السلام- في دعائه لربه: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} (طه: 27 - 28)، وقال قوم شعيبٍ -في خطابهم لنبيهم-: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} (هود: من الآية: 91).
(1/68)
________________________________________
وبعد مجيء الإسلام غَلَبَ اسْمُ الْفِقْهِ عَلَى عِلْمِ الدِّينِ؛ لِسِيَادَتِهِ وَشَرَفِهِ وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريَّا، والْعُودُ عَلَى الْمِنْدِل، وَقَدْ كَانَ اسم الفقه شاملًا للدين كله؛ فالفقه: فقه الكتاب والسنة، لا فرق في ذلك بين العقائد والعبادات، والأخلاق والمعاملات والأخبار.
يقول ابن عابدين: المراد بالفقهاء: العالمون بأحكام الله تعالى؛ اعتقادًا وعملًا؛ لأن تسمية علم الفروع فقهًا حادثة، ويؤيده قول الحسن البصري: إنما الفقيه الْمُعْرِضُ عَنِ الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، الْبَصِيرُ بِدِينِهِ، الْمُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، الْوَرِعُ الْكَافُّ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، الْعَفِيفُ عَنْ أَمْوَالِهِمْ، النَّاصِحُ لِجَمَاعَتِهِمْ.
وقد خص المتأخرون علم الفقه بفروع الدين دون أصوله -كما علمت من عبارة ابن عابدين السابقة- وقد عرفوه بقولهم: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. فالتعريف -كما ترى- قَصَرَ الفقه على العلم بالأحكام الشرعية العملية -أي: الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ عمل، دون التي تتعلق بالاعتقاد أو الأخلاق.
وَقَدْ عَرَّفْتُ العقيدة، وَذَكَرت المناهج فيها قبل قليل، وبعض الملاحظات عليها، ونحن هنا نتكلم عن علم الشريعة الذي قصره الفقهاء على علم الفقه، ومن هنا صح أن يقال: إن الإسلام عقيدة وشريعة.
أنتقل بعد ذلك إلى نقطة:
ب- من العنصر الثاني، وهي بعنوان: "الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية":
قَامت هذه الشريعة المباركة على أسس كثيرة، استقرأها العلماء من نصوص الكتاب والسنة، وسأكتفي هنا بأبرزها وهي -كما يلي-: اليسر، ورفع الحرج، هذه الصفة بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وَكَوْنُهَا مُيَسَّرَةً، لَا حَرَجَ فِيهَا هُوَ نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِسِعَتِهَا وَكَمَالِهَا، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلَى هَذَا الْمَعْلَمِ في أكثر من موضعٍ في كتابه؛ فقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} (البقرة: من الآية: 185) وقال سبحانه: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج} (المائدة: من الآية: 6).
(1/69)
________________________________________
وقد بلغ اليسر في الشريعة إلى درجة التخفيف من الواجبات عند وجود الحرج، والسماح بتناول القدر الضروري من الْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ فَالَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ اسْتِعْمَالُ الْمَالِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ، كَمَا قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (المائدة: من الآية: 6) والمريض والمسافر يباح لهما الفطر: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة: من الآية: 184) وقال -في حق الذي لا يجد قوتًا حلالًا-: {فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة: من الآية: 173).
وقال الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- للمريض لما شكا له مرضه وعدم قدرته على القيام: ((صلِّ قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا؛ فإن لم تستطع فعلى جنبك)) وَكَانَ مِنْ مَعَالِمِ الْيُسْرِ فِي هَذَا الدِّينِ الْمُبَارَكِ أَنْ أَبَاحَ اللَّهُ لَنَا الطَّيِّبَاتِ، وَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا طعامًا ولا شرابًا إلا إذا كان خبيثًا، وإباحة الطيبات كلها هو مقتضى رفع الله تلك الآصار التي حملتها تلك الأمم من قبلنا؛ فقد وضع الله على الذين هادوا آصارًا وأغلالًا بسبب تمردهم على ربهم، كما قال -جل ذكره-: {فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} (النساء: 160 - 161).
وقال سبحانه: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (الأنعام: 146) ولكن هذه الشريعة جاءت برفع ذلك كله، وأتت باليسر ورفع الحرج؛ لقد جاء النبي الأمي -صلى الله عليه وآله وسلم- كما أخبر الله في الكتب السابقة، وفي القرآن الكريم، جاء؛ ليرفع عن البشرية الآصار والأغلال التي حملتها عبر الأمم أو عبر القرون السابقة، قال سبحانه: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: من الآية: 157).
(1/70)
________________________________________
لقد كان الوحي يتنزل، يأخذ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- والمؤمنين معه بمنهج اليسر، وَيُقَوِّمُ مِعْوَجَّ المسلمين في هذا الجانب ويسددهم حين يقوم الانحراف، وَقَدْ فَقِهَ الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- هذا المنهج الذي أراده الله بهذه الأمة، فَقَامَ عَلَى تَحْقِيقِهِ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْآخَرِينَ، فَكَانَتْ حياة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يسرًا كلها؛ كيف لا؛ وقد وعده الله بأن يكون كذلك؟! {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} (الأعلى: من الآية: 8).
إن الناظر في سيرة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يعجب لذلك اليسر الْمُدْهِشِ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُ بِهِ نَفْسَهُ فِي عِبَادَتِهِ وَدَعْوَتِهِ وتعامله مع أصحابه وأعدائه: كان -صلى الله عليه وآله وسلم- يصوم من الشهر حتى يقول القائل: لا يُفْطِرُ. ويفطر من الشهر حتى يقول القائل: لا يصوم. وإذا وجد طعامًا أكل، وإذا وجد شرابًا -عسلًا أو غيره- شرب وإلا صبر.
يُدْعَى فيستجيب، ويُسْأَلُ فَيُعْطِي، في كَلَامَاتٍ قَلِيلَةٍ يُعَالِجُ أَمْرَاضًا نفسية اسْتَحْكَمَتْ فِي النفوس، وفي بساطةٍ وسهولة يقيم الحجة على الخصوم، وبالطريقة نفسها كان يقود المجتمع المسلم، ويقود الجيوش.
وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- يَرْقُبُ صحبه الكرام؛ فإذا رأى منهم ميلًا إلى التعسير ردهم إلى التيسير، وأرشدهم إلى الأخذ بالرفق، وقد وجههم توجيهًا عامًّا إلى هذا المنهج المبارك؛ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ البخاري ومسلم: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا))، ((وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ؛ فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ قَالُوا: حَبْلٌ لِزَيْنَبَ؛ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، فقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: لا، حلُّوه ليصلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ؛ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)) وهكذا يرد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم زوجته إلى اليسر إذا أتعبها طول القيام في صلاة الليل فلا حرج عليها أن تصلي قاعدة.
(1/71)
________________________________________
((وَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى زَوْجِهِ عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ وَكَانَتْ تَذْكُرُ مِنْ عِبَادَتِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَنَامُ الْلَيْلَ، فَرَدَّهَا الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (إِلَى الْمَنْهَجِ الوسط) قائلًا: مَهْ، عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ)) إن التشديد على النفوس بالعبادة والطاعة نهج أخذ به المتعبدون أنفسهم في الأمم الخالية، ولم يكن منهجًا موفقًا، ولذلك حذرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- من سلوكه؛ ففي سنن أبي داود: ((لا تشددوا على أنفسكم فَيُشَدَّد عليكم؛ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالديار {رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} الحديد: من الآية: 27)).
الأساس الثاني -من الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية-: العدل:
تتطلع الشعوب دَائِمًا إِلَى إِيجَادِ قَوَانِينَ تَتَّصِفُ بِالْعَدْلِ، وتنفي الظلم والجور، وكم يكون مصاب البشر أليمًا عندما يجدون القوانين التي يرجونها لإقرار العدل والإنصاف تُقَنِّنُ الظلم؛ بحيث يكون هو النظام الذي يحكم في رقاب العباد؛ إننا لا نريد بالعدل هنا تطبيق القاعدة القانونية، فجور القاضي وظلم الحاكم في الحكم بخلاف القانون ليس هو المراد هنا، بل المراد هو اتصاف القانون بالعدل.
إن الذين يضعون القوانين البشرية لا يمكنهم أن ينسلخوا من طبائعهم البشرية، وَلِذَلِكَ نَرَاهُمْ يَمِيلُونَ بِالْقَوَانِينِ اتِّجَاهَ الْجِهَةِ الْحَاكِمَةِ، فَتعطيها من المصالح والمنافع ما لا تعطي غيرها، وهي في هذه الحالة تقرر الظلم، وهي تعلم بذلك.
وفي بعض الأحيان تضع القوانين الظالمة بسبب جهلها بالحكم العادل الذي يجب أن تقننه، وقد حدثنا الله تعالى عن طبيعة الإنسان فقال: {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب: من الآية: 72) فواضع القوانين البشرية بشر، فيهم ظلم وجهالة، وبسبب ذلك يقررون كثيرًا من القواعد القانونية التي تتصف بالظلم.
(1/72)
________________________________________
القوانين الوضعية اليوم تقر الربا، وَتبيح الزنا واللواط، وتجيز شرب الخمر، وتمنع من قتل القاتل واقتصاص الإنسان ممن اعتدى عليه، ولا تزال هذه القوانين تخص بعض فئات المجتمع بحقوق دون بقية أفراد المجتمع، وفي كثيرٍ من الأحيان يغلو واضع القانون في تقرير العقوبة فيقرر العقوبة العظيمة للذنب الحقير، وقد يحكم بالعقوبة على غير من ارتكب الجرم.
أما الشريعة الإسلامية فليست من وضع البشر، بل هي من عند خالق البشر الذي يتصف بالعدل التام وبالحكمة البالغة، يقول سبحانه: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا} (الكهف: من الآية: 49) ويقول -جل ذكره-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} (النساء: من الآية: 40)، ويقول -سبحانه-: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأنعام: 115) قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم.
وقال ابن كثيرٍ -رحمه الله-: كل ما أخبر الله به فحق لا مِرْيَةَ فيه، ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فهو باطل؛ فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ} (الأعراف: من الآية: 157).
وإذا كان مُنَزِّلُ الشريعة مُتَّصِفًا بالعدل المطلق؛ فَإِنَّ شَرِيعَتِهِ لَا بُدَّ أن تكون كذلك متصفةً بالعدل المطلق، فالأحكام الشرعية هي العدل، والعدل: هو الشريعة الإسلامية؛ فلا تميل القواعد الإسلامية الشرعية إلى جانب الحاكم ضد مصالح المحكوم، ولا تعطي الرجال حقوقًا بحيث تظلم النساء، ولا يمكن أن تخطئ المقدار المناسب للجريمة؛ لأن واضعها يتصف بالعلم المطلق الشامل -سبحانه وتعالى.
الأساس الثالث -من الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية-: حفظ مصالح العباد:
يقرر علماء الشريعة -بعد استقرائهم لأحكام الشريعة
(1/73)
________________________________________
ونصوصها- أن مقصد الشريعة الإسلامية تحقيق مصالح العباد على الوجه الأكمل؛ يقول ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى-: إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. ويقول العز بن عبد السلام: والشريعة كلها مصالح؛ إما تدرأ مفاسد، أو ت*** مصالح.
وقد عالج الإسلام صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه -وهم النوع كله- فابتدأ الدعوة إلى إصلاح الاعتقاد الذي هو إصلاح مبدأ التفكير الإنساني الذي يسوقه إلى التفكير الحق في أحوال هذا العالم، ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنه؛ لأن الباطن محرك الإنسان إلى الأعمال الصالحة، كما ورد في الحديث: ((ألا وإن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).
وقد عالج بعد ذلك إصلاح العمل، وذلك بالتشريعات التي أَنْزَلَهَا، فَتَشْرِيعُ رَبِّ الْعَالَمِينَ رَاعَى -بلا شكٍ- مصالح العباد، والعقيدة الإسلامية والتشريعات الربانية التي جاءت من عند الله -تبارك وتعالى- كلها لمصلحة الإنسان، فهي جاءت؛ كي ترفع بالإنسان، وترتفع به إلى مصاف الكرم والشرف والمنعة والغلبة -كما ذكرت- ثم بعد ذلك يكون مآله إلى جناتٍ ونهر.
الأساس الرابع: التَّدَرُّجُ فِي التَّشْرِيعِ حين تَنَزُّلِ التشريع، والتدرج في التشريع نوعان:
الأول: التدرج في تشريع جملة الأحكام، بمعنى: أنها لم تُشْرَعْ كلها مرةً واحدة، وإنما شُرِعَتْ شيئًا فشيئًا؛ ففي ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة فُرِضَتِ الصلاة، وفي السنة الأولى من الهجرة شُرِعَ الأَذَانُ والقتال، كما شرعت أحكام من النكاح -كالصداق والوليمة- وفي السنة الثانية شرع الصوم وصلاة العيدين
(1/74)
________________________________________
ونحر الأضاحي والزكاة، وَحُوِّلَتْ فِيهَا الْقِبْلَةُ، وأحلت الغنائم للمجاهدين، وفي السنة الثالثة كان تشريع أحكام المواريث وأحكام الطلاق، كما شرع الله قصر الصلاة في السفر وفي الخوف، وعقوبة الزنا، وأنزل الله أحكام التيمم والقذف، وكان أخيرًا فرض الحج.
وفي السنة السادسة أيضًا بَيَّنَ اللَّهُ أَحْكَامَ الصلح والإحصار، وفيها حرم الله الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، كما حَرَّمَ بعد ذلك الْحُمْر الإنسيَّة، وذلك في السنة السابعة من الهجرة النبوية، وَشَرَعَ أحكام المزارعة والمساقاة، وحد السرقة واللعان، وَمَنَعَ الكفار من دخول مكة، وفي السنة العاشرة حرم الربا تحريمًا، لا خفاء فيه.
النوع الثاني: التدرج في تشريع الحكم الواحد، فكثير من الأحكام لم تُشْرَعْ كما هي عليه الآن من أول الأمر، بل تَدَرَّجَ الشارع في شرعها، فالصلاة -مثلًا- فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ في أول الأمر، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَأُقِرَّتْ في السفر؛ ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثم هاجر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فَفُرِضَتْ أَرْبعًا وَتُرِكَتْ صَلَاة السفر على الفريضة الأولى)).
وَلَمْ تُبَيَّنْ أحكام الصلاة جملةً واحدة، بل فصل الله ذلك على فترات، وكذلك الزكاة والصيام والجهاد والخمر؛ لم يحرمها الله مرةً واحدة، ولكنها حُرِّمَتْ على أحوال؛ فقد بين الله أولًا إِثْمَ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَنَّ شُرْبَهَا أعظم من نفعها -إن كان فيها نفع- ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَرَّم تناولها قرب الصلاة، فلا يجوز قربان الصلاة حال السكر، ثم حرمها بعد ذلك تحريمًا قاطعًا.
وكل ذلك تدرج في الأحكام؛ حتى يقبل العباد الأحكام الشرعية، ويقبلوا عليها دون مللٍ أو تدرج، فَلَوْ حرمت الخمر في بادئ الأمر أول مرة أو مرةً واحدة ربما
(1/75)
________________________________________
صعب على الكثير أن يتركها، ولكن هذا التدرج كان مفيدًا للغاية، وهو سمة عظمة من سمات التشريع الإسلامي.
وهذه الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية تجعلنا -يَا أَيُّهَا النَّاسُ- نُقْبِلُ عَلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَأَنْ نَعْتَقِدَ وَنَعْلَمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ أَمْرًا عِلْمِيًّا فَحَسْب، أَوْ عَمَلِيَّةً قَلْبِيَّةً يعتقدها الإنسان بقلبه فقط، وَإِنَّمَا الْإِسْلَامُ وَالْإِيْمَانُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَتَعَدَّى ذلك إلى عمل وشريعة لا بد أن يقوم بها الإنسان، وبهذه المناسبة أود أن أشير إلى سماحة ويسر وعدل ورحمة الشريعة الإسلامية؛ فالشريعة رحمة كلها، وعدل كلها، ومصلحة كلها.
ولو علم العالم ما في هذه الشريعة من خيرٍ ونفعٍ لهم في العاجل والآجل لأتوا إليها، ولتركوا الاحتكام إلى غيرها، ولأصبحوا جميعًا ينعمون بتحكيم شريعة الله -عز وجل- فالله -عز وجل- أعلم بما يصلح عباده؛ لأنه هو خالقهم، وقد أنزل عليهم ما يصلحهم، ولذلك أقول: هَلُمُّوا -معشر الناس- إلى شريعة الله -تبارك وتعالى.

التشريع حق لله وحده دون سواه
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثالث من عناصر هذا اللقاء، وهو العنصر الأخير، وهو بعنوان "التشريع حق لله وحده دون سواه"، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- بيان أن المشرع هو الله وحده؛ الله وحده هو الذي يحق له أن يَسُنَّ التشريعات التي يَخْضَعُ لَهَا الْعِبَادُ فِي حَيَاتِهِمُ الْخَاصَّة والعامة، وهذا الحق أمر بَدَهِيٌّ في حس المسلم وتصوره، ذلك أن هذه الأرض التي نعيش عليها جزء من مملكة الله في كونه الواسع، والعباد الذين يدبون فوقها هم من صنعة الله وتكوينه وخلقه، فهو ربهم وإلههم وسيدهم ومن حقه سبحانه أن يُشَرِّعَ لَهم، فَمَا هُمْ إلا عبيده ومماليكه.
ومن ناحية أخرى فإن تشريعه لعباده هو التشريع الذي يصلح عباده، ذلك أنه تشريع محكم كامل؛ لأنه من العليم الخبير الحكيم، فلا تشريع أحسن ولا أكمل ولا
(1/76)
________________________________________
أوفى من تشريع خالق السموات والأرض، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} (يوسف: من الآية: 40) وقال سبحانه: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (القصص: من الآية: 88) وقال سبحانه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (الشورى: من الآية: 21).
و ((لما دخل عدي بن حاتم على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو يقرأ الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} (التوبة: من الآية: 31) قال: ما عبدناهم، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ألم يحلوا لكم الحرام، فتحلوه، ويحرموا عليكم الحرام فتحرموه؟! قال: بلى. قال: فبذلك عبدتموهم)).
وقد أمر الله المؤمنين باتباع الشرع الْمُنَزَّلِ، ونهى عن إتباع الشرائع البشر المخالفة لشرع الله؛ قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} (الأعراف: 3).
النقطة التالية في هذا العنصر، وهي:
ب- بعنوان "الإيمان يوجب التحاكم إلى شرع الرحمن"، وهذا يبين -أيها الأخوة الكرام يبين- ارتباط العقيدة بالشريعة، وَهُوَ مَا يُعَبَّرُ عَنْه بالدين، فالدين عقيدة وشريعة، وكلاهما من عند الله -عز وجل.
والإيمان الحق يوجب العمل بشريعة الله تعالى، كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} (النساء: 60) وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65)؛ فمن شروط الإيمان أن يحتكم العبد إلى شريعة الرحمن سبحانه.
وبالتالي أقول: الإسلام عقيدة وشريعة، وكان هذا هو موضوع هذا اليوم -أو موضوع هذا اللقاء- في هذه المحاضرة، وقد بدا لي أن أقول: إننا بحاجة إلى عقيدة سليمة صحيحة، كما أشرت إليها في هذا اللقاء، ثم بعد ذلك إلى أن نأخذ بالشريعة الإسلامية، فنطبقها ونعمل بما جاء فيها، وبالتالي نكون قد طبقنا الإسلام والإيمان تطبيقًا عمليًّا، ظهر آثاره على الجوارح، وفي مجتمع الناس.
أسأل الله -سبحانه وتعالى- للجميع التوفيق والسداد، وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين. وصلاة وسلامًا على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين.
(1/77)
________________________________________
الدرس: 3 إلمامة بأركان الإيمان.
(1/79)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث
(إلمامة بأركان الإيمان)
1 - إلمامة تحليلية عن أركان الإيمان (1)

مذهب السلف في الإيمان مع ذكر أركانه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
عنوان محاضرة هذا اللقاء "إلمامة تحليلية عن أركان الإيمان" وهذا الموضوع موضوع مهم ومتجدد، وإن كان الطالب قد درس شيئًا من مفرداته، في علم التوحيد، إلا أنني هنا سأتناوله حسب ما جاء في توصيف، أو مفردات المقرر بذكر ملخص سريع، أو إلمامة تحليلية عن أركان الإيمان، في العناصر التالية:
العنصر الأول: مذهب السلف في الإيمان، ويشتمل على النقاط التالية: النقطة الأولى: مذهب السلف في حقيقة الإيمان وأدلته:
الإيمان عند السلف: هو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان.
وسُئِلَ فضيل بن عياض عن الإيمان، فقال: الإيمان عندنا داخله، وخارجه الإقرار باللسان، والقبول بالقلب، والعمل به، وقال عبيد بن عمير الليثي: ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان قول يعقل، وعمل يعمل، وهذا كلام في حقيقته في غاية من الوضوح، ويوضحه أكثر -شيخ الإسلام- ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- فيقول: كان من مضى من سلفنا، لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان، والإيمان من العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه، وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى، التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله؛ كان في الآخرة من الخاسرين، وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف، أنهم يجعلون العمل مصدقًا للقول.
ومن القائلين بأن الإيمان قول وعمل، الأئمة الثلاثة؛ أحمد بن حنبل، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومالك بن أنس وغيرهم، من الأئمة كسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر بن راشد، وغيرهم -رحمهم الله تبارك وتعالى.
(1/81)
________________________________________
والأدلة على أن الإيمان اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان كثيرة جدًّا، ومنها قول الله -تبارك وتعالى-: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل: 106) ويقول سبحانه: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} (آل عمران: من الآية: 84) فهذه الآية بينت أن الإيمان يكون بالقول، والآية السابقة بينت أيضًا أن الإيمان يكون بالقلب.
ومن الأدلة على أن الأعمال أيضًا من الإيمان، إلى جانب اعتقاد القلب، وقول اللسان، تسمية الله -تبارك وتعالى- الصلاة إيمانًا، وذلك في قوله: جلا ذكره: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} (البقرة: 143) أي: وما كان الله ليضيع صلاتكم؛ لأن الآية نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم- وهم على الصلاة إلى بيت المقدس.
وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام قول الله -تبارك وتعالى-: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت: 1 - 2) وقوله سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} (العنكبوت: من الآية: 10) أوردهما -رحمه الله- كدليل على أن العمل من الإيمان، وقال بعد ذلك أفلست تراه -تبارك وتعالى- قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتفِ منهم بالإقرار، دون العمل حتى جعل أحدهما من الآخر، فأي شيء يتبع بعد كتاب الله -تبارك وتعالى- وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة.
والحاصل أن أدلة السلف على أن الأعمال ركن في الإيمان، من القرآن الكريم كثيرة جدًّا، ومن أدلة السلف أيضًا على دخول الأعمال في الإيمان، ما جاء في
(1/82)
________________________________________
حديث وفد عبد القيس، الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم)) قال شارح (الطحاوية) -رحمه الله تبارك وتعالى- بعد سوقه لهذا الحديث: ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا بالله، بدون إيمان بالقلب، بما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب؛ فعلم أن هذه مع إيمان القلب، هو الإيمان.
وأي: دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فوق هذا الدليل، فإنه فسَّر -صلى الله عليه وسلم- الإيمان بالأعمال، ولم يذكر التصديق، للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود، وبهذا يتضح أن الإيمان عند السلف، أو حقيقة الإيمان عند السلف اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. وقد أيدت ذلك خاصة فيما يتعلق بالعمل، وأنه من الإيمان، بأدلة من كتاب الله، وأدلة من هدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
أركان الإيمان ستة: وقد جاءت مجتمعة في حديث جبريل -عليه السلام- لما سأل جبريل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عن الإيمان؟ فقال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)) هذه هي أركان الإيمان، كما صح بها الخبر عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.

الركن الأول من أركان الإيمان؛ الإيمان بالله
العنصر الثاني بعد ذلك في هذا اللقاء بعنوان: الركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بالله -تبارك وتعالى- ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- الإيمان بربوبية الله -تبارك وتعالى- الإيمان بربوبية الله معناه: أن نعتقد أن الله وحده الخالق البارئ المصور الملك المدبر المصرف المحيي المميت، والرب في لغة العرب: هو المربي، المنشأ الموجد، والآيات التي تتحدث عن خلق الله، وبديع صنعه، وتصريفه لأمور الكون كثيرة جدًّا في كتاب الله، يذكر الله بها عباده ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويوجه أنظار المشركين إليه وحده؛ لأنه المستحق لعبادته
(1/83)
________________________________________
دون سواه، ويفتح أبصار الجاحدين، وبصائرهم، وقد استخدم الأنبياء هذا الأسلوب في دعوة أقوامهم.
فنوح -عليه السلام- يُذكِّرُ قومه قائلًا: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} (نوح: 15 - 20) وإبراهيم يقول لقومه: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} (الشعراء: 75 - 82) فهذه الآيات التي جاءت في كتاب الله -عز وجل- وقد ذكرها بعض الأنبياء لأممهم؛ يذكرونهم فيها بربوبية الله -عز وجل- وأنه المصرف المدبر الخالق، المحيي المميت، وأن كل ما في هذا الكون، إنما هو بتقدير الله -عز وجل- وإرادته، وهذا إثبات لتوحيد الربوبية.
وقد أطال القرآن في الحديث عن ربوبية الله، والاحتجاج على أهل الجاهلية، المعترفين بالربوبية، المشركين في الألوهية، يعني: أن الله -عز وجل- كان يسوق لمشركي مكة الآيات الدالة على ربوبيته، والتي يؤمنون بها كي يلفت أنظارهم إلى أن هذا الرب المالك، المصرف المحيي المميت، هو الذي يجب أن تصرف له العبادة وحده، دون سواه. ومن هنا قال -جل ذكره-: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} (النمل: 59 - 60).
(1/84)
________________________________________
ولم تزل بعض الأمم تشرك بالله في ربوبيته، مع وضوح الآيات الدالة على ربوبية الله وعظمته، فالمجوس قالوا: بربوبية النور والظلام، والصابئة قالوا: بربوبية الكواكب، وتأثيرها في العوالم، ومثل هؤلاء أولئك الذين اعتقدوا بأن الأموات يتصرفون في قبورهم في الكون، والحياة، وكل ذلك من الشرك.
النقطة الثانية في هذا العنصر، وهي "ب" بعنوان: الإيمان بألوهية الله تعالى، أي: بإفراده بالعبادة؛ لأن الله -عز وجل- وحده هو المعبود، ولا يستحق العبادة غيره، وقد جاءت الرسل؛ لدعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25) ذلك أن الشرك في العبادة، هو جريمة البشر الكبرى، التي لم تسلم منها أمة من الأمم، وقد كانت بعض الأمم يسلمون لله بالربوبية، كالأمة العربية في الجاهلية، ولكنهم كانوا يجادلون أشد الجدال في استحقاق الله للعبادة دون سواه، ويتعجبون من دعوة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- لهم إلى عبادة الله دون غيره، وكانوا يقولون -كما ذكر القرآن الكريم عنهم-: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (ص: 5).
والعبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله كثيرة، فدائرة العبادة واسعة رحبة، والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة.
والعبادات أنواع: فمنها عبادة القلب، ومنها عبادة اللسان، ومنها عبادة الجوارح، ومنها العبادات المالية.
فعبادة القلب: تكون بقصد الله وحده، وقصد النية له، والخوف منه -تبارك وتعالى- وخشيته، وحبه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا بحكمه.
وعبادة اللسان: تكون بذكر الله، وتسبيحه وحمده والثناء عليه، وتمجيده، وقراءة القرآن.
(1/85)
________________________________________
وعبادة الجوارح: تكون بالصلاة، والصيام والحج، ونحر الذبائح تقربًا إلى الله، والجهاد في سبيل الله ... وما إلى ذلك.
والعبادات المالية: تكون بالزكاة والصدقات، ولها أعني العبادات المالية مدخل كبير في الحج، والأضاحي، والنذور.
والشرك في ألوهية الله -تبارك وتعالى- يكون بالتوجه بهذه العبادات، أو بشيء منها لغير الله -عز وجل- كالاستعانة بغير الله، أو الذبح لغير الله، أو دعاء غير الله، أو طلب المدد من غير الله -تبارك وتعالى- أو ما يجري عند الناس في مثل هذه الأمور، الباطلة المخالفة لهذا القرآن الكريم، وهذه السنة النبوية المطهرة.
ولا شك أن صرف أي لون من ألوان العبادة لغير الله -تبارك وتعالى- شرك بالله -عز وجل- وهناك شرك أصغر، وهو ما يكون في الألفاظ، وكيسير الرياء، هذا أيضًا شرك يناقض كمال توحيد الإلوهية، الذي هو إفراد الله -تبارك وتعالى- بجميع ألوان العبادة.
النقطة التالية في هذا العنصر، وهي نقطة "ج" بعنوان: الإيمان بأسماء الله وصفاته:
الإيمان الصادق: هو الذي يقوم على المعرفة التامة بالله -تبارك وتعالى- وطريق ذلك الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- فمعرفة صفاته، والتأمل في معانيها، وإثبات الأسماء الدالة عليها، كل ذلك يعمق الإيمان بالله ويؤكده، ويثبته.
وقد أخبرنا ربنا في كتابه، بأن له الأسماء الحسنى، وأمرنا أن ندعوه بها فقال: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: من الآية: 180) وحث الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- على إحصائها؛ فقال في حديثه الصحيح من رواية أبي هريرة وغيره: ((إن لله تسعةً وتسعين اسمًا مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة)) والمراد بالإحصاء:
(1/86)
________________________________________
حفظها، وفهم معانيها، والعمل بمقتضاها، ويهمنا هنا أن أبين في عجالة سريعة مذهب السلف الصالح -رحمهم الله تبارك وتعالى- في أسماء الله، وصفاته، فأقول: إن مذهب السلف الصالح في أسماء الله وصفاته، يقوم على ثلاثة أصول:
الأصل الأول: الإيمان بكل الأسماء والصفات التي أثبتها الله لنفسه، أو أثبتها له رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ونفي كل ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا أمر بدهي، فالمسلم يعلم أن الحق ما قرره العليم الخبير سبحانه، وليس بعد الله أعلم بالله من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي قال الله عنه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3 - 4).
وقبيح بالمرء أن يقول له الرب لي سمع، وبصر ورحمة، ويد؛ فيقول: ليس لك سمع، ولا بصر، ولا رحمة، ولا يد، والسلف يثبتون هذه الصفات إثباتًا من غير تحريف، ولا تمثيل ولا تكييف، ولا تعطيل.
الأصل الثاني: تنزيهه -جل وعلا- عن مشابهة صفاته بصفات خلقه، فالله تعالى لا تشبه ذاته ذوات المخلوقين، وكذلك صفاته، كما قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وقال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى: 11) وهذه الآية دلت على الأصل الأول، والثاني؛ لأن قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يدل على أن صفاته لا تشبه صفات خلقه، وقوله -تبارك وتعالى-: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} يدل على أن له سمعًا وبصرًا.
وينبغي أن أنبه هنا إلى الذين نفوا صفات الخالق، أو أولوها، وأقول: إنهم في الحقيقة ما عرفوا قدر الله وعظمته، فالله -عز وجل- عندما يحدثنا عن صفاته، يجب أن يتبادر إلى ذهن المسلم، أن هذه الصفات هي فوق ما يتصور الواصفون، وأنها كمال لا يعروه نقص.
(1/87)
________________________________________
أما هؤلاء: فإنهم قالوا: المتبادر منها التشبيه؛ ولذلك نؤولها، ونحرفها حتى ننزه الله -تبارك وتعالى- ولو أصنفوا لقالوا: المتبادر منها الكمال، وعدم التشبيه، ثم هم يعتمدون في مقابل النصوص، على المقاييس العقلية فيقولون: نحن ننفي اليد، والوجه؛ لأننا لا نعرف اليد، إلا هذه الجارحة، ولا نعرف إلا هذه الوجوه، والله منزه عن الجارحة، وما يشبهه صفات الخلق، وتحكيم العقل، بتصوراته الخاطئة بنصوص الشرع؛ لا يجوز، ومقاييسهم العقلية هذه ضالة؛ فالله منزه عن مشابهة الخلق، وصفاته كمال يخصّه، ولا يجوز إجراء مقاييس عقلية على رب العزة والجلالة.
الأصل الثالث -من أصول مذهب السلف في أسماء الله وصفاته، وهو أيضًا مهم-: عدم التطلع إلى معرفة كيفية صفات الله:
ومعرفة الكيف غيب لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} (البقرة: من الآية: 255)، وبما أن الله لا يشبه أحدًا من خلقه، وصفاته لا يشبهها شيء من صفات الخلق؛ فلا يمكن أن تعرف كيفية ذاته، ولا يمكن أن تعرف كيفية صفاته.
والذين انحرفوا في باب الصفات أصل ضلالهم: أنهم بحثوا في الكيفية، فمرة مثلوا صفات الخالق بصفات الخلق، ومرة نفوها وأولوها.
والواجب هو التفويض في كيفية الصفات، وكما أننا لا نعلم كيف ذات الله -تبارك وتعالى- كذلك لا نعلم كيفية صفاته، ولا ما هي عليه، فنحن نؤمن بها، وإن لم نعرف كيف، أو كيفية صفاته -تبارك تعالى.
وهنا أمر يجب بيانه، وهو أن معنى الصفة معروفة في لغة العرب، ويجب أن نعرف معاني صفات الله -تبارك وتعالى- من الرحمة، والغضب، والسمع والعلم، والبصر.
(1/88)
________________________________________
وقد حدثنا -تبارك وتعالى- عن سعة علمه، وضرب لنا المثال، كما حدثنا عن عظيم قدرته، ولكننا لا نعلم الكيفية، فالتفويض الذي عليه السلف، إنما يكون في كيفية الصفات، لا في معاني الصفات، وبعض الذين يفوضون يظنون أن التفويض يكون في الصفات، وهذا ليس بصواب.
وأكتفي في حديثي عن هذا العنصر، بما ذكرت وخاصة فيما يتعلق بالإيمان بأسماء الله -تبارك وتعالى- وصفاته.

الركن الثاني من أركان الإيمان؛ الإيمان بالملائكة
ننتقل بعد ذلك إلى العنصر الثالث في هذا اللقاء، وهو بعنوان الركن الثاني من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة:
ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
النقطة الأولى وهي "أ" الملائكة عالم غيبي، يجب أن نؤمن به، الكون كله ينقسم إلى غيب وشهادة؛ فالغيب ما غاب من الموجودات، عن أعين الناظرين، والشهادة خلاف الغيب، وهو كل ما كان من الموجودات، أمام نظر الإنسان، يشاهده ويراه، أو كان بحيث يدركه بإحدى حواسّه، التي هي السمع والبصر، واللمس، والشم، والذوق، والإنسان بحكم طبيعة الحياة، مقدر له الإيمان بالغيب، مفروض عليه، لا يستطيع التخلص منه بحال اللهم إلا إذا سفه نفسه، وأراد التخلي عن كرامته الآدمية، وعن شرفه الإنساني؛ ليصبح بعد ذلك حيوانًا هابطًا لا خير فيه، أو آلة صماء لا وعي لها ولا إدراك، وذلك؛ لأن الإنسان كائن متحيز، متى وجد في مكان استحال عليه أن يوجد في مكان آخر، مع بقائه في مكانه الذي هو فيه.
ومن هنا ستصبح سائر الأمكنة التي تخلو منه، وهو بعيد عنها غيبًا له، وليست بشهادة عنه، ولا بد له من أن يؤمن بها، وبما فيها من أشياء، جواهر وأعراض، متى وجدت أثار تدل على ذلك، أو أخبار صادقة تنبئ به.
النقطة الثانية: في هذا العنصر وهي "ب" بعنوان: الأدلة على وجوب الإيمان بالملائكة:
الأدلة على وجود وجوب الإيمان بالملائكة كثيرة، وهي أخبار، وآثار والأخبار تنقسم إلى قسمين:
(1/89)
________________________________________
أخبار الله -تبارك وتعالى- وقد أخبر الله عنه في كتابه وكفى بما يخبر الله تعالى به دليلًا، إذ الخالق سبحانه أعلم بما خلق، ومن أخبار الله -تبارك وتعالى- عن الملائكة، ما جاء في قوله -جل ذكره-: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} (البقرة: من الآية: 30) فقد تضمن هذا الخبر وجود الملائكة ومخاطبة الله تعالى لهم، ومخاطبتهم له -سبحانه وتعالى- وهو دليل قاطع على وجود الملائكة، وقال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} (الزخرف: من الآية: 19) وفي هذا الخبر ينكر تعالى، ويعيب على المشركين دعواهم أن الملائكة إناث؛ حيث قالوا ما ليس لهم بهم علم. فهل يعقل أن يعاب أو ينكر على غير موجود.
وقد قال تعالى أيضًا: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} (النجم: 26) ففي هذا الخبر أن كثيرًا من الملائكة لا تغني شفاعتهم عن أحد شيئًا، وهل يشفع أو لا يشفع غير موجود.
وأخيرًا فهل هذه الأخبار الإلهية عن الملائكة -وهي كثيرة جدًا، وكلها تتحدث عن صفاتهم، وأحوالهم، وعبادتهم، وأعمالهم- لا تدل على وجود الملائكة دلالة تكسب اليقين، اللهم بلى. لا شك تدل دلالة واضحة، وتجعل الإنسان على يقين من وجود الملائكة، كما أخبر بذلك رب العالمين.
ذكرت قبل قليل أخبار الله -تبارك وتعالى- أما أخبار الرسل عليهم -الصلاة والسلام- عن الملائكة، فهي أيضًا كثيرة جدًّا، ولنكتفي هنا بما تواتر عن خاتم هؤلاء الرسل جميعًا، ألا وهو نبينا محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- فقد صح عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((لا تدخل الملائكة بيت فيه كلب، ولا صورة)) وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)) وهذه الأخبار الصحيحة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لا شك أننا نؤمن بها، ونسلم بها، بأنها وحي من عند الله -تبارك وتعالى.
(1/90)
________________________________________
أما دلالة الآثار على وجود الملائكة: فهي أيضًا كثيرة جدًّا نكتفي بطرف منها فنقول:
هذا القرآن الكريم كتاب الله -تبارك وتعالى- بين أيدينا، سوره العديدة، وآياته الكثيرة، وعلومه ومعارفه، وإعجازه، لا شك أن كل ذلك أثر من آثار الملائكة، إذا تلقاه المُنَزَّلُ عليه -صلى الله عليه وآله وسلم- بواسطة ولم يكن من الله مباشرة، فما هي الواسطة؟ إنها جبريل -عليه السلام- كما أخبر بذلك مرسله، ومنزله، في قوله: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء: 192 - 195) وهذا ملك الموت الذي يتخطفنا يوميًّا؛ فيأخذ أرواحنا، وينهي بأخذها حياتنا، ويفصلها عن أجسامنا؛ فتعدم الحياة، فهل يشترط للتصديق به رؤيتنا له، وآثار فعله ظاهرة فينا، لا تنكر، اللهم لا، ولو سألنا خالقنا، وقلنا من يتوفانا؟ لكان الجواب: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} (السجدة: 11).
وملك الموت حقًّا هو الذي يقبض أرواح العباد، ولكنه بأمر الله -تبارك وتعالى- ولذلك أيضًا صح نسبة الوفاة إلى رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.
إذن الأدلة على وجود الملائكة -كما ذكرت- كثيرة جدًّا؛ أخبار وآثار والأخبار: هي أخبار رب العالمين، وأخبار الأنبياء والمرسلين، وقد استدللت بخبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أما عن الآثار الدالة على وجود الملائكة، فهي كثيرة وقد أشرت إلى بعضها الآن.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي "ج" بعنوان: المادة التي خلقت منها الملائكة.
الملائكة: خلق عظيم، خلقهم الله من النور، وطبعهم على الخير، فهم لا يعرفون الشر، ولا يأمرون به، ولا يأتونه، ولا يفعلونه؛ فلذا هم لربهم مطيعون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولا يسأمون من عبادة الله، ولا هم عنها يستكبرون، أخبر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- عن مادة خلقهم، فقال: ((خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لك)).
(1/91)
________________________________________
النقطة التالية في هذا العنصر، وهي نقطة "د" بعنوان: بعض أعمال الملائكة:
إن ما يقوم به الملائكة من أعمال لكثير جدًّا، ومختلف متنوع إلى حدٍّ كبير، وهذا بيان مجمل عما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، من وظائف الملائكة وأعمالهم، التي أرادها الله تعالى بهم عبادة لهم وطاعة.
وأبدأ برئيس الملائكة: ألا وهو جبريل -عليه السلام- ويسمى روح القدس، وصفه الله -عز وجل- بالقوة والأمانة، في قوله من سورة التكوير: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} (التكوير: 19 - 21) وخص ربه بأشرف وظيفة، وهي السفارة بينه تعالى، وبين رسله -عليهم السلام- فكان ينزله الوحي، كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} وصح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه رافقه في أعظم رحلة تمت في الوجود، وهي إسراء النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعراجه، فرافقه -عليه السلام- من مكة إلى المسجد الأقصى، ومنه إلى سدرة المنتهى بالملكوت الأعلى.
ومن الملائكة أيضًا "ميكائيل"، ومن أعماله، أنه موكل بالقطر النازل من السماء.
ومن أعمال الملائكة أيضًا، ما يقوم به "إسرافيل" -عليه السلام- ووظيفته التي وكل بها النفخ في الصور، وذلك سيكون لا محالة، كما أخبر الله إن شاء الله في يوم القيامة.
ملك الموت: وهو موكل بقبض الأرواح، وله أعوان من الملائكة، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} (الأنعام: من الآية: 61).
ومن أعمال الملائكة أيضًا، ما يقوم به حملة العرش. حملة عرش الرحمن -عز وجل- وقد أخبر الله عنه في كتابه، فقال: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} (غافر: من الآية: 7) وقال سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (الحاقة: 17).
(1/92)
________________________________________
وكذلك هناك خزنة للجنة، وخزنة للنار، فخزنة الجنة يكونون فيها، ومع أهلها، ولهم أعمال يسندها رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى- إليهم، ورئيسهم رضوان -عليه السلام.
وللنار أيضًا ملائكة وهم الزبانية، وهم تسعة عشرة ملكًا، وكلهم الله تعالى بالنار، فهم خزانها، يعذبون فيها أهلها، قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} (المدثر: 26 - 31) ورئيس هؤلاء الخزنة يدع مالكًا.
قال تعالى في الحديث عن أهل النار: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (الزخرف: 77 - 78).
أيضًا الكرام الكاتبون، وعملهم كتابة أعمال البشر، وإحصائه عليه؛ فعلى يمين كل مكلف ملك يكتب صالح أعماله، وعن يساره مالك يكتب سيئات عمله، قال الله -تبارك وتعالى- في كتابه: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (الانفطار: 10 - 12).
وفي الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((إذا قام أحدكم إلى صلاة، فلا يبزق أمامه، فإنه يناجي الله تعالى، ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكًا، ليبزق عن يساره، أو تحت قدمه)).
كذلك أيضًا من أعمال الملائكة، حفظ الإنسان من الجن، والشيطان، والعاهات والآفات، قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (الرعد: من الآية: 11) قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في تفسير الآية: ملائكة يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه.
(1/93)
________________________________________
وقال مجاهد -رحمه الله-: يحفظونه في نومه، ويقظته من الجن، والإنس والهوام.
كذلك أيضًا هناك ملك موكل بالرحم؛ لحديث البخاري ومسلم -واللفظ لمسلم-: ((إن الله -عز وجل- قد وكل بالرحم ملكًا، فيقول: أي ربي نطفة، أي ربي علقة، أي ربي مضغة، فإذا أراد الله أن يقضيَ خلقًا، قال: قال الملك: أي ربي ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكْتَب كذلك في بطن أمه)).
أيضًا هناك ملك للجبال: وهو ملك وكله الله -عز وجل- بها، لحديث البخاري ومسلم: ((فنادني ملك الجبال، فسلم عليَّ، فقال: يا محمد، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت ... )) إلى آخر الحديث.
أيضًا للملائكة أعمال أخرى، منها أن هناك ملائكة سياحون في الأرض، يبلغون سلام أمة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- للنبي -عليه الصلاة والسلام- لحديث أحمد -وهو صحيح الإسناد -: ((إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)) وهذا ثابت عنه -صلى الله عليه وآله وسلم-.
وهناك ملائكة تعرج بأرواح العباد بعد الموت، لحديث مسلم: ((إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان فيصعدانها)) قال حماد -راوي الحديث-: فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك، قال: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى ما كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه -عز وجل- ثم يقول انطلقوا به إلى آخر الأجل، وذكر الكافر عكس ذلك.
وهناك ما يعرف بمنكر ونكير، وعملهما سؤال العباد في قبورهم عن الرب تعالى، والدين، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أي: يقولان لمن يقبر من ربك؟ وما دينك؟ وما
(1/94)
________________________________________
نبيك؟ وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ونحن نؤمن بما صح به الخبر عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
وإذا تتبعنا الآثار الواردة في أعمال الملائكة، ملاحظين الآيات القرآنية الدالة على الملائكة، وأعمالهم مثل قول الله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} (الصافات: 1) ومثل قول الله -تبارك وتعالى-: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} (النازعات: 1) أو {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا} (المرسلات: 1) لقلنا: في صدق إن الكون كله علويه وسفليه، قد أُنِيْطَ أمر تدبيره بالملائكة. وذلك بإذن الله -تبارك وتعالى.
ويضاف إلى ذلك أيضًا أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع أربع أصابع، إلا عليه ملك واضع جبهته ساجدًا لله -تبارك وتعالى)).
انتقل بعد ذلك إلى النقطة الأخيرة في هذا العنصر: وهي نقطة "هـ" بعنوان: بعض صفات الملائكة:
من خلال الأخبار الصادقة، التي هي الدليل الشرعي عند أهل السنة والجماعة؛ تحصلنا على عدد كبير من صفات الملائكة منها: حياؤهم:
إن الملائكة تستحي استحياء يليق بحالها؛ إذ قد صح أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)) ويعني بذلك الرجل: عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- ففي هذا الخبر الصادق الصحيح، دليل على صفة الحياء للملائكة.
أيضًا من صفات الملائكة، أنهم يتأذون مما يتأذى منه الإنسان، وذلك لحديث مسلم: ((من أكل من الثوم والبصل والكرّاث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)) ولحديث الصحيحين أيضًا: ((إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة)) فعدم دخولهم البيت الذي فيه كلب أو صورة؛ كراهية منهم لهما، يعني: كراهية منهم للدخول، وفي هذا دليل على تأذيهم من هذا المكروه.
(1/95)
________________________________________
أيضًا من صفات الملائكة: تنزههم عن الأعراض البشرية، إن الملائكة منزهون عن الأعراض البشرية كالجوع والمرض والأكل والنوم والتعب ... وما إلى ذلك، فقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على ذلك، بدلالة الالتزام؛ إذ أخبر الله تعالى عنهم فقال: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} (الأنبياء: 20) ولازم ذلك أنهم لا ينامون، ولا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتعبون.
ومن صفات الملائكة أيضًا: خوفهم من الرب -تبارك وتعالى- وقد أثبت ذلك ربنا -سبحانه وتعالى- في كتابه، ومن ذلك قوله سبحانه: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (النحل: 49 - 50) وقد تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} (الأنبياء: 28) فهذه الآيات أثبتت الخوف، والإشفاق من الملائكة لرب العزة والجلال سبحانه.
ومن صفاتهم أيضًا: طاعتهم لله -تبارك وتعالى- لا يعصونه بحال من الأحوال، وذلك لقول الله -جل ذكره-: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: من الآية: 6).
ومن صفاتهم أيضًا: حبهم لمن يحب الله -تبارك وتعالى- حبًّا يليق بحالهم، وحسب ذواتهم، وهذا أمر غيبي عنّا، لا نعلمه، ولكن الدليل الشرعي قد دل على أنهم يحبون، ففي حديث الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((إن الله تعالى إذا أحب عبدًا، نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء، إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض)).
أيضًا من صفات الملائكة: أنهم يدعون الله -تبارك وتعالى- ويسألونه، كما قال تعالى عنهم: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِْ} (غافر: 7).
(1/96)
________________________________________
والملائكة أيضًا: تلعن من لعنه الله -تبارك وتعالى- وأنا ذكرت الدعاء هنا؛ لأشفع به اللعن، فهم كما يدعون به رب العزة والجلال فهم أيضًا يلعنون ويبغضون من لعنه الله -تبارك وتعالى- ومصداق ذلك في قول الله -جل ذكره-: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ} (البقرة: 161 - 162).
وأخيرًا أقول عن صفات الملائكة: إن خلقهم عظيم، وأنهم يتفاوتون تفاوتًا كبيرًا في هذا الخلق، وقد صح الخبر عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أن لجبريل -عليه السلام- ستمائة جناح)) في حين أن من الملائكة من له جناحان فقط، ودل هذا على التفاوت وعظم التفاوت في خلق الملائكة، فجبريل -عليه السلام- له ستمائة جناح، وبعض الملائكة أخبر الله -عز وجل- عنه في كتابه أن له جناحان فقط، وجاء هذا في أول سورة فاطر، في قول الله -جل ذكره-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (فاطر: 1).
هذا شيء مما أخبرنا به رب -العزة والجلال- سبحانه وتعالى- عن الملائكة.
وبالتالي أقول: يجب علينا أن نؤمن بوجودهم، وأن نصدق الله -عز وجل- فيما أخبر به -سبحانه وتعالى- عنه سواء كان ذلك في المادة التي خلقوا منها، أو الأعمال التي أوكلها الله -عز وجل- إليهم، وكلفهم بها، أو صفات التي وصفهم رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى- بها، كأن وصفهم رب العزة والجلال بالحب، والبغض، واللعن، وكثرة العبادة، وعدم السآمة، والملل، وما إلى ذلك.
كل هذا حق، ويجب علينا أن نؤمن كما أخبر به الله -تبارك وتعالى- وكما جاء به الخبر عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
وبهذا ينتهي هذا اللقاء، ألا وهو الحديث عن بعض أركان الإيمان، وقد تناولت فيه حقيقة الإيمان بالله -تبارك وتعالى- والإيمان بملائكة الله -جل ذكره- وصلى اللهم وسلم، وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله.

2 - أركان الإيمان (2)

الركن الثالث من أركان الإيمان؛ الإيمان بالكتب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
هذه هي المحاضرة السادسة، وعنوانها تابع أركان الإيمان، وتشتمل هذه المحاضرة على عدة عناصر: العنصر الأول: الركن الثالث من أركان الإيمان؛ الإيمان بالكتب، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- حقيقة الإيمان بالكتب وما عُرف منها: إن معنى الإيمان بالكتب الإلهية الذي هو جزءٌ من عقيدة المؤمن التصديق الجازم بما أوحى الله تعالى من كلامه الخاص إلى من اصطفى من رسله -عليهم السلام- فجُمع ودُون فكان صحفًا مطهرةً، وكتبًا قيمة، فما عُرف منها آمن به المؤمن تفصيلًا، وما لم يعرف منه ولم يعرفه المؤمن آمن به إجمالًا.
(1/97)
________________________________________
والمصدر الوحيد الذي يُرجع إليه في معرفة الكتب الإلهية بالتفصيل هو القرآن الكريم؛ إذ هو الكتاب المحفوظ حفظًا لا يتطرق إليه معه الزيادة ولا النقص، ولا التحريف ولا التغيير أو التبديل بحالٍ من الأحوال، وقد ذكر القرآن الكريم من الكتب السابقة صحف إبراهيم، وصحف موسى، وثلاثة كتب هي: التوراة، والإنجيل، والزبور، وقد ذكرها الله -عز وجل- في مواضع متفرقة من كتابه، ومن ذلك مثلًا:
قوله سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا} (الفرقان: من الآية: 35) والمراد من لفظ الكتاب في هذه الآية: التوراة.
وقوله تعالى في الحديث عن اليهود: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} (المائدة: 43).
وقال تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} (الإسراء: 55).
وقال سبحانه: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ} (الحديد: من الآية: 27).
وقال -جل ذكره -: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} (الأعلى: 18، 19).
فقد جاء في هذه الآيات ذكر ثلاث كتبٍ إلهية مع كلٍّ من صحف إبراهيم وموسى، كما جاء في مواضع أخرى من القرآن ذكر بعض ما جاء فيها من أخبار، وذلك كقول الله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} (الفتح: من الآية: 29).
(1/98)
________________________________________
فقد نصت هذه الآية القرآنية على أن وصف الرسول محمدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم- ووصف أصحابه في كل من التوراة والإنجيل بنفس المعنى الذي حوته هذه الآية القرآنية الكريمة كما جاء في قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى} (النجم: 36: 41) فقد نصت هذه الآيات من القرآن الكريم على أن في صحف كلٍّ من إبراهيم وموسى الإخبار بأن النفس المذنبة يوم القيامة لا يحملها عنها ذنبها غيرها، وأن الإنسان ليس له من نتائج العمل إلا ما عمل وسعى به لنفسه، كما أن سعي الإنسان سوف يعرفه، ويقف عليه، ويُجزاه كاملًا غير منقوصٍ.
فهذه الكتب إذن التي ذُكِرَتْ في القرآن بأسمائها وأسماء أصحابها الذين نزلت عليهم يجب على المؤمن أن يؤمن بها تفصيلًا كما ذكرت مفصلًا، وأن يؤمن بباقي كتب الله تعالى التي لم تُذكر في القرآن مفصلة؛ حيث لم يرد القرآن ذكر أسمائها، ولا أسماء من نزلت عليهم، وإنما ذُكرت مجملة كما في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: من الآية: 25).
وكما جاء في قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} (البقرة: من الآية: 213).
وتتلخص عقيدة المؤمن في الإيمان بالكتب: بأنه يجب عليه أن يؤمن بكل كتاب أنزله الله تعالى على من اصطفى من رسله لحمل رسالاته وإبلاغها إلى عباده، فما عُرِفَ منها مفصلًا آمن به مفصلًا، وما عَرَفَهُ المؤمن منها مجملًا آمن به مجملًا، ولا يؤمن ببعضٍ ويكفر ببعضٍ تعصبًا وضلالة، كما هو حال اليهود والنصارى الذين آمنوا
(1/99)
________________________________________
بالتوراة المحرفة، والإنجيل المبدل المغير، وكفروا بالقرآن المحفوظ الباقي الذي نزل على نبيِّ الهدى والرحمة -صلوات الله وسلامه عليه.
ب- أنتقل إلى النقطة التالية وهي بعنوان: أدلة وجوب الإيمان بالكتب الإلهية:
إن الإيمان بالكتب السماوية الإلهية لواجبٌ شرعًا كما هو واجبٌ عقلًا، وهذا بيان ذلك، أما كون الإيمان بالكتب الإلهية واجبًا شرعًا فذلك لأن الله تعالى أمر به أمرًا جازمًا لا يقتضي إلى طاعة الله تعالى فيه وتحريم معصيته؛ إذ قال تعالى في الأمر بالإيمان بكتبه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} (النساء: 136) إن هذه الآية واحدة كافية في الدلالة على وجوب الإيمان بكتب الله تعالى عامة، وبالقرآن الكريم كتاب الإسلام والمسلمين خاصة، وفي تحريم التكذيب به، وعدم التصديق بكل ما جاء فيها ممّا هو وحيٌ من الله وكلامه -سبحانه وتعالى- يعني: أنه لابد أن يؤمن بكل ما جاء فيها، وأن يُصدق بكل ما جاء فيها، وأن ما أنزله الله -عز وجل- حقٌّ.
وقد أوجب الله في القرآن الكريم الإيمان بالكتب السماوية، فقال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} (البقرة: من الآية: 285).
ومن السُّنة حديث مسلم عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- والذي جاء فيه سؤال جبريل للرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان، وأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أجابه بأن الإيمان هو: ((الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)).
هذه بعض أدلة القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهرة على وجوب الإيمان بما أنزل الله -تبارك وتعالى- على الأنبياء والمرسلين، وأن ما نَزَلَ من عند الله -سبحانه وتعالى- حقٌّ،
(1/100)
________________________________________
وإن كان كما سيأتي وأشير دخل كثيرٌ من التحريف على الكتب السماوية السابقة؛ لأنها لم تُحْفَظْ كما حَفَظَ الله -تبارك وتعالى- آخر كتاب نزل من عنده ألا وهو القرآن الكريم.
وأما كون الإيمان به واجبًا عقلًا، فإنه يظهر للمتأمل من حيث حاجة العباد إليها، وإقامة الحجة عليهم بها، فإن الرسول المبلغ عن الله شرائعه وأحكامه يحتاج غالبًا في إثبات رسالته إلى كتاب من الله تقوم به الحجة له على تلك الأمة التي أُرسل إليها حتى يؤمنوا به ويصدقوه ويتبعوه، ويعملوا بما جاءهم به، والتشريع الإلهي نفسه يفتقر إلى كتاب يحويه ويتضمنه، ويُثبت فيه؛ ليبقى بعد وفاة الرسول الذي جاء شرعًا محفوظًا تعمل به الأجيال إلى المدى الذي حدد له بلصقه برسالة أخرى، أو بنسخ بعض ما جاء فيه كما حصل للتوراة والإنجيل، فقد نسخ الله تعالى بالإنجيل بعض أحكام التوراة، ونسخ بالقرآن الكريم الإنجيل والتوراة كليهما، ولولا بقاء الكتاب بعد الرسول لضاع الدين الذي جاء به، أو ضاع الكثير منه، وحينئذٍ يقول الناس: بِمَ نعبد الله؟ وكيف نعبده ولم يكن لدينا من شرائعه ما نعبده به؟ ولهذا أقول: بأن العقل يدل على وجوب الإيمان بأن الله -سبحانه وتعالى- أنزل كتبًا من عنده.
جـ- أنتقل إلى النقطة الثالثة في هذا اللقاء، وهي بعنوان: منزلة القرآن الكريم بين كتب الله تعالى:
إن ممّا لا شك فيه عند الدارسين للقرآن الكريم الواقفين على أسراره وعجائبه، العالمين بما حواه من أصول التشريع وقواعده، والمدركين لحقائق العلمية التي أثبتها أن للقرآن الكريم منزلة خاصة بين سائر الكتب الإلهية التي تقدمته في النزول، وتتجلى هذه المنزلة العالية بالقرآن العظيم بإمعان النظر في النقاط التالية:
أولًا: كونه ناسخًا لها لفظًا وحكمًا، فلا تقرأ للتعبد، ولا يعمل بما فيها من شرائعَ وأحكامٍ، وذلك لما داخلها من تحريف، وما
(1/101)
________________________________________
أصابها من تضييع ونسيان؛ إذ لم يبق فيها ما يُجزم بصحة نسبته إلى الله تعالى أبدًا، عرف هذه الحقيقة وقررها المنصفون والمحققون من علماء أهل الكتابين معًا.
ثانيًا: كان التشريع في الكتب السابقة خاصًّا ببني إسرائيل، وموقوتًا بزمنٍ معينٍ، والدليل على نسخ القرآن للكتب قبله: أمر الله تعالى لنبيِّ القرآن محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يحكم بين سائر الناس على اختلاف ما ينتحلون من ديانات بالقرآن الحكيم، وهذا كما جاء في قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} (المائدة: من الآية: 48).
وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} (النساء: 105).
فالقرآن الكريم كتابٌ عامٌّ شاملٌ دائمٌ إلى قيام الساعة، أما الكتب السابقة فكان التشريع فيها موقوتًا كما ذكرت وأشرت بزمنٍ معينٍ، وقد نُسخت جميعها بكتاب الله -تبارك وتعالى.
أيضًا ممّا يُبين منزلة القرآن الكريم بين كتب الله تعالى: أن القرآن الكريم مهيمنٌ على جميع الكتب رقيبٌ عليها شهيد، فما صححه منها وأقره فيها صَحّ وقَرّ، وما أبطله منها ونفاه لكونه دخيلًا عليها ليس منها بَطَلَ وانتفى، كما جاء القرآن الكريم شاهدًا ومصدقًا على هذه الكتب جميعها، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}.
أيضًا للقرآن الكريم منزلة عاليه تظهر فيما يحمله من التشريع الإلهي الذي جاء لكل الناس في أي مكانٍ كانوا، وفي أي زمانٍ وُجدوا، وذلك لعموم رسالة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (الفرقان: 1).
وأيضًا: فالله -عز وجل- تعهد بنفسه لحفظ كتابه، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9).
وقال -جل ذكره-: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت: 41، 42).
(1/102)
________________________________________
فالله -عز وجل- حفظ كتابه، وذلك بأن قيض له رجالًا أمناء حفظوه في صدورهم وسطورهم، فلم تقو يد الزمان ولا يد العدوان على أن تزيد فيه حرفًا، ولا أن تنقص منه حرفًا، بخلاف غيره من الكتب، وهي التوراة الذي ضاعت كلها في غزو بختنصر البابلي لمملكة بني إسرائيل، ولم يعثر عليها إلا فيما بعد، ثم لما جُمِعَتْ -والله أعلم- بصحة ما جُمِعَ فيها غيروها، وحرفوها، وبدلوها، أما الإنجيل فيكفي في دلالة على عدم حفظه أنه اليوم توجد خمسة أناجيل بعد أن كان يوم نزوله إنجيلًا واحدًا.
وختامًا أقول عن هذا القرآن الكريم، وعن منزلته بين الكتب الأخرى أن هذا الكتاب شمل أصول الهداية البشرية وفروعها، واحتوى على أعظم منهجٍ ربانيٍّ الذي يحقق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة إذا آمن به، وعمل بما جاء فيه، قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المائدة: 15، 16).
د- ننتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية، وهي بعنوان: إشارة إلى ما في القرآن من الهدى التام والخير العام:
وإنني إذ أتحدث عن ذلك بعد ذكري لمنزلة القرآن الكريم بين الكتب السماوية السابقة، إذ أتحدث عن هذا الآن أود أن أبين لعموم الناس لوحة مشرقة عن هذا القرآن الكريم الذي جاء من عند الله -عز وجل- ففي القرآن المجيد من الهدي والخير لبني الناس كافة ما لا يوجد اليوم، والله معشار عشره في كتابٍ غيره، ومن ذلك الرحمة بأتم معناها، الرحمة التي تعم الإنسان والجان والحيوان، والكبير والصغير، والكافر والمؤمن، والحي والميت، قال تعالى في إثباتها: {الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} (لقمان: 1: 3).
(1/103)
________________________________________
أيضًا في القرآن الكريم شفاءٌ تامٌّ لجميع الأمراض العقلية والنفسية والقلبية، فيه شفاءٌ من الكفر والشرك، فيه شفاءٌ من القلق والاضطراب، فيه شفاءٌ من الحيرة، والخوف، والكبر، والحسد، والكسر، والعجز، والبخل، والشح، والظلم، والخوف، قال تعالى في إثبات هذا الشفاء وتقريره: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (الإسراء: من الآية: 82).
وأيضًا القرآن الكريم نورٌ كاشف لجميع الظلمات القلبية مبددٌ لسائر الجهالات النفسية، مبينٌ لسائر الحقائق والأسرار الكونية، قال تعالى في تقرير هذا الأمر: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} (النساء: 174).
والقرآن الكريم اشتمل على المواعظ العظيمة الجليلة التي تدعو إلى كل فضيلة، وتزجر عن كل رذيلة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} (يونس: من الآية: 57).
وقال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89).
إلى جانب هذا القرآن الكريم فيه من الذكر الإلهي ما تحي به القلوب، وتطيب بتلاوته الأرواح، وتزكو بالعمل به النفوس قال الله -تبارك وتعالى-: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} (ص: 1).
وقال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28).
والقرآن الكريم فيه خيرٌ عامٌّ لكل إنسان وجان وحيوان، فما من كائن في هذه الحياة إلا وناله من خيرية القرآن من يوم نزوله إلى يوم رفعه إلى الله وقبضه إليه، اللهم إلا من كان من المطرودين من شياطين الإنس والجن المبلسين من كل خيرٍ، قال تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا} (النحل: من الآية: 30) فالقرآن
(1/104)
________________________________________
كله خير، ومن جاء إليه، وعمل به، واستفاد منه كان له من الخير بقدر ما استفاد من كتاب الله -تبارك وتعالى.

الركن الرابع من أركان الإيمان؛ الإيمان بالرسل -عليهم السلام-
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو عن الركن الرابع من أركان الإيمان، وعنوانه: الإيمان بالرسل -عليهم السلام- ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- تعريف النبي، والرسول، والفرق بينهم:
النبي في لغة العرب: مشتقٌ من النبأ، وهو الخبر، قال تعالى: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} (النبأ: 1، 2) وإنما سُمي النبي نبيًّا؛ لأنه مخبِرٌ مخبَر، فهو مخبَرٌ أي: أن الله أخبره وأوحى إليه: {قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (التحريم: من الآية: 3) وهو مخبِرٌ عن الله تعالى أمره ووحيه، قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الحجر: 49).
وأما عن تعريف الرسول، فأقول: الإرسال في اللغة التوجيه، فإذا بعثت شخصًا في مهمة فهو رسولك، قال تعالى حاكيًا قول ملكة سبأ: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (النمل: 35).
وأود هنا بعد هذا التعريف للنبي والرسول أن أذكر الفرق بين النبي والرسول، فأقول: الشائع عند العلماء أن الرسول أعم من النبي، فالرسول هو من أوحي إليه بشرعٍ وأُمر بتبليغه، والنبيُّ من أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ، وعلى ذلك فكل رسولٍ نبيٍّ وليس كل نبيٍّ رسولًا، هذا هو الشائع عند العلماء، والذي ذكروه هؤلاء بعيدٌ لأمور:
الأول: أن الله نص على أنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل، وذلك في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} (الحج: من الآية: 52) فإذا كان الفارق بينهما هو الأمر بالبلاغ فالإرسال يقتضي من النبي البلاغ أيضًا.
(1/105)
________________________________________
الثاني: أن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والله -عز وجل- لا ينزّل وحيه ليُكتم ويُدفن في صدر واحدٍ من الناس، ثم يموت هذا العلم بموته.
الثالث: قول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((عُرِضَتْ عليّ الأمم فرأيت النبيَّ ومعه الرهط، والنبيَّ معه الرجل والرجلان، والنبيَّ وليس معه أحد)) فدل هذا على أن الأنبياء مأمورون بالبلاغ، وأنهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم.
ولهذا أقول بعد ما أشرت إليه من استدراكات على التعريف الشائع عند العلماء في الفرق بين النبي والرسول أقول: التعريف المختار هو: أن الرسول هو ما أوحي إليه بشرعٍ جديدٍ، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، وفي الحقيقة هذا التعريف ليست عليه هذه الاستدراكات السابقة، وهو راجحٌ -إن شاء الله تعالى- واختاره بعض أهل العلم، وهو ما أراه وأذهب إليه.
ب- أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: وجوب الإيمان بالرسل -عليهم السلام-:
الإيمان بالرسل ضروريٌّ لا يتوقف على نظرٍ، ولا استدلال بالنسبة إلى المؤمنين بالله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي نبأهم وأرسلهم وأخبر عنهم، وأمر بالإيمان بهم وتصديقهم، والإيمان بالله تعالى مستلزمٌ بالإيمان بكل ما أمر الله الإيمان به، كالإيمان بالملائكة -كما سبق ذكره- وبالكتب، وبالرسل، والبعث، والجزاء، والقدر، والقضاء، وبكل غيبٍ أمر الله تعالى بالإيمان به، فيكفي المؤمن دليلًا أن يبلغه خبر الله تعالى وأمره بالإيمان بالرسل؛ فيؤمنُ ويُسَلّمُ مباشرةً.
وفي الأمر بالإيمان بالرسل قول الحق -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ} (النساء: من الآية: 136).
وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة: 285) فلهاتين الآيتين
(1/106)
________________________________________
وغيرهما يؤمن المؤمن برسل الله تعالى، ولا يُفرّق في الإيمان بهم بين رسول ورسول منهم كما فعل اليهود والنصارى؛ حيث أمن اليهود بأنبياء بني إسرائيل فقط، وكفروا بعيسى ابن مريم ومحمدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم- والنصارى آمنوا بكافة الأنبياء، وكفروا بخاتمهم وإمامهم محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه.
وقد كفر الله تعالى وتوعد بالعذاب المهين ممّن يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، وقد جاء هذا في سورة "النساء" في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} (النساء: 150، 151).
هذا، ونظرًا لنسخ جميع شرائع الرسل -عليهم السلام- بشريعة خاتمهم محمدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم- فإنه لم يبق هناك ما يلزم المؤمن إيذاء أولئك الرسل بسوى الإيمان بهم، واعتقاد عصمتهم، وكمالهم، ووجوب تعظيمهم، واحترامهم، أما أن يتبع شيئًا ممّا جاءوا به في رسالتهم ممّا لم يأمر به الله، أو يأمر به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فلا يلزم المؤمن ذلك، ونحن اليوم نحذر من الرجوع إلى شيءٍ من التوراة أو الإنجيل، أو اتباع أي شريعة نبيٍّ أو رسولٍ سابق على نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- ذلك لأن هذه الشرائع قد نُسخت وغَيْرَهَا أيضًا أتباع هؤلاء الأنبياء وحرفوها وبدلوها، والله -عز وجل- أتم علينا نعمته ببعثة النبي الخاتم محمدٍ بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
جـ- ننتقل بعد ذلك إلى النقطة الثالثة من هذا العنصر، وهي بعنوان: وظائف الرسل -عليهم السلام-:
لقد بيّن الله لنا في القرآن الكريم كما بيّن لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- في سُنته مهمة الرسل ووظائفهم، وسأحاول هنا أن أُبين شيئًا من ذلك فأقول: أول وظيفة عرفناها من القرآن والسُّنة
(1/107)
________________________________________
للأنبياء والمرسلين هي البلاغ المبين، فالرسل سفراء الله إلى عباده، وحملة وحيه، ومهمتهم الأولى هي إبلاغ هذه الأمانة التي تحملوها إلى عباد الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (المائدة: من الآية: 67).
والبلاغ يحتاج إلى الشجاعة وعدم خشية الناس، وهو يبلغهم ما يخالف معتقداتهم، ويأمرهم بما يستنكرونه، وينهاهم عمّا ألفوه، قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ} (الأحزاب: من الآية: 39).
والبلاغ يكون بتلاوة النصوص التي أوحاها الله من غير نقصانٍ ولا زيادة مثل: {مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ} (العنكبوت: من الآية: 45) وقال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} (البقرة: من الآية: 151).
فمهمة الرسل إذن الأولى هي: البلاغ الذي جاء من عند الله -عز وجل- ومن البلاغ أن يوضح الرسول الوحي الذي أنزل الله لعباده؛ لأنه أقدر من غيره على التعرف على معانيه ومراميه، وأعرف من غيره بمراد الله من وحيه، وفي ذلك يقول الله -عز وجل- رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: من الآية: 44).
والبيان من الرسول للوحي الإلهي قد يكون بالقول، فقد بين الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أمورًا كثيرًا استشكلها أصحابه، كما بيّن المراد من الظلم في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام: 82) فقد بيّن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن المراد من الظلم الوارد في هذه الآية هو الشرك، وكما بيّن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- الآيات المجملة في الصلاة، والزكاة، والحج وغير ذلك بقوله.
وكما يكون البيان بالقول يكون بالفعل، فقد كانت أفعال الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في الصلاة، والزكاة، والصدقة، والحج وغير ذلك بيانًا لكثيرٍ من النصوص،
(1/108)
________________________________________
وعندما يتولى الناس ويعرضون عن دعوة الرسل، فإن الرسل لا يملكون غير البلاغ، {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ} (آل عمران: من الآية: 20).
الوظيفة الثانية من وظائف الرسل: الدعوة إلى الله تعالى: لا تقف مهمة الرسل عند بيان الحق وإبلاغه، بل عليهم أن يدعوا الناس إلى الأخذ بدعوتهم، والاستجابة لها، وتحقيقها في أنفسهم اعتقادًا وقولًا وعملًا، وهم في ذلك ينطلقون من منطلقٍ واحدٍ، فهم يقولون للناس: أنتم عباد الله والله ربكم وإلهكم، والله أرسلنا لنعرّفكم كيف تعبدونه، ولأننا رسل الله مبعوثون من عنده؛ فيجب عليكم أن تُطيعونا وتتبعونا، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: من الآية: 36).
وقد بذل الرسل في سبيل دعوة الناس إلى الله -عز وجل- جهودًا عظيمًا، وحسبك في هذا أن تقرأ سورة "نوح" لترى الجهد الكبير الذي بذله -عليه السلام- على مدار تسعمائة وخمسين عامًا، فقد دعاهم ليلًا ونهارًا سرًّا وعلانية، واستعمل أساليب الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وحاول أن يفتح عقولهم، وأن يوجهها إلى ما في الكون من آيات، ولكنهم أعرضوا، {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا} (نوح: 21).
الوظيفة الثالثة من وظائف الأنبياء والمرسلين: التبشير والإنذار: فدعوة الرسل إلى الله تقترن دائمًا بالتبشير والإنذار، ولأن ارتباط الدعوة إلى الله بالتبشير والإنذار وثيق جدًّا؛ فقد قصر القرآن مهمة الرسل عليهم في بعض آياته، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} (الأنعام: من الآية: 48) وقد ضرب الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- لنفسه مثلًا في هذا، فقال: ((إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجلٍ أتى قومًا؛ فقال: يا قومي إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من
(1/109)
________________________________________
قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهاليهم فنجوا، وكذبته طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل ما عصاني وكذب بما جئت به من الحق)).
وتبشير الرسل وإنذارهم دنيويّ وأخرويّ، فهم في الدنيا يُبشرون الطائعين بالحياة الطيبة: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: من الآية: 97).
ويعدونهم بالعز، والتمكين، والأمن: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} (النور: من الآية: 55).
ويخوفون العصاة بالشقاء الدنيويّ: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه: 124).
ويحذرونهم العذاب والهلاك الدنيويّ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} (فصلت: 13).
ويخوفون المجرمين والعصاة عذاب الله في الآخرة: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (النساء: 14).
ومن يطالع دعوات الرسل يجد أن دعوتهم قد اصطبغت بالتبشير والإنذار، ويبدو أن التبشير والإنذار على النحو الذي جاءت به الرسل هو مفتاح النفس الإنسانية، فالنفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها، ودفع الشر عنها، فإذا بَصّرَ الرسل النفوس بالخير العظيم الذي يحصلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة، فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير، وعندما تبين لها الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال، فإن النفوس تهرب من هذه الأعمال، ونعيم الله المُبشر به نعيمٌ يستعذبه القلب، وتلذه النفوس، ويهيم
(1/110)
________________________________________
به الخيال، اسمع إلى قول الله تعالى يصف نعيم المؤمنين في جنات النعيم: {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأَصْحَابِ الْيَمِينِ} (الواقعة: 15: 38).
وانظر إلى عذاب الكفرة في دار الشقاء، وما سينالهم إذا وقفوا وحشروا بين يد رب العزة والجلال سبحانه: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} (الواقعة: 41: 45) إلى غير ذلك من الآيات التي جاء فيها تبشيرٌ، جاء فيه وعدٌ، وجاء فيها أيضًا تخويف وإنذار من رب العزة والجلال، وقد ساق الأنبياء والمرسلون كل ذلك عن الله -تبارك وتعالى.
الوظيفة الرابعة من وظائف الأنبياء والمرسلين: إصلاح النفوس وتزكيتها: الله -سبحانه وتعالى- رحيمٌ بعباده، ومن رحمته أن يحيي نفوسهم بوحيه وينيرها بنوره: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} (النور: من الآية: 52).
والله يخرج الناس بهذا الوحي الإلهي من الظلمات إلى النور، ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإسلام والحق: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (البقرة: من الآية: 257).
وقد أرسل الله رسله بهديه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (النور: من الآية: 5)
(1/111)
________________________________________
وبدون هذا النور تعمى القلوب، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمي القلوب التي في الصدور، وعماها ضلالها عن الحق، وتركها لما ينفعها، وإقبالها على ما يضرها، ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم، وإخراج الناس الرسل من الظلمات إلى النور لا يتحقق إلا بتعليمهم تعاليم ربهم، وتزكية نفوسهم بتعريفهم بربهم وأسمائه وصفاته، وتعريفهم بملائكته وكتبه ورسله، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم.
وقد دلت الرسل البشر على السبيل التي توصل إلى محبة الله -تبارك وتعالى- وتعرف به وتدعو إلى عبادته، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (الجمعة: 2).
الوظيفة الخامسة: تقويم الفكر المنحرف، والعقائد الزائفة: كان الناس في أول الخلق على الفطرة السليمة يعبدون الله وحده ولا يشركون به أحدًا، فلما تفرقوا واختلفوا أرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى جادة الصواب، وينتشلونهم من الضلال، قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} (البقرة: من الآية: 213) أي: كان الناس أمة واحدة على التوحيد والإيمان وعبادة الله، فاختلفوا فأرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين، وقد كان كل رسولٍ يدعو قومه إلى الصراط المستقيم، ويبينه لهم، ويهديهم إليه، وهذا أمرٌ متفقٌ عليه بين الرسل جميعًا، ثم كل رسولٍ يُقوّم الانحراف الحادث في عصره ومصره، فالانحراف عن الصراط المستقيم لا يحصره ضابط، وهو يتمثل في أشكالٍ مختلفة، وكل رسول كان يعتني بتقويم الانحراف الموجود في عصره، كما اهتم نوح -عليه السلام- بإنكاره على قومه عبادة الأصنام، وكذلك إبراهيم، وصالح -عليه السلام- أنكر على قومه الإفساد في
(1/112)
________________________________________
الأرض واتباع المفسدين، ولوط حارب جريمة اللواط التي انتشرت في قومه، وشعيب قاوم في قومه جريمة التطفيف في المكيال والميزان، وهكذا.
الوظيفة السادسة من وظائف الأنبياء والمرسلين: إقامة الحجة: لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، فالله -جل وعلا- أرسل الرسل وأنزل الكتب كي لا يبقى للناس حجة يحتجون بها أمام الله يوم القيامة، قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (النساء: من الآية: 165).
ولو لم يرسل الله الرسل إلى الناس لجاءوا يوم القيامة يخاصمون الله -جل وعلا- ويقولون: كيف تعذبنا وتدخلنا النار وأنت لم ترسل إلينا من يبلغنا مرادك منا، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} (طه: 134).
وفي يوم القيامة يجمع الله -عز وجل- الأولين والآخرين، ويأتي لكل أمة برسولها ليشهد عليها بأنه بلغها رسالة ربه، وأقام عليها الحجة: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} (النساء: 41، 42).
ولذلك فإن الذين يرفضون إتباع الرسل ويعرضون عن هديهم لا يملكون إلا الاعتراف بظلمهم إذ وقع بهم العذاب في الدنيا، {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} (الأنبياء: 11: 15).
(1/113)
________________________________________
الوظيفة السابعة من وظائف الأنبياء والمرسلين: سياسة الأمة: الذين يستجيبون للرسل يكونون جماعة واحدة، وهؤلاء يحتاجون إلى من يسوسهم ويقودهم ويدبر أمورهم، والرسل يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم، فكانوا يحكمون بين الناس بحكم الله، كما قال الله لنبيه ومصطفاه -صلى الله عليه وآله وسلم-: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} ونادى رب العزة والجلال داود قائلًا: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (ص: من الآية: 26).
وأنبياء بني إسرائيل كان يسوسون أمتهم بالتوراة، وفي الحديث: ((كانت بني إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي قام نبيٌّ)) وقال الله عن التوراة: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} (المائدة: من الآية: 44).
فالرسل يحكمون بين الناس، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويقومون على رعاية مصالح الناس، هم في كل ذلك عاملين بطاعة الله تعالى، ولن يصل العبد إلى نيل رضوان الله ومحبته إلا بطاعة الله، وطاعة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذلك أقول: يجب أن يكون شعار المسلم الذي يعلنه دائمًا هو شعار السمع والطاعة، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} (النور: من الآية: 51) والله -عز وجل- يقول: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (آل عمران: من الآية: 31).
د- النقطة الرابعة في هذا العنصر، وهي بعنوان: ختم النبوات بالنبي الخاتم -صلى الله عليه وآله وسلم-:
إن الله تعالى قد ختم سائر النبوات بأخر نبوة، وهي نبوة محمدٍ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فلم يبق من مطمعٍ لأحدٍ في أن يدعي النبوة أو يؤتاها بعد نبوة محمدٍ النبي الأمي أبدًا، ومن جَهَل هذه حقيقة، أو تجاهلها تضليلًا وخداعّا وادعى النبوة، فقد كذب على الله وأعظم الفرية عليه وكذّبه في قوله، وكذب نبيه المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي أخبر أيضًا عن نفسه بأنه خاتم الأنبياء -صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/114)
________________________________________
ومن ادعى النبوة والرسالة بعد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- افتضح أمره، ولعنه الناس كما حصل لمسيلمة الكذاب، وكما حصل لأحمد مرزا غلام صاحب القديانية الباطلة الكافرة، والله تعالى قد أخبر في كتابه بختم النبوات بنبوة محمدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الأحزاب: 40).
وإن الواجب عن كل إنسان في هذا الوجود البشري أن يؤمن بالنبي الخاتم -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن يتبع ما جاء به من الحق والهدى، وذلك لأمر الله تعالى بالإيمان به، وباتباع ما جاء به في مثل قوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا} (التغابن: من الآية: 8).
ولتخصيص الرب -تبارك وتعالى- رحمته -وهي الجنة- بمن أمن بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} (الأعراف: 156) لمن هذه الرحمة التي ستكتبها يا رب؟ قال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف: 157).
وأخيرًا فإن من الأدلة السمعية على ختم النبوة، وأن محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- هو خاتم الأنبياء والمرسلين ما جاء في رواية الصحيحين عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي)).
(1/115)
________________________________________
وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إن ليّ أسماء أنا محمدٌ، وأنا أحمدٌ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بيّ الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي)) صلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين.
وبهذا ينتهي هذا اللقاء معكم أيها الإخوة الكرام، وختامًا أُصلى وأُسلم على النبي -عليه الصلاة والسلام- والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

3 - أركان الإيمان (3)

الركن الخامس من أركان الإيمان؛ الإيمان باليوم الآخر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
الإخوة الكرام ألتقي بكم في سلسلة محاضرات أصول الدعوة وطرقها، وعنوان هذه المحاضرة: تابعوا أركان الإيمان، وتشتمل على العناصر التالية:
العنصر الأول في الركن الخامس من أركان الإيمان ألا وهو الإيمان باليوم الآخر، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- المراد باليوم الآخر ووجوب الإيمان به:
إن المراد من اليوم الآخر أمران: الأول فناء هذه العوالم كلها، وانتهاء هذه الحياة بكاملها، والثاني إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها، فدلَّ لفظُ اليوم الآخر على آخر يومٍ من أيام هذه الحياة، وعلى اليوم الأول والأخير من الحياة الثانية؛ إذ هو يومٌ واحدٌ لا ثاني له فيها ألبتة، فالإيمان باليوم الآخر مقتضٍ للتصديق بأخبار الله تعالى بفناء هذه الحياة الدنيا، وبما يسبقه من أمارات، وما يتم فيه من أهوال واختلاف أحوال، كما هو مقتضٍ كذلك لتصديق الله تعالى في أخباره عن الحياة الآخرة، وما فيها من نعيمٍ وعذابٍ، وما يجري فيها من أمورٍ عظامٍ كبعث الخلائق، وحشرهم، وحسابهم، ومجازاتهم على أعمالهم التي قاموا بها في هذه الحياة الدنيا.
وقد يسأل سائل فيقول: هل الفناء ممكن؟
وجوابنا على هذا السؤال أن أقول: نعم، الفناء ممكن؛ لأن العالم ليس أزليًّا أبدًًا، وما لم يكن أزليًّا فهو حادثٌ، وما كان حادثًا فالفناء من صفاته اللازمة له التي لا تنفك عنه بحال، وطروء الفناء على الحادثات مشاهدٌ في هذه الحياة لا يحتاج إلى دليل، إنه قد ثبت بالبراهين العقلية والمادية معًا ثبت حدوث هذا العالم، وإن التغير الجاري والمستمر على العوالم دالٌّ على حدوثها، وإن حدوثها دالٌّ على فنائها.
(1/116)
________________________________________
وهناك دليلٌ آخر وهو أن العالم كل له أجزاء، ونحن نشاهد الفناء يجري في أجزائه باستمرار، فمثلًا الحيوان والنبات يفنى أمامنا، وتحت سمعنا وبصرنا، ونفقد وجودهما باستمرارٍ ودون انقطاعٍ، وهما قطعًا أجزاءٌ من هذا العالم، كما أننا نرى الزلزال من الفينة إلى الفينة يُدمر مدنًا وقرًى كبيرةً، ويغير معالم الأرض في كثير من البلاد في العالم، فظاهرة الفناء إذن لأجزاء هذا العالم دالةٌ على فناء العالم كله؛ إذ ما أمكن الفناء في أجزائه أمكن فناء كله.
وبناء على هذا أقول: اليوم الآخر ممكن الوقوع، وهو مرتقبٌ جدًّا وقوعه حقيقة، وهو اليوم الذي لا يأتي بعده يوم من أيام هذه الحياة الدنيا، وذلك لخراب العالم وفنائه، والإيمان باليوم الآخر هو عبارة عن التصديق الجازم بانقلابٍ هائل يتم في الكون، ويكون انتهاء هذه الحياة الدنيا بكاملها، وابتداء حياة أخرى، وهي الدار الآخرة بكل ما فيها من حقائق مدهشة من بعث الخلائق، وحشرهم، وحسابهم، ومجازاتهم، هذا الإيمان ليس واجبًا فحسب، بل هو أحد أركان ستة عليها تبنى عقيدة المؤمن، فلا تتم إذن عقيدته إلا به، ولا تصح إلا عليه، قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} (البقرة: من الآية: 177) فنصت الآية هنا على أن الإيمان باليوم الآخر ضروري، بل إنه أتى بعد الإيمان بالله -تبارك وتعالى.
ولأهمية هذا المعتقد في حياة المؤمن، ولآثاره الكبرى في استقامة الفرد وصلاحه عنى القرآن الكريم به عناية لا تقل عن العناية بالإيمان بالله -سبحانه وتعالى- فقد ذكره ربُّنا -عز وجل- في كتابه في عشرات السور من القرآن الكريم، وفي مئات الآيات مرة بوصفه والحديث عنه كقوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (الحاقة: 13: 17).
ومرة بتقريره وتأكيد
(1/117)
________________________________________
مجيئه، كقوله تعالى من سورة "الحج": {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} (الحج: 6، 7).
وممّا يؤكد أهمية هذا المعتقد، ويجعله كالصمام لحياة الاستقامة والطُهْرِ والخير، هو ذكره مقرونًا بالإيمان -تبارك وتعالى- وذلك كقوله تعالى من سورة "البقرة": {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: من الآية: 62) وكقول الله -تبارك وتعالى-: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (الطلاق: من الآية: 2).
إذن عرفنا المراد باليوم الآخر، وأنه يجب الإيمان به، وأهمية الإيمان بهذا اليوم العظيم الذي سيقف فيه العباد بين يدي رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.
ب- أنتقل إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: الأدلة على البعث والنشور:
لقد سلك القرآن الكريم في إثبات الميعاد والحياة الثانية مسالك متعددة، هي غاية في الوضوح والسهولة منها: أن الشيء إذا لم يكن ثم كان وأعدم كانت إعادته أيسر وأهون على من بدأه أول مرة ثم أعدمه وأفناه، فالذي بنى دارًا ثم هدمها، لا يستحيل عليه ولا في حقه إعادة بنائها كما كانت أو خيرًا ممّا كانت، والذي يصنع آلة من الآلات مخترعًا لها لا يستصعب عليها أن يعيدها كما كانت، إذا هو كسرها بإرادته وباختياره ليحولها إلى آلة أفضل منها قبل، وقد ورد هذا المسلك من الاستدلال في سورة "الروم" وفي ذلك يقول الحق -تبارك وتعالى-: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الروم: 27).
(1/118)
________________________________________
وأيضًا من مسالك القرآن الكريم في إقامة الأدلة على البعث والنشور: استدلاله بنوم الإنسان والحيوان واستيقاظهما، فالنوم يُعتبر موتًا مصغرًا، والاستيقاظ يُعتبر حياة مصغرة أيضًا، فكما تتم عملية النوم للإنسان والحيوان وعملية الاستيقاظ لهما، تتم أيضًا عملية الموت والحياة الكاملة لهم، جاء هذا الاستدلال في قول الله تعالى من سورة "الأنعام": {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الأنعام: 60) فتأملوا هذه الآية حينما ذكر وفاتنا بالليل، وأنه يعلم ما كسبنا في النهار، أشار رب العزة والجلال إلى أنه كما يُنيمنا بالليل ويبعثنا في النهار يُرجعنا إليه -سبحانه وتعالى- وهذا دليلٌ واضحٌ.
وأيضًا من الأدلة: الاستدلال بالأرض الميتة بسبب طبيعتها أو الجدب أو القحط؛ حيث تنعدم فيها الحياة تمامًا، ثم يُنزل الله -عز وجل- عليها الغيث أو تسقى بالماء؛ فتعود إليها كما كانت وخيرًا ممّا كانت نماءً وازدهارًا، والذي يوحي الأرض بعد موتها يحيي الإنسان أيضًا إذا مات وتحلل، وفي ذلك يقول -جل ذكره- من سورة "فصلت": {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (فصلت: 39).
وقال تعالى من سورة "الحج": {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} (الحج: 5، 6) وكما أشار في الآية السابقة بعد ذكره -سبحانه وتعالى- أنه يُنزل الماء على الأرض الميتة فتهتز وتحيا، فكما يفعل ذلك بهذه الأرض الميتة يُخرج الإنسان بعد ذلك أيضًا من الأرض ويحييه ويبعثه؛ ولذلك أشار بعد قوله: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} قال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
أيضًا من الأدلة: الاستدلال بالقدرة الكافية التي بها خُلِقَ آدم -عليه السلام- من تراب، وذريته من نطفة على إمكان الميعاد والبعث وتقرير
(1/119)
________________________________________
وقوعهما، قال تعالى من سورة "الحج": {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} (الحج: 5).
ومن الأدلة أيضًا: الاستدلال بالقدرة على خلق العوالم على إمكان إعادة حياة الناس بعد موتهم وفناء أجسامهم، فالذي خلق العالم بكل ما فيه، وأخرجه من حيز العدم إلى الوجود، بل خلق ما هو أعظم وأكبر من الإنسان، أيعجز بعد ذلك أن يوجد هذا الإنسان الضعيف؟! وتأملوا مثلًا في خلق السماوات والأرض، وفي ذلك يقول -جل ذكره-: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (غافر: 57).
ولذلك رد الله -عز وجل- على من استبعد البعث، والنشور، وقام في ذهنه وعقله أن البعث بعيد، ومستحيل، استدل الله -عز وجل- بأدلة متعددة على البعث والنشور: منها خلقه لهذه العوالم أول مرة، ومنها أيضًا إنشاؤه لهذه الكائنات، وإخراجها من حيز العدم إلى الوجود، ثم خلق ما هو أكبر من خلق الإنسان، وفي آخر سورة "يس" رد رب العزة والجلال على المنكر المستبعد للبعث والنشور بأدلة -كما أشرت- ومنها: قوله سبحانه: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} (يس: 81).
وأيضًا من الأدلة: الاستدلال باختلاف سلوك الإنسان في هذه الحياة بالخير والشر، والصلاح والفساد على وجود حياة أخرى يجزى فيها كل عاملٍ بما عمل من خيرٍ
(1/120)
________________________________________
وشرٍّ، لعدم استكمال المجازاة في هذه الحياة الدنيا، فنحن نجد أن بعض الصالحين يُظلم في هذه الأرض، ولا يؤخذ حقه من الظالم، ويموت الظالم ولم يستوف منه الحق بعد، فكان ولا بد من حياة أخرى يقوم فيها الناس ليُجزى كل عامل بما قدم، وفي ذلك يقول رب العزة والجلال مشيرًا إلى هذا: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (آل عمران: 185).
وقال تعالى من سورة "الليل": {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} (الليل: 4: 11).
ولذلك كانت التكاليف الشرعية التي كلف الله -عز وجل- بها العباد تدل على وجود حياة أخرى يتم فيها الجزاء على القيام بتلك التكاليف، وعلى تركها وإهمالها؛ إذ لم يتوفر جزاءٌ كافٍ في هذه الحياة الدنيا على تلك التكاليف، قال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الملك: 1، 2).
وهناك آيةٌ صريحةٌ في ذلك، وهي قوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} (المؤمنون: من الآية: 115، 116).
ومن أعظم الأدلة بعد ذلك على البعث والجزاء والحياة الآخرة: أخبار الله تعالى، وأخبار رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- إن الذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يجد في نفسه بحال داعيًا للشك، ولا مسارًا للجدل، والنزاع في ثبوت الميعاد، وكل ما يتم فيه من حساب وجزاء؛ إذ أخبار الله تعالى كلها صدقٌ وحقٌّ، فقد أخبر تعالى بآلاف الأخبار، فلم تكن إلا وفق ما أخبر، كما أخبر رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- بآلاف الأخبار، فلم يتخلف منها خبرٌ واحدٌ عن مدلوله، فكيف يٌعقل إذن أن يخبر الله تعالى، ويخبر رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- بمئات الأخبار عن ثبوت الحياة الثانية، وعن كل ما
(1/121)
________________________________________
يجري فيها من بعثٍ وحسابٍ وجزاءٍ، ثم لا يصح شيءٌ من ذلك ولا يثبت، اللهم ما إن هذا باطلٌ لا يصح، ومحالٌ لا يقبل ولا يعقل.
إن حتمية الفناء ووجود معادٍ كامل، وحياة أفضل تحوي نعيم للمحسنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وجحيمًا للمسيئين الذين أشركوا وعملوا السيئات ممّا أخبر الله تعالى به وقرره في كل كتبه، وعلى ألسنة جميع رسله حقٌّ واقعٌ لا محالة، والشك فيه ضرب من الهبوط الشخصي، والمرض العقلي والعياذ بالله -تبارك وتعالى- وعلى الذين ينكرون الميعاد أي يرجعوا من قريب، وليعلموا أنهم سيقفون بين رب العزة، والجلال -سبحانه وتعالى- ليجازيهم على أعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
ننتقل بعد ذلك إلى النقطة التي تلي هذه النقطة، وهي بعنوان: ذكر ما يكون في اليوم الآخر والأدلة عليه:
أود هنا أن أذكر بعض ما يكون في اليوم الآخر، وأذكر أيضًا الأدلة عليه؛ لأن القرآن الكريم أخبرنا عن مواقفٍ متعددةٍ ستكون في هذا اليوم، سأتحدث عنها -إن شاء الله- الآن تباعًا كما يلي:
أولًا: الحشر، ما هو الحشر؟ إن الحشر عبارة عن جمع الخلائق بعد بعثهم أحياءً في ساحةٍ واحدةٍ تُدعى عرصات القيامة، وذلك لفصل القضاء، وهو الحكم فيما بينهم من أجل مجازاتهم، فالناس إذا بُعثوا من قبورهم أحياء حفاةً عراةً غُرلًا، كما بدأ الله تعالى خلقهم أولًا يعيدهم ثانيًا، قال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء: من الآية: 104).
وقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما في حديث الصحيحين: ((يُحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلًا قلتُ: يا رسول الله (والقائلة هي أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها) قلت يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: النساء والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض)).
(1/122)
________________________________________
ويحشر الكافرين على وجوههم أعاذني الله، وإيّاكم من ذلك لقول الله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خلْقًا جَدِيدًا} (الإسراء: 97، 98).
وفي الحديث المتفق عليه أنه: ((قيل للرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) بلى -سبحانه وتعالى- قادر.
وممّا يكون في اليوم الآخر: فصل القضاء والشفاعة فيه، والمراد بفصل القضاء هو: أن الناس لما يحشرون إلى ربهم، ويبلغ العناء منهم مبلغًا عظيمًا، وذلك من شدة الهول وصعوبة الموقف يرغبون في أن يحكم الله تعالى فيهم أو بينهم بما هو أهله، وبما هم متهيئون له بحسب طهارة أرواحهم أو خبثها؛ حتى يستريحوا من شدة الموقف وأتعابه، ومصداق هذا جاء في قول الله تعالى: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} (المرسلات: 11: 15) ويقول سبحانه: {هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} (المرسلات: 35: 40).
ولما يطول موقفهم ويعظم قربهم يقول بعضهم: ((ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ فيأتون آدم -عليه السلام- ليشفع لهم عند الله تعالى فيعتذر لهم، ويقول: إن ربي قد غضب اليوم
(1/123)
________________________________________
غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري؛ فيأتون إلى المرسلين واحدًا واحدًا؛ يأتون إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى فيعتذر الكل، ويقول: نفسي نفسي حتى ينتهوا إلى خاتم الأنبياء وإمام المرسلين -صلوات الله وسلامه عليه- فيقول: أنا لها، فيأتي ربه فيخر ساجدًا تحت العرش ويلهمه ربه تعالى محامدًا يحمده بها، فلا يزال كذلك حتى يقول له الرب -تبارك وتعالى-:
(1/124)
________________________________________
ارفع رأسك وسل تُعط، واشفع تُشفع؛ فيرفع -صلى الله عليه وآله وسلم- رأسه، ويقول: يا رب أمتي، فيقال له: يا محمد ادخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب)) فهذا الحديث دل على الشفاعة العظمى أيضًا للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن فصل القضاء والشافعة فيه ستكون في يوم القيامة.
ومن المواقف التي ستحدث في هذا اليوم أيضًا: الحساب والميزان، الحساب يدور على محتويات الكتب التي يُعطاها كل فردٍ من أفراد الناس في ساحة فصل القضاء، ويقرؤها كل واحدٍ من أهل الموقف سواء من كان يقرأ منهم ومن لم يكن يقرأ، ويختلف إعطاؤهم تلك الكتب وتلقيهم لها؛ إذ منهم من يُعطى كتابه بيمينه ومن أمامه، ومنهم من يعطي كتابه بشماله ومن وراء ظهره، وبمجرد إلقاء نظرة على محتوى الكتاب يعلم صاحبه بمصيره، ويُعلن على الفور عن فوزه وفرحه وسروره، أو عن خيبته وحزنه وخسرانه، قال تعالى في بيان هذا وتقريره من سورة "الانشقاق": {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا} (الانشقاق: 7 - 12).
وبينما هم كذلك إذ تُوضع الموازين القسط، ويتقدم الناس واحدًا واحدًا للحساب، فمنهم من يحاسب يسيرًا، وهو العرض الذي قال فيه الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: لعائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها-: ((من حُوسِبَ يوم القيامة عُذب؛ فقالت له أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها-: أليس الله -عز وجل- يقول: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فقال لها: ليس ذاك الحساب، إنما ذلك العرض، من نُوقِشَ الحساب يوم القيامة عذب)) ومنهم من يحاسب
(1/125)
________________________________________
حسابًا عسيرًا يُستنطق الفرد ويسأل عن كل صغيرة وكبيرة، فإن أجاب بالصدق والحق فيها وفيما عمل فبها ونعمت، وإن حاول الكذب أو الكتمان فإنه يُختم على فمه، وتستنطق جوارحه فتنطق بالذي عمل في دنياه، ولا تُخفي شيئًا.
ومن المواقف أيضًا: الصراط، إنه بعد وزن الأعمال والفراغ منها، وبيان السعيد من الشقي في الجملة يضطر الناس إلى المرور على الصراط، وهو جسرٌ دقيقٌ منصوبٌ على ظهر جهنم، والصراط عقبةٌ كأداء في طرق الذاهبين إلى دار السلام، وممر الخطير للغاية، يشهد لخطورته أن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يقف على جنباته والناس يمرون، وهو يدعو: ((رب سلم سلم)) ويكون مرور الناس بحسب أعمالهم في الدنيا، فمنهم من يمر بسرعة مدهشة حتى لكأنه البرق الخاطف، ومنهم من يمر دون ذلك إلى أن ينجو من ينجو ولو حبوًا على يديه وركبتيه، ويهلك من يهلك بسقوط في جهنم دار الشقاء والهوان.
وقد وصف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الصراط في معرض حديثه عن الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي وعده به ربه -تبارك وتعالى- في قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (الإسراء: من الآية: 79) وصفه -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: ((بأن الأمانة والرحم تقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا؛ فيمر أول الناس كالبرق ... )) إلى غير ذلك ممّا ذكر -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى أن قال: ((وفي حافتي الصراط كلاليبٌ معلقة مأمورة بأخذ من أُمرت به فمخدوشٍ ناجٍ ومكدوس في النار)) أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
وبعد أن يجتاز المؤمنون الصراط بسلام وأمان من الوقوع في النار يقفون على قنطرة بين الجنة والنار لتهذيبهم وتطهيرهم من كل ما كان بينهم من عداوات أو شحناء، أو حقوق لبعضهم على بعض، ثم بعد ذلك يؤذن لهم بدخول الجنة فيدخلون، وقد روى حديث القنطرة الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه -رحمه الله-تبارك وتعالى- ونصه: ((يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون
(1/126)
________________________________________
على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعضهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا)) ثم بعد ذلك يدخل أهل الجنة الجنة -نسأل الله جميعًا ذلك- وأهل النار -ولا شك كما جاءت النصوص بذلك- يسقطون فيها، وهم يمرون على الصراط، أعاذني الله وإياكم من ذلك.

الركن السادس من أركان الإيمان؛ الإيمان بالقدر
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني من عناصر هذا اللقاء، وهو في الركن السادس والأخير من أركان الإيمان، وهو: الإيمان بالقدر، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- التعريف بالقضاء والقدر، القدر ما سبق به العلم، وجرى به القلم ممّا هو كائنٌ إلى الأبد، وأنه -عز وجل- قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقاتٍ معلومة عنده تعالى وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه.
وقال الإمام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في تعريفه: المراد -يعني بالقدر- أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدثٍ صادرٍ عن علمه وقدرته وإرادته -سبحانه وتعالى- ولا شك أن هذا التعريف كاف في الحديث عن القضاء والقدر، وقد عرّفتُ الآن القدر، وأود أن أعرف القضاء.
فأقول: القضاء هو الفصل والحكم، وقد تقرر في أحاديث الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ذِكر القضاء، وأصله القطع والفصل، يقال: قضى يقضى قضاءً، فهو قاضٍ إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق، وللعلماء في التفرقة بين القضاء والقدر قولان:
الأول: القضاء هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق.
يقول ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تبارك وتعالى-: قال
(1/127)
________________________________________
العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله، وقال في موضعٍ آخر: القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل. هذا القول الأول.
القول الثاني: عكس القول الأول، فالقدر هو الحكم السابق، والقضاء هو الخلق، وهذا عكس القول السابق.
ب- أنتقل إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: وجوب الإيمان بالقدر والأدلة عليه:
الإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، ففي (صحيح مسلم) من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- في سؤال جبريل -عليه السلام- النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لما سأله عن الإيمان قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال له جبريل -عليه السلام-: صدقت)).
والنصوص المخبرة عن قدر الله أو الآمرة بالإيمان بالقدر كثيرة، وقد صرح بها القرآن الكريم في نحو مائة آية، ومن ذلك قوله سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49).
ومنها قوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (الأحزاب: من الآية: 38).
ومنها قوله سبحانه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان: من الآية: 2)
والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في سُنته ذكر أحاديث متعددة توجب الإيمان بالقضاء والقدر، فقد أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء)).
وفي مسلم أيضًا عن طاوس قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقولون: "كل شيءٍ بقدر"، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس".
(1/128)
________________________________________
أنتقل إلى النقطة التالية، وهي بعنوان: أركان الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر يقوم على أربعة أركان من أقر بها جميعًا فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملًا، ومن انتقص واحدًا منها أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر، والأركان الأربعة هي:
الركن الأول: الإيمان بعلم الله -تبارك وتعالى- الشامل المحيط، وقد كثر في كتاب الله، وسُنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- تقرير هذا الأصل العظيم، فعلم الله محيطٌ بكل شيءٍ، يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الموجود والمعدوم، والممكن والمستحيلة، وهو عالمٌ بالعباد، وآجالهم، وأرزاقهم، وأحوالهم، وحركاتهم، وسكناتهم، وشقاوتهم، وسعادتهم، ومَنْ مِنْ أهل الجنة منهم ومَنْ مِنْ أهل النار، كل ذلك لأنه -سبحانه وتعالى- يتصف بصفة العلم الشامل الواسع لكل شيءٍ، قال تعالى في تقرير ذلك: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} (الحشر: من الآية: 22).
وقال سبحانه: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} (الطلاق: 12).
والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أخبر في سُنته في أحاديث كثيرة عن علم الله -سبحانه وتعالى- الواسع المطلق، ومن ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- سئل عن أولاد المشركين، فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
الركن الثاني من أركان الإيمان بالقدر: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيءٍ، دلت النصوص من الكتاب والسُّنة على أن الله كتب في اللوح المحفوظ كل ما كان وما سيقع؛ ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق)) فقوله: ((كتب)) يدل على أن الله -عز وجل- كتب مقادير الخلائق.
كما ذكر عبادة بن الصامت في حديثه أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما اكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد)).
(1/129)
________________________________________
واللوح المحفوظ الذي كتب فيه الله مقادير الخلائق سماه القرآن بالكتاب، وبالكتاب المبين، وبالإمام المبين، وبأم الكتاب، والكتاب المسطور، قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} (البروج: 21، 22).
وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (يس: 12).
وقال: {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} (الطور: 1، 2).
الركن الثالث من أركان الإيمان بالقدر: الإيمان بمشيئة الله الشاملة، وقدرة الله النافذة، وهذا الأصل يقضي بالإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة ولا سكون في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئة الله -تبارك وتعالى- فلا يكون في ملك الله إلا ما يريد، والنصوص المصرحة بهذا الأصل المقررة له كثيرةٌ وافرةٌ منها: قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (الإنسان: من الآية: 30).
ومنها: قوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يس: 82).
ويقول سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} (الأنعام: من الآية: 35).
الركن الرابع من أركان الإيمان بالقدر: الإيمان بأن الله خالق كل شيء، وقد قررت النصوص القرآنية والنبوية أن الله خالق كل شيء، فهو الذي خلق الخلق وكونهم وأوجدهم، فهو الخالق وما سواه مربوب مخلوق، قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء} (الرعد: من الآية: 16).
وقال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} (الأنعام: من الآية: 1).
والنصوص في هذا كثيرة، وهي تقرر أن الله خالق أعمال العباد، وممّا جاء في القرآن صراحة ممّا يدل على ذلك قوله سبحانه: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (الصافات: 95، 96).
(1/130)
________________________________________
د- أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية والأخيرة في هذا اللقاء، وهي: الإيمان بقدر الله -تبارك وتعالى- وأن هذا الإيمان لا يؤدي إلى ترك العمل، فالإيمان بالقدر لا يؤدي إلى ترك العمل، وأقول هذا؛ لأن بعض الناس ضل في هذا الباب، وقال: إذا كان الله عالمًا بكل شيءٍ نفعله، وعالمًا بمصيرنا إلى الجنة أو النار، وكان هو الخالق لأفعالنا فلماذا نعمل وننصب؟ ولماذا لا نترك الأقدار تجري في أعنتها؟ وقد تعمقت هذه الضلالة عند طوائف من العُبّاد والزهاد وأهل التصوف، وذهب إلى هذا القول بعض جهالة المسلمين أيضًا وأهل الزيغ والزندقة، وهذا الفريق يؤمن بالقدر، وأن الله عالمٌ بكل شيءٍ، وخالقٌ لكل شيءٍ، ومريدٌ لجميع الكائنات، ولكنهم زعموا أن كل ما خلقه الله وشاءه فقد رضيه وأحبه، وزعموا أنه لا حاجة بالعباد إلى العمل والأخذ بالأسباب، فما قُدرَ لهم سيأتيهم، وزعموا أن العباد مجبورون على أفعالهم، فالإنسان عندهم ليس له قدرة تؤثر في الفعل، بل هو مع القدر كالريشة في مهب الريح.
وفي الحقيقة هذا الاعتقاد المنحرف الذي أصاب طائفةً من الناس كانت له أثارٌ سيئةٌ على المجتمع بصورة عامة وعليهم بصورة خاصة، فقد دفعهم هذا المعتقد إلى ترك الأعمال الصالحة الخيرة التي توصلهم إلى الجنة وتنجيهم من النار، وارتكبوا كثيرًا من الموبقات بدعوى أن القدر آتٍ آت، وكل ما قُدرَ للعبد سيصيبه، كما ترك هؤلاء الأخذ بالأسباب؛ فتركوا الصلاة والصيام كما تركوا الدعاء والاستعانة بالله والتوكل عليه، ورضي كثيرٌ من هؤلاء بظلم الظالمين وإفساد المفسدين، وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يهتموا بإقامة الحدود والقصاص.
وقد عرض شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لهذا الفريق ومعتقده، فقال: الذين اعترفوا بالقضاء وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبية العامة بكل مخلوق، وأنه
(1/131)
________________________________________
ما من دابة إلا ربي آخذٌ بناصيتها، وهذا هو الذي يُبتلى به كثيرًا إما اعتقادًا وإما حالًا طوائف من الصوفية والفقراء، حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة بالمحرمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات.
وهذا في الحقيقة ضلالٌ بعيدٌ وانحرافٌ خطيرٌ وقعوا فيه، وأداهم ذلك إلى القعود والكسل وترك العمل، وبالتالي ما عرفوا طريقًا لعبادة الله -عز وجل- وهذا ضلال، فالإيمان بالقدر لا يعني أن يترك الإنسان الأسباب أو العمل، بل إن الإيمان بالقدر يدفع إلى العمل؛ لأن الإنسان لا يعلم ماذا قُدِرَ عليه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قد أشار ذلك إلى سئل -صلى الله عليه وآله وسلم- عن الاتكال على كتابة الله -تبارك وتعالى- لِمَ قدره وقضاه، وكتبه في اللوح المحفوظ، أو أن يعمل الإنسان؟ فأشار النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى العمل، سئل -عليه الصلاة والسلام-: ((أرأيت ما نحن فيه؟ هل هو أمرٌ قد فُرِغَ منه أم أمرٌ مستأنف؟ فقال: أمرٌ قد فُرِغَ منه، فقيل له -صلى الله عليه وآله وسلم-: أفلا نَدَعُ العمل، ونتكل على كتابنا هذا؟ فقال -صلى الله عليه وآله وسلم- مرشدًا وموجهًا: اعملوا فكلٌّ ميسرٌ لما خُلِقَ له)).
فالإيمان بالقدر يوجب الأخذ بالأسباب، ويوجب السعي إلى العمل، وترك العمل اتكالًا على القدر هو في الحقيقة آفة أُصيب بعض الناس الذين ضلوا وانحرفوا عن صراط الله المستقيم، وبالتالي ضلالهم سيحيق بهم، فعلى العبد أن يؤمن بقضاء الله وقدره، بأركانه التي سبقتُ أن أشرتُ إليها، ثم بعد ذلك يعمل ويسعى، ويسأل الله حسن الخاتمة، ويُسلِم أمره إلى رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.
وبهذه الكلمات ينتهي معكم هذا اللقاء المبارك، -إن شاء الله تبارك وتعالى- واستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/132)
________________________________________
الدرس: 4 إلمامة تحليلية بأركان الإسلام.
(1/133)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع
(إلمامة تحليلية بأركان الإسلام)
1 - إلمامة تحليلية عن أركان الإسلام (1)

تعريف الإسلام، وذكر أركانه، وما يتعلق به
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم، وسلك سبيلهم إلى يوم الدين.
المحاضرة بعنوان: إلمامة تحليلية عن أركان الإسلام، وهذه المحاضرة تشتمل على عدة عناصر؛ العنصر الأول: تعريف الإسلام، وذكر أركانه، والأدلة عليه:
الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وأركان الإسلام خمسة هي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا.
وفي الصحيحين عن ابن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((بُنِيَ الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)) وهذا الحديث فيه إشارة من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى هذه الأركان، وفي نفس الوقت هو دليلٌ صحيحٌ عليها، وقد أجاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على جبريل -عليه السلام- لما سأله عن الإسلام بهذا الجواب أيضًا، وذكر له هذه الأركان الخمسة.
وقد تحدثت فيما مضى عن الإيمان، وأركان الإيمان، وعرفت الإيمان فيما مضى، وانتهيت في اللقاء السابق من آخر محاضرة تتعلق بالركن السادس والأخير من أركان الإيمان، وهنا عرفت الإسلام، وأود قبل أن أتحدث عن أركانه كما تحدثتُ عن أركان الإيمان أن أذكر الصلة بين الإيمان والإسلام؛ لأن هذه المسألة اختلف فيها السلف -رحمهم الله تبارك تعالى- نظرًا لاختلاف فهمهم لبعض النصوص التي وردت في هذا الموضوع، واختلافهم يدور حول آراء ثلاثة أذكرها هنا فأقول:
القول الأول: هو القول بالترادف بينهما، وأنهما اسمان لمسمًّى واحدٍ، وهذا الرأي -أعني: من قال بالترادف- رأي جماعة من السلف منهم: الإمام الجليل محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله- فقد قال في صحيحه: باب سؤال جبريل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة، وبيان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((جاء جبريل يعلمكم دينكم))
(1/135)
________________________________________
فجعل ذلك كله دينًا، وما بيّن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لوفد عبد القيس من الإيمان -وقد ذكرت هذا سابقًا- وهو أنه قال لهم: ((آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟)) ثم ذكر -صلى الله عليه وآله وسلم- لهم أركان الإسلام، فبين ذلك أن الإسلام والإيمان يطلقان على شيءٍ واحدٍ.
هكذا ذهب الإمام البخاري -رحمه الله تبارك وتعالى- ومحصل كلامه كما ذكره ابن حجر في (فتح الباري): أن المصنف يرى أن الإيمان والإسلام عبارة عن معنًى واحدٍ، هذا عند الإمام البخاري وغيره -رحمه الله تبارك وتعالى.
القول الثاني: التفريق بين مسمى الإسلام، والإيمان، وأن الإسلام هو الكلمة، والإيمان هو العمل، وهذا قول جماعة من السلف منهم الزهري وحماد بن زيد، ورواية عن الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى- كما ذكر ابن منده عن عبد الملك الميموني قال: سألت أحمد بن حنبل أتفرق بين الإيمان والإسلام؟ قال: نعم، وقال بهذا جماعة من الصحابة والتابعين منهم عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، والحسن، ومحمد بن سيرين.
القول الثالث: وهو تحقيق مذهب السلف الذي تجتمع عليه النصوص الواردة في هذا الموضوع، وهو الرأي الراجح -إن شاء الله تبارك وتعالى- وهو أن بين الإسلام والإيمان تلازمًا مع افتراق اسميهما، وأن حال اقتران الإسلام بالإيمان غير حال إفراد أحدهما عن الآخر، فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى، فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيءٍ واحدٍ، كذلك الإسلام والإيمان لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له؛ إذ لا يخلو المؤمن من إسلامٍ به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمانٍ به يصح إسلامه، وهذا في الحقيقة معنًى صحيح وسليم؛ لأن لكلٍّ الإيمان والإسلام حقيقة شرعية
(1/136)
________________________________________
مستقلة، كما أن لكلٍّ منهما حقيقة لُغوية مستقلة، وغاية ما يُقال أنهما متلازمان في الوجود لا مترادفان في الحقيقة والمعنى، ولقوة ارتباط كلٍّ منهما بالآخر فإنه إذ وُجِدَ أحدهما منفردًا في نصٍّ من النصوص لا يمكننا أن نتصوره وحده، فيكون الآخر داخلًا فيه على سبيل التلازم والارتباط، وتحقيق الهدف المراد من كلٍّ منهما مجتمعين.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- هذه الوجه بقوله: إذا قيل: إن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر كالروح والبدن، فلا يوجد عندنا روحٌ إلا مع البدن، ولا يوجد بدنٌ حيٌّ إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح فإنه قائمٌ بالروح ومتصلٌ بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيًّا إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان لا أن مسمى أحدهما هو الآخر، وإسلام المنافقين كبدن الميت جسدٌ بلا روح، فما من بدنٍ حيٍّ إلا وفيه روح، ولكن الأرواح متنوعة، وهذه في الحقيقة كلام دقيق، وهذا الرأي هو الإسلام والأوجه -إن شاء الله تبارك وتعالى- وذلك لأن النصوص تدل عليه دلالة واضحة، إلى جانب أن القول به يُعتبر جمعًا بين الآراء التي تقدم ذكرها.
ولا شك أن الإيمان والإسلام كما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بينهما من الترابط ومن التلازم الشيء الكثير، ولكن في الحقيقة يفترقان في الاسم، فإذا جمعنا بين الإسلام والإيمان في كلمة واحدة قلنا: الإسلام والإيمان، فسرنا الإسلام بما فسره النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في حديث جبريل، وفسرنا الإيمان أيضًا بما فسره أو ذكره النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في حديث جبريل، وإذا افترقا بمعنى قلنا: الإسلام فقط، أو قلنا: الإيمان فقط دخل أحدهما في الآخر؛ لأنه لا يُتصور إيمانٌ بلا إسلام، ولا إسلامٌ بلا إيمان،
(1/137)
________________________________________
وقد أشارت كلمات شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- الدقيقة إلى ذلك.

الركن الأول من أركان الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله
أنتقل بعد هذا إلى عنصر مهم جدًّا، وهو العنصر الثاني، وهو في الركن الأول من أركان الإسلام، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، سأبدأ أولًا بشهادة أن لا إله إلا الله، ثم -إن شاء الله تبارك وتعالى- أثني بالحديث عن شهادة محمدٍ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولكن هذه الشهادة لله بالوحدانية تحتاج إلى تفصيلٍ وتدقيقٍ وبيانٍ لأهمية ذلك، كما أيضًا نحتاج في شهادة أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذا العنصر يشتمل على النقاط التالية:
أولًا: فضل لا إله إلا الله:
لا إله إلا الله هي كلمة التوحيد، وكلمة التوحيد لها فضلٌ عظيمٌ وكبيرٌ، فلأجلها خُلقت الخليقة، وأُرسلت الرسل، وأُنزلت الكتب، وبها افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار، فهي العروة الوثقى، وهي كلمة التقوى، وهي أعظم أركان الدين وأهم شعب الإيمان، وهي سبيل الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهي كلمة الشهادة، ومفتاح دار السعادة، وأصل الدين وأساسه ورأس أمره.
وفضائل هذه الكلمة وموقعها من الدين فوق ما يصفه الواصفون ويعرفه العارفون؛ قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران: 18)
وكون الله -عز وجل- يشهد لنفسه بلا إله إلا الله، كما أن ملائكته يشهدون بذلك وأهل العلم أيضًا، يدل هذا على مكانة وأهمية هذه الشهادة؛ ولهذا أقول: إن لهذه الكلمة الجليلة فضائل عظيمة، وفواضل كريمة، ومزايا جمة لا يمكن لأحدٍ استقصاؤها.
وممّا ورد في فضل هذا الكلمة في القرآن الكريم: أن الله -تبارك وتعالى- جعلها زبدة دعوة الرسل، وخلاصة رسالاتهم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25).
وقال تعالى:
(1/138)
________________________________________
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: من الآية: 36).
وقال تعالى في أول سورة النحل: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ} (النحل: 2) وهذه الآية هي أول ما عدد الله على عباده من النعم في هذه السورة، فدل ذلك على أن التوفيق لذلك هو أعظم نعم الله تعالى التي أسبغها على عبادة كما قال سبحانه: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} (لقمان: من الآية: 20) قال مجاهد -رحمه الله-تبارك وتعالى-: لا إله إلا الله، وقال سفيان بن عيينة: ما أنعم الله على عبدٍ من العباد نعمة أعظم من أن عرفهم أن لا إله إلا الله.
ومن فضائلها: أن الله وصفها في القرآن بأنها الكلمة الطيبة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (إبراهيم: 24، 25).
وهي القول الثابت الوارد في قول الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} (إبراهيم: 27).
وهي العهد في قوله تعالى: {لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} (مريم: 87).
رُوي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- كما ذكر الطبراني في كتابه (الدعاء) أنه قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن يتبرأ العبد من كل حول وقوة إلا من حول الله وقوته" ثم قال: "وهي رأس كل تقوى".
ومن فضائلها أيضًا: أنها العروة الوثقى التي من تمسك بها نجا، ومن لم يتمسك بها هلك، قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} (البقرة: من الآية: 256).
وقال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} (لقمان: من الآية: 22).
(1/139)
________________________________________
ومن فضائلها: أنها الكلمة الباقية التي جعلها إبراهيم الخليل -عليه السلام- في عقبه لعلهم يرجعون، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الزخرف: 26: 28).
وهي كلمة التقوى التي ألزمها الله أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وكانوا أحق بها وأهلها، قال الله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الفتح: 26).
ومن فضائل هذه الكلمة: أنها منتهى الصواب وغايته، قال الله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} (النبأ: 38).
روى علي بن طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} أنه قال: "إلا من أذن له الرب بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي منتهى الصواب". وقال عكرمة: "الصواب لا إله إلا الله".
ومن فضائلها: أنها هي دعوة الحق المرادة لقوله الله -تبارك وتعالى-: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ} (الرعد: 14).
ومن فضائلها: أنها الرابطة الحقيقية التي اجتمع عليها أهل دين الإسلام، فعليها يوالون ويعادون، وبها يحبون ويبغضون، وبسببها أصبح المجتمع المسلم كالجسد الواحد، وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.
قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشِّنقيطي -رحمه الله تعالى- في كتابه (أضواء البيان): والحاصل أن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي
(1/140)
________________________________________
رابطة لا إله إلا الله، ألا أن ترى أن هذه الرابطة التي تجمع المجتمع الإسلامي كله كأنه جسدٌ واحدٌ، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضًا عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف، قال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ... } (غافر: من الآية: 7) إلى آخر ما جاء في هذه الآية الكريمة.
ومن فضائلها: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أخبر أنها أفضل الذكر، كما في الترمذي وغيره من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)).
ومن فضائلها: أن من قالها خالصًا من قلبه يكون أسعد الناس بشفاعة الرسول الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- يوم القيامة كما في الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: ((قيل يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبله أو نفسه)).
في الحقيقة هذا بعض ما ورد في فضائل هذه الكلمة العظيمة، ولا يستغرب طالب العلم أنني أطلت الحديث نوعًا ما في ذكر هذه الفضائل -أعني فضائل لا إله إلا الله- لأنها كلمة تستحق، وسيتبين لنا كيف أنها تستحق عندما أنتقل إلى النقطة الثانية في هذا العنصر، وهي بعنوان مدلول ومعنى كلمة: لا إله إلا الله:
إن كلمة التوحيد لا إله إلا الله التي هي خير الذكر وأفضله وأكمله لا تكون مقبولة عند الله بمجرد التلفظ بها باللسان فقط دون قيامٍ من العبد بحقيقة مدلولها، ودون تطبيق لأساس مقصودها من نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله مع الاعتقاد
(1/141)
________________________________________
الجازم لما تضمنته من ذلك، وأن يقوم الإنسان بالعمل بما اعتقده، وبهذا يكون العبد المسلم مسلمًا حقًّا، ويكون بهذا أيضًا من أهل لا إله إلا الله.
وقد تضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله ليس بإله، وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم ومنتهى الضلال، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} (الأحقاف: 5، 6).
وقال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} (الحج: 62).
إن للا إله إلا لله مدلولًا لا بد من فهمه، ومعنًى لا بد من ضبطه؛ إذ غير نافعٍ بإجماع أهل العلم النطق بها من غير فهمٍ لمعناها ولا عملٍ بما تقتضيه، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: {وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف: 86) ومعنى الآية -كما قال أهل التفسير- أي: إلا من شهد بلا إله إلا الله، وهم يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم؛ إذ أن الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كانت عن جهلٍ لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق، وتقتضي العمل بذلك، وبهذا يتبين أنه لا بد في هذه الكلمة من العلم بها مع العمل والصدق، فبالعلم ينجو العبد من طريقة النصارى الذين يعملون بلا علم، وبالعمل ينجو من طريق اليهود الذين يعلمون ولا يعملون، وبالصدق ينجو من طريقة المنافقين الذين يُظهِرون ما لا يبطنون، ويكون بذلك من أهل صراط الله المستقيم من الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
والحاصل: أن لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا واعتقد ذلك وعمل بها، أما من قالها وعمل بها ظاهرًا من غير اعتقادٍ فهو المنافق، وأما
(1/142)
________________________________________
من قالها وعمل بضدها وخلافها من الشرك فهو الكافر، وكذلك من قالها وارتد عن الإسلام بإنكار شيءٍ من لوازمها وحقوقها فإنها لا تنفعه ولو قالها ألف مرة، وكذلك من قالها وهو يصرف أنواعًا من العبادة لغير الله كالدعاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة، والتوكل، والإنابة، والرجاء، والخوف، والمحبة، ونحو ذلك، فمن صرف ما لله -عز وجل- من العبادات لغير الله، فهو مشركٌ بالله العظيم ولو نطق بلا إله إلا الله، والسبب في ذلك أنه لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص الذي هو معنى لا إله إلا الله.
ومعنى لا إله إلا الله: أنه لا معبودًا حقٌّ إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له، والإله في اللغة هو: المعبود، ولا إله إلا الله أي: لا معبودًا حقًٌّ إلا الله، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25).
وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: من الآية: 36).
فتبين بذلك أن معنى الإله وهو: المعبود، وأن لا إله إلا الله معناها: الإخلاص العبادة لله وحده واجتناب عبادة الطاغوت؛ ولهذا لما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لكفار قريش: قولوا لا إله إلا الله قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (ص: 5).
وقال قوم هود لنبيهم -عليه السلام- لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} (الأعراف: من الآية: 70) قالوا ذلك وهو إنما دعاهم إلى لا إله إلا الله؛ لأنهم فهموا أن المراد بها نفي الألوهية عن كل ما سوى الله، وإثباتها لله وحده لا شريك له، فلا إله إلا الله اشتملت على نفي وإثبات، وتأمل يا طالب العلم هذا الأمر: فلا إله إلا الله تشتمل على ركنين، تشتمل على النفي والإثبات، فالنفي هو نفي الإلوهية عن كل ما سوى الله تعالى، فكل ما سوى الله من الملائكة والأنبياء فضلًا عن غيرهم فليس بإله، وليس له من العبادة شيء، وهذه الكلمة العظيمة أثبتت الإلهية لله وحده، بمعنى أن العبد لا يأله غيره أي: لا يقصده بشيءٍ من التأله، وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيءٍ من أنواع العبادة كالدعاء، والذبح، والنذر، وتشتمل أو تتضمن هذه الكلمة بعد النفي نفي أي شريك مع الله -عز وجل- أو التوجه بأي عبادة إلى غير الله -عز وجل- تثبت هذه الكلمة العبادة الحقة لله وحده دون سواه؛ لأنها نفت الألوهية عن كل ما سوى الله، وأثبتت الألوهية لله وحده، لا إله نفي لجميع المعبودات الباطلة، وإلا الله أثبات لعبودية وألوهية الله الحق جل في علاه.
وقد جاء في القرآن الكريم جاءت نصوصٌ كثيرةٌ تبين
(1/143)
________________________________________
معنى هذه الكلمة، وتوضح المراد بها، ومن ذلك قول الله -تبارك وتعالى- في كتابه: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 163).
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: 5).
وقال تعالى حكاية عن مؤمني ياسين: {وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ إِنِّي إِذًًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} (يس: 22: 25).
جـ- شروط لا إله إلا الله:
لا إله إلا الله لها شروطٌ عظيمةٌ يجب أن يعرفها طالب العلم، وشروط لا إله إلا الله سبعة هي: العلم بمعناها، واليقين المنافي للشك والريب، والإخلاص المنافي للشرك والرياء، والصدق المنافي للكذب، والمحبة المنافية للبغض والكره، والانقياد المنافي للترك، والقبول المنافي للرد، وقد جمع بعض أهل العلم هذه الشروط السبعة في بيتٍ واحدٍ؛ فقال:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك مع ... محبة وانقياد والقبول لها
وأود أن أقف هنا وقفة مختصرة مع هذه الشروط لبيان المراد بكل واحدٍ منها، مع ذكر بعض أدلتها من كتاب الله وهدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
الشرط الأول: وهو العلم بمعناها المراد منها نفيًا وإثباتًا المنافي للجهل، وذلك بأن يعلم من يقولها أنها تنفي جميع أنواع العبادة عن كل ما سوى الله -تبارك وتعالى- وتُثبت ذلك لله وحده، كما في قوله سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) أي: نعبدك ولا نعبد غيرك، ونستعين بك ولا نستعين بسواك، وهذا ما تفيده أو يفيده قول الله -تبارك وتعالى-: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين} قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} (محمد: من الآية: 19) وقال تعالى:
(1/144)
________________________________________
{إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف: من الآية: 86) قال المفسرون: إلا من شهد بلا إله إلا الله، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: ما معنى شهدوا به في قلوبهم وألسنتهم.
وثبت في (صحيح مسلم) من حديث عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)) فاشترط -عليه الصلاة والسلام- العلم هنا.
والشرط الثاني: اليقين المنافي للشك والريب، أي: أن يكون قائلها موقنًا بها يقينًا جازمًا لا شك فيه ولا ريب، واليقين هو تمام العلم وكماله، قال الله -تبارك وتعالى- في وصف المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ} (الحجرات: 15) ومعنى {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} أي أيقنوا ولم يشكوا.
وثبت في (صحيح مسلم) عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى عبدٌ بهما ربه غير شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة)).
وثبت في (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة)).
الشرط الثالث: الإخلاص المنافي للشرك والرياء، وذلك إنما يكون بتصفية العمل وتنقيته من جميع الشوائب الظاهرة والخفية، وذلك بإخلاص النية في جميع العبادات لله وحده، قال الله تعالى: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (الزمر: من الآية: 3).
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (البينة: من الآية: 5).
(1/145)
________________________________________
وقد سبق أن ذكرت أن: ((أسعد الناس بشفاعة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه)) فاشترط الإخلاص.
الشرط الرابع: الصدق المنافي للكذب، وذلك بأن يقول هذه الكلمة صادقًا من قلبه، والصدق هو أن يواطئ القلب اللسان؛ ولذا قال الله تعالى في ذم المنافقين: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} (المنافقون: 1) فوصفهم سبحانه بالكذب؛ لأن ما قالوه بألسنتهم لم يكن موجودًا في قلوبهم.
وقال -سبحانه وتعالى-: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت: 1: 3).
وثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله صادقًا من قبله إلا حرمه الله على النار)).
الشرط الخامس: المحبة المنافية للبغض والكره، وذلك بأن يحب قائلها الله -تبارك وتعالى- ويحب رسوله، ويحب دين الإسلام والمسلمين القائمين بأوامر الله الواقفين عند حدوده، وأن يبغض من خالف لا إله إلا الله وأتى بما يناقضها من شركٍ وكفرٍ، وممّا يدل على اشتراط المحبة في الإيمان ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} (البقرة: من الآية: 165) وفي الحديث: ((أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)).
الشرط السادس: القبول المنافي للرد، فلا بد من قبول هذه الكلمات قبولًا حقًّا بالقلب واللسان، وقد قص الله علينا في القرآن الكريم أنباء من سبق ممّن أنجاهم لقبولهم
(1/146)
________________________________________
لا إله إلا الله، وانتقامه وإهلاكه لمن ردها ولم يقبلها، قال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} (يونس: 103).
وقال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} (الصافات: 35: 36).
فلا بد إذن من قبول هذه الكلمة وعدم ردها، يقبلها الإنسان بقلبه، يقبلها ويرددها بلسانه، وتقوم جوارحه وتشهد بما يدل على هذا القبول، ولا يستكبر عليها بحالٍ، ومن فعل ذلك كان مع المشركين -والعياذ بالله تبارك وتعالى- لأن هذا هو صنيع المشركين مع لا إله إلا الله، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم.
الشرط السابع: الانقياد المنافي للترك؛ إذ لا بد لقائل لا إله إلا الله أن ينقاد لشرع الله، وأن يذعن لحكمه، وأن يُسلِمَ وجه إلى الله؛ إذ لذلك يكون متمسكًا بلا إله إلا الله؛ ولذلك يقول تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} (لقمان: من الآية: 22) أي: فقد استمسك بلا إله إلا الله، فاشترط سبحانه الانقياد لشرع الله، وذلك بإسلام الوجه له -سبحانه وتعالى.
فهذه شروط لا إله إلا الله ذكرتها لأهميتها، وليس المراد منها عد ألفاظها وحفظها فقط، فكم من عامّيٍّ اجتمعت فيه والتزمها، ولو قيل له: اعددها لم يحسن ذلك، وكم من حافظٍ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها.
فالمطلوب إذن العلم والعمل معًا ليكون المرء بذلك من أهل لا إله إلا الله صدقًا، ومن أهل كلمة التوحيد حقًّا، والموفق لذلك من وفقه الله -تبارك وتعالى- فالله وحده هو المعين، وهو الذي يستعين به المؤمن.
د- انتقل بعد ذلك إلى النقطة الأخيرة في هذا العنصر، وهي بعنوان: نواقض لا إله إلا الله:
بعد أن ذكرت شروط لا إله إلا الله -وهي شروطٌ مهمةٌ عظيمة الشأن يجب على كل مسلمًا أن يعتني بها عناية كبيرة- أذكر هنا أمرًا مهما آخر، وهو نواقض هذه الكلمة ليكون المؤمن منها على
(1/147)
________________________________________
حذر، ويحاول أن يَسْلَمَ من الوقوع في شيءٍ منها، فمعرفة الشر كي يجتنبه العبد أمر أيضًا مهم؛ ولذلك سأذكر هنا على سبيل الإيجاز، سأذكر نواقض هذه الكلمة العظيمة -كما ذكرت- ليحذرها المسلم، وليحذر أيضًا منها غيره من المسلمين رجاء السلامة والعافية.
الناقض الأول من نواقض لا إله إلا الله هو: الشرك في عبادة الله -تبارك وتعالى- قال الله -عز وجل-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: من الآية: 48).
وقال سبحانه: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (المائدة: من الآية: 72).
ومن ذلك دعاء الأموات والاستغاثة بهم والنذر والذبح لهم، ونحو ذلك كل هذا يؤدي ويوقع العبد في الشرك -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ولا شك أن المشرك عمله حابطٌ ولا قيمة له، وليس له جزاء عليه حتى لو فعل ما فعل من الحسنات والخيرات، وذلك بنص التنزيل، يقول رب العزة والجلال في كتابه موجهًا الخطاب للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ} (الزمر: 65، 66).
وحاشا أن يقع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الشرك، ومع هذا يخاطبه ربه بذلك، ونحن يا أيها المؤمنون أولى بأن نحذر الشرك، وأن نحذر وسائله، وأن نحذر الطرق المؤدية إليه؛ لأن أمره خطير، فالأمر كما ذكر الله: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} (المائدة: من الآية: 72).
الناقض الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، قال الله تعالى في ذم المشركين الذين يتخذون لله الوسائط والأنداد: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس: 18) فليس بين العبد وبين ربه واسطةٌ
(1/148)
________________________________________
بحالٍ من الأحوال، وبإمكانك يا عبد الله أن تلجأ إلى اله في أي وقت وفي أي حين، وتطلب منه ما تحتاج إليه، ولا تتخذ وسائط تؤدي بك أو توقعك في الشرك -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ولذلك يجب على الناس أن يفهموا في أي شيء كان شرك المشركين الأولين كانوا يؤمنون بوجود الله -عز وجل- وأنه الخالق الرازق المدبر، وأنه -سبحانه وتعالى- عنده النفع وعنده الضر، ولكنهم يتخذون هذه الوسائط لتقربهم إلى الله -تبارك وتعالى- زلفى، كما قال الله عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: من الآية: 3) فيجب على المرء المسلم أن يفهم ذلك وأن يحذر.
الناقض الثالث: من لم يُكَفِرْ المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كَفَرَ؛ لأنه بهذا يكون رادًّا لكتاب الله -تبارك وتعالى- الذي أخبر عن شرك هؤلاء المشركين.
الناقض الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، فهذا كُفرٌ ونقضٌ لـ "لا إله إلا الله" وذلك كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكم الله -تبارك وتعالى- وحكم الله أولى، وحكم الله أحسن {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة: من الآية: 50) فحكم الله -عز وجل- هو الحكم بالحق وبالعدل، ويجب أن لا ينحرف الإنسان عمّا جاء من عند الله -تبارك وتعالى- إلى غيره.
الناقض الخامس: من أبغض شيئًا ممّا جاء به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ولو عمل به فقد كفر؛ لأن الله -عز وجل- ذكر أن من يكره ما جاء به الله أو ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقد حبط عمله يقول -عز وجل- في سورة "محمد": {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} (محمد: 9).
الناقض السادس: من استهزأ بشيءٍ من دين الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قول الله -تبارك وتعالى-: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} (التوبة: 64، 65).
(1/149)
________________________________________
الناقض السابع: *****، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله -يعني: فعل *****- أو رضي به كفر، والدليل قول الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} (البقرة: من الآية: 102).
والساحر أيضًا ليس له حظٌّ ولا نصيبٌ عند الله في الدار الآخرة، كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (البقرة: من الآية: 102) فليحذر الإنسان من ***** وليحذر أيضًا -وأقول هذا وأنا أتحدث عن ***** يحذر- الإنسان من الإتيان إلى الكهان، والعرافين، والمنجمين، وما إلى ذلك.
الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قول الله -تبارك وتعالى-: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة: من الآية: 51).
الناقض التاسع: من أعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فهو كافر، قال الله -عز وجل-: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85).
فالإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو الشريعة الذي يجب على المرء أن يلتزمها وألا يخرج عنها، ومن زعم أنه يمكن أن يخرج إلى شريعة أخرى فقد كفر برب العزة والجلال سبحانه.
الناقض العاشر والأخير: الإعراض عن دين الله -تبارك وتعالى- لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قول الله -جل ذكره-: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} (السجدة: 22).
فهذه عشرة أمور من نواقض هذه الكلمة العظيمة كلمة التوحيد لا إله إلا الله، فمن وقع في شيءٍ منها -والعياذ بالله تبارك وتعالى- انتقض توحيده، وانهدم إيمانه، ولم ينتفع بقوله: لا إله إلا الله؛ ولذلك يجب على الإنسان أن يعرف هذه النواقض، وأن يحذر الوقوع فيها؛ لأنها تخالف إيمانه
(1/150)
________________________________________
ونطقه بلا إله إلا الله، وقد نص أهل العلم على أنه لا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره، وأكتفي بهذا، وأكمل -إن شاء الله- الحديث عن الجزء أو الشق الآخر من شهادة أن لا إله إلا الله، وهو أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في اللقاء القادم.
أستغفر الله -سبحانه وتعالى- وأتوب إليه، وأصلي وأسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

2 - أركان الإسلام (2)

شهادة أن محمدًا رسول الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
أبنائي الأعزاء، عنوان محاضرة هذا اللقاء: تابع أركان الإسلام، ذلك أنني تكلمت في اللقاء السابق عن الشطر الأول من الركن الأول من أركان الإسلام، ألا وهو شهادة أن لا إله إلا الله، فشهادة أن لا إله إلا الله هي الركن الأول من أركان الإسلام، وتحدثت عنها في اللقاء السابق، وفي هذا اللقاء -إن شاء الله -تبارك وتعالى- أتابع الحديث حول أركان الإسلام، والعنصر الأول في هذا اللقاء هو الشق الثاني، أو الشطر الثاني من الركن الأول، ألا وهو شهادة أن لا إله إلا الله، ذلك أن شهادة أن لا إله إلا الله يتبعها في الأصل والأساس أن يشهد العبد أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولذلك سأتحدث في العنصر الأول حول شهادة أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- معنى شهادة أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- معنى هذه الشهادة -كما قال شيخ الإسلام الشيخ ابن عبد الوهاب رحمه الله -تبارك وتعالى-: قال: معنى شهادة أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألَّا يعبد الله إلا بما شرع -صلى الله عليه وآله وسلم- فطاعة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- من طاعة الله، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (آل عمران: من الآية: 31) وقال سبحانه: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} (آل عمران: من الآية: 32) وتصديق
(1/151)
________________________________________
الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في الأخبار الماضية والمستقبلة مما كان من أمور الغيب من أوجب الواجبات، واجتناب ما ينهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أيضًا من أوجب الواجبات، كما قال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: من الآية: 7) وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((ما أمرتكم من أمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)).
ومعنى ألا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يعني: ألا يعبد العبد ربه إلا بما جاء على لسان وهدي نبي الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولهذا كان من شرطَي قبول العمل أمران مهمان: الأول: متابعة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأيضًا: الإخلاص لله -عز وجل- في العبادة، وفي هذا يقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد)).
وهذه الشهادة تقتضي -أيها الأخوة الكرام- أن يعترف العبد بالرسالة والنبوة للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأيضًا أن يعتقد عبوديته -صلى الله عليه وآله وسلم- لربه، فهو بشر رسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كما قال هو عن نفسه: ((إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) فلا يرفع -صلى الله عليه وآله وسلم- فوق منزلته عليه الصلاة والسلام، فيكون له خصيصة من خصائص الألوهية، فيعتقد العبد مثلًا أنه يعلم الغيب، أو ينفع ويضر، أو أنه يقضي الحاجات، ويفرج الكربات، كل هذا ليس من خصائص نبي الهدى والرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم- فهو عبد لله سبحانه، وصفه ربه بالعبودية في أشرف المقامات، في إنزال القرآن الكريم، قال: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (الفرقان: 1) وفي مقام الإسراء قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} (الإسراء: من الآية: 1) وفي مقام الحفظ وكفاية الله له، قال الله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} (الزمر: من الآية: 36).
ومع هذا فهو رسول يجب أن يصدق، وأن يطاع، وأن يتبع -صلوات الله وسلامه عليه- وهذا ما أود أن أشير إليه في النقطة، أو الفقرة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان:
(1/152)
________________________________________
وجوب طاعته ونصرته -صلى الله عليه وآله وسلم.
بعد أن ذكرت معنى شهادة أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أود أن أشير إلى أمر مهم؛ لأنه ليس الهدف أو القصد أن ينطق العبد بأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فحسب، أو أن يعتقد بنبوته ورسالته، ثم لا يقوم بعد ذلك بما أوجبه الله عليه تجاه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ولذلك أقول: طاعة الرسول -عليه الصلاة والسلام- واجبة بنص القرآن الكريم، والسنة النبوية، وإجماع الأمة.
وقد كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يستفيدون أحكام الشرع من القرآن الكريم الذي يتلقونه عن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وكثيرا ما كانت تنزل الآيات القرآنية المجملة من غير تفصيل، أو مطلقة من غير تقييد، كالأمر بالصلاة مثلًا جاء مجملًا، لم يبين في القرآن عدد ركعاتها، ولا هيئاتها، ولا أوقاتها، وكالأمر بالزكاة جاء مطلقًا لم يقيد بالحد الأدنى الذي تجب فيه الزكاة، ولم تبين مقاديرها، ولا شروطها، وكثير من الأحكام التي لا يمكن تنفيذها دون الوقوف على شرح ما يتصل بها من شروط، وأركان، ومفسدات، فكان لا بد له من الرجوع إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لمعرفة الأحكام معرفة تفصيلية واضحة.
وقد أخبر الله في كتابه الكريم عن مهمة الرسول الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- بالنسبة للقرآن، وأنه مبين له، وموضح لمراميه وآياته، فقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: من الآية: 44) فهذه الآية أسندت بيان القرآن لسنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لأن الله لما قال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} أتبعه بقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} فالذكر نزل من عند الله -عز وجل- وبيان هذا الذكر أسند أمره إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كما بين الله تعالى أن من مهمات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إيضاح الحق حين يختلف فيه الناس، قال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (النحل: من الآية: 64)
(1/153)
________________________________________
وأوجب الله -تبارك وتعالى- النزول على حكم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في كل خلاف، والتسليم المطلق له لما يأتي عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65) فهذه الآية بينت أنه يجب أن ننزل على حكم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
وليس هذا فحسب، بل علينا ألا يكون في صدورنا أدنى حرج من حكم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن من خالف ذلك، فليس من أهل الإيمان، كما قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ}، وقد أوتي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- القرآن والحكمة؛ ليعلم للناس أحكام دينهم، ويخبرهم -صلى الله عليه وآله وسلم- بما أوجب الله عليهم، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (آل عمران: 164). وقد ذهب جمهور العلماء المحققين إلى أن الحكمة شيء آخر غير القرآن، وهي ما أطلع الله رسول -صلى الله عليه وآله وسلم- عليه من أسرار دينه، وأحكام شريعته، ويعبر عنها العلماء بالسنة.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله تبارك وتعالى- في (الرسالة) فذكر الله الكتاب -وهو القرآن- وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وتفسير الحكمة هنا بأنها السنة وجيه؛ لأن الله تعالى عطفها على الكتاب، والعطف يقتضي المغايرة؛ لأنها في معرض المنة من الله علينا بتعليمنا إياها، ولا يمن إلا بما هو حق وصواب، فتكون الحكمة واجبة الاتباع كالقرآن، ولم يوجب ربنا علينا إلا اتباع القرآن، والرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فتعين أن تكون الحكمة هي: ما صدر عنه -عليه الصلاة والسلام- من أفعال، وأقوال، وتقديرات في معرض التشريع،
(1/154)
________________________________________
وإذا كان، كذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أوتي القرآن، وشيئًا آخر معه يجب اتباعه فيه.
وقد جاء مصرحًا في قول الحق -تبارك وتعالى- في وصف الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: من الآية: 157) وما دام اللفظ عاما، فهو شامل لما يحله، ويحرمه مما مصدره القرآن، أو مصدره وحي يوحيه الله تعالى.
وقد روى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ألا وإني أوتيت الكتاب، ومثله معه، ويدل على ذلك أن الله أوجب على المسلمين اتباع الرسول الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم- فيما يأمر به، أو ينهى عنه، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: من الآية: 7) وقرن الله تعالى طاعة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بطاعته في آيات كثيرة من القرآن، فقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (آل عمران: 132) وحث على الاستجابة لما يدعو إليه، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: من الآية: 24) واعتبر طاعته طاعة لله، واتباعه حبًّا لله، فقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: من الآية: 80) وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (آل عمران: من الآية: 31).
كما حذرنا الله -عز وجل- من مخالفة أمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: من الآية: 63) بل أشار القرآن الكريم إلى أن مخالفته -صلى الله عليه وآله وسلم- كفر، فقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران: من الآية: 32) وهذا محمول -أعني الكفر محمول- على رد ما جاء به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وتكذيبه، وأما مجرد المعصية، فلا تبلغ درجة الكفر على ما هو معروف من مذهب أهل السنة، والجماعة.
(1/155)
________________________________________
ولم يبح رب العزة، والجلال لأحد من أهل الإيمان أن يخالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} (الأحزاب: 36) واعتبر الله -عز وجل- من علامات النفاق الإعراض -انتبه الإعراض- عن تحكيم الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في مواطن الخلاف قال تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} (النور: 47، 48) إلى ما جاء في قوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (النور: 51) بل جعل الله -عز وجل- من لوازم الإيمان ألا يذهب الصحابة حيث يكونون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون أن يستأذنوا منه، فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور: 62).
قال ابن القيم -رحمه الله-: فإذا جعل الله من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا مع إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه -صلى الله عليه وآله وسلم- وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه. ومن هنا أقول: لا بد لنا من الرجوع إلى سنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لنتعلم ونعرف أحكام القرآن الكريم، وكيف نعمل به، وكيف نطبق كتاب الله -تبارك وتعالى- ولا يكون ذلك إلا من خلال ما جاءنا عن رسول الهدى والرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم- قد كان صحابة النبي -عليه الصلاة والسلام- يرجعون إليه في كل أمر يحتاجون إليه، كانوا يرجعون إليه فيفسر لهم أحكام القرآن، ويبين لهم مشكلات القرآن، ويحكم بينهم في المنازعات، ويفصل في الخصومات، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يلتزمون حدود أمره، ونهيه، ويتبعونه في أعماله، وعباداته،
(1/156)
________________________________________
ومعاملاته، إلا ما علموا منه أنه خاص به -صلى الله عليه وآله وسلم- فكانوا يأخذون منه أحكام الصلاة، وأركان الصلاة، وهيئات الصلاة نزولًا عند أمره -صلى الله عليه وآله وسلم- حينما قال لهم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وأخذوا عنه مناسك الحج، وشعائره امتثالًا لأمره أيضًا حيث قال لهم: ((خذوا عني مناسككم)) إلى آخر ما جاء من هذه التعليمات الرشيدة، سواء كان في القرآن الكريم، أو في سنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وكلها تأمر وتوجب اتِّباع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وألَّا يخرج العبد عما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام.
وأختم هذه النقطة بحديث جليل للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- رواه عنه أبو هريرة -رضي الله عنه- وفيه يقول: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) تأملوا كلمات هذا الحديث: ((من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)).
واستكمالا لذلك أقول: إذا أوجب الله علينا اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وطاعته، فيجب أن نعلم أيضًا أن نصرة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- من لوازم الإيمان، وقد ضمن الله تعالى الفلاح لمن آمن برسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- ونصره، قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف: من الآية: 157) فالذين عزروه هم الذين وقروه، والذين نصروه هم الذين أعانوه على أعداء الله وأعدائه بجهاده، ونصب الحرب لهم.
وقد مدح الله تعالى المهاجرين الذين نصروا رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- وشهد لهم بالصدق في إيمانهم، فقال: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحشر: 8). كما شهد الله -تبارك وتعالى- لمن آوى المهاجرين، ونصر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بأنهم هم المؤمنون حقا، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (الأنفال: 74) فكان البذل والعطاء
(1/157)
________________________________________
في سبيل الله، سواء بالهجرة، أو بالنصرة، كان كل ذلك دليل على الإيمان الحق بالله -تبارك وتعالى.
وقد أخذ الله تعالى الميثاق على من تقدمنا من الأمم بنصرة الرسول الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- فما أتعس قوما أخذ عليهم الميثاق بنصرته -عليه الصلاة والسلام- فإذا هم يسخرون، ويستهزئون منه، ولا يؤمنون ويسلمون برسالته -صلى الله عليه وآله وسلم- قال الله تعالى في أخذه الميثاق على من سبق من الأمم: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران: 81) فأخذ الميثاق على النبيين كلهم، وأممهم تبع لهم أن يؤمنوا بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد بين الله تعالى -وأقول هذا لأشرح صدور أهل الإيمان بين الله عز وجل- أنه ناصر رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن رسوله -عليه الصلاة والسلام- ليس في حاجة إلى نصرة هؤلاء المكذبين برسالته، والمسلم عندما ينصر الرسول -عليه الصلاة والسلام- فإنما يسعى لخير نفسه، وإذا تقاعس عن ذلك فلن يضر إلا نفسه، وقد نصر الله -عز وجل- رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- في أحلك الظروف، وأصعب الأوقات عندما هاجر -صلى الله عليه وآله وسلم- من مكة إلى المدينة، وكانت قريش تطارده بخيلها ورجلها، وترجو، وتأمل العثور عليه -صلى الله عليه وآله وسلم- لكن الله -تبارك وتعالى- نصره وأنجاه منهم مع ضعف الإمكانات، وقلة الزاد وقتئذ، قال الله تعالى مبينًا ذلك: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 40).
فمن تقاعس عن نصرة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فلا يذري إلا بنفسه، وهي منزلة من العز والشرف قد حرم منها من تقاعس، أو سب، أو استهزأ بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/158)
________________________________________
الركن الثاني من أركان الإسلام؛ الصلاة
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو بعنوان: الركن الثاني من أركان الإسلام: الصلاة.
تكلمت، أو انتهيت من الركن الأول بشقيه: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأتناول بعد ذلك في هذا العنصر الركن الثاني، وهو الصلاة:
ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية: النقطة الأولى: منزلة الصلاة في الإسلام، الصلاة هي أهم وآكد الأركان بعد الشهادتين، إذ هي عمود الدين، وأول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وهي عبادة تؤدى في وقتها المحدد، قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (النساء: من الآية: 103).
وأمرنا الله -تبارك وتعالى- بالمحافظة عليها، فقال: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (البقرة: من الآية: 238) وهذا يدل على أن من الواجبات أن نحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بها، وأن نعلم أن لها أوقاتًا معلومة تؤدى فيها، وقد توعد الله -سبحانه وتعالى- من يتهاون بها، ويؤخرها عن وقتها قال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (مريم: 59) وقال سبحانه: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} (الماعون: 4، 5) فتأخير الصلاة عن وقتها هو من تضييعه وليس معنى أضاعوها تركوها؛ لأن الترك كفر -والعياذ بالله تبارك وتعالى.
والصلاة هي العلامة المميزة بين الإسلام، والكفر والشرك، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنه- قال: ((سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) وفي حديث بريدة
(1/159)
________________________________________
-رضي الله تعالى عنه- ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) قد أخرج هذا الحديث الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى- كما أخرجه أهل السنن، وإسناده صحيح.
الصلاة -أيها الإخوة الكرام- صلة بين العبد وبين ربه، قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه)) وقال تعالى في الحديث القدسي: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)) تأملوا هذا الفضل العظيم، وهو يبين مكانة، وأهمية الصلاة، إذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله له: ((هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)) يعني اطلب ما شئت، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: ((هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)).
الصلاة أيها الكرام روضة عبادات، فيها من كل زوج بهيج، فيها تكبير نفتتح به الصلاة، وقيام يتلو فيه المصلي كلام الله، وركوع يعظم العبد فيه ربه، ويقوم أيضًا من الركوع فيملأ فمه وقلبه بالثناء على الله، ويسجد فيسبح الله تعالى ويذكره، ويبتهل إليه في الدعاء، ويقعد للتشهد، ويدعو أيضًا، ثم بعد ذلك يسلم. أعمال كلها جليلة فاضلة، الصلاة عون في المهمات، ونهي عن الفحشاء والمنكرات، قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} (البقرة: من الآية: 45) وقال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمُ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت: من الآية: 45).
الصلاة نور المؤمنين هي حقًّا نور لأهل الإيمان، نور في قلوبهم، نور في محشرهم، قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((الصلاة نور)) وقال فيما أخرجه أحمد وغيره: ((من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانا ونجاة يوم القيامة)) الصلاة سرور نفوس المؤمنين،
(1/160)
________________________________________
وقرة أعينهم، قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((جعلت قرة عيني في الصلاة)) الصلاة يمحو الله -عز وجل- بها الخطايا، ويكفر بها السيئات، كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا)).
كذلك مثل الصلوات الخمس، يعني ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- لذلك مثلًا في أنه كما أن الماء يطهرك من الوسخ، فكذلك الصلاة تطهرك يا عبد الله، النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر)) وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: "من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وهذه الصلوات الخمس من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه سيئة، ولقد رأيتنا -هذا كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ولقد رأيتنا- وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف".
ومن الأمور التي أحب أن أنبه إليها هنا، وأنا أتحدث عن أهمية الصلاة، ومنزلتها، وحديثي عنها لأنها الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي آكد الأركان كما ذكرت، بل إن البعض يقول بأنها هي الركن الأول بعد الشهادتين، يحلو له أن يقول الركن الأول بعد الشهادتين؛ حتى يبرز أهميتها، مما أود أن ألفت النظر إليه هنا هو وجوب الخشوع في الصلاة، يعني أن يحضر الإنسان فيها بقلبه، وأن يحافظ عليها، والخشوع فيها أعني أن يكون الإنسان حاضرًا بقلبه وجوارحه.
قول الله -تبارك وتعالى-: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون: 1، 2) فالله -عز وجل- ذكر أن المحافظة على الصلاة، وأن الخشوع فيها يدخل العبد الجنة، ويحقق له الفلاح، الذين هم في صلاتهم خاشعون كما على العبد أيضًا أن يخلص لله -تبارك وتعالى- في الصلاة لقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)).
(1/161)
________________________________________
أنتقل بعد هذا الأمر المهم الذي تحدثت عنه إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: وجوب أدائها في المسجد، أعني وجوب أداء الصلاة في المسجد، الواجب أن تؤدى الصلاة جماعة في المسجد لذلك من الفضل العظيم، فعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((صلاة جماعة أفضل من صلاة الفذ -يعني الفرد- بسبع وعشرين درجة)) ولقد هم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم هم- بتحريق البيوت على رجال يتخلفون عن صلاة الجماعة، وذلك في الحديث المتفق عليه، وفيه يقول -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من سمع النداء فلم يأت، فلا صلاة له إلا من عذر)) وأمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من لم يطمئن في صلاته أن يعيدها حتى يقف بين يدي الله -تبارك وتعالى- مؤديًا الصلاة مع الجماعة، ومطمئنا أيضًا فيها.
وهذه مسألة مهمة يجب أن ألفت النظر إليها الصلاة مهمة، وأيضًا شهود هذه الصلاة، وحضورها في بيوت الله -تبارك وتعالى- لأن مساجد الله -عز وجل- لم تبن إلا لذلك، والله أثنى على رجال يقومون لله -تبارك وتعالى- في بيوتهم: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (النور: 36، 37) فعلى المسلمين جميعًا أن يهتموا بهذه الصلاة، وأن يحرصوا على أدائها جماعة في بيوت الله -تبارك وتعالى.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: حكم ترك الصلاة: في الحقيقة من المنكرات الظاهرة في هذه الأزمان المتأخرة ترك الصلاة من كثير ممن يدعي الإسلام، وهذه أيضًا مسألة مهمة يجب أن أقف عندها لأحذر من التهاون في الصلاة، أو ترك الصلاة بالكلية، خاصة ممن ينطق بلسانه: لا إله إلا الله محمد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ذلك أن ترك الصلاة كفر، كما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((بين الرجل والكفر أو الشرك ترك الصلاة)) وقال: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) ومن ضيع الصلاة، فهو لما سواها أضيع، فهي عمود الإسلام، ولا دين، ولا إسلام لمن ترك الصلاة.
(1/162)
________________________________________
وترك الصلاة -أيها الإخوة الكرام- من أسباب دخول النار تأملوا ترك الصلاة من أسباب دخول النار قال الله تعالى عن جماعة: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} (المدثر: 42، 43) وقال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الروم: من الآية: 31) وقال تعالى: {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (الأنعام: 72) وقال سبحانه: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} (التوبة: من الآية: 11) وقد أصبح حال كثير من الناس اليوم -وللأسف الشديد- لا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، والعياذ بالله -تبارك وتعالى- والبعض أيضًا يؤخر العصر عن وقتها، والبعض يهمل أيضًا في بقية الصلوات، وإن من إضاعة الصلاة ترك الجماعة مع القدرة على ذلك.
ولا يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها إلا كذلك، كما قال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- ومن إضاعة الصلاة تخفيفه وعدم الطمأنينة فيها في الركوع، والسجود، ومسابقة الإمام فيها، فمن سابق الإمام، فما وحده صلى، ولا بإمامه اقتدى، ناصيته بيد الشيطان، وتخفيف الصلاة وعدم الطمأنينة فيها، ومسابقة الإمام مناف للخشوع الذي هو ثمرة الصلاة وروحها، فعلى عموم المسلمين أن يشهدوا صلاة الجماعة في المساجد، وأن يحذروا ترك الصلاة؛ لأن ترك الصلاة كفر، وأنا لا أود هنا أن أتعرض للخلاف القائم بين الفقهاء: هل الكفر هنا مخرج من الملة أم لا؟ ولكن إذا نظرنا إلى قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وتدبرناه، فأوجب علينا ذلك أن نحذر ترك الصلاة، أو أن نتهاون، أو أن نضيع الصلاة؛ لأن الأمر جد خطير، سواء كان الكفر الوارد كفرًا ينقل من الملة، أو لا ينقل من الملة، يكفي أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أخبر أن ترك الصلاة كفر، والعياذ بالله -تبارك وتعالى- فعلى أهل الإيمان أن يهتموا أيضًا بهذا الركن العظيم من أركان الإسلام.
(1/163)
________________________________________
وأهل العلم ما اختلفوا في أي ركن من الأركان كاختلافهم في الصلاة، يعني كثير منهم ذكر أن ترك الصلاة كفر مخرج من الملة ولم يقولوا بذلك في الزكاة، ولا في الصيام، ولا في الحج، وما إلى ذلك؛ فعلينا إذن -أيها الإخوة الكرام- أن نهتم بهذا الركن العظيم، وأن نهتم عمومًا بجميع أركان الإسلام، ولكن نعرف لكل شيء قدره.

الركن الثالث من أركان الإسلام؛ الزكاة
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثالث في هذا اللقاء، وهو في الركن الثالث من أركان الإسلام، والركن الثالث من أركان الإسلام هو الزكاة، وهذا العنصر يشتمل على النقاط التالية:
أ- أهمية الزكاة، ووجوب إخراجها:
الزكاة قرينة الصلاة في آي القرآن الكريم، وأحاديث النبي الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- والزكاة فريضة اجتماعية سامية تشعر المؤمن بسمو أهداف الإسلام من عطف ورحمة، وحب، وتعاون بين المسلمين، وليس لواحد ملة، أو فضل فيما يقدمه من مال، إنما هو حق واجب لأن المال في الحقيقة مال الله -تبارك وتعالى- وقد استخلف عبده فيه، وقد أشار القرآن إلى ذلك، فقال سبحانه: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور: من الآية: 33) وقال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} (الحديد: 7).
ولأهمية الزكاة قاتل أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- بعض قبائل العرب عندما منعوا زكاة أموالهم، وقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وتابعه الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- على ذلك، ولقد توعد الله -سبحانه وتعالى- من بخل عن الإنفاق، فقال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التوبة: من الآية: 34) وتجب الزكاة على المسلم إذا بلغ نصابًا من أي نوع من أنواع المال الزكوي إذا حال عليه الحول ما عدا الحبوب والثمار، فإن الزكاة تجب فيها عند نضجها، وتمام استوائها، وإن لم يحل عليها الحول.
(1/164)
________________________________________
وتعطى لمستحقيها كما وردت أصنافهم في القرآن الكريم: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} (التوبة: 59، 60).
النقطة التالية بعد ذلك هي فوائد الزكاة:
الزكاة لها فوائد متعددة، الفائدة الأولى: أن فرض الزكاة على المسلمين من أظهر محاسن الإسلام؛ لأنه يرعى شئون معتنقيه.
والفائدة الثانية: أنها تثبت أواصر المودة بين الغني والفقير؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.
الفائدة الثالثة: تطهير النفوس وتزكيتها، والبعد بها عن خلق الشح والبخل، كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (التوبة: من الآية: 103).
الفائدة الرابعة: تعويد المسلم صفة الجود، والكرم، والعطف على ذوي الحاجة.
الفائدة الخامسة: استجلاب البركة والزيادة، والخلف، قال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (سبأ: من الآية: 39) وقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة والجلال، يقول الله -تبارك وتعالى-: ((يا بن آدم أنفق ننفق عليك)) إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.
النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: وعيد الله لمن تساهل عن إخراج الزكاة:
جاء الوعيد الشديد في حق من بخل بالزكاة، أو قصر في إخراجها، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ
(1/165)
________________________________________
بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} (التوبة: 34، 35) فكل مال لا تؤدى زكاته، فهو كنز يعذب الله -عز وجل- به صاحبه يوم القيامة كما دل على ذلك الحديث الصحيح الذي ورد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وفيه يقول: ((ما من صاحب ذهب، ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)) ثم ذكر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- صاحب الإبل، والبقر، والغنم الذي لا يؤدي زكاتها، وأخبر أنه يعذب بذلك يوم القيامة، وصح عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا له ذبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هذه الآية: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} آل عمران: من الآية: 180)).

الركن الرابع من أركان الإسلام؛ الصيام
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الرابع في هذا اللقاء، وهو في الركن الرابع من أركان الإسلام، ألا وهو الصيام، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- وجوب الصوم وفوائده:
صوم رمضان أحد أركان الإسلام لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183) وفي الصوم يتدرب المسلم على كبح جماح نفسه عن الملذات والشهوات المباحة لمدة من الزمن، وله أيضًا فوائد صحية علاوة على الفوائد الروحية، وفيه يشعر
(1/166)
________________________________________
المسلم بحاجة أخيه المسلم الجائع، والذي قد تمر عليه الأيام دون طعام، أو شراب كما يحصل الآن لبعض إخواننا في كثير من بقاع الأرض.
وشهر رمضان هو أفضل شهور العام، وقد أنزل الله -عز وجل- فيه القرآن: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة: من الآية: 185) وفيه ليلة خير من ألف شهر، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر: 1: 3) والصائم يغفر له ما تقدم من ذنبه إذا كان صومه إيمانًا واحتسابا كما صح من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) والواجب على الصائم أن يحفظ صيامه باجتناب الغيبة، والنميمة، والكذب، والاستماع إلى الملاهي، والحذر من سائر المحرمات، ويسن له الإكثار من قراءة القرآن، ومن ذكر الله والصدقة، والاجتهاد في العبادة، وخاصة في العشر الأواخر.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تبارك وتعالى-: إن صيام رمضان أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بني الإسلام على خمس: ((شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)).
وأجمع المسلمون على فريضة صوم رمضان إجماعا قطعيًا معلومًا بالضرورة من دين الإسلام، فمن أنكر وجوبه فقد كفر فيستتاب، فإن تاب، وأقر بوجوبه، وإلا قتل
(1/167)
________________________________________
كافرًا مرتدًا عن الإسلام لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ويدفن؛ لئلا يؤذي الناس برائحته، ويتأذى أهله بمشاهدته.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا اللقاء، وهي بعنوان: متى فرض الصيام?
فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- تسع سنين، وكان فرض الصيام على مرحلتين: المرحلة الأولى: التخيير بين الصيام والإطعام مع تفضيل الصيام عليه، المرحلة الثانية: تعيين الصيام بدون تخيير، فعن سلمة بن الأكوع -رضي الله تعالى عنه- قال: لما نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (البقرة: من الآية: 184) كان من أراد أن يفطر، ويفتدي فعل، يعني حين نزلت الآية التي بعدها، فنسختها حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، يعني ما جاء في قول الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة: من الآية: 185) فأوجب الله الصيام عينًا بدون تخيير، ولا يجب الصوم حتى يثبت دخول الشهر، فلا يصوم قبل دخول الشهر لقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((لا يتقدمن أحدكم بصوم يوم، أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم)).
هذه بعض أركان الإسلام ذكرتها في هذا اللقاء، وتحدثت عن أمور مهمة تتعلق بها، فبدأت بشهادة أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وبينت معنى هذه الشهادة، وأن طاعته -صلى الله عليه وآله وسلم- واجبة، ثم تحدثت بعد ذلك في العنصر الثاني عن الركن الثاني من أركان الإسلام، وهو الصلاة، وتكلمت عن أهميتها وبينت مكانتها في الإسلام، ووجوب أدائها في بيوت الله -عز وجل- وأن ترك الصلاة كفر، والعنصر الثالث تحدثت فيه عن الزكاة وبينت أيضًا أهميتها، وأنه يجب على العبد أن يخرجها، وأشرت إلى شيء من فوائد هذه الزكاة حتى يقبل المسلم عليه، وبينت وعيد الله -تبارك وتعالى- لمن تساهل في إخراج الزكاة، العنصر الرابع من أركان الإسلام كان في الحديث عن الصيام وبينت وجوبه بدلالة القرآن الكريم، والسنة النبوية، وإجماع الأمة، وبينت متى فرض الصيام في الإسلام، وأنه في البداية كان على التخيير، وذكرت ذلك حتى لا يتعلل أحد بأن الصيام ما زال باقيًا على التخيير، فكان هذا في أول الإسلام، ثم أوجب الله -عز وجل- بعد ذلك صيام شهر رمضان.
أسأل الله -عز وجل- للجميع التوفيق، والسداد، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

3 - أركان الإسلام (3)، وبيان أثر الإيمان في تكوين الفرد والمجتمع

الركن الخامس من أركان الإسلام؛ الحج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
عنوان هذه المحاضرة: تابع أركان الإسلام، وبيان أثر الإيمان في تكوين الفرد والمجتمع، ويتبع هذا العنوان العناصر التالية:
العنصر الأول: الركن الخامس من أركان الإسلام ألا وهو الحج، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- فوائد الحج، والأدلة على وجوبه:
حج بيت الله الحرام ركن من أركان الإسلام، أمر الله به في كتابه، وكذلك النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في سنته، كما سيأتي بيان ذلك، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران: من الآية: 97) وفرض الله الحج مرة واحدة في العمر،
(1/168)
________________________________________
ويجب على المسلم العاقل البالغ الحر المستطيع، ويصح من الصبي، ولكن لا يسقط عنه بذلك فرض الحج إذا بلغ واستطاع، والمرأة التي ليس لديها محرم يرافقها في الحج أو العمرة لا يجب عليها ذلك؛ لصحة الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن سفر المرأة بدون محرم.
والحج مؤتمر إسلامي يلتقي فيه المسلمون حيث يأتون إليه من كل فج عميق، ومن سائر أرجاء الدنيا من جنسيات مختلفة، وألوان متعددة، ولغات كذلك كثيرة، ومع هذا فهم يلبسون لباس واحدًا، ويقفون على صعيد واحد، والجميع يؤدي عبادة واحدة، لا فرق بين كبير ولا صغير، ولا غني وفقير، ولا أسود وأبيض، الناس سواسية -كما قال الله عز وجل-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: من الآية: 13).
والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) وعن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)).
قال سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتابه (التحقيق والإيضاح): إن الله -عز وجل- أوجب على عباده حج بيته الحرام، وجعله أحد أركان الإسلام، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ثم ساق حديث الصحيحين السابقَ عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- وقد جاء فيه أركان الإسلام، ومن هذه الأركان: حج بيت الله الحرام، ويجب على من لم يحج، وهو يستطيع الحج أن يبادر إليه لما روي عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له)).
(1/169)
________________________________________
ولأن أداء الحج واجب على الفور في حق من استطاع السبيل إليه، وهذا لظاهر قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ولقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في خطبته: ((أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا)) ويسن الإكثار من الحج والعمرة تطوعًا لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)).
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي نقطة ب- بعنوان: ماذا يجب على من يريد الحج، أو العمرة؟
طالما أنني أتحدث عن الحج، وقد سبق أن تحدثت عن أركان الإسلام، وهذا العنصر به وبنهايته تنتهي جميع أركان الإسلام، فأود أن أذكر كلمة في نهاية هذه الأركان تصلح للحج، وتصلح أيضًا لغير الحج، وهي ربما تكون لازمة للحج أكثر من غيره في بعض المواطن على اعتبار أن الحج لا يقوم به الإنسان، أو لا يجب عليه إلا مرة واحدة في العمر، فعلى الإنسان أن يتنبه لما سأذكره الآن، وما سأذكره يحتاج إلى كل عبادة يقف فيه العبد بين يدي ربه وموالاه:
أول أمر مما يجب على من يريد الحج، أو العمرة أن يخلص العمل لله -تبارك وتعالى- يجب على المسلم أن يعلم أن إخلاص العمل لله، ومتابعة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هما أساس قبول أي عمل، ولذا يجب عليه أن يجعل العبد رحلة الحج، أو العمرة، أو عبادة -كما ذكرت- خالصة لوجه الله -تبارك وتعالى- لا يريد بذلك رياء، ولا سمعة، ولا لقبًا بين الناس؛ لأن ذلك محبط للأعمال الصالحة، يقول الحق -تبارك وتعالى مبينًا ما أمر به أهل الإيمان-: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: 5) وعدم الإخلاص لله -عز وجل- في العبادة يجعل العبادة معرضة للبطلان، والعياذ بالله -تبارك وتعالى- لأن عدم الإخلاص يوقع العبد في الرياء، وفي الشرك، والله -تبارك وتعالى- يقول: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (الزمر: 65 - 66).
وروى الشيخان عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)).
أيضًا مما يجب على من يريد الحج لله -تبارك وتعالى- أن يبادر إلى التوبة النصوح، حيث يجب على المسلم أن يبادر إلى التوبة النصوح في كل وقت وفي كل حين، وإذا أراد الحج يكون ذلك أيضًا ألزم له؛ لأنه لا يدري هل يمد الله تعالى في عمره بعد
(1/170)
________________________________________
هذه الرحلة الربانية، أو لا وينتهي أجله، الله أعلم، وهذه التوبة تكون من جميع الذنوب صغيرها، وكبيرها لقول الله -تبارك وتعالى-: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور: من الآية: 31) وحقيقة التوبة: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على عدم العودة إليها، هذا إن كانت المعصية في حق الله -تبارك وتعالى- وأما إن كانت في حق الناس، فإنه يضاف إلى ما سبق رد المظالم إلى أهلها، وأن يطلب العبد السماح والعفو ممن أخطأ في حقهم بأهمية ذلك؛ حيث قد روى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها، فإنه ليس ثَمّ دينار، ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه)).
الأمر الثالث -الذي يجب على من يريد الحج-: أن يختار المال الحلال، إن أفضل ما ينفق فيه المسلم الأموال هو إنفاقها فيما يرضي الله -تبارك وتعالى- الذي وعدنا الله بإخلاف النفقة، والبركة في الرزق.
الله -عز وجل- وعدنا إن أنفقنا في سبيله أن ينفق علينا بخير وبركة يقول سبحانه: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (سبأ: من الآية: 39) ولذا يجب على المسلم أن يختار لحجه، أو عمرته المال الحلال البعيد عن الشبهات، وذلك لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، والله تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان من مال طيب حلال، ولا يقبل كذلك من الأقوال إلا ما كان طيبًا.
الأمر الرابع -الذي يجب على من يريد الحج هو-: الوصية بتقوى الله تعالى، يجب على المسلم أن يوصي نفسه وأهله دائما بتقوى الله تعالى، واجتناب معاصيه خاصة عند السفر لأداء مناسك الحج، أو العمرة؛ لأنه أيضًا لا يدري هل يعود إلى أهله مرة أخرى، أو لا، وتقوى الله -عز وجل- هي وصيته سبحانه للأولين، والآخرين من بني آدم، قال الله في كتابه:
(1/171)
________________________________________
{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} (النساء: من الآية: 131) وتقوى الله -سبحانه وتعالى- هي وصية الله سبحانه للأولين، والآخرين من بني آدم، قال الله جل ذكره: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} وتقوى الله هي السبيل إلى جنة عرضها السماوات، والأرض فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
كذلك أيضًا من الأمور المهمة التي تجب على من يريد الحج، وتجب أيضًا على العبد في كل أمر مما أمر الله به وجوب معرفة مناسك الحج أو العمرة، أو ما فرضه الله -سبحانه وتعالى- عليه، وأنا هنا أتحدث عن مناسك الحج، وقلت بأنني ما سأذكره نحتاج إليه في كل العبادات التي نقوم بأدائها لله -تبارك وتعالى- كون العبد يعرف كيف يعبد الله -تبارك وتعالى- أمر مهم للغاية، فيجب على كل مسلم أن يعرف كيف يعبد الله -تبارك وتعالى- وأن يتعلم هدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في عبادته؛ لأن الأعمال كلها لا تقبل عند رب العزة والجلال إلا إذا كان العبد فيها موافقًا لهدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وبهذا أكون قد انتهيت من أركان الإسلام.
وقبل أن أنتقل إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء أود أن أشير إلى أن للإسلام ركائز أخرى -وإن لم تكن من الأركان- لكنها تعين على وجوده حيَّا مطبقًا في، واقع المسلمين، فيجب أيضًا على المسلم أن يعرف ذلك، وأن يتعلم من أمور دينه ما يقوم به لله -تبارك وتعالى- فمن الركائز التي يحتاج إليها المجتمع، وهي ليست من أركان الإسلام الخمس، إلا أنها مهمة وضرورية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد وصف الله -سبحانه وتعالى- هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس؛ لأنها تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: من الآية: 110).
قال بعض السلف: من أراد أن يكون من خير هذه الأمة، فليؤد شرطها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليؤدي شرط هذه الخيرية، وهو أن يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، كذلك على العبد المسلم أن يجاهد بلسانه، وبنانه في سبيل الله -تبارك وتعالى- أن يبذل جهده في سبيل إعلاء دين الله -عز وجل- فيقول قول الحق، ويأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، ويجاهد في سبيل الله -عز وجل- لكي يقوم الإسلام، ولئلا يكون لأهل الضلال والباطل صولة على أهل الإيمان،
(1/172)
________________________________________
وأسأل الله -تبارك وتعالى- في ختام الحديث عن أركان الإسلام أن يوفق المسلمين في مشارق الأرض، ومغاربها إلى أن يقوموا بأركان الإسلام كما يجب أن يكون، وسنعرف الآن من خلال العنصر الثاني أهمية ما أود الحديث عنه.

أثر الإيمان والعقيدة في تكوين الفرد والمجتمع
العنصر الثاني في هذا اللقاء بعنوان أثر الإيمان، والعقيدة في تكوين الفرد، والمجتمع، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- أثر الإيمان في الفرد، والمجتمع:
دعوتكم -أيها الإخوة الكرام- إلى التمسك بأركان الإسلام لما لأركان الإسلام، والأخذ بالدين بصورة عامة من فوائد عظيمة، وأثار طيبة تتحقق في واقع المسلمين، وأنا سأذكر -إن شاء الله تبارك وتعالى- فيما بقي من هذا اللقاء كلامًا حول هذا الموضوع، وأبدأ كما ذكرت أنفًا بالنقطة الأولى، وهي أثر الإيمان في الفرد، والمجتمع:
للإيمان آثار كثيرة طيبة في النفس الإنسانية، وفي المجتمع الإنساني، ومن هذه الآثار: الرضا النفسي، والاطمئنان القلبي، فالنفوس البشرية دائمة الاضطراب تزعجها الشدة والبلاء، وتبطرها النعمة والرخاء، وليس مثل الإيمان بالله الواحد الأحد مطمئنًا للنفوس، وجالبا للسعادة والهناء، قال الله -تبارك وتعالى-: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب} (الرعد: من الآية: 28) ولذلك نحن نسمع كثيرًا عن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله -تبارك وتعالى- كيف أن مجتمعاتهم سيئة، وأنهم كثيرًا ما يخرجون من هذه الحياة باختيارهم فينتحرون؛ لأنه ليس لديهم طمأنينة وليست عندهم نفوس هادئة لأنهم ابتعدوا عن الإيمان بالله -تبارك وتعالى.
أيضًا من أثار الإيمان على الفرد والجماعة: الشجاعة والإقدام. الإيمان يغرس في النفس أن الأرزاق، والآجال بيد الله -تبارك وتعالى- وأن العباد مربوبون محكومون، أمرهم بيد خالقهم، فما دام العبد متوكلا على الله -تبارك وتعالى- معتمدًا عليه، فإنه لا يرهب الباطل، ولا يخشى الموت، ويواجه الظلم والطغيان بنفس غير هيابة، وهذا هو السر في وقوف أهل الصلاح من هذه الأمة في وجه الظلم والظالمين، والطغيان.
الأمر الثالث من أثر الإيمان في الفرد والمجتمع: الاستقامة والصلاح، فالذي يراقب الله ويخشاه، ويعلم أنه عليه رقيب، وله حسيب يستقيم على أمر الله -تبارك وتعالى- وينتهي عنه نهيه، ولا شك أن معتقده سيكون صحيحًا سليما، الذي يعتقد أن الله مطلع عليه، ويعلم خطرات نفسه لا شك أنه سيتحسس مواطن أقدامه، فالإيمان إذن يدعو حقا إلى الاستقامة، والصلاح.
(1/173)
________________________________________
الأمر الرابع من أثر الإيمان في الفرد والمجتمع: تحرير العباد من التخبط الفكري، والفوضى العقائدية، والعبودية للمال، وإخراجهم من ظلمات الشرك والجهل والخرافة والدجل إلى نور الإيمان، والعلم، والتوحيد الذي يكشف الحقائق، ويبَصِّر بالصواب، ومن يدور في تاريخ الأمم يعجب من ذلك الضلال الذي عاش فيه البشر حيث عبدوا الأشجار، والأحجار، والشموس، والأقمار، بل إن البعض ألَّه البشر، والبقر من دون الله -تبارك وتعالى.
والإيمان بالله -عز وجل- والاستقامة على المنهج تحرر العبادة من هذه الفوضى؛ لأن ذلك يوجب على العبد ألا يلجأ إلا إلى الله، وأن يتوجه بجميع عبادته إلى ربه ومولاه، وأن يكون فيها مقتفيا أثر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ومصطفاه، والذي يدفعه إلى ذلك هو الإيمان بالله -تبارك وتعالى- دون سواه.
الأثر الخامس من أثر الإيمان في الفرد والمجتمع: الثبات على خط واحد في اليسر والعسر، يشكر العبد ربه في النعمة، ويصبر في المصيبة، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن أمر المؤمن كله له خير، في الحديث: ((عجبًا لأمر المؤمن أمره كله خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصبته ضراء صبر فكان خير له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)).
الأثر السادس: الوحدة والاتفاق، فأتباع هذا الدين تأتلف منهم القلوب، وتتفق منهم الأعمال، وكلما استمسكوا بهذا الدين ازدادوا اتحادا؛ لأن ربهم واحد، ولأن دينهم واحد، ووجهتهم واحدة، ومن أرسل إليهم رسول الله واحد -صلى الله عليه وآله وسلم- ونحن معشر أهل الإسلام نتوجه إلى قبلة واحدة، ونعتقد معتقد واحدًا، فلم تكون قلوبنا إذن متفرقة؟ فإذا آمن العبد بربه وموالاه أدى ذلك إلى أن يتحد كل من آمن بالله -عز وجل- على الأمر الذي آمنوا به، وكل ما جاء في دين الله -عز وجل- يدعو إلى
(1/174)
________________________________________
هذه الوحدة، وإلى هذا الاتفاق، والله -عز وجل- قد أمرنا بأن نعتصم بحبله، ونهانا عن أن نتفرق، أو نختلف، أو أن يكون الأمر بيننا شيعًا وأحزابا قال جل ذكره: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (آل عمران: من الآية: 103).
الأثر السابع من أثر الإيمان في الفرد والمجتمع: الحفاظ على النفوس والأموال، فالإيمان بالله -تبارك وتعالى- هو الذي يغرس خوف الله وخشيته في القلوب، يردع النفوس عن الإفساد في الأرض، فتحفظ النفوس والأموال بذلك، وتحفظ من ناحية أخرى بسبب عدم بذلها في مسار يضيعها، فأهل الجاهلية كانوا ولا يزالون يبذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل آلهة باطلة لا تضر، ولا تنفع، ولا تزال مئات الملايين إلى اليوم تذهب في كل عام في سبيل المعتقدات الباطلة، والذي يؤمن بالله -تبارك وتعالى- ويعلم أن المال مال الله -عز وجل- وحينما يقوم هذا المعتقد في القلب لن يخرج الإنسان مالًا إلا إذا كان ابتغاء وجه الله -تبارك وتعالى- لأنه يعلم أنه مستخلف في هذا المال، وأنه ليس فيه حق التصرف كما يشاء، بل له حق التصرف في حدود ما شرعه الله -سبحانه وتعالى- وبينه له.
الأثر الثامن: التوجه بالأعمال إلى الدار الآخرة، وهذا بعكس ما عليه الكفار الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، فإن هؤلاء لا ينظرون إلى أبعد من موطئ أقدمهم؛ تصوراتهم، وأعمالهم، وإرادتهم محكومة بإطار الحياة الدنيا، أما المؤمن بالله -عز وجل- فهو ينظر نظرة أخرى، وينطلق انطلاقة أخرى، فهو يتوجه بأعماله إلى الله -عز وجل- يقصد بها وجه الله -تبارك وتعالى- يقول الله -جل ذكره-: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص: من الآية: 77) فالإنسان الذي يعرف أصله الطيب، وربه الكريم العظيم، وغايته الكبيرة يشعر بالعزة والكرامة، أما الإنسان الذي يظن أن أصله قرد، أو جرثومة خبيثة، أو أن إلهه الشمس، أو القمر، أو البقر، أو أنه خلق عبثًا من غير غاية، فإنه مهين في نفسه،
(1/175)
________________________________________
يشعر بالضعة، والذلة، والهوان: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 33) والله -عز وجل- في كتابه قد أثبت هذه العزة لأهل الإيمان، فقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (المنافقون: من الآية: 8)، فالعزة في الحقيقة هي لله وحده دون سواه، ثم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم لأهل الإيمان يعطيهم إياها رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.
الأثر العاشر: من أثر الإيمان في الفرد والمجتمع: معرفة شيء من العوالم غير المنظورة كالملائكة، والجن، والجنة، والنار، وهي كلها من عالم الغيب، ذلك لأن المؤمن بالله -عز وجل- يؤمن بجميع ما جاءه من عند الله -تبارك وتعالى- مما شاهد، ومما لم يشاهد، فالإيمان بالله -تبارك وتعالى- يجعل العبد يسلم بما جاء عن الله -تبارك وتعالى- من أمور الغيب، ومن ذلك أمر الملائكة الكرام الكاتبين الذين يراقبون أعمال العباد، وما إلى ذلك مما سبق أن أشرت إليه، وكذلك يؤمن بالجن، يؤمن بالجنة، يؤمن بالنار، يؤمن بما أخبر الله -عز وجل- به في يوم القيامة ... وما إلى ذلك.
الأثر الذي يلي ذلك والأخير من أثر الإيمان على الفرد والمجتمع: العلم بعظمة الله -تبارك وتعالى- وقوة الله، وسلطانه وجبروته من خلال التعرف إلى صفات الله -عز وجل- فأنت يا أيها المؤمن حينما تؤمن؛ تؤمن بالله -عز وجل- وتتعرف على صفات الله -تبارك وتعالى- وتسلم بها كما جاءت في كتاب الله، وفي صحيح سنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذا يجعلك تعرف شيئًا عن عظمة الله -تبارك وتعالى- وعن قدرة الله، وعظيم قدرة الله، وصفات الكمال الثابتة لرب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي ب- بعنوان: نتائج اتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا لنظام المجتمع:
سبق أن بينت أثر الإيمان والعقيدة في تكوين الفرد والمجتمع، وأود هنا أن أبين النتائج المترتبة على اتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا لنظام المجتمع؛ لأن المجتمع الذي يتخذ العقيدة الإسلامية أساسًا للنظام؛ يحقق النتائج التالية:
أولًا: الرباط الإيماني: الإسلام يعتبر المؤمنين بالعقيدة الإسلامية إخوة في الدين، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة} (الحجرات: من الآية: 10) وفي الحديث الشريف:
(1/176)
________________________________________
المسلم أخو المسلم، والإخوة الإيمانية من أعظم الروابط بين المسلمين، وعلى أساسها تكون الموالاة، وقد يشترك المسلم مع أخيه المسلم بروابط أخرى، كرابطة النسب، أو الإقليم، وهذه الروابط غير منكورة، ولا مرفوضة في الإسلام، ولكن بشرط: ألا تحمل شيئًا من الباطل، وألا تعلو على رابطة الإيمان، ومستلزماتها، والرابطة الإيمانية لا تقتضى بحال اضطهاد غير المسلمين، أو إيذائهم، ومن المعلوم أن الإسلام يقبل في عضوية المجتمع الإسلامي غير المسلمين، ويأمر بحمايتهم، فإذا فات غير مسلم رابطة الإيمان، وقوة الدين، فلن تفوته حماية المسلمين، ولن يفوته عدل الإسلام، وبر المجتمع الإسلامي، قال تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} (المائدة: من الآية: 2) وقال سبحانه: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8).
الأمر الثاني من نتائج اتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا لنظام المجتمع: زوال العصبية، والمقصود بالعصيبة التناصر بالحق والباطل لاشتراك المتناصرين بالنسب -أي نسب القبيلة، أو السلالة، أو الأسرة- وكان هذا المفهوم للعصبية هو الشائع عند العرب قبل الإسلام، فكان أفراد القبيلة ينصر بعضهم بعضًا في الحق وفي الباطل، لماذا؟ لانتسابهم إلى قبيلة واحدة، وقد أنكر الإسلام هذه العصبية، وأمر بنبذها فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((ليس منًا من دعا إلى عصبية وليس منا من مات على عصبية)) وقال -عليه الصلاة والسلام- عن العصبية: ((دعوها فإنها منتنة)).
وبعد أن كان شعار الجاهلية: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا بمعنى: كن بجانبه في الحالين أصبح الشعار في الإسلام: انصر أخاك ظالمًا بأن تمنعه من الظلم، أو
(1/177)
________________________________________
مظلومًا بأن تقف بجانبه ضد ظالمه، وذم العصبية في الإسلام لا يقف عند حد العصبية القائمة على أساس المشاركة في القبيلة، أو الجنس، وإنما تتعداها إلى كل عصبية قائمة على سبب آخر ما دام جوهر العصبية موجودًا، وهو نصرة الغير بالباطل بغير هذه المشاركة، وعلى هذا فانتصار أصحاب الإقليم الواحد، أو الحرفة الواحدة، أو المذهب الواحد بعضهم لبعض في الباطل هو من العصبية المقيتة المذمومة، إن خلو المجتمع الإسلامي من العصبية بأنواعها يقلل فرص الاعتداء والظلم، والبغي، ويساعد على شد الأفراد إلى معاني الحق والعدل، وفي هذا كله خير مؤكد للمجتمع ولأفراده.
الأمر الثالث والأخير من نتائج اتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا لنظام المجتمع: تقوى الله -تبارك وتعالى- لأنه بزوال العصبية تزول نتائجها، ومنها التفاخر بالأحساب والأنساب، والعظام البالية، فليس مجرد انتساب الفرد إلى قبيلة معينة مدعاة إلى الفخر، ولا إلى فضله، وعلو منزله، إذ لا علاقة بين فضل الإنسان وبين انتسابه إلى قوم معينين، أو إلى قبيلة معينة، وإنما المعقول أن يقدر فضل الإنسان بقدر ما تحمله نفسه من فضائل، وأخلاق كريمة، وبقدر ما يقدمه مصالح الأعمال، وهذا كله يحققه تقوى الله -عز وجل- ومن هنا كان أساس التفاضل في الإسلام تقوى الله، وأما الانتساب إلى القبائل، فهو للتعارف فقط كانتسابه إلى بلدة معينة، أو حرفة معينة، أو بيت معين، أو تسميته باسم معين، فكل هذه الأشكال من الانتساب، أو الأسماء يقصد بها التعارف، وما يترتب عليه من تعاون أو تكاليف قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
وبهذا الميزان الدقيق العادل لمعرفة أقدار الناس، وفضلهم أصبح المجال واسعًا للتنافس في الخير، وبلوغ المنزلة العالية التي يطمح إليها الإنسان، فلا يمنعه منها
(1/178)
________________________________________
مانع من فقر، أو لون، أو ذكورة، أو أنوثة، أو دمامة خلقة، أو ضعف، كما لا يرفع عن الإنسان أبدًا إذا فاتته التقوى، لا يرفع عنه شرف النسب، أو كثرة المال لا يرفع عنه بحال من الأحوال الذلة، والمهانة، وعدم التقدير، والاحترام؛ لأن تقوى الله -تبارك وتعالى- هي المدار الذي يدور رفعة الإنسان. هذه هي نتائج اتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا للنظام المجتمع.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي ج- بعنوان: الإيمان يدفع إلى المثل العليا:
في الحقيقة في ختام الحديث عن الإيمان وأركانه، والإسلام وأركانه- أود أن أبرز أمرًا مهما للغاية، وهو أن الإيمان يدفع إلى المثل العليا، وسأبين هذا إن شاء الله -تبارك وتعالى- بشيء من التفصيل؛ لأني أود، وأدعو، وأحب أن أركز في المستمعين أن الإيمان لا يختصر على القول، وإنما هو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، والأركان، وبالتالي فعلى المؤمن أن يترجم إيمانه إلى حياة عملية، واقعية، ومن هنا كانت هذه النقطة: الإيمان يدفع إلى المثل العليا.
المؤمن يعيش لرسالة كبيرة، ويعمل لهدف رفيع، ويحيا في ظل مثل عليا يعيش لها، ويموت عليها، هي القربى إلى الله، والعبد يسعى دائما في مرضاة الله -تبارك وتعالى- وهو في سبيل مثله يكبح جماح نفسه، ويقمع طغيان هواه، ويضغط على غرائزه وشهواته احتسابا لله، وإيثارا لما عنده، وابتغاء مرضاته، وإيمانا لحسن الثواب لديه، قد وضع نصب عينيه قول ربه -جل شأنه-: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} (آل عمران: 14 - 17).
(1/179)
________________________________________
فهذه هي الثمرات الأخلاقية للإيمان، وهذه هي صفات المؤمن التقي الذي آثر ما عند الله على شهوات الحياة، إن هدف المؤمن أن يقترب من الله -جل في علاه- ويحصل على مثوبته ورضاه، وهذا يجعل حياته كلها موصولة الأسباب بالله، ويجعله يحيا دائما، وهو يرجو الله، والدار الآخرة، ثم إن أخطر شيء على أخلاق الناس هو هذه الدنيا بمتاعها، ومغرياتها بزخارفها، وشهواتها من النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب، والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث.
إن الغلو في حب الدنيا هو رأس كل خطيئة، والتنافس عليها أساس كل بلية من أجل متاع الدنيا يبيع الأخ أخاه، ومن أجل متاع الدنيا يقتل الابن أباه، ومن أجلها يخون الناس الأمانات، وينكصون العقود، ومن أجلها يجحد الناس الحقوق، وينسون الواجبات، ومن أجلها يبغي الناس بعضهم على بعض، ويعيشون كسباع الغابة، أو أسماك البحار، يفترس القوي الضعيف، ويلتهم الكبير الصغير من أجل شهوات الدنيا، ومفاتنها يغش التجار ويطففون، ويتجبر الرؤساء ويستكبرون، ويجور القضاة ويرتشون، ويطغى الأغنياء ويترفون، وينافق ضعفاء الناس ويتزلفون، من أجل الدنيا يكتم العالم ما يعلم أنه الحق، ويفتي بما يعتقد أنه الباطل، من أجل الدنيا يروج الصحفي الكذب والزور، ويخفي الحقائق، وهي أوضح من فلق الصبح، من أجل الدنيا يهجو الشاعر كل حليم رشيد، ويزف عرائس المديح إلى كل سكير وعربيد، من أجل الدنيا تسفك الدماء، وتستباح الحرمات، وتداس القيم، ويباع الدين، والشرف، والوطن، والعرض وكل معنى إنساني كريم، كل هذا من أجل الدنيا، ومتاع الدنيا، وشهوات الدنيا من أجل امرأة، أو كأس، أو عمارة، أو قطعة أرض، أو منصب يصغر أو يكبر، أو دنانير تقل أو تكثر، أو حظوة لدى رئيس، أو شهرة بين الناس، أو غير ذلك من هم البطن، وشهوة الفرج، وحب الجاه والمال.
(1/180)
________________________________________
إن حب الحياة والأمل فيها جزء من فطرة الإنسان، حب الحياة والأمل أمر فطري في الإنسان، ولولا ذلك ما عمرت الأرض، ولا ترعرعت شجرة الحياة فلم يكن ممن ينافي الحكمة أن يزين الله للناس حب الشهوات، ولكن الخطر كل الخطر أن يستغرق الناس في حب الدنيا، وطول الأمل فيها، وأن تكون هذه الحياة القصيرة هي أكبر همهم، ومبلغ علمهم، ومنتهى آمالهم، فالدنيا زينت لك، خذ من زينتها بالمعروف، وبقدر ما تحتاج إليه مع الالتزام بأوامر رب العزة والجلال سبحانه وتعالى، وهذا هو ديدن المؤمن في موازنته كما قال الله فيما سبق أن ذكرته: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} فالدنيا مفتنة، وعلى الإنسان أن يأخذ حظه، ونصيبه منها، ولكن أن يجعل أكبر همه، وأن يجعل مبلغ علمه: هو إرضاء الحق -تبارك وتعالى- وابتغاء وجه الله سبحانه، والإيمان وحده هو الذي يعطي صاحبه القدرة على مقاومة إغراء الدنيا وفتنتها.
إن العبد قد لا يملك الدنيا، ولكنها لا تملكه، وقد تمتلئ بها يداه، ولكن لا يمتلئ بها قلبه، ذلك أنه يعيش في الدنيا بروح المرتحل، كأنه غريب، أو عابر سبيل، ومن عاش في الدنيا بهذه الروح، فلا خوف عليه من امتلاك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، إنه يحيا في الدنيا بقلب أهل الآخرة، ويمشي وقدمه في الأرض، وقلبه موصول بالسماء.
المؤمن وحده هو الذي امتلأ يقينًا بأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأنها قنطرة عبور إلى الحياة الباقية، وأن ركعتين خاشعتين لله عند الله خير من الدنيا وما فيها، وأن غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وأن موضع قدم الإنسان في الجنة خير من الدنيا وما فيها، وحسب المؤمن أن يعلم أن أنبياء الله ورسله وأولياءه عاشوا في الدنيا معذبين مضطهدين، وأن أعداءه، وأعداء رسله من
(1/181)
________________________________________
الكفرة، والمكذبين، والملحدين كثيرًا ما عاشوا منعمين مترفين، قال تعالى: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 33: 35).
إن الاستعلاء على متاع الدنيا والاستكبار على شهواتها، ومغرياتها ليس معناه أيضًا تحريم طيباتها، أو تحريم مصالحها، أو تعويق سيرها، إنما المقصود أن تكون الآخرة مراد المؤمن، وغاية سعيه، فلا يكون ممن يريد حرث الدنيا، لا ممن يريد حرث الآخرة لا ممن يكون، ولا أن يكون، ولا أن يفضل العاجلة التي وصف الله أهلها بالطغيان، فقال: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (النازعات: 37 - 38)، والله -عز وجل- خاطب الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في شأن هؤلاء الذين اشتغلوا بالدنيا، وتركوا الآخرة: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ} (النجم: 29، من 30). بل يجب أن يكون المؤمن ممن أراد الآخرة، وسعى لها سعيها، واتخذ الدنيا وسيلة لا غاية، وممرًّا لا مقرًّا.
إن الذي لا يوقن بالآخرة يقينًا جازمًا يصعب فطامه عن شهوات الدنيا، ويصعب صرفه عن مجونه، ولذاته، أما أهل الإيمان فالإيمان يغرس فيهم مثلًا عليًا هو ما أشير إليها الآن، ولا ريب أن للغرائز في دفع الإنسان سلطان لا ينكر، ولكن المثل العليا التي يعيش لها المؤمن تعلو به على الغرائز، وسلطانها الغريزة الجنسية بخاصة لعلها أعتى الغرائز وأقواها، حتى إن في علماء النفس من فسر بها السلوك البشري كله مثل فرويد، وهو تفسير حيواني يتجاهل غرائز الإنسان الأخرى، ويتجاهل سائر ملكاته الروحية، ودوافعه النفسية، وأننا لا أنافشه هنا الآن، ولكني لا أشك في أن الغريزة الجنسية تتجلى في الشباب على أشدها، ولا شيء يمنع الشباب من الوقوع فيما حرم الله تعالى إلا الإيمان بالله -عز وجل- إن هذه القوة الغريزية التي هي في الشباب لا ينظمها، ولا يحل لدى الإنسان ما فيها من رغبة في إتيان المنكر إلا بالإيمان بالله -تبارك وتعالى.
لا يمنع الوقوع في المنكرات إلا الإيمان، وهذا
(1/182)
________________________________________
ما حدث ليوسف عليه السلام شاب في ريعان الشباب شاب مكتمل الرجولة رائع الفتوة تدعوه إلى نفسها امرأة ذات منصب، وجمال ليست من عامة الناس، ولكنها امرأة العزيز الذي هو في بيتها، وهو عبدها، وخادمها، والأبواب مغلقة، والسبل ميسرة كما حكى القرآن: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} (يوسف: من الآية: 23) فماذا كان موقفه أمام هذا الإغراء، وتلك الفتنة التي تخطف الأبصار، ألانت قناته فاستسلم وخان عرضًا ائتمن عليه؟ كلا، إنما قال: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} (يوسف: من الآية: 23).
ولقد حاولت المرأة بكيدها ومكرها، وبكل ما لديها من ألوان الإغراء والتهديد أن تذيب من صلابة يوسف -عليه السلام- وأن تضعضع من شموخه، وأعلنت ذلك لنسوتها في ضيق وغيظ: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} (يوسف: 32) ومع كل ذلك انتصر يوسف -عليه السلام- لأن المثل العليا تمثلت فيه نتيجة لإيمانه بالله -تبارك وتعالى.
كذلك أيضًا الإيمان ينتصر على غريزة الأنانية، أو حب الذات، غريزة الأنانية غريزة عاتية جبارة ربما تكون كامنة في كثير من النفوس، ولكن عنصر الإيمان إذا دخل هذه المعركة، ألا وهي هذه الغريزة العاتية عند بعض الناس، أطفأها، وصارت بردًا وسلامًا، الإسلام هو الذي يحطم طغيان الأنانية بين الناس، وفي القصة التي روتها أم سلمة زوج الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- مثل واضح على مبلغ أثر الإيمان في النفوس على مبلغ أثر الإيمان في تكوين العبد إلى مثل عليا رفيعة يرتفع بها إلى مصاف عالية كريمة. هذه القصة باختصار: رجلان أتيا إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يختصمان في مواريث بينهما وليست لهما بينة إلا دعواهما، كلاهما يقول: هذا حقي، وينكر على صاحبه أن يقول له حقه، ويحتكم الرجلان إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وفي صدر كل منهما فرديته، وأنانيته، وحبه لذاته، ونفسه، وحرصه على أن يكون ما عند آخيه له.
فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يسمعهما
(1/183)
________________________________________
هذه الكلمات: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه من شيء، فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار)).
سمع الرجلان المختصمان هذه الكلمات الهادئة من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فلمست أوتار الإيمان من صدريهما، وأيقظت فيهما خشية الله والدار الآخرة، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما لصاحبه: "حقي لك" فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما، وتوخيا الحق بينكما، ثم استهما، ثم تحالا)).
أي يحل كل منكم صاحبه، ويسامحه فيما عسى أن يكون من حقه هنا كانت كلمة الإيمان وكلمة الضمير الذي أيقظه هذا الإيمان، فالإيمان -باختصار شديد الإيمان- القوي يدفع إلى مثل عليَا رفيعة، ويقف أمام طغيان الغرائز الإنسانية، فيكفكف من غلوائها، ويحد من شرهها، ويقوم من انحرافها، ويوجهها وجهة الخير والسداد والصلاح، ولهذا أقول يجب علينا أن ننمي الإيمان في القلوب، يجب علينا أن نحرص على هذا الإيمان، وأن نترجمه إلى واقع عملي في المجتمع الذي نعيش فيه، وإذا كان أهل الإيمان بهذه المثابة وبهذا الفهم، وحققوا هذا الإيمان كما طلبه منهم رب العباد -سبحانه وتعالى- سادوا الدنيا بأكملها؛ لأن الله -عز وجل- قد وعد أولياءه، ومن قام بشرعه بنصره وتمكينه في هذه الأرض.
أسأل الله -تبارك وتعالى- بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يحقق الإيمان في قلوبنا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأكتفي بهذا على أن ألتقي بكم -أيها الإخوة الكرام- في لقاء آخر، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/184)
________________________________________
الدرس: 5 الإعجاز في القرآن الكريم طريق من طرق أصول الدعوة.
(1/185)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس
(الإعجاز في القرآن الكريم طريق من طرق أصول الدعوة)

المعجزة في زمانها ومكانها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
أواصل الحديث حول سلسلة محاضرات طرق الدعوة، وعنوان هذا اللقاء: "الإعجاز في القرآن الكريم: فائدته، وأهميته"، وهذه المحاضرة أيضًا أقسمها إلى عدة عناصر:
العنصر الأول بعنوان "المعجزة في زمانها ومكانها" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- تعريف المعجزة:
المعجزة في اللغة: اسم فاعل من الإعجاز، والإعجاز مصدر للفعل "أعجز"، يقال: عجز فلان عن الأمر، وأعجزه الأمر: إذا حاوله فلم يستطعه، ولم تتسع له مقدرته وجهده.
أما المعجزة في لسان الشرع فهي: أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة. يقول ابن خلدون -رحمه الله تعالى-: إن المعجزات هي أفعال يعجز البشر عن مثلها؛ فسميت بذلك معجزة، وليست من جنس مقدور العباد، وإنما تقع في غير محل قدرتهم. ولهذا أقول: سميت معجزة لذلك؛ لأن سائر البشر يعجز عن مثلها أو الإتيان بمثلها.
والمعجزة إما حسية تجابه الحواس وتتحدى القُدَر -أعني القدر: العباد الآخرين- وأغلب المعجزات التي سبقت معجزة نبي الإسلام كانت من هذا النوع -أعني: معجزات حسية- أي: أنها كانت تقع في مجال الحس، وخاصة حاسة النظر؛ حيث إنها في هذا المجال تنكشف للناس على صورة تكاد تكون واحدة، لا اختلاف عليها بينهم؛ لأن الناس لا يختلفون كثيرًا في مدلول المرئيات، على حين يختلفون اختلافًا بعيدًا في مدلول ما يقع للحواس الأخرى من مسموعات ومشمومات وملموسات، وما إلى ذلك، وإما أن تكون المعجزة
(1/187)
________________________________________
عقلية تواجه العقل، وتلقاه بكل ما فيه من قوى -من قوى الإدراك والاستبصار- وهذا النوع من المعجزات لا يقع من الناس موقعًا متقاربًا، وإنما يلقاه كل إنسان بما لديه من إدراك وفهم، وقدرة على التمييز بين المدركات والتفرقة بين الخير والشر.
يقول السيوطي -رحمه الله-: وأكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسية لبلادتهم وقلة بصيرتهم، وأكثر معجزات هذه الأمة الإسلامية عقلية؛ لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خُصَّتْ بالمعجزة العقلية الباقية؛ ليراها ذوو البصائر.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية: تعدد المعجزات واختلافها:
المعروف في تاريخ الأديان وفي نصوص الكتب المقدسة الباقية منها إلى اليوم شيء، وإن كانت قد حرفت وغيرت وبدلت، ولكن كما هي موجودة الآن بين يدي أصحابها المعروف فيها أن كل نبي كان يحمل بين يديه إلى قومه آية صدقه في معجزة يلقاهم بها متحديًا على صورة لم يسبقه إليها أحد قط، ولم ينكشف للناس شيء من وجهها قبل أن تطلع عليهم قاهرة متحدية، والقرآن الكريم قد شفى المقام في هذا، وأشار إلى بعض معجزات الأنبياء ممن ذكرهم رب العزة والجلال في كتابه، وكان بعض الأنبياء يحمل إلى قومه أكثر من معجزة، ويجيء إليهم بأكثر من دليل يدل على أنه مرسل من عند الله، وهذه المعجزات التي بين يديه هي شهود عدول على صدق ما يقول وما يدعي؛ فموسى -عليه السلام- قد حمل إلى بني إسرائيل عصًا كانت تتفجر منها المعجزات يلقي بها من يده فتنقلب حية تسعى، ويضرب بها البحر فينفلق عن طريق يبس بين جبال عالية من الماء، ويضرب بها وجه الحجر فيتفجر منه الماء وتسيل العيون، ثم كان معه إلى جانب تلك العصا
(1/188)
________________________________________
ومعجزاتها معجزة أخرى هي يده؛ يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، ثم من معجزاته -صلوات الله وسلامه عليه- سوق آيات النقمة والبلاء على فرعون وقومه، كما أشار إلى ذلك ربنا في قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ} (الأعراف: 133).
وعيسى -عليه السلام- كانت معجزته في يده وفي فمه؛ يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وبكلمة من فمه وإشارة من يده يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص.
واختلاف المعجزات في أجيال الناس مما اقتضته دواعي الحكمة التي جاءت المعجزات من أجلها؛ ذلك لأن الناس يختلفون باختلاف أزمنتهم وأمكنتهم، وإذ كانت غاية المعجزة أن يرى الناس فيها صدق الرسول، وقيام الدليل على صحة دعواه؛ فكان لا بد أن تكون هذه المعجزة جارية مع تفكير من تلقاهم وتتحداهم؛ آخذة بعقولهم وقلوبهم فيما يدور في هذه العقول، وما يختلج في تلك القلوب، وبهذا تستولي المعجزة على كيان الناس، وتخرس ألسنتهم.
وهذا، وإن يكن من الممكن أن يتحقق في المعجزة الواحدة تتكرر جيلًَا بعد جيل، فتظل أبدًا متحدية ظاهرة، إلا أن ذلك يذهب بكثير من تأثير المعجزة، وينزل بقدر كبير من قدرها في أعين الناس؛ فلو أن عصا موسى مثلًا كانت هي المعجزة التي يتناولها الرسل -رسولًا بعد رسول- وكانت في كل مرة وفي كل حال تطلع على الناس بتلك المعجزات التي كانت لها عند موسى، أو بمعجزات أخرى غيرها؛ لو أن ذلك كان لما كان لها على الناس ذلك السلطان الذي للمعجزة التي تجيء متفردة بوجودها، والتي تجيء إلى الناس على غير انتظار وعلى خلاف أية صورة يتصورنها، ذلك أن أقل ما يقع للناس من المعجزة الواحدة المتكررة أنها
(1/189)
________________________________________
ربما كانت وليدة الصدفة، توارثها أصحابها خلفًا عن سلف، أو أنها بنت تجربة ناجحة لرجل حاذق ماهر آثر بها نفسه، وجعل سرها مستغلقًا إلا على من يلقاه ويرضى من ورثته أو تلاميذه وحواريه.
ثم إن حَصْرَ أَمَارَاتِ السَّمَاءِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ فِيهِ اتِّهَامٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، وفتح باب واسع للتشكك في صدق الرسول؛ إِذْ إِنَّ الْقُدْرَةَ الْإِلَهِيَّةَ لَا حُدودَ لَهَا؛ فَكَيْفَ لَا يَرَاهَا الناس إلا في صورة واحدة تتكرر على الأجيال؟ لهذا كان من تدبير الحكيم العليم القادر أن يكون في يد كل نبي دليل صدقه الذي لا يشاركه فيه غيره، وأن تكون معجزته التي يلقى بها الناس حدثًا فريدًا لم يقع لهم في خاطر، ولم يجل لهم في تفكير، وهذا يجعلنا نقول بأن المعجزات تعددت واختلفت لهذا السبب.
النقطة الثالثة: المعجزة لازمة للرسول:
إن الرسول يجيء إلى الناس محملًا برسالة فريدة بين الرسالات التي يحملها الناس إلى الناس فيما بينهم؛ إنه يحمل رسالة من الله إلى الناس، يدعوهم فيها إلى أمور تتغير بها معالم حياتهم الروحية والعقلية، بل والمادية، فهو يدعوهم -أول ما يدعوهم- إلى ترك ما يعبدون من معبودات باطلة فاسدة، وأن ينخلعوا انخلاعًا كاملًا عما بينهم وبين هذه المعبودات من صلة، وأن يوجهوا وجهوهم خالصة لله وحده لا شريك له، فهو يجيئهم أَوَّلًا بالمعجزة التي تَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ فَإِذَا اسْتَقَامَ لَهُ ذَلِكَ، وَعملتِ الْمُعْجِزَةُ عَمَلَهَا فِي النَّاسِ فَآمَنُوا لَهُ وَصَدقُوا بِهِ، دَخَلَ إِلَى نُفُوسِهِمْ وَإِلَى عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ الشريعة التي شرعها الله لهم، فدعاهم إليها، وأخذهم بها، وأقام وجودهم عليها.
وهذا الأمر العظيم الذي يجيء به الرسول إلى الناس مخبرًا إياهم أنه إنما يبلغهم رسالة من الله تلقاها عنه وأمره بتبليغها إليهم -هذا الأمر- لا يمكن أن يقبله الناس على
(1/190)
________________________________________
عِلَّاتِهِ وَأَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ بِلَا نَظَرٍ وَبِلَا مُرَاجَعَةٍ، وإنما يلقونه بالعجب والدهش، ويقفون منه موقف الريبة والحذر، أو التهمة والإنكار؛ إنه لأمر عظيم أن يجيء في الناس من يقول: إنه رسول الله؛ إنها دعوى عجيبة تحتاج إلى برهان، بل وإلى أكثر من برهان، يقوم إلى جوارها، يؤيدها ويفتح للناس الطريق إلى قبولها والتصديق بها.
من أجل هذا كان الرسول دائمًا مطالبًا من قومه بأن يقدم لهم الدليل القاطع الذي يشهد له أنه متصل بوحي الله -تبارك وتعالى- وأنه القائم بالسفارة بين الله والناس، وهذا الدليل ينبغي ألا يكون في طوق البشر أن يحصلوا على مثله، وإنما هو من خلق القدرة الإلهية التي يدعي الرسول المرسل الاتصال بها، قد اختصته به، وجعلته بين يدي دعواه، ومن هنا كان الدليل مُعْجِزَةً يَعْجَزُ النَّاسُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا، وَكَانَ آيةً -أَيْ: أَمَارَةً وَعَلَامَةً- على صدق الرسول وصدق ما جاء به.
إن السفير الذي يقوم بالسفارة بين دولة ودولة لا تُقْبَل سفارته، ولا يُعول عليها إلا إذا حمل بين يديه أوراقًا مختومة بخاتم دولته، موثقة بالأدلة التي تثبت شخصيته ومهمته، والسفارة بين الله والناس أعظم سفارة يقوم بها إنسان في هذا العالم، ولهذا اقتضت حكمة الله أن يؤيد رسله بالمعجزات والأمارات التي تشهد لهم أنهم رسل، وأنهم حملة رسالته إلى عباده.
النقطة الرابعة: الناس والمعجزات:
أقول: مع أن الرسل قد جاءوا إلى أقوامهم بالأمارات القاطعة والمعجزات القاهرة التي تشهد أنهم رسل الله، مع هذا فقد وقف كثير من الناس إزاء هذه المعجزات وقفة عناد وعنات، فاستقبلوا الرسول استقبال مكذب مرتاب، أو منابذٍ محارب.
إن الذي دخل على المكذبين الرسل والمعادين لهم لم يكن من جهة قصور في المعجزة، أو نقص في كفاية الأدلة المقنعة والبراهين المبينة، وإنما كان ذلك لما يقع في تفكير الناس من استكثار
(1/191)
________________________________________
هذا الأمر على بشر من بينهم، وتختلط عند الناس في هذا الأمر كثير من الأفكار المضطربة والعواطف المتضاربة من الغيرة والحسد إلى عظمة الأمر واستكثاره على إنسان أن يستقل به، وينفرد دون سائر الناس فقد كذب اليهود بكل المعجزات التي جاءهم بها أنبياؤهم، وهي معجزات قاهرة مبصرة، فموسى -عليه السلام- قد فلق بهم البحر، ونجاهم من فرعون، وفجَّر لهم من الحجر عيونًا يستقون منها ويحيون عليها، وأنزل عليهم المن والسلوى، ومع هذا فلم يروا في ذلك كله دلائل صدقه؛ فقالوا له: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} (البقرة: 55).
وهذا يبين شدة عنت اليهود، وأنهم قوم -كما قال الله عنهم في كتابه- يكذبون الأنبياء والمرسلين ويقتلونهم كذلك.
وعيسى عليه السلام جاء بالمعجزات التي أنطقت الجماد وأحيت الموات، فلم يكن فيها لليهود مقنع، ومحمد -عليه الصلاة والسلام- جاء إلى قريش بالمعجزة الخالدة، فأسمعهم آيات الله التي أخذت بمجامع القلوب، واستولت على عقولهم، فما أذعنوا للحق ولا استجابوا له؛ وإن يكونوا قد عرفوه واستيقنوه، قال تعالى عنهم: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا} (الإسراء: 90: 92).
ولا شك أن هذا الموقف الذي يقفه الناس من معجزات الرسل هو موقف لم يحتكم فيه الناس إلى عقولهم، بقدر ما كانوا يحتكمون إلى أهوائهم الغالبة وعاداتهم المتحكمة، وإذا كان كثير من الناس لم يصدقوا بمعجزات الرسل، ولم ينتفعوا بما حملوا إليهم من خير وهدى؛ فإن كثيرًا من الناس أيضًا قد صدقوا الرسل، وآمنوا بما معهم، وانتفعوا به واستقاموا عليه، وقليل في الناس أولئك
(1/192)
________________________________________
الذين يؤمنون بالرسول وبالرسالة التي حملها دون أن يطالبوا بمعجزة تشهد لها وله؛ لأن الخير التي تحمله رسالات الرسل إلى أقوامهم خير شاهد على أنها حق، وأنها من عند الله ولكن لا يرى هذا الخير إلا ذوو القلوب السليمة والبصائر المنيرة، وهذا كل خير يسوقه الله إلى عباده، يقع من الناس كما يقع الغيث من الأرض، ينفع أقوامًا ويضر آخرين، وتحيا به الأرض على حين لا تُمسك منه أخرى قطرة واحدة, وبالتالي أقول: إن الناس اختلفوا في قبول معجزات الأنبياء بين مكذب ومصدق، وكان اليهود على رأس المكذبين بمعجزات الأنبياء والمرسلين، فكذبوا بما جاء به موسى -عليه السلام- وبما جاء به عيسى -عليه السلام- وبما جاء به نبي الهدى والرحمة محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه.

المعجزة الخالدة القرآن الكريم
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني من عناصر هذا اللقاء، وهو بعنوان "المعجزة الخالدة: القرآن الكريم" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- القرآن الكريم معجزة النبي الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم- لكل نبي آياته ومعجزاته التي يؤيد بها دعوى نبوته ورسالته؛ فما هي المعجزة أو المعجزات التي جاء بها خاتم الأنبياء وإمام المرسلين -سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- التي جاء بها لتقطع على الناس طريق الشك فيه وفيما يدعيه؟
لا شك عندنا في أن معجزة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- العظيمة الباقية الخالدة هي القرآن الكريم، كما صرح بذلك القرآن نفسه في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (العنكبوت: 50، 51) فهذه الآية صريحة في قطع الكافرين عن البحث في آيات أخرى غير القرآن الكريم
(1/193)
________________________________________
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (العنكبوت: 51).
وإن كان الله -عز وجل- قد أيد نبيه وحبيبه ومصطفاه -صلى الله عليه وآله وسلم- بمعجزة أخرى إلا أن القرآن الكريم هو الرحمة والذكرى معًا، هو المعجزة وهو الشرعية ففي الشريعة يجدون الرحمة، وفي الآيات التي نزلت بهذه الشريعة يرون الذكرى والمعجزة لقوم يؤمنون، وكذلك يقول الله -تبارك تعالى- عن القرآن الكريم وموقف قريش منه-: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} (الشعراء: 197: 201).
تلك هي معجزة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما نطق بها القرآن الكريم، ولذلك قال الإمام الباقلاني -رحمه الله تبارك وتعالى-: إن نبوة نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- بُنِيَتْ على هذه المعجزة القرآن الكريم وإن كان قد أيد -صلى الله عليه وآله وسلم- بعد ذلك بمعجزات كثيرة إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة وأحوال خاصة وعلى أشخاص خاصة، ونُقِلَ بَعضها نقلًا متواترًا يقع العلم به وجودًا، وبعضها مما نُقِلَ خاصًّا -نُقِل نقلًا خاصًّا- إلا أنه حكي بمشهد من الجمع العظيم الذين شاهدوه؛ فلو كان الأمر على خلاف ما حكي لأنكروه أو لأنكره بعضهم، فحل محل المعنى الأول، وإن لم يتواتر أصل النقل فيه، وبعضها مما نُقل من جهة الآحاد، وكان وقوعه بين يدي الآحاد؛ فأما دلالة القرآن الكريم فهي معجزة أو عن معجزة عامة، عمت الثقلينِ، وبقيت بقاء العصرين، ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، هكذا ذكر الإمام الباقلاني -رحمه الله- وأقول تعقيبًا على كلامه: إن المعجزات الأخرى الثابتة للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أيضًا تؤيد صدقه سواء ثبتت بالتواتر أو الآحاد إذا صح الخبر بذلك عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فكلاهما -أعني: الخبر المتواتر والآحاد- يفيد العلم والعمل فإذا صح الخبر وجب قبوله ووجب العمل به أيضًا.
(1/194)
________________________________________
ويقول ابن خلدون -رحمه الله تبارك وتعالى- مبينًا أن معجزة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هي أعظم معجزة أتى بها -عليه الصلاة والسلام- يقول: واعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة "القرآن الكريم" المنزل على نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي، ويأتي بالمعجزة شاهدة على صدقه، ويريد ابن خلدون بذلك أن يقول إن الرسول من الرسل كان يحمل إلى الناس أمرين؛ شريعة يوحى إليه بها يدعوهم إليها، ومعجزة تشهد له بأنه رسول من عند الله، وأنه صادق فيما يدعو إليه.
ثم يقول ابن خلدون: فالقرآن نفسه هو الوحي المدعى، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه، ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو واضح الدلالة؛ لاتحاد الدليل والمدلول فيه، ومعنى هذا الذي يقوله ابن خلدون: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حمل إلى الناس أمرًا واحدًا فقط هو الشريعة، وفي الشريعة نفسها المعجزة التي تشهد له بأنه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الصادق فيما يقول عن الله.
ثم يقول ابن خلدون: وهذا معنى قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحي إلي، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)).
وللنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كما أشرت سابقًا -له- معجزات أخرى حسية كثيرة؛ كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام، وهي معجزات عظيمة، ونحن نؤمن بالصحيح الثابت منها، ولكنها معجزات شاهدها الذين عاصروها، وبقي القرآن هو المعجزة الخالدة الأبدية؛ لأن القرآن الكريم آية فريدة بين آيات الرسل جميعًا؛ إذ هي آية باقية دائمة خالدة لا تزول بوفاة من نزلت عليه، كما هو الحال بالنسبة للرسل
(1/195)
________________________________________
السابقين، وهي آية تخاطب العقول والقلوب، كما تخاطب فطرة الإنسان عبر الزمان والمكان.
لقد كانت معجزته الوحي المتلوَّ ألا وهو القرآن الكريم، ولم يشأِ الحق -تبارك وتعالى- أن يجعل معجزة الرسالة الأخيرة حسية؛ تُذْهِلُ من يراها؛ فلو شاء لأنزل معجزة قاهرة تلوي أعناق الذين يشاهدونها، فلا يملكون معها جدالًا ولا انصرافًا عن الإيمان بها، قال تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} (الشعراء: 4).
لقد شاء الله -تبارك وتعالى- أن تكون الرسالة رسالة مفتوحة إلى الأمم كلها وإلى الأجيال كلها، وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان، فناسب أن تكون معجزاتها مفتوحة كذلك، للبعيد والقريب، لكل أمة ولكل جيل، والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى لا واقعًا يشاهد، أما معجزة نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان لا تزال إلى اليوم كتابًا مفتوحًا ومنهجًا مرسومًا يستمد منه أهل هذا الزمان ما يقوم حياتهم لو هُدُوا إلى اتخاذه إمامًا، ويلبي حاجاتهم كاملة، ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل وأفق أعلى ومصير أمثل.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي في بيان بعض جوانب الإعجاز في كتاب الله -تبارك وتعالى- القرآن الكريم معجز في كل جانب من جوانبه، وفي كل ناحية من نواحيه، فهو معجز في بناءه التعبيري في استقامته على خصائص واحدة في مستوى واحد، لا يختلف ولا يتفاوت، ولا تتخلف خصائصه، كما هي الحال في أعمال البشر؛ إذ يبدو الارتفاع والانخفاض والقوة والضعف في عمل الفرد الواحد المتغير الحالات، بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد، ومستوى واحد
(1/196)
________________________________________
ثابت لا يتخلف، يدل على أن مصدره هو رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى- وهو معجز أيضًا في بنائه وتناسق أجزائه وتكاملها، فلا فلتة فيه ولا مصادفة، بل كل توجيهاته تلتقي وتتماسك وتتكامل، وتحيط بالحياة البشرية وتستوعبها، وتلبيها وتدفعها، دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهج الشامل الضخم مع جزئية أخرى، ودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانية، وكلها مشدودة إلى محور واحد في اتساق لا يمكن أن تفطن إليه فطرة الإنسان المحدود، ولا بد أن يكون هناك علم شامل لا يتقيد بحدود الزمان والمكان، يدل على إعجاز هذا القرآن في بنائه وتناسق أجزائه.
وهو معجز أيضًا في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس ولمس مفاتيحها وفتح مغاليقها واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها، وعلاج عقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين، وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات، دون تعقيد ولا التواء ولا مغالطة، وهو معجز في إخباره عن المغيبات التي وراء عالم الشهادة؛ كعالم الملائكة والجن واليوم الآخر، وما يكشف الإنسان عنه من تاريخ الإنسان، وما تأتي به الأحداث إلى اليوم يصدق ما جاء به النبي الأمي -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي لم يخط بالقلم ولم يقرأ من كتاب، فقد أخبر القرآن الكريم عن أخبار سبقت، كما أخبر عن أمور لاحقة، وقد عرف العالم اليوم وقبل اليوم، من خلال ما أخبر الحق -تبارك وتعالى- أنه كتاب حق صادق فيما جاء به، وأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أيضًا صادق فيما جاء به من عند الله -تبارك وتعالى.
وأيضًا القرآن الكريم معجز فيما أخبر به من حقائق الكون التي لم يهتدِ الإنسان إلى معرفتها، ولم يكتشف بعض أسرارها إلا حديثًَا، وسأبين شيئًا من ذلك إن شاء الله -تبارك وتعالى- في المحاضرة التالية، وهو أيضًا معجز في تشريعاته وأحكامه في شمولها وسموها وصلاحياتها للإنسان على مر العصور،
(1/197)
________________________________________
والله إن كتاب الله -تبارك وتعالى- بما جاء فيه من تشريعات ربانية وأحكام إلهية تشمل ما يحتاج الناس إليه في كل عصر ومصر، وتصلح حياتهم، لو تمسك الناس به وقاموا بما جاءهم به لوجدوا فيه الخير الكثير، ولأيقنوا أن القرآن حقًّا معجزة خالدة باقية؛ لأنه يلبي احتياجات كل عصر بما فيه من تشريعات أتت من عند الحكيم الخبير -سبحانه وتعالى.
ولهذا أقول وأكرر بأن القرآن الكريم هو المعجزة الكبيرة العظيمة للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ولهذا تحدى الله العرب بالقرآن الكريم؛ فقال لهم ربنا -سبحانه وتعالى- في كتابه: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 23، 24).
وهذه الآية أيضًا دليل على أن القرآن الكريم كتاب معجز، ذلك أن الله -عز وجل- تحدى العرب، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة والبيان، والقرآن الكريم من جنس الكلام الذي يتكلمون به أن يأتوا بمثل هذا القرآن، والتحدي قائم إلى يوم القيامة، ومع ذلك ما استطاع أحد من البشر، بل من الإنس أو الجن أن يأتي بشيء، حتى ولو كان من مثل كتاب الله -تبارك وتعالى- لأن الله قال لهم في الآية السابقة: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} (البقرة: 23) فهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا إذًا بشيء حتى يقارب كتاب الله -تبارك وتعالى- أو يشبه كتاب الله -جل ذكره- والله -عز وجل- قد كرر التحدي مرات ومرات؛ فما استطاعوا وما فعلوا ولن يفعلوا، كما قال لهم أيضًا سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (هود: 13، 14).
(1/198)
________________________________________
فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلًا على أنه منه -أعني: من عند الله -تبارك وتعالى- ودليلًا أيضًا على وحدانيته، وفي هذا أمران؛ أحدهما: التحدي الإلهي، والآخر: أنهم لم يأتوا إليه بمثله، والذي يدل على ذلك العلم المتواتر الذي يقع به العلم الضروري، فلا ينكر جحود واحد من هذين الأمرين -أعني: تحدي الله -عز وجل- للعرب بالقرآن وأنهم لم يأتوا بشيء من مثل القرآن الكريم- فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم بعده أن تركهم الإتيان بمثله كان لعجزهم عنه، والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن الكريم أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ونبوته، فقد تضمنت أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم، وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه بأمر قريب هو عادتهم في لسانهم ومألوفٌ من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان وعن تسليم الأهل والذرية للسبي؛ فلما لم يحصل هناك معارضة منهم، عُلِم أنهم عاجزون عنها، ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره، وتكذيب قوله، وتفريق جمعه، وتشتيت أسبابه، وكان من صدق به يرجع على أعقابه، ويعود في مذهب أصحابه، فلما لم يفعلوا شيئًا من ذلك -مع طول المدة ووقوع الفسحة- وكان أمره يتزايد حالًا فحالًا، ويعلو شيئًا فشيئًا، وهم على العجز عن القدح في آياته والطعن في دلالته عاجزون، علم علمًا بينًا أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته ولا على توهين حجته، وقد أخبر الله -تبارك وتعالى- أنهم قوم خصمون.
وقال: {وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} (مريم: 97) وعلم أيضًا أنهم ما كانوا يقولون من وجوه اعتراضهم على القرآن مما حكى الله -عز وجل- عنهم من قولهم: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} (الأنفال: 31) وقالوا أيضًا عن القرآن:
(1/199)
________________________________________
{مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} (القصص: 36) وقالوا أيضًا: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (الحجر: 6) وقالوا أيضًا: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الفرقان: 4، 5) .... إلى آيات كثيرة نحو هذا، تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمورهم، متعجبين من عجزهم، يفزعون إلى نحو هذه الأمور من تعليل وتعذير، وموافقة بما وقع التحدي إليه، وعرف الحث عليه، وهذا أيضًا من أكبر الأدلة على عجزهم، وأن القرآن الكريم كتاب الله حقًّا المعجز الباقي الخالد.
وقد عُلم أن العرب ناصبوا القرآن الحرب، وناصبوا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- العداء، وجاهروه ونابذوه وقطعوا الأرحام، وأخطروا بأنفسهم، وطالبوه بالآيات والإتيان بغير ذلك من المعجزات، يريدون تعجزيه؛ ليظهروا عليه بوجه من الوجوه؛ فكيف يجوز إذن أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم، وذلك يدحض حجته، ويفسد دلالته، ويبطل أمره، فيعدلون عن ذلك إلى ما ساروا إليه من الأمور التي ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة؟ ويُترك الأمر الخفيف؟ هذا مما يمتنع وقوعه في العادات، ولا يجوز اتفاقه من العقلاء، ويمكن أن يقال: إنهم لو كانوا قادرين على المعارضة والإتيان بمثل ما أتى به لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم ما هم عليه من السلاقة والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته، وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- يقرِّعهم ويؤنبهم عليه، وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- يطلب منهم كما أشرت وذكرت أن يعارضوه أو يأتوا بشيء من مثله، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
وقد ذكر الله -عز وجل- عنهم فيما ذكر أنهم ما استطاعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولو اجتمع على ذلك الإنس والجن، وهذا فيه تفخيم لكتاب الله -تبارك وتعالى- وإعلاء من شأن هذا الكتاب المعجز، تأملوا قول الحق -تبارك وتعالى-: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء: 88)
(1/200)
________________________________________
ولذلك أثنى الله -عز وجل- على كتابه، وبَيَّنَ أنه كتاب الحق والصدق، شرَّع فيه الشرائع، وبين فيه العقائد، وأخبر أنه نزل من عنده -سبحانه وتعالى- قال -جل ذكره-: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ} (النحل: 2).
ولقد حفظ الله كتابه من التغيير والتحريف والتبديل، وهذه منقبة عظيمة للقرآن الكريم، لم تنلها أي أمة من الأمم، فالكتب السابقة على القرآن الكريم حُرِّفت وغُيِّرت وبُدِّلَتْ، أما كتاب الله -تبارك وتعالى- فالأمر فيه ما قاله منزله سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9) وهو كتاب يشتمل على الذكر حقًّا، ولذلك أقول للمسلمين: عليكم بالاهتمام والعناية بكتاب الله -تبارك وتعالى- فهو والله، كتاب لم ينزل من عند رب العزة والجلال كتاب مثله بحال من الأحوال، فهو هدى للمتقين، وهو كتاب تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم، كما قال ربنا سبحانه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الزمر: 23).
والله -عز وجل- قد أحكم آيات القرآن الكريم، وأشاد ربنا به في كتابه فقال: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود: 1) وأخبر -سبحانه وتعالى- أنه من عنده -جل ذكره- وأنه لو كان من عند غير الله لوجد الناس فيه اختلافًا كثيرًا، أما القرآن فهو من عند الله -تبارك وتعالى- الحكيم الخبير ولذلك أحكم الله آياته فلا تجد فيه تناقضًا أو تعارضًا بحال من الأحوال، ولذلك أوجه القول في نهاية هذا اللقاء لعموم المسلمين، فأقول: عليكم بكتاب الله -تبارك وتعالى- الزموا كتاب الله -عز وجل- قراءة وتأملًا وتدبرًا وعملًا بأحكام الله -تبارك وتعالى-
(1/201)
________________________________________
لأن القرآن الكريم فيه ما فيه من الخير العظيم الذي لو رجع إليه أهل الإيمان، وطبقوه كما نزل من عند الرحمن، لاعتلوا بذلك درجات في الدنيا والآخرة، وإن سلف هذه الأمة الصالح لما تمسك بكتاب الله -تبارك وتعالى وساروا عليه، واقتفوا أثر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- دانت لهم الدنيا بأكملها، وإن أهل الإيمان اليوم لو سلكوا نفس الطريق، وتمسكوا بما كان عليه الصدر الأول لنالوا ما نال هؤلاء السابقين.
ونحن اليوم وقد حفظ لنا الله لنا كتابه، وقامت هيئات علمية كثيرة على طباعة كتاب الله -عز وجل- من أبرزها وأعلاها مجمع الملك فهد -رحمه الله -تبارك وتعالى- لطباعة المصحف الشريف، هذا المجمع الذي يسر وصول المصحف، ويسر وصول كتاب الله -تبارك وتعالى- إلى بيوت المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فانتهزوا يا أمة الإسلام وجود كتاب ربكم بينكم، واعملوا بأحكامه، واتلوه آناء الليل وأطراف النهار، تنالون بذلك خيرًا عظيمًا، ولكم بذلك جنة عرضها كعرض السماء والأرض، والله -عز وجل- قد أعدها لعباده المتقين الذين يتمسكون بالقرآن الكريم وبهدي سيد المرسلين -صلى الله عليه وآله وسلم.
وأكتفي في هذا اللقاء في هذا الختام الجميع ألا وهو الدعوة إلى الرجوع إلى القرآن الكريم.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(1/202)
________________________________________
الدرس: 6 موقف الإسلام من العلم الكوني، والدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان.
(1/203)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس
(موقف الإسلام من العلم الكوني، والدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان)

العلاقة بين الإسلام والعلم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
عنوان هذا اللقاء: "بيان موقف الإسلام من العلم الكوني، والدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان". وهذه المحاضرة تشتمل على العناصر التالية:
العنصر الأول: العلاقة بين الإسلام والعلم، ويشتمل على النقاط التالية:
النقطة الأولى: قواعد المنهج العلمي في القرآن الكريم؛ وأقول هذا لأن بعض الناس -خاصة من المفتونين- يباهي بما في هذا العصر من مكتشفات العلم، ومستحدثات الاختراع، ويتشدقون بالدعاوي الفارغة، ومنها: أن التفكير الديني تفكير غيبي لا يصلح نظامًا لحياة، ولا منهجًا لبناء أمة، وأن سواء الصراط في معتقدهم هو الفكر العلماني، واللا ديني، وأنا أريد هنا أن أبين لهؤلاء أن القرآن الكريم هو أعظم دعوة عرفتها الأرض وضعت العلم الصحيح في موضعه من نفع البشر وإصلاح حالهم، وإنك لواجد في كتاب الله العديد من آيات القرآن التي تأمر بالبحث والنظر، وتحض على الدرس والاختبار والتجريب، فإذا كان العلم لا يعتمد غير الدليل والبرهان فها هو القرآن الكريم يجعل البرهان هو الفيصل بينه وبين خصومه، فيقول الله رادًّا على دعاوي اليهود في أن الجنة حكر لهم: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} ثم يتحداهم أن يأتوا بالقرآن فيقول -سبحانه وتعالى-: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أو نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 111).
بل إن أعظم قضية في الوجود كله هي التوحيد، وأكبر كبيرة هي الشرك، ومع ذلك فإن القرآن الكريم يطالب المشركين بالقرآن المصدق لزعمهم أن مع الله آلهة أخرى، فيقول سبحانه: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (المؤمنون: 117)، وسدد الله مقالة أصحاب الكهف؛ إذ قالوا: {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (الكهف: 15).
(1/205)
________________________________________
فهم يبينون أن النزاع بينهم وبين قومهم أنهم يعبدون من دون الله آلهة، وأن الذي يفصل في النزاع هو أن يأتوا بسلطان بين، يؤيد زعمهم، وتأملْ تسمية القرآن الكريم للقرآن بأنه سلطان، ووصفه لهذا السلطان بأنه يجب أن يكون بينًا، وأرسل الله أنبياءه بالمعجزات الملموسة القاطعة، وسمى هذه المعجزات آية وعلامة دالة على صدق هذا النبي، كما قال تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} (البقرة: 212)، وكما في قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ، وآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا، ومَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} (الإسراء: 95).
ولقد ذَكَرَتْ آيات القرآن الكريم العديد من الآيات الكونية؛ لتحرك العقول، ولتستلفت الأنظار إلى آيات الله في الكون كله، وأنا سأبسط لك القول في بعض هذه الآيات على النحو التالي؛ حيث إن هناك آيات تحث على النظر في الأرض، كما قال الله -تبارك وتعالى-: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 20، 21)، ويقول -جل ذكره-: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (العنكبوت: 20)؛ فهل يتصور متصور أن أمره تعالى إلى عباده: {فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} هي دعوه لهم أن يفتحوا أعينهم ويغمضوها، أو أن يقلبوا أبصارًا شاردة زائغة، أم أن القرآن بقوله: {انْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} إنما دعاهم إلى النظرة العلمية الفاحصة المدققة، وتأمل قوله تعالى: {بَدَأَ الْخَلْقَ} مع أنه تعالى يقول: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ومَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} (الكهف: 51) فهذه آيات تظهر فيها تكاملية الإسلام، وشمولية منهجه، وأنه الدين الذي يربي أتباعه على أن يأخذوا قسطًا من المادة، وألا يغفلوا نصيبهم من حقوق الروح، وهؤلاء هم الذين يبتغون فيما آتاهم الله الدار الآخرة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا.
(1/206)
________________________________________
إذن المنهج العلمي في القرآن الكريم، وَضَعَ قاعدة هامة، وهي النظر في ملكوت السموات، والأرض، بل تقليب النظر، والاستفادة مما أودعه الله -عز وجل- في هذا الكون، وأن يبحث الإنسان وأن يجتهد في التوصل إلى ما يفيده في هذه الحياة الدنيا، والقرآن الكريم أشار إلى ذلك في كثير من آياته.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا اللقاء، وهي بعنوان "موقف أعداء الله من العلاقة بين القرآن والعلم":
ولا بد عند حديثي عن موقف الإسلام من العلم الكوني أن أشير إلى هذا الأمر؛ لأن هذه المسألة هي قضية متجددة لدوام محاولات الفكر البشري فهم القرآن الكريم، وتدبر أسراره، والوقوف على بواطن إعجازه، والتتبع لمرامي غاياته، والباحثون في هذه القضية عمومًا عدة طرائق، فطائفة تجحد القرآن الكريم، وتناصبه العداء، وهي بالتالي تريد في قبح خبيث أن تتسلم موجة المد العلمي في عصرٍ فُتن فيه الناس بمعجزات العلم، وفتوحاته أيما فتون؛ لإظهار العلاقة بين القرآن، والعلم بأنها علاقة تناقض دائم، وتنافر موصول، وتريد إفساد عقائد المسلمين، وصرفهم عن دينهم باسم العلم، وهم دائمًا يعزفون نغمة، واحدة هي التشكيك في آيات القرآن الكريم باسم العلم، وصد الناس عن الأحكام باسم العلمانية، ويرددون بأن عصر المحراب قد انتهى، واستقبل الناس عهد المختبرات وغرف التشريح، وهؤلاء إما صليبي أو صهيوني يحمل في قلبه مواريث الحقد على الإسلام وأمجاده، وشر الثلاثة أبناء الشيوعية الذين أشربوا في قلوبهم عبادة الأوهام الماركسية، وذلوا خانعين لطواغيتها، ولعله من العدل هنا أن أذكر بعضًا من نماذج أقوال هؤلاء المجرمين.
(1/207)
________________________________________
يقول صاحب كتاب (الإسلام نشأته ومستقبله) عن العقائد التي تحاربها الشيوعية، وهو يدعو إليها، ويعتنقها، يقول: ومن ضمن هذه البقايا الخرافات الدينية المخالفة للعلوم، ويمثل الدين الإسلامي إحدى هذه البقايا!.
تأمل كيف نص بالذات على الدين الإسلامي!! يقول: ويمثل الدين الإسلامي إحدى هذه البقايا المحافظ عليها من قبل جزء من سكان الجمهورية السوفيتية.
ثم يقول أيضًا: فآراء القرآن والسنة عن الكون، وكذلك عن نشوء وتطور الحياة في الأرض، وعن أصل الإنسان، وليدة التأخر والجهل، وما هي إلا مقولات من الأساطير التي كُتِبَتْ في التوراة، وكتب في القرآن أن الله خلق جميع الحيوانات من الماء، وفي سبعة أماكنَ مختلفة يذكر القرآن الكريم كيف خُلِقَ الإنسان، ويناقض القرآن نفسه في هذه الخصوص؛ إذ يقول في المرة الأولى: إن الله خلق الإنسان من التراب، وفي الثانية: من الطين، وفي الثالثة: من خلاصة الطين.
وهذا الكلام الباهت الذي صدر من حاقد على الإسلام ورسوله، وكتاب الله -عز وجل- لا يحتاج إلى مناقشة، ولكني أردت أن أبين أن أعداء الله -عز وجل- وقفوا موقفا عجيبًا من القرآن الكريم، وحاولوا أن يقولوا للناس وأن يثبتوا، وهم على عماية وضلالة أن القرآن الكريم لا علاقة له بالعلم، وزعموا -وبئس ما زعموا- أن القرآن الكريم يحارب العلم.
وفي الحقيقة يمكنني أن أقول: المثل السائر في هؤلاء رمتني بدائها وانسلت. فهذا، وإن كان قد وُجِدَ عند الصليبيين فلن يوجد في الإسلام منه شيء، ولكني هنا قبل أن أشير إلى شيء من ذلك أيضًا أود أن أذكر أيضًا موقف التبشير، وأعني بذلك: الحملات الصليبية في القديم والحديث في هذه القضية.
أقول: إن الأحقاد التي حملتها الصليبية -قديمًا وحديثًا- تجاه الإسلام جعلتها دائمًا وأبدًا تحاول النيل من الإسلام، وتسلك كل سبيل للقضاء عليه، ولقد
(1/208)
________________________________________
سلك الاستعمار الصليبي سبيل الحرب والمؤامرة، كما سلك عملاؤه وأذنابه -سلكوا جميعًا- بث الدسائس، وذرع الفتن بين المسلمين، أما أبواقه ودعاته، فقد شنوا -ولا يزالون- حربًا فكرية تستهدف صرف المسلمين عن دينهم إلى المسيحية أو حتى إلى الإلحاد؛ لأن القضاء على هذا الدين غاية الغايات عند هؤلاء، وارتداد أتباعه أطيب المنى، ولقد أنشئت المعاهد والإرساليات والجامعات بتخطيط استعماري بعيد النظر طويل النفس، وبقلب ملئ بغضًا للإسلام، وكانت الغاية من هذه المؤسسات العلمية هي تنشئة أبناء المسلمين على طعام الاستعمار وموائد الصليبية؛ حتى يشبوا وقد أصبح الإسلام زادًا لم يعرفوا له طعمًا، وغذاء لم يروا له شكلًا.
واستهدفت الحملة الفكرية على الإسلام زعزعة عقائد المسلمين في الإسلام بشتى السبل، ومنها ادعاء مناقضة القرآن للعلم، وكانت كتابات كثير من المبشرين وصبيانهم تعرض بهذا وتصرح به وفق الأوضاع والظروف، وكانوا يصورون الإسلام على أنه عبارة عن أمور غيبية أو خرافات، وكانت العلمنة أو العلمانية هي الراية التي رُفِعت -وما زالت ترفع- في حرب الإسلام، ولقد وجد هؤلاء المجرمون العلم الحديث اليوم فرصة لكي يتحدثوا فيه عن القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم يناقضه ويعارضه، وبئس ما زعموا وقالوا، فهذا قد وجد عندهم، ودعا أتباع الكنيسة إلى أن يخرجوا عليها، ووجد فيما عرف بعد ذلك بالعلمانية.
أما دين الإسلام فلا يتناقض، ولا يتعارض مع العلم بحال، وقد أشرت في النقطة السابقة أن القرآن الكريم يدعو إلى النظر وإلى التأمل، وإلى البحث في ملكوت السموات والأرض، ولتأكيد هذه الحقيقة أنتقل إلى النقطة التالية، وهي:
(1/209)
________________________________________
ج- بعنوان "آراء بعض علماء المسلمين في هذه القضية"، وسأسوق هنا بعضًا من أقوال علماء المسلمين؛ لأدلل بها على أن أهل الإسلام وعلماء المسلمين لم يقولوا أبدًا بأن القرآن يتعارض مع العلم الحديث، ولم يقفوا موقفًا عدائيًّا بحال من الأحوال مع العلم السليم الصحيح، أبدأ أولًا برأي الشيخ عبد الوهاب خلاف -رحمه الله -تبارك وتعالى- حيث تعرض لهذا الموضوع في كتابه "علم أصول الفقه" عند حديثه عن وجوه إعجاز القرآن الكريم، وكان مما قال:
القرآن أنزله الله تعالى على رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- ليكون حجة له، ودستورًا للناس، وليس من مقصده -يعني: من مقصد القرآن الكريم- أن يقرر نظريات علمية، ولكنه في مقام الاستدلال على وجود الله، ووحدانيه، والتذكير بآلائه ونعمه، جاء بآيات تُفهم منها سنن كونية كشف العلم الحديث براهينها، فكان ذلك برهانًا جديدًا على أن القرآن الكريم من عند الله -تبارك وتعالى- وعلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أرشد الله -سبحانه وتعالى- بقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ، وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، ولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت: 52، 53).
ثم ذكر بعض الآيات الكريمة التي تتضمن صورًا من الإعجاز العلمي، وَرَدَّ على المحتجين بأن آيات القرآن الكريم لها مدلولات لا تتبدل، والنظريات العليمة عرضة للتغير والتبدل؛ بأنه يرى أن تفسير آية قرآنية بما كشفه العلم من سنن كونية ما هو إلا فهم للآية بوجه من وجوه الدلالة على ضوء العلم، وليس معناه أن الآية لا تفهم إلا لهذا الوجه من الوجوه.
(1/210)
________________________________________
أنتقل بعد ذلك إلى رأي علم آخر من علماء الإسلام، وهو الدكتور محمد جمال الدين الفندي رحمه الله -تبارك وتعالى- والدكتور الفندي كان أستاذًا للطبيعة الجوية بكلية العلوم بجامعة القاهرة، وقد اتجه في سنواته الأخيرة إلى بحث العلاقة بين القرآن الكريم والعلم، وقد أصدر في ذلك عدة مؤلفات، منها: (روائع الإعجاز في القرآن الكريم)، و (القرآن والعلم)، و (الكون بين الدين والعلم)، وغير ذلك.
وقد عني الدكتور المذكور انطلاقًا من دائرة تخصصه لخدمة العلاقة بين الدين والعلم، وأصدر في ذلك عدة مؤلفات، وسأنقل هنا نظرته إلى هذا المنهج من كتابه (الله والكون)؛ إذ يقول فيه: اتخذت من الكون مَعْلَمًا لي، منه أستمد حقائق، وإليه أرد تلك الحقائق مستخدمًا حواسي، وعقلي، ولقد شاءت إرادة الخالق -جل شأنه- أن يتخذ في الكون أعجب النظم، وأروعها لتنفيذ إرادته، وإظهار آياته، وهي نظم وآيات أقرب ما تكون لفهم المتخصصين من العلماء الذين اتخذوا من الكون مَعْلَمًا لَهُمْ، وَعِندما تكلم الخالق في القرآن الكريم -وهو كتاب الله المقروء- كان من الطبيعي أن يستمد أمثلته وحكمه من الكون الذي هو كتاب الله المنظور، وليس من المعقول أن يخالف الكلام العمل -أي: لا يمكن أن يتحدث القرآن الكريم عن ظاهرة كونية كالسحاب أو السماء أو الرياح بطريقة تخالف ما نراه، وما نلمسه بالعقل- ولهذا ننادي بضرورة إظهار تلك الآفاق الواسعة التي فتحها أمامنا عصر العلم بطريقة سليمة لكثير من معاني الآيات الكونية في القرآن الكريم، مع أننا نقول: إننا لا نُحَمِّلُ القرآن الكريم ولا آيات القرآن الكريم ما لا طاقه لها به، ولا نوغل أيضًا في العلم على غير أساس أو تخصص.
وقد أشار الدكتور الفندي إلى خطئين منهجيين يقع فيهما كثير ممن نصبوا أنفسهم للكتابة عن علاقة القرآن بالحقائق والنظريات العلمية، وهذان الخطآن أو الخطيئتان هما ظلم اللغة عمدًا أو عن جهالة بتحويل ألفاظها دلالات ما عرفها عربي، ولا سمع بها أعجمي.
(1/211)
________________________________________
الأمر الثاني: القول علم العلم بغير علم؛ ادعاء وتعالمًا، وقد قال الرسول -صلوات الله وسلامه عليه-: ((المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور)).
أنتقل أيضًا بعد ذلك إلى رأي الأستاذ عبد الوهاب حمودة -رحمه الله تعالى- وكان أستاذًا بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وله عدد من المؤلفات الإسلامية، وقد عالج الأستاذ هذا الموضوع، وناقش أدلة المانعين لاستخدام العلم، وَبَيَّنَ أن العلم لا يتعارض مع كتاب الله -تبارك وتعالى- طالما أنه علم صحيح مبني على أسس عليمة سليمة فقال: والرأي الذي نميل إليه هو أننا في حاجة شديدة إلى أضواء من العلم تكشف لنا عن حِكَمٍ، وأسرار جاءت بها الآيات الكريمة، ولا ضرر من عدم قَصْرِ فهمه على ما عند العرب في علمها ومألوف معارفها؛ لأن القرآن الكريم أنزل للناس كافة يأخذ منه كل على قدر استعداده وحاجته، ما دام لا يتنافى مع ما قصده القرآن الكريم من الهداية؛ فكم من حكمة فيه إذا مستها يد العلم أسفرت أسرارها، وأبانت عن سر إعجازها، وسحر بيانها، وكل ما يساعد من العلوم على الكشف عن الأسرار الكونية، والدلالة على قدرة الصانع الحكيم، والإبانة عن مبلغ آياته، ونعمه، ولا يتعارض مع أسلوب اللغة، ومألوف تعبيرها من غير إغراب ولا تكلف، ولا إغراق في التأويل، وإسراف في التحديد، فهو مما يجوز أن يستخدم في فهم آيات القرآن الكريم؛ لا تفنى عجائبه، ولا تُحْصَى أسراره.
هذه أقوال بعض أهل العلم من المسلمين، سقتها هنا؛ لأرد بها على موقف أعداء الله من العلاقة بين القرآن الكريم والعلم، وأرد عليهم دعوتهم؛ بأن القرآن يتعارض مع العلم، وقد يسأل سائل:
ما هو القول الفصل في هذه القضية، وقد اختلف فيها بعض المسلمين؟
(1/212)
________________________________________
النقطة رابعة: فيصل القول في علاقة القرآن الكريم بالعلم:
وبعد قراءة وبحث في هذا الموضوع رأيت أن النظرة العلمية إلى آي القرآن الكريم تنقسم إلى ثلاثة أنواع؛ النوع الأول: بيان وجه الإعجاز العلمي، ومن نافلة القول أن أقول: إن إعجاز القرآن الكريم ليس قاصرًا على وجه واحد من وجوه الإعجاز، بل الصحيح أن الإعجاز وجوه شتى، منها: هذا الوجه العلمي، وبيان هذا الوجه من الإعجاز العلمي يتضح في بعض آيات القرآن الكريم، خاصة تلك التي يتعلق موضوعها بالأكوان، وبالخلق العامل لهذه الأكوان، ويجد القارئ لتلك الآيات الكريمة أنها تقرر حقيقة علمية مستقرة لا يعتورها الزيف، ولا التغيير، وأن هذه الحقيقة لم تكن معروفة في عصر التنزيل، وهي لا تتعلق بأمر اعتقادي يجب أن يكون قاطعًا، ولا بحكم شرعي لا ينبغي أن يكون مفصلًا، ولا ينتقص من قدر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنهم لم يعرفوا تفاصيل هذا السر من أسرار الكون الذي جاءت آيات قرآنية تشير إليه في إيجاز.
فهو -كما ذكرت الآن- أمر لا تتعلق به عقيدة ولا شريعة، وقد ظهر لهؤلاء السابقين في حياتهم من وجوه إعجاز القرآن ما ظهر من وجوه كثيرة، وأولها: الإعجاز البياني، وهو يكفي أن يكون حجة ناهضة، ودليلًا رائعا، ومطمعًا رادعًا لمن لم يؤمن، ثم شَاءَتْ حكمة العليم الخبير سبحانه أن يكون هذا الوجه من الإعجاز مخبوءًا في هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه لهذا الجيل من الناس الذي فتن فتونًا كبيرًا بمبتكرات العلم التجريبي ومخترعاته، وهذا من رحمة الله بعباده، وقد أنزل الله -سبحانه وتعالى- كتابه هاديًا للبشر في كل عصر كافيًا لحاجاتهم القلبية، والعقلية، والنفسية، والتشريعية، والسياسية، والاقتصادية في كل مصر، ومن صور هذا
(1/213)
________________________________________
الإعجاز، وهي كثيرة أنك تقرأ قول الله -تبارك وتعالى-: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} (القيامة: 3، 4) ففي هذه الآية الأخيرة صورة من صور الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ذلك أنه قد أضحى من المسلمات القطعية أن بصمات أصابع أي إنسان لا تتشابه مع بصمات أي إنسان آخر من هذه الملايين التي عاشت أو تعيش أو ستحيا على هذه الأرض حتى أصبحت هذه البصمات دليلًا لا يرقى إليه الشك في كثير من المعاملات الرسمية، فتوقيع إنسان ما على صك مالي أو وثيقة بيع قد يداخله التزييف والتزوير، ونحن نسمع عن هذا كثيرًا.
وأما أمر البصمة فهو يستعصي على التزييف، وعلى التزوير، ولهذه الأسرار في البصمة الإنسانية جاء قول الله تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} (القيامة: 4)، ومعنى نسوي بنانه هنا هي كمعنى قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} (الانفطار: 6: 8) فمعناها في الموضعين: أنه جعل خلقته عل النحو الأتم الأكمل السواء، وتمام تسوية البنان، وهو طرف الإصبع أن يكون على النحو المعجز الذي ذكرناه من قبل، وقد جاء هذا الإعجاز في كتاب الله -تبارك وتعالى- وتوصل العلم الحديث إليه.
النوع الثاني من نظرتنا العلمية للقرآن الكريم: هو التفسير العلمي، ونعني بالتفسير العلمي أن يقوم المفسر بشرح بعض التفصيلات العلمية لشيء ذكره القرآن الكريم، وذكر آية الله فيه، وفهم الذين استمعوا القرآن الكريم من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- نعمة الله فيما ذكر على سبيل الإجمال، وأفصل هذا الإجمال الآن بمثال شارح: قال الله -تبارك وتعالى-: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} (النحل: 66) فالله -سبحانه وتعالى- يمتن على عباده
(1/214)
________________________________________
بهذا اللبن السائغ، وكل من سمع هذه الآية، وقت نزولها من مؤمن أو كافر لا يشك في فائدة هذا اللبن، وما فيه من سكريات، وما فيه من فيتامينات، وما ماثل ذلك بالكميات المحددة، والمقادير المفصلة؛ فهل يكون ذكر هذه المعارف حول هذه الآية الكريمة إلا إظهارًا لأسرار آيات الله في الخلق، وبيانًا لمزيد فضله على عباده، وردًّا على بعد المولعين بتقدم العلوم في عصرهم، وهذا ما أعنيه بالتفسير العلمي.
والفرق بين بيان الإعجاز العلمي في الآية، وتفسيرها تفسيرًا علميًّا أن الأول: هو كشف المغطى، والثاني: هو تفسير المجمل، وبيان وجه الإعجاز العلمي، والتفسير العلمي صحيح ومقبول.
النوع الثالث من نظرتنا العلمية إلى آي القرآن الكريم: ما يعرف بالتأويل العلمي، والتأويل العلمي هو التعسف في فهم آيات القرآن الكريم، وبترها من سياقاتها؛ لتخدم معاني بعيدة عن أغراضها، فتأول آيات القرآن الكريم بالمزعزع من النظريات، والمضطرب من التخمينات، وهذا التأويل في الحقيقة سفه في الرأي، وقول على الله بغير علم، وعدوان على بيان القرآن الكريم، ومسخ لدلالات الألفاظ اللغوية، وهذا هو المردود والمرفوض والمرذول، وأمثلته كثيرة، وفي كل يوم ترى منها جديدًا؛ لأن التأويل تفسير بالهوى، وقول بالظن، والهوى لا ضابط له، والظن لا يقمعه إلا اليقين، والذي أود تقريره هنا في هذه القضية هو أن القرآن الكريم لا يوجد فيه نص من النصوص يناقض حقيقة علمية ثابتة بحال من الأحوال، وهذه ناحية من نواحي إعجازه، كما أن الذي أشار إليه القرآن الكريم من الحقائق العلمية يُعَدّ أيضًا دليلًا من دلائل هذا الإعجاز، وهذا القدر من التدليل على إعجاز القرآن الكريم من هذه الناحية يكفي، ويشفي،
(1/215)
________________________________________
وما وراءه تزيد بغير يقين، وتعريض للنص القرآني لبلبلة الآراء والنظريات والأفكار، فالقرآن الكريم -ولا شك- يشتمل على آيات معجزة في هذا الكون توصل العلم إليها، فما توصل العلم إليه من حقائق علمية ثابتة وافقت ما جاء سلفا في كتاب الله -عز وجل- قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان نقبله، ونقول بأن القرآن الكريم قد سَبَقَ إلى ذلك، وهذا لون يكشف عن إعجاز كتاب الله -تبارك وتعالى.

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
أنتقل إلى العنصر الثاني من عناصر هذه المحاضرة، وهو بعنوان: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- نماذج من الإعجاز العلمي في كتاب الله: طالما أنني قلت بأن القرآن الكريم لا يتناقض مع العلم، وأن الله -عز وجل- قد ذكر آيات في كتابه كونية كثيرة وعلمية تَوَصَّلَ العلم الحديث اليوم إلى شيء منها، وأصبحت لدى العلماء اليوم حقائق علمية ثابتة، أود هنا أن أذكر شيئًا من نماذج -أو من النماذج- التي تدل على ذلك، من هذه النماذج مراحل خلق الجنين؛ القرآن الكريم فصل هذه المراحل تفصيلًا دقيقًا، ولم يعرف العلماء هذه التفصيلات إلا قريبًا، وبعد اكْتُشِفَتْ وعرفت العلوم الحديثة، قال الله -تبارك وتعالى- مثلًا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} (الحج: 5) ثم قال -سبحانه وتعالى- في موطن آخر: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون: 12: 14).
ولو رجعنا إلى أوثق المصادر الطبية التي تتحدث عن خلق الجنين لوجدناها لا تتناقض أبدًا مع هذه الحقائق التي ذكرها العزيز العليم، ومن الأمثلة أيضًا الأذى
(1/216)
________________________________________
الذي في المحيض، فقد نهى الله -تبارك وتعالى- في الكتاب نهى الرجال عن معاشرة أزواجهم في المحيض، وعلل ذلك بأن المحيض أذًى قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} (البقرة: 222)، وقد تَبَيَّنَ للعلماء في هذا العصر أن دَمَ الحيض دم فاسد يحتوي على مايكروبات عديدة، وجراثيم متنوعة؛ فإذا عاشر الرجل زوجته أثناء فترة الحيض فلا يأمن أن يصاب بالتهابات وأمراض مؤذية، أضف إلى هذا أن الأعضاء التناسلية في المرأة تكون محتقنة أثناء فترة الحيض، وبخاصة الرحم الذي يكون محتقنًا إلى درجة أنه ينزف، فإذا خالط الرجل زوجته فإن هذا قد يؤدي إلى تمزيق أغشية رحم المرأة، فتنتشر العدوى بواسطة المايكروبات الموجودة في الأغشية مما يؤثر في صحة المرأة، ثم هناك أذى من نوع ثالث، وهو الأذى النفسي الذي يصيب الزوجين، فكثير من الرجال والنساء يصابون باشمئزاز، ونفور نفسي ينتج عنه ضعف جنسي قد يكون شديدًا.
ومن الأمثلة أيضًا على جوانب أو نماذج الإعجاز العلمي في القرآن الكريم مكان الأعصاب التي تحس بالحرق أو الإصابة، هذه الأعصاب لا توجد إلا في الجلد فقط، ولذلك لو قطعت أمعاء إنسان بعد فتح بطنه ما أحس بقطعها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} (النساء: 56)، ولا يعترض على هذا بإحساس الإنسان بالبرودة والحرارة في أمعائه؛ لأن الذي في الجلد هو أعصاب الإحساس بالإصابة والحرق، وهناك أعصاب أخرى كثيرة منتشرة في أجزاء الجسم.
ومن أمثلة الإعجاز العلمي أيضًا الشمس الجارية في الفضاء، وقد كان الناس يظنون أن الشمس تدور حول الأرض، ثم ثَبَتَ لدى العلماء أن الأرض هي التي
(1/217)
________________________________________
تدور حول الشمس، ولكن العلماء أيضا أخطئوا عندما زعموا أن الشمس واقفة، وأخيرًا تبين لهم أنها تسير بسرعة خارقة، وأفضل تعبير عن حركتها هو الجريان، وصدق الله إذ يقول: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (يس: 38).
ومن الأمثلة أيضًا العسل الذي فيه شفاء للناس، فقبلَ نصفِ قرنٍ تقريبًا كان الشائع في أمريكا أن العسل ناقل للجراثيم، ولم يظهر للعلماء فوائد العسل الطبية إلى منذ عهد قريب، واليوم يدخل العسل في أكثر من خمسينَ دواء، وتبين للعلماء أن العسل قاتل للجراثيم، وتبين لهم أيضا أنه علاج جيد لكثير من الأمراض كفقر الدم، وأمراض الرئة، وأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض العين، والأمراض الجلدية، وغيرها كثير، وصدق الله إذ يقول: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} (النحل: 69).
أنتقل إلى النقطة الأخرى التالية، وهي: الإعجاز العلمي دليل صدق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-:
أقول في هذا: العجيب في أمر هذا القرآن أن إعجازه متجدد على مر الزمان، فكل قوم يصل إليهم هذا القرآن، وينظرون فيه نظر معتبر متبصر يجدون فيه من الآيات والدلائل ما يؤكد لهم أنه من عند الله، ونحن اليوم في هذا العصر نبغنا في العلوم التي كشفت عن شيء من أسرار هذا الكون، فتطلعنا نبحث عن في مواقع النجوم، ومساراتها، وأحجامها، وأجوائها، كما بحث العلماء في تكوين الخلق، وأسرار المخلوقات، فبحثوا في الذرات والخلية، وغاصوا في أعماق الأرض وقيعان البحار، وإذا بنا نفاجأ بأن كثيرًا من الحقائق التي توصل إليها العلماء بعد دراسات طويلة وجهود مضنية قد تحدث عنها هذا القرآن العظيم، أو أشار إليها إشارات موضحة، وكل هذا مما يزيد في الإيمان ويعمقه، وهذا ما أود أن أصل
(1/218)
________________________________________
إليه أن الإعجاز العلمي اليوم يدعو إلى تصديق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ويؤكد رسالته، ويدل على أن هذا القرآن العظيم منزل من عند الله الحكيم العليم الخبير، فهذا القرآن قول الله وأمره، والخلق خلقه، فإذا تحدث الخالق عن الكون، وذكر شيئًا من حقائق الخلق فلا بد أن يتطابق الخبر القولي مع الخلق الكوني، فالقول قوله، والخلق خلقه، كما قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ والأَمْرُ} (الأعراف: 54)، والنفوس الإنسانية تخضع خضوعًا عظيمًا عندما تعلم أسرارًا مذهلة لم يكن للبشر علم بها، ثم تجد أن النبي العربي الأمي -صلوات الله وسلامه عليه- الذي لم يخط بقلم، ولا قرأ من كتاب، ولا درس في جامعة، ولا تعلم من معلم من بني آدم تحدث عن تلك الحقيقة العلمية، وأشار إليها.
فلو لم يكن هذا القرآن وحيًا من الخالق لما استطاع محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يقرر هذه الحقائق المجهولة، والأسرار الخفية التي لم يتطلع عليها البشر قبل هذا العصر؛ قال الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (العنكبوت: 48)، وأزيد القول هنا تفصيلًا، فأقول: إن هذا القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي وجوه إعجازه، وقد جعل الله -عز وجل- القرآن معجزة رسوله الخالدة الباقية، وإذا كان سبحانه قد أعطى كل نبي من الأنبياء من المعجزات ما يناسب حال قومه، كما قال -صلوات الله وسلامه عليه-: ((ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا يوحى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)).
ولذلك أقول: إن إعجاز القرآن المتجدد يظهر منه في كل عصر وجه، لم يكن قد بدا من قبل، فالمعاصرون للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد بدا لهم من وجوه إعجازه ما دفعهم أن يخروا لجلال الله ساجدين، وكل من تدبر القرآن الكريم على اختلاف الأعصار، وتباين الأمصار، لا يملك إلا هذا الإجلال وهذا السجود.
(1/219)
________________________________________
الدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان
أنتقل بعد ذلك إلى عنصر أخير في كلمات سريعة، وهو بعنوان: الدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان:
وأقول هذا؛ لأن العلم الحديث بعد ما توصل إلى ما توصل إليه، ومن توصلوا كان معظمهم؛ إما من المنكرين لوجود الله -عز وجل- بالكلية، والمكذبين برسالة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأقول لهؤلاء وهؤلاء الذين ينكرون خالق الأرض والسموات: إن الذي كون هذه الكائنات، والذي خلق الإنسان هو رب العزة، والجلال -سبحانه وتعالى- والأدلة على ذلك كثيرة منَ الكون المفتوح أيضًا إلى جانب ما جاء في كتاب الله -عز وجل.
وإن الذي ينظر في كتاب الله -عز وجل- ويستخدم عقله استخدامًا صحيحًا يصل إلى أن الإيمان بوجود الله -عز وجل- يقوم على أسس ثلاثة شَهِدَ بِهَا العقل، ودل عليها الكتاب والسنة، وهي أن العدم لا يخلق شيئًا، تأمل مثلًا قول الله -تبارك وتعالى-: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ} (الطور: 35، 36) لو تأمل الإنسان المنكر لخالق هذه الآية، وسأل نفسه سؤالًا عقليًّا؛ هل خلق الإنسان نفسه؟ الجواب: لا. لأن الإنسان كان عدمًا، ولا يمكن لمن كان كذلك أن يوجد نفسه، فلا بد إذن أن يكون هناك من أوجد هذا الإنسان، ولذلك قال الله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} فكل موجود لا بد له من موجد أوجده، أنت إذا دخلت بيتك، ووجدت شيئًا لم تأتِ به من قبل، لا شك أنك ستوقن، وتعتقد أن هناك من أَتَى بِهَذَا الشَّيْءِ، لذلك نحن وجدنا جميعًا، فلا بد أن نكون قد وجدنا من شيء، نرجع وننظر؛ ما هو هذا الشيء الذي أوجدنا هل نحن أوجدنا أنفسنا؟
(1/220)
________________________________________
ما يقول هذا قائل بحال؛ لماذا؟ لأننا أضعف من خلق السموات والأرض، ولم نكن قبل أن نوجد شيئًا مذكورًا بل كنا عدمًا، وبالتالي لابد أن يكونَ من أوجدنا وخلقنا ولا يكون ألا أن نسلم لرب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.
الأساس الثاني: أن الفعل مرآة لقدرة فاعله وبعض صفاته: هذا الكون الفسيح -هذا الكون الذي يحير الألباب إذا نظرت فيه- بنظامه وإتقانه، الله -عز وجل- خلق الكون وأحكم خلقه وصنعه -سبحانه وتعالى- {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت} هذا الكون بما فيه ألا يدل على قدرة من أوجده، وعلى قدرة الحكيم الخبير.
إن هذا الكون -يا أيها الناس- يشير إلى وجود الله -تبارك وتعالى-، وإلى أنه -سبحانه وتعالى- هو الخالق وحده، وبالتالي أنادي الجميع إلى أن يعبدوه وحده دون سواه.
أما الأساس الثالث الذي أبرهن به على وجود الله -تبارك وتعالى- ووحدانيته: هو أن فاقد الشيء لا يعطيه، فالبشر جميعًا، والناس جميعًا كانوا عدمًا، ولا يملكون شيئًا، والعدم لا يوجد نفسه فضلًا عن أن يوجد غيره، وبالتالي فكل ما في هذا الكون وما توصل إليه العلم الحديث اليوم يدعو إلى الإيمان بوجود الله تعالى، وبوحدانيته.
وأكتفي بهذا، وصلِّ اللَّهُمَّ، وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته.
(1/221)
________________________________________
الدرس: 7 المسجد والمدرسة ودورهما في الدعوة.
(1/223)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع
(المسجد والمدرسة ودورهما في الدعوة)
1 - المسجد؛ مكانته في الإسلام، ودوره في تبليغ الدعوة

المسجد، ورسالته بين المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
وعنوان هذا اللقاء: "المسجد؛ مكانته في الإسلام، ودوره في تبليغ الدعوة" وتشتمل هذه المحاضرة على العناصر التالية:
العنصر الأول: بعنوان: "المسجد، ورسالته بين المسلمين" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف بالمسجد، وفضل بنائه:
إن المسجد في الإسلام: هو كل موضع يُتعبد فيه رب العزة والجلال - سبحانه وتعالى- وذلك لقول رسول الهدى والرحمة -صلوات الله وسلامه عليه-: ((وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)) والمسجد في لغة العرب: اسم لمكان السجود، وعرفًا: اسم للمكان الذي أعد للصلاة، وعندما تقام صلاة الجمعة أو الجماعة في المسجد، يطلق عليه المسجد الجامع، وقد اختصر في الصدر الأول للإسلام على إطلاق كلمة المسجد أو المسجد الجامع عليها، وأرض المسجد لا بد وأن تكون أرض طيبة طاهرة من النجاسات، ومما ينفر من القرار فيه، وألا تكون مغتصبة، ولا يجوز بناء المساجد على القبور.
ويجوز أن تكون أرض المسجد متبرعًا بها من مالك ملكًا صحيحًا شرعيًّا، أو موهوبة أو موقوفة لإقامة المسجد عليها، أو مشتراة كذلك بمال مكتسب من حلال؛ لأنه آنَ إِذْ إنفاقٌ في سبيل الله، وقد حث القرآن الكريم على الإنفاق من طيب الكسب، وذلك في قول الله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (البقرة: من الآية: 267).
وكان المسجد أول ما بادر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى بنائه، حتى تظهر فيه شعائرُ الإسلام، وتقام الصلوات التي تجمع المسلمين وتربطهم برب العالمين، وتألف بين قلوبهم.
ففي كتب السيرة وفي الصحيحين وغيرهما: أن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بنى مسجده الجامع بالمدينة، حيث بركت ناقته -عليه الصلاة والسلام- في مكان مملوك لغلامين، يكفلهما
(1/225)
________________________________________
أسعد بن زرارة -رضي الله عنه- ورغب الغلامان في النزول على المكان لله تعالى، فأبَى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا ابتياعه بثمنه، وكان في هذا الموضع نخيل وشجر، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بقطع النخيل والشجر، وبُني باللبن وجذوع النخل والشجر، وشارك رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أصحابَه في حمل اللبنات والأحجار.
وأقيم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته اللبنات والأحجار، وأقيم المسجد بهذه الهيئة -كما ذكرت- إلا أنه خرج رجالًا، ألا وهم أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلى كلٍّ، فما ذكرته يفيد بعد تعريف المسجد في اللغة والعرف، أن المسجد ينبغي أن يقام على أرض مكتسبة أعدت لهذا الغرض بطريق مشروع، وذلك عن طريق الشراء أو الكراء أو الهبة أو التبرع، وأن يكون الإنفاق عليه من أطيب الكسوب، ولقد ظل مسجد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بهذه البساطة مدة حياته، وأيضًا في خلافة أبو بكر -رضي الله عنه.
وزاد في بنائه عمر -رضي الله عنه- ثم زاد فيه زيادة كبيرة وغيره عثمان -رضي الله عنه- وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والجير، وجعل أعمدته من حجارة منقوشة، وكان -رضي الله تعالى عنه- يحرص على أن يكون أيضًا بناء المسجد بناءً غير متوسع فيه ولا متكلف، وليس في نصوص الإسلام -القرآن والسنة- شروط محددة لبناء المسجد، ولكن البيان العملي للرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يفيد أنه لا بد من أرض طاهرة غير مغتصبة على نحو ما سبق من بيان لمصدرها بتصرف شرعي، وأن تكون الأموال التي أنفقت كسوبًا حلالًا مبرأة من المحرمات، ومن أي شبهة.
أما نموذج المسجد، فإنه غير محدد، فقد يكون مسجدًا صغيرًا للقبيلة أو للقرية الصغيرة، وقد يكون مسجدًا جامعًا لقرى أو لقبائل عديدة، ومواد بنائه تختلف
(1/226)
________________________________________
من عصر إلى عصر، ومن مصر إلى مصر، أو إلى قرية أو إقليم أو قارة، وما إلى ذلك.
وقد ثبت أن عمر وعثمان -رضي الله عنهما- أعادَا بناءَ مسجد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وزادَا فيه كل حسبما وسعته القدرة، مع مراعاة ما استحدث من فنون العمارة، وفِقه هذا التطور للسعة في المسجد، وفي تغير مواد البناء في عهد عثمان -رضي الله عنه- يفيد أنه ينبغي للمسلمين ألا يتخلفوا في عمارة المساجد ومنشآتها، ع ما اتخذه المسلمون في بيوتهم ومنازلهم من مواد البناء، وفنون إقامتها، ووفائها بمهامها، واستحداث ما استحدث من أنواع الفرش دون سرف أو ترف، فإذا كانت المساجد اليوم تحتاج إلى فراش نظيف فلا بد منه، وإلى دورات مختلفة معدة مهيئة نظيفة، فهو أمر ضروري ومطلوب، وإن كان الناس اليوم يحرصون على أن يكيفوا بيوتهم، فبيوت الله -عز وجل- أولى بذلك.
والشاهد من كل هذا: أنه لا ينبغي على المسلمين أن يتخلفوا في إنشاء المساجد والاهتمام والعناية بها، عما يقيمونه لأنفسهم في حياتهم الدنيوية.
ويشير إلى تجميل المسجد وتنظيفه وتطهيره وتطيبه، قول الحق - تبارك وتعالى-: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (الأعراف: من الآية: 31) إذ في أمر هذا النص بأخذ الزينة عند الذهاب إلى المسجد، إشارة إلى تزيين المساجد وتنظيفها وتطيبها كذلك بما يتعارفه الناس.
ولقد كتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعد الفتوحات الإسلامية في خلافته إلى كل من أبي موسى الأشعري والي البصرة، وسعد بن أبي وقاص والي الكوفة، وعمرو بن العاص والي مصر -رضي الله عنهم، يأمرهم أن يتخذوا مسجدًا للجماعة، كما يتخذوا مسجدًا للقبائل، فإذا كان يوم الجمعة انضم أهل مساجد القبائل إلى مسجد الجماعة، وكان صلاة الجمعة تُؤدى في المسجد الجامع.
(1/227)
________________________________________
ومن المعلوم: أن المسجد بُني ليعبد الله -تبارك وتعالى- فيه، وأن يعبد وحده دون سواه، وقد نص الله على ذلك فقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (الجن: 18).
وقد ورد في بناء المساجد وفضل بنائها أحاديث كثيرة عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- منها:
ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((من بنى مسجدًا لله تعالى، بنَى الله له بيتًا في الجنة)).
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي:
ب- بعنوان: المسجد المدرسة الأولى في الإسلام:
المسجد أول مدرسة في الإسلام، تبني الأجيال وتصنع الأبطال، وتعدهم خير إعداد، وعن طريقهم يقوم كيان الأمة الروحي، كما أنه الأساس لدعم وجودها المادي، وقد أخبر الله -عز وجل- أن المسجد يقوم فيه الرجال، قال تعالى: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} (التوبة: 108، 109).
والمسلم من سماته الطهارة الحسية والمعنوية، فهو مطالب في صلاته بأن يكون طاهرَ الثوب والبدن والمكان، كما أن الله يحبه طاهرًا على كل حال، وفي كل شيء، ونعني بذلك: النظافة، وحسب المصلي أن يتطهر لكل صلاة، بحيث لا تقبل صلاته إلا إذا كان طاهر الثوب والبدن والمكان، إلي جانب طهارته من الحدث الأصغر للوضوء والأكبر بالغسل، كما يندب الإسلام إلى احترام شعور الغير في المجتمعات، فلا تقع حواسهم على ما يسوؤهم، وذلك بالاغتسال في يوم الجمعة، والتجميل بالثياب الحسنة للمساجد، إلى غير ذلك من الآداب الإسلامية العظيمة.
(1/228)
________________________________________
وإلى جانب ذلك: الطهارة المعنوية التي تتعلق بالجوارح؛ كيلا يقترف المسلم إثمًا، أو يرتكب منكرًا، أو يدنس نفسه بمعصية، كما تتعلق أيضًا بالقلوب، بحيث لا يحمل المسلم المؤمن المصلي لربه غِلًّا ولا حقدًا ولا حسدًا لأحد من خلق الله تعالى.
وفي المسجد يتدارس المسلمون كتاب الله، ويتلونه، ويؤدون الشعائر الدينية بإقامة الصلاة، وذكر الله -عز وجل- وتبصير المترددين على المسجد في شئون الدين والدنيا، وصبغتهم بالصبغة الإسلامية؛ لتكون لهم سلوكًا في حياتهم، وحتى لا يجرفهم تيار الرزيلة، فيقضي عليهم.
فرسالة المسجد إذن -على كل حال- تعليمية، تخلص الإنسان من عار الجهل، وتخلع عليه لباس الفضيلة، وتنقيه من الرزيلة، وهنا ندرك معنى قول الله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} (العنكبوت: من الآية: 45) فالصلاة تطهر الإنسان الذي يعتادها، ويحب التشرف بأداء هذه الصلاة في المسجد، تطهره من الأنانية وحب الذات، وهذا أيضًا أثر بالغ الخطورة في حياة المجتمع، حين يتخلص من هاتين الرزيلتين.
وقد سبق أن ذكرت لكم أن رب العزة والجلال سبحانه أخبر في كتابه: أن الذين يقومون في المساجد في بيوت الله -تبارك وتعالى- إنما هم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله -تبارك وتعالى- فهم يذكرون جلال الله وعظمته في كل شأنهم، ويراقبونه في جميع أعمالهم، وذلك مدعاة الإحسان والإتقان، كما أن ذلك أثر على الإنتاج ونجاح الأعمال وانتشار ألوية الحب، التي تظلل المجتمع، لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد.
وكان للمسجد رسالته وله دوره، الذي يَصِلَ المسلمَ بربه أيضًا، كما كان له دوره الاجتماعي الذي يحقق له حياة عزيزة كريمة، ويصله بكل الحب والود ببني جنسه؛ بل وبالحياة كلها من حوله.
(1/229)
________________________________________
أنتقل إلى النقطة الثالثة في هذا العنصر، وهي:
جـ- بعنوان: دور المسجد لا يتعارض مع المؤسسات التربوية الأخرى:
وأقول هذا؛ حتى لا يظن ظان عندما تحدثت عن دور المسجد، وأنه هو المدرسة الأولى في الإسلام، أن هناك تعارضًا وتناقضًا أو انتقاصًا من دور الجامعات ومعاهد العلم والتعليم الأخرى، عندما تحدثت عن دور المسجد ومكانته، أو يظن ظان أن الدعوة إلى التعليم المسجدي الذي كان سائدًا في بعض المساجد الإسلامية ولا يزال سائدًا في بعضها الآخر حتى الآن، يتعارض أيضًا مع المؤسسات التربوية الأخرى، وتوضيح ذلك في كلمات أقول فيها:
إن المسجد رُوح قبل كل شيء، ومتى وجدت هذه الروح في الجامعات والمعاهد والمدارس في العالم الإسلامي، فهي قادرة - بحول الله وقوته- على أداء دورها في إحداث النهضة، وبث اليقظة، ومحاربة الانحراف الديني والخلقي والسياسي والتربوي، وغيرها من الانحرافات الأخرى في أوساط المسلمين، وعندما يصبح معلمو المدارس ومديروها والمشرفون عليها على درجة عليا من الخلق والاستقامة والكفاءة، فإنها سوف تؤدي رسالة المسجد على أفضل وجه، مهما كان نوع العلوم التي تدرس بها، سواء كانت هي من علوم الدين أو من علوم الدنيا.
فالعلم على كلٍّ هو أساس العملية التربوية، وفي حديث طويل عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إن الله تعالى لم يبعثنِ معنتًا ولا متعنتًا)) ((معنتا)): يعني: شقاءً على العباد. ((ولا متعنتا)): يعني: طالبًا العنت والمشقة عليهم، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا.
والجامعات هي الأخرى مشتقة من الجامع؛ لأن الجامع في الإسلام هو المؤسسة الأولى للتربية والتعليم بعد دار الأرقم بن أبي الأرقم، وفيما سبق أشرت إلى دور المساجد الجامعة في الإسلام، في التربية والتعليم والتوجيه الديني والخلقي، وكيف كانت تلك الجوامع هي محور الحياة المدنية الإسلامية.
إذن، فالفارق بين المدرسة وبين المسجد، وبين الجامعة وبين الجامع، هو فارق في الشكل فقط، وإلا فالمدرسة في الإسلام مسجد، والمسجد في الإسلام مدرسة،
(1/230)
________________________________________
حيث لم تظهر المدارس في تاريخ التربية الإسلامية إلا في حدود القرن الرابع الهجري، وكانت في البداية نشأتها فرعًا من فروع المسجد، ثم تطورت إلى أن أصبحت هي من الأصول، وأصبح في بعض الأحيان المسجد جزءًا منها.
وأقول -بناء على هذا الارتباط الوثيق بين المسجد وبين التعليم والعلم في الإسلام، ابتداءً من المدرسة الابتدائية، وانتهاء بالجامعة والمدارس والمعاهد العليا-: ينبغي علينا عند تكوين الأجيال الإسلامية وبناء شخصياتهم العلمية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، ألا نجعل مَن نعلمهم تفارقهم روح المسجد في هذا البناء وذلك التكوين، وأن يستحضر العاملون في التعليم أعمال المسجد التربوية، وأنشطته الثقافية؛ لأن الإسلام يدعو إلى العلم والعمل، وإلى معرفة ما ينفع من علوم الدين، وما يحتاج إليه المسلم من العلوم المادية الدنيوية، بما لا يتعارض في ذلك مع الإسلام؛ لأن الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والدنيا، أو بين العبادة وبين التعليم، أو بين مطالب الروح ومطالب الجسم.
ومن هنا ينبغي علينا أن نعيد معاهدنا ومدارسنا وجامعتنا ما فقدته من روح المسجد في أعمالها العلمية والتربوية في وقتنا الحاضر، وقد تأثر بعض الناس بالحضارة الأوربية التي تجعل التعليم في مدارسها تعليمًا مدنيًّا خالصًا، ولا علاقة له بالدين لا من قريب ولا من بعيد، وتحصر تعليم الدين في مدارس خاصة، ومعاهد خاصة، لمن يشاء أو يريد.
أما العالم الإسلامي، فلم يمر بالترجمة التي مرت بها أوربا لسبب بسيط، وهو أنه لا رهبانية في الإسلام، أو أنه لا تعارض بين العلم وبين الدين، حتى ولو كانت هذه العلوم من العلوم المادية الدنيوية النافعة، كما أنه لا يوجد في الإسلام الفصل التام بين التعليم الديني والتعليم المدني؛ لأن الإسلام يعتبر التعليمين
(1/231)
________________________________________
متكاملين، يجب على المسلم أن يتعلمهما معًا في وقت واحد، فالعلم في الإسلام علم مطلق، ينطبق على علوم الدين وعلوم الدنيا النافعة في وقت واحد.
لقد أصبحت المدارس في مختلف مراحل التعليم في البلاد العربية وكذلك الجامعات العربية، تضم أعدادًا هائلة من الطلاب، وهذه الأعداد الهائلة من المتعلمين في المدارس والمعاهد والجامعات، وهم في ازدياد مطرد عامًا بعد عام، إذا ما وجدت التوجيه الإسلامي الرشيد في التعليم الذي يتلقونه حسب روح المسجد، فإنه يكون منهم مجتهدون في الدين، والمبدعون في علوم الدنيا، والدعاة إلى الله - تبارك وتعالى- على هدًى وبصيرة.
إذن، فالدعوة إلى إعادة الاعتبار لدور المسجد التربوي في الإسلام، ليس معناه إغلاق الجامعات والمدارس، ولا إغلاق ثانويات التعليم العام أو الفني، والاستعاضة عنها بالتعليم المسجدي وحده؛ إذ لا يمكن أن يفكر في هذا أحد، وإنما المقصود هو نقل روح المسجد ورسالته التربوية والأخلاقية والتوجيهية إلى المعاهد المذكورة؛ حتى تستطيع أداء رسالتها في التربية والتكوين والإعداد لأبناء المسلمين على الوجه الأفضل.

دور المسجد في المجتمع المسلم
"دور المسجد في المجتمع المسلم" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- دور المسجد في الدعوة إلى الله -تبارك تعالى-:
عمّار المساجد هم -بفضل الله ورحمته- خيرة المسلمين، وأحرصهم على إرضاء الله -تبارك وتعالى- وارتيادهم لبيوت الله دليل خير وصلاح، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (التوبة: 18).
فهؤلاء صفوة المسلمين، فماذا يجب على الدعاة نحوهم؟
(1/232)
________________________________________
يجب أن يذهب إليهم الدعاة في بيوت الله، وأن يخالطوهم ويصادقوهم ويتحببوا إليهم، ويشجعوهم على الاستزادة من هذا الخير، وللدعاة مع عمار المساجد جهود وأعمال تتنوع إلى ما يلي:
إ لقاء دروس عليهم في تجويد القرآن وأدب تلاوته وتفسيره، وإلقاء دروس عليهم في السنة النبوية، وتحفيظهم ما أمكن من الأحاديث النبوية، مع شرح مبسط لها؛ ليستفيدوا من ذلك، وأيضًا إعطاؤهم دروسًا في السيرة النبوية المطهرة، وفي تاريخ الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم- وفي تاريخ الإسلام، وإعطاؤهم دروسًا وتوعيةً في خدمة البيئة التي تحيط بالمسجد، ومعاونتهم وتشجيعهم على تكوين مكتبة للمسجد، أو تزويد مكتبته إن كانت فيه مكتبة بالكتب النافعة.
كما عليهم عقد محاضرات وندوات على فترات مناسبة، وعليهم أن يصطحبوا رواد المسجد إلى زيارات العلماء والمستقيمين من سكان الحي الذي فيه المسجد؛ حتى يعودوهم على تفقد أحوال الناس، وأحوال رواد المساجد، وعليهم أن يتعاونوا في أن يكون المسجد دائمًا على أحسن صورة، من حيث نظافته ونظامه وأساسه وإنارته ومكتبته ومرافقه.
كل ذلك يتعاون رواد المسجد على القيام به؛ حسبةً لوجه الله -تبارك وتعالى- وتقربًا إليه، وكل ذلك داخل في إعمار المسجد وتعهده، وهو واجب كل مسلم يتردد عليه، وإن فعل الدعاة ذلك، أصبح للمسجد دور عظيم في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- واستفاد الذين يترددون على المسجد فائدة عظيمة من هؤلاء الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى - وكان بحق المسجد منارة إشعاع في المكان الذي يوجد فيه.
(1/233)
________________________________________
ب- دور المسجد في التوجيه الاجتماعي للمجتمع المسلم:
المسجد يؤدي في المجال الاجتماعي دورًا هامًّا بالنسبة للمجتمع الإسلامي، حيث كان -ولا يزال- يعمل على المحافظة على تماسك الأسرة الإسلامية، والأمة الإسلامية كذلك، عن طريق ما يلقى فيه من محاضرات وخطب تتناول اهتمامات الشعوب الإسلامية في كل شأن من شئون الحياة، ولعل من أبرز المجالات التي ينبغي أن يقوم بها المسجد في العصر الحديث، هو أن يكون محورًا لمجموعة من الخدمات الخيرية؛ لحاجة الناس إلى ذلك، خاصة في البلاد الفقيرة أو التي يوجد فيها قوم دخولهم محدودة.
وعليه يجب على الدعاة أن يحاولوا أن يُوجِدوا إلى جوار المسجد خدمات اجتماعية خيرية، كأن يوجِدوا -مثلًا- مستوصفًا طبيًّا؛ لمعالجة المرضى أو يوجدوا ناديًا للشباب، يمارسون فيه الرياضة البدنية الخفيفة، والنشاطات الثقافية والترفيهية البريئة من المنكرات، وقد أشرت إلى ضرورة وجود مكتبة في المسجد، وعليهم أيضًا أن يحاولوا إيجاد مكان يجتمع فيه رواد المسجد؛ ليعرضوا عليهم الأفلام العلمية والاجتماعية والتربوية الهادفة، حتى نستفيد من التقنية الحديثة الموجودة، وإلى غير ذلك من النشاطات الأخرى.
وبذلك يَسترجع المسجد دوره التوجيهي الهام في المجتمع، حسب متطلبات العصر الحديث.
ولذلك ينبغي إعادة النظر في هندسة بناء المساجد في وقتنا الحاضر؛ حتى تكون وافية بالأغراض الاجتماعية النافعة للجماعة الإسلامية، بالإضافة إلى وظيفتها الأساسية وهى العبادة والتوجيه الديني.
وأود أن ألفت النظر هنا إلى أمر آخر، وهو: أنه قد انتشر في عصرنا ظاهرة الدروس الخصوصية للطلاب في مختلف المراحل التعليمية، وأولى بالمسجد أن ينشط إلى
(1/234)
________________________________________
مساعدة الطلاب، باستقطاب الأساتذة والمدرسين في كافة المراحل حتى الجامعية؛ تيسيرًا على الطلاب، وجمعًا لهم في مكان آمن، يستظهرون فيه دروسهم، ويجدون فيه المرجع من الكتاب في المكتبة، وكذلك الأستاذ المتخصص.
ويرتبط هؤلاء الطلاب أيضًا بالمسجد، وإذا حان وقت الصلاة صلوا جماعة فيه، فكان في هذا خير وبركة.
ولقد كان المسجد في صدر الإسلام هو المكان الذي يتخرج منه العلماء والفقهاء والقادة الصالحون، كان المسجد هو المركز الذي تُدار فيه حياة المجتمع، وعلى نور رسالته تسير خطى حياة الناس، وقد أجمل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- وظائف المساجد على عهد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بقوله:
"وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أسس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والقراءة والذكر والتعليم والخطب، وفيه السياسة، وعقد الألوية، وتأمير الأمراء، وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون لِمَا أهمهم من أمر دينهم ودنياهم".
ولذلك أقول لأبنائي الطلاب: إن أداء الصلوات في جماعة وظيفة من وظائف المسجد، تنمي في الإنسان المسلم صفات وخصائص تقربه من الله -تبارك تعالى- وتقيه ارتكاب المعاصي، وتحي الوازع الديني لديه، وتعينه على أن يصلح نفسه، وأن يصلح ما بينه وبين الناس، والصلاة في جماعة تحقق التآلف والتراحم والمساواة بين المسلمين.
وفي السنة الشريفة الأحاديث الصحيحة الوفيرة، التي تحث على صلاة الجماعة، حيث تفضل صلاة الفرد في بيته وسوقه بسبع وعشرين درجة، وفي المساجد الجامعة تقام صلاةُ الجُمَعِ بما فيها من خطبة يتعلم منها المسلمون ما ينفعهم في
(1/235)
________________________________________
دينهم ودنياهم، ويتداولون فيما يهمهم من الأمور، وتتواصل المجتمعات الصغيرة، ويتعاطفون ويتآزرون، وفي المساجد ذكر الله -عز وجل- الذي يدخل فيه تلقي العلم، وتعليمه، والدعوة إلى البر، ومزاولته من أجل رضا الله، والتماس رحمته ومغفرته.
لقد تلقى الصحابة -رضوان الله عليهم- في المسجد القرآن وعلومه، والسنة الشريفة قولًَا وتقريرًا وأفعالًا، فكان المسجد بهذا ميزانًا لشخصية المسلم الكامل والمجتمع الفاضل، الذي وصفه الله -تبارك وتعالى- في وقوله: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (آل عمران: 164).
إنه -صلى الله عليه وآله وسلم- معلم يقرأ القرآن على المسلمين، ويشرح آياته، ويعمل على تطهير نفوسهم، ويعلمهم الحكمة، ويعلمهم -صلوات الله وسلامه عليه- أمورًا شتى لم يكونوا على علم بها، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يعرف وظيفته، ويستشعر مهمته ومسئوليته التي حملها إياه ربه -تبارك وتعالى- فيقول: ((إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني)).
وفي كتب السنة الشريفة الأحاديث الصحيحة الوفيرة في الحث على طلب العلم والتعليم، وعلى حضور مجالس العلم في المسجد، من هذا ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك تعالى، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده)).
جـ- بعنوان: دور المسجد في القيادة:
كان المسجد في صدر الإسلام -أيضًا- مركز القيادة، تصدر عنه الوصايا والعطايا والأوامر والتعليمات، وتنطلق منه السرايا والغزوات، وكان الإمامُ إمامًا في
(1/236)
________________________________________
الصلاة والإدارة والقيادة والسياسة، وكان من وظائف المسجد الهامة تنمية المجتمع، وهي وظيفة عامة شاملة، وهو بهذه الوظيفة قائدُ التغيير والتطوير والتقدم، والداعي إلى الصلاح والإصلاح للأحوال الاجتماعية والاقتصادية والصحية والثقافية والسياسية، فهو بهذا ضرورة دينية اجتماعية ودنيوية، وهو منتدى طاهر وظاهر وضاء، لا إثم فيه ولا فجور، ويسمو بكل هذا على نوادي أو منتديات العصر الحاضر.
وهذه الوظيفة -تنمية المجتمع- متنوعة المسالك، لها مثيل من عمل الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وإن لم تعرف في عهده الشريف بهذا العنوان السائد الآن في علم الاجتماع، ففي المسجد كانت الأموال توزع على المستحقين من الفقراء، وفي المسجد كان يوجد مكان أهل الصفة، أي: أولئك الفقراء الذين لا مأوى لهم ولا مورد.
ولقد امتدت مكانة المسجد ووظائفه منذ كان الإسلام، وتتابعت حاجات المسلمين، فاشتهرت بعض المساجد في أقطار مختلفة بأن صارت جامعات الإسلام، فآوى إليها الطلاب؛ رغبةً في العلوم المختلفة في الدين والشريعة واللغة والطب، وغير هذا مما علمه الله الإنسان.
وعلى تعاقب الأجيال، وانعقدت حلقات العلم، ورصد المحسنون من المسلمين الأوقاف على طلاب العلم، فكانت المساجد أهم المراكز الثقافية في العالم الإسلامية؛ بل في العالم أجمع.
فهذا الحرم المكي، وهذا الحرم المدني، وهؤلاء شيوخ الحرمَين الذين فاقت شهرتهم في العلم وذاعت، وهذا مسجد عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط بمصر، وفيه جلس الإمام للشافعي للعلم، وهذا جامع قرطبة الذي توافد إليه طلاب أوربا وإفريقيا، مسلمون وغير مسلمين.
(1/237)
________________________________________
وإذا كانت وظائف المسجد قد انكمشت في هذا العصر بعد أن زاحمته المؤسسات المعاصرة، وبسبب فتور التدين لدى بعض المسلمين، أو انحرافهم أو قعودهم عن سلوك الطريق المستقيم، والانخداع بزخرف الحياة المادية التي سادت في المجتمعات غير الإسلامية، وبسبب الضعف السياسي والاقتصادي الذي شاب الأقطار الإسلامية، التي وقعت فريسة للاستعمار السياسي بعد الاستعمار العسكري والفكري، ومع الهيمنة الاقتصادية للغير، ثم شيوع البدع والخرافات التي باعدت بين الكثيرين من المسلمين وبين الدين الصحيح.
إذا كان ذلك، كان على أمة الإسلام أن تعود إلى استعادة أعباء ووظائف المساجد، وإبراز العمل بها، فلا تظل مقصورة أو محصورة في أداء الصلوات، وإنما تمتد وتعود إلى التعليم وغيره على نحو ما سبق، وبهذا يظهر دور المسجد في التوجيه الاجتماعي.

بعض وظائف المسجد
"وظائف المسجد" ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- المسجد دار للإفتاء:
تحدث -فيما مضى- عن دور المسجد في الدعوة إلى الله، وفي خدمة المجتمع عمومًا، وأود هنا أن أضيف إلى ذلك أمورًا أخرى يقوم بها المسجد، ومن ذلك أنه دار للإفتاء، ذلك أنه يقع للناس في أمور دينهم ودنياهم أشياء فيها غموض، تقلق بَالَهُم، فتهفو نفوسهم لإزالتها، فيتوجهون إلى المسجد حيث لا يخلو من عالم يفتيهم في أمور دينهم ودنياهم.
فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: ((بينما نحن جلوس مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في المسجد، دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي -صلى الله عليه وسلم- متكئًا بين ظَهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ؟ فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ قال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: قد أجبتك.
(1/238)
________________________________________
فقال الرجل للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: إني سائلك فمشددٌ عليك في المسألة، فلا تجد عليَّ في نفسك، فقال -صلى الله عليه وسلم- له: سَلْ ما بدا لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم، فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأَنَا رسول مَن ورائي مِن قومي، وأنا ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر)).
والشاهد من ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجلس في المسجد، وكان يأتي إليه أصحاب الحاجات ومن يودون أن يتعلمون العلم، فيسألون رسول الهدى والرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد روى عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-: ((أن رجلًا قام في المسجد فقال: يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من أين تأمرنا أن نهل؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن)).
ب- المسجد دار للقضاء:
أقول: إن كان المسجد دار إفتاء، فهو أيضًا دار للفصل بين المتخاصمين، وللقضاء العادل بين المتنازعين، حيث يأمن فيه كل إنسان على نفسه، ويطمئن إلى أخذ حقه، قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} (ص: 21، 22).
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تبارك وتعالى- في تفسيره: ليس في القرآن ما يدل على القضاء في المسجد إلا هذه الآيات، وبها استدل من قال بجواز القضاء في
(1/239)
________________________________________
المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز -كما قال الشافعي رحمه الله- لَمَا أقرهم داود -عليه السلام- على ذلك، ويقول: "انصرفا إلى موضع القضاء".
وكان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- والخلفاء يقضون في المسجد، وقد قال مالك -رحمه الله تبارك وتعالى-: القضاء في المسجد من الأمر القديم -يعني: في أكثر الأمور- ولا بأس أن يجلس في رحبته؛ ليصل إليه الضعيف والمشرك والحائض، ولا يقيم فيه الحدود، ولا بأس بخفيف الأدب.
وقد قال أشهب: يقضي في منزله، وأين أحبَّ.
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: ((أتى رجلٌ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه -صلى الله عليه وسلم- فلمَّا شهد على نفسه أربعة، قال: أبِكَ جنون؟ قال: لا، قال: اذهبوا به، فارجموه)) قال ابن شهاب فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجمه بالمصلى.
والشاهد من ذلك: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى بالرجم على هذا الرجل وهو في المسجد لما أتَى إليه وناداه وأخبره بما أخبره به.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي آخر نقطة فيه وفي هذا اللقاء، وهي بعنوان: "المسجد دار للرعاية الاجتماعية والصحية":
لقد كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقسم الأموال الواردة إليه على ذوي الحاجات، فإن لم تكن هناك أموال وكان الناس في حاجة، دعا الأغنياء إلى البذل والإنفاق، وقام بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين في المسجد أيضًا، وفي أوقات الحرب يمكن أن يتخذ المسجد مأوًى لمن يلجأ إليه ويحتمي فيه، ودار للإسعاف عند الضرورة.
وعن المنذر بن جرير، عن أبيه -رضي الله عنه- قال: ((كنا في صدر النهار عند رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فجاءه قوم عراة مجتاب النمار -والنمار: كساء من صوف مخطط، أو العباء-
(1/240)
________________________________________
متقلدي السيوف، عامتهم بل كلهم من مضر، فتمعَّر وجه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لِمَا رأى بهم من الفاقة فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى، ثم خطب فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ} تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره -حتى قال -صلى الله عليه وسلم-: ولو بشق تمرة، فجاء رجل من الأنصار بِصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يتهلل كأنه مُذهبه -صلى الله عليه وآله وسلم- وذلك من الصفاء والاستنارة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: مَن سن في الإسلام سنه حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليها وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا)) وهذا الحديث في مسلم.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((أصيب سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه- يوم الخندق، رماه رجلٌ من قريش -يقال له: ابن العرقة- في الأكحل -والأكحل: عرق في اليد- فضرب عليه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- خيمة في المسجد؛ ليعوده من قريب)).
وهذا يدل على أن المسجد في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان دارًا للرعاية الاجتماعية والصحية.
وهكذا يجب أن تكون مساجد المسلمين اليوم، تشفي وتغلي، وتقدم النافع والمفيد للمسلمين في شتى مجالات الحياة، وعلى أهل الإسلام -وعلى الدعاة منهم بوجه أخص- أن يعتنوا برواد المساجد، وبالأحياء التي تكون حول هذه المساجد، وأن يقدموا لها الخدمات الجليلة النافعة.
(1/241)
________________________________________
وأود أن أنبه عموم المسلمين إلى ضرورة أن تكون المساجد خالصة لوجه الله وحده دون سواه، فلا يذكر فيها سوى اسم الله -تبارك وتعالى- ولا يتقرب العبد بعمل هناك إلا إذا أراد به وجه الحق -تبارك وتعالى- والدار الآخرة.
وأكتفي بهذا، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

2 - المدرسة، وأهميتُها في الدعوة والتربية

دعوة الطلاب إلى الله في المدارس والجامعات:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آلة وأصحابه، ومن اهتد بهديهم إلى يوم الدين وبعد:
عنوان المحاضرة: "المدرسة، وأهميتها في الدعوة والتربية" وهذا العنوان يدخل تحت العنوان الكبير: "أهم ميادين الدعوة إلى الله".
وقد تكلمت في اللقاء السابق عن المسجد وعن دوره في ذلك، وأتكلم في هذا اللقاء -إن شاء الله كما ذكرت- عن المدرسة وأهميتها في الدعوة والتربية.
وهذه المحاضرة تشتمل على عناصر، العنصر الأول بعنوان: "دعوة الطلاب إلى الله في المدارس والجامعات" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- أهمية الدعوة إلى الله بين طلاب المدارس والجامعات:
تظهر أهمية الدعوة إلى الله -عز وجل- مع هذا القطاع من الناس - أعني: بهم الطلاب في المدارس والجامعات- لأنهم من أهم قطاعات المجتمع، وذلك أنهم هم مثقفو الأمة وعقلها الناضج، وهم مستقبل الأمة وعناصر القيادة والتوجيه فيها، وهم نبض الأمة ووعيها وقدرتها على التطور، ولو ربي هؤلاء الشباب، وعلِّموا على المستوى الذي يلائم طموح كل بلد إسلامي، لقفزت هذه البلدان خطوات واسعة في ركب التقدم والعلم، تجعلها قادرة على مواكبة المتغيرات المستمرة في حياة البشر، المتجهة إلى أن يستريح الإنسان بالآلة، وأن يحقق أكبرَ قدر من الربح بأقل قدر من الجهد في أقل وقت من الزمان، وبأدنى قدر من التكاليف.
إن العلم يتجه بالناس هذا الاتجاه منذ ما سمي بعصر النهضة، ولا يزال يوالي بلوغ هذه الأهداف، ولن يستطيع العالم الإسلامي مواكبة ركب التقدم العلمي بهذه الصورة السريعة، إلا إذا عُني بتربية الطلاب في مدارسهم وجامعتهم، العناية التي تجعل منهم علماء ومكتشفين لا مجردَ متلقين، يحشون أذهانهم بمعلومات ومعارف لا تفتق ذهنًا ولا تدعو عقلًا إلى التفكير والابتكار.
(1/242)
________________________________________
وإن ذلك ليقتضي إعادة النظر بصدق وإخلاص في كل ما يتصل بالتعليم على كافة مستوياته وأنواعه، ابتداء من ضرورة إعداد المعلم إعدادًا جيدًّا على كل مستوى من مستويات عمله، ومرورًا بتوفير التمويل اللازم للتعليم، وإعطاء هذا التمويل أولوية على كل شيء في المجتمع؛ لأنه الاستثمار الحقيقي، وتوفير الأمكنة الملائمة، والارتفاع بالمستوى الكيفي للتعليم، مع العمل الدائب على محو الأمية محوًا كاملًا، وإعادة النظر بناء على ذلك في المناهج التعليمية بالمعنى الواسع للمنهج الذي يتناول كلَّ ما له صلة بعملية التعليم والتعلم؛ ذلك لأن الإسلام يدعو إلى العلم، وأول الآيات نزولًا فيه كانت دعوة إلى القراءة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} (العلق: 1، 2).
وإن إعادة النظر هذه -أعني: في عملية التعليم والتعلم والاهتمام بها- تتطلب وضوح السياسة التعليمية التي يتم وفق أهدافها كل هذا التغيير.
ب- عناية الدعاة بأهداف السياسة التعليمية:
إن عناية الدعاة بأهداف السياسة التعليمية مهم للغاية في تكوين الجيل الذي يبني أمته ويفيد مجتمعه؛ لأنه يساهم في أن تكون هذه المناهج سليمة صحيحة، تخرِّج أجيالًا تعرف مكانتها ومهمتها بعد أن تلقت التعليم المناسب للعصر الذي تعيش فيه، ويمكنني هنا أن أجمل السياسة التعليمية فيما يلي:
أولًا: اعتبار العالم الإسلامي وحدة واحدة، يجب أن تسودها ثقافة إسلامية معينة، وما يترتب على هذا الاعتبار.
ثانيًا: بناء الشخصية الإسلامية القادرة على التفاعل مع قضايا المجتمع التي تعيش فيه، وقضايا العالم الإسلامي كله، وعلى مواجهة كل المتغيرات.
ثالثًا: العمل على إقامة المجتمعات الإسلامية الملتزمة بخلق الإسلام وأدبه ومنهجه
(1/243)
________________________________________
ونظامه.
رابعًا: العمل على بناء المجتمعات الواعية المنتجة المسهمة في التنمية الشاملة.
خامسًا: العمل على تكوين أجيال من العلماء.
هذه -باختصار شديد- أهداف السياسة التعليمية، الذي يجب على الدعاة أن يحرصوا على تحقيقها والعناية بها، ويجب أن يكون التعليم وفق هذه السياسة، وأن يتم بناءً على تصورها؛ لأن هؤلاء الطلاب هم عصب الأمة الإسلامية، عصب فكرها، وعصب عملها، وعماد نهضتها، ومؤشرات مستقبلها، وإن أي مجهود يبذل في مجال إعداد الطلاب سواء أكان ذلك من الدول أم من الدعاة، لهو المجهود الطيب الذي يحقق أفضلَ النتائج على مستوى العالم الإسلامي كله.
ولذلك فإنني أدعو الدعاة إلى الله -عز وجل- أن يهتموا بأهداف السياسة التعليمية وصياغتها، وأن يفقهوا معناها، والمقتضيات التي تحتاج إليها.
جـ- تواصل الدعاة مع الطلاب، ودعوتهم إلى الخير:
على الدعاة إلى الله تعالى أن يعتنوا كل العناية بالطلاب، وأن يكونوا دائمًا على مقرُبة منهم، يذهبون إليهم في مدارسهم وجامعاتهم، ولا يدعون فرصة يتجمع فيها الطلاب إلا ويكونوا لهم فيها حضور؛ بل رعاية وتوجيه.
ويمكنني هنا أن أطرح سؤالًا وأجيب عليه، وهو: كيف يستطيع الدعاة إلى الله أن يصلوا إلى أماكن تجمع الطلاب؟
والجواب: إن زيارة الدعاة إلى الله -عز وجل- للمدارس بالتفاهم مع مديريها إحدى فرص هذا الاتصال، وإن كون أحد الدعاة وليًّا لأمر طالب في المدرسة فرصة ثانية، وإن عمل أحد الدعاة بالتدريس في المدرسة أو الجامعة فرصة ثالثة، وإن توثيق الصلة ببعض المدرسين والعاملين في المدرسة فرصة رابعة، وإن هناك فرص عديدة يعرفها الدعاة، وتكون أنسب لظروف المدرسة وظروف الجامعة وظروف
(1/244)
________________________________________
البيئة المحيطة بهما، وعلى الدعاة إلى الله -عز وجل- أن يذهبوا إلى هؤلاء الطلاب في مدارسهم وفي جامعاتهم وفي أماكن وجودهم المختلفة، وأن يسلكوا السبل والطرق والوسائل المؤدية إلى تحقيق ذلك.
وإن عمل الدعاة مع الطلاب، يجب على أن يكون على النحو التالي، أو ما هو قريب من هذا النحو:
يعني: بعد أن يصل الداعي إلى الله -عز وجل- ماذا يجب عليه أن يفعله بعد ذلك مع عموم الطلاب؟
يجب عليه التوعية العامة بالإسلام، وذلك في باب العقيدة والشريعة والأخلاق والآداب والسلوك، ويجب عليه أن يوجه هؤلاء الطلاب إلى ضرورة الاهتمام بالعلم والتفوق فيه، وأن يرشدهم إلى تحسين الصلة بالأساتذة وبالطلاب وبكل العاملين في المدرسة، وأن يؤكد عليهم على ضرورة حب القراءة والاطلاع والثقافة العامة، والإلمام بقضايا الوطن وقضايا العالم الإسلامي، والعالم كله، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية.
وعلى الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- أن يشجعوا الطلاب على ارتياد المكتبة في المدرسة أو الكلية أو المكتبات العامة، وأن يهتموا بالقضايا الفكرية والثقافية على مستوى العالم العربي والعالم الإسلامي كله؛ حتى يعرفوا ما حولهم، وحتى يفقهوا القضايا التي تدور في مجتمعاتهم، أو في المجتمعات البعيدة عنهم.
وعلى الدعاة أيضًا إلى الله -تبارك وتعالى- أن يشجعوا الطلاب على أن يهتموا بالأحياء التي يقيمون فيها أو المدينة الجامعية، من حيث الاهتمام بالنظام والنظافة وبخاصة المساجد، وما يجب أن تلقاه من رعاية وعناية؛ لأن تلك هي التي تجعل الطالب إيجابيًّا نحو نفسه، وزملائه، وبيئته، ووطنه، والعالم الإسلامي كله.

الدعوة إلى الله بين المدرسين، وأساتذة الجامعات
"الدعوة إلى الله بين المدرسين وأساتذة الجامعات" ويشتمل على العناصر التالية:
أ- أهمية الدعوة بين المدرسين والمدرسات:
للدعوة بين المدرسين والمدرسات أهمية قصوى تزيد على أهمية أي فئة من الفئات التي تحدثنا عنها آنفًا، لماذا؟ لأنهم هم الذين يتولون تربية الأجيال،
(1/245)
________________________________________
وصياغة الأطفال، واليافعين والشباب، صياغةً تجعلهم صالحين لممارسة الحياة الاجتماعية السليمة، وصالحين لمواصلة طلب العلم والتفوق فيه، وصالحين لأداء واجبهم في الحياة على نحو جيد، يحققوا أملَ الوطن والأمة الإسلامية كلها.
إنَّ على هؤلاء المدرسين عبئًا ضخمًا وعملًا جليلًا في بناء هذه الأجيال بناءً صحيحًا، لا للمواطنة الصالحة فحسب -وإن كان هذا أمرًا مطلوبًا- ولكن أيضًا لبناء الإنسان الصالح للتعامل مع وطنه وعالمه الإسلامي كله، وقبل ذلك كيف يتوجه إلى رب العزة والجلال سبحانه، وأن يسير في كون الله وفق ما أراد الله -تبارك وتعالى- منه، وإن هذا البناء لعمل عظيم متشابك متعدد الأبعاد، يبدأ ببناء العقيدة الإيمانية الصحيحة، ثم الأخلاق الإسلامية المستقيمة على جادة الحق دائمًا، ثم بناء العقول القادرة على الفهم والتعمق فيه، والبحث والعلم، ثم بناء الأبدان الصحيحة التي تستطيع أداء الواجب الشخصي والاجتماعي والعالمي.
ثم إن هذه أيضًا تبني بعد ذلك -أعني: العقيدة الإيمانية الصحيحة - النفسية السوية التي تتجاوب مع أداء الواجب، وتقبل عليه بسعادة ورضا، وتخلو من الأمراض النفسية وما يسمى بالعقد، إنه بناء الإنسان المسلم، وكفى.
إن المدرسين إذا كانوا قادرين على هذه العطاء، فإنهم يسهمون بقدر ضخم في بناء الإنسان المسلم والوطن المسلم والأمة المسلمة، وإذا عجزوا عن ذلك، ضيعوا على الأمة الإسلامية خيرًَا كثيرًًا؛ بل عوقوها عن الوصول إلى أهدافها، وحالوا بينها وبين التقدم والرقي، وأخذ المكان اللائق بالمسلمين في الحياة.
ومن نافلة القول: التنبيه على أن المدرسات -وهن كثرة كاسرة في مجتمعاتنا الإسلامية- عليهن نفس العبء، ولهن نفس الأهمية والمكانة، وما ينبغي أن يكون هذا محل جدل أو نقاش، فلا شك أن التعليم للرجل وللمرأة، وهو للمرأة بشروط
(1/246)
________________________________________
معلومة لدى أهل العلم، وهي بينة بفضل الله -تبارك تعالى- وإن العناية بالمدرسات تستلزم أن يكون للحركة الإسلامية عدد ملائم من الداعيات إلى الله يسد فراغ الاحتياج إلى العمل مع المرأة في مجالات عملها المتعددة، وهذا أيضًا واجب من واجبات الدعاة إلى الله -عز وجل- أن يوجهوا دعوتهم إلى قطاع كبير في المجتمع من النساء؛ حتى ينشَأن على الفضيلة، ويتعلمن الخير، ويفقهن العقيدة والشريعة، ويعملن بما جاء في كتاب الله -تبارك وتعالى- وفي سنة النبي الكريم -صلى الله عليه وآله سلم.
إن المدرسين والمدرسات إذا صلحوا بإحسان إعدادهم، وبحسن أدائهم، تخلص المجتمع المسلم من كثير من سلبياته؛ بل يمكن أن أقول من كل سلبياته.
ب- واجب الدعاة نحو المدرسين والمدرسات:
ذكرت في النقطة الأولى أهمية الدعوة بين المدرسين والمدرسات، وبعد أن بينت أهمية الدعوة أيضًا لهذا القطاع، وبينت أن على عاتق هؤلاء -على عاتق المدرسين والمدرسات- يقوم بناء المجتمع، وتربية الأجيال، ومن هنا المهمة معهم والعمل معهم عظيم عظيم عظيم.
فإذا أدركنا أن العمل مهم بين المدرسين والمدرسات -وأعني بذلك: العمل الدعوي- أنتقل؛ لأذكر في هذه النقطة ما هو واجب الدعاة نحو المدرسين والمدرسات.
إن الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- بما منحهم الله من ثقافة وعلم وحسن تأتي للأمور، عليهم واجب ضخم مع المدرسين، لا يقل أهمية عن واجبهم نحو الطلاب، ويزيد عليه هنا فوق ما ذكرناه نحو الطلاب ما يلي:
أ- التوعية بواجب المدرسين، من حيث ما أمرهم الله به نحو أبنائهم الطلاب، ونحو عملهم الجليل الذي هو التربية، على الدعاة أن يوصلوا هذا للمدرسين والمدرسات، وأن يحثوهم على ما أمرهم الله -عز وجل- به من إحسان العمل وإتقانه، ورعاية تربية هؤلاء الطلاب.
ب- توعيتهم بقضايا المجتمع وقضايا العالم الإسلامي، الذي يهيئون له الأبناء؛ لأنهم إذا ما عرفوا قضايا المجتمع كيف يعدون الأبناء لمواجهة القضايا.
(1/247)
________________________________________
جـ- توعيتهم بقضاياهم الفنية، مثل: المشكلات المدرسية من حيث بناء المدرسة، وكثافة الفصول، والمشكلات المتعلقة بالمناهج والمقررات الدراسية، والمشكلات المتعلقة بوسائل الإيضاح، والمشكلات المتعلقة بالنشاط المدرسي، والمشكلات المتعلقة بمجالس الآباء، كل ذلك يشارك الدعاة فيه إلى الله -عز وجل - توعيةَ المدرسين والمدرسات بهذه المسائل، ولا شك أن هذا يحتاج إلى أن يعد الداعي نفسه أولًا لمثل هذه القضايا.
د - توعيتهم بقضاياهم المهنية، مثل: كليات إعداد المعلمين والمعلمات، ونظم القبول فيها، ونظم التعليم بها، ومثل: العبء المدرسي الملقى عليهم، وهل هو مناسب أو أكثر أو أقل مما ينبغي مثلًا، يعني: يعرف الداعي العبء التدريسي لدى كل مدرس، ويحرص على أن يكون العبء مناسبًا لكل مدرس من خلال التوجيهات التي يصلون بها إلى المسئولين عن التربية والتعليم؛ كي يفسحوا المجال للأستاذ للعناية والاهتمام بالطلاب، لأننا نتحدث في مثل ذلك عن المدرسة، وأهمية المدرسة في الدعوة والتربية.
هـ- من واجب الدعاة نحو المدرسين والمدرسات، تزويدهم بحصيلة إسلامية ثقافية، يواجهون بها حياتهم في المدرسة، وفي خارجها، من حيث هم أفراد مسلمون عليهم كثير من واجبات الدين.
وتوجيه عدد منهم من أهل الاستعداد إلى الانخراط في سلك العمل الإسلامي، على الدعاة إلى -عز وجل- وهم يعملون مع المدرسين والمدرسات، أن يقتنصوا منهم ما يجدون فيه استعدادًا للعمل الدعوي، وعليهم أن يجعلوا هذا المدرس يمر بمراحل في الدعوة إلى الله، فيعرفوه بالدعوة، وبطرق تنفيذها، والأساليب التي يصلون من خلال دعوتهم بها إلى الناس، كذلك
(1/248)
________________________________________
أيضًا على الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- أن يختاروا العناصر الأكثر استعدادًا وصلاحًا من المدرسين والمدرسات؛ لترشيحهم لعمل أكبر في مجال الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى.
جـ- مكانة أساتذة الجامعات في المجتمع:
أساتذة الجامعات هم صفوة أهل الفكر في المجتمع كله، ولذلك أود أن أفصِّل الحديث عنهم بصورة خاصة مستقلة، رغم أنهم يدخلون في الجملة في المدرسين والمدرسات، وما ذاك إلا لمكانتهم وأهميتهم، فهم -كما ذكرت- صفوة أهل الفكر في المجتمع كله، وعلى أيديهم تتم عملية التوجيه لقيم المجتمع ومعنوياته، وببحوثهم ودراساتهم يتم تطوير ماديات المجتمع، وحاجات هذا المجتمع.
وإن اندماج أساتذة الجامعات في مشكلات المجتمع وقضاياه كلها، وتصديهم لدراستها وتشخيصها، ووضع الخطط لحلولها، لهو الوضع الأمثل لقادة الفكر والعلم في أي مجتمع؛ بل هو النظرة الدقيقة للأشياء، ووضعها في موضعها الملائم.
إن المجتمعات المتقدمة الآن يشارك فيها أساتذة الجامعة مشاركة نظرية عملية في تطوير كل قطاع من قطاعاتها، زراعة أو صناعة أو خدمات أو استثمار أو مصارف، أو كل ما له علاقة بحياة الناس؛ بل إن هذه المجتمعات ما تقدمت إلى هذا الحد الذي نرى إلا باستعانتها بهؤلاء العلماء، ولن تستطيع هذه البُلدان أن تخطو في سبيل التنمية والتقدم، إلا إذا استعانت بأبنائها، لا بالأجانب من العلماء.
إن كثيرًا من الشركات والمصانع والمؤسسات في بلدان أوربا وأمريكا، لا تخطط لتطوير عملها وتحسينه إلا بمساعدة أساتذة الجامعات، ولهذا تتقدم هذه البلدان، وتستمر في التقدم الذي نسمع عنه ونشاهده.
(1/249)
________________________________________
إن تنسيقًا ضروريًّا يجب أن يتم بين المؤسسات والشركات والمصانع؛ بل الحكومات وأساتذة الجامعات، يفضي إلى تعاون يحقق صالح المجتمعات الإسلامية، إن هذه المؤسسات لا بد أن ترصد في موازنتها مبالغ لتطوير إنتاجها نحو الأحسن، وإن هذه المبالغ ينبغي أن توجه إلى الجامعات، أو إلى أقسام علمية بعينها فيها؛ لتتم الدراسات والبحوث في هذا المجال الحيوي من قطاعات المجتمع نفسه، ولا يمكن للدول بحال أن تجد مثلَ أساتذة الجامعات في العلم والفقه والتصرف في الأمور، وبناء المجتمع، والتخطيط المستمر، وما إلى ذلك مما يحتاج إليه المجتمع.
ولذلك يجب على الدعاة أن يقوموا بأعمال كبيرة مع أساتذة الجامعات، وهذا ما سأبينه في النقطة التالية في هذا العنصر، وهي:
د- عمل الدعاة مع أساتذة الجامعات:
بعد أن بينت مكانة أساتذة الجامعات في المجتمع، أود هنا أن أوجه كلمة للدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- فأقول:
إن رجال الجامعات -بحكم عملهم- ينتمون إلى العلم والفكر والبحث على أعلى المستويات، وإن للدعاة إلى الله معهم لعملًا جليلَ القدر، عظيمَ النفع، يتمثل فيما يلي:
أ- إقناعهم بضرورة الانتماء إلى الإسلام، لا الاكتفاء بانتمائهم للعلم وحده، فإذا كان أساتذة الجامعات مؤمنين بدين ومبدأ، وينتمون إلى هذا الدين وذاك المبدأ، فإن إخلاصهم للعلم والعمل سيكون أكبر وأحسن، وإن تفانيهم في خدمة دينهم عن طريق العلم وفي خدمة أوطانهم وأمتهم الإسلامية كلها، ستكون أكثر إثراءً للعمل والإنتاج، وسوف يسهمون بذلك في تقدم ونهضة ملحوظين.
وهذا هو أول أمر أوجه فيه الدعاة إلى الله -عز وجل- من عمل مع أساتذة الجامعات، إن الانتماء إلى دين الإسلام أمر مهم للغاية بين أساتذة الجامعات، ولا أعني انتماء باللسان فقط، وإنما أعني بذلك الانتماء الحقيقي الفعل، المبني على طاعة الله وطاعة كتابه، واتباع وطاعة رسول الهُدى والرحمة -صلوات الله وسلامه عليه.
(1/250)
________________________________________
ب- تنبيههم إلى أن أسلافنا من العلماء الأفذاذ هم الذين أقاموا صرح علم وحضارة، لم تكن البشرية قد وصلت إلى مستواها إلا على أيديهم، وأن هذا العلم وتلك الحضارة هي التي بنت عليها أوربا نهضتها الحديثة في مجال العلم والتقنية، إن المنصف من الأوربيين وأهل الحضارة الغربية بصورة عامة، يعلمون أنهم أقاموا حضارتهم اليوم على ما كان عند المسلمين في السابق، وهذا يدعو أهل الإسلام اليوم إلى أن يسعوا سعي آبائهم السابقين، وأن يخططوا تخطيط السابقين، وأن يتفوقوا على المجتمعات المعاصرة كلها اليوم، وهم أولى بذلك، ودينهم يدعو إلى هذا.
وقد كان السابقون من المسلمين علماء في كل فن، وبرعوا في كل اتجاه نافع ومفيد، ودلالة ذلك واضحة من التاريخ.
جـ- عقد الصلات الطيبة بهم، أعني: أن يعقد الدعاة إلى الله -عز وجل- صلات طيبة مع أساتذة الجامعات، وأن يقتربوا منهم اقترابًا شديدًا، وأن يتعرفوا على أنشطتهم المتعددة العلمية وغير العلمية، التي يمارسونها في جامعاتهم، وفي أنديتهم، وملتقياتهم، ورحلاتهم، والعلة في ذلك أن يحرص الدعاة إلى الله -عز وجل- إلى توجيه أساتذة الجامعات إلى النافع المفيد في هذه الأنشطة، وأن يتركوا ما لا فائدة منه، وأن يوجهوهم توجيهًا سليمًا عندما يذهبون إلى المنتديات أو يخرجون في رحلات، فلا يرتكبون منكرًا، ولا يقولون زورًا؛ بل عليهم أن يقوموا في ملتقياتهم كلها بمراقبة رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.
(1/251)
________________________________________
د- المشاركة بالمحاضرات والندوات في مختلف الأنشطة الثقافية التي يمارسها أساتذة الجامعات في مختلف المناسبات، إن على الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- أن يشاركوا أساتذة الجامعات في المحاضرات والندوات التي تقام في الملتقيات والأنشطة الثقافية، وهذا يدعوني إلى أن أقول للدعاة: عليكم بإعداد أنفسكم إعدادًا جيدًّا؛ حتى تتمكنوا من مشاركة هؤلاء العلماء الأفذاذ في هذا المجتمع، كي ينهض الجميع بهذا المجتمع إلى ما يرضي رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.

دور المدرسة في تحقيق أهداف التربية الإسلامية
"دور المدرسة في تحقيق أهداف التربية الإسلامية" ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- المقصود بالتربية:
التربية: هي كل المؤثرات الموجه التي يُراد منها أن تصوغ كيان الإنسان، وتهدي سلوكه في كل نواحي الحياة، جسدية كانت، أم عاطفية، أم اجتماعية، أم فكرية، أم فنية، أم أخلاقية، أم روحية، فالتربية تشمل كل المنظمات والعوامل والأساليب والطرق التي تدخل في نطاق الفعاليات التهذيبية، التي تهذب سلوكَ أبناء المجتمع.
هذا هو تعريف التربية باختصار.
أنتقل بعد ذلك إلى نقطة مهمة للغاية، وهي بعنوان:
ب- أهداف التربية الإسلامية:
وعندما أتحدث عن أهداف التربية الإسلامية، أود أن أوجه أنظار المدرسين والمدرسات والدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- أن يهتموا بها، وأن يعتنوا بها، وأن يوجهوا إليها الأساتذة والطلاب أيضًا.
أهداف التربية الإسلامية كثيرة، أذكر منها:
أولًا: إخلاص العبادة لله -تبارك وتعالى- وتثبيت أسس العقيدة الإسلامية:
الله -تبارك وتعالى- يحدد مهمة وجود الخلق، فيقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: من الآية: 56) وهذه العبادة لا تصرف إلا الله -تبارك وتعالى- وحدَه دون سواه، قال الله -تبارك وتعالى-: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} (النساء: من الآية: 36) ووصف عبادَه الذين يمكنهم في الأرض بأنهم يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وقال جل ذكره: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف: من الآية: 110) وقال -سبحانه وتعالى-: {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} (يوسف: 40).
(1/252)
________________________________________
فالعبادة في مظهرها العام هي الترجمة العملية لمشاعر الفرد نحو خالقه، وخضوعه واستسلامها له، وهي التي تربط الفرد بمجتمعه؛ لأن العبادات كلها تهدف إلى تماسك المسلمين، وترابطهم واتحادهم في المنهج والمصير، ولا أعني أن العبادة قاصرة على مناسك التعبد المعروفة من صلاة وصيام وزكاة، وإنما هي أعمق من ذلك، إنها العبودية لله وحده، والتلقي من الله -تبارك وتعالى- في أمر الدنيا والآخرة، أو هي إسلام الوجه لله -تبارك وتعالى- في جميع مناحي الحياة، أن يسلم العبد وجهه لله -عز وجل- بالكلية، فلا يعمل عملًا من أمور الدنيا إلا إذا قصد به وجه الله -تبارك وتعالى- وأدرك أن هذا العمل يحتاج إليه المجتمع المسلم، وينفعه ويفيده.
فالعبودية لله تقتضي الخضوع الكامل لله -عز وجل- وأن يتلقى العبد من ربه ومولاه، ثم هي صلة دائمة بالله -تبارك وتعالى- وهذه الصلة في الحقيقة هي منهج التربية كلها.
والعبادة بهذا المعنى الواسع إنما قيمتها أن تكون منهج حياة، يشمل كل الحياة.
وهذا الهدف الذي تسعى التربية على تأصله وتعميقه، هو هدف مستمد من طبيعة المجتمع المسلم وسماته، ذلك المجتمع الذي يقوم على إخلاص العبادة لله وحده، وتحرير الإنسان من عبادة غير الله، ذلك المجتمع القائم على حكم الله وشريعته، فلا يصدر المجتمع في أمر من أموره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والتنظيمية، إلا من منهج الله وشريعته، والاستسلام له، وهذا هو معنى لا إله إلا الله.
وعلى الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- أن يعرفوا معناها، وأن يعملوا بمقتضاها، وأن يبينوها للأمة، وأن يعرفوا أن تثبيت أسس العقيدة الإسلامية هدف أصيل من أهداف التربية الإسلامية، يضعه الدعاة نصب أعينهم، ويعرفون به الأساتذة، ويدعون الأساتذة في سائر مجالات التعليم المختلفة إلى أن يعرفوا هذه
(1/253)
________________________________________
الأهداف، وأن يتمسكوا بها، وأن يبينوها للطلاب، وعلى رأس الأهداف -كما ذكرت- الهدف السامي النبيل، ألا وهو إخلاص العبادة لله -تبارك وتعالى.
الهدف الثاني من أهداف التربية الإسلامية تربية الأخلاق:
والأخلاق أيضًا من أسمى أهداف التربية الإسلامية الصحيحة، وقد وصف الله -تبارك وتعالى- نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} (القلم: 4) وقال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقًا)) تأملوا فضيلة الخُلُق، وكيف أنه هدف نبيل من أهداف التربية الإسلامية.
على الدعاة أن يعتنوا به، وكانت عناية المسلمين منصبة على دراسة العلوم الدينية، وأولها القرآن والحديث وغيرهما؛ لأنها أساس الأخلاق، وجماع الفضائل، وبها تتعمق المعاني الطيبة في النفوس، ونجد مثلًا عبد الملك بن مروان يحدد لمؤدب ولده الوسائلَ المؤدية لحسن الخلق، وكمال النفس، فيقول: علمهم الصدقة كما تعلمه القرآن، وجنبهم السفلة، فإنهم أسوأ الناس ورعًا، وأقلهم أدبًا، إلى آخر ما ذكر له من ذلك.
ومن الأخلاق تتفرع الحكمة، وحسن التدبير، والفطنة لدقائق الأمور، وجودة الرأي والشجاعة، والكرم والشهامة، والمروءة وقوة الاحتمال، والثبات وكظم الغيط، والوقار، والعفة والحياء، والصبر والورع، والقناعة والعفو، وعزة النفس وقلة الطمع، وبالأخلاق الحسنة يتجنب الحمق والتهور، والتجبر والصرف والخوف والجزع، ودناءة النفس، وقبول المهانة، والذل والبخل، وغلظته في معاملة الناس، وإساءة الظن بهم، والحسد والمن والشماتة واستحقار الآخرين، وقد كان -صلى الله عليه وآله وسلم- من أحسن الناس خلقًا، قال الله -تبارك وتعالى- عنه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة: من الآية: 128).
(1/254)
________________________________________
لذلك لا بد من تدريس الأخلاق نظريًّا، وممارستها واقعيًّا، وعدم التهاون فيها، ومراقبة السلوك الحسن والخلق الحميد داخل المدارس والمؤسسات، وجميع مناشط الحياة، بل لا بد أن تختم المواد كلها هذا الهدف السامي، وتؤكده، ولا بد أن تسود المناشط التربوية كلها؛ لتعميق معانيه، وترسيخ أسسه، وعلى الدعاة أن يهتموا بذلك غاية الاهتمام.
ثالثًا: نشر العلم والثقافة:
نشر العلم والثقافة من أهداف التربية الإسلامية، والملاحظ أن المجتمعات الإنسانية كلها في الشرق والغرب، تتخذ نشرَ الثقافة ونقلها بين الأجيال هدفًا أساسيًّا في نظامها التربوي، والإسلام دعا أول ما دعا إلى جعل التعليم فريضة على كل مسلم رجلًا كان أو امرأة، فالتعليم كما هو هدف فهو وسيلة إلى الهدفين السابقين - أعني: إخلاص العبادة لله، وتربية الأخلاق- لا شك أن هذا الهدف السامي النبيل ألا وهو نشر العلم والثقافة هدف نبيل أيضًا، ووسيلة إلى تحقيق الهدفين السابقين، ووسيلة أيضًا لفهم الحقائق الاجتماعية والسياسية والروحية.
فقد كانت الأمة الإسلامية كلها أول الأمر في مدرسة واحدة، هي مدرسة محمد -صلوات الله وسلامه عليه- التي كانت تعلم وتثقف، وترسل الدعاة والمعلمين، وتفتدى الأسرى إذا ساهموا في نشر التعليم، ويحث المتعلمين على القيام بواجب التعليم والتثقيف، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم؛ لعلهم يحذرون، وقال الرسول -صلى الله عليه وآله سلم- لمعاذ: ((لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النَّعم)).
والقرآن يحث على طلب العلم والسعي في سبيله، قال تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122) وقال -تبارك وتعالى-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)
(1/255)
________________________________________
وقد ورد عن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا إلى الجنة)) وقال: ((إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؛ رضا بما يصنع)) وكلنا نعلم مكانة العلماء، فهم الذين يحققون أسبابَ وجودهم في الحياة، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28) وقال -جل ذكره-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11).
وقد ذكر الله -عز وجل- العلماء بعده وبعد الملائكة؛ تشريفًا وإجلالًا، فقال سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} (آل عمران: من الآية: 18) والعلماء هم ورثة الأنبياء، يستغفر لهم ما في السموات والأرض، وتشتغل الملائكة بالاستغفار لهم، وهم مفضلون على العباد.
وفي الآثار قال أبو الأسود الدؤلي: ليس بشيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
رابعًا: من أهداف التربية الإسلامية العمل، والحث عليه:
إن احترام العمل والتشجيع على ممارسته من أهم أهداف التربية الإسلامية ومقوماتها، فقد كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- يدفع أصحابه للعمل، ويحثهم عليه، ويخبرُ بأن الله يحب اليد العاملة: ((ولئن يأخذ المسلم حبله فيحتطب، خيرًا له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه)) والتدريب على العمل المهني لا بد من ربطه ببناء العقول والأخلاق: ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه)).
ومن أهم ثمار الأهداف السابقة احترام العمل وإتقانه؛ لارتباط ذلك بالتقوى وخشية الله ومراقبته، وبالأمانة وتقدير المسئولية، لذا فلا بد من أن يتضمن المنهج إلى جانب الناحية النظرية فيه، برامج تكليفية في أيام من السنة أو أشهر الصيف؛
(1/256)
________________________________________
لممارسة وتعلم مهنة صناعية أو زراعية أو تجارية، وعلى الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- أن يعتنوا بهذا الجانب في المدرسة، وأن يوجهوا إلى ذلك المسئولين فيها والإداريين، وأن يعتنوا بصورة خاصة بالمدرسين والمدرسات.
جـ- أهمية دراسة علوم التربية الإسلامية:
وأنا أتحدث هنا عن المدرسة وأهميتها في الدعوة والتربية، أرى - لزامًا عليَّ- أن ألفت النظر إلى دراسة وأهمية دراسة علوم التربية الإسلامية، وأدعو الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- أن يعرفوا ذلك، وأن يبينوه لغيرهم.
وأهمية دراسات علوم الإسلامية تكمن في أن علوم التربية الإسلامية توجه الطالب نحو معرفة دين الإسلام، فهو الشريعة التي ارتضاه الله -تبارك وتعالى- لخلقه، فإن عملوا به واتبعوا ما جاء فيها نالوا السعادة الدنيوية والأخروية، وإن تركوها وراء ظهورهم ولم يعملوا بها، أدركهم الشقاء في الدنيا، وأدركهم كذلك العقاب الشديد في الآخرة، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153).
وأيضًا علوم التربية الإسلامية تغرس في الطالب العقائد الصحيحة، فيعلم أن الله تعالى خالقه ورازقه، وهو المنعم المتفضل عليه، ويؤمن بأن الرب -سبحانه وتعالى- هو المتفرد بالخلق والملك والتدبير، ويؤمن أيضًا بأن الله تعالى هو المعبود المستحق للعبادة، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 6) ويؤمنوا بكل ما ورد في القرآن الكريم والحديث الصحيح من صفات الله تعالى التي وصف نفسه بها، ووصفه بها رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- على الحقيقة، من غير تأويل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، ويؤمن بأركان الإيمان، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
ودراسة علوم التربية الإسلامية أيضًا تصون فطرة الولد من الزيغ والانحراف، حيث يُولد على الفطرة النقية الصافية وهي الإسلام، قال الله تعالى مبينا
(1/257)
________________________________________
ذلك: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30) وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)).
وهذه الفطرة التي زودها الله تعالى لخلقه هي براءة المولود وسلامته واستعداده للتوحيد والإسلام، ومعرفة الله تعالى، وأن يكون مؤهلًا لقبول الحق.
وأيضًا من أهمية دراسة علوم التربية الإسلامية أنها تكسب الطالب الأخلاقَ الحميدة، والسجايا الرفيعة، والفضائل الكريمة، التي تمكنه من إقامة العلاقات الحسنة مع كافة الناس، بالأخلاق الحسنة تقوي صلة الطالب بربه -تبارك وتعالى- والتربية الإسلامية هي التي تكسب الطالب ذلك، ولهذا على الدعاة أن يهتموا غاية الاهتمام بهذا الأمر، حيث يرى علماء الإسلام أهميةَ تدريس علوم التربية الإسلامية للناشئ وضرورتها وفرضيتها؛ لأنه العلم العيني الفرضي الذي يجب على المسلم معرفته، والتفقه فيه.
وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) وبدون علوم التربية الإسلامية يصبح الإنسان ميتًا لا حياةَ فيه، أو جسدًا لا روحَ فيه، وقد ذكر العلماء من ضمن قواعدهم: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
وعلى هذا الأساس أدعو إلى الاهتمام بتدريس علوم التربية الإسلامية، وأدعو الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- أن يكونوا على علم وبصيرة بهذا الأمر، وأن يزيلوا الجهل عن الطالب، وأن يعلموه النافع المفيد.
وعمومًا أدعو جميعَ المسئولين في التربية والتعليم إلى إخلاص القصد لرب العزة والجلال سبحانه، وأن يضعوا نصبَ أعينهم فائدة هؤلاء الطلاب، وأن هؤلاء الطلاب هم سواعد الأمة، عليهم بعد الله -عز وجل - تقوم.
أسأل الله -تبارك وتعالى- للجميع التوفيق والسداد، وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله.
(1/258)
________________________________________
الدرس: 8 أهم ميادين الدعوة والإعلام الإسلامي.
(1/259)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن
(أهم ميادين الدعوة والإعلام الإسلامي)
1 - من أهم ميادين الدعوة إلى الله "وسائل الإعلام"

مقدمات في الإعلام
الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
فأرحب بكم أيها الأخوة الكرام، في بداية المحاضرة الخامسة عشرة في سلسلة محاضرات مادة: أصول الدعوة وطرقها، وعنوان هذه المحاضرة من أهم ميادين الدعوة إلى الله: وسائل الإعلام.
وتشتمل على عدة عناصر؛ العنصر الأول: بعنوان مقدمات في الإعلام ويشتمل على النقاط التالية:
أ- تعريف الإعلام الإسلامي:
الإعلام الإسلامي: هو تزويد الجماهير بصفة عامة بحقائق الدين الإسلامي، المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، من خلال وسيلة إعلامية دينية متخصصة، أو عامة، وبواسطة قائم بالاتصال لديه خلفية واسعة ومتعمقة في موضوع الرسالة التي يتناولها؛ وذلك بغية تكوين رأي عامٍّ صائبٍّ، يعي الحقائق الدينية، ويدركها، ويتأثر بها في معتقداته وعباداته ومعاملاته.
والمفروض أن الإعلام يقوم على الوضوح والصراحة، ودقة الأخبار مع ذكر مصادرها، كما أنه يشترط الالتزام بمعايير الصدق والأمانة، فالإعلام: هو تزويد الجماهير بأكبر قدر ممكن من المعلومات الصحيحة، والحقائق الواضحة، التي يمكن التثبت من صحتها أو دقتها بالنسبة للمصدر الذي تنبع منه، أو تنتسب إليه.
وبقدر ما في الإعلام من حقائق صحيحة، ومعلومات دقيقة، منبثقة من مصادر أمينة؛ بقدر ما يكون هذا الإعلام سليمًا وقويًّا؛ لذلك نجد أن الصحف والإذاعاتِ، وغيرها من أجهزة الإعلام، تحرص دائمًا على ذكر المصادر التي استقت منها الأخبار، مثل وكالات الأنباء أو غيرها من المصادر؛ حتى يكون الجمهور على بينة من الأمر.
(1/261)
________________________________________
ب- الإعلام قديم قدم الإنسان:
لقد عرف الإعلام إلى كل البيئات، واحتل مكانه في كل العصور، ذلك أن مطالب الإنسان لا تقتصر على تزويده بالحاجات المادية: كالطعام والشراب والمأوى، ولكنها تتعدى ذلك إلى رغبته في الاتصال بأمثاله من ذوي البشر، وتعتبر هذه الرغبة في الاتصال، من المطالب الأساسية التي أصبحت ضرورة حيوية للحفاظ على الجنس البشري.
والإعلام لم يكن وليد عصر من العصور أو حضارة من الحضارات؛ فلا يوجد مجتمع من المجتمعات مهما تفاوتت درجة تقدُّمه أو تخلُّفه، كما لا يوجد زمن من الأزمنة قديمًا كان أو حديثًا أو وسيطًا، إلا واحتل الإعلام مكانة فيه ذلك لأن الإنسان بطبيعته لا يستطيع الاكتفاء بأخباره الشخصية فقط، أو أخبار المجتمع المحدود الذي يحيا بداخله: كمجتمع القرية أو القبيلة أو الأسرة؛ ذلك أنه من الصعب أن تسير الحياة دون أن يتصل الناس بعضهم ببعض.
وقد كان الإنسان في المناطق النائية -كما كان العربي في الصحراء على سبيل المثال- يعرف بخبرته وتجاربه الضيقة مواضع الكلأِ، ومنابع المياه، ومطالع النجوم الذي يهتدي بها السائرون في البر والبحر، كما يعرف -بطريقة بدائية أيضًا- أخبار القبائل المجاورة من قبيلته، وطبيعة هذه القبائل، وعاداتها وتقاليدها، ونوع العلاقات التي بينها وبين القبائل المجاورة، وكانت لديه معلومات حصل عليها بهذه الوسيلة، وتركزت أهم وظائف الإعلام في ذلك الوقت، في تبليغ المنشورات والأوامر التي كانت يصدرها الحاكم أو السلطان، كما كانت الدعوة العامة إلى الجهاد إحدى الوظائف الأساسية للإعلام في ذلك الحين.
وهكذا عرفت المجتمعات البدائية الإعلام بأساليبه البسيطة الأولى، وكان الإنسان يمارس الإعلام بطرق فطرية لم يبذل فيها مجهودًا كبيرًا: كالحفر على الأحجار
(1/262)
________________________________________
والأشجار، والمناداة في الطرق أو من أعلى الجبال والتلال، وعلى ظهر الدواب أو من أعلى المآذن والمنابر.
والفرق بين الإعلام في العصور التي أشرت إليها الآن، والإعلام في العصر الحديث: هو ما استحدثته المدنية من مخترعات غيرت شكل العمل الإعلامي، وجعلت الحكومات توليه من الاهتمام ما لا يقل عن اهتمامها بأهم المرافق الأخرى في الدولة: كمرفق الصحة، أو المواصلات، أو الجيش، أو غير ذلك، ووضعت من الخطط ورصدت له من الإمكانيات ما يتناسب مع أهميته، وأصبح الإعلام علمًا له نظريات ونظمه، وارتقى إلى مستوى العلوم الحديثة: كالطب، والهندسة؛ بل إن الإعلام في العصر الحاضر أصبح ملزَمًا بأن يسبق ويواكب ويلحق بأي مشروع تنوي الدولة القيام به؛ يهدف إقناع المواطنين بجدوى هذا المشروع؛ حتى يتم له النجاح المأمول.
وأصبحت كلمة "إعلام" في هذه الأيام كلمة شائعة ومألوفة يرددها الكثيرون.
وهكذا أصبح للإعلام قوة تأثير في العصر الحديث، وغدت مختلف الحكومات تضعه في اعتبارها دائمًا، وأصبح الإنسان في كل يوم وفي كل مكان: سواء في العمل أو في المنزل أو في الشارع أو في النادي، يعتمد على وسائل الإعلام كمصادر رئيسية للحصول على معلوماته.
جـ- أهداف الإعلام:
: إن الهدف من الإعلام، هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة، التي تساعدهم على تكوين رأيٍ صائب في واقعة من الوقائع أو مشكلة من المشكلات؛ بحيث يعبر هذا الرأي تعبيرًا موضوعيًّا عن عقلية الجماهير وميولهم واتجاهاتهم.
(1/263)
________________________________________
وهذا يعني: أن الغاية الوحيدة من الإعلام هي توسيع مدارك الجماهير، عن طريق تزويدهم بالمعارف، وإقناعهم بأن يسلكوا سلوكًا معينًا، ولا يتم إقناع الجمهور بالرسالة الإعلامية إلا بتزويده بالمعلومات والحقائق والأرقام والإحصاءات وغير ذلك.
ويشترط لتقديم الأرقام والإحصاءات أن تكون كاملة غير منقوصة، أي أن التحريف أو العبث في الأرقام والإحصاءات والحقائق والمعلومات لا يخدم أهداف الإعلام، ولكنه يحقق أهداف المغرضين، الذين يقومون بهذا الزيف أو العبث؛ لغاية في نفوسهم، على حين أن رجل الإعلام -بالمعنى الصحيح- يجب أن يقدم الأرقام الصحيحة والإحصاءات الدقيقة في الموضوع الذي يريد أن ينقله إلى الآخرين.
فالهدف من الإعلام إذًا: هو توصيل فكرة معينة إلى المرسل إليه، وهو إما فرد أو جماعة أو شعب، وهذا -أعتقد أنه- واضح غاية الوضوح، ولا بد من التأكيد على ذكر هذه الأهداف في الإعلام؛ حتى يتنبه المشتغلون بالإعلام إليها، وحتى يكون الإعلام سليمًا صادقًا صحيحًا دقيقًا، لا يقدم معلومات كاذبة ولا يقدم أهواء عند بعض الناس يريدون أن ينشروها، وما إلى ذلك مما نشاهد بعضه في العصر الحاضر.
د- مكانة الإعلام في الإسلام:
وهذه نقطة مهمة؛ لأن حديثنا يدور ويتعلق بالإسلام، ونحن نتحدث عن ميادين الدعوة الإسلامية، وعن الإعلام كوسيلة من وسائل تبليغ دعوة الله -تبارك وتعالى- إلى الناس، وما ذكرته آنفًا من مقدمات، يخدم ما أود أن أشير إليه في هذه النقطة؛ فمكانة الإعلام في الإسلام مهمة للغاية، فعلى الرغم من أن الإعلام
(1/264)
________________________________________
بأجهزته ووسائله ونظرياته وتقنياته الحديثة كان غير معروف وقت نزول الوحي على صاحب الرسالة -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا أنه بتطبيق المقاييس العلمية الحالية على الدور الملقى على عاتق الدعوة الإسلامية.
نستطيع أن نقول: إن الإعلام كان -ولا يزال- أداة هذا الدين ودعامته الرئيسية، ولم نتجاوز الحقيقة -إذا سمينا الأشياء بمسمياتها الصحيحة- حين أقول: إن الدين الإسلامي دين دعوة، والدعوة عمل إعلامي، بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى في أذهان أساتذة وخبراء الإعلام والاتصال بالجماهير؛ ذلك أن الدعوة ما هي إلا عمل إعلامي، يخاطب العقل ويستند إلى المنطق والبرهان، ويعمل على الكشف عن الحقيقة.
وإذا استعرضنا التعريف العلمي للإعلام؛ نجد أنه يكاد يكون متطابقًا مع مفهوم الدعوة بمعناها الأصيل: فالإعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة، والمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة؛ بهدف تكوين رأي عام صائب في واقعة من الوقائع، أو حادثة من الحوادث، أو مشكلة من المشكلات.
ولكي تتضح لنا مكانة الإعلام في الدين الإسلامي؛ فإننا لن نذهب بعيدًا لنؤكد هذه الحقيقة، ولكنها ستبرز لنا من خلال استعراضنا للحقائق الإعلامية الحديثة والحقائق الدينية الثابتة، التي تؤكد المكانة المرموقة والأهمية البارزة للعمل الإعلامي في الإسلام، وذلك بشيء من التفصيل ويمكن ذكر ذلك والإشارة إليه في الحقائق التالية:
أولًا: الحياة الإعلامية الحافلة، التي عاشها رسول الإسلام محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وسلم- والداعي الأول لهذا الدين، قد حقق منجزات مذهلة في حقل الدعوة الإسلامية؛ وذلك استجابة لنداء ربه، وتحقيقًا للمهمة التي كلفه به، وقد أنجز الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في عشرين عامًا من حياته، ما عجزت عن إنجازه قرون من جهود غيره.
(1/265)
________________________________________
وعلى الرغم من أنه كان أمام الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- تراث أجيال من الوثنية، والجهل والخرافات، واضطهاد الضعفاء، وكثرة الحروب بين القبائل، ومئات من الشرور الأخرى، إلا أنه استطاع -عليه الصلاة والسلام- بحياته الدعوية والإعلامية، أن يوصل دين الله -تبارك وتعالى- إلى عدد كبير من الناس، وأن يحمل أتباعه هذا الدين؛ كي يبلغوه إلى الناس ولم يُقْبَضْ -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا وقد وصل صوته إلى آفاق بعيدة من العالم، وقد أرسل في ذلك رسلًا وكتبًا، ووقف في مواقف متعددة يدعو الناس إلى رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف أنجز الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كل هذا في هذا الزمن القياسي؟!
ويجيبنا القرآن الكريم على هذا السؤال من واقع المهمة التي كلفه الله بها -وهي مهمة إعلامية بالدرجة الأولى- فقد حدد الله له هذه المهمة في كلمات دقيقة واضحة لا تحتمل لبسًا أو غموضًا وذلك في عديدٍ من الآيات الكريمة، كما قال تعالى -مثلًا- في سور الأحزاب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} (الأحزاب: من الآية: 45 - 46) وتؤكد هذه الآية أن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كان داعيًا للإسلام؛ فالدعوة إلى دين الله كانت مهمته الرئيسية التي كلفه ربه بها.
ويحدد الله -عز وجل- مهمة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في سورة المائدة، في قوله: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} (المائدة: من الآية: 92) والبلاغ هنا: هو الأخبار أو الإعلام برسالة الحق -جل وعلا- وقد قال الله -عز وجل- في نفس السورة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة: من الآية: 67).
ويتضح لنا من هذه الآيات، أن مهمة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- هنا، قاصرة على إعلام الناس بالرسالة التي كلفه بها ربه، ثم هو -بعد ذلك- غير مكلف بشيء أكثر من
(1/266)
________________________________________
هذا، وغير مسئول عن هدايتهم، ولم يطلب منه ربه فرض دعوته على الغير، ويؤكد ذلك قول الحق -تبارك وتعالى-: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (القصص: من الآية: 56).
أي أن مهمة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مركزة في التبليغ والدعوة فقط، قال الله له: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (البقرة: من الآية: 272) وقال -جل وعلا- في سورة الرعد: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (الرعد: من الآية: 40) وفي سورة: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ} (الشورى: من الآية: 272).
فهل بعد استعراضنا للآيات الكريمة، نستطيع أن نجادل في أن المهمة التي حملها الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- على عاتقه، كانت مهمة إعلامية بالدرجة الأولى، تقوم على الإقناع وليس على الإكراه، تعتمد على الكلمة الطيبة والدعوة بالحسنى.
ثانيًا: تتأكد لنا المكانة السامية التي يتبوؤها العمل الإعلامي في الإسلام أيضًا؛ إذا أدركنا أن المهمة الإعلامية لم تكن قاصرة على صاحب الرسالة وحده -صلى الله عليه وآله وسلم- أو على الدعاة المتخصصين والمتفرغين لشئون الدعوة الإسلامية فقط؛ ولكن هذه المهمة تمتد لتشمل المسلمين جميعًا؛ ذلك: أن الله -سبحانه وتعالى- قد كلف بها كل مسلم عاقل؛ والمقصود بالدعوة إلى الله: الدعوة إلى دينه وإبلاغ رسالته إلى الناس.
إن المهمة الإعلامية هي التي ميز الله بها أمة الإسلام على سائر الأمم الأخرى، وذلك انطلاقًا من قول الله -عز وجل- في سورة آل عمران: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (آل عمران: من الآية: 110) ولن يتأتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا حينما يأخذ كل مسلم على عاتقه أداء المهمة الإعلامية التي كلفه بها ربه، والتي تتمثل في الدعوة إلى الله، والتي فضل الله بها الذين يتصدرون لها وميزهم وقربهم إليه عمن سواهم، وفي ذلك يقول سبحانه
(1/267)
________________________________________
في سورة فصلت: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت: من الآية: 33 - 35).
الأمر الثالث -الذي يبين مكانة الإعلام في الإسلام- هو: أن التقصير في الدعوة إلى الله من قبل أي مسلم عاقل، أو بعبارة أخرى: إن التقصير في تحمل المسئولية الإعلامية الإسلامية؛ يعني عدم الامتثال لأوامر الله -تبارك وتعالى- وهذا ينذر بغضب من الله -عز وجل- وبسوء العاقبة لأصحابه: قال تعالى في سورة البقرة: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: من الآية: 159، 160).
ويظهر من هذا أن المسئولية الإعلامية في الإسلام تلقي على كاهل كل مسلم ضرورة أن يتفقه في أمر دينه، وتدفعه إلى البحث والدرس؛ لمعرفة ما لم يكن يعرفه، فإذا كان مطلوبًا منه أن يدعو إلى دين ربه؛ فإن عليه أن يسعى إلى معرفة أصول وأحكام هذا الدين، بقدر ما تسمح له بذلك قدراته وإمكاناته؛ حتى لا يقع في ما لا يحمد عقباه.
رابعًا: وهي الحقيقة الرابعة، التي تؤكد مكانة الإعلام في الإسلام وأهميته وهي تتمثل في تكريم الله -سبحانه وتعالى- للعلماء، والتأكيد على أنهم يتمتعون بمنزلة أرفع من منزلة غيرهم من المسلمين العاديين ذلك أن الله -جل شأنه- قد كرم العلماء ورفع منزلتهم؛ لأنهم ورثة الأنبياء في الدعوة إلى دينه وهداية الناس إلى طريق الخير.
(1/268)
________________________________________
هـ- من أبرز خصائص الإعلام الإسلامي ومميزاته:
للإعلام الإسلامي خصائص كثيرة، من أبرزها: أن الإعلام الإسلامي يعمل في مجال العقيدة بالدرجة الأولى، وهذا يختلف عن مجال الأخبار والمعلومات، التي قد تتفوق فيه وسائل الاتصال الجماهيرية، ذلك: أن هذا المجال يتطلب المواجهة المباشرة بين المرسل والمستقبل؛ بما لا يسمح للمستقبل بتجاهل هذا المرسل الذي أمامه، وقد مارس الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- الاتصال الشخصي، بل إن الاتصال الشخصي هو أول خطوة من خطوات العمل الإعلامي الكبير، الذي قام به والتزم به رسول الهدى والرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى أن توفاه الله -تبارك وتعالى.
وكان في ممارسته لهذه الوسيلة لا يفرق بين غني وفقير، أو أبيض وأسود، أو قوي وضعيف، ومن أبرز الشواهد على اهتمام الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بهذه الوسيلة واعتماده عليها واهتمامه بها ما يلي:
الاتصالات التي كان يجريها مع أصدقاءه وخلصائه وأفراد أسرته، في مراحل الدعوة الأولى، والرسل الذين بعث بهم إلى الملوك والأباطرة، في الممالك المجاورة بعد عودتهم من صلح الحديبية في العام السادس الهجري، حاملين معهم رسائله وتعليماته إلى هؤلاء الملوك؛ يدعونهم فيها للإسلام، وأيضًا لقاءاته الشخصية -صلى الله عليه وآله وسلم- مع أفراد القبائل التي تفد إلى مكة في مختلف المواسم، وأشهرها لقاءه مع طائفة من أهل الخزرج في يثرب، حيث تمت على إثر هذه المقابلة البيعة الأولى، والتي كانت مقدمة لهجرته إلى المدينة فيما بعد.
ولا أنسى هنا أن أشير إلى رحلته الشهيرة إلى الطائف، لعله يجد هناك من يستجيب لدعوته من أهل ثقيف -سادة القوم هناك- ولكنه -صلى الله عليه وآله وسلم- عانى من عنت هؤلاء
(1/269)
________________________________________
القوم، وصدهم عن دعوته، واضطهادهم له، معاناة شديدة، وكان الهدف من وراء كل ما فعل -صلى الله عليه وآله وسلم- هو نشر العقيدة الصحيحة.
الخاصية الثانية من خصائص الإعلام الإسلامي: القدوة الحسنة:
القدوة الحسنة طريق يجب أن يسلكه من يتصدى للإعلام الإسلامي في أي موقع؛ حتى لا تأتي أفعاله متناقضة مع أقواله، قال الله -تبارك وتعالى- محذرًا من ذلك: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} (البقرة: من الآية: 44) وإذا تعود وتزود دعاة الإسلام بهذه الصفة؛ فإنهم سيحققون الكثير ويختصرون الطريق ويوفرون على أنفسهم جهودًا كبيرة يمكن أن تضيع إذا فقد الداعي المسلم هذه الصفة، ذلك أن رجل الإعلام الديني أو الداعي المسلم في نظر الجماهير يمثل الدين، وعلى دعاة الإسلام أن يدركوا هذه الحقيقة.
فإلى جانب المواصفات اللازمة لخلق رجل الإعلام بصفة عامة، فإنه لابد أن يتصف رجل الإعلام الإسلامي -إضافة إلى ذلك- بصفات خاصة تجعله قدوة حسنة لجماهيره، وقد قال رب العزة والجلال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} (الصف: من الآية: 2 - 3) وهذا يشير إلى أهمية هذه الخاصية، مما يؤكد أن القدوة الحسنة في حد ذاتها تعتبر واحدة من أهم الوسائل الإعلامية، وقد كانت نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- مضرب الأمثال في هذا الصدد، وكان به من الصفات النبيلة ما تفيض به كتب السيرة، ولسنا في مجال تعداد صفات الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- التي كانت سببًا مباشرًا في دخول الكثيرين دين الإسلام، وهو الذي اشتهر بين قومه قبل نزول الوحي والرسالة بأنه الصادق الأمين، وهما صفتان يجب توافرهما في رجل الإعلام الإسلامي؛ حتى يكون موضع ثقة جماهيره واحترامهم له.
(1/270)
________________________________________
الأجهزة الإعلامية الإسلامية المتخصصة
بعد إن ذكرت ما سبق من مقدمات أرى أنها ضرورية قبل هذا العنصر أود أن أشير هنا في هذا العنصر إلى وسائل الأجهزة الإعلامية التي تفيد الدعوة الإسلامية، والتي يقوم على عاتقها نشر الإسلام والدعوة إليه، وهذه مسألة مهمة وأبدأ بالنقطة الأولى في هذا العنصر وهي:
أ- جهاز الدعوة بوزارات الأوقاف:
يعتبر جهاز الدعوة الإسلامية بوزارات الأوقاف واحدًا من أبرز أجهزة الإعلام الإسلامي، ووسائل الإعلام التي يمارس جهاز الدعوة الإسلامية نشاطه من خلالها كثيرة ومتعددة في داخل هذه الوزارة، منها: الوسائل الشفوية وتتمثل هذه الوسائل في الأشكال التالية:
أ- خطبة الجمعة.
ب- الدروس الدينية التي تتم غالبًا ما بين صلاة المغرب والعشاء، أو في أوقات أخرى يتم تحديدها حسب طبيعة وظروف العمل في كل مسجد، كما يتم عقد هذه الدروس غالبًا بعد صلاة المغرب، وتكثر أكثر وأكثر في شهر رمضان، وتعقد هذه الدروس عادة في بيوت الله -تبارك وتعالى- أو في أماكن التجمعات المختلفة للناس.
جـ- الندوات والمحاضرات الدينية: سواء أكانت في المساجد أم خارجها في الأماكن العامة.
الوسيلة الثانية التي يمارس جهاز الدعوة الإسلامية في وزارات الأوقاف عمله الإعلامي
(1/271)
________________________________________
من خلالها -بعد الوسائل الشفوية-: الوسائل المطبوعة:
وتتمثل في نشرات ومطويات ومجلات تصدر في أوقات مختلفة، إلى جانب المكتبة الدينية التي توجد في معظم المساجد، وهي تسهم في نشر الثقافة الدينية، وتضم المصاحف والمراجع الدينية المختلفة: من كتب التفسير والحديث والسيرة النبوية والبطولات الإسلامية إلى غير ذلك، وكذلك النشرات والمجلات الدينية ويختلف حجم وثقل هذه المكتبات باختلاف درجة المسجد ومكانته ودوره في المنطقة التي يخدمها، وتعمل هذه المكتبات لخدمة غرضين:
الغرض الأول: نشر الثقافة الدينية لدى الجماهير.
الغرض الثاني: تعميق الثقافة والفكر لدى أئمة وخطباء المساجد.
وفي المساجد أيضًا يتم مقارئ للقرآن الكريم، وهي أحدى الوسائل الإعلامية؛ بل أقول: إن القرآن الكريم من أهم الدعائم التي يقوم عليها الإعلام الإسلامي، وأكثرها فعالية لدى الرأي العام، ذلك: أنه دستور الإسلام، وتنتشر مقارئ كثيرة للقرآن الكريم التابعة لجهاز الدعوة الإسلامية بوزارات الأوقاف في بلدان العالم الإسلامي وفي المساجد التابعة للوزارة.
ب- محطات إذاعة القرآن الكريم:
محطات إذاعة القرآن الكريم من أبرز الوسائل السمعية للإعلام الإسلامي، وهي تحقق الأهداف التالية:
1 - إذاعة القرآن الكريم بطريقة مرتبة من مشاهير القراء.
2 - التزود بمعاني الخير والفضيلة والتقوى والصلاح وغير ذلك من الآثار العميقة، التي يحدثها دوام الاستماع إلى القرآن الكريم.
(1/272)
________________________________________
3 - حفظ القرآن الكريم من التحريف الذي تقوم به بعض الجهات المغرضة والمعادية للإسلام.
4 - تزويد المستمعين بالثقافة القرآنية المختلفة من برامج تدور حول القرآن الكريم، باعتباره مصدر الحياة الدينية للإنسان المسلم.
5 - ربط المستمع عن طريق تقدم نماذج له في حياته التي يعيشها، من خلال القصص والأمثال التي بالقرآن الكريم، ومن خلال التوجيهات والأحاديث النبوية الشريفة.
6 - نشر الثقافة القرآنية باعتبارها أساسًا للسلوك الإنساني القويم، ومنبعًا لتوجيه جميع عناصر الثقافة الإسلامية: فمحطات إذاعة القرآن الكريم إذًا، لها أهداف عظيمة ومكانة جليلة، وهي منتشرة وموجودة في بلاد العالم الإسلامي -ولله الحمد والفضل- وتعمل في غالب البلاد الإسلامية على مدار اليوم نهارًا وليلًا.
جـ- القنوات التلفزيونية:
لقد كان للإعلام المرئي دور كبير بين عموم الناس اليوم، وقد برزت في العصر الحاضر قنوات فضائية متعددة، وكثرت وانتشرت بشكل سريع وكبير، ولها دورها وأثرها في عموم الناس، وقد تنبه المسلمون إلى أهمية هذه القنوات؛ فأنشئوا قنوات فضائية كثيرة تبث الخير للعالم أجمع، وما زال المسلمون إلى يومنا هذا يحتاجون -وأقولها نصيحة لله -تبارك وتعالى- إلى بذل مزيدٍ من الجهد في استغلال هذه الوسيلة الإعلامية الكبيرة، التي وصلت اليوم إلى كل بيت، وإن كان -وللحق أقول- هناك قنوات متخصصة في تعليم الدين الإسلامي تعليمًا صحيحًا على منهج السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، ولكن أيضًا نحتاج إلى المزيد.
(1/273)
________________________________________
وأود أن أشير في هذا الصدد إلى قناة المجد الفضائية، التي تحتوي اليوم تسع قنوات فضائية، تغني المسلم عن أن يسمع غيرها مما يحتاج إليه: ففيها بث إخباري، وفيها عمل إعلامي جيد، وتوجيه برامج للأطفال، إلى جانب ما يتعلق بمسائل الدين والشريعة من دروس علمية متخصصة، بل فيها أكاديمية علمية يمكن أن تخرج رجال يحملون شهادات علمية متقدمة، وهي في الحقيقة تسير بخطى ثابتة؛ لتحقيق أهداف نبيلة، وأهم ما يميز هذه القناة صفاؤها واعتناؤها، واهتمامها بنشر عقيدة السلف الصالح، ولا زلت أكرر وأطلب المزيد وأناشد المسئولين في الدول الإسلامية أن يهتموا بهذه القنوات، وأن يجعلوا منها أداة خير وبركة، تنشر الخير للعالم أجمع.
إننا -معشر المسلمين- بحاجة إلى أن نحمل هذا الدين إلى البشرية كلها، وإن العمل الإعلامي النبيل يجب أن يحتل مكانة في نشر هذا الدين الإسلامي؛ لخطورته ولأهميته ولانتشاره في كل مكان؛ ولإقبال الناس عليه؛ فيجب أن تجند الطاقات، وأن تخلص الدول، سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الهيئات: المسئولية فيها على الجميع، أن يهتم وأن يعتني بهذا الأمر غاية الاعتناء.
وأيضًا -وأذكر هذا من باب تبليغ الدعوة وإبراء الذمة أمام رب العزة والجلال سبحانه- أناشد المسئولين في الإعلام في جميع بلاد العالم الإسلامي أن يخلصوا عملهم لله -تبارك وتعالى- وأن تكون قنواتهم وبرامجهم نظيفة خالية مما يثير الشهوات، أو يدفع إلى الشبهات؛ لأننا في الحقيقة في عصرٍ يوجد فيه صراع كبير بين الخير والشر، وبين الحق والباطل.
(1/274)
________________________________________
د- المجلات الدينية المتخصصة:
الصحافة الدينية واحدة من أهم وسائل الإعلام الإسلامي المتخصصة والمباشرة؛ ذلك أنها تتناول مختلف الموضوعات، وتتميز الصحافة الدينية بما تتميز به مختلف الوسائل المطبوعة من خصائص إعلامية، وهي قدرتها على الاحتفاظ بالمعلومات التي لديها أطول مدة ممكنة، وبالتالي؛ فهي تتيح فرصة للقارئ لكي يعرض نفسه على المطبوع أكثر من مرة، لكي يثبت أو يتثبت من بعض النقاط التي يود أن يركز عليها.
والمطبوعات، هي وسائل الإعلام الوحيدة التي يستطيع القارئ أن يعرض نفسها عليها في الوقت الذي يناسبه ويتفق مع ظروفه، وهذه الوسائل -أعني: المطبوعات والمجلات الدينية المتخصصة- تمتاز بالقدرة على التصرف في محتوياتها في أي حجم وبأية تفصيلات تظهر الحاجة إليها؛ ومن هذا المنطلق فهي أفضل وسيلة لتقديم الموضوعات الدينية الطويلة والآراء المتعددة والتفسيرات المطولة التي يمكن للإنسان العادي أن يحتفظ بها -كما ذكرت وأشرت- للرجوع إليها في الوقت الذي يحتاج أو يريد ذلك.
هـ- مكانة القرآن الكريم والحديث الشريف في الإعلام الإسلامي:
وأخرت الحديث عن ذلك؛ لأختم كلامي بكلمات عن هذين المصدرين العظيمين، وفي الحقيقة هما الأساس الذي يقوم عليهما الدين الإسلامي.
القرآن الكريم:
كان القرآن الكريم -ولا يزال- هو المصدر الذي تعتمد عليه الدعوة الإسلامية في استقاء موضوعاتها، وفي تحديد أساليبها ومنهجها ومنه تأخذ حججها وبراهينها، وهو الرافد الحيوي لدعاة الإسلام.
(1/275)
________________________________________
والقرآن الكريم هو الدستور الشامل الجامع المنظم لشئون المسلمين في الدنيا والآخرة، مصداقًا لقول الله -جل ذكره-: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام: من الآية: 38) فهو الرسالة الإعلامية المقدسة، معجزة الإسلام الخالدة، والمصدر الأول للتشريع، وأهم عوامل نجاح الرسالة الإعلامية الإسلامية؛ ذلك أن القرآن الكريم يحوي كل ما يهم المسلمين ويرد على تساؤلاتهم، كما أنه ينظم للرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ولدعاة المسلمين من بعده أساليب الدعوة ومجالاتها وجماهيرها.
ولست هنا في معرض ذكر الميادين التي تناولها القرآن الكريم؛ ولكن رجل الإعلام الإسلامي سيجد فيه بغيته إذا أراد معالجة أي أمر من أمور المسلمين، فإذا كان -مثلًا- يعالج موضوع الجهاد في سبيل الله؛ فسيجد من آيات القرآن الكريم ما تعرضت له وحددت أصوله، وإذا أراد تناول قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو علمية؛ فسيجد هذا الكتاب قد تعرض لها بصورة واضحة ومحددة، فهو إذًا، له مكانة إعلامية عالية ورفيعة.
أما الحديث الشريف: فالأحاديث النبوية تلعب دورًا إعلاميًّا بارزًا في نشر الدعوة الإسلامية؛ وتتضح أهميتها الإعلامية في أنها جاءت في مجملها تأكيدًا وتفسيرًا للمعاني التي وردت في القرآن الكريم، وتتأكد القيمة الإعلامية الكبيرة للحديث النبوي الذي يتلوه المسلم في أنه جاء تبيانًا أو تخصيصًا لكثير من آيات القرآن الكريم التي جاءت مجملة أو مطلقة أو عامة.
فالقرآن الكريم -مثلًا- لم يبين تفاصيل الصلاة التي أمر الله بها مجملة، وجاء حديث النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وفعله؛ فأوضح أوقاتها وكيفياتها، وحينما حرم القرآن الكريم الخمر؛ جاء الحديث الشريف فبين المراد بالخمر وما إلى ذلك.
(1/276)
________________________________________
كذلك تعرض رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لكثير من الحوادث التي قضى فيها، وكثير من الأسئلة التي أجاب عليها، وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- ينطق بالحق ويتكلم بالصدق، وقد قال الله له وعنه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: من الآية: 3 - 4).
ولذلك أقول: إن كل حديث من أحاديث الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يعتبر شعارًا للإسلام، ويؤدي وظيفة مهمة إعلامية أراد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يبلغها للأمة، وكان يشرح من خلال ذلك الآيات القرآنية، ويوجه الأمة الإسلامية إلى العقيدة الصحيحة والعبادات القويمة، وكيف أنها لا تقبل عند رب العزة والجلال إلا إذا اتبع المسلم فيها هدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
كما كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بكلماته ورسائله وأفعاله دعوة إعلامية إلى الخير وإلى الهدى وإلى النور وإلى الضياء، فهو -صلى الله عليه وآله وسلم- مثال حي للسلوك الحسن وللخلق القويم وللرجل النبيل -صلوات الله وسلامه عليه- فحياته -عليه الصلاة والسلام- نموذج إعلامي كبير.
والشاهد من كل ذلك هو: أنني أدعو عموم المسلمين وأدعو عموم الإعلاميين أن يعتنوا بكتاب الله -تبارك وتعالى- وحديث النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن تكون الوسيلة الإعلامية التي يقومون بها مستمدة من هدي هذين المصدرين الكريمين، وبالتالي سنقدم إلى العالم الإسلامي مادة سليمة صحيحة من خلال برامج إعلامية إسلامية متميزة.
أسأل الله -تبارك وتعالى- للجميع التوفيق والسداد، وصلّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

2 - تابع الحديث عن وسائل الإعلام مع ذكر بعض ميادين الدعوة في التجمعات والمناسبات

الإسلام في مواجهة الإعلام الكاذب
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه. وبعد:
فهذه المحاضرة: تابع الحديث عن وسائل الإعلام، مع ذكر بعض ميادين الدعوة إلى الله في التجمعات والمناسبات، وهذه المحاضرة تنقسم إلى العناصر التالية:
العنصر الأول: الإسلام في مواجهة الإعلام الكاذب، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- الحرب الإعلامية ضد الإسلام:
تكلمت في اللقاء السابق عن الإعلام الإسلامي ومكانته وما يميزه، وأشرت إلى أبرز الوسائل التي يمكن أن نستفيد منها في تقديم الإسلام إلى الناس ودعوتهم إليه، وأشرت إلى ضرورة أن تكون وسائل الإعلام نظيفة خالية من الشبهات والشهوات، وأتكلم في بداية هذا اللقاء عما يواجهه المسلمون من حرب إعلامية فاسدة ضد الإسلام.
ولذلك أقول: نعيش اليوم في عصر الحروب الإعلامية والصراع البارد لنشر الأفكار والمبادئ، ولقد كان هذا من ثمرات الحرب العالمية الثانية واكتشاف الأسلحة الرهيبة الجديدة، ولقد عرف العالم منذ وجد الإنسان صراع الخير والشر والحق
(1/277)
________________________________________
والباطل، هذا الصراع الذي كان نتيجة لاختلاف البشر وتباين عقائدهم واختلاف مصالحهم، وحب كل منهم -إلا من رحم الله- للعلو في الأرض وتحصيل أكبر قد من الخير لنفسه ولو على حساب الآخرين، ورغبة كل منهم في إبعاد الشر عن نفسه ولو على رءوس الآخرين.
ولقد أرسل الله -سبحانه وتعالى- رسله إلى أهل الأرض مبشرين ومنذرين ومعلمين للناس طريق ربهم -تبارك وتعالى- ليعبدوا الله وحده دون سواه؛ وليقيموا العدل فيما بينهم، وقام الصراع بين حق وباطل: قام الصراع بين حق الرسل وأتباعهم، وباطل المكذبين ومن على شاكلتهم، وسيظل هكذا إلى قيام الساعة، كما قال رب العزة والجلال سبحانه: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود: من الآية: 118، 119).
ولقد حارب البشر بعضهم بعضًا؛ لاستلاب أموالهم واحتلال أراضيهم واستعبادهم، ولقد وجدوا أنفسهم في مأزق خطير بعد اختراع آلات الدمار الحديثة؛ ولذلك فكر هؤلاء الشياطين في حروب أخرى يصلون من خلالها إلى مآربهم، في استلاب خيرات الآخرين وعلوهم عليهم، وكانت هذه الحرب الجديدة هي الحرب الإعلامية؛ وهذه الحرب تزداد أهميتها يومًا بعد يوم للأمور التالية:
أولًا: أنها أصبحت بديلًا لا مفر منه للحروب التقليدية القديمة، فلقد كانت الحروب الساخنة هي الملجأ الذي يلجأ الأقوياء إليه؛ لفرض أفكارهم وعقائدهم أو سلطانهم أو احتلال أراضي الآخرين وسلب الخيرات التي بين أيديهم، ولقد تصارع الأقوياء في الأرض فيما بينهم تسابقًا على الفريسة وتسلطًا على الآخرين، واليوم وجد الأقوياء من الدولة الغاشمة أنهم على شفا الهلاك إن استخدموا ما بأيديهم من السلاح الذري وغيره ضد بعضهم البعض، في سبيل
(1/278)
________________________________________
الاستعمار والسيطرة ونشر المبادئ والأفكار والأنظمة؛ ولهذا كان الإعلام بديلًا عن الحروب.
ثانيًا: لقد توسعت معاني الحرية الشخصية والسياسية في حياتنا الراهنة، وتبع ذلك كثرة المذاهب والأفكار والعقائد، ووجد كل مذهب وعقيدة وفكرة نفسه مرغمًا إلى إجادة فن الإعلان والدعاية؛ ليجد لنفسه مكانًا تحت الشمس في هذا العالم، وبذلك أصبحت الحرب الإعلامية من الأفكار والمبادئ قائمة على قدم وساق؛ ولذلك ازدهرت سوق الإعلام والدعاية.
ثالثًا: أن توق الناس ولهفتهم إلى جديد من الاختراعات المادية عودهم التبرم بالقديم والثورة عليه، وهيأ نفوسهم إلى الاحتفال بالجديد دائمًا، وفي غمرة هذه الانقلابات الخلقية تجددت المفاهيم والقيم والعقائد تجدد النماذج الحديثة للمخترعات والسيارات والملابس، وهذا من ألوان وأنواع الحرب الإعلامية.
رابعًا: الوسائل الضخمة للإعلام التي يسرتها المخترعات الحديثة جعلت للدعاية والإعلام شيئًا آخر، فقد أصبح العالم الآن كقرية صغيرة أمام الموجات التي تنقل ليس الصوت فقط؛ بل الصوت الصورة؛ ولذلك تخطت الحروب الإعلامية الحدود السياسية، لتدخل إلى عقر دار المخالفين بل إلى مخادع الزوجات.
وهكذا خلقت الآلات الحديثة كالراديو والتلفاز والصحافة عالمًا جديدًا هو عالم الصراع الفكري والإعلامي؛ لأن كل واحد يقدم ما لديه، وقد أشرت سابقًا إلى أن الصراع بين الحق والخير أو بين الحق والباطل، والشر والخير قائمًا على قدم وساق.
والإسلام -كعقيدة ونظام يتصل بحياة الناس صغيرها وكبيرها- يجد اليوم نفسه في صراع رهيب مع هذه الأنظمة والعقائد والأفكار الكثيرة، التي تملأ الأرض شرقًا
(1/279)
________________________________________
وغربًا.
وقد سبق أعداء الإسلام إلى استخدام وسائل الإعلام المختلفة ضد دين الله -تبارك وتعالى- وقد تنبه المسلمون اليوم لذلك؛ فدخلوا في الميدان ولا بد من إتقان المواجهة ضد هؤلاء الأعداء: {وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (الصف: من الآية: 8).
ب- موقف المسلم من الحرب الإعلامية ضد الإسلام:
الشبهات والاعتراضات ضد الإسلام كثيرة ومتعددة، وهي مسموعة ومقروءة، ولأن هذه الشبهات والاعتراضات تشكل عند بعض الناس عقبة حقيقية، تمنعهم من الإذعان للإسلام والإيمان به والدخول في سلك المؤمنين؛ كان لا بد من رد علمي شامل لأصول هذه الشبهات، ولأن كثير من مثيري هذه الشبهات والاعتراضات لا يريدون بها إلا إشغال للمسلمين وإنهاكًا لقواهم وإهدارًا لإمكانياتهم ورفعتهم؛ كان الواجب أن يقابل هؤلاء بما أمر الله -سبحانه وتعالى- به حيث يقول: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} (الفرقان: من الآية: 63).
وأعني بذلك أن إشغال الأوقات بالردود على كل جاهل مضيعة للوقت؛ ولذلك لا بد من مسلكين ضروريين لكل داع إلى الله -عز وجل- وهذان المسلكان يعبران عن موقف المسلم من الحرب العدائية والإعلامية ضد الإسلام.
المسلك الأول: هو الرد العلمي الذي يعتمد الدليل والبرهان على شبهات المضللين واعتراضات المعترضين.
الأمر الثاني أو المسلك الثاني: الصفح الجميل والإعراض بالحسنى عن جهالات الجهلاء، وسفاهة السفهاء، وكلا الموقفين ثابتان بالكتاب والسنة.
فدليل الموقف الأول: هو هذا الحشد الهائل من آيات القرآن الكريم؛ التي نزلت جميعها ردًّا على شبهات واعتراضات المشركين واليهود والنصارى، فلم يترك
(1/280)
________________________________________
رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى- شبهة لهم إلا وكشف زيفها وبطلانها، ولا اعتراضًا إلا ودمغ القائلين به بالحق.
من هذا على سبيل المثال: اتهام النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بافتراء القرآن وقد قال تعالى ردًّا عليهم في ذلك: {قُلْ فَأْتُوا بعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} (هود: من الآية: 13) وقال -جل ذكره- للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مبينًا مكانته واستحالة أن يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه؛ مشيرًا إلى بعض الأدلة التي يعرفها عنه من عرفه وعايشه وشاهده، وذلك فيما قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (العنكبوت: من الآية: 48) أي ما كنت قارئًا ولا كاتبًا حتى تنقل مثل هذه الإخبار عن الأمم السابقة.
وقال الله -تبارك وتعالى-: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (يونس: الآية: 16) أي: كيف أمكث فيكم أربعين سنة من عمري لا أنطق بكلمة من هذا ثم أبدأ في الكذب المطلق والافتراء على الله -تبارك وتعالى- وقول هذه الآيات التي لم يكن عندي علم بشيء منها قط.
وهكذا نجد أن الله -تبارك وتعالى- لم يترك مناسبة إلا وردَّ فيها على هذا الاعتراض الذي يتوجه إلى صلب رسالة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أو من يشكك في أمانته وصدقه، وتحدى الله -عز وجل- المجادلين والمكذبين له أن يأتوا بدليل واحد يثبت دعواهم في كذب الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ولذلك لم يعد أمامهم إلا الإذعان أو الكفر والنكران؛ ولذلك قال الله -تبارك وتعالى- عن المكذبين: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام: من الآية: 33).
(1/281)
________________________________________
وفي الاعتراض على البعث ناقشهم الله -سبحانه وتعالى- وآتاهم الدليل تلو الدليل لإثبات البعث والنشور؛ فقال لهم -سبحانه وتعالى- ما معناه أن البعث الذي تكذبون به لا يختلف عن النشأة الأولى التي تنسبونها إلى الله، وأن الذي تقرون له بخلق السموات والأرض -وهي أكبر من خلقكم- قادر على إعادتكم للحياة مرة ثانية بعد أن تموتوا، وأن إحياء الأرض بعد موتها لا يختلف عن خلق الحياة في الأجساد المَيْتَة، ثم أن الرب -سبحانه وتعالى- قد أعاد إلى الحياة أناسًا وبهائمَ وطيورًا بأعيانها إلى الحياة مرة ثانية: كقتيل بني إسرائيل.
وهكذا في كل الشئون العقائدية والإيمانية جادل القرآن الكريم أرباب الشبهات، ودمغ باطلهم، وصدق الله في قوله: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (الأنبياء: من الآية: 18).
وفي الأوقات التي يضعف فيها المسلمون يتعالى استهزاء الكفار بالإسلام وأهله، ويؤدبنا الله -تبارك وتعالى- في مثل هذه الأوقات بآداب الإسلام من الصفح الجميل والتذرع بالصبر والإعراض عن الجاهلين، والفزع إلى الصلاة والاستئناس في هذه الفرية بحب الله ومرضاته، وحسن التضرع إليه، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} (الحجر: 85) وكون الساعة آتية يعني أن كل مستهزئ سيبلغ جزاءه، وقال تعالى أيضًا: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} (المزمل: 10) وقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199).
وكل من لم يعرف ربه وخالقه وخالق هذا الكون، وفيما خلق، وإلى أين يسير؛ فهو جاهل، وما أكثر هؤلاء الجهلة في عصرنا الحاضر، وإن كانوا أمام الناس يحملون شهادات عليا.
وهم في الحقيقة من أجهل الناس وأكفرهم، وذلك
(1/282)
________________________________________
بجحودهم لخالقهم -سبحانه وتعالى- وهل هناك أظلم قلبًا وأعمى فؤادًا ممن لم يعرف خالقه وربه، وهل هناك أشد غباوة وإثمًا مما لم يقدم شيئًا لآخرته ينجو به من عذاب الله وسخطه.
والشاهد أن مقابلة هؤلاء الجاهلين بالصبر والصفح الجميل أحيانًا، وبدمغ باطلهم والرد عليهم أحيانًا أخرى هو المنهج الرباني الذي يجب أن يلتزمه الدعاة إلى الله -سبحانه وتعالى- وعلى الدعاة أن يعلموا أن لكل حادث حديث، وبالتالي يظهر موقف الإسلام من الحرب الإعلامية الموجهة ضد الإسلام.
أنتقل إلى نقطة أخرى:
جـ- مسئولية المسلم الإعلامية:
إنني في الحقيقة لا أود أن أنتقل من هذا العنصر، ولا أن أنهي حديثي عن الإعلام إلا بذكر مسئولية المسلم الإعلامية؛ كي تقوم الأمة كلها بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يخصص أناس للوعظ والإرشاد وآخرين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو للدعوة والتعليم، وإنما جعل من كل مسلم داعية ومعلمًا وآمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وحمَّل أمانة تبليغ العلم لكل من حمل علمًا.
وبهذا عبأ -صلى الله عليه وآله وسلم- المسلمين جميعًا إعلاميًّا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع)) وقال: ((بلغوا عني ولو آية)) وقال: ((من رأى منكم منكرًا؛ فيلغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)).
وجاء القرآن الكريم كتاب الله ليعلن للمسلمين أنهم جميعًا أمة مرسلة، وأن شأنهم هو الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى، فهم مسئولون عن تعليم الناس دين الله -تبارك وتعالى- كما قال -جل ذكره-: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
(1/283)
________________________________________
وقوله تعالى: {مِنْكُمْ} هنا: ليس معناه التبعيض؛ بل معناه: ابتداء الغاية، كما هو معلوم في القواعد، أي: لتكونوا أمة يدعون إلى الخير، كما أقول لك مثلًا: ليكن منك رجل صالح، أعني: لتكن أنت رجلًا صالحًا، وجاء أيضًا قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} أي: هذه صفتكم، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله.
ومعلوم أن الموصوف بصفة بها لا يكون موصوفًا بها؛ إلا إذا كانت ملازمة له، فإذا انفكت عنه؛ لم يوصف بهذا الوصف، ومعنى هذا: أن الأمة الإسلامية لا تكون خير أمة إلا بتحقيق هذه الأوصاف الثلاثة الآنفة.
وكذلك جاء قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} والشهادة على الناس من لوازمها العلم بما عند الناس وإقامة الحجة عليهم، ولا تقوم الحجة إلا بالعلم والدعوة والجهاد والصبر.
وهكذا عبأ القرآن الكريم المؤمنين جميعًا للجهاد والدعوة، وحمل كل مسلم أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحكم على الذي لا ينكر المنكر بوسيلة من وسائل الإنكار الثلاث: اليد واللسان والقلب، أنه ليس على شيء من الدين؛ بل جرده من أقل الإيمان المنجي من عذاب الله، وهو مقدار حبة الخردل، وبهذا جعل الله -سبحانه وتعالى- من كل فرد آمن مع الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- داعية، ولم يحتج النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى أن يجعل فئة خاصة تتولى هذا الأمر.
وهذه التعبئة الإعلامية جعلت من كل فرد حارسًا للشريعة، وقائمًا بأمر الله -سبحانه وتعالى- ويقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن عليكم ذلًا فلا يرفعه عنكم؛ حتى تعودوا إلى دينكم)) فجعل الذل نتيجة ترك جهاد
(1/284)
________________________________________
الكلمة، وجعل العودة إلى جهاد الكلمة هو العودة إلى الدين، فهل يقدر دعاة الإسلام اليوم جهاد الكلمة؟! وهل يعلم المسلمون أن الدعوة واجبة على كل فرد فيهم؟! وهل يعلم الذين يكتمون العلم ويشترون به الدنيا أن الله -تبارك وتعالى- قال فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}؟!

الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة
"الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة": ويشتمل على النقاط التالية:
أ- صلاة الجمعة والجماعة:
إن الشارع الحكيم قد فرض علينا صلاة الجمعة، وحض عليها لحكم منها: اجتماع كلمة المسلمين ووجود التآلف بينهم؛ حيث في هذا اليوم المبارك يتركون أشغالهم عند حلول وقت الصلاة، ويجتمعون في مسجد واحد، أو مساجد متعددة.
كما أن في صلاة الجمعة والجماعة معنى الاتحاد واتفاق الكلمة، وفيها معنى المساواة التي تترنم بها الأمم الأخرى، وهي تتحقق في صلاة الجمعة والجماعة، وفي سائر فرائض الإسلام الأخرى أيضًا؛ لأن المسلم الفقير يقف بجانب المسلم الغني بلا فارق ولا تمييز بينهما، ويقف الخادم بجانب السيد؛ ليعرفوا أنهم عند الله سواء، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد أرسى هذه القاعدة: ((لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)).
(1/285)
________________________________________
وفي الجمعة أيضًا يسمعون من الخطيب الحكم والمواعظ والنصائح، التي تدعوهم إلى إصلاح أمورهم وأمور دينهم ودنياهم، ومن فوائد الجمعة أيضًا: أن الحاضرين يسمعون من الخطيب الحكم والمواعظ ويتعلمون تعليمًا ربما لا يتيسر لكثير منهم -خاصة أهل البوادي والقرى- ربما لا يتيسر لهم التعليم إلا في هذه الخطب واللقاءات، فإذا حضروا الجامع، سمعوا من الخطيب من العقائد الدينية والإرشادات السنية في شتى النواحي، من العبادات والأخلاق، كما يسمعون النهي والزواجر عن المنكرات والفواحش، وعن البدع والضلالات والعادات السيئة والأمراض الاجتماعية، وما عليه المسلمون اليوم من سائر الأقطار من عزة ورفعة، أو تفرق وتخاذل، إنما هو في الحقيقة بسبب عدم التعلم والإهمال في هذه الاجتماعات.
ولذلك على الخطيب أن يشخص الداء في خطبته، وأن يرشد إلى الدواء النافع بأسلوب حكيم وعبارات أخاذة جذابة؛ يستفيد منها المستمعون.
وصلاة الجمعة والجماعة من أكبر الشعائر الإسلامية، التي تعطي قوة التبشير بالإسلام للأمم الأخرى، وبيان ذلك كالتالي: إذا شاهد غير المسلم صلاة الجماعة والجمعة بهذا الاجتماع، وشاهد المسلمين حالة كونهم خاشعين ضارعين مستقبلين قبلة واحدة، مظهرين المساواة التامة، تاركين الفوارق العنصرية واللغوية والوطنية، ومتوجهين إلى رب البرية مستمعين إلى الإمام الخطيب، الذي يوجههم إلى الحق والخير- قد يدفعه ذلك إلى أن يدخل في دين الله -تبارك وتعالى- أو أن يتطلع إلى معرفة المحاسن التي اشتمل عليها الدين، وكيف أنه يفوق جميع الأديان من خلال هذه الشعائر.
وهذا يبين لنا شيئًا من أهمية الجمعة والجماعة، وقد يجيب على سؤال: لماذا شرع الشارع الحكيم وفرض علينا هذه الصلاة في الجماعة؟
(1/286)
________________________________________
وطالما أنني أتحدث عن الجمعة لا بد أن أتحدث عن خطبة الجمعة، حيث كانت الخطابة -ولا تزال- تؤدي دورها الفعال في حقل الاتصال بالناس دون أن تستطيع وسائل الاتصال الجماهيرية التي أتت بها المدنية الحديثة أن تقضي عليها، أو أن تنال من قوتها المؤثرة في الإعلام والإقناع وذلك لما يلي:
أولًا: تتميز الرسالة الإسلامية التي تحملها الخطبة الدينية الناجحة بقدرتها على إحداث تأثير خاص لدى الرأي العام المتلقي لهذه الخطبة، بحكم ما ترتبط به الخطبة الدينية في أذهان الناس من مفهوم خاص، فهي تنهل من لغة القرآن الكريم والأحاديث النبوية في أغلب الأحيان.
ثانيًا: إن الإسلام يضع الخطبة في مكانة سامية، ويقدرها حق قدرها، وخطبة الجمعة هي واحدة من أبرز وسائل الإعلام الديني، وليس من قبيل المبالغة إذا اعتبرناها من أهم عوامل نجاح هذا النوع من العمل الإعلامي، الذي مارس دوره على مر العصور منذ انبثاق نور الدعوة الإسلامية، في عهد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى يومنا هذا، فلم تستطع ولن تستطيع عوامل الزمن وتعاقب الدول والحكومات أن تنال من قدرتها الفائقة على الإقناع والمواجهة.
وترجع أهمية خطبة الجمعة إلى أنها مرتبطة بفريضة صلاة الجماعة ذاتها، بل أن خطبة الجمعة هي التي تميز صلاة الجمعة عن بقية الصلوات الخمس اليومية على مدار الأسبوع؛ فأصبح لزامًا على كل مسلم أن يشهد هذه الخطبة؛ انطلاقًا من قوله تعالى في سورة الجمعة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (الجمعة: من الآية: 9) والنداء أي: الآذان يسبق الخطبة كما يسبق الصلاة، وقد أشار النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى ذلك، وحث ورغب في الحضور المبكر إلى المسجد في يوم الجمعة، وأخبر أن هناك ملائكة
(1/287)
________________________________________
يكتبون الداخل على حسب الوقت الذي جاء فيه، فإذا صعد الخطيب على المنبر؛ طوت الملائكة الصحف التي يسجلون فيها الأسماء وانصرفوا يستمعون إلى خطبة الجمعة.
ويتوقف نجاح الخطبة الدينية على ما يلي:
1 - حسن اختيار موضوع الخطبة، بما يجعلها تمس بشكل مباشر مشاكل الجماهير، وتعالج قضاياهم الحاضرة، وتخوض في أحوالهم وشئونهم المعاصرة، وتحديد وقت زمني ملائم لكل خطبة أمر مهم وضروري؛ لأنه يبعد عن الملل، كذلك أيضًا الابتعاد قدر الإمكان عن الخوض في حوادث وقضايا قديمة لم يعد لها وجود بين الناس، في حين أن عصرنا الحاضر يعج بمشاكل أو يفجر قضايا تهز المجتمعات هزًّا عنيفًا، ولا يجد الناس تبريرًا لها في انتظار أن يقول الدين كلمته الحاسمة، لشفاء أمراض قلوبهم، والقضاء على الحيرة والشك المسيطريْن على عقولهم.
على أن يدعم الخطيب أقواله بالآيات البينات والأحاديث النبوية الصادقة، والمواقف الخالدة لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- التي تتلاءم مع موضوع الخطبة، دون إقحام آيات لا تربطها علاقة مباشرة بموضوع الخطبة؛ ذلك أن الآية القرآنية، والحديث الشريف الصحيح، والموقف الخالد للرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أو لأحد صحابته، إذا أحسن الخطيب اختياره، وتم وضعه في مكانه المناسب؛ سوف يدعم وجه نظر الخطيب، ويعطي خطبته قوة وتأثيرًا يسري ك***** في النفوس.
2 - البعد عن السجع المتكلف والمحسنات المرذولة، والألفاظ المبتذلة الجوفاء، وعدم الإكثار من المجازات والاستعارات، التي كثيرًا ما تخفي المعاني وتطمس
(1/288)
________________________________________
الأغراض، وتأخذ بصاحبها عن سواء القصد، وتبعده عن الهدف؛ بل يجب أن تتميز الرسالة الإعلامية التي تحملها خطبة الجمعة بالبساطة والوضوح؛ حتى يفهمها جميع الحاضرين، ومن المعلوم أن المستويات العلمية للناس متفاوتة، وأن يستبعد الخطيب العبارات والألفاظ الغامضة، واستعراض الخطيب قدراته اللغوية، والتعالي على الجماهير؛ بهدف كسب احترامهم -في الحقيقة- يضيع كثيرًا من الفوائد، التي يجب أن تحويها الخطبة، وأن يحويها أسلوبها من بساطة ويسر.
3 - أن تكون الخطبة متنوعة الأساليب متعددة الأغراض، كثيرة المعاني، جامعة شاملة، صادرة عن قلوب مؤمنة بما تقول، تعرف ماذا وكيف ومتى تقول، وعلى الخطيب ألا يطيل في خطبته؛ بما يسبب مللًا أو نومًا للناس، فقد كانت خطب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- معقولة متوسطة، وهو الذي أخبر بأن من مئنة فقه الرجل: قصر الخطبة وطول الصلاة.
4 - يجب أن تتضمن خطبة الجمعة ما يفهم منه: أن الناس سوف يحصدون في الحياة الدنيا -أيضًا- ثمار أعمالهم الطيبة وليس في الآخرة وحسب؛ لأن في إبراز هذا المعنى ما يشرح الصدور، ويجدد الآمال، ويشحذ العزائم، وهو منطق الحياة وقانون الوجود، فلكل شيء ثمن ولكل عمل أجر، وهذا من سنن الله التي لا تتخلف في حياة الأفراد أو الجماعات أو الأمم.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية:
ب- الحج والدعوة إلى الله فيه:
لا شك أنه لا يوجد تجمع كبير للمسلمين كما يوجد في الحج، ومن مقاصد الحج، تنمية الترابط بين المسلمين: فالإحرام يستهدف إعلان المساواة بين
(1/289)
________________________________________
العابدين، ولهذه الفريضة أثر مباشر آخر، هو: إيجاد الترابط بين هؤلاء المؤمنين على أساس من الصفاء والنقاء، بعد أن ارتفع من بينهم التمايز في الاعتبارات البشرية، ويتجلى هذا الترابط بطوافهم حول الكعبة؛ بل إن هذا الترابط غير قاصر على أولئك الطائفين المؤدين للفريضة في عام من الأعوام، وإنما هو تواصل بما كان منذ نبي الله إبراهيم -عليه السلام- إلى رسول الله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ممتدًا هذا التواصل والترابط بين أجيال المؤمنين، الذين يفدون إلى هذا البيت، الذي جعله الله مثابة للناس وآمنًا، وقبلة يتجهون إليها في الصلاة.
فاستمرار الطواف -كواحد من شعائر الحج- يسهم في تذكير المؤمنين بالله، بالصلة القوية التي تربط بين أجيالهم ألا وهي: صلة الإيمان بالله، وهي صلة تاريخية تبرزها عبادة الحج، وتضيفها إلى صلة الترابط بين المؤمنين؛ اتباعًا لرسالة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- التي جاءت بهذه العبادة.
وصلة الإيمان بالله التي تربط بين قلوب المؤمنين في الأجيال المتتابعة، ينبغي أن تشدهم دائمًا إلى أن يكونوا قوة في مواجهة الإلحاد، الذي يعمل دائمًا على تمييع العقيدة؛ بل ومحاولة حجبها وربما سحبها من القلوب، فهل لنا أن نحرص نحن المسلمين على أن يمتد هذا الترابط بيننا ويشتد؟! وأن نتواصى بالحق؛ حتى يتوافر لهذه الأمة الأمن والأمان؟!
ومن مقاصد الحج أيضًا: تنمية فضيلتي الصبر والمثابرة؛ بل والمبادرة وسرعة الاستجابة على هذا النمط الملحوظ في أداء السعي بين الصفا والمروة، باعتبار أن الاستجابة السريعة هنا، عبادة وقربى إلى الله الذي شرعها.
ولا شك أن حيوية الأمة تقاس بصبرها وجلدها في المحن والأزمات، ومواجهات الشدائد برباطة الجأش وحسن التدبير؛ وذلك يكون بالمثابرة على دقة الفكر ونقاء
(1/290)
________________________________________
الإيمان، وسرعة الحركة لمواجهة الخطر مع الحذر، ذلك الصبر مع البدار إلى المواجهة، هو ما يوحي به السعي بين الصفا والمروة؛ طلبًا لفضل الله ورحمته وهدايته، فقد كان سعي هاجر أم إسماعيل -عليها السلام- في هذا المكان، سعيًا مبرورًا مشكورًا ما أتمته؛ طلبًا للنجدة وارتقابًا للإغاثة، حتى كانت رحمة الله وثوابه استجابة لدعوة إبراهيم.
وذلك ما ينبغي أن يكون عليه الحجاج؛ استجابة لما يطلبه الله سبحانه من المؤمنين: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (البقرة: من الآية: 158).
وفي الحج ينعقد المؤتمر العام للمسلمين؛ ذلك أن هذا اللقاء الجماعي لأمة الإسلام على اختلاف أوطانهم وألسنتهم وألوانهم لا يقوي فحسب الشعور بالقوة وبالعزة وبترابط المؤمنين برسالة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ولا يذكرهم بالمؤمنين السابقين منذ رسالة إبراهيم -عليه السلام- في محاربة الشرك فحسب؛ وإنما يذكرهم بأبي البشرية آدم -عليه السلام- ورسالته الأولى؛ تعزيزًا لروابط الإخوة بين المؤمنين على اختلاف الأزمنة وتعاقب الرسالات السماوية.
ولعل ارتباط الحج بأمكنة وأزمنة معينة؛ كان لأن هذه الأمكنة تحدد ذكريات من شأنها أن تطهر النفوس وتزكيها، وتقوي الصلات وتنميها، فهذه الأمكنة لا تقصد لذاتها؛ بل لما يتصل بها من ذكريات العمل والرحمة من أجل الإنسانية ووحدتها، بل وتوحدها بالإيمان والعمل الصالح.
وفي الوقوف بعرفات إشارة إلى اجتماع قوى الحق والإيمان، وثباتهم في وجه الباطل، وتجديد عزائمهم المتحدية لصروف الإفك والإثم والعدوان، فالوقوف بعرفات في واقعه، مؤتمر عام تتجمع فيه قوى الخير وتتضامن وتتواصى بالحق والصبر، ولقد كانت خطبة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في حجة الوداع، في مؤتمر عام للمؤمنين، تقرر وتعلن على الملأ حقوق الإنسان وكل الحقوق المتنوعة، وقد أبان
(1/291)
________________________________________
فيها الحلال والحرام، وحذر من الاختلاف، ودعا إلى التآخي بين المؤمنين والتضامن والتعاون؛ حتى ينتصر الحق ويزهق الباطل.
وبهذه المناسبة لا أنسى أن أشير وأن أنوه وأن أشيد بجهود المملكة العربية السعودية الدعوية وغير ذلك في الحج، ويطول الحديث عن ذكر ما تقوم به المملكة خدمة لحجاج بيت الله في جميع المجالات، ولكنني -هنا- أشير إلى جهودهم في الدعوة إلى الله -عز وجل- فدار الإفتاء وما تقوم به، ووزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، والجامعة والرابطة، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، كل هذه الأجهزة تعمل في الدعوة إلى الله -عز وجل- وتعلن على الملأ؛ مبينة لهم الدين القويم الذي بعث به سيد الأنبياء والمرسلين -صلى الله عليه وآله وسلم- فتنتشر وسائل الدعوة إلى الله -عز وجل- في كل مكان في المشاعر والمنافذ التي يدخل إليها الحجاج.
فهناك إذاعات داخلية وإرشادات ومكاتب وأماكن للفتوى ومطبوعات توزع، وأثناء منى وعرفات تقام السرادقات والأماكن التي تجمع المسلمين؛ لتلقيهم والترحيب بهم، وعقد ندوات ومحاضرات لهم، كل ذلك في الحقيقة استغلال جميل لهذه التجمعات؛ نشرًا لدين الله -تبارك وتعالى- وهذه إشارة يسيرة أشكر بها القائمين على الدعوة في هذا البلد الطيب المبارك، الذي يحمل -بحق وصدق- لواء الدعوة إلى الله على بصيرة من دين الله -عز وجل- حيث يعرف هؤلاء الرجال هناك العقيدة الصحيحة التي بعث بها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ويرفعون راية سنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
جـ- النوادي والمحافل:
والنوادي والمحافل: أماكن يتجمع فيها الناس بعضوية أو لمناسبات بعينها، وما دامت أماكن يتجمع فيها الناس؛ فإن على الدعاة أن يغشوها، وأن يكون لهم حضور فيها، وتأثير في جمهورها، وذلك بالدعوة إلى الإسلام وقيمه وآدابه وسلوكياته الراشدة الهادفة.
ولست هنا بصدد مناقشة كيف يصل الدعاة إلى الله إلى هذه النوادي والمحافل؛ لأن أنظمة النوادي أيًّا كان اتجاهها، فلن تعجز الداعية المتفتح عن الوصول إليها، بما أوتيه من لباقة وشخصية وقدرة على تخطي العقبات.
وأود أن أشير هنا ببعض المسائل والأمور، أو أن اقترح بعض الأعمال التي يجب أن يقوم بها الدعاة إلى الله -عز وجل- مع المدعوين في النوادي والمحافل، وأشير بما يلي:
(1/292)
________________________________________
أولًا: على الدعاة إلى الله -عز وجل- أن يعقدوا في هذه النوادي محاضرات جيدة، ويعدونها إعدادًا مناسبًا؛ يتناسب مع رواد النوادي، وأن يعقدوا أيضًا الدروس الأخلاقية المعدة إعدادًا جيدًا كذلك، وأن يشاركوا في بعض أنشطة النادي الرياضية التي تلائم الداعية وتحفظ عليه احترامه وهيبته.
وعلى الدعاة أيضًا أن يشاركوا في الرحلات التي يعدها النادي؛ ليكونوا على مقربة من كل نشاط يمارس في هذه النوادي وأن يوجهوا وأن ينصحوا الذين يمارسون هذه الأنشطة ويقومون بهذه الرحلات.
وعلى الدعاة إلى الله أن يوثقوا الصلات ببعض أعضاء النادي الذين يتمتعون بتأثير في عضوية النادي، أو تأثير في الرأي العام؛ لاستثمار هذه الصلة في صالح الدعوة إلى الله -عز وجل.
وعلى الدعاة أن يشجعوا رواد النوادي على ارتياد مسجد النادي، وإذا لم يكن فيه مسجد؛ عليهم أن يسعوا في إيجاد مكان للصلاة فيه. وهذه مسائل مهمة أود من الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- أن يستفيدوا منها لأنها أماكن يتجمع فيها الناس وقد تكون فيها الاتجاهات متوجهة وجهة غير سليمة.
أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى وهي المؤتمرات:
وأعني بالمؤتمرات: الدعوة إلى الله -عز وجل- من خلال المؤتمرات التي تعقد؛ لأن المؤتمر تجميع يدعى إليه أكبر عدد ممكن من مختلف المناطق المهتمة بالعمل الإسلامي، ويغلب على المدعوين في هذه المؤتمرات الثقافة كما يغلب عليهم الاهتمام بقضايا المسلمين إن كانوا مسلمين.
ويستهدف المؤتمر التقريب بين أرجاء العالم الإسلامي المترامي الأطراف، وعلى الدعاة أن يهتموا بالدعوة إلى الله -عز وجل- في هذه المؤتمرات ليس في قطر بعينة، ولكن
(1/293)
________________________________________
في أي قطر يمكن أن يعقد فيه مؤتمر؛ توثيقًا للأخوة الإسلامية، ودعمًا لفكرة أن المؤمنين إخوة؛ وذلك يساعد على وحدة المسلمين ويحي فكرة الأمة الإسلامية الواحدة بينهم، ويوصل دين الله -تبارك وتعالى- إلى هذه الجموع الموجودة، فعلى الدعاة إذًا، الاستفادة من هذه التجمعات التي يلتقي فيها أرباب الثقافة ورموز الأمة، وأن يساهموا في توجيه برامج هذه المؤتمرات بما يعود على المسلمين بالفوائد العاجلة والآجلة.
أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى أخيرة وهي التجمعات النسائية:
للمرأة دورًا كبير ومكانة عالية في المجتمع؛ فهي الأم، والزوجة، والبنت، وعليه: فيجب الاهتمام بهن والدعوة بينهن، كما يجب الاهتمام بالتجمعات النسائية، ومهما تنوعت الاجتهادات وتغيرت الاتجاهات؛ فإن ذلك لا يخفي حقيقة أن المرأة كان لها وجود مكثف في الأسرة وفي المجتمع، وكان النساء في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقمن بدور فعال في الدعوة إلى الله -عز وجل.
وبالتالي: على الدعاة أن يوجهوا قسطًا كبيرًا من الدعوة إلى الله في وسط النساء، وأن يهتم الدعاة بهن؛ حتى يخرجن من بين هؤلاء النسوة فضليات يدعون إلى الله -تبارك وتعالى- ولقد كانت أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- عالمة فقيهة تدعو إلى الله -عز وجل- بنور من كتاب الله وهدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي هذا الإطار أود أن أشير إلى ضرورة إيجاد داعيات إلى الله -عز وجل- ينتشرن بين النساء وفي التجمعات النسائية؛ ليقمن بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى.
وختامًا أصلي وأسلم على خير الورى محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وسلم- والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/294)
________________________________________
الدرس: 9 الجهاد في سبيل الله تعالى.
(1/295)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع
(الجهاد في سبيل الله تعالى)
1 - الجهاد في سبيل الله

تعريف الجهاد وذكر أنواعه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين. وبعد:
فأحييكم أيها الإخوة الكرام في بداية هذا اللقاء، وعنوان هذا اللقاء الجهاد في سبيل الله تعالى، ويشتمل على العناصر التالية العنصر الأول تعريف الجهاد، وذكر أنواعه، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- كلمة عن الحروب بصورة عامة:
قبل أن أفصّل القول في موضوع الجهاد في الإسلام أود أن أتكلم عن الحرب بصورة عامة، فأقول -وبالله التوفيق-:
منذ أن وُجِدَتْ البشرية على سطح الكرة الأرضية، وهناك صراعٌ بين الحق والباطل، بين قوى الخير وقوى الشر، ولعل هذا ما يشير إليه قول الله -تبارك وتعالى-: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (المائدة: 27: 31).
فهذه الآيات تبين ما جرى بين ابني آدم، وهذا كان في أول الخلق كما نعلم ذلك؛ لأن آدم -عليه السلام- هو أبو البشر، وأبو المخلوقات من بني آدم، وقد حصل هذا مع اثنين من أولاده، فدل هذا على أن الصراع بين الحق والباطل قديمٌ جدًّا.
كما يذكر لنا القرآن الكريم موقف موسى -عليه السلام- من بني إسرائيل، وقد طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة ويقاتلوا القوم الجبارين، فجبنوا وتخاذلوا وتقاعسوا، وهذا هو شأنهم دائمًا، النكس بالعهود، وعدم الاستجابة للأوامر، وظهورهم على حقيقتهم الجبانة إذا داهمهم خطرٌ محققٌ، قال الله -تبارك
(1/297)
________________________________________
وتعالى- في بيان ذلك: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة: 21: 23).
وقال سبحانه مبينًا دفع الناس بعضهم ببعض: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 40).
ويمكن إرجاع الحرب التي تحدث بين الشعوب والأمم إلى أسباب، هي:
السبب الأول: المنافسة التي تحدث بين القبائل المتجاورة عادة، ولعل الحروب الطاحنة التي دارت رحاها بين القبائل العربية قبل الإسلام تؤيد هذا السبب، وتبرز صحته، وأذكر على سبيل المثال من ترك الحروب حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس.
السبب الثاني: العدوان الذي ينشأ بين الأمم المتأخرة في الثقافة والحضارة، وكثيرًا ما تستهدف تلك الأمم استغلال الشعوب المستضعفة، وبسط سلطانها عليها لتسخيرها لأغراضها العدوانية، وللاستفادة من منافع بلادها بغير حق.
السبب الثالث: الغضب لله ولدينه، وهو الجهاد المشروع في الإسلام، ومن أنواعه: الدفاع عن كلمة التوحيد، والسعي لعبادة الله في الأرض، وإقامة شعائر الدين، وهذا ما سأتحدث عنه بتفصيل -إن شاء الله تبارك وتعالى- فيما سيأتي بعد.
(1/298)
________________________________________
السبب الرابع: غضبٌ للسلطان، وهي الحرب التي يخوضها صاحب السلطان ضد المتمردين على حكمه الخارجين على سلطانه.
أما الجهاد في الإسلام، فهو جهاد إنساني لم يشهد المؤرخون أنبل من أغراضه، ولا أسمى من أهدافه، ولا أرفع من مقاصده، فهو يجنح للسلم إن طلب العدو ذلك، وهو رحيم رفيق لا يعتدي ولا يأخذ على حين غرة، ولا يقتل شيخًا مُسِنًّا، ولا امرأة، ولا طفلًا، ولا آمنًا غير باغٍ ولا آثم، وشريعة الإسلام في الجهاد شريعة عادلة غير معتدية كغيرها من الشرائع الإسلامية التي جاءت لتحمي لا لتبدد، ولتعدل لا لتبغي لا لتفرق، ولتنشر السلام والأمن لا لترهب الضعيف الآمن.
ولقد ظل رسول الهدى والرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم- في مكة المكرمة ثلاثة عشرة سنة يدعو إلى عقيدة التوحيد بالحسنى، ويصبر على أذى المؤذين واعتداء المعتدين، ولم تمتد يده الشريفة لرد الأذى، أو لدفع العدوان بعدوان مثله، وإنما -صلى الله عليه وآله وسلم- صبر وصابر، وحث المسلمين على الثبات والتحمل والدفع بالحسنى، ورد الإيذاء بالقول الحكيم حتى ضاقت نفوس الصحابة -رضوان الله عليهم- مما عانوا ومما لاقوا من عنت المشركين، ومن مضايقة الضالين، ومن اعتداء المعتدين، فما كان منهم إلا أن تركوا الديار والأهل والأوطان والمال أيضًا، تركوا ملاعب الصبًا ومرتع الشباب، تركوا الأحبة والأصحاب، وهان عليهم المال والممتلكات؛ فهاجروا من مكة إلى الحبشة مرتين فرارًا بدينهم، وإيثارًا لما عند الله من ثواب وأجر، ولقد كانت الآيات في هذه المرحلة تتنزّل على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وتأمره بالصبر والعفو عن هؤلاء الجاهلين المكذبين، وبيان ذلك في قول الله تعالى مثلًا: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199) وكقوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصّلت: 34).
(1/299)
________________________________________
وقال -جل من قائل- مبينًا شيئًا من صفات عباد الرحمن، وكيف كانوا يواجهون أهل البغي والعدوان، يقول سبحانه: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} (الفرقان: 63).
وقال -جل شأنه-: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف: 35).
ونزلت الآيات تطرى في تثبيت جلال الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وفي الصبر على تحمل واجبات الدعوة، وفي احتمال الأذى في سبيل الله، ولِمَ لا يكون ذلك وقد أمره ربه -سبحانه وتعالى- بذلك في قوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 124).
وقد كانت الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة تنفذ من وراء الحجب، وتدخل إلى النفوس والقلوب؛ فتلين لها القلوب، وتخضع لها النفوس، وتهذب بها الأخلاق، وتسمو بها الأرواح، وتطمئن لها الضمائر، وتنشط الأجسام، وتستنير العقول، وكان كل مَنْ يعرف الإسلام ويقتنع بهذه الدعوة المثلى يذهب إلى قومه، ويبشرهم بجنة عرضها السموات والأرض، إن هم نطقوا بالشهادتين إيمانًا واحتسابًا، وإن هم اطمئنوا بالتوحيد، وإن صدقت قلوبهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فيما يدعو إليه؛ ولهذا رأينا أن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، ولكن الشر وأعوانه، والشرك وأتباعه، والباطل وأهله ساءهم ظهور الحق، وساءهم أن يروا الناس مؤمنين موحدين، فأوقعوا الأذى المادي والمعنوي، والعذاب بكل أصنافه وبشتى مراتبه في النفوس الأبية الموحدة، وانتفش الضلال، وازداد المكر، وظن الكفر أن الصولة والجولة له فتعمق في غوايته، وتفنن في مفاسده، وكانت حربًا نكراء على المسلمين المؤمنين؛ إذ أن وجود الإسلام والمسلمين المتمسكين به يرعب الكافرين، ويخيف أعداء الدين، والله -تبارك وتعالى- كما أخبر في كتابه
(1/300)
________________________________________
مع الذين آمنوا، ومع الذين اتقوا، والذين هم محسنون، واتجهت إرادة الله -تبارك وتعالى- لابتلاء المؤمنين ولتمحيصهم، ولإظهار حقيقة تمسكهم بالحق وثباتهم عليه، وتفانيهم في سبيله؛ ففرض الجهاد بعد الهجرة إلى المدينة المنورة.
ولعلي بهذا قد أوضحت أمرًا مهمًا بين حديثي عن الجهاد في سبيل الله، هو أن الصراع قائمٌ بين الحق والباطل، وأن الجهاد في سبيل الله -عز وجل- تطلبته مواقف، ودعت إليه أمور، وهو أمرٌ يختلف تمامًا عن الحروب التي كانت تقوم وتدور رحاها بين الكافرين والجاهلين قبل بعثة النبي الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم.
ب- تعريف الجهاد:
عَرّفَ العلماء الجهاد لغة بأنه: المشقة، فيقال: جَهدت جهادًا أي: بلغت المشقة، وجاهد العدو مجاهدة وجهادًا قاتله، وجاهد في سبيل الله كذلك، وفي الحديث: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)) والجهاد محاربة الأعداء، وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قولٍ أو فعلٍ، والمراد بالنية التي يشير إليها العلماء عند تعريفهم للجهاد، أو قولهم: بأن الجهاد في سبيل الله لا بد أن يكون كذلك، أو ما جاء في الحديث: ((ولكن جهاد ونية)) المراد بالنية هنا: إخلاص العمل لله، والمعنى: أنه لم يبق بعد فتح مكة هجرة؛ لأنها قد صارت دار إسلام، وإنما هو الإخلاص في الجهاد وقتال الكفار، وإن بقيت الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وأيضًا هجران المعاصي والذنوب والآثام، وما إلى ذلك.
وعلى هذا فالجهاد هو المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب واللسان، أو ما أطاق من شيء، وفي حديث الحسن -رضي الله تعالى عنه-: "لا يجهد الرجل ماله ثم يقعد يسأل الناس" قال النضر: قوله: "لا يجهد الرجل ماله" أي: يعطيه ويفرقه جميعًا ها هنا وها
(1/301)
________________________________________
هنا، وهذا في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (البقرة: من الآية: 219) هذا هو معنى الجهاد في اللغة.
أما الجهاد في الشرع، فهو: بذل الجهد في جهاد الكفار؛ لأن الكفر بالله يعتبر من أكبر الجرائم الشنيعة التي يرتكبها مخلوقٌ في حقِّ خالقه؛ لما فيه من عقوقٍ وجحودٍ للفضل والجَميل، ويُطلق الجهاد في الشرع أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، وتتحقق مجاهدة النفس بتعلم أمور الدين؛ لقول الله -تبارك وتعالى-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} (محمد: من الآية: 19) ولقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: من الآية: 28).
ولقول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين)) ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((العلماء ورثة الأنبياء)) كما يتحقق بأمور الدين بالعمل وتعليم الدين ونشره مصداقًا لقول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث كثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقِه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومَثَلُ مَنْ لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به)).
وقال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: "كونوا ربانيين حلماء فقهاء" ويقال الرباني: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ إذن الجهاد يكون أيضًا بتعلم أمور الدين ونشره والدعوة إليه.
أما مجاهدة الشيطان فإنها تتحقق بدفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات؛ إذ أن الشيطان متوعد لآدم وبنيه، وذلك واضح من قول الله -تبارك
(1/302)
________________________________________
وتعالى-: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأعراف: 16، 17).
وأما مجاهدة الفساق فتحقق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبإلزامهم على الحق واتباعه، واجتناب المنكر والتبري منه؛ لقول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) وفي رواية: ((وليس بعد ذلك من حبة خردل من إيمان)).
وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وتكون مجاهدتهم أكبر وآكد إذا اعتدوا على حرمات المسلمين وأوطانهم ومقدساتهم إلى أن يعود الأمن إلى ديار المسلمين، وتعلو كلمة الله دون أن تَحُدّ منها فتنة المفتنين وضلالة المضلين، قال الله -تبارك وتعالى-: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} (البقرة: من الآية: 193).
وسيأتي توضيحٌ لذلك أكثر -إن شاء الله تبارك وتعالى- فيما سيأتي بعد، ولكني أردت هنا أن أبين عند تعريفي للجهاد في الشرع أنه يشمل الجهاد بالسيف والسنان، ويشمل أيضًا الجهاد في سبيل دفع الشيطان، وفي نشر رسالة الإسلام، ورد المعتدين من الفساق والظالمين، وما إلى ذلك.
جـ- أنواع الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى-:
للجهاد أنواع كثيرة منها:
النوع الأول: الجهاد بالنفس، أي: أن يذهب المؤمن بنفسه، ويقاتل أعداء العقيدة وأعداء الدين، والجهاد بالنفس أعلى مراتب الجهاد وأعظمها قدرًا وأعلاها شأنًا، وهل يملك الإنسان أغلى من روحه فيجود بها في سبيل الله، قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مشيرًا ومبينًا عظمة الجهاد بالنفس في سبيل الله -تبارك وتعالى- يقول: ((انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يُخرِجه إلا إيمانٌ وتصديقٌ برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل)).
(1/303)
________________________________________
النوع الثاني من أنواع الجهاد: الجهاد بالمال، فالمسلم القادر يجهز نفسه بماله، ويجاهد كذلك في سبيل الله -عز وجل- بنفسه، فيكون قد جمع بين فضيلتين عظيمتين: الجهاد بالنفس، والجهاد بالمال، وقد يكون غير قادر جسميًا على القتال، ولكنه قادر ماليًّا فينفق من ماله لمساعدة المجاهدين بالنفس في سبيل الله -تبارك وتعالى.
وفي عهد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كان المجاهد المسلم يجهز نفسه بعدة القتال، وبمركب القتال، وبزاد القتال، ولم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند، وإنما كان العمل تطوعًا بالنفس وتطوعًا بالمال، وهذا شأن العقيدة حين تسكن في القلب، وكان كثيرٌ من الفقراء المسلمين الراغبين في الجهاد في سبيل الله تعالى والزود عن منهج الله في أرضه وراية العقدية، لا يجدون ما يزودون به أنفسهم، ولا ما يتجهزون به من عِدة ومركب؛ فيلجئون إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يطبلون منه الوسيلة التي تحملهم إلى ميدان المعركة البعيد الذي لا يبلغه على الأقدام، فإذا لم يجدوا ذلك {تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} (التوبة: من الآية: 92).
النوع الثالث من أنواع الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى-: المساعدة على الجهاد:
وأود من إخواني المستمعين أن ينتبهوا لهذه المسألة؛ لأن البعض قد يغفل عنها، وقد يظن أن الجهاد بالنفس أو بالمال فقط، فإذا لم يحب أن يجاهد بنفسه، أو ضعف عن ذلك لسببٍ ما، أو كان ليس عنده مال ظن أنه قد برئ بذلك، ولم يفعل شيئًا، ولم يقدم خيرًا للمجاهدين في سبيل الله -تبارك وتعالى- وهذا في الحقيقة أمرٌ غير صحيح، بل إن المساعدة على الجهاد في سبيل الله نوعٌ من أنواع الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى- ويكون ذلك بالإسهام في كل عملٍ من شأنه التمكين من أسباب النصر، ويتحقق هذا بمضاعفة الجهد في الإنتاج الحربي، سواء كان ذلك بالصناعة أو
(1/304)
________________________________________
الزراعة أو التجارة، وبالمساهمة في *** المعدات الحربية، أو العمل على إنتاجها وترقية مستواها؛ لتضارع أرقى الأسلحة وأقواها.
ويتحقق الجهاد أيضًا بإعداد الجنود إعدادًا دينيًّا تربويًّا وخلقيٌّا وعسكريًّا، ومن ثَمّ تدريبهم على أحدث الأسلحة وأجودها؛ حتى يكونوا مسلمين مجاهدين، فالتربية والخُلق مطلبٌ ديني حري أن يتحقق، بل يجب أن يكون الخُلق قبل التدريب على حمل السلاح والدعوة إلى الجهاد، وقبل التحام الجيشين للقتال؛ لأننا نحن المسلمين نقاتل من أجل عقيدة لها قيمها، ولها مبادئها ومثلها، وإذا أردنا أن ننتصر على قوى الشر فعلينا أن نقف على قاعدة صلبة من الإيمان والتقوى، والخُلق الكريم، فإننا بهذه المُثل وبتحقيقها نستطيع -إن شاء الله تبارك وتعالى- أن ننتصر، والله -عز وجل- ينجز وعده للمتقين الذين يحيون بالعقيدة، ومن أجلها قال الله -جل ذكره- مبينًا وعده هذا لعباده المؤمنين: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: من الآية: 40).
وقال سبحانه: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} (غافر: 51).
وقال -جل ذكره-: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (الحج: 41) تأملوا قوله سبحانه: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ ... } إلى آخره، فلا بد إذن من الاعتقاد الصحيح، ومن العمل بهذا الدين، ومن الخُلق القويم؛ حتى ننال وعد الله -تبارك وتعالى- بالنصر والتمكين، أما أولئك القوم الذين يتركون العبادات، ويفعلون المنكرات، ويرتكبون ما حرم الله -تبارك وتعالى- ففيم يريدون أن يجاهدوا إذن؟
هؤلاء في الحقيقة قومٌ فاسقون يجب جهادهم أولًا، وهم في حقيقة الأمر ليسوا جنودًا للإسلام، وإنما هم جنودٌ للأهواء والشهوات، إن الجندي المسلم هو الذي يحمل المصحف بيد ويحمل السلاح باليد الثانية، هذا المجاهد حقًّا، وهذا الذي وعده الله -عز وجل- بإحدى الحسنيين: إما النصر وإما الجنة.
(1/305)
________________________________________
ومن المساعدة على الجهاد أيضًا -أيها الإخوة الكرام-: أن يتبرع الإنسان بالدم، فالتبرع بالدم كالتبرع بالمال سواء بسواء، وهو من المساعدة على الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى.
ومن المساعدة أيضًا: حراسة أجهزة الدولة من تخريب العدو، والتصدي لدعايات العدو وإشاعات المنافقين والمغرضين، ومن ثَمّ كشفها والرد عليها بالكلمة الواضحة.
ويتحقق الجهاد أيضًا بالعمل البناء لإقامة التضامن الإسلامي، وتكتيل جهود المسلمين، وتوطيد أواصر المحبة بينهم، وتوجيه قواهم المادية والمعنوية لمقاومة العدو المتربص بالمسلمين الدوائر، وعلى المؤمنين أن يحفظوا أسرار المجاهدين كي لا تتسرب للعدو، وأن يعملوا رعاية أسر المقاتلين والشهداء بأي نوعٍ من أنواع الحماية والإحسان، وذلك تصديقًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا)) وكان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يكن يدخل بيتًا بالمدينة غير بيت أم سُليمٍ -رضي الله تعالى عنها- إلا على أزواجه؛ فقيل له في ذلك -يعني: قيل له: لِمَ تدخل بيت أم سُليمٍ؟ - فقال: ((إني أرحمها، قُتِلَ أخوها معي)) وهذا أيضًا لون من المساعدة في سبيل الله -تبارك وتعالى- وذلك بالمواساة، وتقديم المساعدة بأي لونٍ من ألوان التقديم.
وأحب أن أشير للمستمع الكريم إلى أن الإمام ابن القيم -رحمه الله تبارك وتعالى- ذكر كلمات عن مراتب الجهاد في سبيل الله -عز وجل- وهي تدخل تحت أنواع الجهاد، وسأشير إليها الآن إشارة يسيرة خفيفة كي أبصر إخواني بأن الجهاد لا يقتصر على الجهاد بالنفس فقط كما ذكرت آنفًا، وإنما يتعداه إلى أمورٍ أُخر.
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله تبارك وتعالى-: "الجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين".
(1/306)
________________________________________
ثم ذكر أن جهاد النفس يقع أيضًا في أربع مراتب: إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق، والثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، والثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه مَنْ لا يعلم، ورابعها: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- أذى الخلق.
ثم أشار إلى جهاد الشيطان، وذكر أنه مرتبتان: إحداهما: جهاده على دفع ما يُلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان، والثانية: جهاده على دفع ما يُلقي إليه الشيطان من الإرادات الفاسدة والشهوات.
ثم قال: "وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخص باليد وجهاد المنافقين أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.
ثم قال -رحمه الله-: وأما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات فثلاث مراتب: الأولى باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه".
فهذه ثلاث عشر مرتبة من الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى- هذه كلمات يسيرة ذكرها الإمام ابن القيم -رحمه الله تبارك وتعالى- وهي تفيدنا هنا عند حديثي عن أنواع الجهاد في سبيل الله -عز وجل.

مشروعية الجهاد وسببه ومراحله وفضله
مشروعية الجهاد، وسببه، ومراحله، وفضله، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- تاريخ تشريع الجهاد في الإسلام:
قال الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تبارك وتعالى- في تفسيره: شرع الله -تبارك وتعالى- الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأن المسلمين كانوا بمكة أقل عددًا، وكان المشركين أكثر عُدة وعددًا، فلو أمر الله المسلمين، وهم أقل من العشر
(1/307)
________________________________________
بقتال الباقين لشق عليهم ذلك، فلما بغى المشركون، وأخرجوا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من بين أظهرهم وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شذر مذر؛ فذهبت طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة، فلما استقر بالمدينة ووافاهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وسارت لهم دار إسلام ومعقلٍ يلجئون إليه، شرع الله -سبحانه وتعالى- جهاد الأحزاب.
ويرى بعض العلماء أن هناك حكمة أخرى من وراء تأخير تشريع الجهاد إلى ما بعد الهجرة، وهي: أن الإسلام يحرص كل الحرص على تربية نفوس المؤمنين كي يصبحوا أهلًا لتحمل الأمانة، وأهلًا للدافع عن العقيدة، فأصّل فيهم الفضائل، وبذر فيهم بذور الصبر والمصابرة، والثبات والمجاهدة، واحتمال المكاره، وأعدهم إعدادًا جعل منهم نماذج فريدة للشجاعة والثبات، والنضج والوعي يهابهم المشركون، ويحتسبون منهم، ويخافون من مواجهتهم رغم قلة عددهم، والإيمان يفعل الأعاجيب، ويورث في النفس البشرية شحنة عالية من الطاقة المتدفقة، ورصيدًا هائلًا من القوة الفاعلة الدافعة، وهذا في الحقيقة ثمرة جليلة من ثمرة العقيدة الإسلامية الصحيحة.
فالإسلام إذن ما شرع الجهاد إلا بعد أن ربى هؤلاء الفتية تربية صحيحة سليمة، دفعتهم إلى الاستجابة لأمر الله -تبارك وتعالى- حينما طُلِبَ منهم الجهاد في سبيل الله -عز وجل- وقد اتفقت كلمة علماء المسلمين على أن الجهاد إنما شُرِعَ بعد الهجرة؛ حيث واصل المشركون عدوانهم على المؤمنين، وذلك بتعزير مَنْ بقي منهم بمكة، وملاحقة مَنْ هاجر إلى المدينة، وبحبك المؤامرات للقضاء على الدعوة في مهدها، ونجد أن صاحب الدعوة -صلى الله عليه وآله وسلم- إزاء هذا العدوان المرير المتواصل، وإزاء تجاوز قريش لحدود العقل والمنطق، وذلك في إيقاعها الضرر تلو الضرر بالمسلمين المؤمنين البررة الأتقياء، كان يتطلع إذن إلى أن يرد هذا العدوان
(1/308)
________________________________________
عنه وعن أصحابه؛ ولذلك أذن الله -تبارك وتعالى- لرسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- بالقتال ردًّا للعدوان، وتثبيتًا لدعائم الدولة الإسلامية، وفي ذلك يقول الحق -تبارك وتعالى-: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 39، 40).
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتابه (زاد المعاد): إن الله -تبارك وتعالى- لم يأذن للمسمين في القتال بمكة، إذ لم يكن لهم يوم ذاك شوكة يتمكنون بها من القتال، وإن سياق الآية يدل على أن الإذن كان بعد الهجرة، وبعد إخراجهم من ديارهم، فإنه -سبحانه وتعالى- قال: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} وهؤلاء هم المهاجرون، وإن الله سبحانه أمر المؤمنين بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد والسيف والآلة وغير ذلك، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة.
فأما جهاد الحجة فهو يختلف عن القتال اختلافًا بينًا، والفرق بينهما جليٌّ وظاهر، وقد أُمر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بجهاد الحجة في مكة المكرمة بقول الله -تبارك وتعالى-: {فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} (الفرقان: 52) فهذه الآية الكريمة مكية، والمراد بالجهاد فيها: جهاد التبليغ والبيان، وجهاد الحجة والدليل والبرهان.
ب- سبب تشريع الجهاد:
الإسلام دين حجة وبرهان، الإسلام -كما نعلم جميعًا- دينٌ نزل من عند الله -تبارك وتعالى- ليحق الحق ويبطل الباطل، وهو دينٌ يقوم على الاقتناع العقلي والفهم لكل من يدخل
(1/309)
________________________________________
فيه، ولم يلزم الإسلام أحدًا على الدخول فيه إلزامًا، ولم يرغم أحدًا على قَبُولِه، فكيف يتهم بعد ذلك بأنه دين يلزم الناس بالدخول فيه، أو أنه يكرههم عليه؟! والجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى- لم يُشرع إلزام الناس على الدخول في دين الله، أو إكراههم على ذلك؛ ولهذا نقول بكل ثقة وبكل يقين في سبب مشروعية الجهاد في سبيل الله:
إن الجهاد في سبيل الله إنما شرع لرد العدوان، ودفع الشر، وللدفاع عن النفس، وهو مبدأ لا يمكن أن يجادل فيه عاقل منصف نزيه مهما كان معتقده، وقد واصل المشركون كيدهم اللئيم، ومكرهم الخبيث، وعدوانهم المتزايد على المسلمين أينما حلوا وفوق أي أرض نزلوا، وفي أي البلدان وُجِدوا وإلى أي الأقطار اتجهوا يوقعون بهم شتى أنواع الأذى، ومختلف ضروب العذاب؛ ليفتنوهم عن دينهم، وليردوهم على أعقابهم، وقد هموا بما لم ينالوا، هموا بقتل الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- صاحب الدعوة وحامل الرسالة لولا أن تدخلت عناية الله ورحمته من اليد الآثمة الشريرة، وصدق الله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} (المائدة: من الآية: 67).
وأمام تزايد ظلم قريش تطلع المؤمنون بالأمل الوثاب إلى يوم عزيز، يأذن الله به بقتال الكافرين ليجدوا طريقًا مشروعًا وسبيلًا سليمًا، يرفعون به ما لحقهم من ضيم وهوان، ويردون به ما نالهم من أذى وعذاب، ويستردون ما غُصِبَ منهم من حقٍّ ومالٍ وممتلكات، وعلى هذا فإن الإسلام دين عزة وقوة ومنعة، وليس بدين استسلام واستكانة، ورضى بالهوان، وطلب معيشة ذليلة، وهو لا يرضى للمسلمين الخنوع والجبن، وقبول واقع مرير وحياة وضعية، والفضيلة كل الفضيلة تتجلى في رد الاعتداء، ومنع الخضوع للأقوياء المشركين، ولو تُرِكَ الأشرار وشأنهم يعيثون فسادًا من غير رادعٍ يردعهم، ولا مانع يمنع طغيانهم وبغيهم لعم الفساد في البر والبحر، ومصداق ذلك في قول الله -تبارك وتعالى-:
(1/310)
________________________________________
{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة: من الآية: 251).
ولعل الحكمة من مشروعية الجهاد في الإسلام قد استبانت إذن، ويمكن إرجاعها إلى العوامل التالية:
أولًا: الدفاع عن النفس.
ثانيًا: رد العدوان.
ثالثًا: تأمين حرية العقيدة، وإقامة الشعائر الدينية.
يقول الشيخ عبد الله بن زيد المحمود -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتابه (الجهاد المشروع في الإسلام): لقد عشنا زمنًا طويلًا، ونحن نعتقد ما يعتقده بعض العلماء وأكثر العوام من أن قتال الكفار سببه الكفر، وأن الكفار يُقاتَلون حتى يسلموا، لكننا بعد أن توسعنا في علم الكتاب والسنة، والوقوف على سيرة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- تحققنا بأن القتال في الإسلام إنما شرع دفاعًا عن الدين، وعن أذى المعتدين على المؤمنين، وليس ذلك بالظن ولكنه اليقين، ثم استشهد -رحمه الله- بقول الإمام ابن تيمية: الصحيح أن القتال شرع لأجل الحرب لا لأجل الكفر، وهذا الذي يدل عليه الكتاب والسنة، وهو مقتضى الاعتبار، وذلك أنه لو كان الكفر هو الموجب للقتال لم يجز إقرار كافر بالجزية، وأعتقد بعد ذلك يتضح لكل بصير ومتأمل أسباب تشريع الجهاد في الإسلام.
جـ- مراحل تشريع الجهاد:
إن المتتبع لآيات الجهاد وزمن نزولها، وأقوال علماء التفسير فيها، يرى أن فريضة الجهاد قد مرت بمراحل تشريعية يمكن إجمال الكلام عنها في نقاط أساسية، هي -
(1/311)
________________________________________
وأنا ذكرتها هنا بتفصيل، وسيتضح ذلك بعد قليل عند ذكري لهذه المراحل الخمسة-:
المرحلة الأولى: تتمثل في الرد على عدوان كفار مكة، والتصدي لإيذائهم وظلمهم، وهذا ما يُفهم من قول الله -تبارك وتعالى-: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج: 39) ويؤيد هذا المعنى ما رُوي عن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: "إن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- قال حين نزلت هذه الآية: فعرفت أنه سيكون قتال" وهذا بمعنى التهيؤ والاستعداد لفريضة الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى.
المرحلة الثانية: السماح للمسلمين بقتال مَنْ يعتدي عليهم، ولعل هذا المعنى هو الذي يشير إليه قول الله -تبارك وتعالى-: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190) وقوله سبحانه: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (البقرة: 194).
المرحلة الثالثة: الإذن بقتال اليهود وإخراجهم من ديارهم، ذلك لأنهم نقضوا ما كان بينهم وما بين المسلمين من عهود ومواثيق، وتآزروا مع أعداء الدعوة لقتال المسلمين وقتال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فأنزل الله سبحانه قوله الكريم: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (الأنفال: 56، 57).
المرحلة الرابعة: الإذن بقتال قوى الشر متمثلة باليهود والنصارى الذين تكتلوا ووقفوا ضد الدعوة الإسلامية، ومنعوا الناس من الدخول في دين الله، وهذا المعنى يفيده قول الله -تبارك وتعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة: 29).
المرحلة الخامسة: الإذن بقتال أعداء الإسلام عامة من مشركين ووثنيين وأهل كتاب؛ نظرًا لتكتل هذه الطوائف، ومحاربتها للإسلام والمسلمين.
(1/312)
________________________________________
وقد ذكرت هذه المراحل السابقة لأبين أن هناك تنويع جاء في كتاب الله -تبارك وتعالى- للقتال في سبيل الله -عز وجل- يتمثل في التهيئة، والإعداد، والسماح بالاعتداء على من يعتدي عليك، والإذن بقتال اليهود والنصارى خاصة، وقوى الشر، ثم بعد ذلك يأتي الإذن بصورة عامة للقتال في سبيل الله -تبارك وتعالى لكل- الوثنيين والمشركين والمنافقين واليهود والنصارى وغير ذلك، وفي هذه المرحلة الأخرى أصبح الجهاد عامًّا غير مقيد بزمن، ولا بوقت، ولا بفئة من الكافرين.
يقول الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تبارك وتعالى- في تفسيره: ثم أمر الله بقتال الكفار حتى لا يكون فتنة -أي: شرك- ويكون الدين لله -أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان.
وبهذه الكلمات أنهي هذا اللقاء، وأصلي وأسلم على النبي المختار -صلى الله عليه وآله وسلم- والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

2 - تابع الحديث عن الجهاد في سبيل الله

فضل الجهاد، وثمراته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين. وبعد:
نتابع الحديث عن الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى. والعنصر الأول: فضل الجهاد وثمراته، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- فضل الجهاد:
الجهاد في سبيل الله -عز وجل- عزة وكرامة، وهو من أفضل الأعمال على الإطلاق عند الله -تبارك وتعالى- وثوابه يربو عن ثواب الحج والعمرة والصيام والقيام، ويكفيه فضيلة أن الله -تبارك وتعالى- قد تكفل للمجاهدين إما بالنصر والظفر، أو بالجنة والعاقبة الحسنى، وقد فاز الجهاد بالعديد من الآيات التي تشهد له بالفضل، والتي تَعدُ المجاهدين بالمثوبة التي لا تعادلها مثوبة، وإن الجهاد تجارة رابحة مع الله الديان الكريم الغني المعطي الرحيم قال -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
(1/313)
________________________________________
وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (الصف: 10: 12).
وقال -جل من قائل-: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} (النساء: 95).
وقال -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ} (التوبة: 111).
كما حظي الجهاد بالجم الكثير من الأحاديث الشريفة التي تشيد بفضل الجهاد، وتجعله في مقدمة ركب صالح الأعمال ثوابًا وأجرًا وفضيلة، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه بابًا قال فيه: "الجنة تحت بارقة السيوف"، وهو نص حديث مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال فيه: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)).
وقد ((جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: دلني على عمل يعدلُ الجهاد؟ قال: لا أجده، هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومَنْ يستطيع ذلك؟!)).
وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((مَثَلُ المجاهد في سبيل الله -والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة)).
وعلى هذا، فإن الجهاد يعتبر أفضل الأعمال الصالحة المطلقة، وفضيلته أعظم الفضائل باعتباره وسيله إلى إعلان الدين ونصره ونشره، وإخماد الكفر ودحضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك.
قال الإمام ابن تميمة -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتابه (السياسة الشرعية): لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد في الجهاد، فهو ظاهرٌ عند الاعتبار، فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أعمال
(1/314)
________________________________________
العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتمل من محبة الله تعالى والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد وذكر الله، وسائر أنواع الأعمال على ما يشتمل عليه عمل آخر، والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائمًا إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة.
وقد جعل الله للمجاهد منزلة رفيعة في مقياس الناس، وفي ميزان العدالة الإلهية، وإن الشهيد في مقامٍ كريمٍ عند رب العزة والجلال سبحانه، والشهداء في حواصل طيور خضر عند جنة المأوى، وليس أحدًا من أهل الجنة يتمنى أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يود أن يقاتل ويُقتل مرة ثانية، لماذا؟ ليحظى بما حظي به في المرة الأولى من روعة الاستقبال وبهجة اللقاء.
يقول رسول الهدى والرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث أغبر إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفَعَ لم يُشفّع)).
وقد شهدت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالحياة المنعمة التي لا موت فيها لمن قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله، قال رب العزة والجلال سبحانه: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران: 169).
وقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس في سبيل الله)).
وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إن في الجنة لمائة درجة لمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله)).
وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((مَنْ أغبر قدماه في سبيل الله حرّمه الله على النار)).
وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((رباط يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات أُجري عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمِنَ الفتان)).
وعن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه-:
(1/315)
________________________________________
((أن أم الربيع بنت البراء، وهي أم حارثة بن سراقة -رضي الله عن الجميع- أتت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقالت: يا نبي الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ألا تحدثني عن حارثة -وكان قُتِلَ يوم بدر أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء؟ فقال لها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنكِ أصاب الفردوس الأعلى)).
وللإمام ابن القيم -رحمه الله- له كلمات جليلة عن الجهاد في سبيل الله ومنزلته يقول فيها: لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كان لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في الذروة العليا منه، واستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجَنان والدعوة والبنان والسيف والسنان -صلوات الله وسلامه عليه- وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده؛ ولهذا كان أرفع العالمين ذِكرًا، وأعظمهم عند الله قدرًا، وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه، فقال له: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} (الفرقان: 51، 52) وهذه صورة مكية أُمِرَ فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن.
وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر الإسلام قال الله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (التوبة: 73) فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه، وإن كانوا هم الأقلين عددًا، فهم الأعظمون عند الله قدرًا.
(1/316)
________________________________________
ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل: أن تتكلم به عند مَنْ تخاف سطوته وأذاه، كان للرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- من ذلك الحظ الأوفر، وكان لنبينا -صلوات الله وسلامه عليه- من ذلك أكمل الجهاد وأتمه، ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: الجهاد 13:17 ((المجاهد مَنْ جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر مَنْ هجر ما نهى الله عنه)).
ولهذا كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أُمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له، متسلط عليه، لم يجاهده ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج، فهذان عدوان قد امتحنا العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذله ويرجف به، ولا يزال يُخيل له ما في جهادهما من المشاق، وترك الحظوظ، وفوت اللذات والشهوات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان.
قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} (فاطر: من الآية: 6) والأمر باتخاذه عدوًا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، كأنه عدو لا يفتر، ولا يقصر على محاربة العبد على عدد الأنفاس، فهذه ثلاثة أعداء أُمِرَ العبد بمحاربته وجهادها، وقد بُلي بمحاربتها في هذه الدار، وسُلطت عليه امتحانًا من الله له وابتلاءً، فأعطى الله العبد مددًا وعُدة وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأعطى أعداءه مددًا وعدة وأعوانًا وسلاحًا، وبلى أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم
(1/317)
________________________________________
لبعض فتنة ليبلو أخبارهم، ويمتحن مَنْ يتولاه، ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} (الفرقان: من الآية: 20).
وقال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} (محمد: من الآية: 4).
وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد: 31).
وقال الله -تبارك وتعالى- لعباده المؤمنين: {أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} (الأنفال: من الآية: 12).
وكل هذا يدل على فضل الجهاد في سبيل الله، وأن الله -تبارك وتعالى- مع المجاهدين في سبيله.
والخلاصة: أن الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى- له فضلٌ عظيمٌ، ومكانة عالية رفيعة، والمسلم لا ينفك عن الجهاد في سبيل الله أبدًا، فهو في جهادٍ دائمٍ، وأقول هذه الكلمة لأنني ما ذكرته من كلمات عن الإمام ابن القيم سابقًا تدعو الحاجة إلى أن أذكر ذلك، وقد ذكرت ما ذكرته لأشير إلى هذه المسألة، وهي: أن العبد في جهادٍ دائمٍ مع نفسه، ومع الشيطان، ومع عدوه المتربص به من الكفار والمنافقين، يجاهد نفسه ليحملها على الطاعة، وعلى بذل المال، والنفس في سبيل مرضاة الله -تبارك وتعالى- ويجاهد بلسانه وقلمه؛ ليبين معاني الإسلام ويرد على افتراءات المبطلين، ويجاهد في جميع أحواله في الرخاء والشدة، وفي حالة الضعف والقوة، وفي حالة الفقر والغنى، كما قال تعالى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (التوبة: 41).
وإذا فعل العبد ذلك كان له عند الله العاقبة الحسنى، وقد تلوت فيما مضى بعضًا من آيات كتاب الله، وبعضًا من أحاديث النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- التي تشير إلى ذلك، وقد توسعت شيئًا ما في ذِكر فضل الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى- لأدفع المؤمنين إليه، ولأبين لهم أنهم إن أرادوا الخير، ونشر الإسلام والدعوة إليه، أن يجاهد في سبيل الله بجميع أنواع الجهاد المشروعة والمطلوبة،
(1/318)
________________________________________
ولهم إن فعلوا ذلك عند الله -تبارك وتعالى- عظيم الخير والفضل.
ب- ثمرات الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى-:
إن ثمرات إقامة الجهاد في سبيل الله كثيرة أذكر منها هنا ما يلي:
أولًا: إعزاز المسلمين وإذلال الكافرين، وهذه ثمرة مهمة للغاية، إن الجهاد في سبيل الله يُعد قمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصف المولى -عز وجل- هذه الأمة بصفات القيادة الرشيدة في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110).
قال الإمام القرطبي -رحمه الله-: قوله: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم.
وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أُخرجت لتكون طليعة وتكون لها القيادة بما أنها هي خير أمة، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض، إن هذه الأمة تعمل على نشر الخير، وعلى ***** المجتمعات من عناصر الفساد، وهي تسعى جاهدة كي تبني مجتمعات صالحة على أسس من القيم والمبادئ، والاعتقادات، والنظم، والأخلاق، والمعارف، والعلوم المستمدة من المنهج الرباني الحكيم، وهذه الأهداف النبيلة تجعل قيادة الأمة تنازل قوى البغي في ميادين الجهاد؛ لأن القوى الكافرة دائمًا وأبدًا تُعد العدة وتبذل جهدها للقضاء على الإسلام والمسلمين؛ ولهذا تركب الأمة صهوات المجد، وتسل سيفها ضد أعداء البشرية مما يعتقدون الكفر والضلال والفساد، فتكون ثمرة هذا الجهاد المبارك هي القضاء على شوكة الكفار وإذلالهم، وإنزال الرعب في قلوبهم، وتطهير الأرض من سيطرتهم.
(1/319)
________________________________________
إن المشركين والكفار لا يراعون في المسلمين إذا قدروا عليهم عهدًا ولا قرابة، كما قال ربنا -سبحانه وتعالى- في كتابه: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًًا وَلا ذِمَّةً} (التوبة: من الآية: 8).
وقال سبحانه: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًًا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} (التوبة: 10).
وقال -جل مَنْ قائل-: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة: من الآية: 120).
لهذا كان الجهاد في سبيل الله هو الفيصل بين المسلمين وأعدائهم؛ لأنه يثمر بإذن الله -تبارك وتعالى- القضاء على قوة الكفر وإذلال طغاته، وإذلال حزبه، وخزيهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، كما قال -تبارك وتعالى-: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} (الأحزاب: 25: 27).
إن الله -تبارك وتعالى- قد رتب على الجهاد قتال الكافرين، وتعذيب أعداء الله وخزيهم، ونصر المجاهدين عليهم، وشفاء صدور المؤمنين الذي أوغر أعداء الله صدورهم، وإذهاب غيظ قلوبهم بما يدخل عليهم من السرور بكسر شوكة أعداء الله والقضاء على قوتهم، كما قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 14، 15).
لقد قام النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بحركة الجهاد، واستطاع أن يقضي على شوكة الكفر في الجزيرة، وأن يرد كيد اليهود، ووجه ضربات موفقة للنصارى، وسار الصديق -رضي الله تعالى عنه- على نفس المنهج، وخاض حروب الرِّدة، وقضى على مُسيلمة الكذاب، فكانت
(1/320)
________________________________________
معاركه -رضي الله تعالى عنه- ضد المرتدين من أكبر الأسباب على نصر الإسلام وأهله، وبعد انتهاء حروب الرِّدة قام بحركة الجهاد ضد الفرس والروم، واستمر الخلفاء من بعده على نفس المنوال، وامتدت رقعة الإسلام من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، وأخذت جيوش الإسلام تدق معاقل النصرانية في أوروبا، وبسطت نفوذها على بلدان كثيرة، وهذا إعزازٌ للمسلمين وإذلال للكافرين، وهذه هي الثمرة الأولى من ثمرات إقامة الجهاد في سبيل الله.
الثمرة الثانية: دخول الناس في دين الله أفواجًا، إن أهل الباطل يستهينون بأهل الحق ويستضعفونهم ما لم يكونوا أعزة، والتاريخ يشهد على أن الناس يحترمون الحق الذي تحرسه القوة، وعندما يكونوا أهل الحق أعزة يدخل الناس في دين الله أفواجًا، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عندما أسس دولة للإسلام، واكتملت لها المقومات اللازمة، وشرعت في بعث السرايا والقيام بالغزوات ضد أعداء الإسلام، ووقعت بينهم وبين المسلمين معارك كان الانتصار في الغالب للمسلمين على المشركين، وبلغت قوة المسلمين ذروتها عندما وقع الصلح بينهم وبين المشركين في الحديبية؛ حيث اعترف أهل الكفر بدولة تعقد المعاهدات وتفاوض وتصالح، وكثر الداخلون في الإسلام، وعندما نقضت قريش الصلح غزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة ففتحها، ودخلها منتصرًا مظفرًا، فماذا كان بعد هذا الفتح المبين؟
قال محمد بن إسحاق -رحمه الله تبارك وتعالى-: ولما افتتح رسول -صلى الله عليه وآله وسلم- مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تُسمى الوفود، وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش؛ لأن قريشًا كانوا إمام الناس وهاديتهم، وأهل البيت والحرم، وقادة العرب لا ينكرون
(1/321)
________________________________________
ذلك، وكانت قريش هي التي نصرت الحرب لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وخلافه، فلما افتتحت مكة، ودانت لهم قريش ودخلت في الإسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولا على عداوته، فدخلوا في دين الله، كما قال الله -جل ذكره-: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (النصر: 1: 3).
فكان دخول الناس في دين الله أفواجًا بسبب هذا الفتح المبين، وهذا النصر العظيم، والجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى- واستمر الأمر كذلك بعد انتقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- للرفيق الأعلى، فكان الجهاد هو الذي يقضي على حركات التمرد والشقاق، ويجبر المتمردين على الخضوع للإسلام والانقياد لشرعه، واحترام أهله، وقد أدرك ذلك أبو بكر الصديق -رضي الله تبارك وتعالى عنه- حينما قام بمواجهة المرتدين.
الثمرة الثالثة من ثمرات إقامة الجهاد في سبيل الله: إسعاد الناس بنور الإسلام وعدله ورحمته:
إن الجهاد في سبيل الله يحقق الرحمة للبشرية في الأرض، ويدفع الظلم والاعتداء، ويسعد الناس بهذا الدين الذي هو نور كله، ويُخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور العلم والهداية والتوحيد، كما قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 257).
وما أروع جهاد ذي القرنين في القرآن الكريم؛ حيث تحرك بجيوشه لدعوة الله الخالدة، ووظف كل إمكاناته من أجل نشر التوحيد وتعريف الناس بخالقهم، ولقد جمع بين الفتوحات العظيمة بحد السف، وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان، فكان إذا ظفر بأمة أو شعب دعاهم الحق والإيمان بالله تعالى قبل العقاب أو الثواب، وكان حريصًا على الأعمال الإصلاحية في كافة الأقاليم
(1/322)
________________________________________
والبلدان التي فتحها، ولقد وجد في إحدى رحلاته الجهادية للدعوة قومًا لا يكادون يفقهون قولًا، وقد وقع عليهم ظلم عظيم، وتخوفوا من قدوم يأجوج ومأجوج عليهم، فعرضوا عليه المال من أجل أن يبني لهم سدًّا؛ فقام بمدافعة الظلم المتوقع، واعتذر عن أخذ الخراج، وشرع في نقلهم من الجهل إلى العلم، والتخلف إلى التقدم، والكسل إلى العمل، والضعف إلى القوة، ومصداق ذلك في قول الله: {قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} (الكهف: 95: 97).
كان ذو القرنين حريصًا على مصلحة الناس ناصحًا لهم فيما يعود عليهم بالنفع؛ ولهذا طلب منهم المعونة الجسدية بما في ذلك تنشيط لهم، ورفع لمعنوياتهم، ومن نصحه وإخلاصه لهم: أنه بذل ما في الوسع والخدمة أكثر مما كانوا يطلبون، فهم طلبوا منه أن يجعل بينهم وبين القوم المفسدين سدًّا، أما هو فقد وعد بأن يجعل بينهم ردمًا، والردم هو الحاجز الحصين، والحجاب المتين، وهو أكبر من السد وأوثق، فوعدهم بفوق ما يرجون، إن قول الله تعالى: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} فيه مَعْلَمٌ بارز في تضافر الجهود وتوحيد الطاقات والقدرات والقوى؛ لأن الأمة التي تنام ولا تتحرك، ولا تعمل على دفع الذل والمهانة وتسلط أعدائها عليها هذه الأمة تُعد أمة ضائعة، لقد استطاع ذو القرنين أن يفجر طاقات المستضعفين، ووجههم نحو التكامل؛ لتحقيق الخير والغايات المنشودة.
إن المجتمعات البشرية غنية بالطاقات المتعددة في المجالات المتنوعة، ويأتي دور القيادة الربانية في الأمة لتربط بين كل الخيوط والخطوط، والتنسيق بين المواهب والطاقات، وتتجه بها نحو خير الأمة ورفعتها، إن أمتنا الإسلامية مليئة بالمواهب
(1/323)
________________________________________
الضائعة، والطاقات المعطلة، والأموال والأوقات المبددة، والشباب الحيارى، وهي تنظر مَنْ يأخذ بأيديها ويوجهها إلى الأخذ والعمل بقاعدة ذي القرنين في الجمع والتنسيق والتعاون، ومحاربة الجهل والكسل والتخلف {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} لقد كان ذو القرنين يستخدم جيوشه وقوته كوسيلة من وسائل الدعوة، ونشر العدل بين الناس، ورفع الظلم عنهم، ومحاربة أهل الفساد، هذه في الحقيقة هي أهم ثمرات الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى.

مسائل هامة تتعلق بالجهاد في سبيل الله
مسائل هامة تتعلق بالجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى-:
بعد أن بينت في هذا اللقاء وفي اللقاء السابق تعريف الجهاد، وبينت هنا فضل الجهاد، وأنه يكون على أنواع متعددة، وما إلى ذلك، أود أن أبين بعض المسائل المهمة المتعلقة بهذه الشعيرة العظيمة في الإسلام؛ ولذلك اخترت أن يكون عنوان عنصر هذا الموضوع مسائل هامة تتعلق بالجهاد في سبيل الله تعالى، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- بيان المطلوب من المسلمين عند إرادة الجهاد:
عند إرادة الجهاد في سبيل الله لا بد من مراعاة ما يلي:
أولًا: إعداد العُدة، والقرآن الكريم صريح في دعوته في هذا الأمر؛ إذ يقول الله -تبارك وتعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (الأنفال: من الآية: 60) وقد فسر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- القوة بالرمي، كما في (صحيح مسلم)، والتنكير هنا يفيد العموم لجميع القوى المادية والروحية كالإيمان والصبر والثبات.
الأمر الثاني: الثبات وطاعة القائد، وترك النزاع والخلاف مهما كانت النتائج:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال: 45، 46).
الأمر الثالث من الأمور المطلوبة من المسلمين عند إرادة الجهاد: هو حفظ السر:
فإن كشف أسرار الجيش جريمة كبرى، وهو من أسباب الهزيمة، وقد نهى الله المسلمين عن ذلك لما فيه من موالاة الأعداء والتجسس
(1/324)
________________________________________
على المسلمين، ويظهر ذلك من قصة حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- عندما بعث بكتاب إلى قريش يخبرهم فيه بخروج رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى مكة، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} (الممتحنة: من الآية: 1) إلى آخر ما جاء في هذه الآيات.
وكذلك النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان إذا أراد أن يغزو جهة مر بغيرها، ثم انطلق إلى الجهة التي يريدها، وقصة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في غزة بدر مع الأعرابي لما طلبوا منه أن يخبراه عن نشأته، وعن أصله، ومَنْ هو؟ فقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((نحن من ماء)) ثم انصرف؛ لأنه يريد- صلوات الله وسلامه عليه- أن لا يفشي سر جماعته، ولا قومه، ولا أصحابه الذين يقاتلون في سبيل الله، يريد أن لا يخبرهم بأي أمرٍ عن المسلمين كي يحفظ سرهم، ولا يعرف العدو شيئًا عن أخبارهم.
الأمر الرابع الذي يجب أن نأتي به قبل إرادة الجهاد في سبيل الله: اختيار المكان المناسب، وهو ما يُعرف في النظم الحديثة بالاستراتيجية العسكرية:
وقد تحدّث التاريخ عن موقف الحباب بن المنذر في غزوة بدر، قد نزل النبي -صلى الله عليه وسلم بمكان، فقال: يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله إن هذا المكان ليس لنا بمنزل، وأشار عليه بأرضٍ تصلح للحرب، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: لقد أشرت بالرأي، ونهض رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بمن معه من المسلمين.
الأمر الخامس الذي يجب أن يعتني به المسلمون عند إرادتهم الجهاد: دعوة الكفار للإسلام قبل الحرب، وعدم التمثيل بالأعداء، أو قتل النساء والأطفال والشيوخ، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمّر أميرًا على جيشٍ أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله -تبارك وتعالى- وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قاله: اغز في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا ... إلى آخر ما كان يذكره -صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/325)
________________________________________
الأمر السادس الذي يجب أن نتنبه له، وأن نعمل به عند إرادتنا القتال: ما يعرف في الحروب الحديثة بالحرب النفسية:
وهذه من أخطر الأسلحة التي يمكن أن يستخدمها كل فريق ضد الآخر، والقرآن الكريم أشار إلى أن إعداد العُدة المادية والمعنوية فيه إرهاب للأعداء، وتمكين للرعب في قلوبهم، وهو هدفٌ من أهداف إزهاق الباطل وإذلاله قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} (الأنفال: من الآية: 60).
وهناك قصص كثير يبين بعض ما كان يفعله الصحابة فيما يعرف بالحرب النفسية، فكان أبو دجانة -رضي الله تعالى عنه- يختال في مشيته أمام المشركين، ويتبختر وفي يده السيف الذي أعطاه له رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولما قالت قريش: إنه سيقدم عليكم محمدٌ وأصحابه وقد أنهكتهم حمى يثرب، فلما بلغ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مقالة المشركين حصر عن كتفه وعن عضده الأيمن مطبعًا بردائه، ورمل في الأشواط الثلاثة الأولى، وقال لأصحابه: ((رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة)) هذا في الحقيقة يبين أن الحرب النفسية لها أمورها النفسية أيضًا، وأن على العبد أن ينتبه لمثل ذلك.
هذه ستة أمور ذكرتها لكم الآن -أيها الإخوة الكرام- تحت هذه النقطة ألا وهي: بيان المطلوب من المسلمين عند إرادة الجهاد.
أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى مهمة أيضًا، وهو بعنوان:
ب- تمييز الصفوف عند القتال، وأن يكون تحت راية الإمام:
يجب تمييز الصفوف ومعرفتها عند القتال، وأما القول بأنه يجوز قتالٌ دون أن يتميز صف المسلمين من صفوف الكفار، فهو حرام، وقولٌ لا دليل عليه، ولا ينبني على فقه أو دين أو عقل، وهذه آيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وتاريخ الصحابة الكرام والمسلمين كله شاهد أنه لا قتال إلا بعد تميز الصفوف، وانحياز أهل الإسلام إلى إمامهم وعلمهم، وانحياز أهل الكفر إلى قوادهم وجيشهم، فلم
(1/326)
________________________________________
يأمر الله تعالى الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بالقتال إلا بعد أن تميز جيشه، وكانت له قاعدته في المدينة، وجماعته المستقلة التي تخرج وتبرز وحدها، رافعة لواءها، معلنة أهدافها، معروفة أوصافها.
هذا هو الجهاد الإسلامي صفٌّ مميزٌ له هدف معلوم، وراية مرفوعة، وجماعة ظاهرة، وإمام قائم، وأرجو من إخواني المستمعين أن يتنبهوا لهذه الكلمات: لا بد في الجهاد من صف مميز له هدف معلوم، وراية مرفوعة، وجماعة ظاهرة، وإمام قائم، وأما المجموعات السرية المختبئة في الجحور التي تخرج على الناس فجأة فتغدر وتقتل، وتضرب على غير هدى فليسوا دعاة إسلام، وليس لفعلهم هذا شبه ولا مثال في كل تاريخ مَنْ يقتدى به من أهل الإسلام؛ ولذلك أنا أحذر الشباب غاية الحذر في الاغتيالات التي تتم بين الحين والآخر، وأدعوهم إلى أن ينظروا في قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لحذيفة بن اليمان لما أرسله في غزوة الخندق ليأتيه بخبر الكفار: ((اعرف الخبر، ولا تحدِث حدثًا حتى تأتني)) كيف أن حذيفة أتاهم، والريح تضربهم، والظلام يلفهم، وقد قال لهم أبو سفيان وقد كان قائدهم: إني مرتحل، ثم ركب ناقته ولم يفك وثاقها إلا بعد أن ركبها، وقال حذيفة: لم يكن بيني وبينه شيء، وأردت أن أقتله بسهم، ولكني تذكرت كلام رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((لا تحدِث حدثًا حتى تأتني)) فأمسكت، أرأيت لو قتل حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- أبا سفيان ماذا كان سيكون؟ فكيف يتناسب ذلك إذن مع ما يفعله أفراد من الشباب الأغرار تختمر عندهم فكرة ما بأن فلانًا عدوًا لله -تبارك وتعالى- فيقومون بقتله، وما إلى ذلك دون أن يتأملوا، أو يعرفوا العواقب، أو يقيموا الحجة على أحد، وبالتالي لا بد أن يتميز قبل القتال صف المسلمين من المشركين والكافرين، وأن يكون القتال تحت راية إمام.
أنتقل بعد ذلك في صورة سريعة إلى نقطة أخرى، وهي نقطة (ج) وهي بعنوان:
جـ- دفع افتراءات على الإسلام في تشريع الجهاد:
افترى المستشرقون وأعداء الإسلام عليه في شريعة الجهاد، وزعموا أن الإسلام يحب القتل وسفك الدماء، وما فهموا أن
(1/327)
________________________________________
الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى- ضروري لقيام الدعوة واستمرارها، وهو وسيلة من وسائلها، ونحن -معشر أمة الإسلام- لا نريد القتال أساسًا لأجل القتال ولا من أجل الحرب، وكذلك فلسنا أعداءً لأحدٍ من الناس من حيث الابتداء، ولكن لنا من بين الناس أعداء، الذين هم أعداء الله، والذين يوقدون نار الحرب ويسعون الفساد في الأرض، ويفتنون الناس عن الإيمان، ويصدون عن سبيل الله، والمؤمن يمضي بدعوته جاهدًا كي يفوت فرصة الفساد والإفساد، ويطفئ نار الفتنة والهلاك حتى تمضي الدعوة الإسلامية تشق طريقها، فإن أبوا إلا المضي في إشعال الفتنة والسعي في الفساد، فإنه لا مفر عندئذٍ من القتال، وكما يقولون: آخر الدواء الكي، فالجهاد في سبيل الله تعالى ليس هدفًا منفصلًا عن الدعوة إلى الله، بل هو مرتبطٌ بها ارتباطًا كاملًا، يدور القتال لأجل الدعوة ويتوقف لأجل الدعوة، فهو إذن وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله، وقوة من قواها لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبارة الله الواحد الأحد، وليمض الجيل المؤمن بالدعوة بكل قواها وسلامة نهجها حتى تكون كلمة الله هي العليا، وهو كذلك وسيلة من وسائل حماية الدعوة، وحماية المسلمين أنفسًا ودارًا وثروات ومنهاجًا، وهو كذلك وسيلة لدفع الدعوة في الأرض حتى تبلغ الناس كافة حين لا تنفع الحكمة والموعظة الحسنة، ولا يكفي جهاد اللسان والبيان، وحين تصد الدعوة عن غايتها، وتقفل الدروب والمسالك أمامها، وتبذل الجهود لخنقها، عندئذٍ يكون الجهاد في سبيل الله، وقد كانت الحروب وما تزال في غير العالم الإسلامي لا يُقصد بها إلا الغزو والفتك والاستعباد، كانت تقوم على رغبة أمة في قهر غيرها من الأمم، وتوسيع رقعتها على حسابها، أو لاستغلال مواردها، وحرمان أهلها منها، أو لشهوة شخصية
(1/328)
________________________________________
تقوم في نفس مَلِكٍ أو قائد حربي ليُرضي غروره الشخصي، وينتفش كبرًا وخيلاء، أو لشهوة الانتقام، ولم يكن لهذه الحروب تقاليد تمنع من هتك الأعراض، أو تخريب المدن المسالمة، أو قتل النساء والأطفال والشيوخ، ولما جاء الإسلام أبطل ذلك كله، وحرّم الحروب كلها إلا أن تكون جهادًا في سبيل الله -عز وجل- جهادًا لدفع اعتداء عن المسلمين، أو لتحطيم القوى الباغية التي تفتن الناس عن دينهم بالقهر والعنف، أو لإزالة القوى الضالة التي تقف في سبيل الدعوة وإبلاغها للناس؛ ليروا الحق ويسمعوه، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190) وقال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} (البقرة: 193).
فهي دعوة سلمية لا تكره أحدًا: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} (البقرة: من الآية: 256) وبهذا تندفع افتراءات كثيرة على الإسلام في تشريع الجهاد، ولولا ضيق الوقت لذكرت أكثر من ذلك.
وأنتقل إلى نقطة لا بد من الإشارة إليها، وهي النقطة (د) بعنوان:
د- التفجيرات في بلاد المسلمين ليست من الجهاد في سبيل الله تعالى:
التفجيرات عملٌ إجراميٌّ بإجماع المسلمين، وفيه هتكٌ لحرمات الإسلام المعلومة بالضرورة، وهتكٌ لحرمة الأنفس المعصومة، وهتكٌ لحرمات الأمن والاستقرار.
أقول هذا؛ لأن بعض الأغرار خرجوا في بلاد المسلمين وبدءوا يفجرون فيها، وقد وقع التفجير حتى في بلاد الحرمين الشريفين التي تحكم بالقرآن، وترفع سُنة سيد الأنام -صلى الله عليه وآله وسلم.
وأنا أتساءل: ماذا ينقم هؤلاء المجرمين على المملكة العربية السعودية، وهي تطبق شرع الله وتنشر دين الله في أرضه، كيف يسوغ لهم بعد ذلك أن يقتلوا فيها مَنْ يشهدوا لله بالوحدانية، ولنبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- بالرسالة، ثم يزعمون بعد ذلك أنهم مجاهدون في سبيل الله، كلا والله إنهم يجاهدون في سبيل الشيطان، وأحذرهم من ذلك.
وأكتفي بهذه الكلمات، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/329)
________________________________________
الدرس: 10 بعض مواقف الخلفاء الراشدين والصحابة وأثرها في الدعوة.
(1/331)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العاشر
(بعض مواقف الخلفاء الراشدين والصحابة وأثرها في الدعوة)
1 - دراسة لبعض مواقف الخلفاء الراشدين وأثرها في الدعوة

أبو بكر الصديق -رضي الله عنه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين. وبعد:
عنوان هذا اللقاء هو: دراسة لبعض مواقف الخلفاء الراشدين وأثرها على الدعوة، وسأقدم -إن شاء الله تعالى كالعادة- عناصر تحت هذا العنوان من المحاضرة.
والعنصر الأول بعنوان: أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه:
أبو بكر هو: عبد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي، أبو بكر الصديق بن أبي قحافة -رضي الله تعالى عنه- ولد بمنى، وهو يلتقي في النسب مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في "مرة" وقد كان الصديق -رضي الله عنه- مثاليًّا في كل شيء، حتى في أيام الجاهلية، فلا عجب أن تراه بعد إسلامه أفضل رجل بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقد قال -عليه الصلاة والسلام-: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)) ولذلك قال ابن إسحاق -رحمه الله تبارك وتعالى- في حديثه عن أبي بكر، قال: وكان أبو بكر رجلًا مؤلفًا -يعني يألفه الإنسان- لكونه محببًا سهلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر.
وكان رجلًا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قريش يألفونه ويأتونه لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله -تبارك وتعالى- وإلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، ولم يسجد -رضي الله تعالى عنه- لصنم قط. قال أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- في مجمع من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما نهزت الحلم، أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مكان فيه أصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني. فلم يجبني، فقلت: إن عار فاكسني فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخر لوجهه" وهذه أمارة عن فطنة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- وأنه أدرك قبل أن يوحى للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-
(1/333)
________________________________________
بالنبوة والرسالة أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، ولا تكسو عاريًا ولا تطعم جائعًا، وهذا توفيق من رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى.
ولذلك قال الإمام السيوطي -رحمه الله تبارك وتعالى-: إن أول من أسلم علي، وقيل: خديجة، وجمع بين الأقوال بأن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- أول من أسلم من الرجال، وعليًّا أول من أسلم من الصبيان، وخديجة أول من أسلمت من النساء. وأول من ذكر هذا الجمع الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تبارك وتعالى- وما إن أسلم أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- حتى حمل أمانة الدين على أعانقه، وخرج يدعو الناس إلى دين الله -جل وعلا- فأسلم على يديه ستة من العشرة الذين بشرهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بالجنة فيما بعد، وأجر هؤلاء يعود أيضًا منه على أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- لأن الدال على الخير كفاعله، ولذلك أقول: بأن الصديق -رضي الله عنه- يأتي يوم القيامة وهم في ميزان حسناته، وقد أسلم أيضًا على يديه خلق كثير سوى هؤلاء الأطهار الأبرار.
وهكذا يجب أن يكون الداعية إلى الله -تعالى- يحمل هم الناس من حوله ويخشى عليهم من عذاب الله ويأخذ بأيديهم إلى مرضات الله وجنته، ومن المناقب الجميلة أن الذي لقب أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- عتيقًا هو النبي الصادق الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم- فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: ((إني لفي بيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وكان أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- في الفناء، وبيني وبينهم الستر، إذ أقبل أبو بكر فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا))، وكان المعني هو أبو بكر -رضي الله تعالى عنه.
وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: ((دخل أبو بكر الصديق على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال له رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: أبشر فأنت عتيق الله من النار)). قلت فمن يومئذ سمي عتيقًا.
وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله تبارك وتعالى- عن فضائل الصديق -رضي الله تعالى عنه- قال: فهو خير من مؤمن آل فرعون لأن ذلك كان يكتم إيمانه، والصديق أعلن به، وخير من مؤمن آل يس؛ لأن ذلك جاهد ساعة، والصديق -رضي الله تعالى عنه- جاهد سنين.
(1/334)
________________________________________
وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- له فضائل كثيرة، منها ما جاء عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر)).
وعن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر -أي أكثرهم رحمة- وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي)) وفي رواية قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أرأف أمتي بأمتي أبو بكر)).
وقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه بها إلا الصديق، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبو بكر، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن صاحبكم خليل الله)). هكذا يصرح النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذلك ورد عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أسلم أبو بكر -رضي الله عنه- وله أربعون ألفًا فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله، أعتق بلالًا، وعامر بن فهيرة، وزنيرة والنهدية وابنتها، وجارية بني مؤمل، وأم عميس. وقد قال الإمام القرطبي -رحمه الله تبارك وتعالى- في قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} (الليل: من الآية: 17) قال فيها -رضي الله عنه-: والأكثر أن السورة نزلت في أبي بكر -رضي الله عنه- فأي منقبة إذن أعظم من هذه المنقبة، وأي وسام أغلى من هذا الوسام، أن ينزل قرآن على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فيه إشادة بمواقف الصديق -رضي الله تعالى عنه.
وأختم الحديث عن بعض مناقبه -رضي الله تعالى عنه- بما جاء عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت -وهذا يبين شدة ورعه رضي الله تعالى عنه- قالت أم المؤمنين عائشة: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراج، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر -رضي الله عنه-
(1/335)
________________________________________
فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: ما هو؟ قال: كنت قد تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل الصديق -رضي الله عنه- أدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه. وهذا موقف فعلًا يعجز الإنسان عن وصفه وتأمل حاله، لشدة الورع التي كان عليها -رضي الله تعالى عنه.
ب- مواقف من حياته، وجهاده في الدعوة -رضي الله تعالى عنه-:
الصديق -رضي الله تعالى عنه- أولًا من الذين استجابوا لله وللرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- استجابوا له مجاهدًا في سبيل الله، استجابوا له منفقًا في سبيل الله، استجابوا له في نشر دعوة الله -تبارك وتعالى- ولذلك جاء -كما ذكر البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى- عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- في قول الله -جل ذكره-: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيم} (آل عمران: 172) قالت أم المؤمنين -رضي الله عنها- لعروة: يا ابن أختي! كان أبواك منهم؛ الزبير وأبو بكر، وذلك لما أصاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في إثرهم فانتدب منهم سبعون رجلًا كان فيهم أبو بكر والزبير.
وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله وتعالى-: وثبت أبو بكر -رضي الله عنه- ثبوت الجبال يوم أحد حول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يدافع، وبعث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- سرية إلى بني فزارة سنة سبع للهجرة بقيادة أبي بكر -رضي الله عنه- فوردت الماء وغنمت وسبت، وعادت سالمة. وفي غزوة تبوك كان راية المسلمين بيد أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- ويوم حنين أعجب المسلمون بكثرتهم فلم تغنهم شيئًا وولوا مدبرين بعد أن كمن لهم أعداء الله في شعاب الوادي، وكان أول من ثبت حول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه.
(1/336)
________________________________________
ومن ثباته وجاهده وحنكته -رضي الله تعالى عنه- إنفاذه لجيش أسامة -رضي الله عنه- ولقد ظهر فقه الصديق وظهرت حكمته عند إصراره على إرسال وبعث جيش أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنهما- من عدة وجوه:
منها: تنفيذه بعث أسامة -رضي الله عنه- على الرغم من شدة الأحوال ومعارضة بعض الصحابة وذلك امتثالًا لأمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ففي ذلك أولًا الامتثال الكريم لأمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصر -رضي الله عنه- على أن تستمر الحملة العسكرية في تحركها إلى الشام مهما كانت الظروف والأحوال والنتائج، وفشلت كافة المحاولات الهادفة لإقناع الصديق -رضي الله عنه- كي يتخلى عن فكرة إرسال جيش أسامة، وعندما كثر الإلحاح على أبي بكر دعا عامة المهاجرين والأنصار إلى اجتماع المجلس لمذاكرة هذا الأمر معهم، وبين لهم أن إنفاذ جيش أسامة هو مشروع وضعه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وعلينا تنفيذه مهما بلغت الصعاب والمتاعب، وقال: "أيها الناس! والله، لو خطفتني الكلاب والذئاب لأنفذت أسامة وجيشه كما أراد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لا راد لقضاء قضى به رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم".
ولما أشار بعض الناس على أبي بكر أن يولي أمر الجيش رجلًا أقدم سنًا من أسامة غضب لذلك؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو الذي أمر أسامة على هذا الجيش، فلا يريد -رضي الله عنه- أن يغير شيئًا فعله رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وسار أسامة حتى انتهى لما أمره به رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فبعث الجنود إلى بلاد قضاعة، وأغار أسامة على "أبنا" فسبى وغنم ورجع المدينة ظافرًا بعد أن غاب عنها أربعين يومًا، وكان إنفاذ جيش أسامة من أعظم الأمور نفعًا للمسلمين، فإن العرب قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين.
(1/337)
________________________________________
لقد أثبتت الأيام والأحداث سلامة رأي الصديق وصواب قراره الذي اعتزم تنفيذه معتمدًا في ذلك على الدقة التامة في التزام المنهج النبوي والأمر النبوي، والتصميم الملهم في وقته المناسب، والنظر البعيد إلى المستقبل. رضي الله تعالى عنك يا أبا بكر، لقد كنت تدرك ما وراء خروج هذا الجيش بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
كما قام الصديق -رضي الله عنه- بحرب المرتدين، وجهز الجيوش لكل ناحية من نواحي الجزيرة العربية، فنصر الله الإسلام وأذل الكفر، وكانت النتيجة خلال سنة واحدة -كما قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله-: استهلت هذه السنة -يعني سنة اثنتي عشرة للهجرة- وجيوش الصديق وأمراءه الذين بعثهم لقتال أهل الردة جوالون في البلاد يمينًا وشمالًا، لتمهيد قواعد الإسلام وقتال الطغاة من الأنام، حتى رد شاردَ الدين بعد ذهابه، ورجع الحق إلى نصابه، وتمهدت جزيرة العرب، وصار البعيد الأقصى كالقريب الأدنى، إن كل واقعة من حروب الردة تشهد بأن أهل الباطل لا يحترمون أهل الحق إلا بالقوة والجهاد، ولقد ترتب على حروب الردة عدة نتائج، من أهمها:
لقد تكسرت وتحطمت قوى الشر من يهود ونصارى ووثنيين الذين تستروا تحت شعارات عدة أمام صلابة التوحيد وحقيقة التصور السليم والقيادة الحكيمة، وتركت لنا الأحداث الجسيمة ثروة ضخمة في معاملة المرتدين وأحكامهم، وفي المنهج الصحيح لمعاملة الخارجين عن دولة الإسلام العظيمة، كانت حروب الردة إعدادًا ربانيًّا للفتوحات الإسلامية، حيث تميزت الرايات وظهرت القدرات، وتفجرت الطاقات، واكتشفت قيادات ميدانية، وتفنن القادة في الأساليب والخطط الحربية، وبرزت مؤهلات الجندية الصادقة، المطيعة المنضبطة الواعية، التي تقاتل وهي تعلم
(1/338)
________________________________________
على ماذا تقاتل، وتقدم كل شيء وهي تعلم من أجل ماذا تضحي وتبذل؛ ولذا كان الأداء فائقًا والتفاني عظيمًا؛ ولذلك بعد أن انتهت حروب الردة وتوحدت كلمة المسلمين، وأصبحت لهم قاعدة صلبة في جزيرة العرب تحركت قيادة الأمة بزعامة الصديق رضي الله عنه لتحقيق وعد الله بنصر دينه وإقامة شرعة ودعوة الناس لعبادة الله وتحقيق عبوديته الشاملة في كل نواحي الحياة والممات، وكان لا بد من تحرك المسلمين لإزالة كل العقبات التي تقف في وجه أداء هذه الأمانة للناس أجمعين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وبذلك تتحقق سيادة شرع الله الحكيم على كل بني البشر، ويصبح الجميع يدينون بحاكمية الله -سبحانه وتعالى- وألوهيته المطلقة المتمثلة في خضوع الجميع لأحكام الله -تبارك وتعالى- وأحكام رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- لقد كان المسلمون بقيادة الصديق -رضي الله عنه- على يقين بما أخبر الله ورسوله من النصر والتمكين، وهذا اليقين من أخلاق النصر في جيل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- انطلاقًا من قوله -سبحانه-: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (الصف: 8) ويقول -سبحانه-: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون} (الصف: 9) وقال -سبحانه-: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد} (غافر: 51).
لقد كان التحرك نحو العراق والشام من أجل نشر دين الله تعالى مرحلة طبيعية بعد انتهاء حروب الردة، فشرع الصديق -رضي الله عنه- في إرسال الجيوش إلى العراق بقيادة خالد، وإزاحة الطواغيت من على رقاب الناس، واستجاب العباد لدين الفطرة ودخلوا فيه أفواجًا، ووجه جيوشه نحو الشام، وواصل الخلفاء الراشدون من بعده المسيرة التي ساهمت في إدخال أمم وشعوب في دين الله تعالى، حتى انتشر الخير وعم الرخاء، وتوجه الناس بالعبادة لله -تبارك وتعالى- لأنه سبحانه هو المستحق للعبادة وحده دون سواه.
(1/339)
________________________________________
عمر بن الخطاب -رضي الله عنه
عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه -رضي الله تعالى عنه-:
عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- معروف ومعلوم، فهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، كان في الجاهلية من أبطال قريش وأشرافهم، وبعد إسلامه كان من أشد الناس على الكفار، ولقد أثنى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عليه في أكثر من موضع -كما سيمر بنا ذلك إن شاء الله تبارك وتعالى- قال الزبير: وكان عمر -رضي الله تعالى عنه- من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وذلك أن قريشًا كانت إذا وقعت بينهم حربًا وبين غيرهم بعثوا سفيرًا، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر رضوا به وبعثوه منافرًا ومفاخرًا.
قال علماء السير: شهد عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بدرًا وأحدًا، والخندق، وبيعة الرضوان، وخيبر، والفتح، وحنين، وغيرها من المشاهد، رضي الله عنه، وكان أشد الناس على الكفار. قال عبد الله بن مسعود: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر. وقال عكرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتى أسلم عمر، ولقد أثنى عليه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في غير موضع، ووضع على صدره -رضي الله عنه- كثيرًا من الأوسمة، ولقد كثرت الروايات التي تروي قصة إسلام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأكثر تلك الروايات ضعيفة، ولكنها مشهورة، وذلك كالقصة التي يرويها أكثر الناس عن دخوله على أخته وزوجها سعيد بن زيد، وكذا استماعه القرآن من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو خلف أستار الكعبة.
وقد ذكر الإمام الترمذي -رضي الله تعالى عنه- في كتابه "السنن" في باب المناقب، وباب مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ذكر أن السبب في إسلام عمر هو دعاء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- له عندما قال: ((اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك؛ بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب)) قال: وكان أحبهما إليه عمر. وعندما أراد عمر -رضي الله عنه- أن
(1/340)
________________________________________
يهاجر خلف النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وقف أمام المشركين موقفًا أذل فيه أنوفهم، وأظهر عجزهم، وألقى الرعب في قلوبهم. وتأملوا ما قاله الإمام الحبر عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال لي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ما علمت أن أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا إلا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، واختصر عنزته -العنزة: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا، واختصرها: يعني أمسكها بيده رضي الله تعالى عنه- ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف -رضي الله عنه- سبعًا متمكنًا ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس -يعني: الأنوف- من أراد أن تثكله أمه ويرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي -رضي الله عنه- فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه -رضي الله تعالى عنه.
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص -جمع قميص- فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علَيّ عمر وعليه قميص اجتره -قميص اجتره: يعني أنه أنزل من غيره- قالوا: فما أولته يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: الدين)).
وقد استشكل هذا الحديث بعض الناس، وذهبوا إلى أن بذلك عمر -رضي الله عنه- أفضل من أبي بكر الصديق، والجواب عن ذلك بأن أبا بكر -رضي الله عنه- هو أفضل هذه الأمة، ولذلك أجيب عن هذا الحديث بأن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- يخصص من قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((عرض علي الناس)) فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- وأن كون عمر عليه قميص يجره، لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- قميص أطول منه وأسبغ، وقد ذكر ذلك الإمام الحافظ بن حجر -رحمه الله تبارك وتعالى- ولقد كان عمر -رضي الله عنه- حريصًا كل الحرص على طلب العلم، بل كان من أصحاب الهمم العالية فيه.
(1/341)
________________________________________
يقول عمر -رضي الله عنه- كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد، -وهم من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من وحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.
ولعمر -رضي الله تعالى عنه- منقبة جليلة وعظيمة للغاية، ويا لها من منقبة عظيمة جليلة، حيث أنه وافق ربه في كثير من المواقف، وأنزل الله -عز وجل- القرآن موافقًا لرأي عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- وفي ذلك ما رواه لنا أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث -قال الحافظ في "الفتح" في قوله: وافقت ربي في ثلاث، أي ثلاث وقائع، والمعنى: وافقني ربي فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه أو أشار به إلى حدوث رأيه، رضي الله تعالى عنه، وهذا من الأدب- فقلت: ((يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (البقرة: من الآية: 125) وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله! -صلى الله عليه وآله وسلم- لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الغيرة عليه فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت هذه الآية)).
وأذكر لكم هنا موقفًا جليلًا للفاروق -رضي الله عنه- يوضح مدى ثقته في ****** المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: ((لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله! -صلى الله عليه وآله وسلم- لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا من الإبل فأكلنا وادهنا، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: افعلوا. قال: فجاء عمر فقال: يا رسول الله! -صلى الله عليه وآله وسلم- إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم فليأتوا بفضل أزوادهم، ثم ادع لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: نعم. فدعا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بنطع فبسطه -والنطع: هو بساط متخذ من أديم- ثم دعا بكسرة حتى
(1/342)
________________________________________
اجتمع من ذلك النطع شيء يسير، ثم دعا -صلى الله عليه وآله وسلم- بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في المعسكر وعاء إلا ملئوه، فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أني رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لا يلقى الله بها عبدًا غير شاك فيحجب عن الجنة)).
هذه النقطة في الحقيقة تبين مواقف من حياة أمير المؤمنين عمر، وجهاده في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- وعنوانها إذن:
ب- مواقف من حياته وجهاده في الدعوة إلى الله -عز وجل-:
كان الفاروق -رضي الله تعالى عنه- لا ينسى أبدًا كل من قدم للإسلام شيئًا ولو كان صغيرًا، ويا له من وفاء نحتاج إليه في هذا الزمان الذي انعدم فيه الوفاء عند أكثر الناس إلا من رحم الله، والوفاء في الحقيقة وسيلة عظيمة من وسائل الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- والمشهد كما يلي:
عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة، فقال: يا أمير المؤمنين! هلك زوجي وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كراعًا -ما ينضجون كراعًا: يعني ما هو دون كعب الشاة، يعني: لا يستطيعون أن يكفوا أنفسهم بشيء- ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضبع -والضبع يعني السنة المجدبة، يعني: تهلكهم- وأنا بنت خفاف بن إماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فوقف معها عمر ولم يمض ثم قال: مرحبًا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا وحمل بينهما نفقًا وثيابًا، ثم ناولها بخطامه ثم قال: اقتاديه، فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير. فقال رجل: يا أمير المؤمنين! أكثرت لها. قال عمر: ثكلتك أمك، والله، إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحناه ثم أصبحنا نستفيء سِهْمَانَنا فيه -يعني أنصباءنا من الغنيمة من هذا الفيء الذي كان بسبب هؤلاء الناس- وهذا موقف جميل
(1/343)
________________________________________
وهو يحتاج إليه الناس خاصة يحتاج الدعاة إليه في هذا الزمان، حتى يتمكنوا من الوصول إلى قلوب الناس، وقد ذكرت فيما مضى أن عمر -رضي الله تعالى عنه- شهد المشاهد والغزوات مع رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- شهد الغزوات والمشاهد فشهد بدرًا وغيرَها وما إلى ذلك، ومع هذا، كان له في الجهاد في سبيل الله وفي الفتوحات الإسلامية الشيءُ الكثير والعظيم، فقد فتح الله -عز وجل- على يديه كثير من البلاد، سواء كان ذلك في بلاد خراسان أو في بلاد الشام. وكل ذلك كان وراءه رجل شهم قوي مجاهد في سبيل الله تعالى، ألا وهو عمر بن الخطاب تنقل -رضي الله تعالى عنه.
وفي ذلك يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله تبارك وتعالى- في سياق حديثه عن فتح بيت المقدس، يقول ابن كثير -رحمه الله-: لما فرغ أبو عبيدة -رضي الله تعالى عنه- من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلون الجزية، أو يؤذنوا بحرب فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه، فركب إليهم في جنوده واستخلف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم، حتى أجابوا إلى الصلح بشرط -تأملوا هذا الشرط- أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- فكتب إليه أبو عبيدة بذلك، فاستشار عمر الناس في ذلك، فأشار عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم، ولكن عمر ذهب -رضي الله عنه- إلى هناك وصالح نصارى بيت المقدس وافتتحه وصلى فيه، وكان ذلك نصرًا للإسلام وعزًّا للمسلمين، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يفتح على المسلمين بيت المقدس اليوم وأن يرزقنا رجالًا يجاهدون في سبيل الله -تبارك وتعالى- والأمة بفضل الله -عز وجل- فيها من الخير ما فيها، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.
عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه:
عثمان بن عفان -رضي الله عنه- هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية من قريش، أمير المؤمنين ذو النورين -رضي الله عنه- نعم، إنه ذو النورين عثمان بن عفان، ذلكم الرجل الذي إذا جاءت سيرته وجدنا
(1/344)
________________________________________
بين سطورها ريح الحياء والتواضع والجود والكرم والخشية، ولد بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح، وكان ربعة حسن الوجه، رقيقة البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين، كان -رضي الله عنه- في أيام الجاهلية من أفضل الناس في قومه، فهو عريض الجاه، ثريًّا متواضعًا، شديد الحياء، عذب الكلمات، ولذلك كان قومه يحبونه أشد الحب ويوقرونه -رضي الله تعالى عنه- لم يسجد في الجاهلية لصنم قط، ولم يقترف فاحشة قط، ولم يظلم إنسانًا قط -رضي الله تعالى عنه- وكان كغيره من أهل المروءة في أشد الشوق ليد حانية تأخذ بنواصي العباد من تلك الجاهلية التي عمت البلاد إلى شواطئ النجاة، وما هي إلا فترة يسيرة حتى بعث ****** محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وكان عثمان -رضي الله عنه- من السابقين إلى الإسلام الذين أسلموا قبل دخول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- دار الأرقم.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: مواقف من حياته وجهاده في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى:
أقول: على الرغم من مكانته بين قومه ومحبتهم له، إلا أنه ما إن أعلن إسلامه -رضي الله عنه- واستعلى بإيمانه حتى سلطوا عليه الأذى، فلما يئسوا من عودته إلى الشرك وارتداده عن دين محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- أطلقوا سراحه، فهاجر إلى الحبشة ومعه زوجه رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ورضي الله تعالى عنها- وهناك اشتد الحنين إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فعاد عثمان وزوجه -رضي الله عنهما- مرة أخرى إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى أن أذن الله لنبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه بالهجرة إلى المدينة النبوية، فكان عثمان وزوجه مع المهاجرين، وبذلك يكون -رضي الله عنه- قد هاجر الهجرتين وهذه منقبة عظيمة وأمارة رائعة واضحة على جهاده في سبيل الله -تبارك وتعالى- ومع هذا فقد شهد عثمان -رضي الله عنه- المشاهد كلها مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ما عدا غزوة بدر، فإن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما خرج إلى بدر خلفه على ابنته رقية يمرضها، فقد كانت مريضة ولم يكن معها أحد، ولما عاد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من
(1/345)
________________________________________
الغزوة علم أن ابنته رقية قد لحقت بجوار ربها، فحزن -صلى الله عليه وآله وسلم- حزنًا شديدًا وواسى عثمان -رضي الله عنه- فضرب له بسهمه وأجره فكان كمن شهد بدرًا، ثم زوجه من ابنته الثانية أم كلثوم، وقال: ((لو كان عندي ثالثة لزوجتها عثمان)) وسمي ذي النورين لجمعه بين بنتي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذه أيضًا منقبة أخرى جليلة لأمير المؤمنين عثمان -رضي الله تعالى عنه- ولذلك أبادر وأسارع وأوجه خطابي إلى الرافضة فأقول: ماذا تنقمون على هذا الإمام، أمير المؤمنين الورع الزاهد التقي النقي -رضي الله تعالى عنه- الذي تزوج ببنتي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهل بعد ذلك من فضل يمكن أن نتحدث عنه لمثل هذا الرجل -رضي الله تعالى عنه.
ومن جهاده أنه لما جاءت غزوة تبوك -رضي الله عنه- والناس في عسرة شديدة، حيث قد طابت الثمار وأحب الناس الظلال، عندئذ حض رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- المسلمين على الجهاد ورغبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كثيرة، وكان أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- أول من حمل بماله كله أربعة آلاف درهم، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((هل أبقيت لأهلك شيئًا)) فقال: الله ورسوله، ثم جاء عمر بنصف ماله، وحمل العباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله -رضي الله عنهما- إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مالًا، وحمل عبد الرحمن بن عوف إليه مائتي أوقية، وحمل سعد بن عبادة -رضي الله عنه- إليه مالًا، وكذلك محمد بن مسلمة -رضي الله عنه- وتصدق عاصم بن عدي -رضي الله عنه- بتسعين وسقًا من التمر، والنساء يعن بكل ما قدرن عليه. قالت أم سنان الأسدية -رضي الله عنها-: لقد رأيت ثوبًا مبسوطًا بين يدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في بيت عائشة -رضي الله عنها- فيه مَسَكٌ، مسك: يعني أساور وخلاخيل، من القرون والعاج، ومعاضد وخلاخل: وهي الحلية التي تلبسها المرأة في الرجل- وأقرطة -وهو ما يعلق في شحمة الأذن- وخواتيم، وقد مُلِئَ مما بعث به النساء يُعِنَّ به المسلمين في جهازهم، وأنا أذكر ذلك لأبين لأبنائي الطلاب أن هؤلاء جميعًا كانوا يجاهدون في سبيل الله -تبارك وتعالى- لإعلاء دين الله -عز وجل-
(1/346)
________________________________________
ولدعوة الناس إلى الله، كل هؤلاء لما دعا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى هذه الغزوة وحض وحث المسلمين على التبرع لها، والإنفاق في سبيل الله -عز وجل- فعل هؤلاء ما فعلوا، أما والحديث عن عثمان -رضي الله عنه- فأذكر هنا ما قاله عبد الرحمن بن سمرة -رضي الله عنه- أن عثمان بن عفان جاء إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة، فنثرها في حجره فرأيت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقلبها في حجره ويقول: ((ما ضر عثمان ما فعل -أو ما عمل- بعد اليوم، ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم))، إنها كلمات جميلة من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- تبين مدى فرحة النبي -عليه الصلاة والسلام- بهؤلاء الرجال الأطهار الأبرار.
عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- عرف عنه أنه جهز جيش العسرة، وأنه أتى للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بألف دينار في كمه، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وضع على جبين الدهر كله هذه الكلمات الرائقة الرائعة: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم)) وكررها -صلى الله عليه وآله وسلم- مرتين؛ لأنه -رضي الله عنه- قام بتجهيز الجيش كله حتى لم يتركه بحاجة إلى خطام أو عقال. وفي ذلك يقول ابن شهاب الزهري -رضي الله تعالى عنه- قدم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيرًا وستين فرسًا أتم بها الألف.
ويقول حذيفة -رضي الله تعالى عنه-: ((جاء عثمان إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يقلبها بيده ويقول: غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة)) وهذا أيضًا وفاء من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لعثمان ودعوة مباركة متقبلة لهذا الإمام، لهذا الخليفة الزاهد الورع -رضي الله تعالى عنه- الذي مات شهيدًا في سبيل الله حينما قتله الظلمة الخارجون على الإسلام وعلى المسلمين، قتلوا أمير المؤمنين الخليفة، الزاهد، الورع، التقي -رضي الله تعالى عنه- وهذا الخليفة هو الذي يقول عنه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة)).
ولما آلت الخلافة إليه -رضي الله تعالى عنه- وهذا موقف آخر يذكر لأمير المؤمنين عثمان -رضي الله تعالى عنه- ويتبين لنا من خلال الجهاد الضخم الذي قام به في سبيل -تبارك وتعالى- لما آلت الخلافة إلى عثمان -رضوان الله تعالى عليه- فتح الله على يديه أرمينية والقوقاز، تأملوا هذه البلاد كلها، نصر الله المسلمين وسودهم على خراسان وكرمان وسجستان وقبرص، وطرف غير قليل من إفريقيا، وكل ذلك كان في عهد أمير المؤمنين -رضي الله تعالى عنه-
(1/347)
________________________________________
ولقي الناس في عهده من الثراء ما لم يحظ به شعب على ظهر الأرض في مثل هذه الفترات. إنها بسبب الدعوة إلى الله -عز وجل- كل ذلك بسبب الجهاد والإخلاص، والرغبة في أن يذكر اسم الله -تبارك وتعالى- وحده على الأرض دون سواه، وأن يعبد الله -تبارك وتعالى- وحده دون سواه، وكل ذلك بسبب فضل الله -عز وجل- أولًا على هؤلاء الصحب الكرام، ثم بعنايتهم بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- والجهاد في سبيل الله -عز وجل.
ومع ذلك أذكر كلمة ويؤسفني أن أقولها: إن الطغمة من المجرمين في الحقيقة قتلوا أمير المؤمنين -رضي الله عنه- مع حب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- له وثناءه عليه وشهادته له بأنه في الجنة، قتلوا الشيخ الكبير وخرجوا عليه، الباطنية ومن تبعهم من الروافض، فعلوا هذه الفعلة، وكانت ثلمة حقيقة في الإسلام بدأت بعدها الفتن على المسلمين تدخل عليهم من جانب، وأمير المؤمنين -رضي الله عنه- كان ورعًا زاهدًا، سار كسيرة أبي بكر -رضي الله عنه- وعمر -رضي الله تعالى عنه- وكان محتسبًا صابرًا مجاهدًا في سبيل الله -عز وجل- ارتفعت في عهده الرايات الإسلامية على كثير من بلاد المسلمين، ولذلك لما جاء النفر من الخوارج ليقتلوه رضي الله تعالى عنه- سلم لهم، ودعا من حوله من القوم أن لا يدخلوا معهم في حرب أو قتال؛ لأنه لا يرغب في أن يراق دم واحد أمام هذه الطغمة الباغية، وقد علم أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد بشره بالجنة على بلوى تصيبه -رضي الله تعالى عنه- وقد كان. قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- ومات شهيدًا بعد أن قدم للإسلام والمسلمين ما قدم، ورضي الله إذن عن جميع صحابة النبي الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم.
والعبد يأسف غاية الأسف عندما نجد قومًا -إلى اليوم- يطعنون على أمير المؤمنين عثمان وعلى علي، ويطعنون على عمر وعلى أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- والكثير من الرافضة أو الرافضة اليوم لا يرفعون شأنًا إلا لأمير المؤمنين علي -رضي الله تعالى عنه- ومعه نفر قليل من الصحابة، ثم يسبون بقية أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ونحن نحبهم جميعًا ونثني عليهم جميعًا، ونشهد لمن شهد له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بالجنة.
وأختم هذا اللقاء بذلك، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1/348)
________________________________________
2 - على بن أبي طالب وبعض الصحابةوأثرهم في الدعوة

علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد ورسوله، وبعد:
أرحب بكم -أيها الإخوة الكرام- في المحاضرة العشرين، وهي بعنوان: دراسة عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- وبعض الصحابة -رضي الله عنهم- وأثرهم في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى.
وهذه المحاضرة كالعادة تشتمل على عدة عناصر: العنصر الأول بعنوان: علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه:
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إنه التقي، الذي تربى في حقل الإسلام وسقي بماء الوحي، فكان زهرة يانعة طاب ريحها وملأ أرجاء الكون كله، إنه -وهو في السادسة من عمره رضي الله عنه- بدأ يعيش مع النبي الصادق الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم- يتأدب على يديه ويتأثر بطهره وعظمة نفسه، وتقى ضميره وسلوكه، وحين بلغ العاشرة؛ كان الوحي قد أمر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بالدعوة وكان هو سابق المسلمين -رضي الله عنه- وفي نور الآيات التي تنزلت على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- والتي كان الوحي يأتي بها تباعًا للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قضى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بواكير حياته النضرة يبهره نورها، ويهزه هديرها، ولما كانت حياته في بيت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فإنه عرف جميع أموره الداخلية، ودرس أحواله وأخلاقه عن قرب، وشرب من مشربه، وتربى على أخلاقه وعاداته وتصرفاته، فلبث -رضي الله عنه- ثياب الطهر من صغره وبعد عن الأصنام، وناصبها العداء من بداية أمره، وشغل بأمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- طيلة حياته؛ لأنه كان دائم القرب منه والصلة به والعمل على راحته وخدمته، والاستضاءة بنوره، وكان يشرب من منهل الوحي الذي كان يتنزل على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وقد كان -رضي الله عنه- قد أوتي ذاكرة واعية وعقلاً متفتحًا، وذكاءً نادرًا، وشجاعة فزة، وقوة لا مثيل لها عند غيره، اللهم إلا ما كان عند الأفزاز الأبطال الرجال كالصديق وعمر -رضي الله تعالى عن جميع صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/349)
________________________________________
وها هي كلمات عن مناقبه -رضي الله عنه- فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)).
وعن علي -رضي الله عنه- قال: ((بعثني رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله! -صلى الله عليه وآله وسلم- إنك تبعثني إلى قوم هم أسن مني لأقضي بينهم، قال: اذهب فإن الله تعالى سيثبت لسانك ويهدي قلبك)). وقال -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث المعروف المشهور: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)). فقد ذكر هنا أمير المؤمنين -رضي الله عنه- مع من ذكروا بأنهم في الجنة.
وها هو موقف جليل عظيم أيضًا يعد من المناقب العالية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- هذا الموقف هو أنه نام على فراش النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليفديَه بنفسه،، وذلك لما اجتمع شياطين قريش في دار الندوة في يوم الزحمة، وجاء الشيطان إليهم، وقال لهم بعد أن تبدى لهم في صورة شيخ نجدي، أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتىً شابًّا جليدًا نسيبًا وسيطًا، ثم تعطوا كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم ليعمدوا إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، وبالتالي يستريحوا بعد ذلك، وإذا فعلوا هذا، بمعنى إذا جمعوا من كل قبيلة رجلاً، وقام هؤلاء بضربه ضربة رجل واحد تفرق دم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في القبائل جميعها، ولم يقدر بذلك بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، وبالتالي سيرضون بالدية ويسلمون بهذا الأمر، هذا حدث في الاجتماع الذي تم في دار الندوة، وقد حضره الشيطان اللعين في صورة شيخ نجدي، وقد قرروا هذا القرار، ألا وهو قتل النبي المصطفى المختار -صلى الله عليه وآله وسلم- وبعد قرارهم تفرقوا وهم مجمعون له، فأتى جبريل إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من
(1/350)
________________________________________
الليل، اجتمع هؤلاء النفر من المشركين على باب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مكانهم قال لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- نم على فراشي، وتسجى ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ينام في برده ذلك إذ ينام، ثم خرج رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو يتلو هذه الآيات: {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ... } (يس: 1، 2) إلى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} (يس: 9) ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدًا. قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يدًا على رأسه؛ فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليًّا على الفراش متسجيًا ببرد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فيقولون: والله، إن هذا لمحمد نائمًا على برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عن الفراش. فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا، حمى المغوار حيدرة -وهو اسم من أسماء علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حمى بفضل الله -عز وجل- الدعوة في شخص نبيها -صلى الله عليه وآله وسلم- ونام على فراشه، وفي فراشه، في أصعب ليلة مرت بها الدعوة.
وتأملوا هذا الموقف، رجل ينام في فراش الموت وهو يعلم أن على الباب رجالاً لا يريدون إلا رأس النائم على الفراش، ومع ذلك يضحي بنفسه في سبيل الله -تبارك وتعالى- وينام في فراش النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فداء للحبيب المصطفى المختار -صلوات الله وسلامه عليه- وقد نجاه الله -عز وجل- كما نجى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/351)
________________________________________
ب- مواقف من حياته وجهاده في الدعوة إلى الله:
أمير المؤمنين -رضي الله تعالى عنه- سطر على جبين التاريخ صفحات مشرقة من جهاده في سبيل الله تعالى؛ لأنه كان يبحث عن الشهادة ويشتاق إليها اشتياق من يبحث عن الماء البارد في الصحراء الموحشة، في غزوة بدر خرج الفارس المغوار مجاهدًا في سبيل الله -عز وجل- ويذكر هو شيئًا من جهاده في هذه الغزوة فيقول -رضي الله عنه-: تقدم -ويعني بذلك هو عتبة بن ربيعة- وتبعه ابنه وأخوه، فنادى -يعني عتبة- من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار. فقال: من أنتم؟ فأخبروه. فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة، قال علي: وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة.
وفي غزوة الخندق كان له هذا الموقف العظيم مع فارس قريش عمرو بن عبد ود، كان عمرو بن عبد ود العامري قد حضر معركة بدر الكبرى وذاق مرارة الهزيمة بعد أن جرح في المعركة، فنذر أن لا يمس رأسَه دهنًا حتى يقتل محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- ولهذا كان أول الفرسان المقتحمين بخيلهم الخندق نحو المسلمين ومعه فوارس من قريش، وخرج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة، التي اقتحموا وأقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق وتسرع نحوهم. وهنا يقول بن إسحاق -رضي الله تعالى عنه-: كان عمرو بن ود العامري قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحُ فلم يشهد أحدًا، فلما كان يوم الخندق خرج معلمًا ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله، قال: من يبارز؟ فبرز إليه علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-
(1/352)
________________________________________
وحدث بينهما ما حدث وكانت النهاية أن كان النصر والتأييد والفوز لعلي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- لأنه إمام من أئمة المبارزين المجاهدين في سبيل الله -تبارك وتعالى.
وكان أيضًا هو صاحب الراية الذي فتح الله -تبارك وتعالى- على يديه وذلك في يوم خيبر، ورضي الله عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- الذي كان يحب الله ويحب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ويحبه الله ويحبه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
النبي -عليه الصلاة ولسلام- ذكر كلمة عظيمة في هذه الغزوة، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وكان في هذا -في الحقيقة- ما يشهد لأمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- بالسبق والثبات في الجهاد في سبيل الله والرغبة في نصر الإسلام والدعوة إلى الله -عز وجل- ها هو علي -رضي الله عنه- في يوم خيبر يشهد له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بأنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- وبأن الله سيفتح على يديه.
فعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال -قال في يوم خيبر-: ((لأعطين هذه الراية غدًا رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كلهم يرجو أن يعطاها، فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول الله! يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأتي به، فبصق رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ودعا له فبرأ -رضي الله عنه- حتى كأنه لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من أن يكون لك حمْر النَّعم)).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورت لها؛ رجاء أن أدعى لها - هذا عمر بن
(1/353)
________________________________________
الخطاب، يقول: إنه انتظرها رجاء أن يدعى لها- قال: فدعا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- علي بن أبي طالب فأعطاه إياها، وقال: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، فسار عليًّا شيئًا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ: يا رسول الله! -صلى الله عليه وآله وسلم- على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى)).
ومع جهاده -رضي الله عنه- فقد كان من الرعيل الأول أيضًا في الدعوة إلى الله -عز وجل- فعن البراء بن عازب -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بعث خالد بن الوليد -رضي الله عنه- إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بعث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يعني بعثه إلى اليمن، لماذا؟ ليكون داعية إلى الله -عز وجل-.
وأيضًا لما خرج النفر من الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- دعاهم إلى الله -عز وجل- فلما خرجت الخوارج عليه -وكانوا ثمانية آلاف من قراء الناس، ونزلوا بحروراء- ناظرهم علي، فرجع منهم أربعة آلاف فيهم عبد الله بن الكواء، وبعث علي إلى الآخرين أن يرجعوا فأبوا، فأرسل إليهم: "كونوا حيث شئتم، وبيننا وبينكم ألا تسفكوا دمًا حرامًا ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتُم نبذتُم إليكم الحرب".
هذه في الحقيقة دعوة جميلة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لهؤلاء النفر من الخوارج، يعاهدهم ويقول لهم بأني سأكف عن قتالكم بشرط أن لا تسفكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلًا -يعني لا تفسدوا في الأرض- وخلُّوا بين الناس وبين الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- ووعدهم أنه لن يفعل -من قتال لهم- إذا التزموا بذلك، ولكن
(1/354)
________________________________________
الأمر كما قال عبد الله بن شداد -رضي الله تعالى عنه- فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم الحرام، وذلك بقتلهم عبد الله بن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- كما أنهم بقروا بطن سُرِّيته، وهذا في الحقيقة فعل شنيع باء به هؤلاء النفر من الخوارج.
ومن المعلوم -ولعلكم أبنائي الأعزاء تعرفون ذلك في شيء من مسائل العقائد والكلام عن الفرق والتيارات والمذاهب- أن أمير المؤمنين -رضي الله تعالى عنه- افترقت فيه الفرق واختلف فيه الناس، فطائفة غلت فيه -رضي الله تعالى عنه- حتى رفعوه إلى مرتبة عالية، وبعضهم تجاوز الأمر جدًّا، حتى زعم أن علي بن أبي طالب هو الإله، كما ذهب إلى ذلك الضال المضل المارق اليهودي عبد الله بن سبأ، عامله الله بما يستحق، ثم خلف بعد ذلك خلوف غلوا في علي بن أبي طالب، وزعموا أنه هو وصي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأنه هو الخليفة من بعده ليس إلا، وأن خلافة غيره باطلة من الخلفاء الراشدين -رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وفي الحقيقة تكلموا بما يؤذي الصحابة كثيرًا، وهذا وقع من فرقة الروافض، وهذا أمر لا يرضاه الله ولا رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولا يرضاه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب أيضًا -رضي الله تعالى عنه- لأنه من الوقافين عند حدود الله، الشاهد أن هؤلاء غلوا بما لا يليق في أمير المؤمنين، حيث زعموا أنه يعلم الغيب وما إلى ذلك من أمور لا تليق إلا بالله -عز وجل- كما أن هناك فرقة أخرى ناصبت أمير المؤمنين العداء، وخرجوا عليه وكفروه، وكلا الفرقتين باطلتين والعياذ بالله -تبارك وتعالى- والقول الحق هو قول أهل السنة والجماعة، هو أننا نعتقد في أن خلافته خلافة صحيحة راشدة، وأنه هو رابع الخلفاء الراشدين، وأن خلافة من قبله أيضًا خلافة راشدة صحيحة، جاءت وفق مراد الله -تبارك وتعالى- وأن ترتيب الخلفاء في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ونحن نحبهم جميعًا، ولا نبرأ من أي واحد منهم بحال. وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/355)
________________________________________
أردت -أبنائي الأعزاء- أن أشير إليه في هذا الموطن وأنا أختم الكلام عن الخلفاء الراشدين، لأهمية ذلك في مسائل الاعتقاد.

سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه-
"سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه-" ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه:
هو الصحابي الجليل سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل السيد الكبير الشهيد أبو عمرو الأنصاري الأوسي الأشهلي البدري، الذي اهتز العرش لموته -رضي الله تعالى عنه- فعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن أحد أفضل منهم؛ سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر، قال المناوي: قال ابن القيم -رحمه الله- وهذه منقبة جليلة وكلمة عظيمة في هذا الإمام سعد بن معاذ -رضي الله عنه- قال ابن القيم: "كان سعد في الأنصار بمنزلة الصديق أبي بكر في المهاجرين -رضي الله عنهم جميعًا- لا تأخذه في الله لومة لائم، وختم له بالشهادة، وآثر رضا الله ورسول -صلى الله عليه وآله وسلم- على رضا قومه وحلفائه، ووافق حكمه حكم الله من فوق سبع سموات، ونعاه جبريل عليه السلام يوم موته، فحق له أن يهتز العرش له -رضي الله عنه.
ولقد كان -رضي الله عنه- سيدًا في قومه، وكان مشركًا وقتها، فلما أرسل الله النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بعث رسول الهدى والرحمة مصعب بن عمير -رضي الله عنه- إلى المدينة النبويَّة سفيرًا للدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- وهناك أسلم سعد على يديه، أسلم سعد -رضي الله عنه- على يد مصعب بن عمير -رضي الله تعالى عنهم جميعًا- فكان إسلامه فاتحة خير على المدينة كلها؛ لأن إسلامه كان سببًا في أن تشرق شمس الإسلام على المدينة كلها، ولما تحول الموقف يوم بدر من مجرد الحصول على العير -وهذا شيء عظيم لا بد أن أذكره عند حديثي عن النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان:
مواقف من حياته وجهاده في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى-:
عرفت قبل قليل بكلمة يسيرة، وقد ذكرت بعضًا من مناقب هذا الصحابي الجليل -رضي الله تعالى عنه- ألا وهو سعد بن معاذ، أود أن أشير أيضًا إشارة يسيرة بأن جهاده عظيم، أريد أن أشير إشارة عن مواقفه وجهاده في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.
ويظهر ذلك في يوم بدر، وذلك أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما خرج من المدينة النبوية قاصدًا بدرًا أعلم الناس أنه يريد عير المشركين، وهذا ما كان قد خرج من أجله النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ولكن تغير هذا الموقف بعد ذلك، ولم
(1/356)
________________________________________
يصبح الأمر محصورًا في الحصول على العير فقط، بل تحول ربما إلى مواجهة بين المسلمين وبين المشركين، وهنا أراد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يعرف رأي الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- قبل الدخول في تلك المعركة الحاسمة، فاستشار -صلوات الله وسلامه عليه- أصحابه، فتكلم أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، وكذلك قام المقداد بن عمرو، فتكلم وقال وأحسن.
وهؤلاء القادة الثلاثة الذين كانوا من المهاجرين ولكن كانوا أقلية في الجيش والأنصار أكثر، فأحب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يعرف رأي قادة الأنصار؛ لأنهم كما أشرت كانوا يمثلون أغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فقال -بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة- أشيروا علي أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ -رضي الله عنه- فقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله! قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حينما سمع هذه الكلمات سر واستبشر بها -صلوات الله وسلامه عليه- لأنها كلمات خرجت من قلب هذا الصحابي الصادق في إيمانه المجاهد في سبيل ربه ومولاه -رضي الله تعالى عنه.
وهناك موقف عظيم لا يقل عن هذا الموقف الجليل، وهذا الموقف أذكره هنا لأبين شيئًا من جهاد هذا الصحابي الجليل ومن حرصه على الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى-: لما تكالبت قوى الشرك بكتائبها الهائجة وكادت أن تغرق القلة المؤمنة وذلك في غزوة الأحزاب،
(1/357)
________________________________________
تكالبت جموع الشرك على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وصحبه في المدينة النبوية حتى كان بين النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وبين بني قريظة عهدًا ولكنهم نقضوه وخالفوه وتمالئوا أيضًا هم مع عموم المشركين، فلما تكالبت قوى الشرك هكذا وتمالئوا على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في مدينته أراد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يعقد صلحًا منفردًا بينه وبين غطفان، على أن تفك غطفان الحصار على المدينة النبوية وتنسحب بجيوشها وتخذل الأحزاب، على أن يعطيهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ثلث ثمار نخل المدينة واستشار رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- السعدين، استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقال سعد بن معاذ -رضي الله عنه-: يا رسول الله -تأملوا هذه الكلمات التي خرجت من فم هذا الصحابي الجليل- قد كنا نحن وهؤلاء القوم -يعني غطفان- لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرًى أو بيعًا، وإن كانوا ليأكلون العلهز -العلهز: بر يخلط بدماء اللحم، كانت العرب في الجاهلية تأكله، وذلك الجدب والقحط، يعني أنه يبين أن هؤلاء كان يصيبهم من القحط ما يصيبهم حتى كانوا يأكلون العلهز في الجاهلية، وذلك من الجهد- ثم قال: أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نقطعهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ثم خرج سعد إلى سيدي غطفان وقد رفع صوته في تحد: ارجعا ليس بيننا وبينكم إلا السيف. إنها والله كلمات تصدر من فم الصادق سعد -رضي الله عنه- تتفجر منها ينابيع الرجولة والشجاعة والأنفة فتبث الأمل في نفوس المسلمين، وتدهش سيدي غطفان فيفيقوا ويعلمهم سعد -رضي الله عنه- أن الذي يصنع النصر إنما هو قوة العقيدة وزخم الإيمان بالله والثقة به، وأنهم حينما خرجوا إنما خرجوا معتمدين على رب العزة والجلال، وأنهم سيواجهون أعتى قوى الشرك.
وهناك موقف آخر أود أن أختم به الحديث عن هذا الصحابي الجليل -رضي الله تعالى عنه- إنه هو موقفه الذي حكم فيه على بني قريظة، وقد حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات، فما هو هذا الموقف؟
(1/358)
________________________________________
النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كما أشرت كان في غزوة الأحزاب وتكالبت عليه جموع الشرك، وكان بينه وبين بني قريظة عهدًا، ولكنهم نقضوه وخالفوه وتعاهدوا مع المشركين لكي يقضوا النبي الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم- ويقضوا على الإسلام ويستأصلوا شأفة المسلمين. الله -عز وجل- نصر نبيه وأصحابه، وكانت العاقبة للتقوى وللمتقين، وبعد أن انتصر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على جموع الشرك وولت فارَّة من المدينة النبوية، أوحى الله -عز وجل- إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يذهب إلى بني قريظة، فنادى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الناس: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة)) فتسابق الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- في تنفيذ أمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وذهبوا إلى بني قريظة وحاصروهم، وأدرك بني قريظة أنهم لن يفلتوا من قبضة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فأرادوا أن يعقدوا بينه مرة أخرى صلحًا أو حكمًا وأن يكون صاحب هذا الحكم أو الذي يتفاوض بينهم وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو سعد بن معاذ -رضي الله عنه.
سعد بن معاذ -رضي الله عنه- قد أصيب في هذه الغزوة في غزوة الأحزاب، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أمر أن يوضع في خيمة في مسجد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليكون قريبًا منه، فيعوده -عليه الصلاة والسلام- من قريب. طلب اليهود، يهود بني قريظة أن يتفاوض معهم سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه- فأرسل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى سعد بن معاذ وبعث إليه، وأتي به وهو مطعون -رضي الله تعالى عنه- بطعنة جاءت فيه كان فيها وفاته -رضي الله تعالى عنه- أتي بسعد فحكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سنوات، وذلك لما جاء، قال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((احكم فيهم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: لقد حكمت فيهم بحكم الله -عز وجل)) وبالتالي يصبح هذا الموقف أيضًا من المواقف الجليلة العظيمة لهذا الصحابي الجليل -رضي الله تعالى عنه.

حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-
أنتقل بعد ذلك إلى صحابي آخر من صحابة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه- وسأتحدث عنه في نقاط كالتالي:
أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه -رضي الله تعالى عنه-:
إنه هو حذيفة بن اليمان، واسم اليمان: حسل -ويقال: حسيل- ابن جابر العبسي اليمني أبو عبد الله -رضي الله عنه- إنه حذيفة بن اليمان من نجباء أصحاب محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو صاحب السر، وكان والد حذيفة مكي من بني عبس وكان قد أصاب دمًا في
(1/359)
________________________________________
قومه، فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان؛ لحلفه لليمانية وهم الأنصار، وتزوج اليمان والدة حذيفة فولد له بالمدينة، ولما أشرقت شمس النبوة كان حذيفة والده من المسارعين للدخول في الإسلام، ولقد أحبه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حبًّا شديدًا.
وكان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحقيقة بنظرة واحدة إلى أي رجل يعلم صفاته وإمكاناته ومزاياه من أول وهلة، فأحس النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن حذيفة يملك ذكاء يندر وجوده وسرعة بديهة تجعله يعالج أعتى المواقف والأزمات بيسر وسهولة، وهو في الوقت ذاته يؤتمن على أخطر الأسرار ولا يذيعها، وكانت أكبر مشكلة تواجه المسلمين في المدينة هي وجود المنافقين من اليهود وأشياعهم، وما كانوا يحيكونه للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه من مكائد ودسائس فأفضى النبي -عليه الصلاة والسلام- لحذيفة بأسماء المنافقين وهو سر لم يطلع عليه أحدًا من أصحابه، حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو الملهم، أمير المؤمنين عمر الملهم الذي تحدثت عنه في المحاضرة السابقة الفطن الأريب، يستدل برأي حذيفة وببصيرته في اختيار الرجال ومعرفتهم.
ولقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في هذه الحياة واضح لمن يريده وإنما الشر هو الذي يتنكر ويتخفى، ومن ثم يجب على الأريب أن يعنى بدراسة الشر في مآتيه ومظانه، ولذلك كان هو من أعلم الناس بالفتن لسؤاله النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عنها، فهو الذي قال عن نفسه: ((كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- صفهم لنا. فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ تلزم جماعة
(1/360)
________________________________________
المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)).
أنتقل إلى نقطة تالية في هذا العنصر، وهي بعنوان مواقف من حياته وجهاده في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى-:
لقد كان لحذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه- مواقف جليلة في الدعوة إلى الله وفي الجهاد في سبيل الله -عز وجل- وذلك لما جاء يوم أحد، وخاض المسلمون تلك الغزوة أمام مشركي قريش وكان في جند المسلمين حذيفة -رضي الله تعالى عنه- فأما حذيفة فقاتل قتال من يبحث عن الشهادة ويشتاق إليها، وأما أبوه فقد استشهد يومئذ، قتله بعض الصحابة غلطًا، ولم يعرفه؛ لأن الجيش يختفون فيما يلبسونه من لأمة الحرب ويسترون وجوههم فإن لم يكن لهم علامة بيّنة ربما قُتل الإنسان، وربما قتل الأخ أخاه -وهو لا يشعر- ولما شدوا على اليمان يومئذ بقي حذيفة يصيح ويقول: أبي، أبي، يا قومي فراح خطئًا فتصدق حذيفة -رضي الله تعالى عنه- بدية والده على المسلمين، وهذا موقف عظيم من مواقف هذا الصحابي الجليل -رضي الله تعالى عنه- حينما يتنازل عن دية والده الذي قتل خطئًا.
ثم إني أود هنا أن أذكر بعد ذلك مواقف مشرقة من جهاده في الفتوحات الإسلامية -رضي الله تعالى عنه- لأن البعض قد لا يعلم أن حذيفة -رضي الله عنه- كان من أصحاب السبق العظيم في فتوحات العراق كلها، ففي همدان والري، والدينور، تم الفتح على يديه، وفي معركة نهاوند كانت المعركة الكبرى، حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين ألفًا والمسلمون في ثلاثين ألفًا يقودهم الإيمان بالله والعقيدة الراسخة التي سكبها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في قلوب أصحابه حتى كان الواحد منهم يقابل جيشًا بأكمله فلا يخاف ولا يخشى إلا الله -سبحانه وتعالى- وكان عمر -رضي الله تعالى عنه- وقتئذ هو أمير المؤمنين، وأدرك عمر -رضي الله عنه- من الذي يقوم بهذه الفتوحات ومن الذي يمكن أن
(1/361)
________________________________________
يكون من المجاهدين الصابرين الصادقين في سبيل الله حقًّا، من هم الرجال الذين يمكن أن يتملكوا الراية وأن يمسكوها وأن يقبضوا عليها، وأن يفتح رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى- عليهم؛ ولذلك نجد أن عمر -رضي الله عنه- كتب خطابًا في هذه المعركة وكتابًا قال فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى النعمان بن مقرن، سلام عليك -أنا أذكر هذا الخطاب لأبين للمستمعين الكرام ماذا كان يعلم عن حذيفة -رضي الله عنه- وماذا فعل حذيفة -رضي الله تعالى عنه- وفيما أذكر إشارة لامعة واضحة إلى جهاد هؤلاء الصحب الكرام جميعًا في سبيل الله -تبارك وتعالى- وأنهم -رضوان الله تعالى عليهم- بذلوا كل ما يملكون في سبيل نشر الإسلام، والدعوة إليه وفي سبيل إسعاد الناس بنطقهم بلا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- كتب عمر إلى النعمان بن مقرن: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد بلغني أن جموعًا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين ولا توطئهم وعرًا فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلهم غيضًا -والغيض هو المكان الملتف الشجر، وهنا أمير المؤمنين -رضي الله عنه- يحرص على جند الإسلام، ويسعى في أن يحتفظ بهؤلاء الرجال الأبرار، ولا يود -رضي الله تعالى عنه- أن يهلكوا أو أن يكونوا في مكان يمكن أن يصابوا فيه بأذى، وهذا من حب أمير المؤمنين -رضي الله تعالى عنه- للإسلام، ولله ولرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولدين الله -عز وجل- وحبه أيضًا لمن دخل في هذا الدين، وتأملوا قول أمير المؤمنين بعد ذلك- فإن رجلًا من المسلمين أحب إلي من مائة ألف دينار والسلام عليك، فسر في وجهك ذلك حتى تأتي "ماء" فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها -مكان هناك- فإذا اجتمع إليك جنودك فسر إلى القيروان، ومن جمع معه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا -استنصروا يعني بالله- وأكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله.
هكذا كتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى النعمان بن مقرن، ثم كتب إلى نائب الكوفة بعد ذلك، عبد الله بن عبد الله أن يعيِّن جيشًا ويبعثهم إلى نهاوند وليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه. وأنا ذكرت ذلك لأبين كيف أن عمر -رضي الله عنه، هذا الرجل الملهم الموفق- كيف أنه يعرف الرجال وأنه قد اختار حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه- عمر بن الخطاب يكتب إلى نائبه في الكوفة فيقول: ليكن الأمير على هؤلاء جميعًا حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه- حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن، فإن قتل النعمان فحذيفة بعد ذلك: يعني يذهب حذيفة بالجيش من الكوفة حيث النعمان هناك، فإذا التقى كان النعمان هو قائد الجيش، فإن قتل النعمان رجع الأمر إلى حذيفة
(1/362)
________________________________________
ليكون قائدًا عامًا على الجيش بعد ذلك كله، وهكذا يفصل أمير المؤمنين -رضي الله عنه- الأمر بنظر ثاقب، فيسير حذيفة -رضي الله عنه- في جيش كثيف نحو النعمان ليوافيه بماء، بالمنطقة التي سيلتقي فيها معه هناك، وسار مع حذيفة خلق كثير من أمراء العراق، وقد أرصد في كل كورة ما يكفيها من المقاتلة وجعل الحرس في كل ناحية واحتاطوا احتياطًا عظيمًا حتى انتهوا إلى النعمان بن مُقرِّن -رضي الله تعالى عنه- حيث اتَّعَدوا يعني اتفقوا على المكان الذي يلتقون فيه، فدفع حذيفة -رضي الله تعالى عنه- ابن اليمان إلى النعمان كتاب عمر وفيه الأمر له بما يعتمده في هذه الوقعة، فكمل جيش المسلمين في ثلاثين ألفًا من المقاتلين، وتعبأت الفرس تعبئة عظيمة، واصطفوا صفوفًا هائلة في عَدد وعُدد كبير لم ير مثله، وقد تغلغل هؤلاء بعضهم في بعض وألقوا أشياء من الحديد وراء ظهورهم حتى لا يتمكنوا من الهرب أو الفرار.
ثم إن النعمان بن مقرن -رضي الله تعالى عنه- كبر عندئذ التكبيرة الأولى، كبر التكبيرة الأولى، فتأهب الناس للحملة، ثم كبر الثانية وهز الراية، فتأهبوا أيضًا، ثم كبر الثالثة وحمل وحمل الناس على المشركين وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس حتى تصافحوا بالسيوف، واقتتلوا قتالًا لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة، ولا سمع السامعون بوقعة مثلها، وقد قتل من المشركين ناس كثيرون في هذه الغزوة، ولكن النعمان -رضي الله تعالى عنه- وهو يجاهد في سبيل الله مات شهيدًا؛ فدفعت الراية بعد ذلك إلى حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- فأقام حذيفة أخاه نُعيمًا مكانه، وأمر بكتم موت النعمان حتى يبين الحال، لئلا ينهزم الناس، فلما أظلم الليل؛ انهزم المشركون مدبرين وتبعهم المسلمون، وهكذا انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للفرس على أيدي الموحدين الذين امتلأت قلوبهم حبًّا لرسول الله، ولنصرة دين الله -على رسول -صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة والسلام- وكان هؤلاء الرجال من وراء دعوة الإسلام يدعون الناس إليها ويجاهدون في سبيل الله فرضي الله تعالى عن جميع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا هو نهاية حديثي، وفي الختام أصلي وأسلم على النبي المختار -صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/363)
________________________________________
الدرس: 11 دراسة بعض الدعوات ومناهجها في الدعوة.
(1/365)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي عشر
(دراسة بعض الدعوات ومناهجها في الدعوة)
1 - دراسة بعض الدعوات ومناهجها في الدعوة جماعة أهل الحديث بالهند، وجماعة أنصار السنة المحمدية

جماعة أهل الحديث بالهند
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وبعد:
أ-التعريف بالجماعة وبحركة أهل الحديث في شبه القارة الهندية:
قد بدأت بها لأنها أقدم الحركات الإسلامية في شبه القارة الهندية، وهي كذلك أقدم الحركات التي سأتحدث عنها فيما بعد؛ ولذلك أود أن ألفت نظر الطالب إلى أنني سأتكلم عن هذه الجماعات والدعوات من خلال ترتيبها الزمني؛ وذلك حتى لا يظن ظانٌّ أنني قدمت في الحديث جماعة على أخرى، وإنما سألتزم بالتاريخ الزمني.
وجماعة أهل الحديث في شبه القارة الهندية قامت على الدعوة لاتباع الكتاب والسنة، وفهمها على ضوء فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وتقديمهما على كل قول وهدي، وذلك في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسياسة والاجتماع على طريقة الفقهاء المحدثين، وكانوا يحاربون البدع والخرافات وجميع أنواع الشركيات.
ويرجع تاريخ أهل الحديث في شبه القارة الهندية إلى العهد الإسلامي الأول، حيث استضاءت بعض مناطق الهند بنور الإسلام بجهود التجار والمجاهدين العرب، الذين وصلوا إلى مقاطعات "السند" و"مالابار" على سواحل البحر الهندي، فكانت هناك مراكز للحديث في "بلاد السند وملتاد" وفد إليها المحدثون من العرب والعجم.
وقد زارها الرحالة المعروف أبو القاسم المقدسي عام ثلاثمائة وخمسة وسبعين هجرية، ووصف الحالة الدينية في "بلاد السند" في كتابه (أحسن التقاسيم) قائلًا: إن مذاهب أكثرهم على مذهب أصحاب الحديث، ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- وأنهم على طريقة مستقيمة ومذاهب محمودة وصلاح وعفة، وقد أراحهم الله من الغلو والعصبية والفتنة.
(1/367)
________________________________________
وفي أواخر القرن الرابع بدأ الضعف يدب في نشاط أهل الحديث، وقد بلغ منتهاه في القرن التاسع الهجري؛ نظرًا لانتشار الخلافات السياسية والعصبيات، وظهور فتنة الباطنية الإسماعيلية التي جرَّت على أهل السنة الفتن والمشاكل؛ فقل الاهتمام بالسنة وفشا التقليد والتعصب للمذاهب والجمود عليها، وساد علوم اليونان، مع هذا كله؛ وُجِدَ في شبه القارة الهندية عدد من علماء أهل الحديث، من تلاميذ الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام السخاوي، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وغيرهم حيث ظلوا محافظين على منهج أهل الحديث.
وأهل الحديث في شبه القارة الهندية في العصر الحديث كان لهم ظهور واضح مع بداية القرن الحادي عشر الهندي، حيث بدأ دور جديد لأهل الحديث، وذلك حينما ظهر الشيخ أحمد السرهندي -رحمه الله- المتوفى سنة ألف وأربعة وثلاثين هجرية، وقويت في عهد أنجال الإمام شاه ولي الله المحدث الدهلوي هادي الحركة، وكانت جهودهم في هذه الفترة مرتكزة على ثلاثة ميادين رئيسية:
الأول: ميدان الجهاد:
حيث لم تقتصر حركة شاه إسماعيل الدهلوي على إحياء العمل بالكتاب والسنة، وإقامة الخلافة على منهاج النبوة، والقضاء على التعصب المذهبي والجمود والبدع والعقائد الباطلة فقط؛ بل قادت حركة الجهاد ضد السيخ والاستعمار الإنجليزي، وبخاصة في الحدود الشمالية للهند إلى أن رحل الاستعمار الإنجليزي من الهند، وذلك في عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين ميلادية.
وبعد تقسيم القارة إلى "الهند" و"الباكستان" واصل المجاهدون جهادهم وفتحت أحد كتائبهم مدينة "مظل آباد" وتحت قيادة الشيخ فضل إله الوزير أبادي فتحت باقي الرقعة التي تشكل كشمير الحرة الآن.
(1/368)
________________________________________
2 - ميدان التأليف:
إن لأهل الحديث دورًا بارزًا في إحياء ونشر الثقافة الإسلامية، من خلال الاهتمام بمجال التأليف والتصنيف في القرآن وعلومه، وعلوم الحديث، وبيان السنة وشروحها، مع الدفاع عن العقيدة والرد على المبتدعة، وأهل الاعتقادات الباطلة، فكان منهم العلماء والمحدثون، ومن أبرز الشخصيات في هذا المجال: العلامة صديق حسن خان الذي اشتغل بالتصنيف والتأليف ونشر كتب الحديث ودواوين السنة، فألف ما يبلغ قريبًا من ثلاثمائة كتاب، مع اشتغاله بمهمات الدولة كما شكل مجلسًا علميًّا مكونًا من العلماء السلفيين؛ ليقوم بمهمات التأليف والترجمة، وإفادة المسلمين بالتدريس، وأنشأ لذلك عدة مطابع على حسابه الخاص لطبع ونشر وتوزيع كتب السلف الصالح.
أما الميدان الثالث: فهو ميدان التدريس:
حيث برز اهتمام أهل الحديث بالدعوة والتدريس وإنشاء المدارس والجامعات، ومن أبرز الشخصيات في هذا الجانب العلامة الشيخ نذير حسين الْمُحَدِّث الدهلوي، والذي انتهت إليه رئاسة الحديث في بلاد الهند واستمر في تدريس العلوم الشرعية والحديث في "دهلي" قرابة ستين عامًا، بالإضافة إلى الدعوة إلى الإسلام الصحيح، حتى قيل: إنه اعتنق في عصره نحو مليونين من المسلمين العقيدة الصحيحة تائبين عن العقائد الشركية والبدعية.
وتخرج على يده عدد من أعلام السنة والدعوة في العصر الحديث، أمثال الإمام المحدث عبد الله الغزنوي، وشمس الحق العظيم آبادي مؤلف (عون المعبود شرح سنن أبي داود) والعلامة عبد الرحمن المباركفوري صاحب (تحفة الأحوذي
(1/369)
________________________________________
شرح سنن الترمذي) والعلامة محمد بشير السهسواني صاحب (***** الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان) والشيخ عبد الله بن إدريس السنوسي المغربي، والشيخ محمد بن ناصر المبارك النجدي، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق النجدي، والذي نشر سند شيخه في بلاد الحجاز ونجد وغيرهم.
ولازالت مدرسته إلى اليوم بدهلي والمعروفة بجامعة السيد نذير حسين الدهلوي تخرج العلماء والدعاة.
ب- مؤسس الجماعة والشخصيات البارزة فيها:
في عام 1324 هجرية قرر علماء أهل الحديث برئاسة شيخ الإسلام أبي الوفاء ثناء الله الأمرتسري تشكيل جمعية لهم تقوم على نشر الدعوة على منهج الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وقد امتدوا حركتهم هذا من حركة أهل الحديث في شبه القارة الهندية، وقد أرادوا بذلك نشر علوم السنة -كما أشرت- والعقيدة الصحيحة كما أرادوا أيضًا مقاومة الحركات الهدامة، ومواجهة تحديات العصر، تحت اسم: مؤتمر أهل الحديث لعموم الهند.
وعين شيخ الإسلام أبي الوفاء ثناء الله قامع الفتنة القاديانية وصاحب التصانيف الكثيرة في الدفاع عن الإسلام ومقاومة الهندوسية والنصرانية ومنكري السنة، وغيرها من فرق وملل الضلال، بالإضافة إلى ما له من مساهمات فعالة في الحركة السياسية والوطنية والمؤتمر الوطني العام، فقد كان أمينًا عامًّا للجمعية، بالإضافة إلى عضويته في ندوة العلماء وجمعية علماء الهند، وانتخب المحدث العلامة عبد الله الغازي فوري رئيسًا للجمعية فغطت جهودهما الهند وقراها.
(1/370)
________________________________________
ولما انقسمت شبه القارة الهندية في عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين من الميلاد إلى الهند وباكستان ضعفت حركة هذه الجمعية لفترة ما، وفقدوا بسبب ذلك أكبر مؤسسة تعليمية لهم، وهي دار الحديث الرحمانية "بدهلي" وعندئذ سارعوا إلى تشكيل الجمعية من جديد في كلتا الدولتين؛ فاستعادتا قوتهما وأسسوا الجامعات والمعاهد والمدارس الجديدة؛ لتلبية حاجات العصر وتدريس علوم الكتاب والسنة على مذهب السلف الصالح.
ومن أبرز الجامعات التي اعتنوا بها وأنشئوها في الهند: الجامعة السلفية "ببنارس" وهي أكبر جامعة عربية إسلامية في الهند، تأسست في عام ألف وثلاثمائة وثلاثة وثمانين من الميلاد، بالإضافة إلى الجامعة الرحمانية تأسست عام ألف وثلاثمائة وثلاثة وثمانين من الهجرة النبوية بالإضافة إلى الجامعة الرحمانية، والجامعة الأحمدية السلفية، وجامعة دار السلام "بعمر أباد" والجامعة السلفية بالقرية السلفية في "كدا" والجامعة الإسلامية في "بومباي" وجامعة ابن تيمية وجامعة الإمام البخاري -رحمهما الله تعالى- في "بيهاور".
أما في باكستان: فإن الجامعة السلفية "بفيصل آباد" تعد أول وأكبر جامعة إسلامية تأسست في باكستان بعد الانفصال، وذلك في سبعة شعبان ألف وثلاثمائة وأربع وسبعين من الهجرة النبوية بالإضافة إلى الجامعات الأخرى.
وأود بعد الحديث عن تأسيس الجامعة في العصر الحاضر أن أذكر أبرز الشخصيات التي كانت في جماعة أهل الحديث، وابدأ بأبرزهم في باكستان، ومن أبرزهم الشيخ محمد داود الغزنوي، وهو من المؤسسين لجمعية أهل الحديث بباكستان، وأول رئيس لها وشارك العلامة محمد إسماعيل في تأسيس الجامعة
(1/371)
________________________________________
السلفية بمدينة "فيصل آباد"، كما تحمد له مواقفه من إقامة النظام الإسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان، وله جهود علمية في الرد على منكري السنة والقاديانية، وعند تأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة اختير عضوًا بالمجلس الاستشاري الأول لها، كما شارك في وضع مناهجها الدراسية.
ومن أبرزهم أيضًا العلامة محمد إسماعيل السلفي، الذي نشأ في ظل أسرة متدينة، وطلب العلم في مراحل مبكرة على يد أبيه، ورحل في طلبه على يد أفاضل علماء عصره، وكان -رحمه الله- من الرواد الأوائل الذين ساهموا في تأسيس جمعية أهل الحديث بباكستان، وكانت لجهوده الدعوية والسياسية أثرها البالغ على البلاد، فتولى الخطابة في جامع أهل الحديث، وترأس هيئة التدريس في الجامعة المحمدية التي أنشأها، كما عين مشرفًا على مقر جمعية تنظيم أهل الحديث "بالبنجاب" ثم انتخب أمينًا عامًّا للجنة العمل لجمعية أهل الحديث في مؤتمر "دهلي" وبعد فصل باكستان عن الهند انتخب أمينًا عامًّا لجمعية أهل الحديث بباكستان حتى وفاته -رحمه الله تعالى.
ومن أبرز الشخصيات أيضًا في هذه الجماعة في باكستان: العلامة الشيخ إحسان إلهي ظهير، أحد خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وهو له مؤلفات قيمة يشكر عليها -رحمه الله تبارك وتعالى- ومعظم هذه المؤلفات في الرد على أهل البدع والأهواء.
ومن أبرز الشخصيات الأخرى: العلامة المحدث أبو محمد بديع الدين شاه الراشدي السندي، أحد كبار علماء السنة في العصر الحاضر، وصاحب الأسانيد المتصلة إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وله مشاركات جيدة في علوم الكتاب والسنة تأليفًا وتصنيفًا، وقد درس في الحرمين الشريفين وله تلاميذ كثيرون من الهند وباكستان وغيرهما.
(1/372)
________________________________________
أما أبرز الشخصيات في الهند فهم كما يلي:
الشيخ عبد الوهاب الأروي أول رئيس لجمعية الحديث بالهند، بعد التشكيل الجديد، والشيخ عبد الجليل الرحمن أمين عام وصاحب (تفسير القرآن) بالأردن بالإضافة إلى إصداره مجلة (مصباح) الأردية ومن أبرزهم أيضًا الشيخ عبد الحميد بن عبد الجبار الرحماني، وقد تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وقد تولى منصب الأمين العام للجمعية في فترة سابقة، وله جهود مشكورة في مركز أبي الكلام الذي ترأسه فترة من الزمن.
ومن أبرزهم أيضًا رئيس الجامعة السلفية ببنارس ومحدث الديار الهندية: الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري مؤلف (مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) والعلامة الشيخ عبد الصمد شرف الدين، بالإضافة إلى الدكتور الأديب مقتضى حسين الأزهري، **** الجامعة السلفية ببنارس ورئيس تحرير مجلة صوت الأمة، ورئيس إدارة البحوث العلمية بالجامعة، بالإضافة إلى عدد كبير من العلماء وطلبة العلم البارزين في خدمة السنة والدعوة.
ولأهل الحديث في شبه القارة الهندية دور كبير في كل ناحية من نواحي الحياة: دعوة وتدريسًا وتصنيفًا، كما أن لهم شخصيات بارزة في مختلف المجالات العلمية، سواء كان ذلك في العقيدة أو العبادة أو الأحوال الشخصية أو الأمور المدنية: كالاقتصاد الإسلامية والسياسة الشرعية، وأبرز العلماء الذين اهتموا بهذه المجالات على سبيل المثال لا الحصر الشيخ محمد حسين البتلوي -رحمه الله- والشيخ محمد إبراهيم السلكوتي وغير هؤلاء ممكن كان لهم دور بارز في نشاط حركة أهل الحديث في شبه القارة الهندية في العصر الحاضر.
(1/373)
________________________________________
جـ- أفكار ومعتقدات جماعة أهل الحديث:
عقيدة أهل السنة هي عقيدة السلف الصالح وهي عقيدة جماعة أهل الحديث بالهند؛ ولذلك قامت أفكارهم ومعتقداتهم على ما يلي:
أولًا: التوحيد: فأهل الحديث إيمانًا منهم من أن التوحيد هو أصل الدين، يبدءون عملهم بنشر التوحيد الخالص، وغرسه في قلوب الناس مع تفصيل أنواع التوحيد الثلاثة، وخاصة توحيد الألوهية الذي يخطئ فيه كثير من الناس، مع إيمانهم بتوحيد الربوبية وما يقتضيه من الحاكمية لله تعالى، ولا يكتفون بإقرار وتطبيق النظام السياسي الإسلامي فقط؛ وإنما أن يكون الله -جل وعلا- هو صاحب التشريع وحده دون سواه.
وأيضًا مما صاروا عليه في أفكارهم ومعتقداتهم الإتباع: فأهل الحديث يركزون على اتباع ما صح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على ضوء فهم السلف الصالح؛ ولذلك لا يرون التقليد الجامد الذي يدعو إلى الالتزام بمذهب فقهي معين بدون سؤال عن دليل؛ بل ينادون بفتح باب الاجتهاد لكل من تحققت لديه شروط ويدعون إلى احترام العلماء المجتهدين والأئمة المتبعين بشكل خاص.
وأيضا من أفكارهم ومعتقداتهم تقديم النقل على العقل: فهم يقدمون الروايات على الرأي حيث يبدءون بالشرع ثم يخضعون له العقل؛ لأنهم يرون أن العقل السليم يتفق مع نصوص الشرع الصحيحة؛ ولذلك لا تصح معارضة الشرع بالعقل ولا تقديمه عليه، وهم في جانب التزكية الشرعية وأعني بذلك: تزكية النفس تزكية شرعية، نجدهم يتخذون الوسائل المشروعة الذي جاء بها الكتاب والسنة، وينكرون على أتباع التزكية البدعية من الصوفية وغيرهم.
كما أنهم أيضًا يحذرون من البدع؛ لأنهم يرون أن أمر الابتداع في الحقيقة استدراك على الله -تبارك وتعالى- وتشريع بالرأي والعقل، ومن ثم يدعون إلى
(1/374)
________________________________________
الالتزام بالسنة وتجنب أنواع البدع كلها ويحذرون من الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ لأن خطورة هذا النوع من الحديث كبير جدًّا على الأمة ولا بد من التحري في الحديث المنسوب إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في جميع المجالات، وأكثر ما يجب أن يهتم بهم في ذلك مسائل العقائد والأحكام.
وهم -مع كل ذلك- يدعون إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، ويرون أن الجهاد من أفضل الأعمال، وأنه ماضٍ إلى يوم القيامة؛ لإعلاء كلمة الله تعالى، ودفع الفساد من الأرض، وهم يسعون إلى تطبيق النظام الشرعي وذلك بالسعي لتأصيله وإقراره في جميع مجالات الحياة الشخصية أو الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية وما إلى ذلك بالطرق المشروعة.
ويعتقد أهل الحديث: أنه بتحقيق التوحيد الخالص لله رب العالمين وبالعمل الموافق لسنة النبي الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم- وهديه يتحقق النصر والتمكين؛ فهما شرطا قبول الأعمال، وهما أيضًا شرطا النصر والتمكين وعودة الخلافة الإسلامية، حسب الوعد الإلهي: قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} (النور: من الآية: 55).
ولذلك فهم يَسْعَوْنَ بالدعوة بالوسائل الشرعية على أساس تصفية التوحيد من البدع والانحرافات العقدية والسلوكية، وتصفية الأحاديث من الموضوعات وتربية الأمة على ذلك، كما أنهم يحاربون الفرق الضالة المنحرفة الخارجة على أهل السنة والجماعة: كالرافضة والقاديانية والبرلوية والبابية والبهائية وغيرها، ويتصدون لحملات الأذكار الهدامة المعاصرة المعادية للإسلام: كالعلمانية والرأسمالية والشيوعية والاشتراكية وغيرها؛ وذلك باتخاذ كل الوسائل المشروعة.
(1/375)
________________________________________
د- انتشار الجماعة ومواقع نفوذها:
تتركز جماعة أهل الحديث في كل من بلاد الهند وباكستان وبنجلادش ونيبال وكشمير وسيريلانكا وجزر فيجي ولهم مركز في بريطانيا، وجمعيتهم في هذه الدول كلها معروفة باسم: جمعية أهل الحديث، ونجد أن في كل دولة من هذه الدول المذكورة مركزًا للجمعية، تتبعه فروع موزعة حسب الولايات والمديريات، إلا أن للجمعية قيادة مستقلة في كل دولة، وذلك أمر إداري بحت؛ لكنه يجمعهم جميعًا المنهج السلفي الموحد الذي تتبناه الجمعية في الأصل.
ولجمعية أهل الحديث علاقة مع بعض الجمعيات الأخرى خارج شبه القارة الهندية، التي تتفق معها في الأصول والمنهج: كجماعة الدعوة إلى القرآن والسنة بأفغانستان، والجمعيات المحمدية بأندونسيا وسنغافورة وماليزيا، وجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر والسودان وإريتريا وجمعيات إحياء التراث الإسلامي بالكويت وجمعية دار البر بدبي، وغيرها من الدعوات السلفية المنتشرة في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى عضوية جمعيات أهل الحديث في الندوة العالمية للشباب الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي والمجلس الإسلامي العالمي بلندن والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة بالقاهرة.
ويتضح مما تقدم أن جمعية أهل الحديث من أقدم الجمعيات والجماعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، ومن مقاصدها الأولية تصفية الإسلام من البدع والانحرافات، ودعوة الناس إلى اتباع منهج السلف الصالح في مجال العلم والعمل، واختيار طريقة الفقهاء والمحدِّثين في المسائل الفقهية، وذلك بإتباع الدليل ونبذ التعصب المذهبي بكافة صوره وأشكاله.
(1/376)
________________________________________
جماعة أنصار السنة المحمدية
أ- التعريف بها وبمؤسسها:
جماعة أنصار السنة المحمدية جماعة إسلامية سلفية قامت في مصر أولًا، ثم انتشرت في غيرها للدعوة إلى الإسلام على أساس من التوحيد الخالصة والسنة الصحيحة؛ لتطهير الاعتقاد ونبذ البدع والخرافات، كشرط لعودة الخلافة ونهضة الأمة الإسلامية، وقد أسسها العلامة الشيخ محمد حامد الفقي -رحمة الله تبارك وتعالى عليه- وقد بدأ الشيخ محمد حامد الفقي حياته العلمية بحفظ القرآن الكريم، حيث أتم حفظه في شهر رمضان من عام ألف وثلاثمائة واثنين وعشرين من الهجرة النبوية وكان عمره وقتذاك اثني عشر عامًا، وقد هيأه والده لتلقي العلوم بالأزهر على الطريقة التي كانت متبعة آنذاك، وقد بدأ دراسته بالأزهر، وكان يحب أن يقيد حنبليًّا إلا أنه لأسباب ما انتسب للأزهر حنفيًّا.
وبعد أن أمضى بالأزهر قرابة الست سنوات بدأ في دراسة الحديث والتفسير، ولما أمعن الشيخ في دراسة الحديث على الوجه الصحيح دعا إلى التمسك بسنة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- لفظًا ومعنًى وروحًا، فالتف حوله نفر من إخوانه، واتخذوه شيخًا لهم، وهذا يدل على بلوغ الشيخ المبكر؛ حيث لم يتجاوز عمره في تلك الأثناء ثمانية عشر عامًا -رحمه الله تبارك وتعالى.
وفي عام ألف وثلاثمائة وست وثلاثين من الهجرة النبوية تخرج -رحمه الله- في الأزهر؛ حيث نال شهادة العالمية وكان عمره خمسة وعشرين عامًا، وانقطع منذ تخرجه لخدمة كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/377)
________________________________________
وكان -رحمه الله- عالمًا وباحثًا ومحققًا يغوص في جنبات المسألة العلمية ويذكر غورها، ويخرج منها، وقد ألمَّ بكل ما يعلق بها، وكان حريصًا على إتباع الكتاب والسنة، نابذًا للتقليد ومحذرًا عنه، وكان مفسرًا بارعًا محبًّا للقراءة، يعكف الساعات الطوال على الكتب كي ينقب ويبحث ويقارن وكان خطيبًا لسنًا يمتاز بصدق التعبير وجزالة الأسلوب وقوة وفصاحة المنطق وكانت دعوته -رحمه الله- تخالط شغاف القلوب وتلمع فكرته أمام العقل دون إيهام وشبهة.
وكان محبًّا للتراث الإسلامي ينقب عنه ويسعى جاهدًا إلى نشره، قال الشيخ فتحي أمين عثمان -**** جماعة أنصار السنة المحمدية سابقًا وعضو الجماعة الآن يقول عن الشيخ حامد -رحمه الله-: لقد كانت آخر آية فسرها: {وَيَدْعُو الْإِنْسَانُ بِالشَّرِ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولَا} (الإسراء:11).
وقد اعتنق الشيخ محمد أحمد أبو الفتوح مذهب السلف -رحمه الله تعالى- وذلك لاهتمامه بالقراءات لعلماء السلف من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى- وغيرهم من علماء التوحيد وأئمة الهدى، وعني بكتبهم ومؤلفاتهم وطبعها ونشرها بين المسلمين؛ ولهذا ظهر ميول الشيخ لمذهب السلف وتأثر بعلمائه واتبع المنهج الحق الذي جاء من عند الله -تبارك وتعالى.
وقد عبر الشيخ نفسه عن هذا التحول في حياته بقوله: "ولقد كنت في حياتي الأولى سالكًا مع السالكين، وملبسًا مع الملبسين، ومخرفًا مع المخرفين، وداعيًا إلى البدعة والجاهلية وعبادة الموتى والخشب والنصب مع الداعين، فهداني الله إلى نور الهدى، وكشف عن بصيرتي حجب الجهل والعمى، وبصرني بنور الحق من كتاب الله وسنة نبيه المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- ووفقني بفضله إلى سبيل السلف الصالح
(1/378)
________________________________________
من الصحابة والتابعين، وانقذني بذلك من طريق الردى، فذقت من يومئذ حلاوة التوحيد الخالص والإيمان، وتحققت الفرق العظيم بين الحق والباطل والهدى والضلال، وبين توحيد الأنبياء والمرسلين وتوحيد المشركين والجهمية المعطلين، وغير آيات الله وحديثه رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- وبين شبهات المبطلين وزخارف المفترين، وعرفت لله تعالى منته العظمى في تلك الهداية ونعمته الكبرى في هذا التوفيق".
وقد كانت للشيخ -مؤسس الجماعة- علاقة متميزة مع جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس الملكة العربية السعودية -رحمه الله تعالى- وما ذلك إلا لما رآه في الشيخ من غيرة وهمة لنشر مذهب السلف الصالح وما رآه من تأثره بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى- وقد كان الملك عبد العزيز محبًّا لعقيدة السلف ساعيًا في نشرها مجاهدًا في الدفاع عنها.
وقد ذكر الشيخ حامد أنه كان يحضر بعض جلسات الملك عبد العزيز وقد عينه مديرًا لإدارة الطبع والنشر بمكة المكرمة عندما كان مقيمًا بأم القرى، يظهر كل ذلك فيما ألفه الشيخ محمد حامد الفقي في تلك الرسالة المسماه: "أزهار من رياض سيرة الإمام العادل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود".
كما كانت له علاقة متميزة مع علماء نجد وحجاز فكانوا يتبادلون النسخ النادرة من تراث السلف الصالح ومنهم على سبيل المثال الشيخ الفاضل محمد نصيف، رحم الله الجميع.
كما كان الشيخ حامد -رحمه الله تبارك وتعالى- وقفات جادة ومشاركات فعالة في القضايا الوطنية والقومية، فقد شارك مع أبناء مصر في المعارك ضد المحتل: يقول الأستاذ محمد رشدي خليل: وقد ساهم الشيخ حامد مع أبناء وطنه في المعارك التي خاضوها ضد المستعمر مطلع أيام الحرب العالمية الثانية، كان يقوم في جوف الليل بطبع المنشورات ضد الإنجليز والاحتلال البريطاني.
(1/379)
________________________________________
والشيخ -رحمه الله تبارك وتعالى- أسس لذلك جماعة أنصار السنة المحمدية التي سأتحدث عنها -إن شاء الله تعالى- بعد ذلك بشيء من التفصيل، ولكني أود الآن أن أختم الحديث عن مؤسس هذه الجماعة، وأنا أعرف به -رحمه الله تعالى- فأذكر وفاته، توفي الشيخ -رحمه الله تبارك وتعالى- عند فجر الجمعة السابع من شهر رجب في سنة ألف وثلاثمائة وثمانٍ وسبعين من الهجرة النبوية؛ وذلك إثر عملية جراحية أجراها بمستشفى العجوزة، وبعد أن نجحت العملية أصيب بنزف حاد، وعندما اقترب أجله -رحمه الله تبارك وتعالى- طلب ماء للوضوء ثم صلى ركعتي الفجر بسورة الرعد كلها، وبعد ذلك طلب من إخوانه أن ينقل إلى دار الجماعة حيث توفي بها -رحمه الله تبارك وتعالى.
وقد نعاه رؤساء وعلماء من الدول الإسلامية والعربية، وحضر جنازته واشترك في تشييعها من أصحاب الفضيلة وزير الأوقاف والشيخ عبد الرحمن تاج والشيخ محمد نور الحسن والشيخ محمد حسنين مخلوف والشيخ محمد محمد محيي الدين عبد الحميد، والشيخ أحمد حسين وكثيرٌ من مشايخ كليات الأزهر وأساتذتها وعلمائها وقضاة المحاكم.
وقد جاء نعيه في جريدة الشعب بعنوان: فقيد العروبة والإٍسلام الشيخ محمد الفقي، منوهين بجهوده في الدعوة إلى الله وحرصه على تعليم الناس سنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في جميع شئون حياتهم.
ب- أبرز الشخصيات في الجماعة:
الشخصيات في جماعة أنصار السنة المحمدية كثيرة وبعضهم تواكب على رئاستها بعض وفاة مؤسسها -رحم الله الجميع- ومن أوائل البارزين في هذه الجماعة فضيلة العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله تبارك وتعالى- الذي حصل على شهادة التخصص في الفقه وأصوله وهي تعادل الماجستير، ثم حصل على العالمية وهي تعادل الدكتوراة من جامعة الأزهر، وعمل مدرسًا في المعاهد العلمية الأزهرية، كما عاصر تأسيس الجماعة، ويعد الشيخ -رحمه الله- من كتاب العدد الأول في مجلة الهدي النبوي التي كانت تصدرها الجماعة، وهو واحد من هيئة كبار علمائها، واختير -رحمه الله تبارك وتعالى- ليكون نائبا أولًا لرئيس الجماعة في الوقت الذي كان يشغل رئيس الجماعة لفرع محرم بك بالإسكندرية.
ومن طلب خاص من مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله تبارك وتعالى- سافر الشيخ ومعه الشيخ محمد خليل هراس إلى السعودية
(1/380)
________________________________________
للتدريس بدار التوحيد بالطائف، وفي عام ألف وثلاثمائة وسبعين هجرية نقل للتدريس بالمعاهد العلمية وكلية الشريعة بالرياض، وفي الرابع والعشرين من شهر صفر من عام ألف ثلاثمائة وتسع وسبعين من الهجرة النبوية اختير الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله تبارك وتعالى- بالإجماع رئيسًا عامًّا للجماعة خلفًا للشيخ محمد حامد الفقيه بعد وفاته -رحمه الله تبارك وتعالى.
ثم انتدب بعد ذلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي مرة أخرى للتدريس في المملكة العربية السعودية، وتدرج في سلك التدريس إلى أن أصبح مديرًا للمعهد العالي للقضاء، كما شارك في اللجان المتخصصة لوضع مناهج التعليم بالمملكة -رحمه الله تبارك وتعالى- وفي عام ألف وثلاثمائة وواحد وتسعين من الهجرة النبوية نقل إلى الإدارة العام للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وعين نائبًا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء مع جعله عضوًا في مجلس هيئة كبار العلماء للملكة العربية السعودية، والذي ظل يشغله حتى يوم وفاته في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وخمسة عشر من الهجرة النبوية.
أيضًا من العلماء البارزين والشخصيات المعروفة المعلومة في جماعة أنصار السنة المحمدية: الشيخ عبد الرحمن ال****، الذي تلقى تعليمه في الأزهر وحصل على الإجازة العالية من كلية أصول الدين؛ ولم يكمل دراسته العليا لمرض ألم به رغم ما يتمتع به من سعة الاطلاع وقوة اللغة ووضوح المعنى وجمال البلاغة، وقد التحق بجماعة أنصار السنة المحمدية بتزكية خاصة من السيدة نعمت صدقي صاحبة كتاب "التبرج" حيث شارك بعضها في أعمال الجماعة المختلفة إلى أن أصبح ****ًا أولًا للجماعة.
وزادت مكانته الخاصة عند الشيخ محمد حامد الفقهي، وقد عرفه قراء مجلة الهدي النبوي التي كانت تصدرها الجماعة بقدرته الفائقة على الإقناع وإفحام خصومه من أصحاب الطرق وأهل الأهواء والفرق من قاديانية وبهائية وغيرهم
(1/381)
________________________________________
من خلال سلسلة الأبحاث التي كان يحررها تحت عنوان الطواغيت؛ ولذلك لقبه قراء المجلة بهادم الطواغيت مما عرضه ذلك للتحقيق أمام النيابة العامة بسبب شكاوى مشايخ الطرق الصوفية ضده، وقد رد على كل ذلك في كتابه "رسالة إلى شيخ مشايخ الطرق الصوفية" وقد صدر فيما بعد ذلك بعنوان "هذه هي الصوفية".
وقد انتدب الشيخ للعمل بالمعهد العلمي بالرياض، وبعد أن ترك الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله تبارك وتعالى- الجماعة لسفره إلى المملكة العربية السعودية، انتخب الشيخ عبد الرحمن ال**** رئيسًا عامًّا للجماعة -رحمه الله تبارك وتعالى- وانتخب فضيلة الإمام محمد خليل حراس نائبًا له.
أيضًا من أبرز الشخصيات في الجماعة الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي -رحمه الله تبارك وتعالى- المعروف برشاد الشافعي، ويعد الشيخ رشاد من المؤسسين للجماعة؛ حيث هو المؤسس الثاني للجماعة بعد أن أدمجت مع الجمعية الشرعية في فترة من الفترات فأعادها الشيخ رشاد الشافعي -رحمه الله تبارك وتعالى- وبالتالي يعد هو المؤسس الثاني للجماعة -رحمه الله تبارك وتعالى- وهو الذي أعاد إصدار أو أنشأ مجلة التوحيد -رحمه الله تبارك وتعالى.
كذلك أيضًا من الشخصيات البارزة في الجماعة: فضيلة الشيخ محمد علي عبد الرحيم الذي تولى رئاسة الجماعة في حياة الشيخ رشاد الشافعي، وكذلك أيضًا الشيخ محمد صفوت نور الدين -رحمه الله تعالى- الذي انتخب رئيسًا للجماعة خلفًا للشيخ محمد علي عبد الرحيم بعد وفاته، وكان من العلماء المهتمين بالسنة النبوية وعلومها، وقد تميزت فترة رئاسته بالاهتمام بإنشاء المعاهد العلمية لتخريج الدعاة وتقديم الكفالات لطلاب العلم، كما توسعت الجماعة في إنشاء المساجد وتسيير القوافل الدعوية وإنشاء مراكز تحفيظ للقرآن الكريم وإقامة للأسابيع
(1/382)
________________________________________
الثقافية بشكل دوري في جميع فروع الجماعة.
وبالتالي نجد أن هناك علماء لهم باع طويل في العلم كانوا من الشخصيات البارزة في أنصار السنة المحمدية.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

2 - دراسة بعض الدعوات ومناهجها (2): تابع أنصار السنة المحمدية

تابع الحديث عن جماعة أنصار السنة المحمدية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين.
أ- أصول جماعة أنصار السنة وأهدافها:
قامت جماعة أنصار السنة المحمدية على أصول أصيلة ومتينة كما كانت ترمي وتسعى لتحقيق أهداف سامية ومعانٍ نبيلة؛ سالكة في تحقيق ذلك أجدى الطريق وأسمى الوسائل، وقد انطلقت الجماعة منادية بهذه المبادئ حريصة على تحقيق هذه الأهداف من خلال الأمور التالية:
أولًا: الدعوات إلى التوحيد الخالص المُطَهَّر من جميع أرجاس الشرك وأدرانه وشوائبه: قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله تبارك وتعالى- وهو من أبرز أئمة وعلماء هذه الجماعة، قال: العقيدة إيمان الراسخ بأن الله رب كل شيء وملكيه خلقًا وتقديرًا وملكًا وتدبيرًا، وأن العبادة بجميع أنواعها حق له وحده لا يشركه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فله سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العلى التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة الصحيحة.
ويقول أيضًا: ونحن إذا رجعنا إلى الوراء، إلى اليوم الذي بدأ الله به بإرسال الرسل للناس؛ لوجدنا أن دعوة أنصار السنة بأهدافها ومقاصدها هي دعوة الرسل جميعًا من نوح إلى خاتمهم محمد -صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن دعوة جميع الرسل والأنبياء لم تكن تحمل في أصولها وجوهرها أول الأمر الدعوة إلى تحريم تعاطي الخمر أو لعب الميسر أو اجتناب الفواحش مثلًا؛ وإنما كانت تحمل الدعوة إلى توحيد الله تعالى عن طريق تحقيق كلمة التقوى لا إله إلا الله، وهي كلمة تأمر الناس بالكفر بالطواغيت والأصنام وإخلاص العبادة لله وحده دون سواه وإفراده بالألوهية الخاصة.
(1/383)
________________________________________
وقد بين الله تعالى هذا في قوله سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: من الآية: 36) وكما قال تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- في شأن دعوة الرسل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25).
وبهذا أخبرنا الله تعالى أن المهمة الأولى لجميع الأنبياء والرسل: هي دعوة أقوامهم لنفي الألوهية عن كل مخلوق مهما علت مكانته، وعظم شأنه وإثباتها لله الواحد الفرد الصمد، وقد جاءت أكثر الآيات في كتاب الله تنعى على المشركين تأليههم غير الله وتذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم وهي نعم كثيرة فياضة، وتخبرهم أنه وحده المستحق للعبادة الجدير بالألوهية، وأن الله تعالى ما غضب على قوم من الأقوام ولعنهم وعذبهم إلا لإصرارهم على التردي في هاوية الشرك، واستكبارهم عن إفراد الله وحده بالعبادة.
أما عقيدتهم في الأسماء والصفات التي يدعون إليها: فهي توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالله له الأسماء الحسنى والصفات العليا لا يماثله فيها أحد من خلقه، وتسميته سبحانه بما سمي به نفسه وما سماه به رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ووصفه به يجب أن نثبته كما جاء من عند الله وأن نحذر من مذاهب أهل الزيغ والتعطيل الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، وفي أسمائه وصفاته يلحدون، ويزعمون كذبًا أنهم له ينزهون.
ومتى كان تعطيل الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة تنزيهًا أو جحدها تعظيمًا، إنما التعظيم الحق أن تثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسول الهدى والرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم- وكانت هذه هي عقيدة ودعوة أنصار السنة المحمدية في باب أسماء الله وصفاته.
(1/384)
________________________________________
وقد شرح بعض علماء أنصار السنة الأسباب الشرعية التي دفعتهم إلى تركيز دعوتهم إلى التوحيد، فذكروا أنه هو دعوة جميع الرسل، وهو الذي تقوم عليه الأعمال، ويتوقف عليه دخول الجنة، إلى جانب أن الحالة التي كان عليها المجتمع قبيل نشأة جماعة أنصار السنة المحمدية -ومن ذلك الاعتقاد في المشايخ أصحاب المقامات والأضرحة من أنهم يكشفون القربات ويغيثون الملهوف ويكشفون الضر عن المتضررين وغير ذلك- كل هذا دعا علماء أنصار السنة المحمدية ودفعهم إلى الاهتمام بعقيدة التوحيد والدعوة إليها.
ثانيًا: من أصولهم الدعوة إلى حب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حبًّا صادقًا صحيحًا يحمل على اتخاذه مثلًا أعلى وأسوة حسنة، وأن نقتدي به في عباداته ومعاملاته وأخلاقه وأن نجتنب كل ما لم يكن من أمره وأمر أصحابه، كذلك يجب علينا أن نقدم قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- على كل قول أيًّا كان قائل هذا القول قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: 7).
وقد اهتمت جماعة أنصار السنة بالدعوة إلى هذا الأصل؛ لأن السواد الأعظم من المسلمين في ذلك العهد قد انسلخوا من حب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وإتباع سنته وأصبحت صلتهم به -صلى الله عليه وآله وسلم- في مجرد التلفظ بشهادة أن محمدًا رسول الله والصلاة عليه -صلى الله عليه وآله وسلم- حين ذكره، وفي الحقيقة: هذه شهادة جوفاء فارغة عن جميع مستلزماتها ومقتضيتها التي بينها العلماء؛ لأن من مقتضيات هذه الشهادة طاعته -صلى الله عليه وآله وسلم- فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.
ولكن وللأسف الشديد انصرف كثير من الناس عن اتباع الهدي النبوي وفرغوا حياتهم في جميع نواحي الحياة في العبادات والشرائع والسلوك والمعاملات، فرغوها من هدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصبح الكثير من الناس يميل إلى تقليد الغرب في كثير من أنماط الحياة؛
(1/385)
________________________________________
في الزواج والأفراح والأتراح والحل والترحال، وفي طريقة اللباس المأكل المشرب وما إلى ذلك، وأصبح التعبير عن حب الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- لما هو مخالف لهديه وهدي أصحابه من إقامة الموالد والتغنى فيها بالأذكار البدعية، وضرب الطبول والرقص والمجون واختلاط الرجال بالنساء، أصبح كل ذلك هو التعبير عن حب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذا كله باطل؛ لأن حب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يستلزم أن نطيعه وأن نقتفي أثره وأن يكون هو القدوة -صلى الله عليه وآله وسلم- في كل ما نأتي وما نذر.
ثالثًا: الدعوة إلى أخذ الدين من نبعيه الصافيين: القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة؛ لأن الناس لن يسعدوا في الدنيا ولن تكون لهم نجاة في الآخرة، إلا بفهمهما واتباعهما وما عداهما من أقوال الناس يحتمل الخطأ والصواب، فالصحيح ما حكما بصحته، والباطل ما حكما ببطلانه أيًّا كان قائله، ومهما نال من نفوس الجماهير من إجلال وإكبار، فالدين هو الجزء المنتظر للعبد يوم القيامة وهو يترتب ثوابًا وعقابًا على مبلغ التمسك بقول الله وهدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أو الانحراف عنهما.
وتظهر أهمية هذه الدعوة في أن المسلمين في تلك الآونة قد انقسموا إلى فرق وأحزاب وطوائف متصارعة متدابرة متباغضة، وكل فرقة تنتسب إلى شيخ أو مؤسس، وتدعي أنها هي الوحيدة على الجادة وعلى الصراط المستقيم، كما تدعي أنها على نهج الكتاب والسنة، ولكن عند التحقيق يتبين أنها متعصبة لشيخها أو لطريقتها، بعيدة كل البعد عن المنهلين الصافيين الكتاب والسنة، ولا شك أن من ابتغى الهدى في غيرهما أضله الله: روى الحاكم في (مستدركه) بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبدًا: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض)).
(1/386)
________________________________________
فالرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- قد ضمن الهداية وعدم الضلال لمن تمسك بهما، وجماعة أنصار السنة المحمدية، عندما رأت ابتعاد الناس عن أخذ دينهم من الكتاب والسنة، وتعصبهم لبعض المشايخ والمفكرين وغيرهم، اجتهدوا في ترك هذا الباب لإرجاع الناس إلى المصادر الأصلية والمنابع الصافية.
الأصل الرابع من أصول هذه الجماعة: إرشاد الناس إلى أن نصوص الكتاب والسنة لا محيد عنها ألبتة، وأن الدين لله محصور في هذه النصوص التي أوحاها الله -تبارك وتعالى- منهجًا لخلقه في دينهم ودنياهم على فهم سلف الأمة وألزمهم اتباعها، ونهاهم عن إتباع ما تشابه منها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فمن اطمئن قلبه بالإيمان؛ وسعه ما وسع الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه وتابعيهم بإحسان، فكل هراء الصوفية وتأويلاتهم وشطحاتهم ودعواهم بأن للقرآن والسنة ظاهرًا وباطلًا إن هو إلا دجل وكذب صريح على الله ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- دسه أعداء هذه الملة للقضاء عليها.
خامسًا: الدعوة إلى مجانبة البدعة ومحدثات الأمور والوقوف عند قول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد)) فكل ما جاء به في حياته؛ فهو دين إلى قيام الساعة، وما لم يأتِ به، فليس بدين إلى يوم القيامة، لقوله تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} (المائدة: من الآية: 3).
ودعا إلى هذا الأصل والهدف ما كان سائدًا ومنتشرًا من كثرة البدع ومحدثات الأمور من إقامة الموالد للمشايخ وإقامة حلقات الذكر الجماعي وما يصاحب ذلك من ضرب على الطبول والدفوف مع الرقص والتمثيل وإحداث أذكار معينة تقال بعض الصلوات بصورة جماعية أو عند مراسيم دفن الموتى وما إلى ذلك.
(1/387)
________________________________________
وقد قال الشيخ أبو الوفاء درويش -رحمه الله- مبينًا أهمية هذا الأصل عند الجماعة: ومن أخص أهدافها مكافحة البدع ومحدثات الأمور التي فتن بها كثيرًا من الناس وخيل إلى بعضهم أنها تزيدهم تعبدًا لله وزلفى لدينه وصرفهم عن تدبر قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ولم يزل بهم يعدهم ويمنهم ويزيدهم في الغي والضلال؛ حتى طغت البدع على السنن، وظن سواد الأمة أن الدعوة إلى محاربتها زندقة وإلحاد، ونظروا بعين العداوة والبغضاء إلى من يدعو إلى اعتناق السنة ومجانبة البدعة.
الأصل السادس: إرشاد الناس إلى ارتباط حياتهم الدنيوية بالأخروية أوثق رباط، فالحياة الدنيا مزرعة الأخرى، ومدار ذلك على كتاب الله تعالى؛ تلاوة وفهمًا وتدبرًا وعملًا، والحذر -كل الحذر- من الشرك والكفر والمبادرة إلى الإيمان والعقيدة والتوحيد والعبادة والتخلق بما يدعو إليه القرآن من خلق، وعلى الأمة أن تستمد العبرة والذكرى منه قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ} (الشوى: من الآية: 52) وقال تعالى مبينًا أثر القرآن في النفوس: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} (الأنعام: من الآية: 122) فكل قلب لم يحي بالقرآن فهو ميت؛ وكل قلب لم يَسْتَنِرْ بهدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو مظلم.
وعلى ذلك، فاتخاذ القرآن حجبًا يتوهم فاعله أنها تشفي من الأمراض وتقي من العين، أو من يقتني القرآن للبركة أو من يقرؤه في جنازة الموتى، أو على قبورهم، كل ذلك ليس من غرض القرآن ولا هدفه؛ لأن القرآن الكريم دعوة وإرشاد للعمل به في الدنيا بما يرضي رب العزة والجلال؛ ليصل العبد بعد ذلك إلى الأخرى وقد عبد ربه على نور وبرهان، ولا شك أن الدنيا مزرعة الآخرة، فمن عمل فيها بغير القرآن والسنة؛ فقد خسر والعياذ بالله -تبارك وتعالى.
(1/388)
________________________________________
الأصل السابع: إرشاد الناس إلى أن الله تعالى وصف الخير ووعد فاعله بالخير والمغفرة في الدنيا والآخرة، ووصف الشر وأنذر آتيه اللعنة وسوء الدار، ولم يعين أشخاصًا بأعينهم ولا أمة بذاتها؛ بل الناس أمام هذا المبدأ السامي سواء؛ لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} (فصلت: من الآية: 46).
والأصل الأخير في ذلك: إرشاد الناس إلى أن الحكم بغير ما أنزل الله هلكة في الدنيا، وشقوة في الآخرة، وأن الله -عز وجل- أعلم بمصلحة عباده فأنزل لهم شرعًا يحيط بهذه المصلحة من جميع جهاتها، فكل مشرع سوى الله -عز وجل- في أي شأن من شئون الحياة فهو معتد على الله -تبارك وتعالى- منازع لله في حقوقه التي ينبغي أن تكون له خاصة، وقد سمى الله ذلك شركًا بقوله بهذا الأسلوب الإنكاري: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (الشورى: من الآية: 21) وقال سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} (التوبة: من الآية: 30).
ب- تأثر جماعة أنصار السنة المحمدية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى-:
تأثرت جماعة أنصار السنة المحمدية وغيرها من الجماعات السلفية في القرن الرابع عشر الهجري بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أمر ظاهر وجلي، شأنها في ذلك شأن الحركات الإصلاحية التي قامت في العالم الإسلامي متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كحركة الشيخ عثمان بن فدية الفولاني في غرب أفريقيا، ويمكن إبراز وجود التأثر من خلال الأمور التالية:
أولًا: الأصول والمبادئ والأهداف المعلنة في برنامج وميثاق الجماعة التي يظهر فيها بوضوح وجلاء التشابه بينهما وبين الأصول والأهداف التي قامت عليها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وذلك كالدعوة إلى التوحيد الخالص،
(1/389)
________________________________________
ومتابعة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في العبادة والشعائر والشرائع ومحاربة الشرك والبدع والخرافة والشعوذة والدجل.
وهذه المبادئ -وإن كانت قد ظهرت مع مناهج الأنبياء والرسل قديمًا ومع بعثة النبي الخاتم -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا أن هناك علماء ربانيين كانوا يحيون هذه المبادئ بعد اندراسها، ويجددون هذا الدين، ومنهم: العالم المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني الهجري، وقد استفاد منهم مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية، وغير ذلك من أصحاب الدعوات السلفية في العالم الإسلامي.
ثانيًا: إشارة بعض الباحثين الذين كتبوا عن آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية إلى تأثر جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر بدعوة ابن عبد الوهاب، ومن هؤلاء أستاذ محمد كمال جمعة الباحث بدارة الملكة عبد العزيز، إذ يقول: وهناك أيضًا جمعية أنصار السنة المحمدية، وهم متمسكون بالكتاب والسنة، وكان يرأسها الشيخ محمد حامد الفقي، وقد ذكر ذلك أيضًا الدكتور محمد فتحي عثمان، فقال: وثمة صور أخرى لتأثير الدعوة السلفية التي اضطلع بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجماعات الإسلامية المعاصرة، وأولى هذه الصور قيام جمعيات أنصار السنة بوجه خاص والجمعيات السلفية بوجه عام في أنحاء العالم الإسلامي، تدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة، وتحارب ما طرأ على العقيدة الإسلامية من انحرافات تصل إلى الشرك أحيانًا.
كما ذكر الدكتور محمد سلام مدكور في بحثه الذي أعده ضمن بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أقامته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض؛ إذ يقول: ومن أبرز الدعوات التي تأثرت بمبادئ محمد بن عبد الله في العصر الحديث جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر فهذه الجماعة قد سارت على نهج هذا الداعية المصلح ودعت إلى محاربة البدع وإحياء السنة وبخاصة بما يتعلق بالعبادات.
(1/390)
________________________________________
ثالثًا: كتابات رؤساء جماعة أنصار السنة وكبار دعاتها عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وآثارها في الجزيرة العربية وسائر أنحاء العالم الإسلامي، ومن هؤلاء مؤسس الجماعة الشيخ محمد حامد الفقي كتب كتابًا بعنوان (أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها).
ومن الكتب أيضًا التي كتبها علماء أنصار السنة عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مما يبين تأثر هذه الجماعة بدعوة الشيخ -رحمه الله- الدكتور محمد خليل هراس نائب رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية في عهد رئيسها الشيخ عبد الرحمن ال**** حيث كتب كتابًا بعنوان (الحركة الوهابية) وهو عبارة عن رد على مقال للدكتور محمد البهي في نقد الوهابية.
كذلك أيضًا كتب الدكتور محمد جميل غازي -رحمه الله- نائب رئيس جماعة أنصار السنة في عهد رئيسها الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي كتب رسالة بعنوان (مجدد القرن الثاني عشر العالم المصلح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب) والذي يظهر تأثره بدعوة الشيخ من عنوان الرسالة؛ إذ يصف الشيخ -رحمه الله- بأنه عالم ومصلح وأنه مجدد القرن الذي عاش فيه.
2 - أفكار ومعتقدات أنصار السنة المحمدية:
إذا أردنا أن نعرف أفكار ومعتقدات أنصار السنة المحمدية، وقد أشرت سابقًا إلى أصولها التي قامت عليها، إلا أنني أود أن أذكر -وأشير باختصار وفي نقاط محددة- ما حددته اللائحة الداخلية للجماعة؛ حيث قد حددت هذه اللائحة أهداف الجماعة ومجمل أفكارها.
وقد لخصها الشيخ محمد حسين هاشم في رسالة المؤتمر العام لجماعة أنصار السنة المحمدية قائلًا: هذه عقيدة أنصار السنة المحمدية في مبادئها العشرة:
(1/391)
________________________________________
أولًا: نعتقد أن الأصل في الدين: هو الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، أما الأئمة المجتهدون والعلماء والمحدثون، فهم أئمة خدموا الإسلام أجل خدمة، وهم بمنزلة المعلمين والمبلغين، نحبهم، ونُجِلُّهم، ونعظمهم، وندافع عنهم ونتبعهم اتباع المستنير المتأمل لوجوه الاستدلال لمن يكون من أهل التأمل والاستدلال.
ثانيًا: نعتقد أن صفات الله -عز وجل- هي كما وصف نفسه ووصفه بها رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- حقيقة من غير تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل، ثم نكف عن الجدل في ذلك، ونسكت عما سكت عنه الصحابة والتابعون.
ثالثًا: نعتقد إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة من نذر وحلف واستغاثة واستعانة.
رابعًا: نعتقد أن الإيمان هو التصديق الإذعاني الذي ينتج العمل ويظهر على الجوارح وكل نقص في العمل مع التمكن منه والقدرة عليه هو نقص في الإجابة بقدره، وليس الإيمان مجرد الحكم بثبوت الشيء أو إدعائه أو التلفظ به وإنما هو قول واعتقاد وأخلاق.
خامسًا: نعتقد أن البدعة الشرعية هي كل جديد في العبادات على غير مثال سابق من سنة رسول والهدى والرحمة -صلى الله عليه وآله سلم.
سادسًا: نتفانى في حب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بأن نتمسك جهد المستطاع بكل ما أمر به، ونتجنب كل ما نهى عنه، وأن نكثر من الصلاة والصيام عليه وعلى آل بيته الأطهار.
سابعًا: نعتقد أنه: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) كما جاء في الحديث، وأن الله -سبحانه وتعالى- يشفع من يشاء في عباده لمن ارتضى، وأنه -صلى الله عليه وآله وسلم- صاحب الشفاعة الكبرى، وأنه صاحب المقام المحمود والجاه العظيم يوم القيامة.
(1/392)
________________________________________
ثامنًا: نقرأ القرآن للذكر والتدبر لقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (القمر: 17) ونعترف أن استنباط الأحكام منه يكون من اختصاص أهل العلم.
تاسعًا: نعتقد أن الدين الإسلامي جماع الخير في الدين والدنيا يريد من أهله يكونوا أقوياء محسنين في أعمالهم، حتى يكونوا ورثاء الأرض، كما قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف)).
عاشرًا: نعتقد أن الإسلام دين ودولة وعبادة وحكم وأنه صالح لكل زمان ومكان.

نشأة جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان والبلاد الإسلامية الأخرى
أ- تكوين الجماعة في السودان وأبرز مؤسيسها:
تكونت جمعية أنصار السنة المحمدية في السودان في عام ألف وثلاثمائة وتسعٍ وخمسين من الهجرة النبوية، وكان الشيخ الفاضل التقلاوي كان أول رئيس للجماعة ومعه الشيخ يوسف عمر أغا وكان سكرتيرًا عامًّا، والشيخ محجوب مختار، وكان أمينًا للمال مع أعضاء آخرين، وقد ظلوا يبثون دعوتهم من خلال منزل يوسف عمر أغا، وقد رفعوا عليه لافتة جديدة كتبوا عليها: جماعة أنصار السنة المحمدية.
ثم انضم معهم بعد ذلك الشيخ عبد الله حمد وطه الكردي والشيخ محمد هاشم الهدية -الرئيس الحالي للجماعة- وفي عام ألف وثلاثمائة وسبعة وستين من الهجرة النبوية نُقِلَتْ دار الجماعة من منزل الشيخ يوسف عمر أغا إلى بيت على شاطئ النيل استأجروه، واتخذوه دارًا لهم، وافتتحوا الدار بحفل كبير، دعوا له
(1/393)
________________________________________
الشيخ أحمد الطاهر أول قاضي قضاة سوداني والأستاذ أحمد حامد مفتش أول مركز أم درمان، وبعد ذلك تقدموا بطلب إلى مفتش الحكومة البريطانية بأم درمان لتقنين الهيئة حتى تصير هيئة شرعية، ويقيموا مركزًا عامًّا ولجانًا فرعية.
وفعلًا تم التصديق لهم في عام ألف وثلاثمائة وسبعة وستين من الهجرة النبوية؛ فبدأت اللجان، وتوطدت عندئذٍ علاقتهم مع المركز العام بمصر وأصبح بينهم زيارة متبادلة، يقول الأستاذ يحيي محمد عبد القادر عن جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان، نقلًا عن مجلة (الهدي النبوي): أنشئت هذه الجماعة في عام ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين ميلادية وكان من كبار مؤسيسها حضرات السادة: طه الكردي وعبد الله حمد ومحجوب مختار وخليل صالح داود وعبد الحليم العتباني ومصطفى الغول والفاضل التقلاوي وآخرون.
وقد صار جدل كثير في السودان حول هذه الجماعة وتصدت لمحاربتها بعض الطوائف الدينية كالختمية والتيجانية، وقد استغلوا عواطف الجمهور -وبخاصة فيما يتصل بإنكار الجماعة للوسيلة- لأن هؤلاء المتصوفة معلوم عنهم أنهم يشجعون هذه البدع والخرافات؛ وبالتالي يتصدون ويقفون لكل من يدعو إلى الله -تبارك وتعالى- وإلى هدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن في ذلك مخالفة واضحة لما هم عليه من بدع وضلالات.
أود بعد ذلك هنا أن أذكر وأشير، وأن أتحدث عن نشأة جماعة أنصار السنة في السودان، أن أذكر أبرز علماء هذه الجماعة، وقد أشرت سابقًا إلى أسماء بعض العلماء الذين ساهموا في تأسيسها، وأود أن أذكر بعض العلماء الآخرين ممن لهم دور بارز في هذه الجماعة، ومنهم فضيلة الشيخ أبو زيد محمد حمزة التي تلقى الدعوة على يد الشيخ حامد الفقي، مؤسس الجماعة في مصر، وعلى أيدي علماء الجماعة، وقد ظل بمصر حتى وفاة الشيخ الفقي -رحمه الله- فعاد إلى السودان، وأخذ ينشر الدعوة في مدينته "وادي حلفا" والمناطق المجاورة لها.
وكان للمرأة من دروسه نصيبًا؛ حيث خصص لها أماكن خاصة في دروسه؛ فالتف الناس حوله، وزاد أتباعه مما أثار أتباع الطريقة الختمية وفي سنة ألف وتسعمائة
(1/394)
________________________________________
وسبعٍ وسبعين ميلادية بث التليفزيون السوداني مناظرة بينه وبين الشيخ علي زين العابدين أحد أقطاب الطريقة الختمية التي بيَّن فيها زيف مبادئهم، وبطلان معتقداتهم مما كان له أثر كبير في انتشار دعوة الجماعة أكثر في المجتمع السوداني.
ومازال للشيخ -حفظه الله تبارك وتعالى ووفقه لما يحبه ويرضاه- مجهود ضخم وحركة واسعة في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- مع كبر سنه -حفظه الله عز وجل.
وأيضًا من أبرز علماء الجماعة: الشيخ محمد الحسن عبد القادر خريج دار الحديث بمكة المكرمة وتلميذ الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، وقد تلقى الدعوة على يد الشيخ محمد الطيب وتأثر به؛ حيث كان للشيخ الطيب نشاط ملموس في الدعوة في بلدة بإريتريا، ومن ثم نشط الشيخ محمد الحسن في الدعوة مما عرضه للكثير من الصعوبات والمشاق من أصحاب الطرق الصوفية.
وأيضًا من أبرز علماء الجماعة: الشيخ مصطفى ناجي الذي انضم إلى جماعة أنصار السنة بعد أن تلقى العلم على الشيخ أبو طاهر محمود السواكني أحد علماء الأزهر.
ومنذ تأسيس أول مسجد للجماعة في الخرطوم بحي السجانة -وهو المركز العام الحالي للجماعة- تولى الشيخ مصطفى ناجي إمامة هذا المسجد، ويدعو فيه، ومن خلال منبره إلى الله -تبارك وتعالى.
كذلك من العلماء المعروفين جماعة أنصار السنة في السودان فضيلة الشيخ عوض البلوله -حفظه الله تبارك وتعالى- وله مساهمات فعالة في الدعوة إلى الله -جل ذكره- بإنشاء وبناء المساجد وتفقيه الناس والدعوة إلى فهم الكتاب والسنة، وتأييد أئمة علماء الجماعة ومساعدتهم فيما يحتاجون إليه وهو يقيم أحيانًا في السودان ويقيم أحيانًا في القاهرة جزاه الله خير الجزاء.
ب - انتشار جماعة أنصار السنة في بعض البلاد الإسلامية الأخرى:
انتشرت جماعة أنصار السنة في كثير من البلاد الأخرى: كالحجاز مثلًا؛ لالتقائها بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- كما أنها انتشرت في سوريا،
(1/395)
________________________________________
فهناك ارتباط وثيق وعلاقة حميمة بين جماعة أنصار السنة في مصر والجماعة في سوريا، وهناك نصوص مفادها: أن هناك جماعة باسم جماعة أنصار السنة في سوريا، وفي مدينة "حلب" على وجه التحديد، كما أن نصوصًا أخرى تفيد أن هناك تعاونًا وصلات بين جماعة أنصار السنة في مصر وجماعات سلفية في سوريا، وإن لم تكن باسم جماعة أنصار السنة المحمدية.
وكانت همزة الوصل بين هذه الاتجاهات هي مجلة الهدي النبوي التي تصدرها جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر في ذلك الوقت، وقد جاء في مجلة (الهدي النبوي) في باب أخبار الجماعة:
زار دار الجماعة أخونا المجاهد الفاضل الشيخ محمد نسيب الرفاعي الذي نشر السلفية مع إخوانه في الإقليم السوري، وهو رئيس الجماعة في حلب، ولقد لقي الأخ الجليل من جماعة أنصار السنة المحمدية جميعًا في القاهرة والإسكندرية وغيرهما، ما هو أهل له من تقدير واحترام وحب وَثَّقَ عُرَاه الحبُّ في الله، والالتقاء عند هدف واحد هو وحدة المسلمين الكبرى تحت راية التوحيد.
كما نشأت جماعة أنصار السنة المحمدية في إريتريا، وكان ذلك عند وصول مجلة الهدي النبوي إليها، وقد قامت على أرضية من الدعوة السلفية كان قد أرسى قواعدها بعض حملة هذه الدعوة القادمين من الحجاز، وكان من كبار مؤسسي جماعة أنصار السنة المحمدية في إريتريا رئيسها الأول: الشيخ محمد صالح طاهر، الذي تلقى تعليمه وتلقى الدعوة في مدرسة دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة على يد مؤسسها: الشيخ عبد الظاهر أبو المسح إمام الحرم المكي ومديرها: الشيخ محمد عمر عبد الهادي وممن درس عليه الشيخ عبد الرزاق عفيفي الرئيس الثاني للجماعة.
كما انتشرت دعوة أنصار السنة المحمدية في الصومال، وقد كانت أيضًا لمجلة (الهدي النبوي) أثر كبير في نشر دعوة التوحيد في ربوع الصومال، وقد جاء ما يفيد ذلك في مجلة الهدي النبوي.
وهذه كلها بلاد انتشرت فيها الدعوة
(1/396)
________________________________________
السلفية، وقامت هناك مجالات لجماعة أنصار السنة المحمدية كان لها -ولله مزيد الحمد والفضل- آثار قوية وبارزة على الدعوة السلفية في العصر الحاضر.
جـ- مجلات جماعة أنصار السنة المحمدية:
مجلة (الهدي) النبوية: وقد ولدت (مجلة الهدي) النبوي بعد عشر سنوات من قيام جماعة أنصار السنة المحمدية؛ إذ صدر عددها الأول في شهر ربيع الثاني من عام ألف وثلاثمائة وست وخمسين من الهجرة النبوية، يقول الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله- بعد أن ذكر ما وصلت إليه الأمة الإسلامية من تردي وانحطاط-: ولطالما تمنت نفسي أن أصدر صحيفة دينية علمية تضم صوتها إلى صوت المصلحين، وتدعو إلى الحق والرشاد والصلاح، ولقد حقق الله الأمنية -وهو المستعان- فلقد أخرجت جماعة أنصار السنة المحمدية مجلتها المباركة (الهدي النبوي)؛ لتحقيق ما سبق ذكره من معالجة الأمراض والأدواء، التي تنخر في جسم المجتمع الإسلامي في هذا العصر، والله ولي التوفيق.
وقد أفصح الشيخ حامد الفقي -رحمه الله- عن الغرض الذي من أجله أنشأ هذه المجلة؛ بأنه: تقديم ما تستطيعه من نصح وإرشاد في الشئون الدينية والاجتماعية والأخلاقية، وأن تتحرى الحق، وأن تحرص على عرض ما ثبت في الدليل والحجة والبرهان الصحيح من كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد تولى رئاسة تحريرها الشيخ حامد الفقي -رحمه الله- وهو مؤسسها ثم تبعه عليها فضيلة الشيخ عبد الرحمن ال**** -رحمه الله تبارك وتعالى- ولما أدمجت جماعة أنصار السنة المحمدية في الجمعية الشرعية؛ توقف إصدار مجلة الهدي النبوي.
المجلة الثانية: التي قامت بنشأتها جماعة أنصار السنة المحمدية: مجلة (التوحيد)، وقد نشأت مجلة (التوحيد) في شهر الله المحرم من عام ألف وثلاثمائة
(1/397)
________________________________________
وثلاثة وتسعين من الهجرة النبوية، وتعتبر مجلة التوحيد امتدادًا لأختها مجلة الهدي النبوي التي توقفت عن الصدور في مدة تقارب سبع سنين.
وقد تغير اسم مجلة أنصار السنة من (الهدي النبوي) إلى التوحيد، وقد أسسها فضيلة الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي، الذي أشرت إليه سابقًا وهو المؤسس الثاني لجماعة أنصار السنة؛ لتسير على نهج مجلة الهدي النبوية في الدفاع عن التوحيد ورفع لوائه وتثبيت دعامته وإرساء قواعده في القلوب؛ لإخراج الناس من ظلمات المادية وعبادة الأصنام إلى نور التوحيد والإيمان، وهي في الوقت نفسه لا تتجاهل أركان الإسلام الأخرى، بل تدعو إليها وتحض على إقامتها وعلى التمسك بها وعلى القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول الشيخ رشاد الشافعي -رحمه الله- مبينًا الغاية النبيلة من إصدارها والهدف الجليل من ظهورها -يقول- بعد كلام له سابق: هو إعلام الناس أن القرآن روح الإسلام وأن التوحيد روح القرآن، وأن مجتمعنا بغير قرآن كالجسد بغير روح، وأن الجسد بغير روح لا يصدر عنه إلا العفن، وأن بطن الأرض أولى من ظاهرها.
وقد تولى تحرير رئاستها أولًا: مؤسسها الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي -رحمه الله تبارك وتعالى- ثم تبعه على رئاسة تحريرها فضيلة الشيخ عنتر حشاد -رحمه الله تبارك وتعالى- ثم بعد ذلك فضيلة الشيخ أحمد فهمي -حفظه الله تبارك وتعالى- ثم الشيخ صفوت الشوادفي -رحمه الله تبارك وتعالى- ثم الدكتور جمال المراكبي، ويرأس تحريرها حاليًا الأستاذ جمال سعد حاتم، وهي تخطو خطوات واسعةً إلى الأمام، وقد افتتح فيها بعض الأبواب الجديدة التي تبين كثيرًا مما جاء في كتاب الله وعلى لسان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- رغبةً في أن يعود الناس إلى كتاب الله وإلى هدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
المجلة الثالثة التي أنشأتها جماعة أنصار السنة المحمدية: هي مجلة (الاستجابة)، وقد نشأت مجلة الاستجابة التي أصدرتها جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان في عام ألف وأربعمائة وستة من الهجرة النبوية، أي: بعد
(1/398)
________________________________________
حوالي ما يقرب من سبعة وأربعين عامًا من قيام جماعة أنصار السنة في السودان، وكان ذلك بعد صبر طويل ومجاهداتٍ شتى للحصول على تصديق لإصدارها، وكان هذا عبر أزمنة وحقبٍ سياسية مختلفة الألوان في حكم السودان إلى أن حصلت الجماعة على الفسح لصدورها إبان حكم الرئيس المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وهو ما يعرف بالحكومة الانتقالية بعد سقوط حكم الرئيس جعفر النميري.
والحقيقة أن مجلة الاستجابة تعتبر أول مجلة إسلامية سلفية تصدر في السودان؛ وقد أنشأت لتكون منبرًا تنطلق منه جماعة أنصار السنة في الدعوة إلى الله -عز وجل- لإظهار الدين للناس في ثوبه القشيب المرتكز على كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي الحقيقة إن وجود مجلة الاستجابة في بلد كالسودان كان له خير ونفع عظيم للغاية؛ لأن هذه المجلة كانت تنشر التوحيد، وتدعو إليه بحكمة وبصيرة، وكان فيها كثير من الكتاب الذين تناوبوا على الكتابة فيها في مثل هذه المجالات، وقد شرح رئيس تحرير المجلة الشيخ محمد هاشم الهدية وهو رئيس عام جماعة أنصار السنة في السودان منهج المجلة مبينًا أنه قائم على الصدق والنصح للأمة معبرًا عن أهمية المنابر الإسلامية في نصح الأمة وتوعيتها، وهذا في الحقيقة شيء جميل إلى جانب القضايا الأخرى التي اهتمت بها المجلة وهي قضايا اجتماعية مهمة.
وقد رأس تحريرها في أول نشأتها الشيخ محمد هاشم الهدية حتى توقفت فترة وكان ذلك لمدة سبع سنوات، وبعد عودتها في عام ألف وأربعمائة وواحد وعشرين من الهجرة النبوية أصبح رئيس مجلس إدارتها الشيخ محمد هاشم الهدية، وتولى رئاسة تحريرها الأستاذ كامل عمر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/399)
________________________________________
الدرس: 12 تابع دراسة بعض الدعوات ومناهجها.
(1/401)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم الرحيم
الدرس الثاني عشر
(تابع دراسة بعض الدعوات ومناهجها)

حركة " الإخوان المسلمون "
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
وعنوان هذا اللقاء: "تابع دراسة بعض الدعوات ومنهاجها في الدعوة إلى الله". وهذا العنوان هو امتداد لمحاضرات سبق أن قلتها، وقد تحدثت فيما مضى عن جماعة أهل الحديث في شبه القارة الهندية، كما تكلمت عن جماعة أنصار السنة المحمدية، وذكرت في البداية حديثي عن هذه الاتجاهات: أنني حينما أتحدث عنها سأتحدث عنها مراعيًا الترتيبَ الزمنيَّ في ذلك.
واليوم -إن شاء الله تعالى- وتحت عنوان هذه المحاضرة أيضًا عناصر؛ العنصر الأول: بعنوان: "الإخوان المسلمون" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف بالجماعة ومؤسسها؛ الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة، تنادي بالرجوع إلى الإسلام، وتدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في واقع الحياة، وقد وقفت متصدية لسياسة فصل الدين عن الدولة ومنابذة موجة المد العلماني في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، ومؤسس هذه الدعوة هو الشيخ حسن البنا -رحمه الله تبارك وتعالى- الذي مات في عام ألف وتسعمائة وتسع وأربعين ميلاديًّا.
وقد ولد الشيخ في إحدى قرى البحيرة بمصر، ونشأ نشأة دينية في أسرة تركت بصماتها واضحة على كل حياته؛ فأبوه -رحمه الله تبارك وتعالى- كان من المشتغلين بعلم الحديث النابهين فيه، وكما هو معلوم قد شرح (مسند الإمام أحمد) -رحمه الله تبارك وتعالى- فأبوه في الحقيقة من أئمة أهل العلم، وإلى جانب ذلك نال تعليمه الديني في المسجد أيضًا، فكان والده في المنزل كما كان يذهب إلى المسجد.
وقد درس في مدارس الحكومة حتى التحق بدار العلوم بالقاهرة وتخرج فيها عام ألف وتسعمائة وسبعة وعشرين من الميلاد؛ عُيِّنَ مدرسًا في إحدى مدارس الإسماعيلية الابتدائية، وهناك بدأ نشاطه الدعوي بين الناس، وخاصة في المقاهي وبين عمال قناة السويس حتى إذا كان شهر ذي القعدة من عام ألف
(1/403)
________________________________________
وثلاثمائة وسبعة وعشرين هجريًّا الموافق ألف وتسعمائة وثمانية عشرين ميلاديًّا تم تأسيس النواة الأولى من الإخوان.
وفي عام ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين ميلاديًّا، انتقل الشيخ حسن البنا إلى القاهرة، وانتقلت قيادة الحركة معه إليها.
وفي عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثلاثين من الميلاد تم إصدار جريدة (الإخوان المسلمين) الأسبوعية، واختير الشيخ محب الدين الخطيب -رحمه الله تبارك وتعالى- مديرًا لها ثم صدرت بعد ذلك مجلة (النذير) ثم (الشهاب)، وتوالت بعد ذلك المجلات والجرائد الإخوانية.
تكونت أول هيئة تأسيسية للحركة في عام ألف وتسعمائة وواحد وأربعين من الميلاد، وذلك من مائة عضو اختارهم الشيخ البنا بنفسه، وقد شارك الإخوان في حرب فلسطين في عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين من الميلاد؛ حيث دخلوا بقوات خاصة بهم، وقد سَجَّلَ ذلك بالتفصيل كامل الشريف من قادة الإخوان المتطوعين، ووزير أردني سابق في كتابه (الإخوان المسلمون في حرب فلسطين).
وفي نفس العام الذي شارك فيه الإخوان في حرب فلسطين اغتيل النقراشي، واتُّهِمَ الإخوان بقتله، وهتف أنصار النقراشي في جنازته بأن رأسه برأس البنا الذي اغتيل فعلًا في فبراير من عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين من الميلاد، ولما جاءت وزارة النحاس في سنة ألف وتسعمائة وخمسين، وكان قد ضُبِطَ واعْتُقِلَ بعض الإخوان المسلمين أفرجت هذه الوزارة عن الجماعة بناء على حكم مجلس الدولة الذي نص على أن أمر الحل باطل من أساسه؛ لأن الجماعة حلت بعد اغتيال الشيخ البنا -رحمه الله.
(1/404)
________________________________________
وفي عام ألف وتسعمائة وخمسين من الميلاد اختير المستشار حسن الهضيبي -رحمه الله- مرشدًا للإخوان، وهو واحد من كبار رجال القضاء المصري، وقد اعْتُقِلَ عددًا من المرات، وصدر ضده عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين ميلادية حكم بالإعدام، ثم خُفِّفَ إلى المؤبد، وأفرج عنه آخر مرة في سنة ألف وتسعمائة وواحد وسبعين، وفي الثالث والعشرين من شهر يوليو من عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين من الميلاد قامت مجموعة من الضباط المصريين، بزعامة اللواء محمد نجيب بثورة، وقد آزرتهم الإخوان في ذلك، ووقفت إلى جوار هؤلاء الضباط، لكن الإخوان بعد ذلك رفضوا الاشتراك في الحكم.
وقد اعتبر جمال عبد الناصر وقتئذ هذا الرفض نوعًا من فرض الوصاية على الثورة، ودخل الطرفان سلسلة من الجدل والخصومة، تطورت حتى قامت الحكومة في عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين من الميلاد باعتقال الإخوان وتشريد الألوف منهم، بحجة أنهم حاولوا الاعتداء على حياة عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، وأعدمت الحكومة وقتئذ أيضًا ستة منهم، هم: الشيخ عبد القادر عودة، والشيخ محمد فرغلي، والشيخ يوسف طلعت، والشيخ هنداوي دوير، والشيخ إبراهيم الطيب، والشيخ محمود عبد اللطيف.
هؤلاء الستة أعدمتهم الحكومة عند حادث المنشية الذي وقع في الإسكندرية وفي عام ألف وتسعمائة وستة وستين تكرر اعتقال الإخوان بتهمة تشكيل جهاز سري، يهدف إلى قلب نظام الحكم، وَقَامَتِ الْحُكُومَةُ بشن حملات السجن والتعذيب، وقد أعدمت هذه المرة ثلاثة من أعضاء الجماعة، هم الشيخ سيد قطب -رحمه الله- الذي يعد المفكر الثاني في الجماعة بعد البنا، وقد ألقي القبض عليه، وأمضى في السجن عشر سنوات، وكان ذلك عقب حادثة المنشية، ثم أُفْرِجَ عنه
(1/405)
________________________________________
بتدخل من الرئيس العراقي عبد السلام عارف، لكنه ما لبث أن أعيد إليه مرة أخرى؛ ليواجه حكمًا بالإعدام.
كذلك أيضًا أعدم الشيخ يوسف هواش والشيخ عبد الفتاح إسماعيل، وفي هذه الأزمة أصبحت الجماعة تعمل بشكل سري حتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، وذلك في عام ألف وتسعمائة وسبعين من الميلاد، وفي عهد أنور السادات -رحم الله الجميع- تم الإفراج عن من سجنهم عبد الناصر على مراحل.
ب- فهم كما يلي:
الشيخ عمر التلمساني -رحمه الله- وقد اختير مرشدًا عامًّا بعد الهضيبي، وقد طالبت قيادة الإخوان في عهده بحقوق الجماعة كاملة، وعودة جميع ممتلكاتها المصادرة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وسلك المرشد العام للإخوان في هذه الحقبة -سلك بهم- طريقًا يجنبهم المصادمات مع الحكومة، وَكَرَّرَ دَائِمًا أَنَّ الدَّعْوَةَ إلى الله ينبغي أن تَعْمل بالحكمة وأن تنبذ العنف والتطرف.
وأيضًا من شخصيات الجماعة البارزة: الشيخ محمد حامد أبو النصر الذي اختير مرشدًا بعد الأستاذ التلمساني، وسار على طريقته وأسلوبه.
وأيضًا من الشخصيات البارزة في جماعة "الإخوان المسلمين" الشيخ مصطفى مشهور -رحمه الله- وهو أحد قيادات النظام الخاص للجماعة في فترة الأربعينات وبداية الخمسينات، وقد اختير مرشدًا عام للإخوان المسلمين خلفًا للأستاذ محمد حامد أبو النصر، وذلك بعد وفاته في عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين من الميلاد، وَيُعَدُّ الْأُسْتَاذُ مصطفى مشهور من أَنْشَطِ قِيَادَاتِ الْجَمَاعَةِ في
(1/406)
________________________________________
فترة ما بعد السبعينيات من هذا القرن الذي مضى؛ حيث ظَهَرَ لَهُ الْعَدِيدُ مِنَ الْكُتُبِ وَالْمَقَالَاتِ الصحفية، بالإضافة إلى جهوده البارزة في إنشاء المراكز الإسلامية في الغرب، وهذه المراكز الإسلامية كانت تسمى عند جماعة الإخوان بـ"الشُّعَب"، وكانت في مِصْرَ كَثِيرَةً، ثم بعد ذلك تَوَسَّعَتْ أَيْضًا فِي عَهْدِ الْأُسْتَاذِ مُصْطَفَى مشهور، فوجد منها -أعني: من الشُّعَب في الغرب الكثير.
وهناك كثيرون مشهورون من جماعة الإخوان في داخل مصر، وإلى جانب ذلك فهناك أيضًا عدد من الشخصيات الإخوانية التي ظَهَرَتْ خَارِجَ مِصْرَ، أذكر منها مثلًا ما يلي: الشيخ محمد محمود الصواف -رحمه الله- الذي كان مؤسسًا ومراقبًا عامًّا للإخوان المسلمين في العراق، ويُفْهَمُ من ذلك أن جماعة الإخوان كان لها وجود في العراق من فترة سابقة، والشيخ محمد محمود الصواف من أبرز دعاة الإخوان هناك، وله عدد من المؤلفات، وكان له دور نشط في نشر الإسلام في إفريقيا بعد هجرته من العراق واستقراره في مكة المكرمة.
وأيضًا من شخصيات الإخوان البارزة في خارج مصر الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله تبارك وتعالى- وهو أول مراقب عام للإخوان المسلمين في سوريا، والدكتور مصطفى السباعي نال درجة الدكتوراه في كلية الشريعة بالأزهر، وذلك في عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين من الميلاد، وقد قاد كتائب الإخوان إلى فلسطين، كما رشح نفسه نائبًا عن دمشق في عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين من الميلاد، وكان -رحمه الله- خطيبًا مُفَوَّهًا لا يُبَارَى.
أسس كلية الشريعة بدمشق في عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين من الميلاد وكان أول عميدٍ لها، وله كتاب (قانون الأحوال الشخصية) وغير ذلك من الكتب.
(1/407)
________________________________________
أنتقل بعد ذلك إلى نقطة تالية في هذا العنصر وهي النقطة:
ج- بعنوان أفكار ومعتقدات الجماعة: سأسرد أفكار ومعتقدات الجماعة من خلال ما كتبوه هم، ثم أعقب على ذلك بعنصر لا بد منه، سيأتي إن شاء الله -تبارك وتعالى.
أما أفكار ومعتقدات جماعة الإخوان المسلمين فهي كما يلي:
أولًا: يؤمن الإخوان بالإسلام عقيدةً تحكم توجهات المسلمين، ومنهجًا شاملًا لكل جنبات الحياة، وينادون بإقامة الدولة الإسلامية التي تسعى لإعلاء كلمة الله في الأرض، ويوضح الشيخ حسن البنا -رحمه الله تبارك وتعالى- هذا المعنى بقوله: "الإسلام عبادة وقيادة ودين، ودولة وروحانية وعمل وصلاة وجهاد، وطاعة وحكم ومصحف وسيف، لا ينفك واحد من هؤلاء عن الآخر".
وقد حرص الإخوان منذ نشأة الجماعة على توسيع دائرة عملهم حتى تكون حركتهم عالمية النطاق، ويضمن لها الاستمرار بحكم تعدد المراكز، وقد نجح الإخوان في ذلك نجاحًا باهرًا، فأصبحت لهم مراكز موجودة وقوية في معظم أنحاء العالم، ومن أفكار ومعتقدات الجماعة أيضًا ما ذكره الشيخ حسن البنا -رحمه الله- عن هذه الدعوة في قوله: "إن الإخوان المسلمين دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية".
ولي ملاحظة إن شاء الله تعالى حول هذا النص سآتي إليها في العنصر التالي -بإذن الله تبارك وتعالى- ويؤكد الأستاذ البنا أن سمات حركة الإخوان هي البعد عن مواطن الخلاف، البعد عن هيمنة الأعيان والكبراء، البعد عن الأحزاب والهيئات، العناية بالتكوين والتدرج في الخطوات، إيثار الناحية العملية الإنتاجية على الدعاية والإعلانات، شدة الإقبال من الشباب، سرعة الانتشار في القرى والبلاد.
ويذكر أن أخص خصائص دعوة الإخوان هي -كما ذكروه هم- أنها ربانية؛ لأن الأساس الذي تدور عليه أهدافهم أن يتقرب الناس إلى الله -تبارك وتعالى- وأنها
(1/408)
________________________________________
عالمية؛ لأنها موجهة إلى الناس كافة؛ لأن الناس في حكمها إخوة أصلهم واحد، لا يتفاضلون إلا بالتقوى، وبما يقدم أحدهم للمجموع من خير سابغ وفضل شامل، وأنها إسلامية؛ لأنها تنتسب إلى الإسلام.
ويقرر الشيخ البنا -رحمه الله تعالى-: مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق، ويوضحها في كلمات، وأنا في الحقيقة حينما أذكر ذلك إنما أود أن أبرز شيئا من فكر الإخوان المسلمين من خلال ما قاله مؤسس هذه الدعوة؛ فقد ذكر الشيخ أن مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق هي:
إصلاح نفسه؛ حتى يكون قوي الجسم وأن يكون متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، وإلى جانب إصلاح النفس تكوين البيت المسلم بأن يحمل الرجل أهله على احترام فكرته والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية، وإرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي غير إسلامي؛ سواء كان ذلك في السياسة أو الاقتصاد أو التعليم أو ما إلى ذلك.
ومن الأفكار التي اعتنى بها الإخوان كثيرًا: إصلاح الحكومات حتى تكون إسلامية بحق، وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وذلك بالسعي في تحرير أوطانها وإحياء مجدها؛ لأن الإسلام ودعوة الإسلام -لا شك- أنها دعوة عالمية يجب أن يتبعها غيرها، وقد قسم البنا -رحمه الله- مراحل الدعوة إلى ثلاث: ذكر بأنها "التعريف والتكوين والتنفيذ " وهذه أمور لتنظيم سياسة العمل داخل الجماعة.
ولهذا التنظيم -ومن أسبابه حقيقة- أنه جعل للجماعة سيطرة واضحة على النقابات المهنية، وقد ظهر الإخوان على الساحة السياسية المختلفة، وأصبح لهم
(1/409)
________________________________________
وجود قوي ونفوذ كبير في داخل المجتمع، ومع ذلك كله فالحكومة المصرية التي نشأت الإخوان في بلدها لا تسمح حتى الساعة بقيام حزب للإخوان المسلمين، وقد اضطرهم ذلك -أي: عدم موافقة الحكومة على أن يكون لهم كيان معترف بهم؛ قد اضطرهم ذلك- إلى التحالف مع أحزاب المعارضة السياسية القائمة، وإلى تشكيل تحالف يسمح لهم بدخول مجلس الشعب المصري.
وقد استقطب هذا التحالف وبعض ممارسات الجماعة الأخرى بعضَ النقد من بعض مؤيديها ومعارضيها في أكثر من مناسبة، وهذا ما سأبينه إن شاء الله -تبارك وتعالى.
د- المآخذ على جماعة الإخوان: المآخذ على جماعة الإخوان المسلمين كثيرة، لم تقتصر على المواقف السياسية فحسب -وإن كان هذا الموقف هذا الموقف السياسي أو المواقف السياسية التي يسلكها الإخوان بين الحين والآخر عليها ملاحظات كثيرة- فأولًا: تصادمهم مع الحكماء والحكام، والخروج عليهم بمظاهرات ومناوشات، والنقد اللاذع على الملأ بكثرة وبشدة، كل ذلك أمور يجب ألا يَسْلُكَهَا الإنسان في الأمر والنهي عن المنكر؛ لأن المظاهرات التي يخرج فيها النساء وتعم فيها الفوضى ليست مظهرًا إسلاميًّا صحيحًا، ولم تكن يومًا ما نقطة إصلاح بحال من الأحوال، بل إن سلبيات المظاهرات كثيرة، ولا أود أن أقف عند ذلك كثيرًا، وقد أفتى سماحة الوالد الشيخ الْعَلَّامَة عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله تبارك وتعالى- بأن هذه المظاهرات لا تجوز، وهذا أمر معلوم.
إلى جانب أيضًا الجوانب السياسية أو المآخذ على الجوانب السياسية هناك مآخذ على الجوانب العقائدية والمنهجية؛ فمن الناحية العقائدية أُخِذَ على الشيخ البنا وجماعته -رحم الله الجميع- ما
(1/410)
________________________________________
ذكره البنا -رحمه الله- من أن دعوته أيضًا حقيقة صوفية، والحقيقة: معلوم أن التصوف ليس من الإسلام، فهو دعوة باطلة، وطقوس ما أنزل الله بها من سلطان، والتصوف الموجود اليوم وقبل اليوم الذي يدعو أربابه إلى تعظيم وتقديس الأشخاص وبناء المساجد على القبور ونشر البدع الكثيرة المختلفة -كالأعياد والمناسبات؛ كيوم عاشوراء والاحتفال بالإسراء والمعراج وبالمولد النبوي، وما إلى ذلك- كل هذه الأفكار التي وقعت فيها الصوفية تخالف هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن جماعة الإخوان المسلمين حينما أدخلوا التصوف عليهم أفسدوا جماعتهم في الحقيقة، وفسدت لديهم التربية الصحيحة، وإن كان لديهم نظام متميز إلا أنني أعني بالتربية: التربيةِ القائمة على كتاب الله وهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
كما أخذ على الجماعة أيضًا: عدم التسليم لأسماء الله وصفاته، بل من المعلوم أن كثيرًا من الإخوان يؤولون أسماء الله وصفاته؛ كتأويلات المعتزلة والجهمية والأشاعرة المؤولين، ولقد سار على ذلك كتاب الإخوان بصورة عامة، ولم يهتموا بمنهج السلف في ذلك؛ فالشيخ سيد قطب -رحمه الله- وقع في التأويل وأبو الأعلى المودودي وقع في التأويل، وقيادات الإخوان بصورة عامة، بل إن الشيخ حسن البنا يعتبر التفويض هو منهج السلف، والتفويض في المعنى ليس منهجًا للسلف بحال؛ السلف -رحمهم الله- فوضوا في كيفية الصفات، أما معاني الصفات وما تدل عليه فالسلف يعرفونها ويعلمونها.
كما أن جماعة الإخوان في الحقيقة هَوَّنُوا كثيرًا من أمر البدع، فكانوا لا يهتمون بنشر السنة والقضاء على البدع، وكان الأمر المهم لديهم أن يجتمع الناس أولًا، ولا يثيروا -كما يزعمون- قضايا تجعل الناس لا يلتفون حولهم.
(1/411)
________________________________________
ونحن نقول بأن الاجتماع مهما كان على غير كتاب الله وهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو اجتماع باطل، لا تكون له ثمرة صحيحة، ولا فائدة ناجحة ولا بد من أن أقول كلمة في هذا المقال أيضًا بِأَنَّ ما سلكه الإخوان من طرق سياسية -ولا أعني ذلك بأن الدين بعيد عن السياسة، بَلْ إِنَّ الدِّينَ جَاءَ لِيَحْكُمَ الدُّنْيَا والدين والآخرة، وَلَا بُدَّ أن يسير العباد وفق شريعة الله ومنهجه -سبحانه وتعالى.
ولكن الإخوان إذا تحالفوا مع بعض الأحزاب العلمانية كي يصلوا إلى زعامات، وكي يتبوءوا مراكز ومناصب، أو أن يدخلوا في مجلس الشعب مثلًا، فهذا لا يجوز بحال.
إن مثل هذا التنازل في العقيدة بعيد عن روح الإسلام -إن كنا نفهم الإسلام- فلقد سبق وأن دخل الإخوان، وعقدوا حلفًا مع حزب الوفد؛ حتى يدخلوا من خلاله إلى مظلة مجلس الشعب، وفي الحقيقة نحن يجب علينا أن نسلك الطرق الصحيحة المؤدية إلى النتائج السليمة؛ فَلَا ينبغي مثلًا -لأننا نحرص على الوصول إلى الحكم- أن نتنازل عن مبادئنا وعن عقيدتنا، وأن نمد أيدينا لمن لا يأبهون بديننا، ولا يتمسكون بهدي نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد أخذ أيضًا على بعض أتباع جماعة الإخوان المسلمين -أخذ عليهم- الغلوُّ الشديد في إعجابهم بمشائخهم وقادتهم؛ فكانوا يظهرون بين الحين والآخر غلوًّا شديدًا في الشيخ حسن البنا -رحمه الله- كما أيضًا غالوا في الشيخ سيد قطب -رحمه الله تبارك وتعالى- وفي أبي الأعلى المودودي وغير ذلك، ولا يقبلون بحال من مسلم ناصح لدينه أن يذكر شيئًا من السلبيات التي وقع فيها واحد من هؤلاء، ونحن ندين للَّهِ -عز وجل- أن جميع البشر -عدا الأنبياء والمرسلين- معرضون للخطأ والصواب؛ فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- وبالتالي فلا يمكن أن نَقْبَلَ كُلَّ مَا قَالَهُ الشيخ حسن البنا، ولا الشيخ سيد قطب، ولا أبو علي المودودي، ولا غير هؤلاء من الأئمة والعلماء، وإنما نقيس أقوال هؤلاء على كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
والصحيح: أَنْ يَلْزَمَ الجميع منهج الإسلام المتمثل في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-
(1/412)
________________________________________
بفهم السلف الصالح، والإسلام قد نهى عن الغلو حتى في شخص الرسول الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- وكيف نقبل كل ما يقوله هؤلاء وفي الحقيقة أن هناك أقوالًا واجتهادات نُسِبَتْ إلى الشيخ التلمساني والشيخ سعيد حوا لا يجيزها الفهم الصحيح للإسلام؛ فكيف نقبل ذلك؟!
ولا يغضب أحد من الإخوان إذا كنا ننتقد هذا الوضع القائم الآن؛ لأننا إذا أردنا أن نقيم شرع الله حقًّا لا بد من تربية صحيحة على عقيدة سلف هذه الأمة، فلا بد من الرجوع إلى العقيدة الصحيحة -إلى كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بفهم السلف الصالح- وأن نحذر البدع ومن الوقوع فيها، وألا نهتم بتجميع الناس من حولنا، وهذا يدفعنا إلى أن نتنازل للناس كثيرًا عن مبادئ ديننا.
ولا شك أن الدعوة التي تتنازل للعامة عن بعض الأمور الضرورية يمكن أن تجد قبولًا عند الناس، ولكنها لا تجد عند الله -تبارك وتعالى- القبولَ التامَّ الذي يرضي رب العزة والجلال -سبحانه وتعالى- وقد تعاطف الناس كثيرًا مع الإخوان المسلمين، بسبب ما ابتلوا به في حياتهم من السجن والضرب والإيذاء والقتل والتشريد، وقد دفع ذلك -كما ذكرت- إلى التعاطف معهم والوقوف إلى جوارهم.
أنتقل بعد ذلك إلى آخر نقطة في هذا العنصر، وهي بعنوان "انتشار الجماعة وأماكن نفوذها":
بدأت الحركة -كما ذكرت آنفًا- في مدينة الإسماعيلية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى القاهرة، وَانْتَقَلَتْ أَيْضًا إلى معظم بلاد وقرى مصر، وقد بلغ عدد شُعِبِ الإخوان في أواخر الأربعينات في مصر ما يقرب من ثلاثة آلاف شعبة، وقد تضمنت هذه الشعب وضمت أعدادًا كبيرة من الأعضاء، ثم ما لبثت الحركة أن انتقلت إلى سائر الأقطار العربية الأخرى،
(1/413)
________________________________________
وأصبح لها وجود قوي في سوريا وفلسطين والأردن ولبنان والعراق واليمن والسودان وغيرها.
كما أن للجماعة اليوم أتباعًَا في معظم أنحاء العالم، وهذا في الحقيقة نتيجة الترتيب والتنظيم لدى هذه الجماعة، وأنا من هذا المنبر -ومن باب النصيحة لله -تبارك وتعالى- ولعلمي أن هؤلاء يسعون إلى تطبيق الشَّرِيعَة، ولهم جهود في ذلك مشكورة، وأيضًا لهم جهود مشكورة في متابعة وتتبع الحركات العلمانية واليهود والنصارى وما يكيدونه للإسلام، لهذا كله أدعو أتباع هذه الجماعة إلى أن يلتزموا المنهج الصحيح والأصل المتين، وذلك بالرجوع الحق إلى كتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن يتعامل العبد معهما من خلال فهم سلف هذه الأمة.
ولذلك يجب علينا جميعًا أن نعظم النصوص الواردة عن السلف في الدين، وأن نعتني بها وأن نَهْتَمَّ بها، وأن نترك الغلو في الأشخاص، وأيضًا وأن نترك الغلو في إطلاق كلمة التكفير على المجتمعات؛ لأن هذا قد صدر من بعض قادة الإخوان، وكان له أثر كبير في ما وقع فيه المسلمون اليوم من مواجهة للحكام بالحق والباطل، وتكفير للحكومات وهذا فيه خطأ عظيم، وتطاول كبير، وبُعْدٌ عن منهج سلف هذه الأمة الصالحين، وإنما العبد عليه أن يسمع ويطيع لولي الأمر المسلم الذي يشهد لله بالواحدانية ولِنَبِيِّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- بالرسالة فيما أحب وفيما كره، ولا يعصي الله -تبارك وتعالى- فعلى العبد أن يطيع هؤلاء في المعروف، وعليه ألا يطيعهم في معصية الله -عز وجل- ولكنه مع ذلك لا يخرج عليهم، ولا يسل السيف عليهم، ولا ينبذ يدًا من طاعتهم؛ لأن في ذلك فتنة كبيرة.
قد جرب الناس الخروج على الولاة والحكام فما نالوا من وراء ذلك إلا الشر -والعياذ بالله تبارك وتعالى- والخروج على الحكام فيه ضعف للأمة؛ يجعل الأمة في موضع ضعيف، ويدعو الأمم من حولها إلى التكالب عليها؛ لأنها ستشعر بالتمزق الذي ظهر فيها ووقع من خلال أفرادها.
(1/414)
________________________________________
الحزب الإسلامي الكردستاني
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو بعنوان "الحزب الإسلامي الكردستاني" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف بالحزب، والأرض التي يقع فيها:
أحب في الحقيقة أن أتكلم عن هذا الحزب؛ لِأُعَرِّفَ طالب العلم بوجود قوة للإسلام كبيرة، عليه أن يعرف عنها الكثير، وإن كان هناك لدي تحفظ على كلمة "حزب"؛ لأن الإسلام لا يعرف الأحزاب بمعناها المعاصر؛ لأن هذه الأحزاب الناس فيها يوالون على مبادئ الحزب، وقد تكون بعيدة عن كتاب الله وهدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فعندنا أحزاب كثيرة كالحزب الناصري والاشتراكي والوفدي، وحزب التجمع والأهالي، وما إلى ذلك.
كل هذه الأحزاب لا تمت إلى الإسلام بصلة؛ لأنها لا ترفع دين الله -عز وجل- ولا تحتكم إلى شريعته، وبالتالي فأنا أحب أن يُسْتَبْدَلَ أو أن تُسْتَبْدَلَ هذه الكلمة، ولكن هكذا سَمَّوْهُ.
وأبدأ الآن بتعريف هذا الحزب فأقول: الحزب الإسلامي الكردستاني: حزب سياسي إسلامي، يهدف إلى تكون دولة إسلامية في منطقة كردستان، ورفع الظلم والتمزق الواقع على الأكراد بخاصة، ومحاربة المخططات الاستعمارية تجاههم، وتقع كردستان -وهي أرض الأكراد- في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا والاتحاد السوفيتي السابق، وتبلغ مساحتها نصف مليون كيلو متر مربع تقريبًا، وعدد سكانها يزيد على أربعين مليونًا، يدين أكثرهم بالإسلام، وهم سُنَّةٌ في الغالب -يعني: من أهل السنة على العموم- وتوجد أقليات كردية في كل من باكستان وأفغانستان والسودان، وتمتاز كردستان بثروتها النفطية والمعدنية والحيوانية والمائية؛ إذ يَمُرُّ فيها أنهار دجلة والفرات
(1/415)
________________________________________
وآراس والخابور، ويتكلم الأكراد اللغة الكردية التي تنتمي إلى مجموعة اللغات الإيرانية، التي تمثل فرعًا من أسرة اللغات الهندية.
وتضم هذه اللغات جماعة من الأكراد، واللغات كثيرة؛ فعندنا الكردية والفارسية، وكذلك لغة الباشتو، والطاجيكية، وتُكْتَبُ اللغة الكردية في إيران والعراق بالحرف العربي، وفي تركيا وسوريا بالحرف اللاتيني، وفي الدولة التي تسلل إليها الاتحاد السوفيتي سابقًا بالحرف الروسي، وقد قُسِّمَتْ كردستان بعد الحرب العالمية الأولى، و َ وُزِّعَتْ عَلَى العراق وسوريا وتركيا وإيران وروسيا، وقد اتبعت هذه الدول المذكورة فيهم -يعني: في الأكراد- سياسة التغريب والتفريس، مع محاولة القضاء على إسلامهم وشجاعتهم، وذلك بإثارة النزعات القبلية ونشر الأفكار الماركسية والعلمانية فيهم، ولم يخضع الأكراد لهم، فقامت هناك ثورات لم تنطفئ شعلتها حتى يومنا هذا.
ب- بعنوان تأسيس الحزب وأبرز شخصياته، أقول في تأسيس الحزب: بأنه قد اجْتَمَعَ بعض الإسلاميين الأكراد في موسم الحج، في الحادي عشر من شهر ذي الحجة سنة ألف وأربعمائة في مكة المكرمة، وتباحثوا في قضية شعبهم الكردي المسلم وما أصابهم من تمزق ودمار وهلاك على يد السلطات في البلاد الموزعين فيها، ومحاولة القضاء عليهم بكافة السبل وبمختلف الحجج الواهية، وتبع ذلك قيام حركات وطنية وقومية، غَلَبَ على كثير منها طابع العلمانية الاشتراكية، فكانت في حالة عداء للإسلام، وقد أدى هذا إلى تشويه سمعة الأكراد في النصف الثاني من هذا القرن، من خلال ما كانت تطرحه الأحزاب من إلحاد ومخالفات للدين واستخفاف به أو إهمال له، وكان من المحزن أن يضطر كثير من المتدينين إلى الالتحاق بتلك الأحزاب؛ بسبب عدم وجود البديل الإسلامي الكردي.
(1/416)
________________________________________
وقد وجد المجتمعون الحاجة ماسة بناء على ما سبق ذكره إلى إقامة حزب إسلامي في كردستان، يشعر بآلام الشعب الكردي المسلم، ويحل عقده، ويحمل عنه بعض همومه ومشاكله، ويبني الدولة الإسلامية التي تحمل شعار الإسلام دينًا ودولة، وتطبق الإسلام في جميع مجالات الحياة، وقرر المجتمعون تأسيس هذا الحزب، وعقب هذا الاجتماع عقدوا أربع مؤتمرات عامة للحزب خارج كردستان، وفي المؤتمر الأخير من هذه المؤتمرات قرروا المبادئ الأساسية لفكر الحزب وحركته، كما قرروا النظام الداخلي الذي اعتمد فتح مكاتب للحزب في أوربا وأمريكا الشمالية.
وقد تم -تبعًا لذلك- إصدار مجلة جودي الناطقة باسم الحزب باللغات العربية والتركية والكردية، و"جودي" هو الجبل الذي رست عليه سفينة نوح -عليه السلام- وموطنه كردستان، ومن أبرز شخصيات هذا الحزب: الدكتور مُظَفَّر من العراق، والدكتور صالح كابوري من سوريا، وأسروان من الولايات المتحدة الأمريكية، والمهندس الكردي من السودان، والمهندس كذب شوتي من تركيا، أنتقل بعد إلى نقطة:
ج- وهي بعنوان "أفكار الحزب ومعتقداته": الشعب الكردي شعب مسلم، وهو جزء من الأمة الإسلامية الواحدة، وكردستان المسلمة جزء من دار الإسلام الكبرى، وهي وطن الشعب الكردي تاريخيا وجغرافيا، وتشمل تلك الأرض التي يكون الكرد غالبية سكانها، والشعب بيده السلطات الاجتهادية والتنفيذية والقضائية، ومصدر التشريع عندهم هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- والشعب يقوم بسلطاته في مجلس الشورى، وذلك بتطبيق هذا كما يتمكن من التطبيق، والكليات التي تراها السلطات للمجتمع حفظًا وتكميلًا وتحسينًا هي الكليات الخمس التي جاءت بها الشريعة، وهي: الدين، والعقل، والعرض، والنفس، والمال.
(1/417)
________________________________________
ومن أفكار هذا الحزب: الدعوة لنشر الإسلام، ونشر الإسلام لا يكون إلا بإقناع العقول وتأليف القلوب، ولا إكراه في الدين، أما الجهاد في سبيل الله فهو القتال في سبيل الله لدفع الظالمين المتكبرين، والدفاع عن المظلومين المستضعفين، كما يرون -وقد أصابوا في ذلك- أن العلم حق عام، وأن العلم بأصول الدين فرض عين على المسلمين، وأن الحرية حق عام، وهي مصونة في التفكير والتعبير والمعتقد والتأليف والنشر، وتأليف التجمعات النقابية والنسائية، ما لم يتعارض شيء من ذلك مع الإسلام، ويرون أن المرأة كالرجل، تتساوى معه في الحقوق والواجبات، وفي بناء المجتمع وتوجيهه، وأما التمييز القائم بينهما كما جاء به الإسلام فهو حق يعملون به ويرونه بأنه من الفرائض الشرعية التي فرضها رب العزة والجلال سبحانه، وذلك بسبب التكوين الخِلْقِيِّ والوظيفة الاجتماعية للمرأة -كما هو معلوم من خلال هدي الإسلام.
ويرون أن الأسرة الصالحة هي اللبنة الأساسية في تكوين المجتمع السليم، وينبغي دعم الأسرة وتقوية الروابط بين أفرادها والتشجيع على النسل والزواج بتيسير أسبابه وتوفير مطالبه، وعلى كلٍّ فالحزب الكردستاني الإسلامي يرجع في أصوله الفكرية والعقائدية إلى الإسلامِ السنيِّ بوجه عام، وإن كان يوجد بينهم من يخالف هذا المنهج، وأما أصولهم الحركية والدعوية فترجع إلى حركة "الإخوان المسلمين"، وهم في الفقه يتبعون مذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام الشافعي هو مذهب عامة الأكراد تقريبًا.
والحزب الكردستاني -مع ذلك- ليس حزبًا قوميًّا كما يوحي اسمه، وإن كان هدفهم هو إنشاء دولة إسلامية كردية في منطقة كردستان، تحكم الإسلام في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وينتشر الحزب الإسلامي في جميع مناطق كردستان في كل من تركيا والعراق وسوريا وإيران.
ونسأل الله -عز وجل- لهم التوفيق والسداد، وأن يلتزموا تمامًا بمنهج الكتاب والسنة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/418)
________________________________________
الدرس: 13 ترجمتا الخليفة عمر بن عبد العزيز والإمام أحمد بن حنبل.
(1/419)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث عشر
(ترجمتا الخليفة عمر بن عبد العزيز والإمام أحمد بن حنبل)
1 - ترجمة الإمام عمر بن عبد العزيز

سِيرَةُ الإمام عمر بن عبد العزيز الذاتية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
عنوان محاضرة هذا اللقاء "ترجمة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تبارك وتعالى- ما تحدثت عنه فيما مضى من أول لقاء في المحاضرات إلى المحاضرة السابقة كان كله يتعلق بأصول الدعوة ومناهجها، وبعض العاملين في حقلها، والمطلوب في المنهج: أن أترجم لبعض الشخصيات، وعلى حسب الترتيب نبدأ بالخليفة الراشد العادل -كما ذكرتُ وأشرت- وأنا أذكر هذا؛ لألفت نظر المستمعين والدارسين إلى أهمية الاعتناء بتراجم هؤلاء الأئمة العباد الزهاد الأمراء العلماء؛ كي نتأسى بهم؛ لأنهم في الحقيقة أعلام بارزة في دنيا الناس، فبدلًا من أن يهتم أبناء المسلمين بمعرفة بعض الشخصيات التي لا تفيد ولا تنفع، بل ربما تضرُّ، ويعتنون بذلك غاية العناية أن ندرس هؤلاء الدعاة، وأن نعرف شيئًا عن حالهم، وكيف سلكوا طرقًا صحيحة؛ سواء كان ذلك في العدل أو العلم، أو في الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة؛ كي نتأسى بهم في فعلهم.
ثم بعد ذلك أقول: عناصر هذا اللقاء:
العنصر الأول: في سيرته الذاتية: ويشتمل على النقاط التالية:
أ- مولده ونسبه:
ولد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تبارك وتعالى- سنة ثلاث وستين من الهجرة النبوية، وهي السنة التي ماتت فيها ميمونة زوج النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال ابن شوذب: لما أراد عبد العزيز بن مروان أن يتزوج أم عمر بن عبد العزيز قال لقيمه: اجمع لي أربعمائة دينار من طيب مالي؛ فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح، فتزوج أم عمر بن عبد العزيز.
قال ابن سعد -رحمه الله-: وهو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عن الجميع- وقد ساق ابن الجوزي -رحمه الله- خَبَرَ جَدِّ عمرَ بْنِ عبد العزيز لأمه، فقال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده -أسلم- قال: "بينا أنا مع
(1/421)
________________________________________
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- وهو يعسُّ بالمدينة، إذ أعياه، فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه، قومي إلى ذلك اللبن فامزقيه بالماء، فقالت لها ابنتها: يا أمتاه؛ أو علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم، فقالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى؛ ألا يُشَابَ اللبن بالماء، فقالت لها: يا بنتاه، قومي إلى اللبن فامزقيه بالماء؛ فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه، والله، ما كنت لأطيعه في الملأ، وأعصيه في الخلا، وعمر يسمع كل ذلك، فقال: يا أسلم عَلِّمِ البابَ، واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه، فلما أصبح قال: يا أسلم، امضِ إلى ذلك الموضع، فانظر من القائلة، ومن المقول لها، وهل لهم من بعل؟ قال أسلم: فأتيت الموضع فنظرت، فإذا الجارية أيم لا بعل لها، وإذا أمها ليس لها رجل، فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته، فدعا عمر ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه؟ فقال عبد الله: لي زوجة. وقال عبد الرحمن -أيضًا ابنه-: لي زوجة. وقال عاصم: يا أبتاه، لا زوجة لي، فزوجني، فبعث إلى الجارية فزوجها، فولدت لعاصم بنتًا، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز".
كذلك نسبه العلماء -كما ذكر ابن الجوزي- عن محمد بن سعد -رحم الله تبارك وتعالى الجميع.
ب- بعنوان "أخلاقه وآدابه وعلو همته -رحمه الله -تبارك وتعالى":
وقفت في الحقيقة على كلمات جميلة دقيقة للإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله تبارك وتعالى- أحب أن أوردها هنا، وأسمعها لكم -أيها الأبناء الأعزاء- في بداية كلمتي عن أخلاقه وآدابه وعلو همته؛ قال الذهبي -رحمه الله-: قد كان هذا الرجل حسن الْخَلْق والْخُلْق، كامل العقل، حسن السمت، جيد السياسة،
(1/422)
________________________________________
حريصًا على العدل بكل ممكن وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أوَّاهًا منيبًا قانتًا لله حنيفًا زاهدًا مع الخلافة، تأمل هذه الكلمة -زاهدًا مع الخلافة- يعني: أن الدنيا أتته، ومع ذلك زهد فيه -رحمه الله- ناطقًا بالحق -مع قلة المعين وكثرة الأمراء الظلمة الذين ملوه، وكرهوا محاققته لهم ونقصه أعطياتهم، وأخذه كثيرًا مما في أيديهم مما أخذوه بغير حق- وعد عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين.
وهذه كلمات جميلة فيها ثناء حسن على هذا الخليفة الإمام العادل الزاهد -رحمه الله تبارك وتعالى- ومن أدبه وخلقه ما ذكره عنه ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- وهو أنه دخل عليه ناس من الحرورية -الحرورية: هم الخوارج- فذاكروه شيئًا، فأشار إليه بعض جلسائه أن يُرْعِبَهُمْ وأن يتغير عليهم؛ لأنه إمام وخليفة، وَمُمَكَّنٌ في الأرض، فلم يَزَلْ عمر بن عبد العزيز يرفق بهم حتى أخذ عليهم وَرَضَوْا منه أن يرزقهم ويكسوهم ما بقي، فخرجوا على ذلك؛ فلما خرجوا ضرب عمر ركبة رجل يليه من أصحابه، فقال: يا فلان -تأملوا هذه الكلمة فهي تعد في الحقيقة حكمة- إذا قدرت على دواء تشفي به صاحبك، دون الكيِّ، فلا تَكْوِيَنَّهُ أبدًا.
وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- عن نفسه: ما كذبتُ كذبة منذ شددت علي إزاري. وقد اجتمع بنو مروان ذات يوم، فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين، فَعَطَّفْنَاهُ علينا، وَأَذْكَرْنَاهُ أرحامنا؛ لأنهم كانوا يودون أن يوسع عليهم أكثر من غيرهم، قال: فدخلوا فتكلم رجل منهم، فمزح، فنظر إليه عمر، فوصل له رجل كلامه بالمزاح، فقال عمر: لهذا اجتمعتم؟! لأخس الحديث ولما يورث الضغائن؟! إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله؛ فإن تعديتم فعليكم بمعالي الحديث.
(1/423)
________________________________________
إنها أيضًا وصية غالية من هذا الخليفة العالم الزاهد -رحمه الله- وَمَعَ ذَلِكَ أَيْضًا فَقَدْ كَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ؛ فقد جاء عنه أنه قال: كانت لي نفس تواقة، فكنت لا أنال شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أعظم منه، فلما بلغت نفسي الغاية، تاقت إلى الآخرة.
والله، كلمات تحتاج أن نقف عندها قليلًا، كانت لعمر بن عبد العزيز نفس تواقة -يعني: تطلب معالي الأمور، وتود أن تصل إلى أرفع الدرجات وأعلى المكانات- وكان لا ينال شيئًا إلا تاقت نفسه إلى ما هو أعظم منه -يعني: أعلى منه- وقد نال ذلك؛ لأنه قال: فلما بلغت نفسي الغاية تاقت إلى الآخرة، وهذا يدل على أن همته -رحمه الله -تبارك وتعالى- طلبت الآخرة، وَرَجعَتْ إليها -رحمه الله- تبارك وتعالى.
بعد ذلك: اعتقاده ومذهبه، وهي نقطة:
جـ- كان -رحمه الله تعالى- على مذهب السلف؛ يُعَظِّمُ الكتاب والسنة، وَيُحَارِبُ الأهواء والبدع، قال ابن الجوزي -رحمه الله-: حدثني إسماعيل بن يونس، قال: نُبِّئْتُ أن عمر بن عبد العزيز قال: من جعل دينه عرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وعن جعفر بن برقان أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل، وسأله عن الأهواء، قال: عليك بدين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي وَالْهُ عما سواهما.
يعني: تمسك بالكتاب والسنة، وأعرض عن غير الكتاب والسنة، وقال أيضًا -رحمه الله-: "إذا رأيت قومًا يتناجون في دينهم بشيء دون العامة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة". وتحذيره هنا مهم للغاية؛ فنحن وجدنا اليوم كثيرا من الروافض وغلاة المتصوفة يتمتمون ويهمسون بمعتقدات ضالة وباطلة، ويزعمون
(1/424)
________________________________________
أن مشايخهم قد خُصُّوا بشيء ولا يظهروا ذلك على العامة؛ حتى لا يخرج العامة عليهم.
وكذلك كان رأيه في القدرية -رحمه الله- أن يستتابوا؛ فإن تابوا وإلا نُفُوا من ديار المسلمين، وكتب إلى بعض عماله كتابًا، جاء فيه -وهذا الكتاب نتبين من خلاله عقيدته -رحمه الله -تبارك وتعالى- كتب لبعض عماله يقول: أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وترك ما أحدث المحدثون، واعلم أنه لم يبتدع إنسان قط بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها وعبرة فيها، فعليك بلزوم السنة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السابقين المَاضِين على علم توقفوا، وببصر ناقد كَفّوا.
وَكَتَبَ أيضًا رسالة إلى المكذبين بالقدر جاء فيها:
"أما بعد: فقد علمتم أن أهل السنة كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وسينقص العلم نقصًا سريعًا".
ومنه قول عمر بن الخطاب -وهو يعظ؛ هذا كلام عمر بن عبد العزيز ينقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه-: إِنَّهُ لا عذر لأحد عبد الله بعد البينة بضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، فقد تبينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر؛ فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب تقطعت من يده أسباب الهدى، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى، وبلغكم أني أقول: إن الله قد علم، والعباد عاملون، فأنكرتم ذلك، وقد قال تعالى: {إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} (الدخان: من الآية: 15) وقال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} (الأنعام: من الآية: 28) وأن الله -عز وجل- قد قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقها.
(1/425)
________________________________________
كما أنه -رحمه الله- ناقش الخوارج في بدعتهم، وأرسل إليهم كتبًا لهدايتهم، وهذا يدل على سلامة معتقده، وعلى تصديه -رحمه الله -تبارك وتعالى- إلى سائر الفرق الباطلة المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة.
د- "ورعه وتواضعه وعبادته":
قال أبو شيبان -رحمه الله تعالى- قال كلامًا يتبين لنا من خلاله مَدَى شِدَّةِ وَرَعِ عُمَرَ بْنِ الْعَزِيز -رحمه الله -تبارك وتعالى- قال: بعث معي عمارة بن نسيّ إلى عمر بِسَلَّتَيْنِ مِنْ رُطَبٍ أَوَّل ما جاء الرطب -يعني: في بداية عهده في بداية موسمه، ولا شك أنه لم يكن قد أُكِلَ من قبل، والنفس تشتهي هذه المسائل أو هذا الطعام في أول خروجه؛ لأنه قد تركه فترة من الزمن، قال: فأتيته بهما -يعني: بالسلتين من الرطب- فقال: علام جئت بهما؟ قلت: على دواب البريد -يعني: أنت حملت هاتين السلتين على أي شيء؟ قال: على دواب البريد- قال: فاذهب، فبعهما بثمانية عشر درهمًا، فاشتراهما منه رجل من بني مروان، ثم أهداهما إلى عمر؛ فلما أُتِيَ بهما -يعني: إهداء إلى عمر بعد ذلك- قال عمر لأبي شيبان: يا أبا شيبان، كأنهما السلتان اللتان، أُوتِينَا بهما، قلت: نعم، فوضع -رحمه الله- إحداهما بين أيدينا فأكلنا منها، وبعث الأخرى إلى امرأته، وألقى ثمنهما في بيت المال -رحمه الله -تبارك وتعالى.
وقد ذكر الذهبي عنه قصة قال فيها -وقد دخلت عليه زوجه فاطمة، وهو في مصلاه قد سالت دموعه-: فقالت له: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ لأنه كان يبكي. قال: يا فاطمة إن تقلدت أمر أمة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فتذكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي
(1/426)
________________________________________
العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومة، فرحمت نفسي فبكيت.
هكذا ذكر الذهبي -رحمه الله- عن عمر بن عبد العزيز، وهذا يبين شدة ورعه -رحمه الله -تبارك وتعالى- ويبين أيضًا عبادته لربه، فهو يخلو ويفكر في أمره -رضي الله تعالى عنه.
وعن صالح بن سعيد المؤذن قال: بينا أنا وعمر بن عبد العزيز بالسويداء، فَأَذَّنْتُ بالعشاء الآخرة، فصلى، ثم دخل القصر، فقلما لبث أن خرج، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم جلس فاحتبى، فافتتح الأنفال، فَمَا زَالَ يُرَدِّدُهَا، ويقرأ كلما مر بتخوف تضرع، وكلما مر بآية رحمة دعا، حتى أذنت الفجر.
وقال محمد بن سعد: أخبرنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: كان عمر بن العزيز يسمر بعد العشاء الآخرة قبل أن يوتر؛ فإذا أوتر لم يكلم أحدًا.
وكان رحمه الله -تبارك وتعالى- يصوم الاثنين والخميس، والعشر -يعني: العشر الأول من ذي الحجة- كذلك كان يصوم عاشوراء وعرفة -رحمه الله تبارك وتعالى.
هـ- مرضه ووفاته:
قال ابن سعد -رحمه الله- قال محمد بن قيس: أول مرضه اشتكى لهلال رجب سنة إحدى ومائة، وكان شكواه عشرين يومًا -رحمه الله -تبارك وتعالى- وقال أبو زيد الدمشقي: لما ثَقُلَ عمر بن عبد العزيز دُعِيَ له بطبيب، فلما نظر إليه قال الرجل: قد سُقِيَ السمَّ. وهذا في الحقيقة قد ذكر في ترجمة عمر بن عبد العزيز: أنه سقي سمًّا؛ ليموت -رحمه الله -تبارك وتعالى- فقال هذا الرجل الطبيب: قد سقي السم، ولا آمن عليه الموت.
فرفع عمر بصره فقال: ولا تأمن الموت أيضًا على من لم يُسْقَ السُّمَّ ... قال الطبيب: هل أحسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قد عرفت حين وقع
(1/427)
________________________________________
في بطني. قال: فتعالج يا أمير المؤمنين؛ فإني أخاف أن تذهب نفسك، فقال: ربي خير مذهب إليه، والله، لو علمت أن شفاي عند شحمة أذني، ما رفعت يدي إلى أذني فتناولته، اللهم خِرْ لعمر في لقائك، قال: فلم يلبث أيامًا حتى مات -رحمه الله -تبارك وتعالى.
وعن المغيرة بن حكيم قال قالت لي فاطمة بنت عبد الملك -وهي زوج عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه- كنت أسمع عمر -رحمه الله- في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم اخف عليهم موتي، ولو ساعة واحدة من نهار، قالت: فقلت له يومًا: يا أمير المؤمنين، ألا أخرج عنك عسى أن تغفى شيئًا؛ فإنك لم تنم، قالت: فخرجت عنه إلى بيت غير البيت الذي هو فيه، قالت: فجعلت أسمعه يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص: 83) يرددها مرارًا، ثم أطرق، فَلَبِثَ طويلًا لا أسمع له حسًّا، فقلت لوصيف له يخدمه: ويحك، انظر. فلما دخل صاح، فدخلت عليه، فوجدته ميتًا قد أقبل بوجهه على القبلة، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه -رحمه الله -تبارك وتعالى.
ومات عمر لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة -رحمه الله- وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر -رحمه الله- فقد كان إمامًا خليفة زاهدًا عابدًا عالمًا بعلمه -رضي الله تعالى عنه.

في سيرة عمر بن عبد العزيز العلمية، وولايته
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وتحت هذا الموضوع، وهو بعنوان: "في سيرته العلمية وولايته" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- طلبه للعلم:
قال يعقوب بن سفيان، وحدثنا سعيد بن عفير قال: حدثني يعقوب عن أبيه أن عبد العزيز بن مروان بعثه ابنه عمر إلى المدينة يتأدب بها، وكتب إلى صالح بن
(1/428)
________________________________________
كيسان بتعَهده، وكان عمر يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم، وكان صالح بن كيسان يلزمه الصلاة، فأبطأ يومًا عن الصلاة، قال له: ما حبسك؟ قال: كانت مرجلتي تُسَكِّنُ شعري، فقال: بلغ بك حبك تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة؟! وكتب إلى عبد العزيز بذلك -يعني: إلى والده- فبعث إليه عبد العزيز رسولًا، فلم يكلمه حتى حلق شعره، وقال عمر بن العزيز: لقد رأيتني وأنا بالمدينة غلام مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم، وإلى علم العربية والشعر، فأصبت منه حاجتي.
وقال عمر بن العزيز أيضًا عن نفسه: ما بقي أعلم بحديث عائشة منها، يعني عَمْرًا، قال: وكان عمر يسألها -رحمه الله -تبارك وتعالى.
ب- بعنوان "ذكر طَرف مما أَسْنَدَ من الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-":
أَسْنَدَ عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- الحديث عن جماعة من الصحابة، وعن جماعة من كبار التابعين، إلا أنه كان مشغولًا عن الرواية، فلذلك قل حديثه -رحمه الله- وسأذكر هنا طائفة، نستدل بها على أنه قد سَمِعَ من بعض الصحابة، وسَمِعَ من كبار التابعين، ورَوَى عنهم -رحمه الله -تبارك وتعالى- فمن جملة ما أسند مثلًا عن الصحابة: أسند عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- وقد رآه عمر وروى عنه، وصلى أنس بن مالك خلفه، ومما أسند عن أنس: ما أخبر به أبو الحسن قال: حدثنا -أو قال حدثني- الحارث بن محمد العنزي، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((لتأمرن بالمعروف، وتنهون عن المنكر، أو ليسلطنَّ عليكم عدوًّا من غيركم، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)).
(1/429)
________________________________________
ومما أسند عن ابن عمر -رضي الله عنهما- وقد سَمِعَ منه الحديث، وروى عنه ما جاء عن ابن عمر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((إن الله -تبارك وتعالى- يحب الشابَّ الذي يفني شبابه في عبادة الله، ويحب الإمام المقسط، وأجره أجر من يقوم ستين عامًا يصوم نهاره ويقوم ليله)).
كما أسند عن عمرو بن أبي سلمة المخزومي؛ فقد روى عنه عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- وقد رَوى عنه: "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي في ثوب واحد متشحًا به، وقد خالف بين طرفيه". وهذا في الحقيقة غريب من حديث عمر بن عبد العزيز، تفرد به الحسن عن عبد الكريم كما ذكر ابن الجوزي -رَحِمَهُ اللَّهُ -تبارك وتعالى- في سيرة عمر بن عبد العزيز.
ومما روى عن السائب -والسائب: هو ابن أخت نمر- مسح رسول الله -صلى الله عليه وسلم رأسه، وَدَعَا له، وحج حجة الوداع مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وروى عنه عمر بن العزيز -رضي الله تعالى عنه- ما سمعه السائب في سُكْنَى مكة عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((للمهاجر ثلاثة أيام بعد الصوم)).
وقد روى أيضًا عمر بن عبد العزيز عن جماعة من كبار التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، وعبد الله بن إبراهيم بن قارض؛ فمن حديثه عنهما: ما أخبرناه. وهذا كلام ابن الجوزي -رحمه الله- يعني: ما أُخْبِرَ به ابن الجوزي، والذي أخبره: علي بن عمر قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارض، وعن سعيد بن المسيب أنهما حدثاه أن أبا هريرة قال: سَمِعْتُ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة فَقَدْ لَغَيْتَ)).
وقد روى أيضًا عن سالم بن عبد الله بن عمر أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((اللهم أَعِزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك -عمر أو أبي جهل)).
(1/430)
________________________________________
كما روى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: ((أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان أجود من الريح المرسلة إذا نزل عليه جبريل يدارسه القرآن)). وقد كان جبريل -صلوات الله وسلامه عليه- ينزل على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في رمضان، فيدارسه القرآن -يعني: يقرأ النبي -عليه الصلاة والسلام- عليه القرآن.
جـ- وهي بعنوان "ولايته قبل الخلافة":
ولي عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- قبل أن يكون خليفة- ولي المدينة في شهر ربيع الأول في سنة سبع وثمانين، وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة؛ ولاها إياها الوليد بن عبد الملك، فولى عمر -رضي الله عنه- على قضائها أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم، ودعا عمر عشرة نفر من فقهاء البلدة، منهم: عروة والقاسم وسالم، فقال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، وتكونون فيه أعوانًا على الحق؛ إن رأيتم أحدًا يتعدى، أو بلغكم عن عامل لي ظالم أن تبلغونني، فأثنوا عليه وافترقوا.
وعن عبد الرحمن بن حسن، قال: أخبرني أبي، قال: بلغني أن الوليد بن عبد الملك استعمل عمر بن عبد العزيز على الحجاز -يعني: المدينة ومكة والطائف- فأبطأ عمر -رضي الله عنه- عن الخروج، فقال الوليد لحاجبه: ويلك، ما بال عمر لا يخرج إلى عمله؟! قال: زعم أن له إليك ثلاث حوائج، قال: فعجله علي، فجاء به الوليد فقال له عمر: إنك استعملت من كان قبلي، فأنا أحب ألا تأخذني بعمل أهل العدوان والظلم والجور. فقال له الوليد: اعمل بالحق وإن لم ترفع إلينا درهمًا واحدًا. وهذا يبين لنا حرص هذا الخليفة -رحمه الله -تبارك وتعالى- قبل أن يكون خليفة- على العدل والحق -رحمه الله -تبارك وتعالى.
(1/431)
________________________________________
د- خلافته وعدله:
كان عمر -رضي الله تعالى عنه- عادلًا في خلافته، وقد يسأل سائل: كيف أتت عمر الخلافة؟ فأذكر ما ذكره ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: قال حدثنا محمد بن سعيد، قال: قال: رجاء بن حيوة: لما كان يوم الجمعة لبس سليمان بن عبد الملك ثيابًا خضرًا من خز، ونظر في المرآة فقال: أنا -والله- الملك الشاب، فخرج إلى الصلاة يصلي بالناس الجمعة، فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَى وُعِكَ، فلما ثقل كتب كتابًا عهده إلى ابنه أيوب -وهو غلام لم يبلغ- فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟! إنه مما يُحْفَظُ به الخليفة في قبره أن يستخلف الرجل الصالح، فقال: كتاب أستخير فيه، وأنظر، ولم أعزم عليه، فمكث يومًا أو يومين، ثم خرقه، قال: ثم دعاني، فقال: ما ترى في داود بن سليمان؟ فقلت: هو غائب بقسطنطينية، وأنت لا تدري؛ أحي هو أم ميت؟! قال: يا رجاء؛ فمن ترى؟! فقلت: رَأْيك يا أمير المؤمنين، وأنا أريد أن أنظر من تذكر، فقال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعلمه -والله- فاضلًا خيارًا مسلمًا. قال: هو -والله- ذلك، ولئن وليته ولم أولِّ أحدًا من ولد عبد الملك لتكونن فتنة، ولا يتركونه أبدًَا يلي عليهم، إلا أن أجعل أحدهم بعده، ويزيد بن عبد الملك يومئذ غائب على الموسم، قال: فأجعل يزيد بن عبد الملك بعده؛ فإن كان مما يسكنهم ويرضون به قلت رأيك.
فكتب بيده هذا الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز؛ إني وليته الخلافة بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له، وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا؛ فيطمع فيكم". وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن جابر -صاحب شرطته- أنْ مُرْ أهلَ بيتي أن يجتمعوا بجمعهم، ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابي هذا
(1/432)
________________________________________
إليهم، فأخبرهم أنه كتابي، ومرهم فليبايعوا من وليت، ففعل رجاء، فقالوا: قال: نعم. فدخلوا، فقال لهم: عهدي، فاسمعوا له وأطيعوا، وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب، قال: فبايعوه رجلًا رجلًا، ثم خرج بالكتاب مختومًا في يد رجاء، قال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: يا أبا المقدام، إن سليمان كانت لي به مودة، وكان بي برًّا، فأنا أخشى أن يكون قد أسند إلي من هذا الأمر شيئًا، فأنشدك الله، إلا أعلمتني إن كان ذلك؛ حتى أستعفيه الآن، قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ذلك، فقال رجاء: والله، ما أنا مخبرك حرفًا واحدًا، فذهب عمر -رضي الله تعالى- عنه غضبان.
ولما مات سليمانُ بويع لعمر -رضي الله تعالى- عنه بالخلافة، وكان عمر -رضي الله عنه- إمامًا خليفة عادلًا، قال سفيان الثوري: أئمة العدل خمسة -تأملوا هذه الكلمات من إمام كسفيان الثوري -رحمه الله -تبارك وتعالى- أئمة العدل خمسة- أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز؛ من قال غَيْرَ هَذَا فَقَدِ اعْتَدَى. هذه كلمة في الحقيقة كبيرة وعظيمة وجليلة ولها وقع في التاريخ الإسلامي؛ لأنها صدرت من هذا الإمام العالم الزاهد: سفيان - رحمه الله -تبارك وتعالى- ثم انظروا بعد ذلك إلى كلمة أيضًا قالها إمام أهل السنة والجماعة في عصره: الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله -تبارك وتعالى- قال الإمام أحمد: يروى في الحديث: ((أن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يُصَحِّحُ لهذه الأمة دينها)).
قال أحمد: فنظرنا في المائة الأولى؛ فإذا هو عمر بن العزيز، ونظرنا في المائة الثانية فنراه الشافعي، وبناء على ذلك، فإن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- تبارك وتعالى- يعتبر أن الخليفة الزاهد الراشد العادل الموفق عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- تبارك وتعالى- هو الذي كان على رأس المائة الأولى، الذي أعز الله -تبارك وتعالى- به الدين، وصحح به مسيرة الخلفاء الذين قبله، الذين قد جاوزا شيئًا من الحد، ولا يسلم غالبًا من هذا بشرٌ، وإن كان وقع شيء من ذلك فأمر هؤلاء العباد إلى الله -تبارك وتعالى-
(1/433)
________________________________________
وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أنهم كانوا على الإسلام وعلى الدين، وكانوا متمسكين به، وإن كانت وقعت منهم أخطاء، فأمرهم بعد ذلك إلى رب العزة والجلال سبحانه، ونسأل الله -عز وجل- أن يعفوَ عنهم، وأن يغفر لهم، وأن يتجاوز عن سيئاتهم، ولكن لم يكن كعمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- مما سبقه من الأمراء، كان -رحمه الله تعالى- عادلًا في حكمه مقسطًا عالمًا جليلًا ورعًا زاهدًا -رحمه الله -تبارك وتعالى.
أَخْتَمُ هَذَا اللقاءَ في ترجمة الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله -تبارك وتعالى- بهذا العنصر، وهو بعنوان "المسئوليات الصادقة لدى عمر بن عبد العزيز"، فأقول في هذا: إذا كانت الشهور التسعة والعشرون التي عاشها خليفةٌ تعتبر بالنسبة للتاريخ الإنساني كله بمثابة لحظة، فإن هذه اللحظة قد صارت من أعظم أزمان التاريخ تزكيةً للإنسان وتأثيرًا في الحقيقة؛ إِذْ أَعْطَتِ الْبَشَرِيَّة في شتى عصورها وأديانها وأجناسها المثل على ما تستطيع الإرادة الإنسانية أن تحقق من عزة وكرامة واستقامة؛ إذا جعلت الله رَقِيبَهَا، والحق كتابها.
إنني أود أن أقدم كلمات للدنيا كلها من خلال مسيرة الإمام العادل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- وأبرز المسئوليات الصادقة التي كان يشعر بها، ويحس بها؛ كي يترسم المسلم أيضًا خطاهم.
لقد حرص أمير المؤمنين على أن يدرك الناس أنه لا يأتيهم بجديد من المبادئ والنظم، فكل ذلك في قرآنهم ودينهم وتراث الرعيل الأول الصالح من خلفاء رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، إنما يأتي عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- بروح قوية وكبيرة وعالية، هي روح المسئولية الورعة الصادقة، يزكيها فهم سديد لجوهر الإسلام وأهداف شريعته.
وإذن فإن علينا أن نرصد مسار علاقته بمسئولياته في ثلاثة مطالع؛
(1/434)
________________________________________
المطلع الأول: وضوح المسئولية في وعيه.
المطلع الثاني: استغراقه فيها -يعني: في المسئولية.
المطلع الثالث: إخلاصه لها.
فأما عن الأول -ألا وهو وضوح المسئولية في وعيه- فنحن نعلم أنه لكي تستغرق قضية ما إنسانًا ما استغراقَ إيمانٍ لا استغراق بحث، فإنها لا بد أن تكون قد بلغت من الوضوح والإسفار في تفكير صاحبها وشعوره المدى الذي يقهر كل غموض، ويتخطى كل تساهل والقضية التي استغرقت عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- كانت من هذا الطراز، فهي لا تستغرقه استغراق باحثٍ يحاول التأكد من صحتها وصدقها، بل استغراق مؤمن مفعم باليقين.
فلننظرِ الآن مظاهر وضوحها إليه، وإذا كانت كلماته وخطبه -رحمه الله- إنما تعبر تعبيرًا مطلقًا عن حقيقة اتجاهاته ومقاصده، فإنها أيضًا كفيلة بإعطائنا صورة هذا الوضوح، ولنبدأ مثلًا معه بخطبة من الخطب؛ لنعرف كيف أن المسئولية الملقاة على عاتق أمير المؤمنين الخليفة الزاهد الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله -تبارك وتعالى- كانت في غاية الوضوح.
يقول -رحمه الله-: "لقد سن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وخلفاؤه من بعده سننًا؛ الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة لدين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا الركون لأمر خالفها؛ من اهتدى بها فهو المهتدي، ومن استنصر بها فهو المنصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا، أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي، وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب؛ فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله على لسان نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بقاض، وإنما أنا مُنَفِّذ، ولست بمبتدع إنما أنا متبع، ولست بخيركم إنما أنا رجل منكم، غير أني أثقلكم حملًا".
(1/435)
________________________________________
هكذا تتضح المسئولية في روعه غاية الوضوح؛ فموضوعها -إذن- هذا الدين الذي أتم الله به النعمة، وارتضاه للناس دينًا، وحاملها ليس مشرعًا ولا قاضيًا، إنما هو مُنَفِّذٌ للدين ومبادئِهِ، وهذا الوضع لا يمنحه أيَّ امتياز بحال، وإنما هو قال -كما ذكر في خطبته السابقة-: لست بخيركم إنما أنا رجل منكم.
والفارق الوحيد بينه وبين أفراد أمته هو أنه أثقلهم حملًا وهو -كما نرى- محسوب عليه، وليس محسوبًا له، ولهذا نرى حقًّا أن المسئولية لدى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله -تبارك وتعالى- كانت واضحة غاية الوضوح.
أنتقل بعد ذلك إلى صورة سريعة أخرى لأنظر في المطلع الثاني من مسئوليات عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- وهو استغراقه في هذه المسئولية، بمعنى: أنه استغرق -رحمه الله تعالى- في مسئولياته، وأفنى جهده فيها؛ كي يخرج منها سالمًا بفضل الله -تبارك وتعالى- لذلك أقول: لقد احتوت عمر بن عبد العزيز المسئولية في خضمها، فنسي نفسه وأهله ودنياه وعالمه، نسي كل شيء سواها؛ لأنه يريد إرضاء الله -عز وجل- ويريد أن يقف بين يدي الله -تبارك وتعالى- وربُّه عنه راض، بل إنه رحمه الله نسي حقه في استشعار الرضا والأمن جزاء ما يقدم لدين الله ودنيا الناس من ولاه وبر، حتى حقه هذا نسيه في غمرة خوفه المشبوب من الله، لم يعد يذكر سوى مسئوليته الفادحة، وبدت له أعماله الشامخات كأنها ليست شيئًا مذكورًا، وسيطرت على شعوره وفكره صورة واحدة، تلك هي صورة موقفه بين يدي الله سبحانه، يسأله عن كل شيء قدمه، وعن كل فرضٍ من عبادته.
تقول فاطمة زوجه -رضي الله تعالى عنها-: لقد كان يذكر الله في فراشه فينتفض انتفاضة العصفور من شدة الخوف، حتى كانت تقول: ليصبحن الناس ولا خليفة لهم. ويقول علي بن زيد -رحمه الله -تبارك وتعالى- كان يبدو -ويعني بذلك: عمر بن عبد العزيز كان يبدو- وكأن النار لم تخلق إلا له.
(1/436)
________________________________________
وبهذا الوضوح الكامل لمسئوليته، وبهذا الاستغراق العظيم فيها، يستكمل الولاء زواياه، بالإخلاص المطلق الذي يربطه بهذه المسئولية أوثق رباط، والإخلاص للمسئولية يشكل السياج المنيع الذي يحفظها داخل موضوعيتها، ويصونها من تقحم الأنانية والهوى عليها، وهذا هو جوهر الإخلاص لدى أمير المؤمنين -عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- فهو لا يستغرق فيها استغراق من يريد أن يبلغ بها مجدًا شخصيًّا أو مغنمًا ذاتيًّا، بل استغراق فان فيها، متبتل لها، ليس بين يديه ولا من خلفه ولا عن يمينه ولا عن شماله شيء يلهيه عنها، أو يغريه بها؛ إنه إخلاص يعكسه إخلاصه لله رب العالمين، ورجل كعمر حين يخلص لله فلا تستطيع ألف دنيا كدنيانا أن تدخل في هذه الصفقة ندًّا أو شريكًا.
لقد كان رضي الله عنه وأرضاه دائم الترديد لهذه الآية الكريمة: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (يوسف: من الآية: 106) واتخذ منها نذيرًا يلهب به نفسه؛ لتبلغ بإخلاصها لربه ولدينه ولمسئوليته أقصى ما يستطيع أولو العزم الراشدون، وكان يدرك بنور بصيرته -رحمه الله- أن أدنى مجاملة على حساب إخلاصه لمسئوليته إنما هو شرك خفي، من نوع ذلك الشرك الذي حذر منه الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أصحابه مخبرًا أن له دبيبًا كدبيب النمل.
لقد نجح عمر -رضي الله عنه- نجاحًا باهرًا في صون إخلاصه من دبيب النمل هذا، وأضحى الناس يقول بعضهم لبعض: هذا أول خليفة أموي لا نجد حاجة في قرع بابه، فإنما يكون لنا من حق يأتينا ونحن في دورنا، وما ليس لنا بحق فدون بلوغه قطع الرقاب.
أجل لم يكن لإخلاص ابن عبد العزيز مزاحمٌ ولا منافس لا من قرابة ولا من صداقة. إن تاريخ عمر بن عبد العزيز -رحمه الله -تبارك وتعالى- تاريخ مليء بالأحداث الجميلة والكريمة. ذلك أنه كان نموذجا يقتدى ويحتذى به في العدل والورع
(1/437)
________________________________________
والزهد والعلم والإنصاف -رحمه الله -تبارك وتعالى- وهو أحد خلفاء بني أمية التي قامت دولتهم بقيام الخليفة أيضًا الراشد العادل معاوية بن أبي سفيان -رضي الله تعالى عنه- وهو صاحب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ومعاوية من الصحب الكرام يجب علينا أن نثني عليه.
وإن كان عمر بن عبد العزيز عادلًا إلا أنه لا يصل مبلغ معاوية -رضي الله عنه- لأنه لا يصل أحد من هذه الأمة مبلغ صحابة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأنا أقول هذا حتى لا يفهم إنسان حينما نشيد بعمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- أننا لا نذكر هذا في خلفاء بني أمية الآخرين، وعلى رأسهم مؤسس هذه الدولة الخليفة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله تعالى عنه- وهو صحابي جليل من صحابة النبي الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- ولعلنا بعد هذا نكون قد أخذنا فقها من سيرة هذا الخليفة الزاهد الراشد -رحمه الله -تبارك وتعالى- فندعو علماءنا وحكامنا إلى التبحر في العلم، وإلى العدل والإنصاف، وإلى طلب الحق وأن يحكموا بين الناس بالقسط.
وعلى كل عبد أن يتذكر دائما الوقوف بين يدي الله -عز وجل- لتستقيم أعماله بذلك، وهذا كان عمل هذا الخليفة الراشد الزاهد -رحمه الله -تبارك وتعالى- حتى عد مجددًا للمائة الأولى في الإسلام، وأكتفي بهذا القدر.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

2 - ترجمة الإمام أحمد -رحمه الله تعالى

سيرة الإمام أحمد الذاتية
الحمد لله الكبير المتعال، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:
قال الإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله تبارك وتعالى- في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل: هو الإمام حقًّا، وشيخ الإسلام صدقًا، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس، وكان محمد والد أبي عبد الله من "أجناد مرو" مات شابًا له نحو من ثلاثين سنة، ورُبِي أحمد يتيمًا، وقيل: إن أمه تحولت من "مرو" وهي حامل به.
(1/438)
________________________________________
قال صالح بن أحمد: قال لي أبي: وُلِدت في ربيع الأول سنة أربعة وستين ومائة ومات أبوه شابًا فوليته أمه.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: طلبت الحديث سنة تسع وسبعين فسمعت بموت حماد بن زيد وأنا في مجلس هشيم.
قال صالح: قال أبي -يعني أحمد بن حنبل-: ثقبت أمي أذني، فكانت تصير فيهما لؤلؤتين، فلما ترعرعت نزعتهما، فكانت عندها، ثم دفعتها إلي فبعتهما بنحو من ثلاثين درهمًا.
قال أبو داود -رحمه الله تبارك تعالى-: سمعت يعقوب الدورقي سمعت أحمد يقول: وُلِدت في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وبهذا يتبين أن تاريخ ولادته -رحمه الله تبارك وتعالى- متفق عليه لا خلاف فيه، وقدم به أبوه من "مرو" وهو حمل فوضعته أمه ببغداد، وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين -رحمه الله تعالى.
وعن محمد بن عباس النحوي قال: رأيت أحمد بن حنبل حسن الوجه ربعة، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، ورأيت ثيابه غلاظًا بيضًا ورأيته معتمًّا وعليه إزار، وقال المروزي: رأيت أبا عبد الله إذا كان في البيت عامة جلوسه متربعًا خاشعًا، فإذا كان خارج بيته لم يتبين منه شدة خشوع، وكنت أدخل والجزء في يده يقرأ -رحمه الله تبارك وتعالى.
كان أيضًا للإمام أحمد شيوخ كثيرون، وقد ذكر منهم الإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- الكثير والكثير، كما ذكر غيره، وقد قال الإمام الذهبي في هذا عن الإمام أحمد -رحمه الله- قال: بأنه طلب العلم وهو ابن خمسة عشر سنة في العام الذي مات فيه مالك وحماد بن زيد، فسمع من إبراهيم بن سعد قليلًا، ومن هشيم بن بشير فأكثر وجوّد، ومن عباد بن عباد المهلبي، ومعتمر بن
(1/439)
________________________________________
سليمان التيمي، وسفيان بن عيينة الهلالي، وأيوب بن النجار، ويحيى بن أبي زائدة، وعلي بن هاشم البريد ... وعد أناسًا كثيرين -رحمه الله تبارك وتعالى- إلى أن قال: وخلائق إلى أن ينزل في الرواية عن قتيبة بن سعيد، وعلي بن المديني، وأبي بكر بن أبي شيبة، وهارون بن معروف، وجماعة من أقرانه، ثم قال: فعدة شيوخه الذين روى عنهم في (المسند) مائتان وثمانون ونيف، وحدّث عنه البخاري حديثًا، وعن أحمد بن الحسن حديثًا آخر في (المغازي) وحدث عنه مسلم وأبو داود بجملة وافرة، وروى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة عن رجل عنه، وحدث عنه أيضًا ولداه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق.
وشيوخه عبد الرزاق، والحسن بن موسى الأشيب، وأبو عبد الله الشافعي، لكن الشافعي -رحمه الله- لم يسمه، بل قال: حدثني الثقة، وحدث عنه علي بن المديني، ويحيى بن معين، ودحي، وأحمد بن صالح، وأحمد بن أبي حواري، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن الفرات، والحسن بن الصباح البزار، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني.
وقال الإمام الحافظ بن كثير -رحمه الله تبارك وتعالى- عن شيوخ الإمام أحمد بن حنبل، وأيضا عن تلاميذه وطلبه للعلم، قال: وقد كان في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك ذلك، وأقبل على سماع الحديث، فكان أول طلبه وأول سماعه من مشايخه في سنة سبع وثمانين ومائة، وقد بلغ من العلم ستة عشر سنة، وهذا يدل على أن الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى- بدأ في الطلب وهو صغير السن.
وأول حجة حجها في سنة سبع وثمانين ومائة، ثم سنة إحدى وتسعين فيها حج الوليد بن مسلم، ثم سنة ست وتسعين، وجاور في سنة سبع وتسعين، ثم حج
(1/440)
________________________________________
في سنة ثمانٍ وتسعين، والغرض من ذكر ذلك: أنه أيضًا كان -رحمه الله تبارك وتعالى- يطلب العلم، ويأخذ عن الشيوخ أثناء هذه الحجات، وجاور إلى سنة تسع وتسعين، وقد سافر أيضًا في هذه السنة إلى عبد الرزاق إلى اليمن، فكتب عنه هو ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه، قال الإمام أحمد حججت خمس حجج منها ثلاث راجلة، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا -رحمه الله.
وقال ابن أبي حاتم: عن أبيه عن حرملة سمعت الشافعي قال: وعدني أحمد بن حنبل أن يقدم علي مصر فلم يقدم، قال ابن أبي حاتم: يشبه أن تكون خفة ذات اليد منعته أن يفي بالعدة، وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلونه ويحترمونه في حال سماعه منهم.
قال البيهقي -رحمه الله- بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد، وقد ذكر أحمد بن حنبل في (المسند) وغيره عن الشافعي، وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور.
وحين توفي أحمد وجدوا في تركته (رسالتي الشافعي الجديدة والقديمة) وهذا يدل على أن الإمام أحمد أخذ عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ولذلك قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تبارك وتعالى- قلت: قد أفرد ما رواه أحمد عن الشافعي، وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثًا، ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد عن الشافعي عن مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه إلى جسده يوم البعث)).
وقد قال الشافعي لأحمد لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد سنة تسعين ومائة -وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثين سنة- قال له: يا أبا عبد الله إذا صح عندكم
(1/441)
________________________________________
الحديث فأعلمني به، أذهب إليه حجازيًّا كان أو شاميًّا أو عراقيًّا أو يمنيًّا، وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد وإجلال له، وأنه عنده بهذه المثابة إذا صحح أو ضعف يرجع إليه، وقد كان الإمام أحمد -رَحِمَهُ الله- بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء -كما سيأتي- ثناء الأئمة عليه واعترافهم له بعلو المكانة في العلم والحديث، وقد بعد صيته في زمانه، واشتهر اسمه في شبيبته في الآفاق -رحمه الله تبارك وتعالى.
جاءت كلمات كثيرة تبين ورع وزهد وتقلل الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى- من هذه الدنيا، ومن ذلك ما قاله ابنه صالح -رحمه الله- قال: دخلت على أبي يومًا أيام الواثق -والله يعلم على أي حال نحن- وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبد يجلس عليه، قد أتى عليه سنون كثيرة حتى بلي، يعني: فراش وإذا تحته كتاب كاغد فيه -يعني: كتاب في قرطاس- فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق، وما عليك من الدين، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يد فلان، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته عن أبي.
قال فقرأت الكتاب، -يعني: صالح- قرأ هذا الكتاب الذي كان مكتوبًا في الكاغد قال: ووضعته، فلما دخل قلت: يا أبت ما هذا الكتاب؟ فاحمرّ وجهه، وقال: رفعته منك، ثم قال: تذهب لجوابه؟ فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إلي، ونحن في عافية، فأما الدين فإنه لرجل يرهقنا، وأما عيالنا ففي نعمة الله، قال: فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان قد أوصل كتاب الرجل، ولما كان بعد حين، ورد كتاب الرجل مثل ذلك، فرد عليه بمثل ما رد، فلما مضت سنة أو نحوها ذكرناها فقال أبي: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت، وهذا يدل على تعففه رغم أنه بحاجة -رحمه الله تبارك وتعالى.-
(1/442)
________________________________________
وقال أيضًا الحافظ الذهبي -نقلًا عن صالح بن الإمام أحمد يقول: وشهدت ابن الجروي، وقد جاء بعد المغرب، فقال لأبي: أنا رجل مشهور، وقد أتيتك في هذا الوقت، وعندي شيء قد أعددته لك، وهو ميراث، فأحب أن تقبله، فلم يزل به، فلما أكثر عليه قام فدخل، قال صالح: فأخبرت عن ابن الجروي أنه قال: قلت له: يا أبا عبد الله هي ثلاثة آلاف دينار، قال: فقام وتركني، قال صالح: ووجه رجل من الصين بكاغد صيني إلى جماعة من المحدثين، ووجه بقمطر إلى أبي -والقمطر: شيء تصان الكتب- والكاغد: هو القرطاس الذي يكتب فيه، وولد لي مولود فأهدى صديق لي شيئًا -وهذا القمطر أولًا الذي أهدي للإمام أحمد -رحمه الله- رده كما ذكر ابنه صالح- وقال صالح: ثم ولد لي مولود فأهدى صديق لي شيئًا، ثم أتى على ذلك أشهر، وأراد الخروج إلى البصرة -يعني: هذا الصديق، فقال لي: تُكلم أبا عبد الله يكتب لي إلى بعض المشايخ بالبصرة فكلمته، فقال لولا أنه أهدى إليك كنت أكتب إليه أو أكتب له، وهذا يدل على ورع الإمام -رحمه الله تبارك وتعالى.
وقال أحمد بن سنان بلغني: أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز باليمن، وأكرى نفسه من جمالين عند خروجه، وعرض عليه عبد الرزاق اليماني الصنعاني دراهم صالحة فلم يقبلها، وبعث ابن طاهر حين مات أحمد بأكفان وحنوط، فأبى صالح أن يقبلها، وقال: إن أبي قد أعد كفنه وحنوطه ورده، فراجعه، وقال: إن أمير المؤمنين أعفى أبا عبد الله مما يكره، وهذا مما يكره، فلست أقبله، وهذا يدل على غاية في الورع والزهد والعفة، وأن ولده -رحمه الله تبارك وتعالى- كان يعلم عن أبيه: أنه لا يقبل ذلك من خلال سيرته مع أبنائه، ولذلك رد ما تقدم به ابن طاهر رحم الله تبارك وتعالى الجميع.
(1/443)
________________________________________
ثناء العلماء عليه:
ذكر الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تبارك وتعالى- كثيرًا من أئمة أهل العلم الذين أثنوا على الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى، ومما ذكر في ذلك أنه قال: قال البخاري -رحمه الله تبارك وتعالى-: لما ضُرِب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة، فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني إسرائيل كان أحدوثة، وقال إسماعيل بن الخليل: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان نبيًّا، وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من العراق فما تركت رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل، وقال شيخه أحمد يحيى بن سعيد القطان -وهو شيخ الإمام أحمد-: ما قدم على بغداد أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل.
وقال قتيبة: مات سفيان الثوري، ومات الورع، ومات الشافعي، ومات السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع, وقال: إن أحمد بن حنبل قام في الأمة مقام النبوة، الله أكبر .... ما أعظم هذه الكلمات! وهذا الثناء في شأن هذا الإمام العالم الجليل الورع -رحمه الله تبارك وتعالى!!
وكل ذلك كان بسبب تمسكه بالسنة، وعنايته بعقيدة السلف الصالح -رحمه الله تبارك وتعالى، ولذلك قال الإمام البيهقي -رحمه الله عز وجل- معقبا على القول: بأن الإمام أحمد قام في الأمة مقام النبوة، قال: يعني في صبره على ما أصابه من الأذى في ذات الله، وقال أبو عمر بن النحاس، وذكر أحمد يومًا فقال: رحمه الله في الدين ما كان أبصره!! وعن الدنيا ما كان أصبره!! وفي الزهد ما كان أخبره!! وبالصالحين ما كان ألحقه!! وبالماضين ما كان أشبهه!! عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها.
وقال بشر الحافي: بعدما ضُرب أحمد بن حنبل: أُدخل أحمد الكير فخرج ذهبا أحمر، وقال الميموني، قال لي علي بن المديني بعدما امتحن أحمد، وقيل قبل
(1/444)
________________________________________
أن يمتحن: يا ميموني، ما قام أحد في الإسلام مقام أحمد بن حنبل، فعجبت من هذا عجبًا شديدًا، وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، فحكيت له مقالة علي بن المديني، فقال: صدق. إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارًا وأعوانًا، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان، ثم أخذ أبو عبيدة يطري أحمد، ويقول أبو عبيدة القاسم بن سلام يقول: لست أعلم في الإسلام مثله، وقال أبو إسحاق بن راهويه: أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبالِ إذا لقيت ربي كيف كان. وقال أيضًا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله -عز وجل. ثم قال: ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله.
وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط: كان محدثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا، وقال يحيى بن معين أيضًا: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقته.
هذا بعض كلمات مما قيل في هذا العالم الجليل، وقد أحببت أن أذكر أكثر من هذا، ولكني أكتفي بما ذكرت وقلت، وأردت بهذا أن أنوّه بشأن هذا الإمام العالم الجليل الذي امتحن في الله -تبارك وتعالى- كما سيأتي بيان ذلك، وأن أبين لعموم المستمعين ولطلبة العلم حتى يبلغوا ما وراءهم، بأن الإمام أحمد بن حنبل كان إمامًا في أهل السنة والجماعة يقتدى به، وأنه سلك طريقة سلف هذه الأمة الصالحين، وأن أعيان أئمة أهل العلم أثنوا عليه -رحمه الله- وعليه أقول: لا يلتفت إلى من غمز أو لمز على هذا الإمام الرباني، العالم الجليل -رحمه الله تبارك وتعالى.
وصيته ووفاته: عن أبي بكر المروزي قال: نبهني أبو عبد الله ذات ليلة وكان قد واصل، ولا شك أنه كان يواصل، إما لمرضه أو لعدم طعام يأكله -رحمه الله- فقد كان زاهدًا متعففًا، قال: فإذا هو قاعد، فقال -يعني الإمام أحمد- هو الذي قال:
(1/445)
________________________________________
هو ذا يدار به من الجوع فأطعمني شيئًا، قال أبو بكر المروزي: فجئته بأقل من رغيف فأكله، وكان يقوم إلى الحاجة فيستريح، ويقعد من ضعفه؛ حتى إن كنت لأبل الخرقة، فيلقيها على وجهه لترجع إليه نفسه، بحيث إنه أوصى فسمعته يقول عند وصيته -ونحن بالعسكر، وأشهد على وصيته-: هذا ما أوصى به أحمد بن محمد، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.
هكذا ذكر أبو بكر -رحمه الله- عن وصية الإمام أحمد، ولا شك أنه ذكر أعظم ما فيها، وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: استكملت سبعًا وسبعين سنة، ودخلت في ثمانٍ، فحمَّ من ليلته، ومات اليوم العاشر.
وقال صالح بن أحمد أيضًا: لما كان أول ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين حُمَّ أبي ليلة الأربعاء، وبات وهو محموم يتنفس تنفسًا شديدًا، وكنت قد عرفت علته، وكنت أمرضه إذا اعتل، فقلت له: يا أبت علام أفطرت البارحة؟ على ماء الباقلاء، ثم أراد القيام، فقال: خذ بيدي، فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعف، وتوكأ إليه، وكان يختلف إليه غير متطبب كلهم مسلمون، فوصف له مطبب قرعة تشوى، ويسقى ماءها، وجاء جار لنا قد خضب، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به.
وهنا أقف وقفة عند قول هذا الإمام -رحمه الله- لأبين وأذكر وأوضح أن الإمام أحمد كان معظمًا للسنن والآثار -رحمه الله تبارك وتعالى- وهذا شيء جميل من هذا الإمام، هو في مرض موته -رحمه الله- لما رأى جارًا له قد خضب شعره قد فرح بذلك، وقال: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به.
قال ابنه صالح -رحم الله الجميع-: واجتمعت عليه أوجاع ولم يزل عقله ثابتًا، وهذه نعمة من نعم الله على مثل هؤلاء الأئمة -رحمهم الله تبارك وتعالى- أن الله يحفظ
(1/446)
________________________________________
عليهم عقولهم لما كانوا عليه في الدنيا من تتبع للأثر والحديث واتباع لكتاب الله، وهدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما كان من يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول لساعتين من النهار توفي -رحمه الله تبارك وتعالى، وهذا يدل على أنه -رحمه الله- مات في ربيع الأول، وكان هذا في يوم جمعة.
وقال المروزي: مرض أحمد تسعة أيام، وكان ربما أُذِن للناس فيدخلون عليه أفواجا يسلمون ويرد بيده، وتسامع الناس، وجاءه حاجب بن طاهر فقال: إن الأمير يقرؤك السلام، وهو يشتهي أن يراك، وقال: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره.
قال أي المروزي: وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر -يعني إلى الناس- يعلمونهم بمرضه، وشأنه وحاله -رحمه الله- والبرد تختلف كل يوم، وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه، وجعلوا يبكون عليه، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم، ودخل عليه شيخ، فقال: اذكر وقوفك بين يدي الله، فشهق أبو عبد الله، وسالت دموعه، فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادع لي الصبيان بلسان ثقيل، قال: فجعلوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويمسح رؤوسهم وعينه تدمع، وأدخلت تحته الطست هكذا، يقول ابنه -رحمه الله- فرأيت بوله دمًا عبيطًا، يعني: طريًّا، فقلت للطبيب: هذا الأمر ما هذا؟ فقال: هذا رجل قد فتت الحزن والغم جوفه.
واشتدت علته يوم الخميس، ووضأته فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثَقُل، وقبض صدر النهار، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع.
(1/447)
________________________________________
وروى عبد الله بن إسحاق الخراساني: أخبرنا بنان بن أحمد القصباني: أنه حضر جنازة أحمد، فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطعية، وحذر من حضرها من الرجال بثمانمائة ألف، ومن النساء بستين ألف امرأة، ونظروا في من صلى العصر يومئذٍ في مسجد الرصافة فكانوا نيفا وعشرين ألفًا.
قال موسى بن هارون الحافظ يقال: إن أحمد لما مات مسحت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها، فحذر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف أو أكثر، سوى ما كان في الأطراف والحواري والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف.
وهذا يدل على مكانة الإمام -رحمه الله تبارك وتعالى- عند المسلمين عمومًا، وعند أهل السنة والأئمة خصوصًا، ويذكرني هذا بقول القائل: بيننا وبينهم الجنائز، وذلك في المبتدعة، فأهل السنة يحضر جنازتهم الكثير والكثير -رحم الله تبارك وتعالى- هذا الإمام العالم الرباني.

عقيدة الإمام أحمد ومحنته
أنتقل بعد ذلك إلى عقيدته ومحنته.
معلوم: أن الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى- كان يكره الكلام، ويحذر منه، ويحذر من المبتدعة، ومن الجلوس إليهم بحال من الأحوال أن حنبل روى عنه، فقال: سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يفلح؛ لأنه يؤول أمرهم إلى حيرة، عليكم بالسنة والحديث، وإياكم والخوض في الجدال والمراء، أدركنا الناس وما يعرفون هذا الكلام، عاقبة الكلام لا تؤول إلى خير.
وللإمام أحمد كلام كثير في التحذير من البدع وأهلها، وأقوال في السنة، ومن نظر في كتاب (السنة) لأبي بكر الخلال رأى فيه علمًا غزيرًا ونقلًا كثيرًا.
(1/448)
________________________________________
ثم قال الإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله تبارك وتعالى-: وإلى الإمام أحمد المنتهى في معرفة السنة علمًا وعملًا، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه، وكان رأسًا في الزهد والورع والعبادة والصدق -رحمه الله تبارك وتعالى-.
كان الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تبارك وتعالى- يقف عند النصوص، ولا يتجاوز ما جاء في القرآن والحديث، فكان متبعًا لسلف هذه الأمة الصالحين، وسأذكر هنا نصًّا من قوله -رحمه الله تبارك وتعالى- يبين ذلك بوضوح، قال: هذا مذاهب أهل العلم والأثر، فمن خالف شيئا من ذلك أو عاب قائله فهو مبتدع، وكان قولهم -هنا يذكر الإمام أحمد بن حنبل قول أهل السنة والجماعة في بعض أمهات مسائل الاعتقاد -رحمه الله تبارك وتعالى- مما يبين: أنه كان يسلم بما جاء عن السلف الصالح، ولما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
يقول: وكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة والإيمان يزيد وينقص، ومن زعم أن الإيمان قول والأعمال شرائع فهو جهمي، ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ، والزنا والسرقة وقتل النفس والشرك كلها بقضاء وقدر من غير أن يكون لأحد على الله حجة، وهو بهذا يرد على القدرية -رحمه الله- إلى أن قال: والجنة والنار خلقتا ثم خُلِق الخلق لهما، لا تفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبدًا، إلى أن قال: والله تعالى على العرش، والكرسي موضع قدميه، وقال حنبل بن إسحاق: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ((إن الله ينزل إلى سماء الدنيا ... )) إلى آخر الحديث، فقال: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا نرد شيئًا منها، إذا كان أسانيد صحاحًا، ولا نرد على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قولًا، ونعلم أن ما جاء به حق -رحمه الله تبارك وتعالى.
(1/449)
________________________________________
وهذه كلمات جليلة من هذا العالم الجليل تبين موقفه -رحمه الله تبارك وتعالى- من الاعتقاد الصحيح الذي كان عليه، وهذا الاعتقاد -كما سأذكر فيما بعد- كان متغيرًا عند كثير من الفرق، وقد نال الإمام أحمد أذًى بسبب تمسكه بعقيدة السلف الصالح -كما سيأتي بيان ذلك -إن شاء الله تعالى- بعد قليل وذلك في النقطة التالية.
جـ- المحنة التي جرت له رضي الله تعالى عنه قبل أن أذكر هذه المحنة:
أود أن أذكر بين يدي هذه المحنة كلمات قليلات للإمام الذهبي -رحمه الله- قال فيها: كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائمًا في خلافة أبي بكر وعمر، فلما استشهد قفل باب الفتنة عمر -رضي الله عنه- وانكسر الباب، قام رءوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذُبِح صبرًا، وتفرقت الكلمة، وتمت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين، فظهرت الخوارج، وكفرت سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب، وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية المجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المائتين، فظهر المأمون الخليفة وكان ذكيًّا متكلمًا، له نظر في المعقول، فاست*** كتب الأوائل، وعرب حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخبأ ووضع، ورفعت الجهمية والمعتزلة رءوسها، بل والشيعة، فإنهم كانوا كذلك، وآل به الحال -أعني بالمأمون- إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن العلماء فلم يُمْهَل، وهلك لعامه وخلى بعده شرًّا وبلاءً في الدين، فإن الأمة ما زالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله لا يعرفون غير ذلك، حتى نبغ لهم القول بأن كلام الله مخلوق مجعول، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله، فأنكر ذلك العلماء، ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي الرشيد والأمين، فلما ولي المأمون كان منهم، وأظهر المقالة، ولهذا كان المأمون هو أول من امتحن الناس في مسألة القرآن الكريم.
(1/450)
________________________________________
وقد قال أبو الفرج الجوزي -رحمه الله تبارك وتعالى عنه-: خالطه قوم من المعتزلة؛ فحسنوا له القول بخلق القرآن، فكان يتردد ويراقب بقايا الشيوخ، ثم قوي عزمه، وامتحن الناس -يعني بفتنة القول بخلق القرآن.
أما عن المحنة التي حصلت للإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى- مع المأمون والمعتصم والواثق، فقد تحدث عنها كثير من العلماء، ومنهم الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تبارك وتعالى- وقد ذكر ذلك في (البداية والنهاية).
ومما جاء في ذلك قوله: ذكر ما جاء في محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل في أيام المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق؛ بسبب القرآن العظيم وما أصابه من الحبس الطويل والضرب الشديد، والتهديد بالقتل بسوء العذاب، وأليم العقاب، وقلة مبالاته بما كان منهم في ذلك، وصبره عليه وتمسكه بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم، وكان أحمد عالمًا بما ورد بمثل حاله من الآيات المتلوة والأخبار المأثورة، قال تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت: 1: 3) وقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (لقمان: 17).
وقد ذكر الإمام ابن كثير هذا كمقدمة عن الابتلاء الذي حصل لإمام أهل السنة، وأنه كان يفهم الآيات الواردة في الابتلاء، وكان عاملًا بها -رحمه الله تبارك وتعالى.
ثم قال الإمام الحافظ ابن كثير وقد روى الإمام أحمد الْمُمْتَحَنَ في (مسنده) قائلًا فيه: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عاصم بن بهدلة: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: ((سألت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الله الرجل على حسب دينه،
(1/451)
________________________________________
فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك، وإن كان صلب الدين ابتلي على حسب ذلك، وما يزال البلاء بالرجل حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)).
ثم ذكر بعد هذا الإمام الحافظ بعضًا من الأحاديث الواردة في ذلك، ثم لخص فتنة ومحنة الإمام أحمد في كلمات، قال فيها: إن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة، فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، ونفي الصفات عن الله -عز وجل.
قال البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم، فلما ولي هو الخلافة اجتمع به هؤلاء، فحملوه على ذلك، وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم، فكتب إلى نائبه إلى بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين، فلما وصل الكتاب -كما ذكرنا- استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق، فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فحملَا على بعير وسيِّرَا إلى الخليفة بعد أن أمر بذلك، وهما مقيدان في محمل على بعير واحد، فلما كان بلاد الرحبة جاءهما رجل من الأعراب من عبادهم، يقال له: جابر بن عامر، فسلم على الإمام أحمد، وقال: يا هذا!! إنك وافد الناس فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا -يعني فيجيبوا على كلامك- فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدًا.
(1/452)
________________________________________
قال أحمد -رحمه الله- وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه، فلما اقترب من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة، جاء خادم، وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه، ويقول: يعز عليّ يا أبا عبد الله، إن المأمون قد سل سيفًا لم يسله قبل ذلك، وإنه يقسم بقرابته من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف، قال: فجثا الإمام أحمد على ركبتيه، ورمق بطرفه إلى السماء، وقال: سيدي غرّ حلمُك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل.
وبعد قليل جاء منادٍ ينادي بموت المأمون، وكان ذلك في الثلث الأخير من الليل، قال أحمد -رحمه الله-: ففرحنا، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد وُلِّي الخلافة، وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد، وأن الأمر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذى كثير وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق، وصلى عليه أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى- فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان، فأودع في السجن نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل: نيفًا وثلاثين شهرًا ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم، وقد كان أحمد -وهو في السجن- هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه، وقد أُحضِر الإمام أحمد عند المعتصم -رحمه الله تبارك وتعالى- وأُحضِر أحمد، وكانت عليه قيود، وقد زيد فيها، وقد ذكر هو ذلك -رحمه الله تعالى- فقال: جاءوني بدابة فحملت عليها، فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود، وليس معي أحد يمسكني، فسلّم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت، وأغلق علي، وليس عندي سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا أنا في أناء فيه ماء وجدته، فتوضأت منه، ثم قمت ولا أعرف القبلة فلما أصبحت، فإذا أنا على القبلة ولله الحمد، ثم دعيت فأدخلت
(1/453)
________________________________________
على المعتصم فلما نظر إلي -وعنده ابن أبي دؤاد- قال: أليس قد زعمتم أنه حدث السن؟ وهذا شيخ كبير، فلما دنوت منه وسلمت قال لي: ادن!! فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال: اجلس فجلست، وقد أثقلني الحديد، فمكثت ساعة، ثم قلت: يا أمير المؤمنين إلامَ دعا إليه ابن عمك رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-؟ يعني: إلى أي شيء دعا إليه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، قال: ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس، ثم قلت: يعني الإمام أحمد، فهذا الذي دعا إليه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه، وذلك أني لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم: لولا أنك كنت في يد من كان قبلي لم أتعرض لك، ثم قال: يا عبد الرحمن ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أحمد: فقلت: الله أكبر هذا فرج للمسلمين، ثم قال: ناظره يا عبد الرحمن. فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن فلم أجبه، فقال المعتصم: أجبه، فقلت: ما تقول في العلم؟ فسكت، فقلت: القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر، فسكت، فقالوا فيما بينهم: يا أمير المؤمنين كفرنا وكفرك، ولم يكن هذا من مذهب الإمام أحمد، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن، فقلت -يعني: قال الإمام أحمد-: كان الله ولا علم، فسكت، فجعلوا يتكلمون من هاهنا، فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- أعطوني شيئًا من ذلك أقول به، فقال ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا، فقلت: وهل يقوم الإسلام إلا بهما؟ وجرت مناظرات طويلة، واحتجوا على الإمام أحمد بقول الله تبارك وتعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} (الأنبياء: 2) وبقوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء} (الرعد: 16) وأجاب بما حاصله أنه عام مخصوص بقول الله تعالى:
(1/454)
________________________________________
{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (الأحقاف: 24) فقال ابن أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضالّ مضل مبتدع، وهنا قضاتك والفقهاء، فسلهم فقال لهم: ما تقولون؟ فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني، وناظروه أيضًا في اليوم الثالث، وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم، وتغلب حجته عليهم، قال: فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد، وكان من أجهلهم بالعلم والكلام، ولكن الإمام أحمد بن حنبل تصدى لهم في كل ما كانوا يتكلمون به، ولم يجدوا سبيلًا أو طريقًا إلى إقامة الحجة على الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى- وبعد مجادلات طويلة تفوق فيها الإمام -رحمه الله تبارك وتعالى- ولم يجد هؤلاء الناس معهم حجة ضربوه -رضي الله تعالى عنه.
وقد قال الإمام أحمد في ذلك كلمات نقلها عنه الحافظ ابن كثير قال: لما لم يكن لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا كافر ضال مضل، وقال إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين، ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله، ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمي واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكة، وهو يظن أنهم على شيء، فعند ذلك قال لي: لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه، واخلعوه، واسحبوه.
قال أحمد: فأُخِذْت، وسحبت، وخلعت، وجيء بالعقابين، -يعني: خشبتين- تربط فيهما الأرجل والسياط، وأنا أنظر، وبدءوا يضربون في الإمام -رحمه الله- أسواطًا، حتى كان يغمى عليه، وكلما غمي أو غمي عليه -رحمه الله- تركوه، فإذا فاق ضربوه -رحمه الله تبارك وتعالى- وهناك كلام كثير يضيق الوقت والمقام عن الإشارة إليه ويكفي أن نعلم أن الإمام -رحمه الله تبارك وتعالى- قد أوذي في ذلك وضرب ضربًا شديدًا -رحمه الله تبارك وتعالى.
(1/455)
________________________________________
وأود هنا أن أنتقل إلى نقطة أخرى أبين فيها موقف الإمام أحمد -رحمه الله بعد المحنة.
الله -عز وجل- أولًا: ثبت الإمام أحمد ولم يقل بقولهم، حتى نصره الله تبارك وتعالى عليهم، وهذا الانتصار أيضًا جعل الإمام أحمد، يثبت بعد هذه المحنة ثبوتًا كالجبال -رحمه الله تبارك وتعالى.
ولذلك أود في دقائق معدودة أقول فيها: لما ولي المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محبّا للسنة وأهلها ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق: لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن، ولما تولى نيابة بغداد عبد الله بن إسحاق كتب المتوكل إليه: أن يحمل إليه الإمام أحمد، فقال لأحمد في ذلك فقال: إني شيخ كبير وضعيف فرد الجواب على الخليفة بذلك، فأرسل يعزم عليه ليأتينه الإمام وكتب إلى أحمد: إني أحب أن آنس بقربك وبالنظر إليك، ويحصل لي بركة دعائك، وهذا يدل على أن الله -عز وجل- يؤيد أئمة أهل الدين مهما وقع عليهم من ظلم سابق، ولهذا سار إليه الإمام أحمد، وهو عليل في بنيه وبعض أهله، فلما قارب العسكر تلقاه وصيف الخادم في موكب عظيم، فسلم وصيف على الإمام أحمد فرد السلام، وقال له: قد أمكنك الله من عدوك ابن أبي دؤاد، فلم يرد عليه جوابًا، وهذا في الحقيقة حسن أدب ووقار من الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى- يعني: لم يشمت في عدوه الذي فعل به ما فعل.
والشاهد: أن الإمام أحمد كرم بين يدي المتوكل تكريمًا شديدًا، وأراد منه الخليفة أن يقيم هناك عنده ليحدث الناس عوضًا عما فاتهم منه في أيام المحنة وما بعدها من السنين المتطاولة، فاعتذر إليه بأنه عليل وأسنانه تتحرك، وهو ضعيف، وكان الخليفة يبعث إليه في كل يوم مائدة فيها ألوان الأطعمة والفاكهة والثلج مما يقوم مائة وعشرين درهمًا في كل يوم، والخليفة يحسب أن أحمد يأكل، ولم يكن
(1/456)
________________________________________
أحمد -رحمه الله- يأكل شيئًا من ذلك بالكلية، ثم أقسم عليه ولده حتى شرب قليلًا من السويق بعد ثمانية أيام، وجاء عبيد الله بن يحيى بن خاقان بمال جزيل من الخليفة جائزة له، فامتنع من قبوله، فألح عليه الأمير فلم يقبل، فأخذها الأمير ففرقها على بنيه وأهله، وقال: إنه لا يمكن ردها، لا يمكن ردها على الخليفة، وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كل شهر بأربعة آلاف درهم، فمانع أبو عبد الله الخليفة، فقال الخليفة: لا بد من ذلك، وما هذا إلا لولدك، فأمسك أبو عبد الله عن ممانعته، ثم أخذ يلوم أهله وعمه -رحمه الله تبارك وتعالى.
وهكذا ينتصر الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- بعد أن ثبت في المحنة، وبعد أن ضرب وحبس وأوذي إيذاءً شديدًا -رحمه الله- إلا أن الله -عز وجل- أعز به الدين، ونصر به السنة، ورفع به راية القرآن الكريم، وبالتالي أصبح الإمام أحمد إمام عند أهل السنة والجماعة، ونحن ندعو طلبة العلم إلى أن يستفيدوا من مواقف هذا الإمام الجليل، وأن يصبروا على الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- وهم في ذلك متمسكين بهدي القرآن الكريم والسنة النبوية وفق فهم سلف أهل الأئمة الصالحين.
وأكتفي بهذا وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/457)
________________________________________
الدرس: 14 ترجمتا شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب.
(1/459)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع عشر
(ترجمتا شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب)
1 - ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية

سيرته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
سبق أن ترجمت للإمامين الإمام الزاهد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تبارك وتعالى- والإمام العالم الرباني أحمد بن حنبل رحمه -رحمه الله تبارك وتعالى- وفي هذا اللقاء أترجم وأحاول أن أنتهي من ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تبارك وتعالى وهذه المحاضرة تشتمل على العناصر التالية العنصر الأول: في سيرته الذاتية وتشتمل على النقاط التالية:
أ- اسمه ونسبه ونشأته:
فأقول عن اسمه بأنه هو: شيخ الإسلام وحافظ الأنام المجتهد في الأحكام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي -رحمه الله تبارك وتعالى- وفي "تاريخ إربل" وهي بلدة في شمال العراق تقع إلى الشرق من الموصل أنه جده سئل عن اسم تيمية فأجاب أن جده حج وكانت امرأته حاملًا، فلما كان بتيماء -وهي بلدة قريبة من تبوك في شمال المملكة العربية السعودية- رأى جارية حسنة الوجه وقد خرجت من خباء، فلما رجع وجد امرأته قد وضعت جارية فلما رفعوها إليه، قال: يا تيمية يا تيمية يعني: أنها تشبه التي رآها في تيماء، فسمي بها.
وقال ابن النجار: ذكر لنا أن محمدًا هذا يعني: الجد الأعلى لابن تيمية كانت أمه تسمى تيمية وكانت واعظة فنسب إليها وعرف بها.
وقد ولد شيخ الإسلام -رحمه الله تبارك وتعالى- بحران وهي بلدة قرب "الرها" من أرض الجزيرة بين دجلة والفرات، يوم الاثنين عاشر ربيع الأول: سنة إحدى وستين وستمائة وقدم به والده بأخويه عند استيلاء التتار على البلاد إلى "دمشق" سنة سبع وستين وستمائة.
(1/461)
________________________________________
ب- شيوخه وتلاميذه:
ذكر الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تبارك وتعالى- بعضًا من شيوخ هذا الإمام الحبر العالم الرباني -رحمه الله- فقال: سمع الحديث من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عجلان والشيخ شمس الدين الحنبلي، والشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدين بن الصيرفي، ومجد الدين بن عساكر، والشيخ جمال الدين البغدادي، والنجيب بن المقداد، وابن أبي الخير، وابن علَّان إلى أن قال الإمام ابن كثير -رحمه الله تبارك وتعالى- وخلق كثير سمع منهم الحديث.
وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث ولازم السماع بنفسه مدة سنين، وهذا يدل على أن شيخ الإسلام -رحمه الله- طلب الحديث مبكرًا وقرأ الكثير من الكتب ولازم الشيوخ والسماع لمدة سنين حتى أصبح إمامًا في العلم والديانة -رحمه الله- تبارك وتعالى.
ومن الواجب -أن أذكره هنا- أن أتحدث عن تلامذة شيخ الإسلام الأعلام؛ لأن عنوان هذه النقطة: شيوخه وتلاميذه، وقد أشرت إلى بعض شيوخه -رحمه الله- أما عن تلامذته فقد ذكر صاحب جلاء العينين تراجم طائفة من تلامذة شيخ الإسلام الأعلام الذين كانوا من بعده من أشهر من رجال الإسلام لما خلفوا من الآثار التي طار ذكرها في الأمصار، وانتفع بها أبناء الأعصار؛ لأن شيخ الإسلام -رحمه الله- كتب له الله القبول ورزقه العلم النافع الذي ورثه بعده، وقد تلقى هذا العلم كثير من التلاميذ وكثرة التلاميذ وشهرتهم تدل على أن الأستاذ والمربي والمعلم إمام جليل قدير في الفهم والوعي والعلم.
ومن أشهر تلاميذ شيخ الإسلام الذين ورثوا علومه هو العالم الرباني شيخ الإسلام الثاني: شمس الدين محمد بن قيم الجوزية صاحب الآثار الكثيرة المحررة الذي حبس مع الشيخ في قلعة دمشق ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ. وقد
(1/462)
________________________________________
قال برهان الدين القاضي: ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه -يعني: من ابن القيم- وابن القيم -رحمه الله- لا شك أنه حقًّا قد ورث علم شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد وضح فكر شيخ الإسلام، ويعتبر شرح كتبه في الكتب التي ألفها وتركها -رحمه الله- بأسلوب للغاية.
ومن هؤلاء التلاميذ أيضًا: الإمام الحافظ مؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد الذهبي صاحب "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" وصاحب أيضًا كتاب "سير أعلام النبلاء" وهو إمام عالم جليل القدر أيضًا والمكانة -رحمه الله تبارك وتعالى- قال عنه العلامة الشيخ تاج الدين السبكي في طبقاته الكبرى: كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها أخبار من حضرها، يقول هذا في تلميذ الإمام ابن تيمية -رحمه الله- وهذا التلميذ هو الإمام الحافظ المؤرخ الإمام الذهبي -رحمه الله- صاحب الكتب الكثيرة المفيدة في العلم.
ومن التلاميذ أيضًا الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي ثم الدمشقي -رحمه الله- قال عنه ابن حبيب: انتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير ومن تصانيفه التاريخ المسمى بـ"البداية والنهاية" وأيضًا له كتاب طبقات الشافعية وله أيضًا التفسير العظيم المشهور بـ"تفسير ابن كثير" وغير ذلك من التفاسير وقد كتب الله -عز وجل- القبول لهذا التفسير كما كتب أيضًا القبول لغيره من الكتب.
ومن التلاميذ أيضًا الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي، عده الذهبي في طبقات الحفاظ وقد عد له ابن رجب في طبقاته ما يزيد على سبعين مصنفًا، وقد توفي -رحمه الله- وعمره أربعون سنة أو أقل.
(1/463)
________________________________________
ومن خلال هذه الأربعين -رحمه الله- كتب هذه الكتب وصنف هذه المصنفات، ولا شك أن الإمام ابن تيمية الذي أترجم له له أثر عظيم في مثل هذا الإمام العالم الذي مات وعمره أربعون سنة أو أقل وقد ترك هذه المصنفات الغالية النفيسة.
ومن تلاميذ شيخ الإسلام أيضًا قاضي القضاة شرف الدين أبو العباس أحمد بن الحسين المشهور بقاضي الجبل، قرأ على الشيخ تقي الدين ابن تيمية عدة تصنيفات في علوم شتى، وأذن له في الإفتاء في شبيبته، قال ذلك الذهبي فيه، وقال عنه أيضًا الذهبي: هو مفتي الفرق سيف المناظرين، وبالغ ابن رافع وابن حبيب في مدحه وله اختيارات في المذهب.
ومن التلاميذ أيضًا زين الدين عمر الشهير بابن الوردي، له تصانيف في النحو والأدب والتصوف والتاريخ وقد أطنب في ترجمة شيخ الإسلام في تاريخه ومن نظمه:
سبحان من سخر لي حاسدي ... يحدث لي في غيبتي ذكرا
لا أكره الغيبة من حاسد ... يفيدني الشهرة والأجر
ومن التلاميذ أيضًا زين الدين أبو حفص عمر الحراني، ولي نيابة الحكم وقال: لم أقض قضية إلا وأعددت لها الجواب بين يدي الله تعالى، وهذا يدل على ورعه -رحمه الله تبارك وتعالى.
ومن التلاميذ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح، قال أبو البقاء السبكي: ما رأت عيناي أفقه منه -يعني: من ابن مفلح رحمه الله تعالى- وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال ابن القيم: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح. وقال ابن كثير: وله مصنفات كثيرة منها على "المقنع" نحو: ثلاثين مجلدًا و"المنتقى" وكتاب "الفروع" ويقع في أربع مجلدات وله كتاب في أصول
(1/464)
________________________________________
الفقه وله أيضًا "الآداب الشرعية" الكبرى والوسطى والصغرى وهو كتاب أيضًا نافع ومفيد للغاية.
هؤلاء بعض تلاميذ شيخ الإسلام -رحمه الله تبارك وتعالى- وإلا فالذين انتفعوا بعلمه وكتبه، وما خلفه بعد ذلك من علم -رحمه الله- كثير وكثير وكثير، ولكنها إشارة، وقد ذكرت بعضا من الأعلام الكبار الذين هم تلامذة لشيخ الإسلام والتلاميذ أئمة، فما بالنا بالأستاذ الذي خرج وتعلم على يديه هؤلاء الأئمة. ولا شك أن نبوغ التلميذ يدل ويشير ويرشد إلى نبوغ وفقه وعلو منزلة ومكانة أستاذه رحم الله -تبارك وتعالى- هؤلاء الأئمة الأعلام وجعلنا من الذين يسلكون مسلكهم وينهجون نهجهم في أصول الدين وفروعه.
جـ- زهده وورعه:
ذكر بعض أهل العلم زهدًا رقيقًا وورعًا عظيمًا لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- من ذلك ما قاله ابن فضل الله العمري، قال: كان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى فينفقه جميعه آلافًا ومئين، لا يلمس منه درهمًا بيده، ولا ينفقه في حاجته، بل كان إذا لم يقدر -يعني: لم يقدر إلى صرف هذا المال- يعمد إلى شيء من لباسه فيدفعه إلى السائل. يعني: إذا لم يكن عنده شيء ينفقه في سبيل الله -تبارك وتعالى- فيدفع إلى السائل ما يلبسه هو. قال: وهذا مشهور عند الناس من حاله.
وحكى من يوثق به، قال: كنت يومًا جالسًا بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية، فجاءه إنسان فسلم عليه، فرآه الشيخ محتاجًا إلى ما يعتم به يعني: إلى عمامة يلبسها، فنزع الشيخ عمامته -من غير أن يسأله الرجل- فقطعها نصفين فاعتم،
(1/465)
________________________________________
ودفع النصف الآخر لذلك الرجل، ولم يستحي أن يفعل ذلك أمام الحاضرين، وهذا من ورعه وإقباله على الله وتقشفه وتقلله من زينة الحياة الدنيا وحرصه على البر والخير والمعروف -رحمه الله تبارك وتعالى.
وحدث من يوثق به أن الشيخ كان مارًّا في بعض الأزقة، فدعا له بعض الفقراء وعرف الشيخ حاجته ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه، فنزع ثوبًا على جلده ودفعه إليه، وقال: بعه بما تيسر وأنفقه، واعتذر إليه من كونه لم يحضر عنده شيء من النفقة، ففعل ذلك -رحمه الله- وكونه نزع ثوبًا على جلده ودفعه إليه يفيد أنه نزع شيئًا من ثيابه الداخلية ولا يمكن أن يفقه الإنسان غير ذلك وهذا في الحقيقة أيضًا دليل على ورع هذا الإمام العالم الرباني -رحمه الله تبارك وتعالى.
أنتقل بعد ذلك أيضًا إلى نقطة تالية في هذا العنصر وهي بعنوان: ثناء الأئمة عليه.
لو أردت أن أجمع وأن أستقصي ما قيل في الإمام ابن تيمية -رحمه الله- لجمعت في ذلك مجلدات كبيرة؛ فإن الذين كتبوا عن ابن تيمية كتبوا كلامًا كثيرًا عنه؛ عن شخصه، عن علمه، عن زهده، عن ورعه، عن مكانته، عن ما كان يقوم به من دعوة وجهاد وتضحية وفداء، عن سجنه وما كان فيه -رحمه الله تبارك وتعالى- ولذلك سأجتزئ في هذا المقام وأذكر بعضا مما قيل في شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى.
ومن ذلك ما ذكره الإمام الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة" من كلام عن شيخ الإسلام -رحمه الله- قال فيه: وقرأ بنفسه ونسخ "سنن أبي داود" وحصل الأجزاء ونظر في الرجال والعلل وتفقه وتمهر وتقدم وصنف ودرس وأفتى وفاق الأقران وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسع في المنقول والمعقول والاطلاع على مذاهب السلف والخلف،
(1/466)
________________________________________
وأقول: والله إنها كلمات جليلة القدر من هذا الإمام العالم الرباني.
أيضًا الحافظ ابن حجر -رحمه الله- عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عندما يذكر أنه صنف ودرس وأفتى وفاق الأقران وصار أعجوبة في سرعة الاستحضار وأنه اطلع على مذاهب السلف والمنقول والمعقول، وإلى غير ذلك مما كان عليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله.
في الحقيقة أذكر هنا كلمة قالها الإمام الشوكاني -رحمه الله- بعد ذكره لكلام ابن حجر هذا، فالإمام الشوكاني نقل كلام ابن حجر في كتابه "البدر الطالع" وعقب عليه بقوله: وأقول: أنا لا أعلم بعد ابن حزم مثله، وما أظنه سمح الزمان ما بين عصر الرجلين بمن شابههما أو يقاربهما، 18:50هذه كلمة أيضًا من العالم الجليل الإمام الشوكاني -رحمه الله- يقول بأنه لا يعلم بعد ابن حزم مثل: ابن تيمية -رحمه الله- يعني: الزمان لم يجد بعد ابن حزم برجل كابن حزم أو يقارب ابن حزم إلا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله.
وأنا أقول معقبًا على ذلك: رحم الله ابن حزم وغيره من الأئمة، ولكن ابن تيمية فاق ابن حزم بمراحل متعددة ويكفي أنه كان على معتقد صحيح، وكان متبعًا لمنهج سلف هذه الأمة الذي قد خالف شيئًا منه الإمام ابن حزم -رحمه الله تبارك وتعالى- ثم قال الشوكاني -رحمه الله- قال الذهبي ما ملخصه: كان يقضى منه العجب -يعني: من شيخ الإسلام ابن تيمية- إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف التي يوردها منه ولا أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه، وكانت السنة نصب عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة، وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه، وأما أصول الديانة ومعرفة أقوال المخالفين فكان لا يشق غباره، فيه هدى -رحمه الله تبارك وتعالى- يعني: كان يعرف أصول الديانة وكان مستقيمًا على الهدي الرباني الذي جاء من عند الله -تبارك وتعالى.
(1/467)
________________________________________
ثم قال: مع ما كان عليه من الكرم والشجاعة والفراغ عن ملاذ النفس، ولعل فتاويه في الفنون تبلغ ثلاثمائة مجلد -فتاويه فقط- بل أكثر، وكان قولًا بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ثم قال -يعني: الحافظ الذهبي رحمه الله- ومن خالطه يعني: خالط شيخ الإسلام وعرفه قد ينسبني إلى التقصير فيه، ومن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه، وقد أوذيت من الفريقين منه أصحابه وأضداده، وكان أبيض أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت فصيحًا سريع القراءة تعتريه حدة، لكن يقهرها بالحلم. ثم قال الحافظ الذهبي -رحمه الله-: ولم أر مثله في ابتهاله واستعانته بالله وكثرة توجهه، وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية، فإنه كان مع سعة علمه وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدين بشرا من البشر، تعتريه حدة في البحث وغضب وصدمة للخصوم تزرع له عداوة في النفوس، ولولا ذلك لكان كلمة إجماع، فإن كبارهم خاضعون لعلومه معترفون بأنه بحر لا ساحل له، وكنز ليس له نظير، ولكن ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالًا وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد.
هذه الكلمات -وسأتابع بعد قليل كلام الإمام الحافظ الذهبي- أود أن أقف عندها حتى لا يظن أحد أن الإمام الحافظ الذهبي وهو تلميذ لشيخ الإسلام ابن تيمية يطعن على شيخه وتلميذه الإمام ابن تيمية -رحمه الله- أقول: ليس هذا بصحيح، وإنما هذا هو ما علمه شيخ الإسلام ابن تيمية لطلابه وتلاميذه، علمهم أن لا يقلدوا أحدًا وألا يتابعوا أحدًا على خطئه وعلمهم -رحمه الله- أن كل واحد يخطئ ويصيب، وأن المعصوم من عصمه الله -تبارك وتعالى- ومن هؤلاء أنبياء الله والرسل فالله -عز وجل- قد عصمهم في تبليغ الوحي والرسالة، أما غيرهم من آحاد الناس فكل يؤخذ من
(1/468)
________________________________________
قوله ويرد عليه -كما قال إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس -رحمه الله تبارك وتعالى.
وهنا قد أشار إلى أن ابن تميمة قد تعتريه حدة في البحث وغضب وصدمة للخصوم، ولعل هذا كان من باب رد الفعل عند هذا الإمام؛ لأنه سجن وبغي عليه وظلم من الناس واتهم بأنه أدخل على الدين ما ليس منه، وأدخل على السلف ما لم يعتقدوه، ولا شك أن هذا كان من الباطل، وشيخ الإسلام كان من أكثر الناس التصاقًا ومعرفة وسيرًا على منهج سلف هذه الأمة الصالحين -كما سأشير إلى ذلك -إن شاء الله تعالى- بعد قليل عند ذكري لمنهجه وعقيدته -رحمه الله تبارك وتعالى.
ثم قال الحافظ الذهبي -رحمه الله-: وكان محافظًا على الصلاة والصوم معظمًا للشرائع ظاهرًا وباطنًا لا يؤتى من سوء فهم، فإن له الذكاء مفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زاخر، ولا كان متلاعبًا بالدين، ولا ينفرد بمسائل للتشهي، ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن ويناظر أسوة بمن تقدمه من الأئمة فله أجر على خطئه وأجران على إصابته.
هذا في الحقيقة أيضًا يوضح موقف الإمام الذهبي من شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- ومع هذا فقد وقع لشيخ الإسلام مع أهل عصره قلاقل وزلازل وامتحن -رحمه الله تعالى- مرة بعد أخرى في حياته وجرت له فتن عديدة، والناس قسمان في شأنه، فبعض منهم مقصر به عن المقدار الذي يستحقه، بل يرميه بالعظائم، وبعض آخر يبالغ في وصفه ويجاوز به الحد ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم الأول عليه، وهذه قاعدة مطردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة، فإنه لا بد أن يستنكره
(1/469)
________________________________________
المقصرون، وهذا ما وقع من الذين تكلموا وآذوا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تبارك وتعالى. هذا يقع ويستنكر المقصرون الذين لم يفقهوا الدين مثل ما جاء به شيخ الإسلام، ويقع له معهم محنة بعد محنة ثم يكون أمره بعد ذلك أعلى، وقوله الأولى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره، وهكذا حال هذا الإمام، فإنه بعد موته عرف الناس مقداره واتفق الألسن بالثناء عليه، إلا من لا يعتد به وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته.
وهذا كلام صحيح، بل والله إنه عين الحق؛ فأين الذين آذوا شيخ الإسلام وتكلموا عليه، أين هم اليوم في الواقع المعاصر من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وثناء الناس على شيخ الإسلام ابن تيمية. إن ابن تيمية لا تجد مكتبة عامة أو خاصة في الغالب إلا ولابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- له كتب فيها، فلقد أعلى الله من شأن هذا العالم الجليل الرباني لدفاعه عن عقيدة السلف الصالح، رحم الله تبارك وتعالى جميع سلفنا الصالح.
هـ- اعتقاله وسببه ووفاته:
في الحقيقة يعني: طال الحديث عن شيخ الإسلام في ترجمته وكان لا بد من ذلك؛ لأنه أمام يستحق والله؛ لأنه جدد الدين أكثر مما أتكلم عليه، وقد عرف من قبلي -وأنا لا أقول شيئًا من عندي- قد عرف تلاميذه وعرف أهل العلم -من بعد عصر شيخ الإسلام- عرفوا جميعًا من هو ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- والآن أتحدث عن اعتقال شيخ الإسلام -رحمه الله- وحاله في المعتقل:
نقل صاحب (الكواكب الدرية) عن شيخه علم الدين أنه في شهر ربيع الأول، سنة ستمائة وثمان وتسعين وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية وكان الشروع فيها من أول الشهر، وكان سببها ترجيح مذهب السلف في الصفات على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أيضًا أمر المنجمين، ثم عقدت له عدة مجالس في المناظر في مصر والشام وحبس في القطرين يعني: في مصر والشام.
ونقل صاحب (جلاء العينين) على الحافظ ابن كثير -رحمه الله- أنه قال: وأكثر ما نالوا منه أي: أعداؤه الحبس مع أنه لا ينقطع في بحث، يعني: لا ينقطع عن العلم ولا عن الكتابة لا بمصر ولا بالشام. ولم يتوجه لهم عليه ما يشين وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه. قيل: ومن جملة أسباب حبسه -رحمه الله- خوفهم أنه
(1/470)
________________________________________
ربما يدعى ويطلب الإمارة، فلقي أعداؤه عليه طريقًا من ذلك، فحسنوا للأمراء حبسه لسد تلك المسالك.
وقد ذكر صاحب (الكواكب الدرية) أن الشيخ لما سجن بمصر بحبس القضاة بحارة الديلم، صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيرًا من كثير من الزوايا والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه حتى صار السجن يمتلئ منهم، ولما ورد أمر بسجنه بقلعة دمشق أظهر السرور بذلك، وقال: إني كنت منتظرًا ذلك، وهذا فيه خير عظيم.
ونقل عنه وارث علومه العلامة ابن القيم -رحمه الله الذي حبس بقلعة دمشق معه- نقل عنه في كتابه (الكلم الطيب) أنه قال: ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في مجلسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا إلي فيه من الخير أو نحو هذا، وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، يقول هذا ما شاء الله أن يقول، ثم قال ابن القيم بأن شيخه ابن تيمية قال له ذات مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.
ولما أدخل ووصل إلى القلعة وصار داخل سورها، نظر إليه وقال: فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب -وعلم الله- ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط -مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف- وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا وأقواهم قلبًا وأسرهم نفسًا تلوح
(1/471)
________________________________________
نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون وضاقت بنا الأرض؛ أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله فننقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من رَوْحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها، وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
وكان دخوله -رحمه الله- قلعة دمشق آخر مرة سادس شهر شعبان من عام سبعمائة وست وعشرين، وما زال مقيمًا في قاعتها إلى أن كانت وفاته ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة سنة سبعمائة وثمان وعشرين -رحمه الله تبارك وتعالى- وقد صلي عليه عقب صلاة الظهر بجامع بني أمية، ولم يبق في دمشق من يستطيع المجيء للصلاة إلا حضر لذلك، حتى غلقت الأسواق بدمشق، غلقها أصحابها ولم يتمكنوا من فتحها، وعطلت معايشها يومئذ وحصل للناس من مصابه أمر شغلهم عن كثير من أمورهم وأسبابهم، وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام، قال بعض من حضر ولم يتخلف فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس، وهذا في الحقيقة تكريم أي تكريم لشيخ الإسلام ابن تيمية.
واتفق جماعة ممن حضر وشاهد الناس والمصلين عليه: أنهم يزيدون على نحو من خمسمائة ألف، وحضرها نساء كثير بحيث حذرن بخمسة عشر ألفًا، قال أهل التاريخ لم يسمع بجنازة تمثل هذا الجمع إلا جنازة الإمام أحمد بن حنبل، رحم الله -تبارك وتعالى- الجميع.
(1/472)
________________________________________
منهج ابن تيمية وعقيدته
أنتقل بعد ذلك إلى منهج ابن تيمية وعقيدته، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- بعض قواعد الاستدلال عند ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى-: لقد كان لشيخ الإسلام ابن تيمية قواعد مهمة سلكها وسار عليها وهذه القواعد ضبطت منهج الاستدلال عنده حتى أصبح -رحمه الله- متفقًا في المنهج والاعتقاد مع سلف هذه الأمة الصالحين من صحابة النبي الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم ومن تبعهم بإحسان- وقد ذكر بعض أهل العلم بعض هذه القواعد وهي كما يلي: القاعدة الأولى: جمع النصوص في الباب الواحد، عند دراسة أي مسألة من مسائل العلم يجب أن تجمع أطراف الأدلة في المسألة المرادة لكي تتضح وتكتمل أجزائها، ولعل من أبرز أسباب انحراف المبتعدة في القديم والحديث أنهم يأخذون نصًّا ويدعون نصوصًا أخرى، فالخوارج مثلا: أخذوا نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد والمرجئة أخذوا نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد؛ ولهذا كان منهج أهل السنة: جمع النصوص كلها وتتبعها في الباب الواحد ليكمل بعضها بعضًا.
ولذلك لما استدل ابن مطهر الرافضي ببعض الآيات التي فيها نسبة الفعل للعبد وهو كان معتزليًّا يقول: بأن العبد يخلق فعل نفسه على منهج المعتزلة، وهذا مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة، وابن المطهر الرافضي استدل على ذلك بقول الله تعالى أعني على معتقده وهي نسبة الفعل للعبد استدل عليها بقول الله مثلًا: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} (النجم: 37) وبقوله: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (النجم: 38) وبقوله: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل: 32) ونحو ذلك من الآيات، قال ابن تيمية -رحمه الله- ردًّا عليه: الجواب من وجوه:
(1/473)
________________________________________
أحدها أن يقال: كل هذا حق وجمهور أهل السنة قائلون بذلك، وهم قائلون: إن العبد فاعل لفعله حقيقة لا مجازًا وإنما نازع في ذلك طائفة من متكلمة أهل الإثبات كالأشعري ومن اتبعه.
الثاني أن يقال: القرآن مملوء بما يدل على أن أفعال العباد حادثة -بمشيئة الله- وقدرته وخلقه فيجب الإيمان بكل ما في القرآن ولا يجوز أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} (البقرة: 253) وقال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} (الأنعام: 125) فهذه الآيات أثبتت خلق الله لأفعال العباد وأنه -سبحانه وتعالى- شاءها وأرادها إرادة كونية قدرية، فاستدلال ابن المطهر الرافضي ببعض الآيات التي فيها نسبة فعل العبد إليه وتركه للآيات الأخرى التي أثبتت إرادة الله -تبارك وتعالى- لكل ما يقع في الكون قول باطل وخروج عن القواعد الصحيحة في الاستدلال، والقاعدة الصحيحة هي: أن تجمع النصوص في الباب الواحد وبالتالي يخرج الإنسان بنتيجة صحيحة، وهذه هذه القاعدة الأولى من قواعد منهج الاستدلال عند شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى.
القاعدة الثانية: رد المتشابه إلى المحكم: من مآخذ المبتدعة في الاستدلال اتباع المتشابه ورد المحكم كما جاء وصفهم في قول الله -تبارك وتعالى-: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} (آل عمران: 7) وقد تميز الرافضة بهذه الصفة حيث قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان حالهم: وهؤلاء الرافضة الذين يدفعون الحق المعلوم يقنيًا بطرق كثيرة علمًا
(1/474)
________________________________________
لا يقبل النقيض بشبه في غاية الضعف هم من أعظم الطوائف الذين في قلوبهم الزيغ الذين يتبعون المتشابه ويدعون المحكم، كالنصارى والجهمية وأمثالهم من أهل البدع والأهواء الذين يدعون النصوص الصحيحة الصريحة التي توجب العلم ويعارضونها بشبه لا تفيد إلا الشك لو تعرض -يعني: هذه الشبه- لم تثبت أمام الحقائق، وهذا في المنقولات سفسطة، كالسفسطة في العقليات وهو القدح فيما علم بالحس والعقل بشبه تعارض ذلك، فمن أراد أن يدفع العلم اليقيني المستقر في القلوب بالشبه فقد سلك مسلك السفسطة.
القاعدة الثالثة في منهج الاستدلال عند شيخ الإسلام -رحمه الله- هي: أن نصوص الشارع كلمات جوامع، فينبغي الاجتهاد في الجزئيات وقد بين ابن تيمية هذه القاعدة فقال: إن الشارع في نصوصه وأحكامه أتى بكلمات جوامع وقضايا كلية وقواعد عامَّة يمتنع أن ينص على كل فرد من جزئيات العالم إلى يوم القيامة، فلا بد من الاجتهاد في المعنيات ويعني بها الجزئيات، هل تدخل في كلماته الجامعة -يعني: تدخل في نصوص الشرع الجامعة أم لا- وهذا الاجتهاد يسمى تحقيق المناط، وهو مما اتفق عليه الناس كلهم؛ نفاة القياس ومثبتته؛ فإن الله إذا أمر أن يستشهد ذوا عدل فكون الشخص المعين من ذوي العدل لا يعلم بالنص العام، بل باجتهاد خاص، وكذلك إذا أمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها وأن يولى الأمور من يصلح لها، فكون هذا الشخص المعين صالحًا لذلك أو راجحًا لغيره لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل لا يعلم إلا باجتهاد خاص.
وقال أيضًا -رحمه الله- في موضع آخر: القياس إن كان حجة؛ جاز إحالة الناس عليه، وإن لم يكن حجة؛ وجب أن ينص النبي -صلى لله عليه وآله وسلم- على الكليات، وأيضًا فقد قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} (المائدة: 3) وهذا نص في أن
(1/475)
________________________________________
الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره، هذا فقه من فقه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هو أنه بين أن أصول الدين وفروعه بينها رب العالمين في كتابه وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- والله قد أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة. والقرآن والسنة مليئان بما يحتاج إليه العباد ولا يعني: ذلك أن في القرآن الكريم والسنة المطهرة النص على كل جزئية من الجزئيات التي يحتاج إليها الناس ولكن الله -تبارك وتعالى- أتى بالكليات العامة الجامعة والقواعد الكلية التي بينت ووضحت ما يحتاج الناس إليه، أما جزئيات المسائل فعلى أهل الحل والعقد والعلم والمعرفة وعلى الذين تبحروا في العلوم الشرعية أن يجتهدوا بعد ذلك في المسائل الجزئية.
القاعدة الرابعة -من قواعد منهج الاستلال عند شيخ الإسلام رحمه الله-: الموازنة بين المصالح والمفاسد: قال ابن تيمية -رحمه الله- فالأقل ظلمًا ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلمًا فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، يقول: ابن تيمية -رحمه الله- فالأقل ظلمًا ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلمًا، فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين؛ حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين. وقال أيضًا: الصواب الذي مصلحته أعظم هو خير وأفضل من الصواب الذي مصلحته أقل، وقال أيضًا: ومما ينبغي أن يعلم: أن الله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الناس على غاية ما يمكن من الصلاح، لا لرفع الفساد بالكلية، فإن هذا ممتنع في الطبيعة الإنسانية إذ لا بد فيها من فساد.
القاعدة الخامسة: الفتنة من صوارف الاهتداء بالحق، يعني: أن الفتنة سبب من أسباب أن ينصرف الإنسان عن الحق. وفي ذلك يقول: الإمام ابن تيمية -رحمه الله- وذلك أن الله تعالى بعث محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- بالهدى ودين الحق، فبالهدى يعرف
(1/476)
________________________________________
الحق، وبدين الحق يقصد الخير ويعمل به، فلا بد من علم الحق، وقصد له، وقدرة عليه، والفتنة تضاد ذلك فإنها تمنع معرفة الحق أو قصده أو القدرة عليه، فيكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل حتى لا يتميز لكثير من الناس أو أكثرهم -يعني: لا يتميز الحق- ويكون فيها من الأهواء والشبهات ما يمنع قصد الحق وإرادته، ويكون فيها من ظهور قدرة الشر ما يضعف القدرة على الخير، ولهذا ينكر الإنسان قلبه عند الفتنة، فيرد على القلوب ما يمنعها من معرفة الحق وقصده، ولهذا يقال: فتنة عمياء صماء، ويقال: فتن كقطع الليل المظلم ونحو ذلك من الألفاظ التي يتبين ظهور الجهل فيها وخفاء العلم.
وهذه القاعدة في الحقيقة قاعدة عظيمة وضحها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- في كثير من كتبه، فالفتنة أعاذني الله وإياكم منها تصد الناس عن الحق والفتن كانت سببًا في تمزيق الأمة الإسلامية إلى فرق وأحزاب وشيع، وإن ما نشاهده اليوم من كثرة الفرق والاختلافات المتعددة في العقائد والمناهج، والله إنها لمن الفتن التي ابتليت بها أمة الإسلام ولذلك نسأل الله -عز وجل- أن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
القاعدة السادسة -من قواعد منهج الاستدلال عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهي قاعدة عظيمة، أختم بها هذا اللقاء وهي: العبادة: العبادة مبناها على الاتباع لا على الابتداع، هذه في الحقيقة قاعدة عظيمة جدًا، يقوم الدين كله عليها، ولذلك قال فيها شيخ الإسلام -رحمه الله-: العبادات مبناها على أصلين -تأملوا هذا الكلام الجليل.
أحدهما: ألا يعبد إلا الله، لا نعبد من دونه شيئًا؛ لا ملكا ولا نبيا ولا صالحًا ولا شيئا من المخلوقات. فالعبادة يجب أن تكون خالصة لله وحده دون سواه، فلا يتوجه بها الإنسان لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل ولا إلى ولي أو صالح أو غير ذلك من سائر المخلوقات؛ لأن الجميع مخلوق مربوب عند رب
(1/477)
________________________________________
الأرض والسموات هذا هو الأصل الأول: التي تبنى عليه العبادات عند شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم قال:
الأصل الثاني: أن نعبده بما أمرنا به على لسان رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولا نعبده ببدع لم يشرعها الله ولا رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذا حق وكلام جميل من شيخ الإسلام -رحمه الله تبارك وتعالى- فالذي بين لنا الشرائع التي نزلت لنا من عند الله، والأحكام التي جاءتنا من عند الله إنما هو نبي الهدى الرحمة - صلوات الله وسلامه عليه- ولهذا يجب علينا أن نتبعه وحده، وأن يكون هو القدوة وحده -صلوات الله وسلامه عليه- والله -عز وجل- قد أمرنا في كتابه باتباع نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: 7).
هذا ملخص لمنهج الاستدلال عند شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- ومنهج الاستدلال عند شيخ الإسلام وذكري لهذه القواعد التي كانت عنده تبين سلامة المنهج الذي سلكه -رحمه الله- وسار عليه حتى وصل بذلك إلى الاقتداء بسنة سيد الأنبياء والمرسلين -صلوات الله وسلامه عليه- ولهذا أقول كلمة حق في هذا الإمام الجليل -رحمه الله- بأنه كان من أكثر الناس اتباعًا لسلف هذه الأمة الصالحين من الصحابة والتابعين ومن سلك مسلكهم وسار على طريقتهم إلى يوم الدين.
والسلام عليم ورحمة الله وبركاته.

2 - تابع ترجمة الإمام ابن تيمية: وترجمة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب

تابع منهج ابن تيمية وعقيدته
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
عنوان هذا اللقاء: تابع ترجمة الإمام ابن تيمية وترجمة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحم الله الجميع- وهذه المحاضرة تشتمل على العناصر التالية:
العنصر الأول: تابع منهج ابن تيمية وعقيدته، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- العقل والنقل عند ابن تيمية:
في اللقاء الماضي تحدثت عن بعض قواعد الاستدلال عند شيخ الإسلام لأبين وأبرز عقيدته -رحمه الله تبارك وتعالى- وأنه كان متبعًا لسلف هذه الأمة، وأود -في بداية هذا اللقاء- أن أبين مكانة العقل والنقل عند شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وقد ذكر ابن تيمية وجود تلازم وتوافق بين الأدلة الشرعية النقلية والأدلة العقلية، وقد بين ذلك في قوله: والقول كلما كان أفسد في الشرع كان أفسد العقل؛ فإن الحق لا يتناقض، والرسل إنما أخبرت بحق، والله فطر عباده على معرفة الحق، والرسل إنما بعثت لتكميل الفطرة لا لتغير الفطرة، قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق} (فصلت: من الآية: 53) فأخبر -
(1/478)
________________________________________
سبحانه- أنه سيريهم الآيات الأفقية والنفسية المبينة؛ لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق، فتطابق الدلالة القرآنية، وتصادق أيضًًا العقل مع ذلك أمر مطلوب.
ويقول أيضًًا -رحمه الله-: كل من كان إلى الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقرب؛ كان أقرب إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان، وكل من كان عنهم أبعد؛ كان عن ذلك أبعد.
ويقول أيضًًا: فما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- حق محض، يتصادق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول، والأقوال المخالفة لذلك -وإن كان كثير من أصحابه مجتهدين مغفور لهم خطأهم- فلا يملكون نصرها بالأدلة العلمية، ولا الجواب: عما يقدح فيها بالأجوبة العلمية؛ فإن الأدلة العقلية الصحيحة لا تدل إلا على القول الحق، والأجوبة الصحيحة المفسدة لحجة الخصم لا تفسدها إلا إذا كانت باطلة؛ فإن ما هو باطل لا يقوم عليه دليل صحيح، وما هو حق لا يمكن دفعه بحجة صحيحة، ويقول أيضًًا -رحمه الله-: فإن الشرع قد جاء بعقوبة غير المكلفين في دفع الفساد في غير موضع، والعقل يقتضي ذلك لحصول مصلحة الناس، فهنا يبين -رحمه الله- وجود تلازم شديد بين العقل والنقل، وأنه لا يمكن أبدًًا أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح، وأن الطريق الشرعي يوجب النظر فيما جاء به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- والاستدلال بأدلة النبي -عليه الصلاة والسلام- وعلى العبد أن يعمل بموجب هذه الأدلة، وهذا الطريق الذي جاء به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم من الشرع هو أيضًًا- متضمن للأدلة العقلية والبراهين اليقينية؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بين بالبراهين العقلية ما يتوقف السمع عليه، والرسل بينوا للناس العقليات التي يحتاجون إليها، كما ضرب في القرآن من كل مثل:، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أمر الله عباده أن يسألوه هدايته.
(1/479)
________________________________________
وبعد هذا التقرير الذي تحدث عنه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وبين فيه وجود تلازم بين العقل والنقل يرد ابن تيمية بعد ذلك على المعتزلة ومن نحى نحوهم، الذين أحدثوا ذلك الانفصام المفتعل بين العقل والنقل وبين -رحمه الله- أن النقل الصريح لا يعارض العقل الصريح أبدًًا، وفي ذلك يقول: وكثير من الناس يفهمون من القرآن ما لا يدل عليه، وهو معنى فاسد ويجعلون ذلك يعارض العقل، وقد بينا في مصنف مفرد "درء تعارض العقل والنقل" -وهو بحمد الله مطبوع عليه تحقيق للدكتور محمد رشاد سالم- ثم يقول: ابن تيمية عن هذا الكتاب: وذكرنا فيه عامة ما يذكرون من العقليات في معارضة الكتاب والسنة، وبينا أن التعارض لا يقع إلا إذا ما كان ما سمي معقولًا فاسدًا، وهذا هو الغالب على كلام أهل البدع، أو أن يكون ما أضيف إلى الشرع ليس منه، إما حديث موضوع وإما فهم فاسد من نص لا يدل عليه، وإما نقل إجماع باطل، وهذه كلمات في غاية من السداد من شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى.
ويطول الحديث أيضًًا عن ذكر كلامه في هذا الباب، وعن ذكر اضطراب أصحاب العقول الذين أعرضوا عن الشرع واستخدموا عقولهم في مواجهة الشرع، كالفلاسفة والمعتزلة وسائر المتكلمين الذين أدخلوا في دين الله تبارك وتعالى معقولًا ليس بصحيح يخالف صحيح وصريح ما جاء في كتاب الله وعلى لسان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
ب- عقيدته في أسماء الله وصفاته:
يطول الحديث في ذلك، ولقد تحدثت في المستوى الثالث، والرابع لطلاب الجامعة عن موقف أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، وكان معظم حديثي موضحًا مبينًا من كلمات شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ولكني هنا أود إكمالًا للبحث وتتميمًا للفائدة أن أشير إلى عقيدته -رحمه الله- في أسماء الله وصفاته.
عقيدة ابن تيمية في أسماء الله وصفاته هي عقيدة سلف هذه الأمة، فهو -رحمه الله- كان يثبت لله -تبارك وتعالى- كل ما أثبته الله -عز وجل- لنفسه في كتابه، أو صح به الخبر على لسان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من أسماء الله الحسنى وصفات الله -تبارك وتعالى- العلا.
(1/480)
________________________________________
وقد دافع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- عن منهج السلف في سائر كتبه وبين ضلال المتكلمين وفساد ما هم عليهم في هذا الباب العظيم، ألا وهو باب: أسماء الله -تبارك وتعالى- وصفاته، وقد بين ابن تيمية -رحمه الله- أن تأويل الصفات باطل، وأنه لا يجوز، أو أن التفويض في المعنى لا يجوز، وقد رد في ذلك على الفلاسفة والجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية وغيرهم من طوائف المتكلمين الذين انحرفوا عن منهج الحق والصواب في مسألة أسماء الله -تبارك وتعالى- وصفاته.
كان ابن تيمية -رحمه الله- يثبت جميع ما جاء به النص عن الله -تبارك وتعالى- في هذا الباب وإثباته كان إثباتًا بلا تجسيم ولا تشبيه، فكان يعارض ويرد على المشبهة المجسمة، وإن رماه بعض الناس بذلك، فهذا افتراء منهم عليه -رحمه الله تبارك وتعالى- فهو من أفضل الناس الذين سلكوا مسلك السلف في هذا الباب، ومن أفضل الناس الذين عرفوا الاعتقاد الصحيح أيضًًا في هذا الباب -رحمه الله تبارك وتعالى.
جـ- خلاصة أعماله -رحمه الله-:
بعد ذكري الطويل في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية أود أن أذكر كلمة يسيرة عن خلاصة أعماله -رحمه الله- وهذه الخلاصة تحدث عنها كثير من أهل العلم، تحدث عنها الحافظ ابن عبد الهادي -رحمه الله تبارك وتعالى- وغيره، ومما قال الإمام الحافظ ابن عبد الهادي -رحمه الله- في بعض أعمال ابن تيمية، قال: أملى شيخنا المسألة المعروفة بالحموية سنة ثمان وتسعين، يعني: ثمان وتسعين بعد الستمائة، في قعدة بين الظهر والعصر، وهو جواب سؤال ورد من حماة في الصفات وجرى له بسبب ذلك محنة، ونصره الله وأذل أعدائه، وما حصل له بعد ذلك إلى حين وفاته من الأمور والمحن والتنقلات يحتاج إلى عدة مجلدات. هذه كلمة يسيرة من كلمات الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله- عن شيخ الإسلام ابن تيمية، استفدنا منها أنه ألف ما يعرف بالعقيدة الحموية أو
(1/481)
________________________________________
الرسالة الحموية، التي تناولها كثير من أهل العلم بالشرح والبيان والتحليل وهي في مسألة باب أسماء الله -تبارك وتعالى- وصفاته، أملاها في قعدة واحدة بين صلاتي الظهر والعصر، وهذا يدل على فائق علمه -رحمه الله تبارك وتعالى. وهناك في الحقيقة أمور كثيرة دقيقة عن شيخ الإسلام وأعماله -رحمه الله- ولكني أرى أن الوقت يضيق عن استقصاء ذلك والحديث عنه، ولعلي فيما ذكرته آنفًًا من كلمات عن شيخ الإسلام ابن تيمية تبين كثيرًا من أعماله -رحمه الله تبارك وتعالى.

ترجمة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب
أنتقل بعد ذلك إلى ترجمة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى- وأبدأ بسيرته الذاتية، وهذا العنصر يشتمل على النقاط التالية:
أ- اسمه ونسبه:
نسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب أذكر بعضه هنا، وهو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف، وينتهي نسبه إلى نزار بن معد بن عدنان، وهو بهذا يلتقي مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عند هذا النسب.
ب- مولده ونشأته العلمية ومواهبه:
ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- سنة ألف ومائة وخمس عشرة من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- وذلك في بلدة "العيينة" على الصحيح، في أسرة علمية، تعلم القرآن وحفظه عن ظهر قلب قبل بلوغه عشر سنين، وكان حاد الفهم، وقّاد الذهن زكي القلب سريع الحفظ، قرأ على أبيه في الفقه، وكان -رحمه الله تعالى- في صغره كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام، فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه، ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه وجد في طلب العلم، وأدرك وهو في سن مبكرة حظًّا وافرًا من العلم،
(1/482)
________________________________________
حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول: لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام، وكتبه أبوه إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأنه وفهمه الجيد، وأنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة من عمره، ورآه أهلًا للصلاة بالجماعة إمامًا لمعرفته بالأحكام، وزوجه بعد البلوغ مباشرة.
ثم من طلب من أبيه الحج إلى بيت الله الحرام فأذن له، فحج وقصد المدينة النبوية وأقام فيها شهرين، ثم رجع بعد ذلك إلى أبيه في العيينة، وأخذ يدرس الفقه على مذهب الإمام أحمد على والده، ورزق مع قوة الحفظ سرعة الكتابة، بحيث إنه كان يخط كراسًا بخط واضح في الجلسة الواحدة بلا سأم ولا تعب مما يحير أصحابه، ويقول عنه عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ: وقد كتب بخط يده كثيرًا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، لا يزال بعضها موجودًا بالمتحف البريطاني بلندن، وهذه العبارة تفيد أن الشيخ ابن عبد الوهاب -رحمه الله- كما سيتبين لنا بعد ذلك، سلك مسلك السلف الذي سلكه الإمام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى.
وقال حفيده وتلميذه الشيخ عبد الرحمن بن حسن: لما قدم جده سليمان بن علي من الروضة ونزل العيينة كان أفقه من نزل نجد في وقته فتخرج عليه خلق كثير من أهل نجد، منهم ابناه عبد الوهاب وإبراهيم وكان المتولي للقضاء في العارض ابنه عبد الوهاب، وكان عمه يسافر إلى ما حولهم من البلاد لحاجتهم إليه في الإفتاء وما يقع بينهم من بيع العقارات، وكان عليه اعتمادهم فيما كتبه وأثبته، وأكثر إقامته مع أخيه عبد الوهاب فظهر شيخنا يعني: محمد بن عبد الوهاب بين أبيه وعمه، فحفظ القرآن وهو صغير وقرأ في فنون العلم، وصار له فهم قوي وهمة عالية في طلب العلم، فصار يناظر أباه وعمه في بعض المسائل
(1/483)
________________________________________
بالدليل على بعض الروايات عن الإمام أحمد والوجوه عن الأصحاب، فتخرج عليهما في الفقه وناظرهما في مسائل قرأها في (الشرح الكبير)، و (المغني)، و (الإنصاف) لما فيهما من مخالفة ما في متن (المنتهى) و (الإقناع).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: أمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الإدراك وعدم النسيان، سمع الحديث وأكثر في طلبه، وكتب ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصل غيره، برع في تفسير القرآن، وغاص في دقائق معانيه، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ له مع سرعة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده، تمسك بأصول الكتاب والسنة وتأيد بإجماع سلف الأمة.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وقد أخبر شيخنا -رحمه الله تعالى- أنه كان في ابتداء طلبه العلم وتحصيله في فن الفقه وغيره، لم يتبين له الضلال الذي كان الناس عليه من عبادة غير الله من جن أو غائب أو طاغوت أو شجر أو حجر أو غير ذلك، ثم إن الله تعالى جعل له نهمة في مطالعة التفسير والحديث، وتبين له من معاني الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة أن هذا الذي وقع فيه الناس من الشرك، أنه الشرك الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بالنهي عنه، وأنه الشرك الذي لا يغفره الله لمن لم يتب منه، فبحث في هذا الأمر مع أهله وغيرهم من طلبة العلم، فاستنار قلبه بتوحيد الله الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه.
جـ- أثر البيئة في توجيه الشيخ علميًّا:
من المعلوم أن الإنسان يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، وأود هنا أن أبين ما إذا كان للبيئة أثر في توجيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى- من الناحية
(1/484)
________________________________________
العلمية فأقول: لقد أرصد الشيخ البيئة من حوله بواقعها والناس في حياتهم ودينهم على الغالب في تناقض وتصادم مع ما نشأ عليه الشيخ من علم، وما عرفه من الحق على يد أبيه، ومن خلال مطالعته لكتب المحققين من علماء السلف الصالح، فما يتعلمه من أبيه ومن ميراث العلماء في واد، والناس أو غالب الناس في واد آخر، والحياة الواقعة، والعمل الجاري من الناس على العموم والغالب كان مخالفًا للهدي النبوي الذي كان عليه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد اصطدم ذلك مع حياة الشيخ العلمية الخاصة التي ورثها من متصل إسناد العدول وحملة العلم النبوي من لدن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إليه اتصالًا متينًا لا يتطرق إليه انقطاع ولا انفصام، ذلك أن البيئة في "نجد" على الخصوص كما هي في سائر البلاد الأخرى على العموم كانت بيئة جاهلية، بيئة خرافة وبدعة، امتزجت بالنفوس فأصبحت جزءًًا من عقيدتها إن لم تكن هي عقيدتها، ولا شك أن بيئة هذه عقيدتها مناقضة لعقيدة السلف الصالح مناقضة للإسلام الذي يتربى عليه الشيخ في محضن خاص من المحاضن التي يحفظ الله بها دينه، ويقيم على الناس بها حجته، استمرارًا لرسالة خاتم أنبيائه ورسله محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- ولا بد أن يخرج الشيخ إلى هذه البيئة ويعاملها بمقتضى سنة الله في خلقه الذي خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور.
والشيخ بين أمرين: إما أن يستسلم للبيئة ويصبح مثل: الآخرين فتكون نفسه وقلبه وروحه ميدانًا للمتناقضات وصراعها واختلاط البدعة والوهم بعقيدته السليمة ودينه القيم وحياته الطيبة، وتصبح الجاهلية سائدة في نفسه كالأكثر الغالب من الناس، وإما أن يصمم على محاربة الخرافة المنتشرة والبدعة الشائعة والجاهلية الجاثمة الثقيلة، وما أثقلها من كابوس جاثم، إنها حياة أغلبية المجتمع من حوله التي تضغط بقوة على من يحيى بالإسلام ونوره، ولكن قد اختار
(1/485)
________________________________________
الشيخ -رحمه الله- وجزاه خيرًًا أن يقوم لله قومة انصدعت لها جبال الجاهلية، وتقطعت بها غيوم الباطل وشبهاته، فعزم على تنحية البدع من الحياة التي حوله، وإيقاظ النائمين، وتنبيه الغافلين، والعمل على نشر الإسلام والنور من الكتاب والسنة وسيرة الصالحين، وذلك بتأثير البيئة العلمية التي نشأ فيها الشيخ -رحمه الله تبارك وتعالى.
د- توجه الشيخ للرحلة في طلب العلم:
قال ابن بشر -رحمه الله تبارك وتعالى-: لما تتحقق للشيخ معرفة التوحيد ونواقضه وما كان قد وقع فيه كثير من الناس من البدع المضلة، صار ينكر هذه الأشياء، واستحسن الناس ما يقول، لكن لم ينتهوا عن ما فعل الجاهلون ولم يزيلوا ما أحدث المبتدعون، هنا توجه الشيخ -رحمه الله- للرحلة في طلب العلم للتسلح بسلاح ماض قاطع؛ فإن إنكار الشيخ لهذه الأمور الشائعة جعلته في مواجهة للمعارضة من علماء السوء وتلبيساتهم وشبهاتهم، وتأليب العامة عليه، وتهمتهم إياه بالانحراف والجهل، فكان كل ذلك يزيد تفكيره وحرصه على تحصيل العلم وإدراك الحق، فلا بد أن يرحل في طلب العلم وتحقيق ما شرح الله له صدره من حقيقة هذا الدين القيم على أيدي حملته العدول، الذين لن تخلو منهم الأرض ولن ينقطع منهم زمان إلى قيام الساعة، فليرحل إلى مظانهم في أقطار البلاد الإسلامية، حيث إنهم لا يحصرون في مكان دون آخر ولا زمان دون زمان؛ فإن للعلماء بقايا وفي الزوايا خبايا، وحجة الله قائمة، وذكره محفوظ، وميراث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مضبوط وذلك في الكتب والصدور، يحمله من كل خلف عدوله، ويتوارثه جيل بعد جيل، ورب مُبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
(1/486)
________________________________________
ليرحل الشيخ حينئذ في طلب العلم، والتسلح بسلاحه؛ فإن الطريق إلى الله لا بد من أعداء قاعدين عليه، ولا شك أنهم عندهم من الفصاحة والعلم والحجج؛ ولذلك وجب على المسلم أن يتعلم من دين الله ما يصير له سلاحًا يقاتل به هؤلاء الشياطين الذين يصدون عن سبيل الله ويقطعون الطريق إليه، كما ذكر ذلك الشيخ -رحمه الله- في بعض رسائله؛ لذلك قرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يرتحل من بلده "العيينة" يطلب العلم والنصرة وإعداد العدة من النور والحكمة، ولعله يجد ما يساعده على ما عرف من دين الإسلام، والشيخ -رحمه الله- رحل رحلات متعددة، وأنا سأقف بعض الوقفات وأنقل بعض من كلمات الذين ترجموا لهذا العالم الجليل -رحمه الله- وذكروا رحلاته العلمية.
من هؤلاء المؤرخ ابن بشر -رحمه الله- حيث قد ذكر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه قال: بأنه رحل في طلب العلم وحج بيت الله الحرام، وقضى حجه وسار بعد ذلك إلى المدينة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم- وقد ذكر المؤرخ ابن بشر ذلك عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقال: فلما رأى -هذا كلام ابن بشر- أنه لا يغني القول ولم يتلق الرؤساء الحق بالقبول، تجهز من بلد "العيينة" إلى حج بيت الله الحرام، فلما قضى حجه سار إلى المدينة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- وكلام ابن بشر هذا يفيد أن الشيخ بدأ رحلاته العلمية من العيينة إلى الحجاز، فحج بيت الله الحرام أولا ثم سار إلى "المدينة" ثانية، وعلى ما يظهر من كلام بن غنام وكلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، أن الشيخ -رحمه الله- كان قد حج قبل هذه الحجة التي ذكرها ابن بشر بداية، حج في طلب العلم قبل أن يرحل -رحمه الله تبارك وتعالى- أيضًًا إلى الحج مرة أخرى ليحج ويتعلم، وفي ذلك يقول: ابن غنام -رحمه الله- عن والد الشيخ -يعني والد الشيخ محمد بن عبد الوهاب- أن والد الشيخ قال: وقد تحققت -يقول:
(1/487)
________________________________________
عن ابنه- وقد تحققت أنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة على الإتمام، وزوجته بعد البلوغ في ذلك العام، ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف لذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام وأدى المناسك على التمام، ثم قصد مدينته -عليه الصلاة والسلام- وأقام فيهما شهرين، ثم رجع بعد ذلك فائزًا بأجر الزيارة والمناسك.
ثم ذكر ابن غنام أن الشيخ بعد رجوعه من "المدينة" إلى "العيينة" أخذ في القراءة على والده في الفقه على مذهب الإمام أحمد ثم بعد ذلك رحل يطلب العلم إلى ما يليه من الأقطار، وزاحم فيه العلماء الكبار، فوطئ الحجاز والبصرة لذلك مرارًا وأتى الإحساء لتلك الأوتار.
ويقول الشيخ عبد اللطيف أيضًًا: وبعد بلوغ الشيخ سن الاحتلام قدمه والده في الصلاة ورآه أهلًا للإتمام، ثم طلب الحج إلى بيت الله الحرام، فأجابه والده إلى ذلك المقصد والمرام، وبادر إلى قضاء فريضة الإسلام، وأداء المناسك على التمام، ثم قصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وأقام بها قريبًا من شهرين، ثم رجع إلى وطنه قرير العين، واشتغل بالقراءة في الفقه على مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- ثم بعد ذلك رحل يطلب العمل.
وعلى هذا يتضح من كلام ابن غنام والشيخ عبد اللطيف أن حجته الأولى كان يدفعه إليها واجب أداء واجب ركن الإسلام وفريضته لما توفرت شروطها ببلوغ الشيخ ألا وهي حج بيت الله الحرام، أما هذه الحجة التي ذكرها ابن بشر أولا في بداية رحلته العلمية فواضح أنها كانت بعد أن قرر مغادرة العيينة لطلب العلم.
وبنحو ما ذكرته هنا ذكره بعض العلماء ومنهم الشيخ مسعود الندوي -رحمه الله تبارك وتعالى- حيث قد ذكر في كتابه "محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه"
(1/488)
________________________________________
قال ما نصه: وكان قد تشرف بحج بيت الله الحرام، وكان مركزية الحجاز قد أثرت في نفسه، وحينما فكر في طلب العلم قصد الحجاز، إلى أن قال: حج بيت الله الحرام وزار المسجد النبوي مرة ثانية، ثم حضر مجالس العلماء وانقطع لطلب العلم.
وعلى هذا فإن الرحلة الأولى التي ذكرتها أنا الآن في بداية كلامي، عن توجه الشيخ للرحلة، عندما ذكرت أنه توجه إلى المدينة وإلى مكة، وتوجه أولا إلى مكة للحج ثم ذهب بعد الحج إلى "المدينة" يظهر أنها حجة كانت تالية بعد الحجة التي وجه فيها والد الإمام محمد بن عبد الوهاب ليحج بيت الله الحرام لما طلب منه الشيخ ذلك، والشيخ على ما يروي ابن بشر من رحلته العلمية خرج من "المدينة" بعد أن أقام فيها ما شاء الله يطلب العلم إلى نجد، ومن نجد تجهز إلى البصرة يريد الشام، فلما وصل البصرة جلس فيها يقرأ عند عالم من أهل "المجموعة" و"المجموعة" هذه قرية من قرى البصرة في مدرسة فيها.
ويذكر حفيد الشيخ وتلميذه الشيخ عبد الرحمن بن حسن في معرض رده على ابن منصور الذي يفتخر برحلته إلى البصرة والزبير، ويقول: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب هكذا يقول: ابن منصور مفتخرًا بذهابه إلى "البصرة" و"الزبير" ومعرضًا بأن ابن عبد الوهاب لم يذهب ولم يرحل لطلب العلم، فقال هذا الرجل وهو ابن منصور: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يتخرج على أشياخ في العلم، قال الشيخ عبد الرحمن ردًّا عليه: إن الشيخ أيضًًا سافر إلى البصرة غير مرة، كل مرة يقيم بين من كان بها من العلماء فما الذي يخص ابن منصور بأخذ العلم منها دونه، إذا كان الكل قد سافر إليها، ويقول عبد الرحمن بن حسن: ثم إن شيخنا -رحمه الله تعالى- بعد رحلته إلى البصرة رحل إلى الإحساء، ثم رجع من الإحساء أيضًًا إلى البصرة.
(1/489)
________________________________________
وقال عبد الرحمن بن حسن أيضًًا: إن الشيخ خرج من البصرة إلى نجد قاصدًا الحج فحج -رحمه الله- فلما قضى الحج وقف في الملتزم وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته وأن يرزقه القبول من الناس، فخرج قاصدًا المدينة مع الحجاج يريد الشام، فعرض له بعض سراق الحجيج فضربوه وسلبوه وأخذوا ما معه وشجوا رأسه وعاقه ذلك عن مسيره مع الحجاج، فقدم المدينة بعد أن خرج الحاج منها، ثم رجع إلى نجد فقام فيهم يدعوهم إلى التوحيد.
فكلام الشيخ عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله- هذا واضح وصريح في أن الشيخ خرج من البصرة إلى نجد قاصدًا الحج، فحج ووقف في الملتزم وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس، ثم خرج من مكة قاصدًا المدينة مع الحجاج ليسافر منها إلى الشام مع حج الشام، ولكن فاته ركب الشام بسبب ما تعرض من لصوص البادية سراق الحجيج، وحين قدم المدينة لم يدركهم، وسواء بقي في المدينة أو لم يبق بها فإنه رجع إلى "نجد" من "المدينة" وقام يدعو أهل "نجد" إلى التوحيد، فلما لا تكون هذه حجة ثالثة أيضًًا؛ حيث كانت الثانية هي بداية رحلاته العلمية على ما أشرت إلى ذلك في توجيه رواية ابن بشر رحم الله -تبارك وتعالى- الجميع.
هـ- شيوخه وما أخذه عنهم من فنون العلم وتلاميذه -رحمه الله تبارك وتعالى-:
في الحقيقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بناء على ما ذكرته في رحلاته، كانت له شيوخ كثيرون، وسأذكر هنا بعض شيوخه في البلاد التي أخذ منهم العلم، وأبدأ بديار نجد، وقد ذكرت في ما مضى أن الشيخ تلقى العلم في نشأته العلمية في بلدة العيينة على والده الشيخ عبد الوهاب قاضي العيينة وعلى عمه الشيخ إبراهيم، وهما أخذا عن أبيهما علامة الديار النجدية، ومرجع علمائها الشيخ سليمان بن علي، ولا يستبعد أخذه عن غير والده
(1/490)
________________________________________
وعمه، ولكننا نستطيع تسمية أبيه وعمه؛ لأن هذا أمر متأكد منه، فأبوه الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ سليمان بن علي، وقد ولد في مدينة "العيينة" قاعدة بلدان "نجد" إذ ذاك، وكان والده الشيخ سليمان بن علي هو علامة "نجد" في زمنه، هو قاضي "العيينة" فشب في بيت علم وفضل، واشتغل بالعلم من صغره، فأخذ عن والده وعن غيره من علماء "العيينة" و"نجد" كالشيخ محمد بن ناصر حتى أدرك -لا سيما في الفقه- فإنه فقيه لا كأبيه، ودرس وأفتى وكتب عن بعض المسائل الفقهية كتابات حسنة وولي قضاء "العيينة" فمكث فيها مدة طويلة -رحمه الله تبارك وتعالى. وقد ربى ابنه الشيخ محمد تربية علمية، وقد أشرت إلى ذلك، ولا شك أن الأب إذا كان عالمًا ومعلمًا سيعتني بتعليم وتربية أولاده قبل غيرهم.
أما الشيخ الثاني الذي أخذ الشيخ بن عبد الوهاب عنه العلم في ديار "نجد" هو: الشيخ إبراهيم بن الشيخ سليمان بن علي وهو عم الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى- وقد أخذ الشيخ إبراهيم أيضًا عن أبيه وعن غيره من العلماء حتى حصل -خصوصًا في الفقه- وكتب من كتب الفقه شيئًًا كثيرًا بيده، وخطه حسن مضبوط، وقد ولي القضاء في بلدة أشيقر، ولا شك أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب الترجمة في هذا اللقاء، قد أخذ عن عمه هذا كثيرًا من صنوف العلم.
أنتقل بعد ذلك إلى شيوخ الشيخ في بلدان أخرى غير بلده العيينة، فأبدأ بالحجاز، وهنا بعض الناس يشكك في أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يتعلم في رحلاته العلمية، وأنه لم يأخذ عن الشيوخ، ولكن في الحقيقة أخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن كثير من الأئمة والعلماء والشيوخ، وقد ذكر الشيخ عبد العزيز بن باز أنه أخذ عن بعض علماء الحرم الشريف، ويقول الدكتور العثيمين: وتشير
(1/491)
________________________________________
بعض المصادر إلى أنه درس على علماء الحرمين، وهذا يعني: أنه درس في كل من مكة والمدينة، ولكن عدم ذكر المصادر لأي عالم درس محمد بن عبد الوهاب عليه في مكة يرجح أنه لم يدرس فيها مدة تستحق العناية والبحث.
وهنا قال الدكتور صالح العبود -رحمه الله-: ولكني وجدت في بعض المصادر أن الشيخ أخذ عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري، وهو مكي، وأذكر هنا من هو الشيخ عبد الله بن سالم البصري، فهو: الشيخ عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عيسى البصري أصلًا، المكي مولدًا ومدفنًا، الشافعي مسند الحجاز، عمدة المحققين ولد -رحمه الله- سنة ألف وخمسين، وقد تأهل للعلم في مكة ومات فيها، وقد ترجم له العلامة الشيخ عابد السندي الحنفي فقال: وأما إمام الحديث والمقدم في عصره، الشيخ عبد الله بن سالم البصري، فهو إمام عصره، إلى أن قال: جمع في علم الحديث بين الرواية والدراية وبلغ من التحقيق أكمل غاية، وصنف التصانيف الفائقة، وقرأ في المسجد الحرام عدة كتب، من جملتها البخاري ومسلم، والسنن الأربع، وقرأ البخاري أيضًًا بتمامه في جوف الكعبة الشريفة مرتين، وقرأ مسند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى جميعه في الروضة الشريفة في ستة وخمسين مجلسًا سنة ألف ومائة وإحدى وثلاثين.
وقد ذكرت عن هذا الشيخ لأبين أن الشيخ عبد الله بن سالم البصري أصلًا، المكي مولدًا، الذي درس عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان عالمًا، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب إذن قد درس على أئمة ورموز أهل العلم في عصره -رحمه الله تبارك وتعالى- وهذا الشيخ عبد الله بن سالم يعتبر هو الشيخ الثالث للشيخ محمد بن عبد الوهاب، بعد شيخه الأول: أبيه عبد الوهاب، وشيخه عمه الثاني: إبراهيم ابني الشيخ سليمان بن علي علامة نجد،
(1/492)
________________________________________
وقد ذكرت ترجمتهما وأشرت إليهما قبل قليل.
أما شيوخ الشيخ في المدينة النبوية، فكان على رأسهم الشيخ العالم عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف رؤساء بلدة "المجمعة" ووالد إبراهيم مصنف (العذب الفائض شرح ألفية الفرائض) الشيخ محمد بن عبد الوهاب درس على هذا العالم -رحمه الله تبارك وتعالى- وكان في المدينة المنورة، حيث كانت المدينة المنورة ملتقى العلماء وطلاب العلم من مختلف الأقطار الإسلامية، وكان بعض هؤلاء يأتي إليها فيستقر فيها، وكان بعضهم يأتي إليها فيقيم فيها فترة ثم بعد ذلك يغادرها إلى وطنها، وقد ضمت في تلك الفترة بالذات علماء درس عليهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتأثر بهم عدد ممن أصبحت لهم أدوار مهمة في بلدانهم.
وأيضًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى- أخذ عن الشيخ هذا العالم عبد الله بن إبراهيم وهو شيخه الرابع، أخذ عنه العلموجالسه كثيرًا وصارت بينهما محبة، وكان الشيخ بمحمد بن عبد الوهاب حفيًًّا، وبذل جهدًًا كبيرًا في تثقيفه وتعليمه، وكان من أكبر عوامل توثيق الروابط بينهما وتمكين المحبة، توافق أفكار الشيخ ومبادئه مع تلميذه في عقيدة التوحيد، والتألم مما عليه أهل نجد وغيرهم من عقائد باطلة زائفة، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن شيخه هذا: كنت عنده يومًًا، فقال لي: تريد أن أريك سلاحًا أعددته للمجمعة، قلت: نعم. فأدخلني منزلًا عنده فيه كتب كثير، وقال: هذا الذي أعددنا لها.
وقد ذكرت ذلك في بداية الحديث عن الشيخ -رحمه الله- وقد استفاد الشيخ بن عبد الوهاب من هذا العالم في علم الحديث وأجازه، وقد أجازه أيضًًا الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف في كل ما حواه ثبت الشيخ عبد الباقي أبي المواهب الحنبلي قراءة وتعلمًا وتعليمًا من "صحيح البخاري" بسنده إلى مؤلفه، وصحيح
(1/493)
________________________________________
مسلم بسنده إلى مؤلفه، وشروح كل منهما، و"سنن الترمذي" بسنده، و"سنن أبي داود" بسنده، و"سنن ابن ماجه" بسنده، و"سنن النسائي الكبرى" و"سنن الدارمي" ومؤلفاته بالسند، وسلسلة العربية بسندها عن أبي أسود الدؤلي، عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- إلى غير ذلك من سائر الكتب التي كان الشيخ -رحمه الله تبارك وتعالى- قد كان له سند فيها، فأجاز أيضًًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى- فيها.
أما الإمام العالم الخامس من مشايخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى- فهو: الإمام الشيخ العالم الكبير المحدث محمد حياتو بن إبراهيم السندي المدني وهو أحد العلماء المشهورين الربانيين وعظماء المحدثين، ولد في إقليم السند، ونشأ وقرأ العلم على الشيخ محمد نعيم بن محمد أمين السندي من تلامذة الشاه ولي الله الدهلوي، ثم هاجر إلى الحرمين الشريفين فحج، ثم توطن المدينة المنورة، ولازم الشيخ الكبير أبا الحسن محمد بن عبد الهادي السندي المدني، صاحب الحواشي على دواوين السنة الستة، وأخذ عنه وجلس مجلسه بعد وفاته أربعًا وعشرين سنة، وكان الشيخ محمد حياة السندي من المنكرين للبدع في الدين، وللأعمال الشركية، وقد أخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلم، وتفقه على يديه في هذه العقيدة، والسنة النبوية الصحيحة أيضًًا.
يقول ابن بشر -رحمه الله تبارك وتعالى-: وحكي أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقف يومًًا عند الحجرة النبوية، عند أناس يدعون ويستغيثون عند حجرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فرآه محمد حياة السندي فأتى إليه، فقال الشيخ -لابن عبد الوهاب طبعًًا- ما تقول: في هؤلاء؟ قال: {إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون} (سورة الأعراف: الآية: 139) وكان أيضًًا من المعارضين للتعصب للمذاهب
(1/494)
________________________________________
الفقهية، وترك الحديث الصحيح المحكم الذي لم ينسخ للالتزام بالمذهب، وهذا قد نقله عنه كثير من أهل العلم.
والشيخ محمد بن حياة الله السندي، ومنهجه السلفي أثر في الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله- جميعًا، وكان الشيخ من تلامذته الخواص، ومكث عنده زمنًًا وأخذ عنه علمًًا نبويًّا نافعًا في المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: وكان له أكبر الأثر في توجيهه إلى إخلاص توحيد عبادة الله والتخلص من رق التقليد الأعمى والاشتغال بالكتاب والسنة.
أما الشيخ السادس من مشايخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- فهو الشيخ الإمام إسماعيل بن محمد العجلوني الشافعي، وقد ولد بعجلون سنة ألف وسبعة وثمانين هجرية، وأخذ العلم عن الشيخ أبي المواهب مفتي الحنابلة بدمشق، وعن كثير من المشايخ الكبار، وأجازه الشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي، والشيخ أبو الحسن السندي ثم المدني وغيرهما، وألف المؤلفات المفيدة، منها: "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" وكانت وفاته بدمشق في شهر الحرام سنة اثنتين وستين ومائة وألف، وقد ذكره من مشايخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الشيخ عبد القادر بن أحمد المعروف بابن بدران الدمشقي، في كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل".
وقد ثبت أن العجلوني -رحمه الله- رحل إلى الحجاز، وأخذ عن المشايخ بمكة، وقد يكون -كما أشرنا- من قبل أن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى- التقى به وتعلم على يديه إما في مكة أو في المدينة -رحمهم الله تبارك وتعالى.
(1/495)
________________________________________
أما العالم السابع والشيخ السابع من مشايخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهو الشيخ علي أفندي بن صادق بن محمد بن إبراهيم بن محب الله حسين بن محمد الحنفي، الداغستاني، وقد ولد في سنة 1125 هجريًّا وقد أخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما اجتمع به في المدينة المنورة، وأجازه بمثل ما أجازه الشيخ عبد الله بن إبراهيم بما ثبت في ثبت أبي المواهب.
أيضًًا للشيخ علماء وأئمة كثيرون من هؤلاء الشيخ عبد الكريم أفندي الداغستاني، وهو ابن عم الشيخ علي أفندي المتقدم ذكره، وكذلك الشيخ محمد البرهاني، وكذلك الشيخ عثمان بكري نزيل المدينة المنورة، وقد حرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أيديهم علم التوحيد، وهناك مشايخ أخر كثيرون لهذا الإمام العالم الرباني الجليل، وقد حرصت على أن أذكر بعض هؤلاء المشايخ، وأن أذكر كلمة عنهم وأن أترجم لهم وأن أذكر العلوم التي أخذها منهم لأبين للحاقدين والحاسدين والمبغضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه تعلم العلم على يدي أئمة كبار أهل العلم، فهو إمام عالم جليل مجتهد، رحم الله أئمتنا الذي كانوا ينهجون نهج سلف هذه الأمة الصالحين.
وختامًا أصلي وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

3 - ترجمة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (3)

سِيرُتُه الذَّاتِيَّةِ
الحمد لله، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
ألتقي بكم في المحاضرة الأخيرة في مادة: "أصول الدعوة وطرقها" وهي بعنوان: "تابع ترجمة الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى".
وهذه المحاضرة تشتمل على العناصر التالية:
العنصر الأول: تابع سيرته الذاتية، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- تلاميذه:
في نهاية المحاضرة الماضية ذكرت بعضًا من شيوخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما حصله من علوم في رحلاته العلمية المختلفة، ولم آتِ على جميعه، وليس الغرض الاستقصاء، فله مشايخ أيضًا في بلاد البصرة، وقد أخذ عن الكثيرين من أهل العلم، ولكني أود الإيجاز والاقتصار؛ حتى لا أطيل.
ولذلك في بداية هذا اللقاء أيضًا أود أن أشير إلى أمر مهم، قد يأتي في ذهن بعض المستمعين ويقول: نلاحظ أنك ترجمتَ للشيخ محمد بن عبد الوهاب ترجمة طويلة وكبيرة، لم تترجمها للإمام أحمد بن حنبل، وهو إمام أعلى قدرًا وشأنًا من ابن تيمية وابن عبد الوهاب، وأقول بإن هذا حق ولم أغمطه حقه، ولكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته قائمة بين الناس اليوم، ولها دولة ترعاها وتقوم بها، وقد خالفها كثير من الحاسدين الحاقدين، وهي نفس دعوة الإمام أحمد بن حنبل، وهي نفس دعوة الإمام ابن تيمية -
(1/496)
________________________________________
رحمه الله تبارك وتعالى.
إلى جانب أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الدعوات الإصلاحية في العصر الحاضر، ولقد تحدثت عن الدعوات الكثيرة في هذا العصر، كدعوة أهل الحديث في بلاد الهند، وكدعوة الإخوان وأنصار السنة في مصر، ولم أتحدث عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، وانتظرت أن أتحدث عن عقيدته وعن دعوته حينما تأتي ترجمته -إن شاء الله تعالى- وعلى ذلك، فأنا لم أطل في الحديث عنه، ولم أعطه أكثر من غيره.
وعلى كل، فهو يستحق الحديث والإطناب -رحم الله تبارك وتعالى- الجميع.
أعود بعد ذلك إلى ذكر تلاميذ الشيخ، وأنا لا أريد أيضًا في هذا المبحث استقصاء كل من أخذ عن الشيخ واستفاد منه أي فائدة، إنما أقصد من أخذ عن الشيخ حتى تخرَّجوا على يديه، واستكملوا العلم النافع في مدرسته السلفية، وصاروا قضاة وعلماء ودعاة، وسأذكر أيضًا بعضهم.
وفيما يلي بيان مَن ذكره بعض أهل العلم من تلاميذ الشيخ -رحمه الله تبارك وتعالى - وعلى رأسه هؤلاء: الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- وقد أخذ عن أبيه، واستكمل فنون العلم، وفاق أقرانه بالمعرفة، والشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد أخذ عن أبيه، فكان آية في العلم أيضًا والمعرفة، ومعرفة فنون العلم.
والشيخ أو التلميذ الثالث للشيخ محمد بن عبد الوهاب ابنه الأكبر الشيخ علي، الذي كان عالمًا جليلًا ورِعًا دَيِّنًا فقيهًا، يُضرب به المثل في بلد الدرعية.
ومن تلاميذ الشيخ أيضًا إبراهيم ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو الابن الرابع له، يقول الشيخ عبد الرحمن بن القاسم: ولم أقف له على وفاة، ولكنه موجود سنة 1251 في مصر، وتوفي بها.
هؤلاء التلاميذ الذين ذكرتهم الآن هم أربعة، كانوا من أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد حصلوا وأخذوا منه العلم.
أما التلميذ الخامس فهو الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن مَعمر، وقد كان عالمًا جليلًا، وتوفي في مكة المكرمة.
(1/497)
________________________________________
والتلميذ السادس هو الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الحصين الناصري التميمي، الذي أخذ عن الشيخ وعن أبنائه وغيرهم في الدرعية بعد أن سبق له أخذ الفقه أولًا عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن إسماعيل في بلده "شقراء".
ومن تلاميذ الشيخ أيضًا الشيخ سعيد بن حجي، الذي رحل إلى الدرعية، فقرأ على الشيخ، كما أخذ عن ابني الشيخ حسين وعبد الله، وقرأ على الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهم من علماء الدرعية.
ومن تلاميذ الشيخ أيضًا محمد بن سويلم، الذي ولد في الدرعية ونشأ فيها، وأخذ يتلقى العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعن ابنيه العالمين حسين وعبد الله، وغيرهما.
ومن تلاميذ الشيخ أيضًا عبد الرحمن بن خميس، الإمام في قصر آل سعود.
أما التلميذ العاشر في سياق ذكري لتلاميذ الشيخ فهو الشيخ عبد الرحمن بن نامي، الذي ولد في مدينة العُيَينة ونشأ بها، ثم قرأ على علمائها، وكان ممن استجاب لدعوة الشيخ محمد إلى عقيدة السلف الصالح، فهاجر إليه في الدرعية، وقرأ عليه واستفاد منه، كما قرأ على الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، فأدرك إدراكًا جيدًا، وفي أول عام ألف ومائتين وأربع وثلاثين من الهجرة، أرسل إبراهيم باشا إلى "الأحساء" أمراءَه، فقتلوا حتى أئمة المساجد، وقبضوا على الشيخ عبد الرحمن بن نامي، فأخذوا ماله، ثم قتلوه ضمن من قتلوا ظلمًا وعدوانًا، فانتقل إلى ربه شهيدًا -رحمه الله تبارك وتعالى.
أما الشيخ الحادي عشر فهو الشيخ محمد بن سلطان العوسجي، الذي ولد في بلدة "ثادق" ونشأ فيها، ثم رحل إلى الدرعية، وشرع في القراءة على الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ثم على ابنه الشيخ عبد الله، وعلى الشيخ الفقيه حمد
(1/498)
________________________________________
بن ناصر بن معمر، حتى حصل في التوحيد والتفسير والحديث والفقه، وأصول هذه العلوم.
والشيخ الثاني عشر أو التلميذ الثاني عشر هو عبد الرحمن بن عبد المحسن أبو حسين.
أما التلميذ الثالث عشر فهو الشيخ حسن بن عبد الله بن عِيدان، الذي قدِمَ إلى الدرعية في أوج عزها، وقرأ على الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلى غيره من علماء الدرعية، كالشيخ عبد الله ابن الشيخ، والشيخ حمد بن ناصر.
أما التلميذ الرابع عشر فهو العالم الشيخ عبد العزيز بن سويلم العريني، الذي ولد في الدرعية، ولَمَّا شبَّ وأخذ مبادئ الكتابة والقراءة، شرع في طلب العلم، فتلقاه الإمام محمد بن عبد الوهاب، وعلمه، ومازال هذا التلميذ مجدًّا في تحصيل العلم على يد الشيخ عبد الوهاب حينما كان حيًّا، وعلى ابنه الشيخ عبد الله، حتى أدركَ وتفقه.
أما التلميذ الخامس عشر فهو الشيخ حمد بن راشد، الذي رحل إلى الدرعية لطلب العلم، فأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعن غيره من علماء الدرعية، وأدرك في الأصول والفقه -رحمه الله تبارك وتعالى.
وأما التلميذ السادس عشر فهو ابن ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ وقد أخذ عن الشيخ أيضًا -يعني: عن جَده رحمه الله تبارك وتعالى.
وهؤلاء التلاميذ الذي أخذوا مباشرة من الشيخ حتى صاروا أئمة وعلماء، ولا يعني ذلك أنه لم يكن للشيخ غير هؤلاء، وإنما للشيخ علماء ما أكثرهم، وكثرة التلاميذ تدل -كما هو معلوم- على مكانة الأستاذ والشيخ -رحمهم الله تبارك وتعالى جميعًا.
(1/499)
________________________________________
ولكني أكتفي عن تلاميذ الشيخ بما ذكرتُ؛ لأنتقل إلى نقطة أخرى تالية في هذا العنصر، وهي نقطة
ب- بعنوان: وفاته -رحمه الله تبارك وتعالى:
في سنة ست ومائتين وألف من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله.
قال ابن غنَّام: كان ابتداء المرض به في شوال، ثم كانت وفاته في يوم الاثنين من آخر الشهر، وكذا قال عبد الرحمن بن قاسم، وتوفي -رحمه الله- ولم يخلف دينارًا ولا دِرهمًا - سبحان الله- مع هذا العلم الجليل، ومع هؤلاء الأولاد، إلا أنه كان لا شك كل ماله ينفقه في سبيل العلم، والدعوة إليه، والجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى.
ولذلك قال عنه مَن ترجموا له بأنه توفي ولم يخلف دينارًا ولا درهمًا، فلم يوزع بين ورثته مالًا، ولم يُقسم، وقد رثاه الشعراء، وأثنى عليه العلماء، قال ابن قاسم عن يوم جنازته: وكان يومًا مشهودًا، وتزاحم الناس على سَريره، وصلوا عليه في بلدة الدرعية، وخرج الناس مع جنازته الكبيرُ والصغيرُ، وهنا أذكر بقول الإمام أحمد: "قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز" وتداول الرسائل فيه المسلمون، وهو جدير بذلك -رحمه الله تبارك وتعالى.

مُؤلفَاتُ الشيخِ، وعقيدتُه، وأثرُ دعوتِهِ في العَالَمِ الإسلَامِيِّ
أنتقل بعد ذلك إلى "مؤلفات الشيخ، وعقيدته، وأثر دعوته في العالم الإسلامي".
وهذا العنصر يشتمل على النقاط التالية:
أ- مؤلفات الشيخ:
في الحقيقة لكي أبرز علمَ الشيخ ومكانته وفضله، أود أن أسرد فقط بعضَ مؤلفاته، وإلا الحديث عما في هذه المؤلفات طويل وطويل، عن مكانتها، عن أهميتها،
(1/500)
________________________________________
عن فائدتها، ويكفي أن أشير وأذكر أن كثيرًا من هذه المؤلفات، قد شرحها كثير من أئمة أهل العلم، فإقبال طلبة العلم على شرح كتاب ما، يدل ذلك على مَكانة هذه الكتب، ومكانة مؤلفها -رحمه الله تبارك وتعالى- وكتاب (التوحيد) وحدَه هو مؤلف من مؤلفات الشيخ، شُرح شروحًا كثيرةً متعددةً.
وإليكم الآن سردٌ لمؤلفات الشيخ -رحمه الله:
1 - كتاب (التوحيد في ما يجب من حق الله على العبيد).
2 - كتاب (كشف الشبهات).
3 - كتاب (أصول الإيمان).
4 - كتاب (فضائل الإسلام).
5 - كتاب (فضائل القرآن).
6 - كتاب (السيرة المختصرة).
7 - كتاب (السيرة المطولة).
8 - كتاب (مجموع الحديث على أبواب الفقه).
9 - كتاب (مختصر الإنصاف والشرح الكبير).
10 - كتاب (مختصر الصواعق).
11 - كتاب (مختصر فتح الباري).
12 - كتاب (مختصر الهُدَى).
13 - كتاب (مختصر العقل والنقل).
14 - كتاب (مختصر المِنهاج).
(1/501)
________________________________________
15 - كتاب (مختصر الإيمان).
16 - كتاب (آداب المشي إلى الصلاة).
ولعل المستمع الكريم يلاحظ من ذكري وسردي لمؤلفات الشيخ، أنه ألَّف في أصول العلم وفروعه، في العقائد، والأحكام، والفضائل -رحمه الله تبارك وتعالى.
أنتقل بعد ذلك إلى أمر مهم، ونقطة ضرورية وصلب هذا الموضوع هي والتي يليها -إن شاء الله تعالى-
ب- بعنوان: "منهج الشيخ رحمه الله تبارك وتعالى":
منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو منهج السلف الصالح، القائم على اتباع الكتاب والسنة، وعدم الخروج عما جاء به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه عن بيان منهجه:
وأما متابعة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال، فتُوزن الأقوالُ والأفعالُ بأقوالِهِ وأفعالِهِ -صلى الله عليه وسلم- فما وافق منها قُبل، وما خالف رُدَّ على فاعله كائنًا مَن كان، فإن شهادة أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- تتضمن تصديقه فيما أخبره به، وطاعته، ومتابعته في كل ما أمر به، وقد روى البخاري في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومَن يأبى يا رسول الله؟ -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)).
ويقول أيضًا:
فتأمل -رحمك الله- ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه بعده والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وما عليه الأئمة المقتَضى بهم من أهل الحديث والفقهاء، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل -رضي الله عنهم أجمعين- لكي تتبع آثارهم.
(1/502)
________________________________________
هذا كلام الشيخ -رحمه الله- في أول أمر من مناهجه، ألا وهو اتباع الكتاب والسنة.
ومن منهج الشيخ أيضًا هو أن طلب العلم فريضة على كل ذكر وأنثى، وأنه شفاء للقلوب المريضة كما قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} (طه: من الآية: 123) وأن العلم قبل العمل ومقدم عليه، وهو إمامُه وسائقُه والحاكمُ عليه.
ويريد الشيخ بالعلم: العلم بما أمر الله به، والنهي عما نهى الله -تبارك وتعالى عنه- يعني: معرفة التوحيد والإيمان، معرفة الله، ومعرفة نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- معرفة دين الإسلام بالأدلة والعمل بتلك المعرفة، ومفتاح العلم في ذلك هو الدليل، كما في قوله تعالى: {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} (الكهف: من الآية: 15) قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فهذه المسألة مِفتاح العلم، وما أكبر فائدتها لمن فَهِمها.
ويرى الشيخ أن اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة هدي الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وما جاء به، فإنه لا سبيلَ إلى الفلاح إلا على يديه، ولا إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جِهته، فأي حاجة فرضت وضرورة عرضت، فضرورة العبد إلى هدي الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فوقها بكثير، وإذا كانت السعادة معلقة بهديه -صلى الله عليه وآله وسلم- فيجب على كل من أحب نجاة نفسه، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن خطة الجاهلين، والناس في هذا بَيْن مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فالشيخ لا يريد علمًا غير نافع، ولا علمًا مجردًا عن العمل، ولا يقصد غير ما أمر الله -تبارك وتعالى- به، ونهى عنه رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/503)
________________________________________
ومن منهج الشيخ في إزالة الشبهات: أن يتبع ما كان عليه السلف الصالح، فمن عادتهم أنهم يزيلون الشبهة بسؤال العلماء، وأن العلماء يجيبون السائل بما يزيل الشبهة، وذلك أنهم ينسبون الكلام إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقط؛ لعمق علمهم، ولا يخفى أن المقصود بالسلف الصالح وبالعلماء هنا أنهم الصحابة والتابعون، فإن هذه القاعدة التي اعتادها السلف الصالح وبينها الشيخ في مؤلفاته، ينبه بها على أنها قاعدة منهجية، يجب على المسلمين أن يتبعوها في سيرة حياتهم، وهي مستنبطة من الآثار الواردة عن الصحابة وعن التابعين، فعليهم أن يرجعوا إلى أهل العلم، وأن يسألوهم؛ حتى تُزال الشبهات، التي يمكن أن تقوم في نفوسهم.
ولذلك لما حدث في نفوس بعض الناس إشكالٌ في القدر؛ لبعدهم عن العلم النبوي، اتجهوا إلى صحابة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يسألونهم كابن عمر، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، ونحوهم، فهؤلاء همُ العلماء.
ومن عادة هؤلاء السلف أنهم يبدءون بالأهمِّ فالأهمُّ، والتنبيه على التعليم بالتدريج كما رسم ذلك رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حين بعث معاذًا إلى اليمن وقال له: ((فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)) وفي رواية: ((إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فَأَعْلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تُؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم)) ونحو ذلك أيضًا كما جاء في حديث بَعث علي إلى خيبر ليفتحها، والحديث متفق عليه.
ولذلك يقول في هذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى- مبينًا هذا المنهج في التعليم، والتدرج، والتلقي، والرجوع إلى سلف الأمة الصالحين.
(1/504)
________________________________________
إذا أردت البحث عن هدي الله الذي جاء من عِنده، فإنك تبتدي بالأسهل فالأسهل، وأسهل ما يكون وأهمه القصص التي قص الله علينا عن الأنبياء وأممهم، وأول ما تبدي به من القصص التي قص الله، قصة أبيك آدم وإبليس، وما ذكر الله عنهم، حيث إن آدم -عليه السلام- اعترف بذنبه وتاب منه، وقد تاب الله -تبارك وتعالى عليه- وأكثر الناس يظنون أن الاعتراف بالذنب مذلة، ويستهزئون بمن أقر بذنبه واعترف وتاب منه، وإبليس -لعنه الله- لما احتج بالقدر ولم يعترف بذنبه، طرده الله -تبارك وتعالى- وأصبح يائسًَا من رحمة الله، فرجوع آدم واعترافه بذنبه أفضل ما فعله، وعلينا أن نقتدي بذلك.
ويقول ابن عبد الوهاب أيضًا مبينًا مثل هذه المواقف في البدء بالعلم، والتدرج فيه:
ينبغي للمعلم أن يعلم الإنسان على قَدر فَهمه، فإن كان ممن يقرأ القرآن، أو عرف أنه ذكي، فيُعلم أصل الدين وأدلته، والشرك وأدلته، ويقرأ عليه القرآن، ويجتهد أنه يفهم القرآن فهم قلب، وإن كان رجلًا متوسطًا في الذِّكر والفَهم، ذكر له بعض هذا، وإن كان مثل غالب الناس ضعيف الفهم، فيُصرح له بحق الله على العبيد كما ذكر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لمعاذ.
ويبين الشيخ -رحمه الله- أن من أساليب العلماء أنهم يخرجون المسألة للمتعلم بالاستفهام عنها، كما فعل -صلى الله عليه وآله وسلم- مع أصحابه لَمَّا قال لهم في يوم من الأيام بعد صلاة صبح: ((أتدرون ماذا قال ربكم)) وذلك في حديث زيد بن خالد الذي يقول: ((صلى لنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- صلاة الصبح بالحديبية، وذلك على أثر سماء -يعني: مطر- كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟)) فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان من أسلوبه في التعليم أن يسأل أولًا؛ لكي يستحثَّ المستمعَ إلى أن يستمع الجواب، وأن يفهمه.
(1/505)
________________________________________
ومن منهج الشيخ -رحمه الله- أيضًا، أنه كان يحدث الناس بما يعرفون؛ أخذًا بقول علي - رضي الله تعالى عنه-: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذبَ اللهُ ورسولُه" وقد ذكر هذا الحديث الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه.
والشيخ -رحمه الله- يبين أن أهم وأنفع شيء هو معرفة قواعد الدين على التفصيل، فإن أكثر الناس يفهم القواعد ويقر بها على الإجمال، ويدعها عند التفصيل، مثل مَن يقول: التوحيد زين، والدين حق، فإذا تبين له أن من التوحيد والدين تكفيرُ المشرك وقتاله على ذلك، ترك هذا الأمر؛ لأنه لا يوافق هواه.
ويتبين من خلال ما ذكرتُ، أن الشيخ -رحمه الله تعالى- انحصر كلامه في منهجه في التعليم في أمرين:
الأول: أن الله -تبارك وتعالى- بعث محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- لإخلاص الدين، ويجب إذن ألا يجعل العباد مع الله تبارك وتعالى شريكًا في أي لون من ألوان العبادة، لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، ولا قبرًا، ولا حجرًا، ولا شجرًا، ولا غير ذلك.
الأمر الثاني: وجوب اتباع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الاعتقادات والأقوال والأفعال، كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران: من الآية: 31).
ويجب -بناءً على هذا- ترك الابتداع في الدين، وترك ما ليس من سنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) وفي رواية مسلم: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)) فتُوزن أقوال الناس وأفعالهم الباطنة والظاهرة في عبادة الله تعالى بأقوال الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فما وافق منها أقوال الرسول -عليه الصلاة والسلام- وأفعاله قُبل، وما خالف رد على فاعله كائنًا من كان.
(1/506)
________________________________________
ويقول الشيخ بعد كلام طويل له في تقرير طلب العلم للسنة والعمل بها، وقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل على رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- من الكتاب والحكمة، ومعرفة ما أراد بذلك، كما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم، وكل ما يحتاج الناس إليه، فقد بينه الله ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- بيانًا شافيًا كافيًا، فكيف أصول الدين والتوحيد والإيمان، ثم إذا عُرف ما بينه -صلى الله عليه وآله وسلم- نُظر في أقوال الناس وما أرادوا بها، فعرضت على الكتاب والسنة والعقل الصريح الذي هو موافق للرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فإنه الميزان مع الكتاب، فهذا سبيل الهُدى.
وأما سبيل الضلال والبدع والجهل، فعكسه أن تبتدع بدعة بآراء الرجال وتأويلاتهم، ثم تجعل ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- تبعًا لها، وتحرِّف ألفاظه، وتُؤول على وفق ما أصَّلوه، وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ولا يتلقون منه الهُدى، ولكن ما وافقه منه قبلوه وجعلوه حجة لا عمدة، وما خالفهم منه تأولوه، كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه، أو فوَّضوه كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني.
هذه كلمة يسيرة، ولو شئت أن أطيل لفعلت عن منهج الشيخ -رحمه الله تبارك وتعالى- ويظهر من ذكري لمنهج الشيخ -رحمه الله- الاتباع الكامل لكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- والحرص على طلب العلم، ومخاطبة الناس بالتي هي أحسن، واستعمال الوسائل التربوية في مثل ذلك.
جـ- والحديث فيها يطول ويطول، ولكني سأجتزِئ قدرَ الإمكان نقطة ج بعنوان: "عقيدة الشيخ في التوحيد":
الكلام في التوحيد يكون من مقامين:
مقام الخبر: وهو الذي يترتب عليه توحيد المعرفة والإثبات، أي: التوحيد العلمي.
(1/507)
________________________________________
ومقام الطلب: وهو الذي يترتب عليه توحيد القصد والإرادة، أي: التوحيد العملي، والعلم قبل العمل، وهو إمامه وقائده، وبقدر نفع العلم يكون صلاح العمل، كما قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم} (محمد: الآية: 19).
ولذلك لما ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- قول البخاري: "باب العلم قبل القول والعلم" قال الشيخ: بدأ البخاري بالعلم قبل القول والعمل، ولهذا سأذكر هنا موقف الشيخ وعقيدته -رحمه الله- وما ذكره من أنواع التوحيد، فأقول أولًا: "توحيد المعرفة والإثبات":
يعتقد الشيخ في هذا الباب أن توحيد الله تعالى هو المبني على اعتقاد أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريكَ له، وهذا هو توحيد الربوبية، وواحد في ذاته وأسمائه وصفاته لا نظير له، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات كلاهما من باب واحد، هو توحيد المعرفة والإثبات، وهو التوحيد العلمي الخبري، وهذا التوحيد هو الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا لمن لم يعطه حقه، وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي، ولا يدبر الأمور إلا هو سبحانه، وهذا حق وقد أقر به الكفار، كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُون} (يونس: الآية: 31) ولكنهم كفروا، حيث لم يعبدوا الله وحده كما هو مقتضى شهادتهم بالربوبية، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} (الزمر: الآية: 3).
(1/508)
________________________________________
وتوحيد الربوبية ثابت مشهود، لا يحتاج إلى دليل، بل هو الدليل على توحيد الطلب كما أنزل الله في محكم كتابه يحتج به على مَن كفر من خلقه، الله -عز وجل- كان يسوق الآيات الدالة على توحيد الربوبية؛ لإقامة الحجة على مَن اتخذ مع الله آلهة أخرى، كأنه يريد أن يقول: يا من تعترفون بأن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، المتصرف في هذا الكون، اعبدوه وحده دون سواه.
أما توحيد الأسماء والصفات فيقول الشيخ عنه:
وأما توحيد الصفات، فلا يستقيم توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات، والكفار أعقلُ ممن أنكر الصفات، ذلك أن الكفار يزعمون أن الله هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، فهم أثبتوا أن الله يتصف بأنه معبود، لكن نازعوا في توحيد العبادة، فقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (ص: الآية: 5) ولم يرضوا أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأنهم عرفوا أنها تعني توحيد العبادة.
والمتكلمون أضلهم كلامهم عن معرفة الإله، فقالوا: إنه القادر على الاختراع، وأن الألوهية هي القدرة، فإذا أقررنا بذلك فهو معنى قوله: {لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} ثم استحوذ عليهم الشيطان، فظنوا أن التوحيدَ لا يتأتى إلا بنفي الصفات، فنفوها، وسموا من أثبتها مجسمًا، ورد عليهم أهل السنة بأدلة كثيرة، منها: أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات، وأن معنى الإله هو المعبود، فإذا كان هو سبحانه متفردًا به عن جميع المخلوقات، وكان هذا وصفًا صحيحًا، لم يكذب الواصف به، فهذا يدل على الصفات، ويدل على العلم العظيم والقدرة العظيمة لرب العالمين -سبحانه وتعالى.
(1/509)
________________________________________
وفي ذلك أيضًا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
من أنكر الصفات فهو معطل، والمعطل شر من المشرك، ولهذا كان السلف يسمون التصانيف في إثبات الصفات "كتب التوحيد"، وختم البخاري صحيحه بذلك، قال: "كتاب التوحيد": ثم ذكر الصفات بابًا بابًا، فنكتة المسألة أن المتكلمين يقولون: التوحيد لا يتم إلا بإنكار الصفات، فقال أهل السنة: لا يتم التوحيد إلا بإثبات الصفات، وتوحيدكم هو التعطيل، ولهذا آل القول ببعضهم إلى إنكار الرب -تبارك وتعالى.
ومن المعلوم لدى المسلمين، أن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره، فإذا سمى نفسه ووصفها، فذلك هو الفيصل في المسألة، وكذلك رسول الله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أعلم بالله الذي أرسله مِن غيره، فيصار إلى ما بينه من أسماء الله وصفاته، ولا يُعدل عنه، هذا مع شهادة العقل الصريح لِمَا ثبت بالنقل الصحيح عن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فإن العقل الصريح هو الموافق للرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذا هو الميزان مع الكتاب.
وبناءً على ذلك، فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعتقد -كما ذكر هو في بعض أقواله، وقد أشرت إلى بعضها-: أن ما دل عليه القرآن الكريم من الأسماء الحسنى التي سمَّى الله بها نفسه في كتابه، وتعرَّف بها إلى خلقه، يجب أن يثبته الإنسان؛ لأن الله -عز وجل- ذكرها في كتابه، وذلك كاسم الله الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر ... إلى آخر ما ورد في القرآن.
والله -عز وجل- أمرنا بأن ندعوه بها، وأن نترك مَن عارض من الجاهلين الملحدين، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون} (الأعراف: الآية: 180).
ومن بيان الله -سبحانه وتعالى- في كتابه أن وصف نفسه، فذكر من صفاته الألوهية والربوبية والمُلك، وذلك في أول سورة في المصحف في سورة الفاتحة، وكذلك ذكر ذلك أيضًا
(1/510)
________________________________________
في آخر سورة في المصحف: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ} (الناس: من الآية: 1 - 3).
فهذه ثلاثة أوصاف لربنا -تبارك وتعالى- ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن، ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد آخَرَ في آخر ما يطرق سمعك من القرآن، فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذا الموضع، وأن يبذل جهده في البحث عنه، وأن يعلم أن العليم الخبير لم يجمع بينهما في أول القرآن، ثم في آخره، إلا لِمَا يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفة الله بها، وأنه إلههم الذي لا إله إلا هو، وربهم الذي لا رب سواه، وأنه ملكهم المتصرف فيهم، وهم عبيده، المدبر لهم كما يشاء، الذي له القدرة والسلطان، يخفض ويرفع، ويصل ويقطع، ويعطي ويمنع، لا شريك له، ولا لهم ملك من دونه يهربون إليه إذا دهمهم أمر، ولكن إليه المصير، فهو ملك الناس -سبحانه وتعالى.
وفي سورة الفاتحة معرفة الله على التمام، ونفي النقائص عنه -تبارك وتعالى- وفيها معرفة الإنسان ربه، ومعرفة نفسه، فإنه إذا كان هناك رب فلا بد من مربوب، وإذا كان هنا راحم فلا بد من مرحوم، وإذا كان هنا مالك فلا بد من مملوك، وإذا كان عبد فلا بد من معبود، وإذا كان هنا هاد فلا بد من مهدي، وإذا كان هنا منعم فلا بد من منعم عليه، وإذا كان هنا مغضوب عليه فلا بد من غاضب، وإذا كان هنا ضال فلا بد من مضل، فهذه السورة تضمنت الألوهية والربوبية، ونفي النقائص عن رب البرية -سبحانه وتعالى.
أنتقل بعد ذلك إلى كلام أيضًا في تتمة بيان عقيدة الشيخ:
ذكرتُ عقيدة الشيخ في توحيد الربوبية والأسماء والصفات، أود أيضًا في إشارة عاجلة سريعة أن أتحدث عن توحيد الألوهية والعبادة عند الشيخ -رحمه الله-:
(1/511)
________________________________________
الشيخ في هذا الباب يعتقد أن التوحيد ينبني على أن الله واحد في ألوهيته، لا إله حق إلا هو، وألوهية الله تعالى هي مجموع عبادته على مراده نفيًا وإثباتًا، علمًا وعملًا، جملةً وتفصيلًا، وحاصل ما يقول الشيخ في تعريف هذا التوحيد: أن التوحيد اسم لفعل العبد المأمور به، فإن كانت أعماله التعبدية كلها لله وحده، فهو موحد، وإن كان فيها شرك للمخلوق، فهو مشرك، فالتوحيد: هو إفراد الله بجميع أنواع العبادة، لا يشركه فيها أحد، ولا يستحق العبادة أحد إلا الله، فعبادة الله خالصة له، لا يستحق شيئًا منها ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
ويقول الشيخ -رحمه الله تعالى- في تلخيصه عن ابن تيمية كلامًا جميلًا في ذلك:
إذا كان الكلام في سياق التوحيد، ونفي خصائص الرب عما سواه، لم يجز أن يقال هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة، فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان من أعظم الناس تقريرًا لِمَا يقال على هذا الوجه، وإن كان هو المسلوب كما قالت عائشة -رضي الله عنها - لَمَّا أخبرها ببرائتها: "والله، لا أقوم إليه ولا أحمده، ولا أحمد إلا الله" وفي لفظ: "بحمد الله لا بحمدك" فأقرها -صلى الله عليه وآله وسلم- وأبوها على ذلك؛ لأن الله سبحانه الذي أنزل براءتها بغير فعل أحد، قال حيان: قلت لابن المبارك: إني لأستعظم هذا القول، قال: ولَّت الحمد أهله.
الشاهد من هذا الكلام: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أقر أم المؤمنين عائشة لما قالت: "لا أقوم إلا إلى الله، ولا أحمد إلا الله" وهذا الكلام يذكره الشيخ ابن عبد الوهاب - رحمه الله تبارك وتعالى- ليبين كيف يكون التوحيد وهو عند خيار الناس كذلك.
(1/512)
________________________________________
ويعتقد الشيخ أن الله أمر جميع الناس بتوحيد الله في العبادة والإلهية بجميع أنواعها، ونهاهم عن ضد هذا التوحيد، والدليل هو قول الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} (النساء: من الآية: 36) وقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (الإسراء: من الآية 23) وهو أعظم ما أمر الله به، وفرض وأوجب سبحانه، كما أن أعظم ما حرم الله ونهى عنه هو ضده وهو الشرك، قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} (الأنعام: من الآية: 150).
قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- التي عليها خاتَمَهُ فليقرأ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} " الآية.
قال الشيخ - رحمه الله محمد بن عبد الوهاب- في هذه الآية وما يليها من آيات: فيه عظم شأن الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف، وكذلك الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها اثنتا عشرة مسألة، بدأها الله بقوله: {لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} (الإسراء: الآية: 22) وفيها قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} (الإسراء: من الآية 23) ولحديث معاذ: ((كنت رديفَ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على حمار فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله: ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا، قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أفلا أبشر الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا)) أخرجاه في الصحيحين.
قال الشيخ معلقًا على هذا الحديث: وفي هذا أن العبادة هي التوحيد، وأن من لم يأتِ به لم يعبد الله، ففيه معنى قول الله تعالى: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد} (الكافرون: الآية: 3).
(1/513)
________________________________________
ويقرر الشيخ بأن إفراد الله بالعبادة هو التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وهو أصل الدين، وهو الذي خلق الله الثِّقَلينِ -الجن والإنس- من أجله، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} (الذاريات: الآية: 56) وهو الذي أرسل الله به الرسل، وأنزل من أجله الكتب، وفرض من أجله الجهاد، وشرع له شريعة الإسلام، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت} (النحل: من الآية: 36).
يقول الشيخ رحمه الله محمد بن عبد الوهاب:
اعلم -رحمك الله-: أن الله -سبحانه وتعالى- إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجل التوحيد، فإذا لم يفعله الإنسان ويجتنب الشرك، فهو كافر، وكل أعماله حابطة، ولو كان من أعبد هذه الأمة، يقوم الليل ويصوم النهار، قال الله تعالى في الأنبياء: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُون} (الأنعام: من الآية: 88) وتصير عبادته كلها كمن صلى ولم يغتسل من الجنابة، أو كمن يصوم في شدة الحر وهو يزني في أيام الصوم.
أما فضل التوحيد، فهو فضل عظيم، وثواب كبير، ويكفر الذنوب، كما روى الترمذي وحسنه عن أنس: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لآتيتك بقرابها مغفرة)) وكما في حديث عتبان: ((فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)).
قال الشيخ -رحمه الله-: إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: ((فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)) أنه ترك الشرك، وتركه بالكلية علمًا وعملًا وقولًا باللسان، وأن ترك الشرك باللسان فقط دون العمل، لا ينفع ولا يفيد.
(1/514)
________________________________________
كما أشار الشيخ -رحمه الله- مبينًا فضل التوحيد، في أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، كما قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِين} (النحل: الآية: 120) وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُون} (المؤمنون: الآية: 59) وكما في حديث حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في عرض الأمم على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ومنهم أمته: ((وفي أمتي سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)) وهم الذين حققوا التوحيد بتركهم الاسترقاء، والاكتواء، والتطير، متوكلين على الله تعالى.
والشيخ قد بين أهمية التوحيد، وأهمية معرفته في كتابه (التوحيد) وعقد أبوبًا متعددة لذلك، فمَن أتى بهذا التوحيد فوحد الله في ألوهيته وعبادته، فقد وحد الله في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وربوبيته، والشيخ محمد بن عبد الوهاب اجتهد -رحمه الله- في توضيح هذه الحقيقة، ودافع عنها، ونافح عنها، ولقد استفاد الناس كثيرًا منه في هذه المسائل، واستفادوا من كتبه -رحمه الله.
ولذلك قبل أن أنهي محاضرتي، أود في نقطة تالية وهي:
د- أن أشير إلى أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك تعالى- في العالم الإسلامي:
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب له أثر كبير في العالم الإسلامي، فالنهضة القائمة اليوم، والدعوات السلفية الصحيحة القائمة والمنتشرة في هذا الزمان، والتي اتبع الناس فيها منهج الكتاب والسنة وفق فهم سلف هذه الأمة، كانت بسبب دعوة الشيخ في هذا العصر بهذا الشيخ المجدد -رحمه الله تبارك وتعالى.
فالدعوة قد انتشرت في اليمن، وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله-: أن علماء السنة في اليمن قد بلغهم كل ما قيل في الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- فبحثوا، وتثبتوا، وتبينوا كما أمر الله تعالى، فظهر لهم الحق، وظهر أن الطاعنين عليه مفترون لا أمانة لهم، وأثنى -رحمه الله تبارك وتعالى الشيخ- رشيد رضا على فحول أئمة علماء اليمن، الذين اتبعوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله.
(1/515)
________________________________________
كذلك أيضًا، انتشرت دعوة الشيخ في بُلدان الخليج العربي، فها حكام قطر تعلموا على يد الشيخ وأحفاده، ولذلك وجدنا أن الشيخ أحمد بن حجر بن محمد آل بوطامي قاضي المحكمة الشرعية بقطر -رحمه الله- ألف كتابًا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تبارك وتعالى.
كذلك أيضًا انتشرت هذه الدعوة في بلاد الشام، ومصر، وفارس، والهند، وغير ذلك من بلاد العالم، بل إن في جميع دول العالم حتى في أمريكا واليابان، صدًى طيب لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى.
وللأسف الشديد وُجد لهذه الدعوة أعداء -كفانا الله تبارك وتعالى شرهم- فالشيخ -رحمه الله- لم يكن مبتدعًا، ولم يأتِ بشيء جديد، وإنما كان باحثًا وداعيًا إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلوات الله وسلامه عليه.
وقد أطلت الحديث عنه؛ لأبين لإخواني أن الصحوة المباركة في عالم اليوم، إنما هي بسبب أيضًا دعوة الشيخ، وانتشار أتباعه، وبسبب أيضًا جهد المملكة العربية السعودية التي تتبنى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى- وتنشر العلم النافع في مدارسها وجامعاتها من خلال كتب الشيخ، وأبنائه، وأحفاده، وتلامذته -رحم الله تبارك وتعالى- الجميع.
وبهذه الكلمات المباركات -أيها الأخوة الأفاضل- جمعني الله وإياكم على خير، ينتهي هذا المنهج المقرر عليكم في مادة: أصول الدعوة وطرقها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/516)
________________________________________

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة
المصدر: ملتقى شذرات

__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
أسوأ, الدعوة, وطرقها


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه للموضوع أصول الدعوة وطرقها 4
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أصول الدعوة وطرقها 3 Eng.Jordan دراسات ومراجع و بحوث اسلامية 1 01-03-2021 10:26 AM
أصول الدعوة وطرقها 2 Eng.Jordan دراسات ومراجع و بحوث اسلامية 0 01-03-2021 10:19 AM
أصول الدعوة وطرقها 1 Eng.Jordan دراسات ومراجع و بحوث اسلامية 0 01-03-2021 10:17 AM
أصول الدعوة Eng.Jordan دراسات ومراجع و بحوث اسلامية 0 01-03-2021 10:15 AM
أصول الدعوة Eng.Jordan دراسات ومراجع و بحوث اسلامية 0 01-03-2021 10:10 AM

     
 

  sitemap 

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:01 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع