العودة   > >

أصول الإنشاء والخطابة

الكتاب: أصول الإنشاء والخطابة المؤلف: محمد الطاهر ابن عاشور (المتوفى: 1393 هـ) المحقق: ياسر بن حامد المطيري الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى،

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-03-2021, 10:08 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 24,842
افتراضي أصول الإنشاء والخطابة






الكتاب: أصول الإنشاء والخطابة
المؤلف: محمد الطاهر ابن عاشور (المتوفى: 1393 هـ)
المحقق: ياسر بن حامد المطيري
الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1433 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أصول الإنشاء والخطابة

للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور
(المتوفى سنة 1393 هـ)

تحقيق

ياسر بن حامد المطيري

مكتبة دار المنهاج بالرياض
الطبعة الأولى 1433 هـ
(1/1)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الحمد لله منشئ الخلق ومعيده، وواهب البيان لراغبه ومستزيده، والصلاة والسلام على رسوله الذي أيده بمعجزِ القرآن، وأرسله بالبينات وأنزل معه الكتاب والميزان، وعلى آله وأصحابه أفضلُ مَنْ فَرَعَ المنابر، وسطَّرت فخرَه الأقلامُ في الدفاتر، أما بعد:
فإن مزية فن الإنشاء قد ترجَمَتْ عنها كثرةُ مطالبيه، ونباهة شأن النابغين فيه، كيف وهو الذي يُفصِحُ به المرءُ عما يريد من المقصِد، وطالما كفى قلمَ الكاتب مُهِمَّهُ فما ضرَّه أن لا يُهَزَّ المهنَّدُ.
وقد كنت أمليتُ على بعض المتعلمين عُجَالةً تُلِمُّ بالمهم من أغراضه إلماما، وتَرِيشُ لقُنَّاصِ شوارده سِهَاما، وتمكِّنُ بأيديهم لصِعَابه زِمَاما، تجنبتُ فيها طريقة جمهور المؤلفين في هذا الفن؛ إذ ملؤوا كتبهم بمسائل علم المعاني والبيان، وربما تجاوزوا إلى بقية علوم اللسان، وتركوا جانب المسائل الخاصة بهذا الفن ظِهْريًّا، إلا قليلاً منها لا يفيد المطالع كمالاً أدبيًّا، وقد تلقَّفوا ذلك الصنيع، فتابع المتأخرُ المتقدمَ وتشبَّه فيه الظالعُ بالضَّليع، والعذرُ للمتقدِّمين منهم: أنَّ علم الأدب لم يكن في عصرهم منخولاً بعضُ فنونه من بعض، أما المتأخرون فإنما
(1/45)
________________________________________
اتبعوا طريقة المتقدمين بعد أن تمايزت الفنون، حتى أصبح طَلبَة هذا الفن إن هم شرعوا فيه نُقِلت لهم المسائلُ التي قرؤوها في علم البلاغة فلم يجدوا فائدةً يستزيدونها، ولا مُهِمَّةً ينقلونها، فربما أُدخِلَ على أذهانهم بذلك شيءٌ من التَّهويس، زيادةً على ما أُضِيعَ من وقتهم النفيس، ولذلك جَعَلْنا بعض مسائل فنون البلاغة لهذا الفنِّ كالأصول نُحِيل عليها المتعلِّم، ونكتفي فيها بتوقيف المعلِّم؛ لئلا يطول الفنُّ بلا طائل، وأخذنا من كلام أئمة الفن المتناثر، ما جعلنا له قواعدَ وكلياتٍ وأدرجناه تحتها كالشواهد، فجاء شبيهًا بقطارٍ نُظِمَ مِنْ مُرْتَاضِ الشَّوارد، وجاء أولَ إملاءٍ فيما علمتُ ظهر به فنُّ الإنشاء مهذَّبًا ممتازًا عما سواه، ومَنْ خَبرَ ما سلف من كُتبه عَلِمَ قيمةَ ما صنعنا، وكيف تتبَّعنا مواقعَ القطر فانتجَعْنا.
وكان العزمُ معقودًا على أن نعود إلى تلك الأمالي فنهذِّبَ ديباجَها، ونعالجَ مِزَاجَها، فحالت دون ذلك شواغل، وصَرَفت الذهنَ خصومٌ ونوازل، إلى أن اشتدت حاجة الراغبين في تعلم الإنشاء إلى كتاب يبيِّنُ طرائقه، ويُدنِي لِجَانِيه حدائقَه، فرأيتُ من اختلاف طرقِ المزاولين، وتعطُّشِهم إلى كتابٍ مُذَكِّرٍ أو معين، ما حداني إلى أن نفضتُ منها عُثَّ الهِجْران، وأَمَطْتُ عنها عناكب النِّسْيان، ورجائي من أهل الأدب ورواته، وأطبَّاء اللسان وأُسَاته، أن يتلقَّوْها تلقَّيَ الجيش للرَّبيئة، ويضموا إليها ما تُوضِحُه شمسُ أفهامهم المضيئة.
(1/46)
________________________________________
مقدمة
الغرض من تدريس الإنشاء: هو إبلاغ المتعلم إلى الإفصاح عن مراده، كتابة أو قولاً مِن أقرب طريق، وسلوكِ سبل الإفهام بأحسن ما يُستطاع من التعبير، ومن الواضح أن ذلك لا يحصل بقواعد مطردة، بل الأصل فيه هو الممارسة، ومزاولة مآثر نوابغ الكُتَّاب في ألفاظهم ومعانيهم، لتحصل منها في ذِهْن المُطَالِع قوالبُ غيرُ جُزْئِيَّة تُفرَغُ فيها أمثالُها، وإنما القواعد التي تُدرَس في هذا الفَنِّ ليست غير أُنموذجٍ من طرق التعبير، أو كليات في حُسْن التنسيق واختلاف أغراض الكلام ونحو ذلك، مما يجعلُ بصيرةَ المتعلِّم قادرةً على الحكم والتمييز بين ما يجب أن يأخذَه وما يجب أن يتركَه.
إذن، فالإنشاء: علمٌ تُعرَف به كيفيَّةُ أداء المعاني التي تخطُِر بالذِّهْن أو تُلقَى إليه، على وَجْهٍ تتمكَّنُ به من نفوس المخاطبين، من حيث حُسْنُ رَبْطِ أجزاء الكلام، واشتماله على ما يُستَجَاد من الألفاظ ويحسن من الأساليب، مع بلاغته.
فقولنا: (تُعرَفُ به كيفيَّة أداء المعاني) يدخل فيه علوم اللغة كلُّها.
(1/47)
________________________________________
وقولنا: (التي تخطُِر بالذهن أو تُلقَى إليه) لقَصْد التعميم؛ لأنَّ من الناس من لا يحسن التعبير عن غير المعاني التي تخطر بذهنه، فإذا كُلِّفَ إنشاءَ شيءٍ اقتُرِحَ عليه لم يستطع، حتى قيل: إنَّ الأفضل للكاتب أن يكتب كما يريد ويُرَادُ منه. وقيل: إنَّ الحريريَّ صاحب المقامات لَمَّا أُحضِر من العراق لديوان الإنشاء ببغداد، وكُلِّفَ كتابةَ كتابٍ أُفْحِمَ حتى قيل فيه:
شَيْخٌ لنَا مِنْ رَبيعَةِ الفَرَسِ ... يَنْتِفُ عُثْنُونَهُ مِنَ الهَوَس
أنطقَه الله بالعراق كمَا ... ألْجَمَهُ في بغدادَ بالخَرَس

وقولنا: (على وَجْهٍ تتمكَّن به من نفوس المخاطبين بها) خرج به علم اللغة، والنحو، والصرف، إذ لا يشترط فيها ذلك.
وقولنا: (من حيث حسن ربط أجزاء الكلام ... إلخ) لإخراج علم
(1/48)
________________________________________
البلاغة؛ لأنه لا تشترط فيه تلك الحيثيَّة، وبذلك فارق هذا الفنُّ بقيةَ فنون الأدب اللساني.
وقولنا: (ما يُستَجاد من الألفاظ، ويحسن من الأساليب) إشارةٌ إلى أنَّ من أخصِّ وظائف المنشئين التَّدَرُّبَ على اختيار أخفِّ الألفاظ استعمالاً ورَوْنَقًا، وتحسين أسلوب الخطاب واختيار ما يناسب المقام منها وسيأتي الكلام على اختيار الألفاظ في القسم اللفظي والكلام على الأساليب بعد هذا.
وقولنا: (مع بلاغته) لإخراج ما ليس ببليغ، فليس من الإنشاء المبحوث عنه عُرفًا، وإنما هو التعبير عن المعاني كيفما اتفق، وذلك لا يَتوقَّف إلا على معرفة المفردات، وكيفية رَبْط الكَلِم بعضها ببعض، والبحثُ عنه في أُولَيَات علمي النَّحْو والصَّرف.
وموضوعُه: الكلامُ العربي من حيث رَبْط جُمَلِه ومحاسن كَلِمَه، وبذلك فارق موضوع البلاغة؛ إذ الإنشاء لا يتعلَّق إلا بالكلام المشتمل على جُمَلٍ كثيرة، ولا يدخُلُ الجملةَ الواحدة المفيدة، إلا أنَّ بعض أبوابٍ من البلاغة لا تخلو من شديدِ انتسابٍ بمسائل الإنشاء، كالفَصْل والوَصْل، والإيجاز والإطناب، وبعض المحسِّنَات البديعيَّة.
واستمدادُه: من كلام البُلَغَاء وخُطَبهم، ورسائلهم، وأشعارهم، وآداب العرب وعوائدهم، ومشهور أحوال الأمم المعروفة وأمثالها، قال ابن الأثير في المثل السائر: "قد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلَّقَ بكلِّ عِلْمٍ، وأهمُّ ما يَفتقِر إليه أنواع ثمانية: علم العربية، وأمثال العرب العَارِبَة ومَنْ
(1/49)
________________________________________
بَعدَهم وأيامُهم ووقائعُهم، والاطلاعُ على كلام المتقدِّمين من الكُتَّاب في النَّظم والنَّثر، وحفظ كثيرٍ منه، ومعرفةُ الأحكام السُّلْطَانية، وحفظُ القرآن والتدرُّب به، ومشهورِ الأخبار النبوية".
ولم يكن فنُّ الإنشاء مخصوصًا بالتأليف، ولكنه كان مِنْ جُمْلَة فنون آداب اللغة العربية، فيوجَد بعضُ مسائلِه متناثرًا في كتب البلاغة، ومختارات خُطَب العَرَب، ومُلَحِهم، وبَدَاهَة أجوبتِهم، وأمثالِهم، فتكون مسائلُه مشمولةً بالرِّوَاية من أواخر عصر الدولة الأموية؛ إذ كان ابن القِرِّيَّة قد عُنِي بنوادر العرب ومُلَحِهم، ثم شُمِلت بالتدوين في أوائل الدولة العباسية، ضِمْنَ كتب أدب العرب، مثل كتاب أبي عبيدة وأضرابه، ثم كان بَعْدُ مُدرَجًا في كتب بلاغة العربية إلى أن شَبَّ شباب ديوان الإنشاء في الدولة العباسية وما تفرَّع عنها، فأصبح بُلَغَاء الكُتَّاب
(1/50)
________________________________________
يُميِّزُون مسائل هذا الفن بالتدوين، وذلك من منتصَف القرن الثالث، فمنهم من جَمَع ما صَدَر عنه من بديع المراسلات أو الخطب أو المقامات، ومنهم من جَمَع أفضل ما يُؤثَر عن العرب ومَنْ يليهم من غُرَرِ الخطب وبدائع الجُمَل، كما صنع الجاحظ في بيانه (توفي سنة 255 هـ)، ومنهم من جَمَع أمثال العرب ومُوجَزَ أقوالِهم، كما فعل أبو منصور الثعالبي في جُلِّ كتبه (توفي سنة 430 هـ)، ثم جاء الذين حاموا حول ضبط الأصول وتدوين القواعد، فمزجوا الفَنَّ بمسائل علوم البلاغة والمحسِّنات، وأكثروا فيما عدا ذلك بالوصايا على تَتَبُّع مُنْشَئَات البُلَغَاء من الكُتَّاب، وأتوا بجُملة منها ووازنوا بينها؛ لتحصلَ للمتعلِّم مَلَكَةٌ يقتدِر بها على تمييز الحَسَن من غيره، والنَّسْج على مِنوال ما يراه حسنًا، وفي هذه الطريقة ظهرت أفضلُ كتب الفنِّ وأقربُها إلى الطريقة التعليمية، كما فعل ابن الأثير في (المثل السائر)، وسبقه في ذلك أبو هلال العسكري في (كتاب الصناعتين) (توفي سنة 395 هـ) وعلى وَقْع خُطَاهم اقتفى السَّالكون، المطوِّلون كتبَهم والمقصِّرون.
ومَلَكَةُ الإنشاء تُكتَسب من جهة المعنى، ومن جهة ما يُعبِّر عن المعنى وهو اللفظ والكتابة، فالأول ينحصر في معرفة إيجاد المعنى في الفِكْر، وترتيبِه، والاستنتاج منه. والثاني يبحث عن حال اللفظ ومناسبتِه للمعنى مُفرَدًا أو مركَّبًا، وذلك أصول أساليب الكتابة.
هذا وللإنشاء فضيلةٌ واضحةٌ، فإنه لم يَخْلُ عَصْرٌ من رجالٍ تمكَّنوا
(1/51)
________________________________________
من سَوْقِ غيرهم بعِصِيِّ آرائهم، ففي الحديث: "إنَّ من البيان لَسِحْرًا"، وقد اختار الله تعالى المعجزةَ لأصحاب اللسان العربي بلاغةَ القرآن، وقديمًا ما عالج ديموستين -الخطيب اليوناني- من العَنَاء لِيَتدَرَّبَ على الخطابة التي تَمَكَّن بها بَعْدُ على قهر فيليبوس مَلِك مقدونيا ووالد الإسكندر، وسمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - زياد بن أبي سفيان -وكان يومئذٍ لا يُدعَى لأبيه- يخطُب في زمن عمر - رضي الله عنه - فقال:
(1/52)
________________________________________
"لو كان هذا الفتى قُرَشِيًّا لسَاقَ العَرَب بعَصَاه". ولولا مكانةُ عبد الله بن المقفَّع الشهير في الكتابة لَمَا سَلِم عبدُ الله بن علي بن عبدالله بن عباس -أخو السَّفاح- من غَدْر ابن أخيه أبي جعفر المنصور، فإنَّ ابن المقفع كتب له على المنصور عَهْدًا لم يترك للمنصور فيه مدخلاً للخيانة إلا سدَّه عليه.
(1/53)
________________________________________
كيفية الإنشاء للمعنى
الإنشاء كاسمه إحداثُ معانٍ منسَّقَةٍ ومُفْرَغَةٍ في غَرَضٍ مطلوب، فإذا أُحسِن وصلُها وجمعُها جاء الإنشاء كاملاً.
وأساس ذلك ثلاثة أمور: المعنى الأساسي، وتفصيله، وإيضاحه.
أما المعنى الأساسي: فهو الموضوع الذي يجول في الفِكْر ويجيش به الخاطِر، وهو غَرَضٌ إجماليٌّ يجب إحضارُه على إجماله، ثم يَشرَعُ في بيانه وإقناع السامعين به، فهو نظير (المطلوب) في اصطلاح المناطقة، أعني ما يُقَامُ عليه البُرْهَان. وهو في اصطلاح الكُتَّاب: ما تُتَرْجَمُ به الرِّسَالة أو تُعَنْوَنُ به المقالة، مثل قولنا: العِلْمُ أساس العُمْران، والاتِّحَاد سبب القوة. ولا نريد من إجماله كونه بسيطًا، وإنما نريد أنه غيرُ ملحوظٍ فيه التَّفريعُ ابتداء.
وأما تفصيل المعنى: فهو التَّبَصُّرُ في تقاسيمه وفروعِه، وتفكيكُه بإطالة النَّظَر فيه؛ للتنبُّهِ إلى ما ينحَلُّ إليه من الحقائق والأدلَّة والمُرغِّبَات أو المُنفِّرات.
وأما الإيضاح: فهو شرح تلك المعاني وذِكْرُ أدلتِها وفروعها، ليمكن حينئذٍ التعبير عنها بوجه سَهْلِ التصوُّر للسامعين، فإذا حصل ذلك لم يبق إلا كَسْوُ تلك المعاني بالألفاظ، فتسهُل الإفاضة في إنشاء الموضوع المرادِ، على حَدِّ ما قيل:
فإن وَجَدْتَ لسانًا قائلاً فَقُلِ
(1/54)
________________________________________
نُقِل عن عبد الله بن المعتز أنه قال: "البلاغة بثلاثة أمور: أن تغوصَ لحظةُ القلب في أعماق الفِكْر، وتجمعَ بين ما غاب وما حَضَر، ثم يعود القلبُ على ما أُعمِلَ فيه الفِكْرُ فَيُحكِمُ سياق المعاني، ويُحسِن تنضيدَها، ثم يبديها بألفاظٍ رشيقةٍ مع تزيين مَعارِضِهَا، واستكمال محاسنِها".
واعلم أنه قَلَّمَا يستطيع الكاتب أو الخطيب أن يتناول الموضوعَ من أوله إلى نهايته دَفْعَةً واحدة، فإن هو كَلَّف عَقْلَه ذلك أرهقه ضَجَرًا، ولاسِيَّمَا عند تَشَعُّبِ الموضوع وكثرة المعاني فيه، فيكادُ ييأسُ من المقدرة عليه؛ إذ تلوح له معانٍ كثيرةٌ فَيَرُوعُه انتشارُها ولا يدري كيف يبتدئُها، ولكنه إن اتَّبَع هاتِه الطريقةَ المشروحةَ، ورَتَّبَ المعاني الأساسية، وآخَى بين المعاني الفرعِيَّة التي هي من نَوْعٍ واحدٍ، وأحسنَ ترتيبَها، فذلك وقتُ رَفْعِ القَلَم من الدَّوَاة للكتابة، أو وقت الانتصاب للخَطابة؛ لأنَّ ثِمَار الفِكْر قد أينعت وآن قِطَافُها.

مِثالٌ للتمرين:
كتب ابن الأثير في الزُّهْد في الدنيا ما يأتي:
"الناس في الدنيا أبناء السَّاعة الرَّاهنة، وكما أنَّ النفوسَ ليست بقاطنة، فالأحوال ليست بقاطنة، ولا شبيه لها إلا الأحلامُ التي يتلاشَى خيالُها عاجلاً، وتجعَلُ اليَقَظَةُ حقَّها باطلاً، وما ينبغي حينئذٍ أن يُفرَح بها مقبلة، ولا يؤسى عليها مُدْبِرَة، وكلُّ ما تراه العَيْنُ منها ثم
(1/55)
________________________________________
يذهب فكأنها لم تَرَهُ، وغاية مطلوب الإنسان منها أن يُمَدَّ له في عُمُره، ويُمْلَى له في امتداد كُثْرِه. أمَّا تعميرُه فيعترضُه المشيب الذي هو عدمٌ في وجود، وهو أخو الموت في كلِّ شيءٍ إلا في سُكْنَى اللُّحُود. وأمَّا مالُه فإن أمسَكَه فهو عُرْضَةٌ لوارث يأكلُه، أو حادثٍ يستأصلُه، وإن أنفقَه كان عليه في الحلال حِسَابًا، وفي الحرام عِقَابًا، فهذه زَهْرَةُ الدنيا النَّاضِرة، وهذه عُقْبَاها الخاسرة".
فقوله: (وما ينبغي حينئذٍ أن يُفرَح بها مقبلة، ولا يؤسَى عليها مدبرة) هو المعنى الأساسي.
وقوله في الدنيا: (ولا شبيهَ لها إلا الأحلامُ ... ) إلخ الفِقْرات. وقوله: (وهو أخو الموت في كلِّ شيءٍ ... ) إلخ الفِقْرة. من قبيل إيضاح المعنى.
وقوله: (الناس في الدنيا). وقوله: (وكل ما تراه العين) مع بقية الكلام، ذلك كلُّه من قبيل تفصيل المعنى، وقد خَلَط ترتيبَها خلطًا تظهرُ به مقدرةُ المتعلِّم عند تمييز بعضها من بعض، بحسب المراتب الثلاثة المذكورة.
(1/56)
________________________________________
أساليبُ الإنشاء
للإنشاء أساليبُ متنوعةٌ باختلاف الأغراض، والمَعْنِيُّ باختلاف أساليب الإنشاء اختلافُ مستعمَل الألفاظ، واختلافُ كيفيَّةِ رَبْط الجمل تَبَعًا لاختلاف الأغراض، وذلك أمرٌ وراء اختلاف المعاني، واختلاف مقتضيات الأحوال، المدوَّن لأولِها علم اللغة والنحو والصرف، ولثانيها علمُ البلاغة، وهو الأمر الذي إذا حَصَل جاء الكلامُ عربيًّا، وبضَيَاعِه تضيع اللَّهْجَةُ العربيةُ مع بقاء المفردات اللغوية، وبقاء قواعد فنِّ البلاغة، ولهذا لا تجد مشابَهةً بين كلام المتكلِّفين من الأُدَباء، وبين
(1/57)
________________________________________
كلام العرب ومَنْ يليهم من البلغاء أهلِ اللِّسان، وأحسنُ قولٍ يُفْصِح عن هذا قولُ الشيخ عبد القاهر رحمه الله في (دلائل الإعجاز): "إنَّ النَّظْمَ هو تَوَخِّي معاني النحو فيما بين الكَلِم على حسب الأغراض". وطريق علم ذلك: هو عَرْضُ الأساليب المختلفة من كلام البلغاء على المتعلِّمين؛ ليحصلَ لهم من اختلاف أمثلتها صُوَرٌ متنوعةٌ، يَلُوحُ لأذهانِهم منها وقتَ مُحَاولةِ الإنشاء أُنْمُوذجٌ فيما يصلح له من الأغراض، وهو الذي سمَّيْنَاه فيما مضى بـ (القوالب غير الجُزْئِيَّة).
ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا راجَعَه بعضُ المسلمين في دِيَة الجَنِين بقوله: "كيف نَدِي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذلك بَطَل"، قال له على وجه التوبيخ: "أَسَجْعًا كَسَجْعِ الكُهَّان؟ "، فعاب منه الأسلوبَ، وإن كان كلامُه عربيًّا بليغًا. وقد جادل عتبةُ بن ربيعة قريشًا حين أجمعوا على أن يعتذروا لوفود العرب عامَ
(1/58)
________________________________________
ظهورِ دعوةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الله بالقرآن بأن يقولوا: هو شِعْرٌ، أو كَهانةٌ، أو سِحْرٌ. فقال لهم: "والله ما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهن، ولقد عرفت الشِّعْرَ ورَجَزَهُ وقَصِيدَهُ فما هو بشيءٍ من ذلك، وما هو بكلامِ بَشَرٍ". فَفَرَّقَ بين القرآن وبين غيره باختلاف الأسلوب.

ومن الغَلَط أن يَقتصِرَ متعلِّم الإنشاء على أسلوبٍ واحدٍ يعكُف عليه، مثل أن يَقتصِر على أسلوب (مقامات الحريري)، أو (رسائل ابن الخطيب) أو غيرهما، فلا يَرتَسِمُ في ذِهْنِه إلا ذلك، حتى إذا أراد أن ينشئ لم يستطع أن يعدو ذلك الأسلوب، مع أنه لا يحسن في جميع مواقع الإنشاء، كما أنه لا يحسن أن يَقتصِر على نوعٍ من أنواع الإنشاء الأدبي، كالرسائل فقط، فإنَّ للإنشاء أنواعًا كثيرة:
فمن أنواعه: المُرَاسَلَة، والخطابة، والمُحَادَثة، والتَّصْنِيف،
(1/59)
________________________________________
والمقامات، والوَصْف. وكلُّها فنونٌ كثيرة، ويجيء الإنشاء فيها نظمًا ونثرًا، ولكلٍّ منها لهجةٌ وأسلوبٌ يُخَالِفُ ما لغيرِه، فلا بد من ممارسة طرق البلغاء في هاتِه الأنواع وفنونِها ليحصل للمُمَارِس ذَوْقٌ ومَلَكةٌ يستطيع به أن يَعرِف ما يجب في كلِّ مَقَامٍ من هاتِه المقامات، بحسب العُصُور والعَوَائد، فليس ما يحسن للشاعر أو الخطيب يحسن للمؤرِّخ، فلو أنَّ أبا نصرٍ العُتْبِيِّ وَهَب محاسن إنشائه لغير كتابِ (التاريخ اليميني) لَمَا قَصُرت شهرتُه عن شهرة الحريري، ولكنه غلط في الوَضْع. قال بشر بن المعتمر: "ينبغي للمتكلِّم أن يعرفَ أقدارَ المعاني، ويُوازنَ بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعلَ لكلِّ
(1/60)
________________________________________
طبقةٍ من ذلك كلامًا، ولكلِّ حالةٍ من ذلك مَقَامًا، حتى يَقسِم أقدار الكلام على أقدار المعاني، وأقدارَ المعاني على أقدار المقامات، وأقدارَ المستمعين على أقدار تلك الحالات. فإن كان [الخطيبُ متكلِّمًا] تجنَّبَ ألفاظ المتكلِّمين (علماء الكلام)، وإن كان واصفًا أو مُجِيبًا أو سائلاً كان الأَوْلى به ألفاظُ المتكلِّمين".
(1/61)
________________________________________
القسم الأول: المعنوي
إنما ينشئ المنشئ معاني يعبَّر عنها بألفاظ، فمادة الإنشاء هو المعنى واللفظ ظَرْفٌ له، فإذا حاول الكاتبُ حتى ابتكرَ شريفَ المعاني أطاعَتْهُ الألفاظُ وجاء إنشاؤُه متينًا واضحًا ولأمرٍ مَّا تفاوت البلغاء والشعراء من العرب في الإجادة، مع أنهم ينطِقون بِلُغَةٍ واحدة، لا يتفاوتون في العلم بها وبخصائصها، وإنما تفاوتُهم في ابتكار المعاني والنَّبَاهة في التعبير عنها، وكذلك الأمر فيمن بعدهم من المولَّدين، فقد تجد الإمامَ في اللغة لا يستطيع إنشاء رسالةٍ ينشئُها مَنْ هو دونَه عِلْمًا، كما قيل: "إنَّ ابنَ دُرَيْدٍ شاعرُ العلماء"، مع أنَّ كثيرًا ممن هو دونه أجودُ منه شِعْرًا بكثيرٍ.
قال الشيخ عبد القاهر في (دلائل الإعجاز): "إنَّ الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظٌ مجرَّدَةٌ، ولا من حيث هي كَلِمٌ مفردةٌ، وإنما الفضيلة وخِلافُها في مُلاءَمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك".
(1/62)
________________________________________
فيدخل في قوله: (وما أشبه ذلك) ما ذكرناه هنا. وقد بَسَط هذا وكرَّرَه في مواضع من (دلائل الإعجاز). وقال التفتازاني في شرح قول المفتاح: (وأصل الحُسْنِ في جميع ذلك أن لا تكون المعاني توابعَ الألفاظ) ما نَصُّه: "إن المعاني إذا تُرِكت على سَجِيَّتِها طَلَبت لأنفسها ألفاظًا تليق بها، فيحسن اللفظ والمعنى جميعًا، وإذا أتي بالألفاظ متكلَّفةً وجُعِلت المعاني تابعةً لها فات الحُسْنُ لفوات ما هو المقصِد الأصلي والغَرَض الأوَّلي، بل ربما صارت جِهَةُ حُسْنِ الكلام جِهَةَ قبحٍ لكون الكلام كظاهرٍ مُمَوَّه على باطن مُشَوَّه".
فيجب على المتعلِّم الاهتمامُ أول الأمر بإيجاد المعاني، والبحث عن الحَسَن منها، ومحاولةُ التعبير عن الحوادث والصِّفَات ومظاهر المخلوقات، فإنَّ ذلك أسهلُ تناولاً، ثم يرتقي إلى التعبير عن الوجدانيَّات النفسيَّة، ثم إلى التعبير عن الحقائق الحِكْمَيَّة ونحوها. ولا ينبغي للمتعلِّم أن يجعل جُلَّ عِنَايته باقتباس آثار الكاتبين ونَقْل معانيهم؛ لأنَّ اعتماد ذلك يُصَيِّرُه غيرَ قادرٍ على مجاوزة معاني السَّالفين، نعم، يجوزُ له ذلك في ابتداء التعلُّم، إذا لم يستطع في وقتٍ من الأوقات إحضارَ معنى، أن يأخذَ رسالةً أو شِعْرًا فيحوي معانيه دون ألفاظِه، ثم يكلِّف نفسَه التعبيرَ عنه، ولا بد أن يكون ذلك مرادَ ابنِ الأثير في كتابه (الجامع الكبير) إذ قال: "يجب على المبتدئ في هذا الفنِّ أن يأخذَ رسالةً من الرَّسائل، أو قصيدةً من الشِّعْر، ويقفَ على معانيها، ويتدبَّر أوائلَها وأواخرها، ويقرِّر ذلك في قلبه، ثم يكلِّف نفسَه عمل مثلِها
(1/63)
________________________________________
مما هو في معناها، ويأخذ تلك الألفاظ، ويُقيم عِوَض كلِّ لفظةٍ منها لفظةً من عنده تَسُدُّ مَسَدَّها".
والنظرُ في تعيين هاته المواضيع لمدرِّس فنِّ الإنشاء.
(1/64)
________________________________________
تعريف المعنى وتقسيمُه
عرَّف السيد الجُرْجَانيُّ المعنى بأنه "الصُّورة الذهنيَّةُ من حيث تُقْصَد من اللفظ فهمًا أو إفهامًا". وفوائد القيود ظاهرة.
ثم إن المعنى ينقسم إلى بسيط، ومُكَيَّف:
فالبسيط: هو الخالي عن التَّحسين، ويسمَّى (الخاطر)، سواء كان مشهورًا نحو: العلم نافعٌ، أم كان عزيزًا نحو: الصَّمْتُ حِكْمَة، والجِدَةُ عَوْنٌ على المروءة.
والمكيَّف: هو الذي زِيدَ فيه تنميقٌ من خُصُوصِيَّاتِ الكلام؛ لإفادة محاسنَ للمعنى، وتقرير له، كالاستعارة في مثل: "لا يُلدَغ المؤمن من جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ"، و (الإحسان سلاح النَّصْر). وكذلك التقديُم لإفادة الحَصْر، ونحو ذلك. وقد يسمَّى بالشُّعُور ما كان دقيقًا خفيًّا، كالمعاني الشِّعْريَّة.
(1/65)
________________________________________
صِفَاتُ المعنى
للمعنى ثلاث صفات لِحُسْنِه يجب توخِّيها، وهي: الوضوح، والسَّدَاد، والشَّرَف.
أما الوضوح: فهو سُهُولة مَأْخَذِه من قول صاحبِه، بأن يخلو عن اللَّبْس، وعن التَّعقيد المعنوي، وعن الكنايات الخَفِيَّة. وقد تَكَفَّل ببيانها علمُ البلاغة، إلا إذا كان في مَقَامٍ يُرَادُ فيه الإخفاءُ أو التَّشكيك، فيجوز من اللَّبْسِ والكناية ما هو خَفِيفٌ.
والأحسنُ أن يكون المعنى المطلوب أظهرَ من الآخر، فمن هذا قول المتنبي في كافور:
وَمَا طَرَبي لَمَّا رأيتُكَ بِدْعَةً ... لقد كنتُ أرجو أن أَرَاك فَأَطْرَبُ

قال أبو الفتح ابن جني: "قرأتُ على أبي الطيِّب ديوانَه إلى أن وصلتُ إلى هذا البيت، فقلت له: يا أبا الطيب: ما زِدْتَ على أن جَعَلْتَه (أبا زَنَّة) فضَحِك لقولي".
وكذلك في مقام المَزْح أو الاستخفاف، مثل ما ذُكِر عن إياس القاضي مع الذي قال له: أين القاضي؟ فقال: بينَك وبين الحَائِط.
(1/66)
________________________________________
إلى أن قال له: اقضِ بَيْنَنَا. قال: قد فعلتُ. قال: على من؟ قال: على ابنِ أخت خالتك. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي تأوَّل الخيطَ الأبيض والأسود على حقيقتِهما: "إنَّك لَعَريضُ القَفَا".
ومن هذا القبيل: الإلغاز؛ لاختبار تنبُّه السامع، أو للإخفاء عن الغير، كما حُكِيَ أنَّ أعرابيًّا أوصى إلى قومه ينذرُهم عُدوَّهم -وكان أسيرًا بِيَدِ العدو-: "إنَّ العَوْسَجَ قد أَوْرَقَ، واشتكت النِّسَاء. واتركوا ناقتي الحَمْرَاء فلطَالَما رَكِبْتُمُوها، واركبوا جَمَلي الأسود، واسألوا الحارث عن خبري".
(1/67)
________________________________________
قال ابن الأثير في المثل: "إنَّ الكاتب أو الشاعر ينظرُ إلى الحال الحاضِرَة، ثم يستنبِطُ لها ما يُنَاسِبُها من المعاني".
وأما السَّدَاد: فهو الموافَقَة للواقع، والمطابقة لمقتضى الحال من غير زيادة، كقول لبيد:
ألا كلُّ شيءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا مَحَالةَ زَائِلُ

وقول الآخر:
إذا امتحنَ الدُّنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ ... له عن عَدُوٍّ في ثياب صَدِيق

وقد يخرج عن ذلك إلى المبالغة إذا اقتضاها الحال، فيُقبَلُ منها ما اقتُصِدَ فيه. كما تقرَّر في البيان.
وأما الشَّرَف: فهو أن لا يكون المعنى سخيفًا، ولا مشتملاً على فُضُول، سواء كان سابقًا للذهن أم مبتكَرًا، وكلاهما يُجتنَبُ إذا كان سخيفًا مُبتذَلاً، ومن المبتكَر السَّخيف قولُ المعرِّي:
فَيَا وطَنِي إن فاتَنِي بكَ سَابقٌ ... مِنَ الدَّهْرِ فَلْيَنْعَمْ لِسَاكنِكَ البَالُ
فإن أَسْتَطِعْ في الحَشْرِ آتِكَ زَائِرًا ... وهيهاتَ لي يومَ القيامةِ أشغالُ

وقوله في مرثيَّةٍ لوالد الشَّريف الرَّضي:
إن زارَه الموتى كَسَاهُمْ في البِلَى ... أَكْفَانَ أَبْلَجَ مُكْرِمِ الأضياف
واللهُ إِنْ يَخْلَعْ عليهم حُلَّةً ... يَبْعَثْ إليه بمثلِها أَضْعَاف

ومن غير المبتكر وهو سخيفٌ ما خَطَب به والي من ولاة اليَمَامة
(1/68)
________________________________________
يَعِظُ الناس فقال: "إنَّ الله لا يَقَارُّ عبادَه على المعاصي، وقد أهلك الله أُمَّةً عظيمةً في نَاقةٍ ما كانت تساوي مئتي درهم". وفي رواية: "قيمتها مئتا درهم". فلقَّبوه: مُقَوِّمُ النَّاقة. وقد رأيتُ نسبة هذه الخطبة لعبيدالله بن الزبير حين كان والي المدينة، وأنَّ ذلك لَمَّا بَلَغ أخاه عبدَالله عَزَلَه، وأَوْلَى عِوَضَه مصعبًا.
وقد يعرِض للمعنى الشريف سَخَافَةٌ إذا وقع في غير موقعه، كما قال أبو فِرَاس:
ولكنَّنِي والحمدُ للهِ حَازِمٌ ... أُعَزُّ إذا ذَلَّتْ لَهُنَّ رِقَابُ
فإنَّ ذِكْرَ حَمْدِ اللهِ على حقيقته في مقامِ غَرامٍ وفَخْرٍ لا يخلو من سَمَاجة. فأين هو من قول الآخر:
وقد زَعَمَتْ أنِّي نَذَرْتُ لَهَا دَمِي ... وَمَا لِيْ بِحَمْدِ الله لَحْمٌ ولا دَمُ

حيث ورد في مقام الشِّكَايَةِ، وحَسُنَ بكونِه مستعمَلاً مجازًا على طريقة التَّمليح.
(1/69)
________________________________________
طرق أخذ المعنى
هي ثلاثة: الابتكار، والبَدَاهَة، والشُّهْرَة.
أما الابتكار: فهو استنباط المعنى بفِكْرٍ ونَظَرٍ، وهذا الاستنباط إما أن يَعرِضَ للمعنى من أَصْلِه، نحو تشبيه ابنِ نُبَاتَةَ اجتماع الفَرَح والأَسَفِ، وجَرَيان دَمْعٍ مع ابتسَامٍ، بِوَابِلِ غَيْثٍ في وقت الضُّحَى. وإما أن يكون بالأَخْذِ من الغير مع حُسْن التَّصَرُّف، نحو قوله:
النَّاسُ لِلْمَوْتِ كَخَيْلِ الطِّرَادْ ... فَالسَّابِقُ السَّابِقُ منها الجَوَادْ

أَخْذًا من حديث: "إنما يُعَجِّلُ الله بِخِيَارِكُم".
أو بتركيبِ شيئين معروفين والجَمْعِ بينهما، مثل قول مَنْ قال:
(1/70)
________________________________________
لا أدخلُ البَحْر إنِّي ... أخافُ منه المعاطِبْ
طِينٌ أنا وهو مَاءٌ ... والطِّينُ في الماء ذائِبْ

فقد أَخَذَهُ من كَوْنِ الإنسان طينًا والبَحْرِ ماءً، وذلك واضحٌ مشهور، ولكنَّه تنبَّه إلى الجمع بينهما، وذَكَر أَثَر اجتماعِهما فأحسن الاعتذار.
ويسمَّى المعنى الحاصل بالابتكار: عزيزًا وغريبًا.
وأما البَدَاهَة: فهي أَخْذُ المعنى الواضح للعقل من وِجْدَانٍ ومشاهدَة، ولا فضل فيه إلا لحُسْن التعبير، ونَبَاهَة المعنى في إحاطته بملاحظةِ مَا تَجِبُ ملاحظتُه. وقد يبلُغ المعنى من دِقَّةِ الوجدان ما يُلحِقُه بالمعاني المبتكَرة، وكلُّ هذا يظهر في الشِّعْر الغَرَاميِّ والتَّوصِيفيِّ وحكايات الأحوال، ومثالُه قَوْلُ من اعتذر عن فِرَاره من الزَّحْف:
ألا لا تَلُمْنِي إِنْ فَرَرْتُ فإنني ... أخافُ على فَخَّارَتِي أن تُحَطَّمَا
فلو أنني في السُّوقِ أَبْتَاعُ مثلَها ... وَحَقِّكَ ما بَاليتُ أَنْ أتقَدَّمَا
وقول الصاحب بن عباد من رسالةٍ في وَصْفِ مُنهَزِمين: "طَارُوا وَاقِينَ بظهورِهم صدورَهم، وبأصلابِهم نُحُورَهم". فإنَّه لم يزد على حُسْن التعبير عن الحالة المشاهَدة.
وقولُ أبي نواس في وَصْف كؤوسِ ذهبٍ بها تَصَاويرٌ:
تُدَارُ علينا الرَّاحُ في عَسْجَدِيَّةٍ ... حَبَتْهَا بأنواع التَّصَاويرِ فَارِسُ
قَرارَتُها كِسْرى وفي جَنَبَاتِهَا ... مَهًا ثَوَّرَتْهَا بالقِسِيِّ الفَوَارِسُ

ويسمَّى المعنى الحاصل بذلك بسيطًا؛ إذ الفضل كما قلنا للتعبير.
(1/71)
________________________________________
وأمَّا الشُّهْرَة: فهي عِبَارةٌ عن شُيُوع المعنى، حتى لا يكاد يتكلَّف المتكلِّمُ في استحضاره شيئًا من عَمَل الفِكْر، ويسمَّى المعنى بـ (المبتذَل)، ويدعو البليغَ إليه إما تَعيُّنُه، وإما لِكَوْنِ المقامِ مقامَه، كخطاب العَوامِّ والصِّغَار، وينبغي أن تُجَنَّبَ عنه مقاماتُ الإبداع والصَّنْعَة، ولذلك نعيب على ابن الخطيب رحمه الله قولَه في وصَيَّتِه البديعة: "والطَّهَارةُ التي هي في تحصيلها سببٌ مُوَصِّل، وشَرْطٌ من شروطِها مُحَصِّل، فاستوفوها، والأعضاءَ نظِّفُوها، ومياهَها بغير أوصافها الحميدة فلا تَصِفُوهَا، والحُجُولَ والغُرَّ فأطيلوها .. إلخ".
فإنَّه ما كان مترقَّبًا من مثل ذلك الوزير العالِم أن يضمِّن وصيَّةَ أبنائه الغُرِّ الأنجاب، ما يتعلَّمُه الصِّبيان في أيام الكُتَّاب، خصوصًا في أضيق أوقات الكلام، وأحوجِه إلى الملأ بالمَهَام.
ومن العجائب أنَّ ابن الأثير ذكر في (المثل السائر) فصلاً لنفسه من رسالةٍ قال فيها: "وأَقْبَلَتْ ربائِبُ الكِنَاس، في مُخْضَرِّ اللباس، فقيل: إنَّما اخترنَ الخُضْرَة من الألوان، ليَصِحَّ تشبيهُهُنَّ بالأغصان". فَعَدَّ هذا معنًى مبتدَعًا وأُعْجِبَ به مع أنَّه معنًى مبتذَلٌ شائعٌ.
(1/72)
________________________________________
ترتيبُ المعاني وتنسيقُها وتهذيبُها
اعلم أنه لا سبيلَ إلى الاستنتاج إلا الترتيبُ، ولا يحصُل ترتيبُ المعاني إلا بتقريرها في الذِّهْن ابتداءً، ثم رَعْيُ التَّنَاسبِ بينها بتفكيكِها وتقسيمِها والموازنةِ بينها.
والخطيبُ أحوجُ إلى هذا من الكاتب -كما يأتي في الخطابة- لأنه يقولُ ولا يكتبُ، فلا يُعِينُه إلا الاعتمادُ على الترتيبِ الطبيعيِّ للكلام، حتى يعتاد ذهنُه ذلك، ويصير له دُرْبَةً وسَجِيَّةً، كي لا يُرتَجَ عليه إن لم يقرِّر المعاني في ذهنِه، ولئلا يلعنَ بعضُ كلامِه بعضًا إن لم يرتِّبْهَا ويقسِّمْهَا، ويشهدُ لهذا ما نُقِلَ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن رواحة - رضي الله عنه -: "كيف تقولُ الشِّعْرَ؟ فقال: أنظرُ ثم أقول".
وأما التناسب بين المعاني ففيه يَبْحَثُ بابُ (الفَصْل والوَصْل) من علم البلاغة، وكذلك (المطابقة) المبحوث عنها في البديع، و (المزاوجة) أيضًا.

وأما التفكيك والتقسيم فهما متشابهان، إلا أنَّ التفكيك عبارةٌ عن استقلال كلِّ معنى بنفسه، وعدمِ تراكم المعاني المسمَّى بـ (المعاظلة)، المعدود قديمًا من عيوب الكلام. وقد مدح عمرُ - رضي الله عنه - زهيرًا بأنه:
(1/73)
________________________________________
"لا يعاظل بين الكلامَيْن"، وذلك أنَّ المتكلِّم قد يخطر بباله المعنيان فصاعدًا، فيحاول أن يمزجَهُمَا جميعًا، ويُنزِلَ السامع منزلة المطَّلِع على ضميرِه، كما قال أبوتمام:
سَبَقَ المشيبَ إليه حتى ابتَزَّه ... وَطَنَ النُّهَى من مَفْرِقٍ وقَذَال

أراد أنَّ السَّيفَ سَبَقَ المشيبَ إلى رأس القَرْنِ فافتكَّ منه الرأس، ومراده: أنه لو لم يُقتَلوا لشَابوا من هَوْل الحَرْبِ، إلا أنَّ هذا لا يدُلُّ عليه لفظُه، ولكنَّه شيءٌ قدَّرَه في نفسِه وتراكم بعضُه على بعضٍ، فعَبَّر عن الصورة التي حَصَلت في ذِهْنِه دَفْعَةً واحدة.
وأما التقسيم فهو جمعُ طائفةٍ من المعاني في شِقٍّ من الكلام لارتباطٍ لها ببعضِها، واتفاقٍ في نَوْعٍ أو غايةٍ أو نحوِهما. وقد نُقِل عن بعض الحكماء أنه قال: "الخَطَابة: صِحَّةُ التَّقسِيم". وأكملُه ما استوعب الأقسام كلَّها، كقول علي - رضي الله عنه -: "الحقُّ ثقيلٌ مَرِيءٌ، والباطل خفيفٌ وبيءٌ، وأنت رجلٌ إن صُدِقْتَ سخطتَ، وإن كُذِبْتَ رَضِيتَ". لأنه إذا شَذَّت بعض الأقسام عُدَّ الكلام معيبًا، كما قيل: إنَّ ابن مَيَّادة هَرَب أحدُ عُمَّالِه من صَارِفِه، فكتب ابن ميادة إليه: "إنَّك لا تخلو في هروبك من صارفك: أن تكون قدَّمتَ إليه إساءةً خِفْتَه معها، أو خَشِيتَ في عملك خيانةً فلا بد من مطالبتك". فوقَّع العاملُ تحته: "في الأقسام ما لا يدخلُ فيما ذكرتَه، وهو أني خِفْتُ من ظلمِه
(1/74)
________________________________________
إيَّاي بالبعد عنك، وتكثيرِه عَلَيَّ الباطلَ عندك، فوجدتُ الهَرَبَ إلى حيث يمكنني فيه دفع ما يتخرَّصُه أَنْفَى للظِّنَّةِ عَنِّي، وبُعْدِي عمَّن لا يُؤمَن ظلمُه أولى بالاحتياط لنفسي".

وأما الموازنة بين المعاني فهي من ضروب النقد المعنوي، وإنما تعرِض بين المعنيين المتشابهين فصاعدًا، عند قصد التخيير لما يناسب منها، وكذلك تعرض بين طريقي أداء المعنى الواحد.
فمن الأول ما يعرض بين تشبيهِ وحيدِ عصرِه فضلاً وعلمًا بالمسك من بين الدِّمَاء، كما صنع أبو الطيب، أو بالذَّهَب من المعادن، كما ورد في الحديث، أو بالبَيْض من الدِّمَاء كما قيل في انتقاد بيت أبي الطيب. وطريقُ الموازنة في هذا النَّظَرُ إلى أنزه الأشياء وأقربِها لمحاسن الموصوف.
والثاني كالموازَنة بين أداء المعنى بالحقيقة أو بالمجاز، وبالتَّصْريح أو بالكناية -مثلاً- فقد ذكر الأصوليون والبيانيون مقاماتِ العدول عن الحقيقة إلى المجاز، ألا ترى أنَّ المجاز قد يَقبُح في مقام الجِدِّ
(1/75)
________________________________________
والحُزْن -مثلاً- مثل ما ترى في قول بعضهم: (دمعةٌ أَمْطَرَتْهَا عيني، فَأَعْشَبَ لها قلبي)؛ إذ لا تناسب بين امتلاء القلب حُزْنًا وبين اعْشِيشَابِ الأرض، بل هو بخلاف المقصود أقرب، وكذا قولُ الزمخشري في رثاء شيخه أبي مُضَر:
وقائلةٍ ما هَاتِه الدُّرَرُ التي ... تَساقَطُ مِنْ عينيكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَين

فإنَّ المقامَ ليس مقامَ تشبيهِ دمع الحُزْن بالدُّرَر، وإن كان قصدُه أن يَصِلَ بذلك إلى تشبيه فوائد شيخِه، لكنه جاء بافتتاحٍ تنكرُه النَّفْسُ، خلافَ قول الآخر:
فأَمْطَرَتْ لُؤْلُؤًا مِنْ نَرْجِسٍ وَسَقَتْ ... وَرْداً وَعَضَّتْ عَلَى الْعُنَّابِ بِالبَرَد

وعلى هذا قياسُ غيرِه.

وأما تنسيق المعاني وتهذيبها: فهو تنقيحُها عن كلِّ ما يَعْلَقُ بها مما يكون غريبًا عنها، ولا مناسبةَ له بها من خطأٍ أو صواب. وأظهرُ مواقع الحاجة إليه مقاماتُ الاستطراد، ويسمَّى: (الاعتراض) فإن المتكلِّم أو الكاتب أو الخطيب قد تدعوه إلى الاستطراد دواعٍ كثيرة، ليلقي من المعاني التي يرى الداعي لإلقائها موجودًا، ويخشى أن لا يجد لها مناسبةً غير ذكرِها عند نظيرها، وذلك كاستطراد الدعاء في طوالع الرسائل، أو استطراد قِصَّة أو حادثة أو شِعْر في أثناء رسالة أو خطبة، وتلك سُنَّةٌ قديمة شائعة بين الكُتَّاب والخطباء، فيجب أن يكون ذلك الاستطرادُ شديدَ التعلق بالموضوع، إما لثناءٍ أو بيانٍ أو تحسينٍ أو إظهارِ
(1/76)
________________________________________
إمكانِه أو تنظيرِه أو تذكيرٍ بسابقٍ أو نحو ذلك، فإن عري الاستطرادُ عن شيءٍ من العلاقات المقبولة الواضحة صار أشبه بالهَذَيان، مثل ما وقع لأبي العلاء المعري في نَثْرٍ في رسالةٍ كتب بها إلى قاضٍ شافعي: "كتابي -أطالَ الله بقاءَ سيدي القاضي، شافي العِيِّ وخليفةَ الشافعيِّ، ما جازَ خِيارُ مجلس، ووجبَ حَجْرٌ على مُفْلِس ... إلخ". فإنَّ هذا الظَّرْفَ الذي استطرده لدعائه، لا مناسبة بينه وبين الموضوع، إلا أنه ذكرَ شيئًا من عَلائقِ القُضَاة فرماه جُزَافًا؛ إذ ليس ذلك بأولى من أن يقول: (ما رُدَّتْ شهادةُ زنديق، وقُبِلَ الشاهدان في التطليق).
(1/77)
________________________________________
أخذ النتائج من المعاني
كما أن المنشئ قد يستطرد الشيء لمناسبةٍ وتعلُّقٍ بالغرض، كذلك يلزمه سَوْقُ معانٍ غير مقصودة بالذات، ولكنَّ المقصود هو ما تعطيه من النتيجة، وتسمَّى حينئذٍ بـ (المقدِّمَات)، وبيان هذا يأتي عند الكلام على الخَطَابة لكثرة وقوعه فيها، وإنما تعرضنا له هاهنا لأنه قد يقع في غيرها، بأن لا يُفضِي المتكلِّمُ إلى غَرَضِه من أول وَهْلَةٍ خشيةَ نفورِ النَّفْس، أو عدم اتضاح المقصود، وعندي أنَّ هذا من جملة ما يُفَرَّقُ به بين مقامات الإطناب والإيجاز، ومنه ما يسمَّى في فن البديع بـ (حُسْنِ التعليل)، وبـ (حُسْنِ الاعتذار)، ومن الاستنتاج ما وقع في كتابٍ كتب به الجاحظ إلى محمد بن عبد الملك يستعطفُه ويطلب عفوَه عن زَلَّةٍ، قال: "أما بعد، فإن كنتُ اجترأتُ عليك فلم أجترئ إلا لأنَّ دوامَ تغافلك عني شبيهٌ بالإهمال الذي يورث الإغفال، والعفو المتتابع يُؤمِنُ مِنَ المكافأة،
(1/78)
________________________________________
فإن كنتَ لا تَهَبُ عقابي لِخِدْمَةٍ فَهَبْهُ لأياديك عندي، وإلا تفعل ذلك فَعُدْ إلى حُسْنِ العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأُحْدُوثَة، وإلا فأتِ ما أنت أهلُه من العَفْو، دون ما أنا أهلُه من استحقاق العقوبة ... إلخ".
وقد تُقَدَّم النتيجة على مقدِّماتها، فَيُؤتَى بها حينئذٍ كالأدلة، وذلك إذا كان المخاطَب غير متوقَّعٍ نُفُورُه، إما لإنصافه أو لطاعته للمتكلِّم أو نحو ذلك، كما تراه في كتابٍ كتب به أبوبكر الخُوَارَزْمِيِّ لتلميذِه يُؤَنِّبُه على المكابَرة، وهو قوله: "بلغني أنك نَاظَرْتَ، فلمَّا تَوجَّهَتْ عليك الحُجَّةُ كَابَرْتَ، ولما وَقَعَ نِيرُ الحقِّ على عنقك ضَجِرْتَ، وكنت أحسَب أنك أعرفُ بالحقِّ مِنْ أن تَعُقَّه، وأَهْيَبُ لحجابِ العَدْلِ والإنصاف من أن تَشُقَّه، كأنك لم تعلم أن لسان الضَّجَر ناطقٌ بالعَجْز، وأن وجه الظلم مُبَرْقَعٌ بالقبح، وأنك إذا استدركتَ على نقد الصَّيَارِفَة، وتَتَبَّعْتَ غَلَط الحُكَماء والفلاسفة، فقد طَرَقْتَ إلى عَيْبِكَ لعائبك، ونَصَرْتَ عدوَّك على صاحبك، وقد عَجِبْتُ من حُسْنِ ظنِّك بك وأنت إنسانٌ". فحَسُنَ في هذا المقام إفضاؤُه إلى الغَرَض، ثم إتيانُه بما مِنْ شأنِه أن يكون مقدِّمَةً بمنزلة الدَّليل كما يظهر بالتأمُّل.
(1/79)
________________________________________
مقامات الكلام
قد عَرَفْتَ من علم البلاغة أنَّ مقاماتِ الكلامِ متفاوتةٌ، وليس هذا جلَّ غَرَضِنا هنا، لأننا لا نحبُّ أن ننقُلَ عِلْمًا إلى آخَر، وإنما نبحث هنا عن مقامات الكلام التي لها مزيدُ اختصاص باختلاف أساليب الإنشاء، ومِلاكُ ذلك يرجع إلى نَبَاهَة المتكلِّم في ترتيب أداء المعنى بحسب حال المخاطَب وعلاقته بالواقع، فإنَّ مسألة ضروب التراكيب المذكورةِ في البلاغة لا يُنظَر فيها إلا إلى حال المخاطَب، كما أنَّ أحوالَ التقديم والتأخير، والحذف، والقصر، والإيجاز، يُنظَر فيها إلى حال المخاطَب مع علاقته بالخارج، ويشبه أن يكون حالُ المخاطَب وارتباطُه بالخارج مَرْجِعَ اختلافِ مقامات الكلام كلِّها، وذلك ينضبط فيما يظهر لنا في أربع جهات:
ترتيب المعاني المدلولة، وطرق الاحتجاج، وطرق الدلالة، وكيفية المعنى من جزالة أو رقة أو سهولة.
فأما ترتيبُ المدلولاتِ فالأصلُ فيه أن يكون على حسب حصولِها، وتفرُّع بعضِها عن بعض، فإن كان الكلامُ خبرًا فالنَّظَرُ إلى الحصول في الخارج، فيُحكَى على ترتيبه الطبيعي، نحو قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)} [هود: 77]. فإنَّ مدلولاتِ هذه الجُمَل تحصل في الخارج على نحو هذا الترتيب؛ إذ أول ما تحصل الإساءة في النفس، ثم فراغ الصبر، ثم
(1/80)
________________________________________
التضجُّر بالقول. وإن كان إنشاءً فالنظر إلى ترتيبِه بحسب حصولِ مدلولِه عند الامتثال، وقد يتعيَّنُ هذا كما في حكاية الأخبار المحزِنة؛ فإنَّ حكايتَها على ترتيبها الطبيعي يهيئ النفس لتلقِّيها، كما يهيِّئُها لذلك حصولُها في الواقع تدريجيًّا، فإنك لو رُمْتَ الإخبار بوفاةِ مَنْ تَرُوعُ المخاطَبَ وفاتُه، لَرَأَيْتَ أنَّ حكايةَ مرضِه وأطوارِه، ثم وقوعِ اليأس من شِفَائِه، ثم الخبر بموته أهونُ في النفس مما لو فُوجِئَتْ بالإخبار بموته.
وقد يخالَف مقتضى الظاهر، كتقديم ما شأنُه التأخير لِغَرَضٍ، مثل تعجيل المسرَّة، أو قطع نزاع المنازِع قبل أن يلَجَّ في الخصومة فيكابرُ ولا يرجع إلى الحقِّ، أو للتنبيه على المقصود، مثل الافتتاح بدعاء مناسب، أو نحوه، ويسمَّى: (براعة الاستهلال) كقول بعض الكُتَّاب التونسيين يخاطب رئيس ديوان الإنشاء في الدولة الصَّادقية متشكِّيًا من بعض أهل الشَّوْكَة: "سيدي: نفوسُنا تَفْدِيك، والله تعالى مِنْ سُلْطَةِ أهلِ الوَظَائِفِ بدون استحقاقٍ يَقِيك". وقول الحريري -في جواب الذي جاوب أبا زيد السَّروجي حين وَقَفَ له موقفَ الزائر المُستَرْفِدِ-:
وَحُرْمَةِ الشيخِ الذي سَنَّ القِرَى ... وأَسَّسَ المَحْجُوجَ في أُمِّ القُرَى

يريد إبراهيمَ - عليه السلام -.
وقد بُيِّنَ في علم المعاني كثيرٌ من المناسبات الداعية إلى التقديم والتأخير في أجزاء الجملة، فلا نُطيل بها هنا، ولكن يجب أن يُعلَم السَّبب في تقديم ما حقُّه التأخير وعكسه من جُمَل الكلام، وقد تَتبَّعْتُ ذلك حسب الجهد فرأيتُ أنَّ مِلاكَ ذلك إما استبقاءُ الذِّهْن لما هو أولى بالإيعَاء، وتهيئة السمع لما هو أجدر بالإصغاء، وإما الاستراحة من
(1/81)
________________________________________
غَرَضٍ خفيف يُقَدَّمُ، ليُفضِي إلى غَرَضٍ مهمٍّ يؤخَّر، وإما لأنَّ أحد الغَرَضَيْنِ إن كان حقُّه التقديم أو عكسه لكنه كان من المعاني المتولِّدة أو المستطردة، واتصل بغيره مما قُدِّم أو أُخِّرَ اتصالاً يمنع من التفرقة بينها وبينه؛ لأنها إن فُرِّقَت تَشَتَّتَ الذِّهْنُ في استيعابها، وتَحَيَّر في جمعها وترتيبها.
فمثال الأول: ما ذُكِر في علم المعاني من التشويق الحاصل من تقديم الخبر في نحو: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن". ونحو:
ثلاثةٌ تُشْرِقُ الدنيا بِبَهْجَتِهَا
ومثال الثاني: قولُ علي - رضي الله عنه - في خطبةٍ له حين بَلَغَه استيلاءُ أصحاب الشام على سائر البلاد، وتثاقلُ أصحابه عن القتال-: "ما هي إلا الكوفةُ أقبضُها وأبسُطُها، إن لم تكوني إلا أنتِ، تَهُبُّ أعاصيرُكِ فقبَّحَكِ الله. أُنْبِئْتُ بُسْرًا قد اطَّلَع اليمن، وإني والله لأظنُّ أنَّ هؤلاء
(1/82)
________________________________________
القوم سَيُدَالُونَ منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرُّقِكم عن حقِّكم، وبمعصيتِكم إمامَكم في الحقِّ، وطاعتِهم إمامَهم في الباطل، وبأدائهم الأمانةَ إلى صاحبهم وخيانتِكم، وبصلاحِهم في بلادهم وفسادِكم .. إلخ".
فتقديم قوله: (إلا الكوفة) وإن كان حقه التأخير؛ لأنه متفرِّعٌ عن حكاية ما بلغه أعداؤُه بخصالهم، وما ملكوه من البلاد، ولكنَّه قدَّمَه للتفرُّغِ منه إلى الإنحاء على جُنْدِه، وذِكْر مثالبهم وأسباب انخذالهم.
ومثال الثالث كثيرٌ، من ذلك قوله - رضي الله عنه - في خطبة حين دخل جندُ معاوية - رضي الله عنه - الأنبار وقتلوا عاملَها حَسَّان: "أما بعد، فإنَّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصَّة أوليائه، وهو لباس
(1/83)
________________________________________
التقوى، ودِرْعُ الله الحصينة، وجُنَّتُه الوثيقة، فَمَنْ تركه رغبةً عنه ألبسه الله ثوبَ الذُّلِّ وشَمِلَهُ البلاء، وَدُيِّثَ بالصَّغَار، وضُرِبَ على قَلْبِه، وأُدِيلَ الحقُّ منه بتضييع الجهاد، وسِيمَ الخَسْف، ومُنِعَ النَّصَف. ألا وإني قد دعوتُكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهارًا، وسِرًّا وإعلانًا، وقلتُ لكم: اغزُوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزِي قومٌ في عُقْرِ دارهم إلا ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُم حتى شُنَّتْ عليكم الغَارَات، ومُلِكَتْ عليكم الأوطان. هذا أخو غامدٍ قد وردت خيلُه الأنبار، وقَتَلَ حسَّان بن حسَّان ... إلخ". فكان الظاهرُ أن يبدأ بذكر دخول خيل أخي غامد للأنبار، ويبني عليه بيان سببه من تواكلهم وتباطئهم، وأنَّ ذلك شأنُ كلِّ مُتَواكِل، لكنه أَخَّرَه حين دعت المناسبة لتقديم ذكر تواكلهم، وأنه مُسَبَّبٌ عن ذُلِّهم المسبَّبِ عن ترك الجهاد المأمور به، فكان لذلك تعلُّقٌ بطالع الخطبة.
وأما الإنشاء: فمقتضى الظاهر ترتيب المعاني على حسب حصولها كما قلنا، وقد يُعدَل عن ذلك لأغراض.
(1/84)
________________________________________
وأما ترتيب الخبر مع الإنشاء: فالأصل فيه تقديمُ المقدِّمات على النتائج، ولا يُعكَس إلا لغرضٍ، مثل قول عيسى بن طلحة -حين دَخَل على عُرْوَة بن الزُّبَير لَمَّا قُطِعَتْ رِجْلُه-: ما كنا نعدُّك للصِّرَاع، والحمد لله الذي أبقى لنا أَكْثَرَكَ؛ أبقى لنا سمعك وبَصَرك، ولسانك وعَقْلَك، وإحدى رِجْلَيْكَ. فقال عروة: والله ما عَزَّاني أحدٌ بمثل ما عَزَّيتني به.
فلو قَدَّم قوله: (الحمد لله الذي أبقى لنا أكثرك) لكان يُشبِه الشَّمَاتَةَ، أنه يحمد الله له على قَطْعِ رِجْلِه، فلا تهتدي النَّفْسُ إلى مراده إلا حين يقول له: (ما أَعْدَدْنَاكَ للصِّرَاع)؛ لأنَّ للنفوس عند الخِطَاب جَفَلاتٍ إذا هي نَفَرَتْ، فربما ضَلَّتْ عن طريق الحق.

وأما الجَزَالةُ والسُّهُولَة والرِّقَّةُ فهي مراتب للمعاني المستفادة من الكلام:
فالجزالة شِدَّةٌ في المعنى تَقْرُبُ من حَدِّ الإرهاب، أو تبلُغُه، بحيث تُؤْذِنُ بعدم مبالاة المتكلِّم باستعطاف المخاطَب ولا بِمُلايَنَتِه، ولها مواقع: الغَضَبُ، والحَمَاسَة، والوَعْظُ، والعِتَاب، ونحوها.
وأما السُّهُولة فهي دونَها، وهي لينُ المعنى وتجريدُه من شوائب الإرهاب، واشتمالُه على إيضاحِ بَسَاطَةِ حال المتكلِّم، ومُلايَنِة المخاطَب، ولها مواقع: الأمور العادية، والعلوم، والمخاطَبات بين الأكفاء.
وأما الرِّقَّة فهي غَايَةُ إيضاحِ لَطِيفِ الوجدان من المتكلِّم، أو التلطُّفُ مع السَّامع، ولها مواقع: الشَّوْقُ، والرِّثَاء، والاعتذار، والتأديب.
وبهذا يتضح أن ليس لشيءٍ من هذه الأوصافِ مَدْخَلٌ في صفة اللفظ كما قد يُتَوَهَّم.
(1/85)
________________________________________
ومن الواجب مُؤَاخَاةُ المعنى في الغَرَضِ الواحد في الجَزَالة أو الرِّقَّة، ولهذا عِيب على جميلٍ قولُه:
ألا أيُّها النُّوّامُ ويْحَكُمُ هُبُّوا ... أُسَائِلْكُمُ هَلْ يَقتُل الرَّجُلَ الحُبُّ؟
فقد حكي عن بعض أهل الأدب والعربية أنه قال فيه: "هذا بيتٌ أولُه أعرابيٌّ في شَمْلَتِه، وآخرُه مُخَنَّثٌ مِنْ مُخَنَّثِي العقيق يَتفكَّك".
فإذا وقع الانتقالُ من غرضٍ إلى غرضٍ سَاغَ اختلافُ الوَصْف، وانظر بلاغة قوله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ... } إلى قوله: ... {غَفُورٌ رَحِيمٌ} فهو من السهولة. ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ} [النور: 22 - 23]. فهو من الجزالة.
وقد اختَلف ذلك أيضًا في قول أبي فراسٍ -حين أَسَرَه الرُّوم، يَسْتَنْهِضُ سيفَ الدولة لفدائِه منهم، وتَخَلَّلَ من غرضٍ إلى غرضٍ، ثم رجع فأجاد في ذلك-:
(رِقَّة) ... دَعَوتُك للجَفْنِ القريح المسهَّد ... لديَّ وللنَّوْمِ الطَّرِيدِ المشرَّدِ
(جَزَالة) ... ومَا ذاك بُخْلاً بالحياة وإنها ... لأوَّلُ مبذولٍ لأول مجتدِي
(جَزَالة) ... ولكنني أختارُ موتَ بني أبي ... على سَرَوَاتِ الخيل غيرَ مُوسَّد
(رِقَّة) ... وتأبى وآبى أن أموتَ موسَّدًا ... بأيدي النَّصَارى موت أكبد أكمدِ
وَلْنُمَثِّل لِمَا شَمِل السُّهُولة والجَزَالة بكلامِ شيوخِ بني أسدٍ مع امرئ القيس، يسألونه العفوَ عن دمِ أبيه، فتكلَّم قبيصة بن نعيم الأسدي فقال: "إنك في المحلِّ والقَدْر من المعرفة بتصَرُّف الدهر، وما تُحدِثُه أيامُه،
(1/86)
________________________________________
وتَنتَقِلُ به أحوالُه، بحيث لا تحتاجُ إلى تذكيرٍ مِنْ وَاعِظ، ولا تبصيرٍ من مجرِّب، ولك من سُؤْدَدِ مَنْصِبك، وشَرَفِ أعراقك، وكَرَمِ أصلك في العرب مَحْتِدٌ، يَحتمِلُ ما حُمِّل عليه من إقالة العَثْرة، ورجوعٍ عن الهَفْوة. ولا تتَجاوزُ الهِمَمُ إلى غايةٍ إلا رَجَعَتْ إليكَ، فَوجَدَتْ عندك من فضيلةِ الرأي، وبصيرة الفَهْم، وكَرَم الصَّفْح مَا يَطُولُ رَغَبَاتِها، ويَسْتَغْرِقُ طِلْبَاتِها، وقد كان ما كان من الخَطْب الجليل الذي عَمَّتْ رَزِيَّتُهُ نِزَارًا واليمن، ولم تُخْصَصْ بذلك كِنْدَةُ دوننا؛ للشَّرَف البارع [الذي] كان لحُجْر. ولو كان يُفدَى هالكٌ بالأنفس الباقية بعدَه، لَمَا بَخِلتْ كرائمُنا بها على مثله، ولكنَّه مَضَى به سبيلٌ لا يَرجِعُ أُخْرَاهُ على أُولاه، ولا يَلْحَقُ أقصاهُ أدناه. فأحمدُ الحالاتِ في ذلك أن تعرف الواجبَ عليك في إحدى خِلالٍ ثلاث:
إما أن اخترتَ من بني أسدٍ أشرفَها بيتًا، وأعلاها في بِنَاء المَكْرُمَاتِ صَوْتًا، فَقُدْنَاه إليك بِنِسْعَةٍ تذهبُ مع شَفَرَاتِ حُسَامِك بباقي قَصَرَتِه، فنقول: رَجُلٌ امتُحِنَ بهالكٍ عزيزٍ، فلم يَسْتَلَّ سَخِيمَتَه إلا بِمُكْنَتِه من الانتقام.
(1/87)
________________________________________
أو فِدَاءٌ بما يَرُوحُ على بني أسدٍ مِنْ نَعَمها، فهي ألوفٌ تجاوزُ الحِسْبة، فكان ذلك فداءً رَجَعَتْ به القُضُبُ إلى أجفانِها، لم تَرْدُدْهَا بِسَليطِ الإِحَنِ على النُّزَاء.
وإما وَادَعْتَنَا إلى أن تضع الحواملُ، فَتُسْدَلُ الأُزُر، وتُعْقَدُ الخُمُرُ فوق الرَّايات".
فأجابهم امرؤ القيس بقوله: "لقد علمتِ العربُ أنه لا كُفْؤَ لِحُجْرٍ في دمٍ، وإني لن أَعْتَاضَ عنه جَمَلاً ولا ناقةً، فأكتسبَ به سُبَّةَ الأبَد، وَفَتَّ العَضُد.
وأما النَّظِرَةُ فقد أَوْجَبَتْهَا الأجِنَّةُ في بطون أمهاتها، ولن أكونَ لِعَطَبِها سببًا. وستعرفون طلائعَ كِنْدَةَ من بعد ذلك تحملُ في القلوب حَنَقًا، وفوق الأَسِنَّةِ عَلَقًا. أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرفُ بأسوأ الاختيار".
وأما مثال الرِّقَّة فيوجدُ كثيرًا في النَّظْمِ والنَّثْر، وهي في النَّظْم أكثر، ومن جَيِّد ما اشتمل عليها في النثر قولُ الوزير أبي المُطَرِّفِ ابن الدَّبَّاغِ الأندلسي من رسالة: "طَلَعَ علينا هذا اليومُ فكاد يُمطِرُ من الغَضَارَةِ صَحْوُه، ويَقْبِسُ من الإنارة جَوُّه، ويُحْيِي الرَّمِيمَ اعتدالُه، ويُصْبِي
(1/88)
________________________________________
الحليمَ جمالُه، فَلَفَّتْنَا زَهْرَتُه، وضَمَّتْنَا بَهْجَتُهُ ونَضْرَتُه، في روضةٍ أرضعَتْها السماءُ شآبيبها، ونثرت عليها كواكبَها, ووفَد عليها النُّعْمَان بشقيقِه، واحتلَّ فيها الهندُ بخَلوقه، وبَكَّر إليها بَابِلٌ برحيقِه، فالجمالُ يُثنِي بحُسْنِه طَرْفَه، والنَّسِيمُ يَهُزُّ لأنفاسِه عِطْفَه، وتَمَنَّيْنَا أن يَتَبَلَّجَ صبحُك من خلال فُرُوجِه، وتحلَّ شمسُك في منازل بروجِه، فيطلُعَ علينا الأنسُ بطلوعك، وتُهديه بوقوعك، ولن نَعْدَمَ نُورًا يحكي شمائلَك طيبًا وبهجة، وراحًا تَخَالُها خِلالَك صفاءً ورِقَّة، وألحانًا تثيرُ أشجان الصَّبِّ، وتبعثُ أطرابَ القلب، ونَدَامَى ترتاحُ إليهم الشَّمول، وتتعطَّر بأرجهم القَبُول، ويحسد الصُّبحُ عليهم الأصيلَ، ويقصُرُ بمجالستِهم الليلُ الطويلُ".
ثم إنَّ للكلام مقاماتٍ متنوعة: منها مقام تحقيق، ومنها مقام مسامحة، ففي الأول يُؤتَى بالبرهان، والحِكْمة، والجِدِّ. وفي الثاني يُؤتَى بالخَطَابة، والشِّعْر، والتَّمْليح، والمَزْح.
ومن المقامات: مقام تبيينٍ، ومقام تنميق، ففي الأول: الحقيقة، والتَّصْريح، واللفظ المتعارف. وفي الثاني: المجازُ، والكناية، والتعريض، والتَّمليح، والتَّوجيه، والإبهام، والخصوصيُّ من الألفاظ.
وباعتبارٍ آخر إلى مقام اقتصادٍ، ومقام إفراط، ففي الأول: حكاية الواقع. وفي الثاني: المبالغة وفروعُها.
وباعتبارٍ آخر إلى مقام إطنابٍ، ومقام إيجازٍ؛ لضيق المجال، أو المبادرة خشيةَ الفَوَات، فإنَّ التطويلَ قد يُشَتِّتُ الذِّهْنَ، كقول أبي العاص الثقفي لقومه ثقيف -حينما هَمُّوا بالارتداد مع من ارتدَّ من العرب-:
(1/89)
________________________________________
"يا قومُ: كنتم آخرَ العرب إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا". فصدَّهم بذلك عن هَمِّهم الذي لو سلكوه لعَسُر انسلالُهم منه. أو لِقَصْد الوعي، مثل مقام الوصاية، مثل ما كتب بديع الزمان لابن أخته: "أنت ابني ما دُمْتَ والعِلْمُ شأنُك، والمدرسةُ مكانُك، والمحبرةُ حليفُك، والدفترُ أليفُك، فإن قَصَّرْتَ ولا إخَالُك، فغيري خَالُك. والسلام".
ولجميع هَاتِه المقامات خُصُوصيَّاتٌ يطول بنا بيانُها.

- انتهى القسم المعنوي -
(1/90)
________________________________________
القسم الثاني: اللفظي
إن للفظ حظًّا كبيرًا في الإنشاء، فإنَّ بحسنِه يظهرُ رَوْنَقُ الإنشاء ويترقرق ماؤُه، وإنك لترى المعنى الشريفَ إذا لم يُمنَح من الألفاظ ما يناسبُه أصبح لفظُه له قبرًا، ولم يَطْرُقْ لسامعه فكرًا، وبالعكس قد تغطِّي الألفاظُ الحسنة في حال تركيبها بَسَائِطَ المعاني ومبتذَلَها، فإنَّ الشاعر أو الكاتب أو الخطيب قد يُضطَرُّ إلى أن يَذكُر من المعاني ما ليس له كبيرُ أهميةٍ، إما لكونه على قَدْرِ إفهام مخاطَبيه، وإما لكون ذلك المعنى لا يَقبَلُ تنميقًا فيلزمُه حينئذٍ أن يكسوَ المعنى من حِلْيَةِ الألفاظ ما يُنَبِّهُ مقدارَه، ويُعلِي مَنارَه. وترى هذا في كثيرٍ من الشِّعر التوصيفيِّ كما قلنا فيما تقدم. قال الجاحظ: "إنَّ المعاني إذا كُسِيت الألفاظَ الكريمة، وأُلبِسَت الأوصافَ الرفيعةَ، تحوَّلَتْ في العيون عن مقاديرِ صُوَرِها، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ من البيان لَسِحْرًا".
وإلى هذا الحال من المعنى واللفظ يشير قولُ قدامة
(1/91)
________________________________________
وعبد القاهر في مواضع: "إنَّ المعاني مطروحةٌ بالطريق، يستوي في تناولها القَرَويُّ والبدويُّ، ويهديه إليها طَبْعُه وبَصَرُه، وإنما المزيَّةُ للألفاظ". وقول ابن رشيق القيرواني رحمه الله تعالى: "سمعتُ بعضَ الحُذَّاق يقول: قال العلماء: اللفظ أغلى ثمنًا؛ فإنَّ المعاني موجودةٌ في طِبَاع الناس يستوي فيها العالم والجاهل". ولنضرب لك مثلاً ما ذكره أئمةُ الأدب أنَّ أبا تمام كان كثيرًا ما يأخذ معنى العامة والسُّوقة فيجيد نسجَه ويجيء غريبًا مبتدعًا، من ذلك أنه سمع سائلاً فيقول: "اجعلوا بياض عطاياكم في سواد مطالبنا". فنظمه بقوله:
وأَحْسَنُ من نَوْرٍ يُفتِّحُه الصَّبَا ... بيَاضُ العَطَايَا في سَوادِ المَطَالب

والنَّظَرُ في أحوال اللفظِ ينحصرُ في أحوال الألفاظ المفردة، وأحوال الألفاظ في حال تركيبها والتدرُّب على كيفية التعبير.
(1/92)
________________________________________
أحوال الألفاظ المفردة
وهي: الفَصَاحة والصَّرَاحة والعِزَّة والرَّشَاقة.
أما الفصاحة: فهي وصفُ الكلمة، وهي خُلوصُهَا مما يُكَدِّرُها ويثقلها في السَّمْع ويبعدها عن سلامة الذَّوْقِ العربي، وقد تكَفَّل ببيانها أئمة علم المعاني.
وأما الصَّرَاحة: فهي دلالة اللفظ على كمال المعنى المراد، بأن يتعيَّن المرادُ منه. قال الجاحظ في كتاب البيان: "حسن البيان هو الإبانة عما في النَّفْس بكلامٍ بليغٍ بعيدٍ عن اللَّبْس". ويحصل ذلك بأمور كثيرة:
منها: توخِّي الألفاظ الموضوعة للمقيَّدات، نحو: (الخِوَان) للمائدة قبل أن يوضَع عليها الطعام، و (الرَّسْف) لمشي الرَّجُل المُقَيَّد، و (القاني) لشديد الحُمْرَة، و (الصَّبَاحَةُ) للوجه، و (الوضَاءَةُ) للبَشَرة، و (اللَّبَاقَة) للشَّمَائل، و (الرَّشَاقَة) للقَدِّ، و (الظَّرْف) في النطق، ونحو ذلك، ولذا تجب معرفة المترادفات؛ لأنها لا تخلو عن تقييد أو إطلاق.
ومنها: تجنُّب استعمال المشترَك بدون قرينة، مثل كلمة (مُسَرَّج) في قول رؤبة بن العَجَّاج:
وفَاحِمًا ومَرْسِنًا مُسَرَّجَا
(1/93)
________________________________________
فلم يُعرَف هل أراد أنه كالسِّرَاج أم كالسَّيْفِ السُّرَيْجِي في الدِّقْةِ والاستواء.
وقولنا: (بلا قرينة) يُخرِج نحو قوله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} الأعراف: 157. فإنَّ عَطْف {وَنَصَرُوهُ} يُبَيِّن أنَّ التَّعْزِيرَ هنا هو النَّصْر لا ضَرْبُ الحَدِّ، ونحو قول الحريري: "فيدعي تارةً أنه من آل سَاسَان" حيث عُلِمَ أنه يريد ملوك الفُرْسِ لمقابلته بقوله: "يعتزي مرَّةً إلى أَقْيَالِ غَسَّان" فانتفى احتمال أن يكون المراد (الشَّحَّاذين) الذين أَطْلَقَ عليهم هذا اللفظَ في موضع آخر.
وقد يدعو المَقَامُ للعدول عن الصَّرَاحة لأغراضٍ، مثل التَّوْرِيَة، والتَّوجِيه، والمُوَارَبة، ويحسن ذلك في التخلُّص من المضايق، كقول بعضهم -وقد سُئِل في مجلسِ جماعةٍ من الشِّيعَة عن الأفضل بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال-: "الذي كانت ابنتُه تحتَه" فاحتمل أن يريد أبابكر وعليًّا رضي الله عنهما، بحسب الترتيب في الضميرين.
تنبيه: مما يدخل تحت هذا الشرط التنبيه إلى كلماتٍ كثيرةٍ يستعملُها الكُتَّاب والمنشئون غَلَطًا، إما في معناها وإما في اشتقاقها، وقد ألَّف في ذلك الحريريُّ: (دُرَّة الغَوَّاص)، وألَّف فيه بعضُهم:
(1/94)
________________________________________
(لَفَّ القِمَاط، فيما يُستعمَل من الأغلاط)، وقد أكثر الكُتَّاب المتأخرون من ذلك، وألف في ذلك الشيخ إبراهيم اليازجي كتابًا سماه: (لُغَةُ الجَرَائد) إلا أنه قليل الفائدة، كثير الغلط في كثيرٍ مما عَدَّه غلطًا.
فعلى المنشئ أن لا يتابعَهم في استعمال لفظٍ إلا بعد تحقيقِ معناه لغةً. فمن أغلاطهم: (رَدَحٌ من الزَّمَن) يريدون حِصَّة قليلة، وإنما هو المدة الطويلة جِدًّا. وقولهم: (باهِظ) بمعنى كثير، وإنما هو الأمر المنتقل. وقولهم: (تَوًّا) بمعنى الآن، أو الوقت الحاضر، وهو غلط؛ إذ التَّوُّ الذهابُ على سَوَاءٍ واستقامة، بحيث لا يُعَرِّجُ على شيء، تقول: سار تَوًّا، أي لم يقف ولم يعرِّج. وقولهم: (نَاهَزَ) يريدون تَجَاوَزَ، وصوابه: قَارَبَ، إلى غير ذلك.
وأما العِزَّة: فهي سلامة الكلمة من الابتذال. والابتذال يقع على وجوه:
أحدها: نَقْلُ العامَّة الكلمةَ من معنى، واستعمالها في معنى غيرِ حَسَن، كـ (البُهْلُول) فأصله السَّيِّدُ الجامع لصفات الكمال، فأخرجه عَامَّتُنَا للمغفَّل، و (الخِرِّيت) أصله البصير بالطُّرُقَات، كما روي في حديث الهجرة، فاستعملوه للجبان. وكثيرٌ من أسماء الأضداد نَشَأ من مثل هذا.
الثاني: أن تكون الكلمة من موضوعات العامة المفقودة أو المَنْسِيَّة في فصيح الكلام، مثل (الخازَ بازَ) لذباب الرِّيَاض، ومثل (اللَّقالِق) جمع لَقْلَق، وهو طائرٌ له مِنْقَارٌ طويل دقيقٌ، ورِجْلاه طويلتان.
(1/95)
________________________________________
الثالث: أن يحصل من بعضِ صِيَغِ الاشتقاق ما يُوهِمُ معنًى مُسْتَبْشَعًا، مثل أن يُشْتَقَّ مِنْ (هَمَّهُ الأمرُ) وَزْنُ فَاعِلَة، فيقال: (عَرَضتْ له نَازِلةٌ هَامَّةٌ) أي مُهِمَّةٌ، فيُتَوَهَّمُ أنها الهَامَّة بمعنى الدَّاهِيَة.
الرابع: أن يكون معنى الكلمةِ سخيفًا، فيجب على الكاتب إن اضطُرَّ إلى التعبير عن مدلولها أن يتَنكَّبَ عنها إلى مسالك الكناية تنزيهًا للِّسان، كما جاء القرآن العظيم: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} النساء: 43، {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} البقرة: 235. ويُغتفَرُ استعمال المبتذل في مقام الهَزْل أو الحِكَاية أو المشاتَمة، مثل ما وقع في أوائل رسالة ابنِ زيدون المشهورة برسالة وَلاَّدَة.
وأما الرَّشَاقة: فهي مناسبةُ حالِ اللفظ لمقام الكلام، فإنَّ الألفاظ منها جَزْلٌ ومنها سَهْلٌ، فالجَزْل يُستعمَل في ذكر الحروب والحَمَاسة والتوبيخ ونحوها، والسَّهْلُ في مقام الملاطَفَة والغَزَل والمديح، ومنها ما لا يوجِبُ شيئًا من الأمرين، والتحقيق أنَّ كُلَّ هذا لا يَتبَعُ وَصْفَ الألفاظ في ذاتِها؛ إذ ليس وصفُها مختلفًا، ولكنه يتبع جَلْبَ بعض الألفاظ وتركَ البعض بحسب المقام، كما حَسُنَ استعمال (سَيِّدتي) في قول أبي العتاهية:
ألا ما لِسيِّدتي مَالَهَا ... تُدِلُّ فَأَحْمِلُ إِدْلالَهَا
(1/96)
________________________________________
ولو جيء به في مقامٍ آخر لَقَبُحَ. وقد عيب على جميلٍ قولُه:
ألا أيُّها النُّوّامُ ويْحَكُمُ هُبُّوا ... أُسَائِلْكُمُ هَلْ يَقتُل الرَّجُلَ الحُبُّ؟
كما تقدم في آخر القسم المعنوي.
(1/97)
________________________________________
أحوال الألفاظ المركبة
وللألفاظ في حال تركيبها أحوالٌ غيرُ أحوالها مُفْرَدة، وهي تُجمَع في:
فصاحة الكلام، ونَزَاهَتِه، وانسِجَامِه، والاقتصادِ من الفُضُول فيه، واتِّصَال جُمَلِه، ومُنَاسَبتِه للغَرَض.
فأما فصاحة الكلام: فقد عُرِّفَتْ في علم المعاني.
وأما النَّزَاهَةُ: فهي الخُلُوُّ من الألفاظ المُستهجَنَة والشَّنيعَة، ولو باعتبار ما يَسْبِقُ الكلمة أو يَلْحَقُهَا، وقد عيب على أبي تمامٍ قولُه:
أعطيتَ لي دِيَةَ القتيلِ وليس لي ... عَقْلٌ ولا حَقٌّ هناك قديمُ
فإنه أراد العقل بمعنى العَاقِلَة في القُرْب من القتيل، إلا أنَّ تركيبَه مع (ليس) و (لي) أعطاه صورةَ نفي العقل بمعنى الإدراك عن نفسِه، كما يقال: (ليس لِفُلانٍ عَقْلٌ)، ومنه قول صاحب (حسن التَّوَسُّل) في وصف مَقْدَمِ سَرِيَّة جيش: "أَرْوَعَ للعِدَى مِنْ سَلَّةِ سَيْف، حتى يتعجَّبُوا في الاطلاع على عوراتهم من أين دُهِي وكيف". فلو أبدل كلمة (الاطلاع) بـ (الاتباع) لَسَلِمَ من الهُجْنَة الحاصلة من الجمع بين كلمتي (الاطلاع) و (العورات).
(1/98)
________________________________________
وأما الانسِجَام: فهو سهولة الكلام في حال تركيبه، بحيث لا يَثْقُلُ على اللسان، ومَرجِعُ ذلك للَّفْظ، وهو أخصُّ من فصاحة الكلام، قال الجاحظ عن بعض الأدباء: "إنَّ المعنى إذا اكتسى لفظًا حَسنًا، وأعارَه البليغُ مَخْرَجًا سَهْلاً، صار في القلب أحلى، وللسمع أَمْلا". ويندرج تحت الانسجام سلامةُ الكلام من التكلُّف والتصنُّع، بحيث لا تَعرِف منه كدَّ الذهن، ولا تلفيق المعاني لأجل الألفاظ، ولا البحث عن الألفاظ المستغرَبة، وكذا الإكثار من المحسِّنات البديعية المتكلَّفة، التي يُعبَّر عنها بالصَّنْعة، وإن وقع شيءٌ منها فإنما يقع بدون تكلُّفٍ، أو بخفيف من التكلُّف عندما تجود به فرصة المَقَام، ويُسمَّى الكلام المستكثِر منها: مصنوعًا، وغير المتكلف لها: مطبوعًا، قال صاحب التلخيص: "وأصل الحُسْن في جميع ذلك أن تكون الألفاظُ توابعَ [للمعاني] ".
وممن عيب عليه التكلُّف في ذلك إبراهيم بن هلال الصَّابئ، كاتب بني بُوَيْه، وعبدُ الله بن المعتزِّ. وفَنُّ الشِّعْر أشدُّ تحمُّلاً للصَّنْعَةِ من النثر.
وأما الاقتصاد: فهو بطرح الفُضُول في اللفظ، وحذفِ المكرَّر من القول، والاستغناء عن كثرة المؤكِّدَات، وإن كان لهذا شيءٌ من التعلُّقِ بالمعاني، إلا أننا أدرجناهُ في عِدَاد صفات اللفظ، لَمَّا كان المعنى فيه
(1/99)
________________________________________
غيرَ معتبَر، وإنما الداعي إليه الإكثارُ من الألفاظ أو التهويل بها، مثل قولهم: (من غير شَكٍّ ولا رَيْب)، وقول بعض مَنْ وَصَف العَفْو: (لاسِيَّما إذا عَظُم الجُرْمُ، وكَبُرَ الإثم، والملوك إنما تُؤْثَرُ عندهم الخِلالُ الحميدة، والخصال الشريفة السعيدة). ومثل زيادة حروفٍ لا حاجة إليها، كقول بعضهم: (مِنَ المعلوم وأنَّه كذا)، وقول بعضهم: (قَبِلَ بكذا)، فكلٌّ من (الواو) و (الباء) مَزِيدَةٌ عَبثًا.
تمرين:
كتب أبو إسحاق الصابئ في طالعة بعض مكاتيبه: "الحمد لله الذي لا تدركه الأعينُ بألحاظِها، ولا تحدُّه الألسنُ بألفاظِها، ولا تخلقُه العصور بمرورها، ولا تهرمُه الدهورُ بكُرُورِها"، ثم قال: "لم يرَ للكفر أثرًا إلا طمَسَه ومَحَاه، ولا رَسْمًا إلا أزالَه وعَفَّاه .. إلخ". فكل من الفقرتين الرابعة والسادسة عين معنى الثالثة والخامسة وكتب في بعض كتبه: "يسافرُ رأيُه وهو دَانٍ لم يَنْزَح، ويسيرُ تدبيرُه وهو ثَاوٍ لم يبرح". والفِقْرتان بمعنى واحد.
وكتب الصاحب بن عباد: "وصل كتابُك جامعًا من الفوائد أشدَّها للشكر استحقاقًا، وأتَمَّها للحَمْدِ استغراقًا، وتعرَّفْتُ من إحسان الله فيما وفَّر من سلامتِه، وهَيَّأه من كرامته، أنفسَ موهوبٍ ومطلوبٍ، وأحمدَ مرقوبٍ ومخطوب ... إلخ". وفي هذا ما يقرب من إعادة المعاني.
وقد شمل قولنا: (الاقتصاد) الذي هو في اللغة الأخذ بالعَدْل، ما يقابل ما وصفناه من الفُضُول، وذلك هو الإخلال بما يلزم من اللفظ لأداء المعنى، وهو عيبٌ إلا إذا كان مقصودًا لغرضٍ، كالألغاز،
(1/100)
________________________________________
والمحاورات العلمية المشتملة على اصطلاحاتٍ لا يَفهَمها غيرُ أهل ذلك العلم، وقد حصر الماورديُّ رحمه الله في كتاب (أدب الدين والدنيا) الأسبابَ المانعةَ من فهم الكلام لعلَّة فيه في ثلاثة، وهي: تقصير اللفظ على المعنى، وزيادة اللفظ على المعنى، والمواضعة: أي الاصطلاحات.
وأما اتصال جمل الكلام: فهو فُسْطَاط علم الإنشاء، وحَلْبَة استباق همم المُتَضَلِّعين فيه، وقد تتبَّعتُ كلام أئمة الفن فوجدتُ غايةَ ما تبلغ إليه الضوابطُ في اتِّصال جُمَل الكلام -على كثرة الأسماء والألقاب المتناثرة في كتب الأدب- أربعة أشياء:
تناسبُ بعض الجُمَل مع بعض، وعدمُ انفكاك بعضِها عن بعض، والانتقال من أسلوبٍ إلى أسلوب، وحُسْنُ الابتداء، والتخلُّص، والخِتَام:
فأما تناسب بعض الجمل مع بعض: وهو المعبَّر عنه بـ (الفَصْل والوَصْل) فموضع القول فيه في علم البلاغة.
وأما ارتباط الجُمَل وعدمُ انفكاك بعضِها عن بعض: فهو أن تتصل الجُمَل، ولا يَفْصِلَ بينها إلا بشيءٍ مناسِبٍ لها، ويَعرِفُ كيف يكون الرُّجوع عما فُصِلَتْ به إلى ما فُصِلَتْ عنه؛ إذ المتكلِّم في المقامات الخَطَابية لا يَقتصِر على ما تَكلَّم لأجله، وإلا لجاء الكلامُ قصيرًا، وما طالت الخطبُ والقصائدُ، وصار الكلامُ كلُّه أمرًا أو نهيًا أو خَبَرًا، فلذلك احتِيج إلى تقديم المقدِّمات، وذِكْر العِلَل والغايات، والاستشهاد بالمناسبات، واستطراد النَّظَائر والأمثال، فقديمًا ما صُدِّر المديحُ بالنَّسِيب، والخُطْبة بالثَّنَاء والاعتبار، فإذا عَلِم المتكلِّم أين يضعُ أجزاء الكلام جاء كلامُه مرتبطًا، وإذا لم يُحْسِن ذلك اختلط عليه، وخَرَج
(1/101)
________________________________________
من غَرَض إلى غَرَض، فإذا استطردَ أو قَدَّم أو ذَيَّل فليَقتصِر على قَدْر الحاجة، فإنه إن زاد عن ذلك سَمُج، كما ترى في مُستطرَدَات (حياة الحيوان). ولقد نال شيئًا من ذلك بعضُ مواضع كتاب (كليلة ودِمْنة) لابن المُقَفَّع، على مكانته من علم البلاغة إلا أنه كان كِتَابًا مترجَمًا من لغة الفُرْس، ومن وجيز مُستطرَداته قولُه: "لَمَّا قَرُبَ ذو القرنين من فُور الهندي، وبلغه ما أَعَدَّ له من الخَيْل -التي هي كقِطَع الليل، مِمَّا لم يلقه بمثلِه أحدٌ من الملوك الذين كانوا في الأقاليم- تخوَّف ذو القرنين من تقصيرٍ يقعُ به إن عَجَّلَ المبادرة .. إلخ". فلقد أسرع الرجوع إلى الغرض.
وقول الفتح في (قلائد العِقْيان): "أنه حضر مجلس راح، ومَكنِسَ ظِبَاءٍ وأفراح، وفيهم جماعةٌ منهم الوزير أبو بكر شيخ الفُتوَّة، ومَعرِضُ فَتَيَاتِهَا المجلوَّة، ومعهم سعدُ بن المتوكِّل، وهو غلامٌ ما نَضَا عنه الشبابُ بُرْدَهُ، ولا أَذْوَى ياسمينَه ولا وَرْدَهُ، وكان الوزيرُ وأَخَوَاه
(1/102)
________________________________________
مختصِّين بالفَضْلِ اختصاصَ الأنوار بالكَمَائم، واللَّباتِ بالتَّمائم، فتذاكَروا فَقْدَه، وكيف شَفَى منه الزمانُ حِقْدَه، فهاج شَجْوُه، وبَانَ طَرَبُه ولَهْوُه، وأرسل مدامِعَه سِجَالا، وقال ارتجالا .. إلخ".
وكذا من الشِّعْر قول النابغة:
فما الفُرَاتُ إذا جَاشَتْ غَوارِبُه ... ترمي أَوَاذِيُّهُ العِبْرَيْنِ بالزَّبَد
يُمِدُّه كلُّ وادٍ مُتْرَعٍ لَجِبٍ ... فيه رُكَامٌ من اليَنْبُوتِ والخَضَد
يَظَلُّ من خوفِه المَلاَّحُ معتصمًا ... بالخَيْزُرَانَةِ بعد الأَيْنِ والنَّجَد
يومًا بأجودَ منه سَيْبَ نَافِلَةٍ ... ولا يَحُولُ عطاءُ اليومِ دون غَد

وربما طال الاستطراد لاقتضاء المقام ذلك فيناسب عند الرجوع إلى الغرض المقصود أن ينبه السامع لذلك بإعادة الكلمة التي تربط الغرض مثل كلمة (لولا) في قوله تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83)} [الواقعة: 83]. إلى قوله: {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا} [الواقعة: 86 - 87]. لأن أصل الكلام: فلولا إذا بلغت الحلقوم، ترجعونها إن كنتم صادقين في أنكم غيرُ مربوبين.
(1/103)
________________________________________
وأشدُّ مَنْ يظهر احتياجُه إلى رَعْي قواعدِ هذا الاتصال الخطباءُ؛ فإنَّ من دَأْبِهم التطرقَ إلى موضوعاتٍ كثيرةٍ، فإن هم لم يُحسِنوا ترتيبَها جاء الكلامُ نُتَفًا ينبو بعضُه عن بعض، وقد رأينا الشعراءَ لا يزيدون في انفكاك الغرض على أكثر من ثلاثة أبيات، ويتوخَّون من الصفات ونحوها ما له علاقةٌ بالغرضِ شديدةٌ وكذلك شأن الكاتب أيضًا.
وأما الانتقال من غرضٍ إلى غرضٍ ومن أسلوب إلى أسلوب: فهو زينةُ الكلام للكاتب والشاعر والخطيب، وهو أحسن تَطْرِيَةً لنشاط السامع، وأكثر إيقاظًا للإصغاء إليه، ويختصُّ من اللطافة بمثل ما قرره علماء المعاني للالتفات، فقد سمَّاه السكاكي: "قِرَى الأرواح". ولا بد فيه من مراعاة المناسبة، كما ترى في انتقالات القرآن العظيم.
وأما حُسْن الابتداء، والتَّخَلُّصُ، والخِتَامُ: فإنما خُصَّت بالبحث وإن كان جميع الكلام مشروطًا بالحسن، فذلك لأنَّ الإجادةَ فيها أعسر؛ إذ الابتداء هو أول ما يَقْرَع السمع، وأول ما يبتدئ به المتكلم، وهو مفتاح الكلام، فإن هو أتقنَه كان إتقانُه مُعِينًا على النَّسْج على منواله، كما يقال: (الحديث شُجُون)، وكذلك التخلُّص من المقدمة إلى الغرض؛ فإنه يحتاج إلى فضلِ براعةٍ في الارتباط بينهما، وكذلك الختام؛ لأنه يجب أن يكون قد استوعب ما تكلَّم لأجله، حتى لا يثني إليه عِنان الكلام مرَّةً أخرى بعد السكوت، ولا جرم أن يكون ما يتخلَّلُ بين هذه الثلاثة رشيقًا بليغًا متى سَهُلت على المتكلم الإجادة في هذه الثلاثة، وهذا هو المراد
(1/104)
________________________________________
من التأنُّق الذي حَرَّض عليه أئمة البلاغة في هاته المواضع الثلاثة.
ولنرجع إلى الحالة السادسة من أحوال الألفاظ المركبة وهي مناسبة الكلام للغرض: بأن يناسبه في الرِّقَّة والجَزَالة، وبأن تناسبَه كيفيَّةُ انتظامِه من سَجْعٍ وتَرَسُّلٍ وإيجاز وإطناب وبَسَاطَةٍ وصَنْعَة، وهذا أهمُّ شيءٍ في الإنشاء بعد ما تقدَّم وأصعبُه، ومن الأدباء من يقسِّم الإنشاء إلى عالٍ ووسط وسافل، فيظنُّ من لا يتأمَّل أنَّ هذا التقسيمَ يدخل في التعليم، وهو غلط؛ إذ التعليم لا يَقْصِدُ إلا الغايةَ العليا من الفنِّ الذي يُعَلَّم، وإنما المرادُ التنبيهُ على مراتب الإنشاء في الخارج والموازَنةِ بينها ليحصل من ذلك تمرينٌ على اختيار أحسنه، نعم! يكتفي معلِّمُ المبتدئين منهم بالإنشاء السَّافل، لكن لا ليبقوا في تلك المرتبة بل ليرتقوا عنها رُوَيْدًا رُوَيْدًا، ويحتذوا في كلِّ صِنْفٍ آثارَ المجيدين فيه، من كُتَّاب دولة وأدباء وموثِّقين وصحافيين وخطباء ومؤرِّخين ومؤلفين وشعراء، فتوجد في كلِّ صِنْفٍ منها مراتبُ في البَسَاطة والتأنُّق بحسب أحوال المخاطَبين من خاصَّةٍ وعامَّةٍ وأذكياء وأغبياء، ولا شك أنَّ لأحوال المتكلِّمين أيضًا علاقةً بحالةِ إنشائِهم، فلذلك غَلَب على العرب الأندلسيين الرِّقَّةُ في الكلام، وعلى العرب في صدر الإسلام الجَزَالة، وعلى أهل الحواضر والسَّبْق في المدنِيَّة مُخْتَرَعُ المعاني، وبعكسهم أهل البوادي، وقد قال بعض الأدباء لما قيل له: ما يمنعك أن تقول مثل قول ابن المعتز في تشبيه الهلال:
فانظرْ إليه كزَوْرَقٍ مِنْ فِضَّةٍ ... قد أَثْقَلَتْهُ حَمُولَةٌ مِنْ عَنْبَر

فقال: "كلٌّ يقولُ بما يرى في بيته".
ولا بأس أن نمثِّل هنا لشيءٍ من أغراض الكلام وما يناسبُها
(1/105)
________________________________________
من أحوال الألفاظ المركبة، وإن كان ذلك لا ينحصِر، ولكن لتحصيل أُنْمُوذَجٍ منه للمتعلِّم، وعلى المدرِّس أن يأتي لكلِّ صِنْفٍ منها بمثالٍ من المُنْشَآت، ليحترز عن الغلط في وضع بعض هاته الفنون في غير ما يليق به من الأغراض، فإنَّ مَنْ عَكَف على بعض هاته الفنون، وارتَسَم حَدُّهُ في ذهنه لم يكد يعدُوه إلى غيره، فربما وَضَعَه في غير ما يحسُن وضعُه فيه، مع أنَّ الواجب الأخذُ من كلِّ فَنٍّ والاطلاعُ على جميعها، وبيان ذلك:
أنَّ الرِّقَّة والصَّنْعَة تُسْتَحْسَنان في الأغراض الهَزَليَّة، والتَّهَاني، والمقامات، والمواعظ الترغيبيَّة، ومخاطَبات الأصدقاء في المودَّة ونحوها. والجَزَالة وما يقرُب منها تُستحسَن في المراثي، والتَّرْهِيبات، والحروب، والمخاطَبات مِن العظماء، والأدعية، والتآليف العِلْمية. والسَّجْع يحسُن وَقْعُه في المقامات، والتَّهَاني، والوِدَادِيَّات، والغَرَاميَّات، لِقُرْبِه من الشِّعْر وديباجات التآليف، ومقدمات التَّحْلية في المخاطَبات والأمثال والحِكَم؛ لأنَّ المراد تعلُّقها بالحِفْظ، والسَّجْعُ يُعين على ذلك مثل النظم. والتَّرَسُّل يحسُن في الأدعية، والخُطَب، والمواعظ، والعِلْميات، والتاريخ، والتَّراجِم، ومخاطَبات العموم، والمراسلات الدَّوْلية، والصُّكوك والشروط ونحوها. ومتى وُضِع فَنٌّ من فنون أحوال الألفاظ المركَّبة في غير موضعِه المناسب جاء سَمِجًا، كما ترى مِنْ سَمَاجة خُطَب الخطباء المنتحَلَة مِنْ خطب الشيخ ابن نُبَاتة ونحوه، مع أنَّ المخاطَب بها العمومُ الذين لا يتَفَطَّنون لِمَا أَكَدَّ الخطيبُ فيه ذِهْنَه، وكما ترى مِنْ ثِقَل (التاريخ اليميني) للكاتب أبي نصر العتبي، فإنه أودعه من السَّجْع ومحاسن الصَّنْعَة ما كان بعيدًا عن أن يُودَع في تاريخ الحوادث، وكذلك كتب التراجم، مثل: الرَّيْحَانة للخَفَاجي، التي
(1/106)
________________________________________
ظَنَّ أصحابُها أنهم يتبعون فيها الفتح ابن خاقان الأندلسي صاحب (قلائد العِقْيَان) مع الغفلة عن الفَرْق بينهم وبينه، فإنَّ المُهِمَّ من غَرَضِه هو ذكرُ مُلَحِ المترجَم لهم في البلاغة والرِّقَّة، ووَصْفُ مجالسِ أنسِهم، فكان له العُذْر فيما التزمه من السَّجْع والصَّنْعَة، على أنهم لو كانوا أجادوا جَوْدَتَه لكان في الأمر بعضُ السُّلُوِّ، ولكنهم أهملوا هذا وأهملوا الترجمة، فلا تأخذ منهم إلا تَحْلياتٍ الله أعلم بمطابقتِها للواقع، وتكاد أن ترى المترجَم لهم متماثلين فيها.
وإنك لتنظر إلى مُنْشآت ابن الخطيب رحمه الله فتراها على عُلُوِّ كَعْبِها قد اشتملت على شيءٍ من السَّمَاجة الحاصِلة من الإطناب والإسهاب في كلِّ غرض، وكذلك تجد مثلَ ذلك في التقاليد التي أنشأها الكاتبُ الحسين بن أبي نماء كاتب الخليفة النَّاصر العباسي في أواخر القرن السادس (575 - 622 هـ) فلا يكاد يَصِل المطالع إلى المقصود من التقليد إلا وقد أَسْأَمَه النَّظَر، وخَسِئَ منه البَصَر.
(1/107)
________________________________________
السَّجْعُ والتَّرَسُّلُ
لما جرى الكلام على السَّجْع والتَّرَسُّل، وكان السَّجْعُ من أشهر طرق الإنشاء، حتى ظنَّه كثيرٌ من الناس الإنشاءَ كلَّه، وجب أن نُشير إلى حقيقته، وشيءٍ من أقسامه ومحامده ومعايبه، والمفاضلة بينه وبين التَّرَسُّل، قال ابن الأثير في (المثل السائر): "السَّجْعُ: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حَرْفٍ واحد، والأصلُ فيه الاعتدال في مقاطع الكلام، ولكن لا يكمُل السَّجْع إلا إذا كانت ألفاظُه غيرَ غَثَّةٍ ولا باردة، والمعنيُّ بـ (الغَثَّة الباردة) أنَّ صاحبَها يصرِف نظرَه إلى السَّجْع من غيرِ نظرٍ إلى المفردات وما يُشترَط لها، وإلا لكان كلُّ أديبٍ سَجَّاعًا، بل هناك مطلوبٌ آخر وهو أن يكون اللفظُ فيه تابعًا للمعنى، فإنك إذا صَوَّرْتَ في نفسك معنى، ثم أردت أن تَصُوغَه بلفظٍ مسجوعٍ ولم يُوَاتِكَ إلا بزيادة في اللفظٍ أو نقصانٍ منه، فإذا فعلتَ ذلك فهو الذي يُذَمُّ من السَّجْع، لِمَا فيه من التكلُّف، وأما إذا كان محمولاً على الطَّبْع غير متكلَّف فإنه يجيءُ في غاية الحُسْن".
وأحسنُه ما تساوت فواصِلُه أو تقاربت في طُولٍ لا يَقْطَعُ النَّفَس، ولا يقصر عن أربع كلمات، أو يقاربها كثلاثٍ طِوال، ويُغتفَر أن تكون الفاصلةُ الثانية أطولَ من الأولى، والقبيحُ ما طالت فاصلتُه الأولى وقَصُرت الثانية، والمتوسِّط ما تقَاصَرَتْ فواصلُه جِدًّا، وإن كان مُحتاجًا
(1/108)
________________________________________
إلى قوةٍ في اللغة، وقد أكثر منه بديع الزمان الهمذاني.
وإذا لم يلتزم الكاتبُ السَّجْعَ، وكان كلامُه تَرَسُّلاً، حَسُنَ أن يأتيَ في أثنائه بهاته الكيفيَّات كلِّها بلا قيد. وأقسامُه وتفاريعها كثيرةٌ تَكفَّلَتْ ببيانها كتب البديع، وهو يدلُّ على مقدرةِ الكاتب إذا جاء في غاية الحُسْن غير متكلَّف؛ لأنه يُؤْذِن بسَعَة صاحبه في استحضار ما يريد من المفردات اللغوية، وبجودة قريحتِه في تطبيق المعاني على الأسجاع، ولكنه لا يحسُن إلا في مواقعه من الرَّسَائل، والدِّيبَاجات، والأشياء المقروءَة، والأمثال، والحِكَم التي يُرَاد تناقلُها وتعلُّقها بالأذهان، ولذلك يحسُن في بعضِ الجُمَل من الخُطَب، وهو ما كان مَوْضِعَ حكمةٍ أو موعظة، وليس قولُ الشيخ عبد القاهر في مقدمة (أسرار البلاغة): "إن الخُطَب من شأنها أن تُعتمَد فيها الأوزان والأسجاع، فإنَّها تُروَى وتُتَنَاقَلُ تناقلَ الأشعار" =إلا ناظرًا لذلك كما يُلَوِّح إليه تعليلُه، وإلا فهو لا يَجْهَلُ أنَّ جُلَّ الخطب النبوية وخطب السلف والعرب كانت غيرَ مشتملةٍ على الأسجاع إلا قليلاً.
ولا يحسُن السَّجْعُ في البَدَائِه والارتجالات؛ لأنَّه يصرِف الذِّهْنَ عن المحافظة على المعنى، بخلاف الكاتب فإنه في سَعَةٍ من أمره، ولهذا لا نَجِدُ السَّجْعَ كثيرًا في كلام العرب ومَنْ يليهم ممن كانوا لا يُزَوِّرُونَ الكلامَ مِنْ قبل، وما يُرَى في (نهج البلاغة) من الخطب المنسوبة لسيِّدنا علي - رضي الله عنه - من هذا النوع فهو من موضوعات أدباء الشيعة كما هو مشهور.
(1/109)
________________________________________
ولا يَرتَجِلُ أحدٌ خِطَابًا مسجوعًا إلا وقد دَلَّ على أنه محفوظٌ لديه مِنْ قبل.
والسَّجْعُ يكسو الكلامَ الخَلِيَّ عن المعاني الفائقةِ وعن المحاسنِ اللفظيَّةِ جمالاً، ولذلك يأوي إليه ضُعَفَاء الكُتَّاب -كما قال ابن خَلْدون- بخلاف التَّرَسُّل، فلا يَظْهَرُ رَوْنَقُه إلا إذا صَحَّ معناه وجادت ألفاظُه.
(1/110)
________________________________________
التَّمَرُّنُ على الإِجَادَةِ
معالجةُ المتكلِّم أداءَ ما قَرَّرَه وهَذَّبَه من المعاني بما يُنَاسِبُها من اللفظ، وما يناسب غَرَضَ الكلام ومَقَامَه هو غايةُ علم الإنشاء؛ لأنَّ تلك المعالجةَ تصير دُرْبَةً وبيانًا، ويحصل ذلك بمطالعة كلامِ البلغاء، وتتبُّع اختيارهم، وسَبْر أذواقهم في انتقاء الألفاظ وابتكار المعاني، لتنطبع في الذهن صُوَرٌ مناسبةٌ -كما تقدم في أساليب الإنشاء- فيحصل من ذلك ما لا يحصل من دراسة قواعد الفصاحة والبلاغة، وقد قالوا: "إنَّ السَّمْعَ أبو الملكات اللِّسَانية".
ولهذه المعالجة طرائق:
إحداها: المطالعة.
ثانيها: الحفظ.
ثالثها: حَلُّ الشعر وعَقْدُ النثر، بمعنى تصيير الشعر نثرًا والنثر نظمًا، مع المحافظة على أصل المعنى، سواء كان بتغييرٍ قليلٍ في اللفظ وفي المعنى، أم بدونه، ومن أحسن حَلِّ الشعر قول صاحب (قلائد العقيان): "فإنَّه لَمَّا قَبُحت فَعَلاتُه، وحَنْظَلَتْ نَخَلاته، لم يزل سوءُ الظَّنِّ يقتادُه، ويصدِّق تَوهُّمَه الذي يعتاده" حَلَّ به قولَ المتنبي:
(1/111)
________________________________________
إذا سَاءَ فِعْلُ المَرْءِ ساءَتْ ظنونُه ... وصَدَّقَ ما يعتَادُه مِنْ تَوَهُّم

وقول الخُوَارَزْميِّ في بعض مكاتيبه: "إذا أحسَّ من لسانه بَسْطَةً، ووجد في خاطرِه فَضْلةً، وأصاب من القول جَرَيَانًا، قال: ما وَجَد بيانًا" فحَلَّ بذلك قولَ الشاعر:
وقد وجدتَ مكان القولِ ذا سَعَةٍ ... فإن وَجَدْتَ لسانًا قائلاً فَقُل

مع تغيير في اللفظ والمعنى.
وأما عَقْدُ النثر فكثيرٌ، ومنه قولُ أبي تمام:
أتصبِرُ للبَلْوَى عَزَاءً وحِسْبَةً ... فَتُؤْجَرَ أم تَسْلُو سُلُوَّ البَهَائِم

عقد قول علي - رضي الله عنه - للأشعث بن قيس: "إمَّا صَبَرْتَ صَبْرَ الأحرار، وإلا سَلَوْتَ سُلُوَّ البهائم".
حكى القاضي الفاضل قال: أرسلني أبي إلى يوسف بن أبي الخلال رئيس ديوان الإنشاء بمصر في الدولة الصلاحية لتعلُّم فَنِّ الكتابة، فرَحَّبَ بي ثم سألني: ما الذي أعددتَ من الآلات؟ فقلت: القرآن، وكتاب الحماسة. فقال: إن في هذا لبلاغًا. فلمَّا تَردَّدْتُ إليه، وتدَرَّبْتُ بين يديه، أمرني أن أَحلَّ شعر الحماسة فحللتُه من أوله إلى آخره، ثم أمرني أن أحلَّه مرةً ثانيةً ففعلت، فقال لي: اشتغل بمثل هذا وأنت إذًا تُحسِنُ الإنشاء.
ومما يجب التنبُّه إليه أنَّ المرجع في كلِّ صِنْفٍ إلى اختيارِ جَيِّدِ إنشاءِ فُحُولِه، ففي الكتابة يجب تتبع أساليب مجيديها من كتابة ديوانية
(1/112)
________________________________________
أو أدبية أو علمية أو صحافية، وفي الشِّعْر كذلك، وفي الشروط والتوثيق كذلك، وفي الخطابة كذلك، وفي المحادَثات يجب التمرُّن بمطالعة محادثات العرب، وقِصَارِ الجُمَل، والأجوبة البديعة، فإنَّ معرفة المُرَاسَلة والخطابة لا يُغنِي عن معرفة كيفية المحادَثة؛ ألا ترى أنه لو عَمَد إنسانٌ إلى أن يكتب كما يتكلَّم لجاءت كتابتُه مقطَّعة، وكذا لو تكلَّم كما يكتب لكان كمن يسرُد شيئًا محفوظًا، وهكذا تجدُ لكلِّ فَنٍّ لهجةً تُشبِه أن تكون لغةً خاصةً، فمن الغلط الكبير أن يلتزم المتمرِّنُ أسلوبًا واحدًا أو طريقةً منفردةً لا يعدو ذلك إلى غيره، وقد تَنبَّهْتَ إلى أنموذج ذلك، وفي استقرائه كثرةٌ، وليس الرِّيُّ عن التَّشَافِّ. والله أعلم.
انتهى القسم اللفظي، وفي منتهاه بِلْغُ ما أردناه من أصول فَنِّ الإنشاء، وسنقفِّيه إن شاء الله تعالى بخُلاصةٍ تتعلق بفنِّ الخطابة وآداب الخطباء، لتكون له كالتَّكملة، وعسى إذا حَظِي ذلك بإعمالِ بصيرةٍ نَقَّادَة، وأُورِيَ له زِنَادُ فِكْرةٍ وَقَّادة، أن يكون كافيًا للمتعلِّم القاصدِ، سِيَّمَا إذا نَفَحَها المدرِّس النِّحْرِيرُ بما تجود به هِمَّتُه من الزَّوائد.

- انتهى -
- يتلوه الكلام على فن الخطابة -
(1/113)
________________________________________
فنُّ الخَطابَة
(1/115)
________________________________________
ما هي الخطابة؟
إن الخطابة وإن كانت فنًّا من فنون الإنشاء، وكانت القواعدُ المتقدمة والشروط المقررةُ مطردةً فيها لا محالة، غيرَ أنَّ صاحبها لما كان أشدَّ اعتمادًا على البَداهة والارتجال منه على الكتابة، تعيَّن أن يُذكَر لها من الضوابط والشروط ما لا يجري مثله في عموم صناعة الإنشاء، كما كان للشعر من الضوابط ما يختصُّ به عن الإنشاء، وإن كان هو في الأصل فنًّا من أفانينه.
ولقد رأينا من المتقدِّمين ممن ألَّف في صناعة الإنشاء لم يُعَرِّجوا على ذكر ما هو من خصائص الخطابة؛ حتى إنك لتجد شيئًا من قواعدها في خلال مطوَّلات كتب المنطق، ولا تجد ذلك في كتب الأدب، غيرَ أنَّ المناطقة خَصَّوها بضَرْبٍ من ضروب الحُجَّة، وهو ما يتركَّب من قياسات مظنونةٍ أو محمولَةٍ على الصِّدق، وأما المعنيُّ بها عند علماء الأدب فهو شامل لجميع أقسام الحجة؛ إذ الخطيب قد يأتي بجميعها وإن كان الغالبُ عليه بيانَ القياسات المظنونة؛ إذ هو لا يتعرض للقطعيَّات إلا عند الاحتجاج بها، ولا يتعرض للشعر والسَّفْسَطَة إلا نادرًا؛ لئلا يعرِّضَ نفسه للتكذيب أو الاستخفاف.
(1/117)
________________________________________
فيمكن أن نعرِّفها بأنها: كلامٌ يحاوَلُ به إقناعُ أصناف السامعين بصحَّة غَرَضٍ يقصِدُه المتكلِّم لفِعْلِه أو الانفعالِ به.
فقولنا: (كلام) خرجت به الرسائلُ العامة، والمكاتيب، والتقاليد الموجَّهة للبلدان، وشمل ذلك الكلام المنظوم والمنثور؛ إذ يجوز أن تشتمل الخطبةُ على نَظْم، أو يكون جلُّها نظمًا _كما سيأتي _.
وقولنا: (يحاول به إقناع أصناف السامعين) يخرجُ التدريس؛ فإنه كلامٌ يحاول به إقناع صِنْفٍ واحد من السامعين، وهم طلبة فنٍّ خاص في موضع خاص، ولا يُسمَّى ذلك في العرف خطابةً ولا صاحبُه خطيبًا، وإن كان له عونٌ كبيرٌ على مَلَكَة الخطابة، وتعلُّقٌ شديدٌ بأصولها. ويخرج ما يخاطَب به شخصٌ واحدٌ، كالمناظرات العلميَّة، ومُرَافعات الخصوم والوكلاء لدى القضاة؛ فإنها لا تُسمَّى خطابةً عرفًا، وإن كانت شديدةَ التعلُّقِ بقواعدها، وفي الحديث: "ولعلَّ بعضَكم يكون ألحنَ بحجَّتِه من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع".
وقولنا: (بصحة غَرَضٍ يقصده المتكلم) نريد منه التعميمَ ليشمل كلَّ غرض تصَدَّى الخطيب لترويجه، سواء كان المراد حَمْلَ الناس على فعله، كالحثِّ على طلب العلم والجهاد، أم اعتقادَهم صوابَه كالخطبة في إرضاء الناس بأمر واقع، ويشمل ذلك الخطبَ التي يَرُدُّ بها الخطيبُ على الغير، أو يعتذرُ بها عن فعله أو فعل غيره، أم الكفَّ عن فِعْلٍ كالمواعظ وتسكين الثورات، أم تحصيلَ عِلْمِهم به كالخطب التي تُقَال على ألسنة الملوك والرؤساء لإعلامٍ بقانون أو فَتْحٍ أو نحو ذلك، ويشملُ ذلك
(1/118)
________________________________________
التعليمَ الذي يتعرَّضُ له الخطيب، مثل الخطب الدينية التي يُتعرَّضُ فيها لتعليم بعضِ الواجبات، فإنَّها لا تُتَلَقَّى بوصف قواعدَ علميَّة، ولكن بوصف تعليماتٍ عامَّةٍ تستوي فيها الناس، أو بوصف التنبيه على تركها وإهمالِها، وبهذا الاعتبار تصيرُ غرضًا للمتكلِّم يحاولُ الإقناعَ بصحته.
ويخرجُ بها ما يُقرأ على المنابر من عقود البيعات السُّلطانية ونحوها، كالتقاليد فلا تُسمَّى خُطبًا، وإنما القصد من ذلك إشهارُها وإعلانُها.
وقولنا: (لفِعْلِه أو الانفعالِ به) إشارةٌ إلى غاية الخطيب من الخَطابة، وهي إما فعل المخاطبين شيئًا يريده أو اعتقادهم شيئًا يُعلِمُهم إيَّاه. وقد انطبق التعريف على المعرَّف.
(1/119)
________________________________________
منافع الخطابة
إن الخطابة ركنٌ عظيمٌ من آداب الاجتماع البشري، فبها يحصل تهذيب الجمهور وحملُهم على ما فيه صلاحهم، وتسكين جَأْشِهم عند الرَّوْع، وبثُّ حماسهم عند اللقاء، وبها تحصل مُحَاجَّة المموِّهين عليهم والمعنِّتين لهم؛ إذ الجمهور إنما يتألف من أفرادٍ لا تبلغ عقولُهم بسرعةٍ إلى إدراك البراهين النظرية، ولا تهتدي من تِلقاء نفسها إلى الغايات الحقيقية، فناسب أن يُعدَل عند خطابهم إلى الأمور الإقناعية، وهي المشهورات الموصِّلة إلى ما يوصِّل له البرهان ولو خالفته في الطريق، وقد يخاطِب الخطيب قومًا من الخاصة إلا أن المَقام يكون نابيًا عن سلوك طريقة البرهان، إما لقِصَر الوقت واحتياج البرهان إلى طُولٍ، وإما لأنَّ في البرهان خَفَاءً وتدقيقًا وتفاوتًا في قَبول الناس له، أو مُكَابرةً في الاعتقاد فيُصَار إلى الإقناعيات والتمثيلات والمسلَّمات لتُمْكِنَ
(1/120)
________________________________________
معارضة الخصم الألدِّ وإيقاظ الغالط الغافل، فلذلك كان الخطيب في حاجةٍ إلى معرفة محاسن الأشياء وأضدادها ليتوسَّل بذلك إلى مناقضة ضَالٍّ مروِّج أو إرشاد جاهل غيرِ متيقِّن. وحسبك من منفعة الخطابة أن الله تعالى شرع لنا الخطبة عند كلِّ اجتماع مهم من جُمُعة وعيد وحج، وذلك أنَّ النُّفوس تميل في طِباعها لمتابعة الشهوات وتتجهَّم الاتِّباع لمقتضى الأخلاق الفاضلة، فإذا لم تتكرر عليها الدعوة إلى الفضائل بالخطب غلبت عليها أضداد الفضائل والعدالة، وليس كلُّ صِنْفٍ من أصناف الناس بصالحٍ لتلقِّي ذلك وحدَه من مطاوي كتب التهذيب وأوراق الحكمة، ولا كلُّ صالحٍ لذلك بفاعلٍ، فلا جَرَم وجبَ التذكير عند المجتمعات العامَّة لأنها تحشُر أصناف الناس.
ولقد كان الشعرُ أغلبَ على العرب، وكان الشاعر مُقدَّمًا عندهم على الخطيب في الجاهلية -كما قال أبو عمرو بن العلاء- لفَرْط حاجتهم حينئذٍ إلى الشعر الذي يُقيِّد عليهم مآثرهم، ويفخِّم شأنهم، ويُهَوِّل على عدوِّهم، فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مَكسِبةً وتسرَّعوا به إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر، ومع ذلك فلم يُحفظ من خُطَبهم شيءٌ كثيرٌ؛ لأنَّ الشعر كان أسرعَ إلى الحفظ وأعلق بالذهن، ولما جاء الإسلام وتأسَّس الدينُ ارتفع شأن الخطابة، وقُيِّدت آثارُها بشيوع الكتابة.
(1/121)
________________________________________
أصول الخطابة
اعلم أن أصول الخطابة من حيث إنها كلامٌ مُنشَأ لا تفارق الأحوالَ الثلاثة التي شرحناها في كيفية إنشاء المعنى من القسم الأول في الإنشاء، وهي: المعنى الأصلي، وتفصيله، وإيضاحه، المشار إليها بقول ابن المعتز: "البلاغة: أن تغوصَ لحظةُ القلب في أعماق الفِكْر، وتجمعَ بين ما غاب وحَضَر، ثم يعود القلبُ على ما أَعمَلَ فيه الفِكْرَ فَيُحكِمُ سياق المعاني، ويُحسِن تنضيدَها، ثم يبديها بألفاظٍ رشيقةٍ مع تزيين مَعارِضِهَا، واستكمال محاسنِها".
وكل ذلك محتاجٌ إلى طبع سليم، فقد قال أبو داود بن جرير: "رأس الخطابة الطبع"، =ولكن الذي يختلف هو كيفية التفصيل والتنسيق، وكيفيةُ الإيضاح والتعبير، فأما كيفية التفصيل فسيأتي جلُّها في معرفة أركان الخطبة، وأما كيفية التنسيق فهو في الخطابة: أن يتمكن الخطيب من الموضوع الذي يتصدَّى للتكلُّم فيه، ويجمعَ أصولَه ويستحضر غايته والغرضَ الذي يرمي إليه، ويتصوَّر ذلك بوجه مجمل،
(1/122)
________________________________________
ثم يأخذ في تفريعه قبل التكلُّم لكيلا يُرْتَجَ عند الشروع، ثم إنه يُحسِن ربطه ويناسب في الانتقال لكيلا يَشِذَّ عليه وقتَ الاشتغال بالتكلم بعضُ ما كان أعدَّه، فإن لوقت التكلم ضيقًا غيرَ ما يكون من السَّعَة في حال التفكر، فإذا أَخَذ بعضُ المعاني بأيدي بعض، وحَسُن رَبْطُ بعضه ببعض، كان أسهلَ استحضارًا وأقربَ تناولاً للسامع والناقل؛ لأنَّ بعضه يُذَكِّر ببعض، ومن هذا ما يُعبَّر عنه بـ (حُسْن التخلُّص)، ثم يَعقُب ذلك تقريرُ المعنى -على حسب ما تقدم في نقد المعاني- ثم الاستدلال عليه، وذلك لا يعسُر على الخطيب إن هو أحسن تنسيقَ أصول خطبته؛ لأنه يتمكَّن منها كمال التمكُّن.
ثم إن الخطيب لا يستغني عن الاستكثار من استحضار معانٍ صالحة في أغراض شتَّى يحتاج إليها في الاستدلال على فضل شيء أو ضدِّه؛ لتكون له عونًا عند الاندفاع في الخطابة، وتخفيفًا عن ذهنه من شدة التحضير، ولأنَّه إن لم ينفتح له بابُ القول في غَرَضٍ ارتجاليٍّ يأخذْ من تلك المعاني ما يدفع عنه عيبَ الإرْتَاج والحُبْسَة، وقد روي أن عثمان - رضي الله عنه - لما قام عندما بويع بالخلافة أُرتِجَ عليه فقال: "أما بعد، فإنَّ لكل قادمٍ دهشةً، وأنتم إلى إمامٍ فعَّال أحوجُ منكم إلى إمامٍ قوَّال، وإن أَعِشْ فستأتيكم الخطبُ على وجهها". وكذلك روي أن داود بن علي قام للخطبة، فلما قال: (أما بعد) أُرتِجَ عليه فقال: "أما بعد، فقد يجِدُ المُعسِرُ، ويُعسِرُ الموسِرُ، ويُفَلُّ الحديد، وإنما الكلام بعد الإفحام
(1/123)
________________________________________
كالإشراق بعد الظلام. وقد يَعزُب البيان، ويَعتَقِمُ الصَّوابُ، وإنما اللسان مُضْغَةٌ من الإنسان، يَفْتُر بفتوره إذا نَكَل، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل. ألا وإنَّا لا ننطِق بَطَرًا، ولا نَسكتُ حَصَرًا، بل نسكت معتبرين، وننطِقُ مرشِدين، ونحن بعد ذلك أُمَرَاءُ القولِ، فينَا وَشَجَت أعراقُه، وعلينا عَطَفَتْ أغصانُه، ولنا تهَدَّلتْ ثمرتُه، فنتخيَّرُ منه ما احْلَوْلَى وعَذُب، ونَطِّرِحُ منه ما امْلَوْلَح وخَبُثَ، ومِنْ بعدِ مقامِنا هذا مَقام، ومِنْ بعد يومنا أيام". فبذلك كان في إرتاجه أبلغَ منه في ارتجاله، ولولا أن هذه المعاني كانت حاضرةً في ذهنه حتى صار بها خطيبًا في بيان أحوال الخطيب لسكت وحُبِسَ لسانُه.
ولا بد للخطيب من التنبُّه إلى مواقع النقد والاعتراض، وهي الأشياء التي يظنُّ أنَّ في السامعين من ينكرها؛ لمخالفة اعتقادٍ أو مخالفة هوى، فيَعُدُّ ذِهْنَه للجواب عنها، وقد قيل: إنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان قد أعدَّ لكل حادثةٍ جوابًا. وسيأتي بيانٌ لذلك في الكلام على الخطيب.
وأما كيفية الإيضاح والتعبير فقد قال أبو هلال العسكري: "الرسائل والخطب مُتشَاكِلَتَان في أنهما كلامٌ لا يلحقه وَزْنٌ ولا تَقْفِيَة،
(1/124)
________________________________________
وكذلك من جهة الألفاظ والفواصل؛ فألفاظُ الخطب تشبه ألفاظ الكِتَاب في السهولة والعذوبة، وكذلك فواصل الخطبة مثلُ فواصل الرسائل، والفرق بينهما أن الخطبة يُشافَه بها بخلاف الرسالة". وقال في الباب الرابع: "أجناس الكلام ثلاثة: الرسائل، والخطب، والشِّعْر، وكلُّها تحتاج إلى حُسْن التأليف وجودة التركيب". وعليه فكل ما قررناه في قسمي الإنشاء المعنوي واللفظي يجري بعينه ها هنا. ولم نزل نرى الخطابة والكتابة يجريان على سَنَنٍ واحد في اللهجة، ويتلوَّنَان تبعًا لأذواق العصور المختلفة بلونٍ واحدٍ، إلا أنه لا بد لنا من إيضاح الفرق بين الرسالة والخطبة الذي أشار له أبو هلال بقوله: "الفرق بينهما أنَّ الخطبة يُشَافَه بها بخلاف الرسالة" لكيلا يَظُنَّ الواقفُ عليه أن ذلك قُصَارى الفَرْق، وإنما هو يَنْبُوعُ فروقٍ كثيرة؛ إذ لا يخلو حال الكلام المشافَه به من مخالفةٍ لحال الكلام المكتوب المبعوث به، وقد حَضَر لنا من ذلك فروقٌ كثيرة:
أحدها: أن الخطابة يشافَه بها جمعٌ من الناس، فهي من هذا الوجه أولى باستعمال الألفاظ السهلة التناول للجمهور، مع بَسَاطة المعاني وقلة تركيبها والإغراب فيها.
ثانيه: أنها لذلك يجب أن تكون جُمَلها شديدةَ الارتباط قريبةَ التآخي، بحيث لا يحسُن فيها تطويلُ الاستطراد ولا بُعْدُ مَعَاد الضمائر والإشارات ونحوها؛ إذ ليس لذهن سامعِها من التمكُّن في التفهم ما لذهن قارئ الرسالة.
ثالثها: أن السجع الذي هو فنٌّ من فنون الإنشاء لا يحسُن كلَّ
(1/125)
________________________________________
الحُسْنِ في الخطابة، خصوصًا الخطابة التي تُقَال لجماهير الناس وعامتهم؛ لأنَّ السجع لا يخلو عن تكلُّف ألفاظٍ تحجُب ذهن السامعين عن كمال فَهْم المعاني، فإن اغتُفِر فيها السجعُ فإنما هو ما يقع عَفْوًا بلا تكلُّف، أي السجع الذي يطلبُ المتكلِّمَ لا الذي يطلبُه المتكلِّمُ.
رابعها: أن الخطابة لَمَّا كان شأنَها الارتجالُ -ولو كانت مُحَضَّرةً أو مُنقَّحَةً، فينبغي أن تكون صورتُها صورةَ الارتجال- فلذلك كانت جديرةً بطرح كلِّ ما تُشَمُّ منه رائحةُ التصنُّع. نعم، لا نجهل أنَّ الخطابة ضَعُف التَّبْريزُ فيها من أواسط القرن الخامس شيئًا فشيئًا، وصارت الخُطَب مهيَّئةً من قَبْل إلقائِها، وصار الخطباءُ يلقونَها من الأوراق فمالوا فيها إلى المحسِّنات اللفظية التي غلبت على إنشاء تلك العصور فما دونها، إلا أنَّ تَكاثُرَ ذلك لم يَحُلْ بصاحب الذوق السليم مِنْ أن تُخَالجه السَّمَاجةُ عند سماعها، وهذا هو الذي أيقنَنَا بأنَّ كثيرًا من الخُطَب المنسوبة لسيِّدنا عليٍّ - رضي الله عنه - في كتاب (نهج البلاغة) هي من موضوعات أدباء الشيعة، وإن شئتَ مثالاً لهذا وذاك فدونك الخطبَ النبوية
(1/126)
________________________________________
وخطب فصحاء العرب، ثم انظر الخطب المنبرية المجموعة في الدواوين كخطب ابن نباتة، والخطب التي تضَمَّنَتْهَا المقاماتُ الحريريَّة.
ولتمام الاستعانة على التنسيق والتعبير اللذين هما ملاك أصول الخطابة تعيَّن على الخطيب التملِّي من رواية أقوال الخطباء؛ فإنَّ في ذلك معرفةً لمعانٍ جامعةٍ وألفاظ بارعةٍ، وقد نقل الجاحظُ عن أبي داود بن جرير أنه قال: "رأسُ الخطابة الطَّبْعُ، وعَمودُها الدُّرْبَة، وجَنَاحاها روايةُ الكلام". وذلك ليعتادَ سهولةَ التعبير.
(1/127)
________________________________________
كما لا غُنْيَة للخطيب عن معرفة أحوالِ الأمم ومحامِدهم ومَذَامِّهم؛ فإن ذلك مما يعرِض للخطيب، ويُعِينُه على التكلُّم في المجامع؛ ليأخذ من ذلك أمثالاً صالحةً أو تحذيراتٍ نافعةً، ولأنه يستعين به على تأييد أنصارِه أو الحَطِّ من أعدائهم، وقد حَضَر الخطيبُ خالد بن صفوان الأهتمي بمجلس أبي العباس السَّفَّاح، ففخر عليه ناسٌ من بَلْحارث بن كعب، وأكثروا في القول، فقال له السَّفَّاح: مالك لا تتكلم؟ فقال له: أخوالُ أمير المؤمنين وعَصَبَتُه. فقال له: فأنتم أعمامُ أمير المؤمنين وعَصَبَتُه. فقال خالد حينئذٍ: وما عسى أن أقول لقومٍ كانوا بين نَاسِجِ بُرْد، ودَابغِ جِلْد، وسَائِسِ قِرْد، وراكب عَرْدٍ (الحمار)، دَلَّ عليهم هدهد، وغَرَّقَتْهُم فأرة، ومَلَكتهم امرأة". أشار إلى أنهم من بقايا سَبَأ. وقد قال فيه مَكِّيُّ بن سَوَادَة -الشاعر، وجَمَع في شِعْره ما يلزمُ الخطيب-:
عَليمٌ بتنزيلِ الكلامِ مُلَقَّنُ ... ذَكُورٌ لِمَا سَدَّاهُ أوَّلَ أوَّلا
يَبُذُّ قَريعَ القومِ في كلِّ مَحْفِلٍ ... وإن كان سحبانَ الخطيبَ ودَغْفَلا
ترى خُطَباءَ القومِ يومَ ارتجاله ... كأنَّهمُ الكِرْوانُ عايَنَّ أجْدَلا
(1/128)
________________________________________
وكذلك معرفة ما يكثرُ الدعاء إليه مثل منافع المَدَنِيَّة ومنافع التعليم، ومثل استحضار الخطيب السِّيَاسيِّ لعلائق الأمم وتواريخ حوادثها، ولذِكْرِ مفاخر أمته ودولتها، واستحضار ما يَذُبُّ به عن سياستِه ممن يَنتقِدُهَا.
(1/129)
________________________________________
الخطيب
يتعلق الكلام على الخطيب بأمرين:
أحدهما: شروطه. وثانيهما: عيوبُه. لتحصل من معرفتِهما ما يجبُ اتِّبَاعه، وما يتعين عليه تركُه.
أما شروطُه فكثيرةٌ: منها: ما يَرجِعُ إلى ذِهْنِه. ومنها: ما يرجع إلى ذاته.

فأما شروط الخطيب الراجعة إلى ذِهْنِه فقد أرجعها أرسطو في كتابه في الخطابة إلى ثلاثة أشياء -هي كالأصول لها-:
أولها: معرفة الأقوال التي يحصل بها الإقناع. وثانيها: معرفة الأخلاق والفضائل الذاتية. وثالثها: معرفة الانفعالات، ومِنْ أيِّ شيءٍ تكون. ونحن نزيدها رابعًا وهو قُوَّة البَدَاهة في استحضار المعاني.
أما الثلاثة الأُوَل فقد شرحها ابن رشد في تلخيص كتاب أرسطو بعض الشرح، ونحن نزيدها بيانا فنقول:
أما معرفة الأقوالِ المُقْنِعَة فالمراد بها معرفة الأَقْيِسَة الخطابيَّة، وذلك يحصل من التمييز بين الأقيسة الصحيحة، والكُلِّيات وجزئياتها، والصادق والكاذب، ومراتب أنواع الحُجَّة، وذلك مما دُوِّن له علمُ المنطق، ولا نريدُ معرفتَه بصناعة المنطق؛ إذ قد كان الخطباءُ خطباءَ قبل تدوينِه، ولا يزال الخطباءُ خطباءَ ومنهم من لم يخطُر المنطق بباله، وإنما المراد أن تكون له مَلَكَةُ التمييز، سواء حصلت تلك المَلَكَة من سلامة
(1/130)
________________________________________
الفِطْرة وأصَالة الرَّأي، أم من مُزَاولة الفنون الحِكْمِيَّة، ويُلحَق بذلك معرفةُ الحقِّ والباطل، والمقبول والمردود، والصَّريح والخفي، والظاهر والمُؤَوَّل، ونضربُ لذلك مثلاً وهو كلما كان القولُ أعمَّ معنى كان أكثرَ تأتِّيًا لأن يُستعمَلَ في مواطن كثيرة، وكلما كان أخصَّ كان أوضحَ دِلالةً وأقربَ تناوُلاً، ولكلٍّ مَقَامٌ ووقتٌ ومخاطَبٌ، وهكذا معرفةُ العِلَل والغايات. وقد تقدم في جزء صناعة الإنشاء المعنوي من ذلك مَقْنَعٌ، وفي مُمَارسة علوم البلاغة والمنطق منه مَبْلَغٌ.
وأما معرفة الأخلاق والفضائل فالقصدُ من ذلك التمييزُ بين ما هو فضيلةٌ وضدِّه من الأفعال، ومعرفة محاسِن الأخلاق ومساوئها، فإن بمعرفة ذلك تحصيل غرضين مهمين:
أحدهما: رياضة الخطيبِ نفسَه على التَّحَلِّي بتلك الفضائل.
وثانيهما: معرفتُه ذلك من حال المخاطَبين؛ ليلقي لهم الكلام على قَدْر احتياجهم وبقدر ما تَهيَّأَت له نفوسُهم. وكأنَّ هذا الثاني موجِب اشتراط الاستيطان في خطيب الجمعة عند مَن اشترطه.
واعلم أن الخطيب لا غِنَى له عن معرفة أضداد الفضائل أيضًا؛ إذ قد يدعوه الحالُ إلى بيانها إما لِذَمِّ ما تشتملُ عليه وتُؤثِرُه، وإما لمعرفة ما فيها من منافع قليلة؛ لئلا يَبْهَتَه بها مَنْ يريدُ التَّضليلَ بترويجها، فإذا كان
(1/131)
________________________________________
عالمًا بتفاصيلها لم يعسُر عليه تفنيدُ من يضلِّلُ بها، وفي ذلك أيضًا عَوْنٌ على الدِّفَاع عن مُرتكِب هَفْوةٍ وصاحب فَلْتَة. وقد يكون الشيءُ نافعًا في وقتٍ، وضدُّه نافعًا في آخرَ، كالشَّجاعة وقت الحَرْب، والأَنَاة وقت السِّلْم.
وأما معرفة الانفعالات ومَنْشَئِها فهي من أكبر ما يعتمدُ عليه خطيبُ القوم؛ إذ به يُمَيِّزُ بين ما تنفعلُ به نفوس العامة، وما تنفعلُ به نفوس الخاصة، وما هو مُشترَكٌ بينهما، وبين أنواعِ الانفعالات خيرِها وشَرِّها، وقوَّتِها وضعفِها، وما هو مقبولٌ وما هو مردود. وقد تَعَرَّض أرسطو إلى ذلك بما عَبَّر عنه بـ (إثارة الأهواء) فقال: "إنها انفعالات في النَّفْسِ تُثِيرُ فيها حُزْنًا أو مَسَرَّةً". وقال أفلاطون: "لكلِّ أمرٍ حقيقةٌ، ولكلِّ زمانٍ طريقةٌ، ولكلِّ إنسانٍ خَلِيقَةٌ، فالتمس من الأمور حقائقَها، واجْرِ مع الزَّمان على طرائقه، وعامِل الناسَ على خلائقهم". فعلى الخطيب ألا يقيس الناسَ على حَذْوِ نفسِه؛ فإنَّ منهم مَنْ يُسَاويه، ومنهم مَنْ يفوقُه، ومنهم مَنْ هو دونه، وليس ما يزهد فيه الفتى -مثلاً- يزهد فيه الصَّبي، ولا ما يخاطَب به الجنديُّ في صَفِّ القتال يخاطَب به الحكيمُ؛ إذ رُبَّ مَحْمَدَةٍ عند هذا هي مَذَمَّةٌ عند الآخَر، فنحن ندعو كلاً منهما -إذا أَرَدْنا منه انفعالاً- بما يُناسِب اعتقادَه. ألا ترى أن حُبَّ التعظيم والفَخْر -مثلاً- لو زَهِد فيه الطِّفْل في المَكْتَبِ كما يزهَد فيه الحكيمُ لاستوى عنده العمَل والكَسل، ولم يهتمَّ بمنافسة أقرانِه فتَضَاءلتْ مواهبُه. وكذلك القناعة المحمودة لا يحسُن أن يذكرَها أو يدعوَ إليها مَنْ يخطُبُ في قومٍ تكاسلوا عن التِّجَارة وفشا فيهم الفَقْر، فإن جاء يخطُب فيمن أعرضوا عن تعاطي العِلْم، أو عن تهذيب النَّفْس لشِدَّة التعلُّقِ بالدنيا حَسُنَ أن يتعرَّض حينئذٍ لمحامد القناعة وأنها أكبرُ غِنًى.
(1/132)
________________________________________
وعلى هذا فالخطيب يُخاطِبُ السَّامعين بمقدار ما يَعْلَمُ من رُتْبَةِ انفعالهم بكلامه؛ فتَارةً يتوجَّه إلى ابتداء المطلوب منهم مِنْ غير طَلَبٍ لوسائلِه، ويَكِلُ لهم السَّعْيَ في وسائل تحصيله، وذلك إنْ عَلِم أن لا نُشُوزَ منهم. وتارةً يتطلَّب منهم تحصيلَ الأسبابِ والوسائل إن عَلِمَ منهم نُشُوزًا عن المطلوب لِيَقَعُوا في الأمر المطلوب بعد ذلك على غيرِ تَهَيُّؤٍ إليه، مثال ذلك: لو أراد أن يدعوَ إلى أَمْرٍ فيه صَلاحٌ عامٌّ مثل تكثير سَواد الأمة بالتَّنَاسُل، ويعلمُ من المخاطَبين بعض الإِجْفَال عن ذلك لِمَا يتوقَّعون من متاعب تربية البنينَ والبنات، فيقتضي الحالُ أن يدعوَهم إلى وسيلة ذلك وهو الحَثُّ على التَّزَوُّجِ مُظْهِرًا له في صفةِ السَّعْي لمنفعةٍ شخصيةٍ، مُرَغِّبًا فيه بما يعودُ من حُسْنِ الأُحْدوثَةِ أو بما يحصُل مِنْ أجر عاجل أو آجل.
وكذلك القولُ في حَمْلِ المخالفين على الشيء بالرَّغبة والرَّهبة، فإذا كان الخطيب معتمِدًا على قُوَّة، وعَلِم أنَّ للمخاطَبين من الحِدَّة والعصيان ما يُحبِط سعيَ الخطيب، فعليه أن يتَظاهرَ بقُوَّتِه بَادِئَ الأمر؛ ليَفُلُّ من تلك الحِدَّة، كما فعل الحَجَّاج يوم دخوله الكوفة بعد وقعة دَيْر الجَماجِم.
(1/133)
________________________________________
هذا وقد يجهل المتكلِّمُ في غرضٍ ضمائرَ الناس، ولا يَزِنُ مراتبَ عقولهم، فينبغي له أن يتفطَّن لِمَا يلوحُ عليهم من الانفعال، فيفاتحُهم بما يُثير انفعالَهم مِن أمورٍ صالحة لأغراض مختلفة، حتى يرى أَمْيَالَهم إلى أيَّةِ وِجْهَةٍ تُولِّي، فيعلم من أيِّ طريق يسلك إليها، ولا بد في هذه المُفَاتَحة من جَلْب التَّوْرِيَات والتَّوجيهات ونحوها، مما يمكن تأويلُه ويتيسَّرُ له عند إجفالِهم تحويلُه، حتى لا يَسترسِلَ في موضوعه فيعسُرَ عليه الرُّجوع إلى تعديله، وانظر ما قصَّه الله تعالى في كتابه الحكيم عن مؤمن آل فرعون: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} فوَرَّى في اللَّوْمِ، أي كيف تفعلون هذا بِمَنْ يختارُ لنفسِه ربًّا. {وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} وهذا ارتقاءٌ في الحُجَّةِ. {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} وهذا تزهيدٌ لهم في قتلِه، بتقديم احتمال الكذب ليظهر أنه قَصَد الإنصاف. {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} وهذا تحضيرٌ لنفوسهم إلى تَرَقُّبِ صدق مُعجِزَتِه ووعدِه. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)} وهذا تَوْرِيَةٌ أيضًا، أي إنكم تنتظرون ما يتبيَّنُ من أَمْرِه، فإنَّ الله لا يُصدِّقُ الكاذبَ بخارِقِ العادة. {يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} [غافر: 29]
(1/134)
________________________________________
وهذا توبيخٌ وتقريعٌ؛ لأنَّه قد أوجب بما تقدَّم انفعالَ نفوسِهم لِقَبوله، أي لا تكونوا سببًا لزوال سُلْطانِكم بالتعرُّضِ لسَخَط الله.
إذ لا شك أن هذا المؤمنَ الصَّالحَ كان يتَرقَّبُ مِنْ قومِه الإجْفَالَ والتَّكَشُّفَ على إيمانِه، فأظهَرَ لهم الكلامَ في مَظهِر المُتَرَدِّدِ الخائف مِنْ حُلُول المصائب به وبقومه، لا المُنتَصِر لموسى - عليه السلام -.
وإنما تظهرُ مَواهِب الخطيب وحِكْمتُه وبلاغتُه في هذا المقام؛ لأنَّ مَنْ تكلَّم عن احتراسٍ وسوءِ ظَنٍّ بسامعيه حَاطَ لِنَفْسِه من الغَلَط؛ لأنَّ شِدَّة الثِّقَةِ بالنَّفْس تُغَطِّي على عَوارِها فلا يَتَّقِيه ربُّها.
ومن هذا أن يتركَ لنفسه بابًا لتَدارُك فائت، كما قال الحريريُّ في المقامة الثانية والعشرين -بعد أن ذكر استرسال أبي زيد السَّروجِيِّ في تفضيل كتابةِ الإنشاء على كتابة الحِسَاب-: "فلما انتهى في الفَصْل، إلى هذا الفَصْل، لَحَظ من لمَحَات القوم أنَّه ازْدَرَع حُبًّا وبُغْضًا، وأرضَى بعضًا وأَحْفَظَ بعضًا، فعَقَّب كلامَه بأن قال: ألا إنَّ صِنَاعة الحساب موضوعةٌ على التَّحقيق، وصناعة الإنشاء مَبنِيَّةٌ على التَّلفيق". هذا إن كان المتكلِّم مُفَاتِحًا بالكلام، فأما إن كان مُجِيبًا فقد يلاحظ من أصول المُجَادَلة ما يطول بسطُه هنا، وعلى كلِّ حال فعليه أن يَخْتَبِئ للمعترضين من الرُّجُوم، ما يَقِيه وَصْمَة الإرْتَاج عليه أو الوُجُوم.
وأما الأمر الرابع وهو قوَّة البَدَاهَة في استحضار المعاني وسماه أبو هلال في الصناعتين بـ (انتهاز الفرصة) فهي من أهمِّ ما يلزم
(1/135)
________________________________________
الخطيب؛ إذ ليس يخلو من سامعٍ يدافع عن هواه، أو عدوٍّ يترصَّدُ سَقَطات الخطيب ليُري الحاضرين أنه ليس على حقٍّ فيما قال، أو مُجيبٌ يُجيبُ عن تَقْريع الموعظة.
فإن لم يكن الخطيبُ قويَّ البَداهَة أَسْكَتَه المعترِضُ أو المجيبُ، وقد كان عمرُ - رضي الله عنه - مرَّةً يخطُب يوم الجمعة فدخل عثمان - رضي الله عنه - فقال له عمر: "أيَّةُ سَاعةٍ هذه؟ ! ما بالُ أقوامٍ يسمعون الأذان ويتأخرون. فقال عثمان: ما زِدْتُ على أن سمعتُ الأذان فانقلبتُ فتوضَّأت. فقال له عمر: والوضوءَ أيضًا! وقد علمتَ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرُ بالغُسْل". ويُعين على ذلك تنبُّهُه لِمَا في كلام المجيب من مَجَاري الخَلَل ومواضع النَّقْد.

وأما شروطُ الخطيب في ذاتِه:
فمنها: جَوْدَةُ القَرِيحة، وهي أمرٌ غيرُ مُكتسَب، وقد قال موسى - عليه السلام -: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)} [طه]، وسيأتي
(1/136)
________________________________________
لذكر اكتسابها كلامٌ في عيوب الخطباء. قال أبو هلال: "مِن الناس مَن إذا خلا بنفسه وأَعْمَل فِكْرَه أتى بالبيان العجيب، واستخرجَ المعنى الرَّائق، وجاء باللفظ الفائق، فإذا حاوَر أو ناظَر قَصَّر وتأخَّر، فخَلِيقٌ بهذا ألا يتعرَّض لارتجال الخُطَب. ومنهم مَن هو بالعكس.
ومنها: أن يكون رابط الجَأْش، أي غير مُضطَرِبٍ في فَهْمِه ولا مندَهِش؛ لأنَّ الحَيْرة والدَّهَشَ يصرِفان الذِّهْنَ عن المعاني فتجيءُ الحُبْسَة ويُرتَج على الخطيب".
ومنها: أن يكون مرموقًا من السَّامعين بعين الإجلال؛ لِتُمْتَثَلَ أوامرُه، ويحصلُ ذلك بأمور كثيرة:
منها: شَرَفُ المَحْتِد، قال الشاعر:
لَقَدْ ضَجَّتِ الأرْضُونَ إِذْ قَامَ مِنْ بِني بني ... سَدُوسٍ خَطِيبٌ فوقَ أَعْوَاد مِنْبَر

وكذلك: حفظ العِرْض؛ بحيث لا تُحفَظ له هَنَةٌ أو زَلَّةٌ، وقد رُوي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "احذر من فَلَتاتِ الشَّباب، كُلَّ ما أَوْرَثَكَ النَّبَز وأَعْلَقَك اللَّقَب، فإنه إن يعظُمْ بعدها شَأْنُك يَشتدَّ على ذلك نَدَمُك". وفي متابعة آداب الإسلام والوقوف عند شرائعه مِلاك ذلك كلِّه.
ومثل ذلك: رَجَاحَة الرأي وقوُّة العِلْم والحكمة، قال أبو واثلة يهجو عبد الملك بن المهلب:
(1/137)
________________________________________
لقد صَبَرَتْ للذُّلِّ أعوادُ مِنْبَرٍ ... تقومُ عليها في يديك قَضِيبُ
بكى المِنْبَرُ الغَرْبِيُّ إذ قُمْتَ فوقَه ... فكادت مَساميرُ الحديدِ تذوبُ
رأيتُك لمَّا شِبْتَ أَدْرَكَكَ الذي ... يُصِيبُ سَرَاةَ الأَزْدِ حين تَشيبُ
سَفاهَةُ أحلامٍ وبُخْلٌ بِنَائلٍ ... وفيك لِمَنْ عَابَ المَزُونَ عُيوبُ

فهذه أهمُّ الشروط الذاتية.
ويَعُدُّ علماء الأدب تارةً صفاتٍ أخرى هي بالمحاسن أشبه، مثل سكون البَدَن وقت الكلام؛ لأنه دليلٌ على سكون النَّفْس، ولا يوجد هذا في كل خطيب.
ومثل ما سماه أرسطو بـ (السَّمْت) وهو أن يكون على هيئة مُعْتبَرَةٍ في نفوس الجمهور من لُبْسِه وحَرَكتِه ونحو ذلك، وقد أشار الحريريُّ إلى هذا في المقامة (28) فقال: "برَزَ الخطيبُ في أُهْبَتِه، مُتَهَادِيًا خَلْفَ عُصْبَتِه". فأشار إلى تصنُّعِه في لباسه ومشيه.
ومثل مناسبة طَبَقَةِ الصَّوْت لموضوع الخطبة وغير ذلك.
(1/138)
________________________________________
وأما شروط الخطيب في نفسه فأهمها:
اعتقادُه أنه على صواب وحقٍّ؛ لأنَّ ذلك يودِع كلامَه تأثيرًا في نفوس السامعين، وأقوى له في الدعوة إليه والدفاع عنه، ويحصُلُ ذلك بالتزامه متابعةَ الحقِّ، وبكونه على نحو ما يطلبُه من الناس. وانظر ما حكاه الله تعالى عن شعيب - عليه السلام -: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)} [هود].
ومنها: عِفَّتُه ونزاهتُه.
ومنها: الوَقَار والصَّون عن الابتذال في معاشرة القوم، وعدم الإكثار من الهَزْل والسُّخْف والفُحْش والخِفَّة والطَّيْش.
ومنها: النَّزَاهة عن الطَّمَع في جَرِّ نَفْعٍ من كلامه؛ فإنَّ في ذلك نُفْرَةً عن اتِّعَاظ الناس بقوله، وظِنَّةً في صِدْق دَعْوتِه، وقد قال السَّروجيُّ بعد أن قام خطيبًا:
لَبِسْتُ الخَمِيصَةَ أبغي الخَبيصَهْ ... وأَنْشَبْتُ شِصِّيَ في كُلِّ شِيصَهْ

ولقد يجدرُ بنا إذ بَلَغْنَا هذا الموضعَ أن نختِمَه بذِكْر بعض عيوبٍ يكثُر عُروضُها للخُطَباء ليتنبَّه المُطَالِعُ إلى تجنُّبِها.
(1/139)
________________________________________
واعلم أنها تنقسم إلى فطري وإلى مكتسب:
فأما الفِطْريُّ فمنه ما يمكن تجنُّبُه بكثرة الممارسة، نحو: الحُبْسَة عند التكلُّم، فقد كان عمرو بن سعد بن أبي العاص -البليغ الخطيبِ- في أول أمره لا يتكلَّم إلا اعْتَرَتْه حُبْسَةٌ في مَنْطِقِه، فلم يزل يَتَشَادقُ ويُعَالِجُ إخراج الكلام حتى مال شِدْقُه مِنْ كثرة ذلك، ولُقِّب لذلك بـ (الأشدق) فقال فيه الشاعر:
تَشَادَقَ حتى مَالَ بالقَوْلِ شِدْقُهُ ... وكلُّ خطيبٍ لا أبا لكَ أَشْدَقُ

وقد اعتقد الناس فيه حين انتقل من الحُبْسَة إلى الفصاحة أن الجِنَّ لطَمَتْهُ على وجهِه ليتعلَّم الفصاحة، وكذلك كان اعتقادهم في الشُّعراء أن الجن تَتَراءى لهم وتُمْلِي عليهم، فقال في ذلك الشاعر:
وعمرٌو لَطِيمُ الجِنِّ وابنُ محمَّدٍ ... بأسوأ هذا الرأيِ مُلْتَبِسَان

وسبَّه رجلٌ يومًا فقال له: "يا لَطِيم الشيطان، ويا عاصي الرحمن".
ومِنْ قَبْلُ حُكِي مثل هذا التدرُّب عن ديموستين خطيبِ اليونان في عهد الإسكندر الأكبر، وقد تقدم ذلك في مقدمة قسم الإنشاء.
ونحو سقوط الأسنان، وكان عبد الملك بن مروان رحمه الله قد شَدَّ أسنانه بالذهب لما كبِرت سِنُّه وقال: "لولا المنابرُ ما باليتُ متى سَقَطَتْ".
(1/140)
________________________________________
ومن العيب الفِطْري ما لا يمكن تجنُّبُه كبُحَّةِ الصوت، والفَهَاهَةِ، واللُّثْغَةِ ببعض الحروف وضِيق النَّفَس فجديرٌ بصاحبها أن يتجنَّب هذه الصِّنَاعة.
وأما العيب المكتسب فهو أشياء تعرِض للخطباء في أول اشتغالهم بالخطابة من أفعالٍ تصدُر عن غير اختيار، فإن هم غفلوا عن مراقبة أنفسهم لإزالتها صارت لهم عوائدَ سيئةً، وقد نَهى الأدباءُ عن أمورٍ من ذلك، كالتَّنَحْنُح، ومَسْح اللِّحْية في أثناء الخطبة لا عند الشروع -على أنه يُغتفَر منه ما لا يَكثرُ، إذا طال الكلامُ جدًّا- وحكُّ الجِلْد، وفَتْلُ الأصابع، وكثرةُ حَرَكة الأيدي والبَدَن، والتمخُّط، وغيرُه. قال مَنْ ذمَّ خطيبًا:
مليءٌ بِبُهْرٍ والتفاتٍ وسَعْلَةٍ ... ومَسْحَةِ عُثْنُونٍ وفَتْلِ الأصابع
(1/141)
________________________________________
الخُطْبَة
قد عَرَفْتَ حقيقتَها مما تقدَّم، وليس لمقدارِها حَدٌّ محدودٌ، ولكنها تكون بحسب الغرض الذي دعا الخطيبَ للكلام، ثم تكون بحسب ذلك الغرضِ بَيْنَ موجَزةٍ ومُطْنَبَةٍ ومتوسطة بحسب ما يأتي في المقامات، ولذلك تكلَّم الفقهاء على أقلِّ مقدار خطبة الجمعة والعيدين، والمرويُّ في المذهب أنَّ مسمَّى الخطبة: "حمدُ الله، وصلاةٌ على رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحذيرٌ وتبشيرٌ، وقرآن"، وذلك لأنَّ غرض الخطبة الدينية لا يُقَصِّر عن ذلك إلا أنَّ الخطبة التامَّةَ تطول وتقصُر بحسب الحاجة، ألا ترى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقصِّر الخطبة الجُمُعِيَّة، وأطال خطبة الحج؛ لأنَّ الأُولى تتكرَّر فيُقتصَر فيها على ما دعت إليه الحاجة في تلك الجمعة بخلاف الأخرى.
ومتى نظرنا إلى أغراض الخطباء في تركيب الخُطَب نجد الخطبة تعتمد على أركان سبعة:

الركن الأول: الدِّيبَاجة: وهي فاتحة الخطبة المشتملة على حَمْدٍ وثناءٍ على الله تعالى، وصلاةٍ على رسوله، وما هو من ذلك القبيل. قال أبو هلال: "لأنَّ النفسَ تتشوَّقُ للثناء على الله تعالى فهو داعيةٌ إلى
(1/142)
________________________________________
الاستماع". وقال الجاحظ: "ما زال السلفُ يُسَمُّون الخطبةَ التي لم يَفتتِح صاحبُها بالتَّحميد (البَتْرَاء)، والتي لم تُوَشَّحْ بالقرآن والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (الشَّوْهَاء) ". ومن أجل ذلك لُقِّبَتْ خطبةُ زياد بن أبي سفيان بـ (البتراء)، وهي التي خَطَبَها بالبصرة، وأولها: "أمَّا بعدُ: فإنَّ الجَهَالةَ الجهلاء، والضَّلالةَ العَمْيَاء، والغَيَّ الموفيَ بأهله على النَّار، ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حُلَمَاؤُكم، من الأمور العِظَام ينبُت فيها الصَّغير، ولا يتحاشى منها الكبير ... إلخ". وفي التَّسْمِيَة إشارةٌ إلى حديث: "كلُّ أَمْرٍ ذي بالٍ لا يُبْدَأ فيه باسم الله فهو أَبْتَرُ". وسميت خطبة سَحْبَان بـ (الشَّوْهَاء) -خَطَب بها في مجلس معاوية-. وقيل: سميت بذلك لحسنها.
ويُستحسَن في الدِّيبَاجة الإيجازُ والارتباطُ بالمقصود، ويسمى ذلك بـ (براعة الاستهلال). كما يُستحسَن فيها الاعتناءُ بالبلاغة والصِّنَاعة، ويحسُن وَقْعُ السَّجع فيها لأنه يُضَارِع الشِّعْر فينشِّط النَّفْس، ويُهَيِّئُ الأذهان إلى ما سَيُلقَى إليها.
وليس يصعب على الخطيب الحاذق التَّأنِّي في الفاتحة؛
(1/143)
________________________________________
لأنها لما كانت مشتملةً على أمور عُمومِيَّةٍ أمكنَ تحضيرُها من قبلُ في النَّفْس، وإنما يظهر الحِذْقُ في حُسْنِ مناسبتها للغَرَض وإشارتها إليه. وقد عَدَّ علماء البلاغة فاتحة الكلام من مواطن تأنُّق المتكلِّم.

الثاني: التَّخَلُّصُ: وهو مَوْقِعُ (أمَّا بعدُ) ونحوها، مثل: (أيُّها الناس)، والشرط فيه أن تكون الدِّيبَاجَة قد هيَّأت النفوس، وأشعرت بالغَرَض المطلوب.
الثالث: المقدِّمة: وهي مَبْدَأ الخطبة في الحقيقة، ونعني بها الكلام الذي يُقصَد منه تهيئة نفوس السامعين لتلقِّي ما سَيُلقَى إليهم بالتَّسليم.
وطريقة ذلك: أن يستعين الخطيب بما يَعْلَمُ من سَجَايا الأقوام ومقادير انفعالاتهم، على اختلاف الطبقات والعصور والعقائد، فيأتي لكل فريق بمقدِّماتٍ تهيئ لقَبول الغرض، ولذلك لم يلزم أن تكون المقدمة صحيحةً، بل يكفي أن تكون مقبولةً مسلَّمة، ولو كانت وَهْميَّةً.
وقَصْدُ الخطيبِ قَمْعُ الهوى ومحاولةُ الصَّلاح، والهوى حائلٌ قويٌّ دون الحق، فإذا أُرِيد الإقناعُ بشيءٍ فمن الواجب ألا يَنْقَضَّ عليه، بل يحومُ حوله وينتهزُ الفرصة لتحصيله، وبمقدار الظن بِبُعْدِ نفوس السامعين عن الاعتراف بالحقِّ ينبغي للخطيب الإبعادُ بالمقدِّمات.
ويتوصَّل الخطيب إلى انتهاز الفرصة التي تقوم مقام تطويل المقدِّمة بالاستعانة بأمور:
أحدها: المعتقَدات الثابتة في النفوس، ولو كانت غير صحيحة كما أشرنا إليه، ويظهر اختيار بعض طرائق الانفعال دون بعضٍ في هذا المجال، وهو من أهم ما يتفطَّن له الخطيب اللبيب، ألا ترى أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا خَطَب النساء ورَغَّبَهُنَّ في الصَّدَقة قال: "يا معشر النِّسَاء:
(1/144)
________________________________________
تَصَدَّقْنَ، رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا، عاريةٌ يوم القيامة". فقد كانت طرقٌ أخرى من التحذير أشدَّ من هذا إلا أنَّ النِّسَاء لَمَّا كُنَّ يَتَّقين العَرَاء والكَشْف كان ذكره من أشدِّ ما تنفعلُ له نفوسهن.
ثانيها: القضايا الكُلِّية والمُسَلَّمة، كقول عثمان - رضي الله عنه - في خطبةٍ له في شأن النَّاقمين عليه وتحذير المسلمين من سوء نواياهم: "أمَّا بعدُ، فإنَّ لكل شيء آفة، ولكل نعمةٍ عاهة، وإنَّ آفة هاته الأمةِ، وعاهةَ هذه النِّعْمَةِ عَيَّابون طَعَّانون، يُظهِرون لكم ما تُحِبُّون، ويُسِرُّون ما تكرهون، لقد أقررتم لابن الخطاب بأعظم مما نَقَمتم عليَّ، ولكنه وَقَمَكُم وقَمَعَكُم ... إلخ".
ثالثها: النَّوازل الحادثة، فإنها فُرَصٌ للموعظة، والنُّفوسُ عند نزولها سريعةُ الانفعال رقيقةُ الوِجْدَان، وللُّنفوس غِرَّةٌ كغِرَّةِ الصَّيْد فإذا لم يُضِعْهَا الخطيبُ أصابَ منها الغرض، ولهذا سُنَّت الموعظةُ عند خسوف الشمس.
(1/145)
________________________________________
ولقد أجاد الحريريُّ ما شاء حين تخيَّل أبا زيدٍ خطيبًا إِثْرَ دفن الجَنازة في المقامة الحادية عشرة إذ قال: "فلما ألحدوا المَيْت، وفات قولُ لَيْت، أشرف شيخٌ مِن رِبَاوَهْ، مُتخَصِّرًا بِهِرَاوه، فقال: "لمثل هذا فليعمل العاملون، فادَّكِروا أيها الغافلون، وشَمِّروا أيُّها المقصِّرون، وأحسنوا أيُّها المتبصِّرون، ما لكم لا يحزنُكم دَفْنُ الأتراب، ولا يَهُولُكم هَيْلُ التُّراب .. إلخ".
فأنت تراه كيف جعَلَه مُستغنِيًا بذلك على مقدمة الخُطْبة.
ولَمَّا أَفْلَسَ الأُسَيفِع الجهني في زَمَن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - خَطَب عمرُ فقال: "أما بعد، فإنَّ الأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَينة قد رضي لدينه وأمانته أن يقال: إنه سَبَقَ الحَاجَّ، ألا وإنه قد تَدَاينَ مُعْرِضًا فأصبح وقد رِينَ به، فمن كان له عليه شيءٌ فليأتنا غدًا نقسِم ماله بالمسجد، وإياكم والدَّينَ فإنَّ أولَه هَمٌّ وآخره حَرَبٌ". فتراه قد استغنى بالواقعة المُشَاهَدة عن تقديم المقدمة.

الرابع من أركان الخطبة: الغَرَضُ، وهو الذي من أجله انتصب الخطيبُ ليخطب، فَوِزَانُه وِزَان المطلوبِ في القياس المنطقي، ويعبر عنه بالنتيجة عند حصوله.
الخامس: البيان، أعني بيانَ الغرض وإيضاحَه، وذلك إما بالاستدلال، أو التمثيل، أو الاستطراد، أو الإشارة:
فالبيان بالاستدلال كثيرٌ بإقامة الدليل على صِحَّة الغَرَض والنِّضَال عنه.
(1/146)
________________________________________
وأما التمثيل فبابٌ واسعٌ من البيان للعامة؛ لأنه أخصر من الدليل، والأذهانُ إلى إدراكه أسرع. قال صاحب الكشاف: "ولِضَرْبِ العَرَبِ الأمثالَ، واستحضار العلماء المُثُل والنظائر شأنٌ ليس بالخفيِّ في إبراز خَفِيَّات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تُريك المُتَخَيَّلَ في صورة المُحَقَّق، والغائبَ كالشاهد، وفيها تبكيتٌ للخَصْم الألدِّ، وقمعٌ لسَوْرَةِ الجامح الأبيِّ، قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)} [العنكبوت] ".
والتمثيلُ يكون بذِكْر الأمثال، ويكون بالبناء على اعتقادٍ أو قصَّة، وقد خطب عبد الملك بن مروان بالمدينة خطبةً اقتصر فيها على ذِكْر المَثَل، روى شارح ديوان النابغة عن أبي عبيدة قال: لما حجَّ عبد الملك أوَّل حجَّة حجَّها في خلافته، قدم المدينة فخطب فقال: "يا أهلَ المدينة: والله لا تحبوننا، ولا نحبُّكم أبدًا وأنتم أصحاب عثمان، إذ نَفَيْتُمُونَا عن المدينة ونحن أصحابُكم يوم الحَرَّة، فإنما مَثَلُنَا ومَثَلكم كما قالوا: إنه كانت حيَّةٌ مُجَاورةٌ رجلاً فوَكَعَتْه فقتلَتْه، ثم إنها دعت أخاه إلى أن يصالحها على أن تَدِي له أخاه فعاهدها، ثم كانت تعطيه يومًا ولا تعطيه يومًا، فلما تنجَّزَ عامَّةَ دِيَتِه قالت له نفسه: لو قَتَلْتَها وقد أَخَذْتَ عامَّة الدِّيَة، فأخذ فَأْسًا فلمَّا خَرَجَت لتعطيه ضَرَبَها على رأسها فسَبَقَتْهُ يدُه فأخطأ مقاتِلَها، فنَدِم وقال لها: تعالي نتعاقد أن لا نغدر، فقالت: أبى الصُّلْحَ القَبْرُ الذي بين عينيك، والضَّرْبَةُ التي فوق رأسي، فلن تحبَّني أبدًا ما رأيتَ قبر أخيك، ولن أحبَّك ما كانت الضَّرْبَة برأسي".
(1/147)
________________________________________
وروي أنَّ عليًّا - رضي الله عنه - لَمَّا رأى اختلاف جُنْدِه قال: "ألا إنما أُكِلتُ يوم أُكِل الثَّورُ الأبيض" يريد أنَّ الاختلاف ابتدأ ظهورُه من يوم اختلاف الأمة على عثمان - رضي الله عنه -، وأشار بهذا إلى قصَّة عند العرب، وذلك أنهم زعموا أنَّ أسدًا وثَوْرًا أحمر وثَوْرًا أسود وثَوْرًا أبيض اصطحبوا في أَجَمَةٍ، فقال الأسد يومًا للثَّوْرَين الأحمر والأسود: هذا الثور الأبيض يفضحُنا بلونِه فلو تَرَكْتُمَاني آكلُه أَمْنًا، فأَذِنَا له في أَكْلِه فأكَلَه، ثم قال للأحمر: هذا الأسود يخالفُ لوننا فدَعْني آكلُه فأذن له فأكله، ثم قال للأحمر: لم يبق إلا أنا وأنت وأريد أن آكلك. فقال: إن كنتَ فاعلاً فدعني أصعدْ تلك الهَضَبة وأصيح ثلاثة أصوات، قال: افعل، فصعد وصاح: "ألا إنما أُكِلتُ يوم أُكِل الثَّوْرُ الأبيض" ثلاثًا.
وأما الاستطراد فيكون بمدحٍ أو ذَمٍّ أو ثوابٍ، وأحسنُه ما اشتدَّت فيه المشابَهةُ كقول أبي حمزة الخارجيِّ في خطبة له خَطَبَها بالمدينة: "يا أهل مكة: أُتَعَيِّرُونني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب؟ ! ويحكم! وهل كان أصحابُ رسول الله المذكورون في الخير إلا أحداثًا شبابًا، مكتهلون في شبابهم، غَضِيضَةٌ عن الشَّرِّ أعينُهم، ثقيلةٌ عن الباطل أرجلهم، أَنْضَاءُ عبادةٍ، قد نظر الله لهم في جَوْف الليل منحنيةً أصلابُهم على أجزاء القرآن ... إلخ".
وقد يكون البيان بالإشارة كما خطب مصعب بن الزبير حين قدم
(1/148)
________________________________________
العراق فإنه صعد المنبر ثم قال: {طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ... } إلى قوله: {الْمُفْسِدِينَ (4)} وأشار بيده نحو الشام. {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ... } إلى قوله: {الْوَارِثِينَ (5)} وأشار بيده نحو الحجاز. {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ... } إلى قوله: {يَحْذَرُونَ (6)} [القصص: 1 - 6] وأشار بيده نحو العراق. يريد بالأولى عبد الملك، وبالثانية أنصار أخيه بمكة، وبالثالثة الحجاج وأنصاره.

السادس: الغاية: وهي التَّحريضُ أو التحذير، وشأنُها أن تقع آخر الخطبة بعد ما تقدم، وقد يقدِّمُها الخطيب ثم يأتي بعدها بغيرها فتصير المقدمةُ دليلاً إذا تَأَخَّرَتْ، وتَعْرَى الخطبةُ عن المقدمة حينئذٍ.
السابع: خاتمة الخطبة: ويحسن فيها أن تكون كلامًا جامعًا لِمَا تَقَدَّمه، أو إشارةً إلى أنه قد أتى على المقصود وانتهى منه، أو أَمْرًا بالتثبيت أو دعاءً أو نحو ذلك، وإنما يكون ذلك عند إتيان الكلام المتقدِّم على الغَرَض المقصود واستيفائِه. وقد يكون ذِكْرُ الشِّعْر في الخطبة إشارةً إلى نهايتها كما سيأتي.
وللبحث عن كيفية تنسيق الخطبة ونَسْجِها مزيدُ تعلُّقٍ بهذا الفن حسبما أشرنا إليه عند الكلام على أصول الخطابة، ولا يكاد يستطيع أحدٌ حَصْرَ الضوابط في هذا الغرض؛ لأنه يأتي على جميع فنون البلاغة والأدب، فيوكَل ذلك إلى حُسْنِ اختيار الألمعي، ورَشِيقِ توقيف المُدَرِّس النِّحْرِير، إلا أنَّ جُمْلَة القول أنه لا يعدو المطابقة لمقتضى أحوال السامعين، واختلاف الأذواق باختلاف مراتب الأذهان والعصور
(1/149)
________________________________________
والبلدان، فيكون على مِنْوَال كلِّ ذلك نسيجُ معاني الخطب، وتنسيق ألفاظها، وهو ما يُعبَّر عنه بـ (اختلاف المقامات وخطاب كلِّ قوم بما يفهمون). وقد تقدم الإلمام بذلك في قسم الإنشاء، وفي ذكر الانفعالات في هذا القسم الخطابي.
فإذا خطب الخطيب في العامَّة فعليه بِسَهْلِ المعاني؛ لأن تركيبَ المعنى ودِقَّتَه لا يَتَوَصَّل لفهمه الذِّهْنُ البسيط، وبالضَّرورة يستدعي ذلك سهولة دِلالة الألفاظ؛ إذ هي قوالبُ المعاني، مع انتخاب سَهْلِهَا ومُتَعَارَفِهَا بدون ابتذال -كما تقدم في الإنشاء-. وإذا خَطَب في الخاصَّة فليأت بالمعاني الرَّائقة، والحِكَم العالية، والألفاظ العَزِيزة المُعَبَّر عنها بـ (السَّهْل الممتنع)؛ لأنه إذا أتى بما دون ذلك لا يُثير انفعالهم، ولا يَرُوقُ كلامُه في أسماعهم فلا يحفلون به, ولقد سمعت خطيبًا يخطب يوم الجمعة بخطبة من الخطب العتيقة في الحَضِّ على شكر النِّعْمة، فكان مما قاله: "ومِن النِّعَم نعمةٌ خاصَّةٌ كالمال، وقد كاد أن لا يكونَ شُكْرُها إلا عندها لا بها". فانظر كيف خاطب العامة بلفظ معقَّدٍ لا يُسرِع الذهنُ المتوسِّط لاستخلاص معناه؛ إذ جَمَع بين سِتِّ أدوات في جملة واحدة، وهي: كاد، وإن، ولا، ويكون، وإلا، ولا، ثم جمع بين نَفْيٍ مستفاد من (لا) وإثباتين مستفادٌ أحدُهما من (كاد) والآخر من (إلا) متوجه جميعها إلى جِهَةٍ واحدة،
(1/150)
________________________________________
وأما من جهة المعنى فقد أتاهم بمعنى غريبٍ دقيقٍ مقتبَسٍ مما يُقَرِّرُه المتكلمون في الكَسْب، وهو قولهم: "إنَّ الفعلَ يحصل عند المقدرة لا بها".
وقد روي أن عمر - رضي الله عنه - كان هَمَّ أن يخطب الناس في الحج في أمر الخلافة لَمَّا بلغه أن امرأً قال: لئن مات عمر لأبايعنَّ فلانًا، فما كانت بيعة أبي بكرٍ إلا فَلْتَةً فتمَّت. فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: "يا أمير المؤمنين: إنَّ الموسم يجمع رَعَاع الناس، فربما سمعوا منك الكلمةَ فيُطَيِّرُوها عنك كلَّ مَطِير، فتربَّصْ إلى أن ترجع إلى المدينة فتخلُصَ إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل العلم". فرأيُ حَبْر الأمَّة وموافقة عمر رضي الله عنهما أَدَلُّ دليلٍ على أنَّ من الأغراض ما يُضَنُّ به عن غير أهله، وفي الحديث: "لا تؤتوا الحِكْمَة غيرَ أهلِها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتُضيعوها" فبذلك فلتقتدوا.
(1/151)
________________________________________
ومثل ذلك يقال في أساليب تنسيق الخطب على حسب الأغراض، فلكلِّ غَرَضٍ لهجةٌ ونَسَقٌ، فليست خطبةُ الجمعة كخطبةٍ في حفلةٍ سياسيةٍ أو أدبيةٍ، ولذلك يحسُن التأنُّق في بعضها والبَسَاطة في بعض، كما أنَّه يحسن الإرسال في بعضها ويحسن السجع في بعض. وقد تتبعت ما استطعت مواقع السجع في الخطب النبوية، وخطب فصحاء العرب في الجاهلية والإسلام، فرأيت مواقع السجع عندهم في حيث يُراد الحفظ للقول، كالوصايا والآداب والخطب الأدبية والعلمية، ويُرشِد إلى هذا ما روى الجاحظ عن عبد الصَّمد بن الفضل بن عيسى الرّقاشي أنه قيل له: لِمَ تؤثر السجع على المنثور؟ فقال: "لو كنتُ لا آمُلُ إلا إسماع الشَّاهد لَقَلَّ خلافي عليك، ولكني أريدُ الغائب والحاضر، والرَّاهن (الحال) والغَابِر (المستقبل)، فالحفظ إليه (أي السجع) أسرع، والآذان لسماعه أنشط، وهو أحقُّ بالتَّقييد وبقلة التفلُّت". وعندي أنَّ هذا هو مراد الشيخ عبد القاهر بقوله في مقدمة كتابه (أسرار البلاغة) حيث قال: "إنَّ الخطب من شأنها أن تُعتمَد فيها الأوزانُ والأسجاعُ، فإنها تُروى وتُتَنَاقل تَنَاقُلَ الأشعار". وليس مراده أنَّ تناقل ذلك شأن الخطب كلِّها، لِمَا هو معلومٌ لا يفوتُه من أساليب خطب العرب وخطب الصَّدر الأول، ولذلك كان مقام السَّجع كل مقام يحضر للقول من قبل، فقد رأينا العَرَب لم تكن تحفل بالسجع إلا هنالك، كما في خطبة قُسِّ بن ساعدة التي خطبها في سوق عكاظ وهي مشهورة.
وكلُّ مقام يظهر فيه الارتجال لا يتأتَّى فيه السَّجع، فيحسُن حتى بالمولدين أن يتجنَّبوه هنالك، وإن كانوا لا يتكلمون إلا بِتَرَوٍّ سابقٍ، ولذلك لا تُعَدُّ خطبةَ منذر بن سعيد البلوطي التي ارتجلها في مجلس
(1/152)
________________________________________
الأمير الناصر بقرطبة -حين وَفَد رُسُل مَلِك الروم، وحين أُرتِج على أبي علي القالي- إلا من حُسْن استعداده للحوادث، وعِلْمِه بأنَّ من عُيِّن للخطابة لا يُحسِنُها. وقد قدمنا في فن الإنشاء طرفا من هذا.
هذا ومما يلتحق بالكلام على نَسْج الخطب: اشتمالُها على شيء من الشِّعْر، وكان ذلك قليلاً عند العرب، كما في خطبة قُسِّ بن ساعدة؛ إذ ختمها بأبيات، وكما في خطبتين لسيدنا علي - رضي الله عنه - تمثَّل في إحداهما ببيت للأعشى، وفي الأخرى ببيت لدريد بن الصِّمَّة، وكذا خطبة عبد الملك المتقدِّمة، فإنه ذكر في آخرها بيت النابغة.
وقد أكثر صاحب المقامات في خُطَبه المذكورةِ فيها من ذِكْر الشِّعْر، ولا شَكَّ أن غرضَه منه إدخال طريقة جديدة في الخطابة، إلا أنه لم يُتَابَع عليها مِنْ أحد، فلم يزل ذِكْرُ الشِّعر في الخُطَب قليلاً جاريًا مجرى التَّمَثُّل.
(1/153)
________________________________________
التدرُّب بالخَطَابة
قد قَدَّمْنَا في قسم الإنشاء أنَّ أَجْدَرَ بالغٍ بالمَرْء إلى إتقان هذه الصِّناعة هو التدَرُّب والتمرُّن، ولا شكَّ أنَّ الخطابةَ إلى ذلك أحوج، وهي به أعلق، فإنَّ لصاحبها فضلَ احتياجٍ إلى بَدَاهَة القول وحُسْن العِبَارة، ولا يكاد ينال ذلك إلا بالتمرُّن عليها، وإلا كان عَالةً على ما حَرَّره المتقدمون، أو التزم كُلَيْمَاتٍ يُعِيدُها أينما حَلَّ، وقد حكى الجاحظ عن محمد بن سليمان أنه كان ملتزمًا خطبةً يوم الجمعة لا يغيِّرها.
ويظهر أن أصول التدرب على الخطابة خمسة أمور:
أولها: ضَبْطُ الغَرَض المرادُ التكلُّم فيه، وذلك بتصوُّرِه وتصوُّرِ الغاية منه، وحسن تفهُّمِه، وإتقانه، والإحاطة بِمُهِمِّ ما ينبغي أن يقال فيه من المعاني، ولا يهتم بالألفاظ إلا بعد ذلك؛ لأنَّه إن ابتدأ بانتقاء الألفاظ ضاعت عنه المعاني.
ثانيها: التَّكرير؛ ليرسخ، إما بإعادة الفكرة فيه المرَّة بعد الأخرى، وإما بمذاكرة الغير فيه، والتنبُّه لِمَا عسى أن يكون قد أغفله؛ فإنَّ ما بين الرأيين رأيًا، ولأنه بالمذاكرة يرى المتكلِّم هل بلغ إلى حَدِّ
(1/154)
________________________________________
التأثير في السامعين حتى إن لم يَرَ منهم التأثيرَ عَلِمَ أنه لم يُتقِن الغرض، ولم يَقتُلْه تعبيرًا.
ثالثها: اختيار ساعة نشاط البال، كما ذكر أبو هلال العسكري، والجاحظ عن بشر بن المعتمر أنه قال لمن عَلَّمه الخطابة: "خُذْ مِنْ نفسِك ساعةَ نشاطِك، وفراغِ بالك، فإنَّ نفسَك تلك الساعة أكرمُ جوهرًا، وأشرفُ حَسبًا، وأحسن في الأسماع، وأسلم من فاحش الخطأ. واعلم أنَّ ذلك أجدى عليك مما يُعطيك يومُك الأطولُ بالكَدِّ والمطاولة، ومهما أخطأَكَ لم يُخطِئْكَ أن يكون مقبولاً وخفيفًا على اللسان، كما خرج من يَنْبُوعِه، ونَجَم من مَعْدِنِه". رابعها: تدريبُ القُوَّة الذاكرة، وذلك بتجنُّبِ الاعتماد على الكتابة بقدر الاستطاعة، وقد يعسُر ذلك على المَرْء بادئَ بَدْءٍ فَيُغْتَفَرُ حينئذٍ الاعتمادُ على الكتابةِ، على شَرْطِ أن يأخذَ في الإقلالِ عن الكتابة تدريجًا، فيكتب عُقَدَ الموضوع كالفِهْرس، ويشير عندها إلى خُلاصَة الأمثلة، وإذا أخذ في استحضار أوَّل خُطبته فإنه إن استرسل فيها جَاءَتْه البقيَّةُ طَوْعًا، ومع ذلك فقد قيل: إنَّ الذي يعتمد على ذاكرته تُلَبِّيه مُسْرِعةً. وإذا قُدِّرَ لبعض الخطباء كتابةُ مفكِّرَاتِ الخطبة، فمن المستحسَن أن لا يُحضِرَها معه وقتَ الخطابة، ولكن من الخطباء من يضطرُّ إلى ذلك لِضَعْفِ ذاكرتِه، ولا ضَيْرَ في ذلك إذا لم يَكْثُر تردُّدُ بَصَرِه عليها.
خامسها: المواظبَة، فيُشترَط في الخطيب أن يكون غيرَ هَيَّابٍ ولا وَجِلٍ من تكرير التكلُّم، وعَدَمُ الاكتراث في أول الأمر بالإِجَادَة، وقد عَرَفْتَ ما نُقِل عن عمرو بن سعيد الأشدق، وعن ديموستين -الخطيب اليوناني- إذ كان كلٌّ منهما في أوَّلِ أمرِه عَيِيًّا فعَالَجَ بالمواظبة
(1/155)
________________________________________
والتدرُّب حتى صَارَ أفصحَ خطباءِ زمانِه.
هذا غايةُ ما تعيَّن تحريرُه من فَنِّ الخطابة لأبناء الأدب السَّاميةِ هِمَمُهُم لمراقي الفنون، الأبيةِ نفوسُهم من الاقتناع بالدُّون، فإذا انعطف عليه صِنْوُه السَّالف، والتفَّ به التفافًا يبسُط ظِلَّه الوارف، جاء بحمد الله تعالى كتابًا وافيًا بما لا غِنَى عن معرفته للمنشئ والخطيب، كافيًا عن مطوَّلاتٍ بِلَمْحَةٍ تُغنِي اللبيب.
***
(1/156)
________________________________________




http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة

المصدر: ملتقى شذرات

__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
أسوأ, الإنزال, والخطابة


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه للموضوع أصول الإنشاء والخطابة
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اعتداء على مسجد قيد الإنشاء شرقي هولندا عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 02-05-2018 08:16 AM
اعتداء عنصري على مسجد قيد الإنشاء بهولندا عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 09-03-2017 08:49 AM
موقع إسرائيلي: فشل مدوٍّ لعملية الإنزال الأمريكية في اليمن Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 02-04-2017 05:05 PM
دلائل الإنزال الأمريكي في اليمن عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 02-02-2017 08:52 AM
تفاصيل جديدة حول عملية الإنزال خلف ايرز.. القسام تتنكر بزي الاحتلال! Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 07-23-2014 11:40 AM

     
 

  sitemap 

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:11 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع