العودة   > >

أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه

الكتاب: أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه المؤلف: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي (المتوفى: 429هـ) المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد الناشر: مكتبة الحسين التجارية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-04-2021, 09:54 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 24,886
افتراضي أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه


الكتاب: أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه
المؤلف: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي (المتوفى: 429هـ)
المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد
الناشر: مكتبة الحسين التجارية - القاهرة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أبو الطيب المتنبي، وماله وما عليه
هو - وإن كان كوفي المولد - شامي المنشأ. وبها تخرج، ومنها خرج. نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر، في صناعة الشعر، ثم هو شاعر سيف الدولة المنسوب إليه، المشهور به، إذ هو الذي هو الذي جذب بضبعه رفع من قدره، ونفق سعر، وألقى عليه شعاع سعادته، حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في البدو والحضر، وكادت الليالي تنشده، والأيام تحفظه، كما قال وأحسن ما شاء (من الطويل):
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرا اصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمرا ... وغنى به من لا يغني مغردا
وكما قال (من المتقارب):
ولي فيك ما لم يقل قائل ... وما لم يسر قمر حيث سارا
وعندي لك الشرد السائرات ... لا يختصصن من الأرض دارا
إذا سرن من مقول مرة ... وثبن الجبال وخضن البحارا
هذا من أحسن ما قيل في وصف الشعر السائر، وأبلغ منه قول علي بن الجهم حيث قال (من الطويل):
ولكن إحسان الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت من الشعر
(1/30)
________________________________________
فسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر
فليس اليوم مجالس الدرس، أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الأنس. ولا أقلام كتاب الرسائل، أجرى به من ألسن الخطباء في المحافل، ولا لحون المغنين والقوالين، أشغل به من كتب المؤلفين والمصنفين، وقد ألفت الكتب في تفسيره، وحل مشكله وعويصه، وكسرت الدفاتر على ذكر جيده ورديئه. وتكلم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه، والإفضاح عن أبكار كلامه وعونه وتفرقوا فرقا في مدحه والقدح فبه والنضح عنه، وتفرده عن أهل زمانه، بملك رقاب القوافي،
ورق المعاني، فالكامل من عدت سقطاته، والسعيد من حسبت هفواته وما زالت الأملاك تهجى وتمدح وأنا مورد في هذا الباب ذكر محاسنه ومقابحه، وما يرتضي وما يستهجن من مذاهبه في الشعر وطرائقه. وتفضيل الكلام في نقد شعره، والتنبيه على عيونه وعيوبه، والإشارة إلى غرره وعرره، وترتيب المختار من قلائده وبدائعه، بعد الأخذ بطرف من طرق أخبار ومتصرفات أحواله، وما تكثر فوائده وتحلو ثمرته، ويتميز هذا الباب به سائر أبواب الكتاب كتميزه عن أصحابها بعلو الشأن، في شعر الزمان، والقبول التام، عند أكثر الخاص والعام.

ذكر ابتداء أمره
ذكرت الرواة أنه ولد بالكوفة في كنده سنة ثلاث وثلاثمائة، وأن أباه
(1/31)
________________________________________
سافر إلى بلاد الشام، فلم يزل ينقله من باديتها إلى حضرها، ومن مدرها إلى وبرها، ويسلمه في المكاتب، ويردده في القبائل. ومخايله نواطق الحسنى عنه. وضوامن النجح فيه، حتى توفي أبوه وقد ترعرع أبو الطيب وشعر وبرع. وبلغ من كبر نفسه وبعد همته أن دعا إلى بيعته قوما من رائشي نبله على الحداثة من سنه والغضاضة من عوده، وحين كاد يتم له أمر دعوته تأدى خبره إلى والى البلدة، ورفع إليه ما هم به من الخروج. فأمر بحبسه وتقيده، وهو القائل في الحبس قصيدته التي أولها (من المتقارب):
أيا خدد الله ورد الخدود ... وقد قدود الحسان القدود
ومنها استعطافه ذلك الأمير والتنصل مما قذف به:
أمالك رقي، ومن شأنه ... هبات اللجين وعتق العبيد
دعوتك عند انقطاع الرجا ... ء، والموت منى كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلى ... وأوهن رجلي ثقل الحديد
ومنها:
وقد كان مشيهما في النعال ... فقد صار مشيهما في القيود
وكنت من الناس في محفل ... فها أنا في محفل من قرود
تعجل في وجوب الحدود ... وحدي قبل وجوب السجود!
أي: إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب على الصلاة بعد، ويجوز أن يكون قد صغر سنه وأمر نفسه عند الوالي، لأن من كان صبياً لم يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف
(1/32)
________________________________________
ونم شعره في الحبس ما كتب به إلى صديق له قد كان أنفذ إليه مبرة (من المسرح):
أهون بطول الثواء والتلف ... والسجن والقيد، يا أبا دلف
غير اختيار قبلت برك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف
يشبه قول أبي عيينة (من مخلع البسط):
ما أنت إلا كحلم ميت ... دعا لي إلى أكله اضطرار

(رجع)
كن أيها السجن كيف شئت فقد ... وطنت للموت نفس معترف
لو كان سكناي فيك منقصة ... لم يكن الدرسا كن الصدف
ويحكي أنه تنبأ في صباه، وفتن شرذمة بقوة أدبه، وحسن كلامه. وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعت أبا الطيب يقول: إنما لقبت بالمتنبي لقولي (من الخفيف):
أنا ترب الندى ورب القوافي ... وسمام العدا وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها الله ... وغريب كصالح في ثمود
وفي هذه القصيدة يقول:
ما مقامي بأرض نخلة إلا ... كمقام المسيح بين اليهود
ومازال في برد صباه إلى أن أخلق برد شبابه، وتضاعف عقود عمره، يدور حب
الولاية والرياسة في رأسه، ويظهر ما يضمر من كامن وسواسه، في الخروج على السلطان، والاستظهار بالشجعان، والاستيلاء على بعض الأطراف، ويستكثر من التصريح بذلك في مثل قوله (من البسيط):
لقد تصبرت حتى لات مصطبر ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم
لأتركن وجوه الخيل ساهمة ... والحرب أقوم من ساق على قدم
(1/33)
________________________________________
(والطعن يحرقها والزجر يقلقها ... حتى كأن بها ضربا من اللمم
قد كلمتها العوالي فهي كالحة ... كأنما الصاب مذرور على اللجم)
بكل منصلت مازال منتظري ... حتى أدلت له من دولة الخدم
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ... ويستحل دم الحجاج في الحرم
ومن قوله (من الطويل):
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كانهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا، قليل إذا عدوا
وطعن كأن الطعن لا طعن بعده ... وضرب كأن النار من حره برد
إذا شئت حفت بي على كل سابح ... رجال كأن الموت في فمها شهد
وقوله (من الطويل):
ولا تحسبن المجد زقاً وقينة ... فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
وتضريب أعناق الملوك، وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر
وتركك في الدنيا دويا كأنما ... تداول سمع المرء أنملة العشر
وقوله (من البسيط):
وإن عمرت جعلت الحرب والدة ... والسمهري أخا، والمشرفي أبا
بكل أشعث يلقي الموت مبتسماً ... حتى كأن له في قتله أربا
قح يكاد صهيل الخيل يقذفه ... من سرجه مرحاً للعز أو طرباً
الموت أعذرلي، والصبر أجمل بي، ... والبر أوسع، والدنيا لمن غلبا
وكان كثيراً ما يتجشم أسفاراً بعيدة أبعد من آماله، ويمشي في مناكب الأرض، ويطوي الناهل والمراحل، ولا زاد إلا من ضرب الحراب، على
(1/34)
________________________________________
صفحة المحراب. ولا مطية إلا الخف أو النعل، كما قال (من المنسرح):
لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها، ومشفرها ... زمامها، والشسوع مقودها
وإنما آلم في هذا المعنى بأبي نواس في قوله (من الطويل):
إليك أبا العباس من بين من مشى ... عليها امتطينا الحضرمي الملسنا
قلائص لم تعرف حنيناً على طلا ... ولم تدرما قرع الفنيق ولا الهنا
وكما قال في شكوى الدهر ووصف الخف (من الكامل):
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقيا مطرت على مصائبا
وحبيت من خوض الركاب بأسود ... من دارش فغدوت أمشي راكبا
وكما قال في الاعتداد بالرحلة، والقدرة على الرجلة (من المنسرح):
ومهمه جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل
(بصارمي مرتد، بمخبرتي ... مجتزئ، بالظلام معتمل)
(1/35)
________________________________________
إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل
في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل
وشتان ما بين حاله هذه والحال التي قال فيها (من البسيط):
وعرفاهم بأني من مكارمه ... أقلب الطرف بين الخيل والخول
وكان قبل اتصاله بسيف الدولة يمدح القريب والغريب، ويصطاد ما بين الكركي والعندليب. ويحكى أن على بن منصور الحاجب لم يعطء على قصيدة فيه التي أولها (من الكامل):
بأبي الشموس الجانحات غواربا ... (اللابسات من الحرير جلاببا)
ومنها:
حال متى علم أبن منصور بها ... جاء الزمان إلى منها تائبا
إلا دينارا واحدا، فسميت الدينارية. ولما انخرط في سلك سيف الدولة، ودرت له إخلاف الدنيا على يده. كان قوله فيه (من الطويل):
تركت السري خلفي لمن قل ماله ... وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
وقيدت نفسي في هواك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا
وهذا البيت من قلائده، وإنما ألم فيه بقول أبي تمام (من الكامل):
هممي معلقة عليك رقابها ... مغلولة، إن الوفاء إسار
ولكنه أخذ عباءة وردها ديباجا، وأرسلها مثلا سائرا، وكرر هذا المعنى فزاد فيه حتى كاد يفسده في قوله (من الكامل):
يامن يقتل من أراد بسيفه ... أصبحت من قتلاك بالإحسان
(1/36)
________________________________________
نبذ من أخباره
لما أنشد سيف الدولة قصيدته التي أولها (من البسيط):
أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه قبل الركب والإبل
وناوله نسختها وخرج فنظر فيها سيف الدولة، فلما انتهى إلى قوله:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي ... والشكر من جهة الإحسان، لا قبلي
(ما كان نومي إلا فوق معرفتي ... بأن رأيك لا يؤتي من الزلل)
أقل أنل أقطع عل سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل
وقع تحت أقل: قد أقلناك، وتحت أنل: يحمل إليه من الدراهم كذا، وتحت أقطع: قد أقطعناك الضيعة الفلانية ضيعة ببلاد حلب، وتحت أحمل: يقاد إليه الفرس الفلاني، وتحت عل: قد فعلنا، وتحت سل: قد فعلنا فاسل، وتحت أعد: أعدناك
إلى حالك من حسن رأينا، وتحت زد: يزاد كذا وتحت تفضل: قد فعلنا، وتحت أدن: قد أدنيناك، وتحت سر: قد سررناك. وتحت صل: قد فعلنا. قال ابن جني: فبلغني عن المتنبي أنه قال: إنما أردت سر من السرية، فأمر له بجارية. قال: وحكى لي بعض إخواننا أن المعقلي - وهو شيخ كان بحضرته ظريف - قال له - وحسد المتنبي على ما أمر به -: يا مولاي قد فعلت به كل شئ سالكه، فهلا قلت له لما قال لك هش بش: هه هه هه، يحكي الضحك، فضحك سيف الدولة، فقال له: ولك أيضاً ما تحب، وأمر له بصلة. وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب (الوساطة) أن أبا الطيب نسج على منوال ديك الجن فقال (من الخفيف):
احل وامرر وضر وانفع ولن واخشن ... ورش وابر وانتدب للمعالي
(1/37)
________________________________________
وحكى ابن جني قال: حدثني أبو على الحسين بن أحمد الصنوبري، قال: خرجت من حلب أريد سيف الدولة، فلما برزت من السور إذا أنا بفارس متلثم قد أهوى نحوي برمح طويل، وسدده إلى صدري، فكدت أطرح نفسي عن الدابة فرقا، فلما قرب مني ثنى السنان وحسر لثامه فإذا المتنبي، وأنشدني (من الطويل):
نثرنا رءوسا بالأحيدب منهم ... كما نثرت فوق العروس الدراهم
ثم قال: كيف ترى هذا القول؟ أحسن هو؟ فقلت له: ويحك! قد قتلتني يا رجل، قال ابن جني: فحكيت أنا هذه الحكاية بمدينة السلام لأبي الطيب، فعرفها وضحك لها، وذكر أبا علي من التقريظ والثناء بما يقال في مثله. قال وأنشدت أبا علي ليلا قصيدة أبي الطيب التي أولها (من البسيط):
واحر قلباه ممن قلبه شبم
فلما وصلت إلى قوله فيها:
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
أعجب جداً به، ولم يزل يستعيده، حتى حفظه، ومعناه: إذا تساويت ومن لا قدر له في أخذ عطاياك فأي فضل لي عليه؟ وما كان من الفائدة كذا لم أفرح به، وإنما أفرح بأخذ ما تختص به الأفاضل قال: وحدثني المتنبي قال: حدثني فلان الهاشمي من أهل حران بمصر،
(1/38)
________________________________________
قال أحدثك بطريفة، كتبت إلى امرأتي وهي بحران كتابا تمثلت فيه ببيتك (من البسيط):
بم التعلل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن؟
فأجابتني عن الكتاب، وقالت: ما أنت والله كما ذكرته في هذا البيت، بل أنت كما قال الشاعر في هذا القصيدة:
سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوي الوسن
قال: ولما سمع سيف الدولة البيت الذي يتلوه وهو قوله:
وإن بليت بود مثل ودكم ... فإنني بفراق مثله فمن
قال: سار وحق أبي قال: ولما سمع قوله لفنا خسرو (من المنسرح):
وقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتى رأيت مولاها
قال: ترى هل نحن في الجملة؟
سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول: كان أبو الطيب المتنبي قاعداً تحت قول الشاعر (من الطويل):
وإن أحق الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل
وإنما أعرب عن عادته وطريقته في قوله (من الطويل):
بليت بلي الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
فحضرت عنده يوما بحلب وقد أحضر مالا من صلات سيف الدولة، فصب بين يديه على حصير قد افترشه، ووزن وأعيد في كيس، وإذا بقطعة كأصغر ما يكون من ذلك المال قد تخللت خلل الحصير، فأكب عليها بمجامعه ينقرها ويعالج
استنقاذها منه، ويشتغل بذلك عن جلسائه حتى توصل إلى إظهار بعضها، فتمثل ببيت قيس بن الخطيم (من الطويل):
(1/39)
________________________________________
تبدت لنا كالشمس بين غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب
ثم استخرجها، وأمر بإعادتها إلى مكانها من الكيس، وقال: إنها تحضر المائدة وسمعته يقول: لما انشد المتنبي عضد الدولة قصيدته فيه التي أولها (من الوافر):
مغاني الشعب طيباً في المغاني
وانتهى إلى قوله فيها
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفر من البنان
قال له عضد الدولة: لأقرنها في يديك، ثم فعل. قال: ولما قدم أبو الطيب من مصر بغداد، وترفع عن مدح المهلبي الوزيرا، ذهاباً بنفسه عن مدح غير الملوك، شق ذلك على المهلبي، فأغرى به شعراء بغداد، حتى نالوا من عرضه، وتباروا في هجائه، وفيهم ابن الحجاج وابن سكرة (محمد بن عبد الله الزاهد) الهاشمي، والحاتمي، وأسمعوه ما يكره، وتماجنوا به، وتنادروا عليه، فلم يجبهم ولم يفكر فيهم، وقيل له في ذلك، فقال: إني فرغت من إجابتهم بقولي لمن هم أرفع طبقة منهم في الشعراء (من الوافر):
أرى المتشاعرين غروا بذمي ... ومن ذا يحمل الداء العضالا
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مراً به الماء الزلالا
وقولي (من الطويل):
أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول
لساني بنطقي صامت عنه عادل ... وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل
(1/40)
________________________________________
وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل
وما التيه طبي فيهم غير أنني ... بغيض إلى الجاهل المتعاقل
وقولي (من الكامل):
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل
قال: وبلغ أبا الحسين بن لنكك بالبصرة ما جرى على المتنبي من وقيعة شعراء بغداد، واستحقارهم له، وكان حاسدا له، طاعنا عليه، هاجياً إياه، زاعماً أن أباه كان سقاء بالكوفة فشمت به وقال (من البسيط):
قولا لآهل زمان لا خلاق لهم ... ضلوا عن الرشد من جهل بهم وعموا
أعطيتم المتنبي فوق منيته ... فزوجوه برغم أمهاتكم
لكن بغداد جاد الغيث ساكنها ... نعالهم في قفا السقاء تزدحم
قال: ومن قوله فيه (من الخفيف):
متنبيكم ابن سقاء كوفان ... يوحي من الكنيف إليه
كان من فيه يسلح الشعر حتى ... سلحت فقحة الزمان عليه
ومن قوله أيضاً فيه (من المجتث):
ما أوقح المتنبي ... فيما حكى وادعاه
أبيح مالا عظيما ... حتى أباح قفاه
يا سائلي عن غناه ... من ذاك كان غناه
إن كان ذاك نبياً ... فالجاثليق إله
ثم إن أبا الطيب المتنبي اتخذ الليل جملا، وفارق بغداد متوجها إلى حضرة
(1/41)
________________________________________
أبي الفضل بن العميد مراغما للمهلبي الوزير، فورد أرجان، وأحمد مورده، فيحكي أن الصاحب أبا القاسم طمع في زيارة المتنبي إياه بأصبهان، وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، إذ ذاك شاب وحاله حويلة، ولم يكن استوزر بعد، وكتب إليه يلاطفه في استدعاء، وتضمن له مشاطرته جميع ماله، فلم يقم له المتنبي وزنا، ولم يجبه عن كتابه ولا إلى مراده، وقصد حضرة عضد الدولة
بشيراز، فأسفرت سفرته عن بلوغ الأمنية، وورود مشرع المنية، واتخذه الصاحب غرضا يرشقه بسهام الوقيعة، ويتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته، وأحفظهم لها، وأكثرهم استعمالا إياها وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته، وكان مثله معه كما قال الشاعر (من الرجز):
شتمت من يشتمني مغالطاً ... لأصرف العاذل عن لجاجته
فقال: لما وقع البزاز في ... الثوب علمنا انه من حاجته
وكما قال الآخر (من الطويل):
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... ولم أر كالدنيا تذم وتحلب
وكما قال الآخر (من البسيط):
نبئت أني إذا ما غبت تشتمني ... قل ما بدا لك فالمحبوب مسبوب

حل الصاحب وغيره نظم المتنبي
قطعة من حل الصاحب وغيره نظم المتنبي
واستعانتهم بألفاظه ومعانيه في الترسل
فصل له من رسالة في وصف قلعة افتتحها عضد الدولة: وأما قلعة (كذا) فقد الدهر المديد، والأمد البعيد، تعطس بأنف شامخ من المنعة، وتنبو بعطف جامح على الخطبة، وترى أن الأيام
(1/42)
________________________________________
قد صالحتها على الإعفاء من القوارع، وعاهدتها على التسليم من الحوادث، فلما أتاح الله للدنيا ابن بجدتها، وأبا بأسها ونجدتها، جهلوا بون ما بين البحور والأنهار، وظنوا الأقدار تأتيهم على مقدار. فما لبثوا أن رأوا معقلهم الحصين ومثواهم القديم، نهزة الحوادث، وفرصة البوائق. ومجر العوالي، ومجرى السوابق. وإنما ألم بألفاظ بيتين لأبي الطيب أحدهما (من
الكامل):
حتى أتي الدنيا ابن بجدتها ... فشكا إليه السهل والجبل
والآخر (من الطويل):
تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق
وفصل له - لئن كان الفتح جليل الخطر، عظيم الأثر، فإن سعادة مولانا لتبشر بشوافع له، يعلم معها أن الله أسراراً في علاه لا يزال يبديها، ويصل أوائلها بتواليها. وهو من قول أبي الطيب (من الطويل):
ولله سر في علاك، وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان
فصل - ولو كان ما أحسنه شظية في قلم كاتب لما غيرت خطه، أو قذى في عين نائم لما انتبه جفنه. وهو من قول أبي الطيب (من الطويل):
ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب
وقول نصر (من السريع):
ضنيت حتى صرت لو زج بي ... في ناظر النائم لم ينتبه
ومنه أخذ ابن العميد قوله (من الكامل):
فلو أن أبقيت في جسدي قذى ... في العين لم يمنع من الإعفاء
فصل للصاحب في التعزية - إذا كان الشيخ القدوة في العلم وما يقتضيه،
(1/43)
________________________________________
والأسوة في الدين وما يجب فيه. لزم أن يتأدب في حالات الصبر والشكر بأدبه، ويؤخذ في ثارات الأسى والأسى بمذهبه. فكيف لنا بتعزية عند حادث رزيته، إلا إذا روينا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه طائفة مما استفدناه منه. وإنما هو حل من قولي أبي الطيب (من الخفيف):
أنت يا فوق أن يعزي عن الأحباب ... فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عزاك ... قال الذي له قلت قبلا
وفصل له - وقد أثني عليه ثناء لسان الزهر، على راحة المطر وهو من قول أبي الطيب (من الكامل):
وذكى رائحة الرياض كلامها ... تبغي الثناء على الحيا فيفوح
والأصل فيه قول ابن الرومي (من الخفيف):
شكرت نعمة الولي على الوسمي ... ثم العهاد بعد العهاد
فهي تثني على السماء ثناء ... طيب النشر شائعا في البلاد
من نسيم كأن مسراه في الأرواح ... مسرى الأرواح في الأجساد
ومما أورده من أبيات أبي الطيب كما هي قوله في كتاب أجاب به ابن العميد عن كتابه الصادر إليه عن شاطئ البحر في وصف مراكبه وعجائبه:
(1/44)
________________________________________
وقد علمت أن سيدنا كتب وما أخطر بفكرة، سعة صدره، ولو فعل ذلك لرأى البحر وشلالا يفضل عن التبرض، وثمداً لا يكثر عن الترشف (من الطويل):
وكم من جبال جبت تشهد أنني الجبال ... وبحر شاهد أنني البحر
وله من رسالة في التهنئة ببنت أولها - أهلا بعقيلة النساء، وكريمة الآباء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، ثم يقول فيها (من الوافر):
ولو كان النساء كمثل هذي ... لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
وهما لأبي الطيب من قصيدة في مرثية والدة سيف الدولة إلا يقول:
ولو كان النساء كمن فقدنا
وللصاحب من كتاب تعزية - وقلنا: قد أخذ الزمان من أخذ، وترك من ترك، فهو لاشك يعفو عن القمر، وقد أسلم الشمس للطفل ولا يصل الصروف بالصروف، ولا يجمع الكسوف إلى الخسوف، فأبي حكم الملوين، وقد غبنك إذ قاسمك الأخوين، إلا أن يعود فيلحق الباقي بالفاني، والغابر
(1/45)
________________________________________
بالماضي (من البسيط):
وعاد في طلب المتروك تاركه ... إنا لنفعل والأيام في الطلب
ما كان أقصر وقتاً كان بينهما ... كأنه الوقت بين الورد والقرب
أقول: هذا كعادة المصدور في النفث، وشكوى الحزن والبث، وإلا فما يعجب السفر من تقدم بعض، وكل بين الراحلة والرحل، لا يترك الموت ساعيا على وجه الأرض، حتى ينقله إلى بطن الترب من (من السريع):
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لابد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه
وهذا غيض من فيض ما اغترفه الصاحب من بحر المتنبي، وتمثل به من شعره. ولو ذكرت نظائره لامتد نفس هذا الباب. وليس هو بأوحد في الاقتباس من كلامه، هذا أبو إسحاق الصابي رسيله في ذلك وزميله، وقد قرأت له غير فصل فيما أشرت إليه، ونبهت عليه: فمنه ما كتب في تقريظ - شاب مقتبل الشبيبة، مكتهل الفضيلة، ولقد آتاه الله في اقتبال العمر جوامع الفضل وسوغه في عنفوان الشباب محامد الاستكمال، فلا تجد الكهولة خلة تتلافاها بتطاول المدة، وثلمة تسدها بمزايا الحنكة. وإنما هو حل نظم أبي الطيب، وإن كان في معنى آخر (من المنسرح):
لا تجد الخمر في مكارمه ... إذا انتشى خلة تلافاها
وأخذ من قول البحتري (من الطويل):
تكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما
ومنه ما كتب إلى ابن معروف تهنئة بقضاء - منزلة قاضي القضاة
(1/46)
________________________________________
تجل عن التهنئة، لأن ما تكتسبه الولاة بها من الصيت والذكر، ويدرعونه فيها من الجمال والفخر، سابق لها عنده، وحاصل قبلها له، وإذا مد أحدهم إليها يدا تجذبها إلى سفال، جذبتها يده إلى المحل العالي، فكأن أبا الطيب المتنبي عناه أو حكاه بقوله
(من الكامل):
فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا
ومنه ما كتب - وعاد مولانا إلى مستقر عزه عود الحلي إلى العاطل، والغيث إلى الروض الماحل. وإنما هو من قول أبي الطيب (من المتقارب):
وعدت إلى حلب ظافرا ... كعود الحلي إلى العاطل
وإذا كان هذان الصدران المقدمان على بلغاء الزمان يقتبسان من أبي الطيب في رسائلهما، فما الظن بغيرهما؟ وما أحسن قول الشاعر (من الطويل):
ألا إن حل الشعر زينة كاتب ... ولكن منهم من يحل فيعقد
وممن يحذو حذوهما الأستاذ أبو العباس أحمد إبراهيم الضبي، وما أظرف ما قرأت له في كتابه إلى أبي سعيد الشبيبي: وقد أتاني كتاب شيخ الدولتين فكان في الحسن، روضة حزن بل جنة عدن. وفي شرح النفس، وبسط الأنس، برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب. وهو من بيت أبي الطيب (من البسيط):
كأن كل سؤال في مسامعه ... قميص يوسف في أجفان يعقوب
وفصل لأبي بكر الخوارزمي - وكيف أمدح الأمير بخلق ضن به الهواء،
(1/47)
________________________________________
وامتلأت من ذكره الأرض والسماء، وأبصره الأعمى بلا عين، وسمه الأصم بلا أذن. وهو حل نظم أبي الطيب (من المنسرح):
تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسن ما لهن أفواه
إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه
ولأبي بكر من رسالة - ولقد تساوت الألسن حتى الأبكم، وأفسد الشعر حتى أحمد الصمم. وهو قول أبي الطيب (من البسيط):
ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم
وهذا ميدان عريض، وشوط بطين، وفيما ذكرته كفاية.
ولاستراقات الشعراء من أبي الطيب باب هذا مكانه.

أنموذج لسرقات الشعراء منه
1 - قال المتنبي (من الوافر):
وقد أخذ التمام البدر فيهم ... وأعطاني من السقم المحاقا
أخذ أبو الفرج الببغاء فلطفه وقال (من الكامل):
أوليس من إحدى العجائب أنني ... فارقته وحييت بعد فراقه
يا من يحاكي البدر عند تمامه ... ارحم فتى يحكيه عند محاقه
2 - وقال أبو الطيب (من البسيط):
قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمي، وألف في ذا القلب أحزانا
أخذ المهلبي الوزير وقال (من الطويل):
تصارمت الأجفان منذ صرمتني ... فما تلتقي إلا على عبرة تجري
(1/48)
________________________________________
3 - وقال أبو الطيب وهو من قلائده (من الطويل):
وكنت إذا يممت أرضاً بعيدة ... سريت فكنت السر والليل كاتمه
أخذ الصاحب وقال (من الطويل):
تجشمتها والليل وحف جناحه ... كأني سر والظلام ضمير
4 - وقال أبو الطيب، وهو أيضاً من قلائده (من الوافر):
لبس الوشي لا متجملات ... ولكن كي يصن به الجمالا
أغار عليه الصاحب لفظاً ومعنى فقال (من الطويل):
لبسن برود الوشي لا لتجمل ... ولكن لصون الحسن بين برود
وإنما فعل ببيتيه ما فعل أبو الطيب ببيت العباس بن الأحنف (من الكامل):
والنجم في كبد السماء كأنه ... أعمى تحير ما لديه قائد
فقال (من المنسرح):
ما بال هذي النجوم حائرة ... كأنها العمي ما لها قائد
وهذه مصالتة لا سرقة وهي مذمومة جدا عند النقدة.
5 - وقال أبو الطيب، وهو من فرائده (من الطويل):
سقاك وحيانا بك الله، إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه
أخذه السري بن أحمد، قال ابن جني: أنشدني لنفسه من قصيدة يمدح بها أبا الفوارس سلامة بن فهد، وهي قوله (من المنسرح):
حيا به الله عاشيقه فقد ... أصبح ريحانة لمن عشقا
ولم أجد أنا هذه القصيدة في ديوان شعره، والبيت نهاية في العذوبة وخفة الروح،
6 - والسري كثير الأخذ من أبي الطيب في مثل قوله (من الوافر):
(1/49)
________________________________________
وخرق طال فيه السير حتى ... حسبناه يسير مع الركاب
وهو مأخوذ من قول أبى الطيب (من الطويل):
يخدن بنا في جوزه وكأننا ... على كرة أو أرضه معنا سفر
7 - وقال السري (من الكامل):
وأحلها من قلب عاشقها الهوى ... بيتا بلا عمد ولا أطناب
وهو من قول أبى الطيب (من البسيط):
هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتا من القلب لم تضرب به طنبا
8 - وقال السري (من الكامل):
وأنا الفداء لمن مخيلة برقه ... عندي وعند سواي من أنوائه
وإنما ألم بقول أبى الطيب (من البسيط):
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم
9 - وقال أبو الطيب، وهو من قلائده (من الوافر):
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وقال أيضاً (من الوافر):
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام
أخذ أبو بكر الخوارزمي معنى البيتين، وهما قريب من قريب، فقال (من الوافر):
فديتك ما بدالي قصد حر ... سواك من الورى إلا بدالي
وأنك منهم وكذاك أيضاً ... من الماء الفرائد واللآلي
وتسكن دراهم ودارهم وكذاك سكني ... الحجارة والزمرد في الجبال
وهذا معنى قد اخترعه المتنبي، وكرره في تفضيل البعض على الكل، فأحسن غاية الإحسان حيث قال (من الطويل):
(1/50)
________________________________________
فإن يك سيار بن مكرم انقضى ... فإنك ماء الورد إن ذهب الورد
10 - وقال (من البسيط):
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب
ألم به أبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب فقال (من الطويل):
أبوك حوى العليا وأنت مبرز ... عليه إذا نازعته قصب المجد
وللخمر معنى ليس في الكرم مثله ... وفي النار نور ليس يوجد في الزند
وخير من القول المقدم فاعترف ... نتيجته والنحل يكرم للشهد
وقال أيضاً (من الطويل):
أبوك كريم غير أنك سابق ... مداه بلا ضيم عليه ولا ذيم
فلا يعجبن الناس مما أقوله ... وأقضى به فالغيث أندى من الغيم
11 - وقال أبو الطيب (من الوافر):
وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
أخذه أبو بكر الخوارزمي فقال (من الرمل):
قد ظلمناك بحسن الظن ... يا بعض الأنام
12 - وقال أبو الطيب (من البسيط):
أتى الزمان بنوه في شيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
أخذه أبو الفتح وحسنه فقال (من البسيط):
لا غرو إن لم تجد في الدهر مخترفا ... فقد أتيناه بعد الشيب والخرف
13 - وقال أبو الطيب (من الطويل):
هما الغرض الأقصى، ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا، وأنت الخلائق
امتثله أبو الحسن السلامي فقال (من الطويل):
(1/51)
________________________________________
وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا، ويوم هو الدهر
14 - وقال أبو الطيب (من الخفيف):
لم تزل تسمع المديح ولكن ... صهيل الجياد غير النهاق
أخذه أبو القاسم الزعفراني ولطفه جداً فقال (من الخفيف):
وتغنيك في النداء طيور ... أنا وحدي ما بينهن الهزار
وإذ قد ذكرت أنموذجا من سرقات الشعراء منه، فلا بأس أن أذكر سرقات من الشعراء، سوى ما أورده القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب (الوساطة) فشفى وكفى وبالغ فأوفى، وسوى ما مر ويمر منها في أماكنها من فصول هذا الكتاب.

صدر من سرقاته
1 - قال مخلد الموصلي (من مخلع البسيط):
يا منزلا ضن بالسلام ... سقيت ريا من الغمام
ما ترك الدهر منك إلا ... ما ترك الشوق من عظامي
أخذه أبو الطيب فجوده حيث قال (من البسيط):
ما زال كل هزيم الودق ينحلها ... والشوق ينحلي حتى حكت جسدي
2 - وقال عمرو بن كلثوم (من الوافر):
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا
أخذه أبو تمام فأحسن إذ قال (من البسيط):
إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
(1/52)
________________________________________
وأخذه أبو الطيب فلم يحسن في تكرير لفظ النهب وذكر القماش إذ هو من ألفاظ العامة (من الوافر):
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
3 - وقال بشار بن برد (من الطويل):
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
أخذ أبز الطيب وذكر الرماح مكان الأسياف فقال (من الكامل):
وكأنما كسي النهار بها دجى ... ليل، وأطلعت الرماح كواكبا
4 - وقال مسلم بن الوليد (من الطويل):
أرادوا ليخفوا قبره من عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر
ألم أبو الطيب فقال (من الوافر):
وما ريح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا
5 - وقال الفرزدق (من البسيط):
وكنت فيهم كممطور ببلدته ... يسر أن جمع الأوطان والمطرا
وأخذه أبو الطيب فقال (من الطويل):
وليس الذي يتبع الوبل رائداً ... كمن جاءه في داره رائد الوبل
6 - وفي قوله في هذه القصيدة (من الطويل):
وخيل إذا مرت بوحش وروضة ... أبت رعيها إلا ومرجلنا يغلي
رائحة من قول امرئ القيس (من الطويل):
إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا: ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب
7 - وقال أبو نؤاس، ويقال: إنه أمدح بيت للمحدثين (من البسيط):
وكلت بالدهر عيناً غير غافلة ... بجود كفيك تأسو كل ما جرحا
أخذه أبو الطيب وزاد فيه حسن التشبيه فقال (من الطويل):
(1/53)
________________________________________
تتبع آثار الرزايا بجوده ... تتبع آثار الأسنة بالقتل
8 - وقال أبو نؤاس، وهو من قلائده في وصف الخمر (من الطويل):
إذا ما دون اللهاة من الفتى ... دعائمه من صدره برحيل
أخذه أبو الطيب ونقله إلى معنى آخر فقال (من الطويل):
وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل
9 - وقال ابن أبي عيينة، ويروي للخليل (من البسيط):
زروادى القصر، نعم القصر والوادي ... في منزل حاضر، إن شئت، أو بادي
ترقي به السفن والظلمان حاضرة ... والضب والنون والملاح والحادي
وهذا أحسن ما قيل في وصف مكان يجمع بين أوصاف البر والبحر والحاضرة والبادية، ألم به أبو الطيب في وصف متصيد عضد الدولة بناحية سهلية جبلية تجمع الأضداد (من الرجز):
سقياً لدشت الأرزن الطوال ... بين المروج الفيح والأغيال
مجاور الخنزير والرئبال ... داني الخنانيص من الأشبال
مستشرف الدب على الغزال ... مجتمع الأضداد والأشكال
10 - وقال بعض العرب، وهو من الأمثال السائرة (من الطويل):
إذا بل من داء به ظن أنه ... نجا، وبه الداء الذي هو قاتله
(1/54)
________________________________________
أخذه أبو الطيب فقال وأحسن (من الوافر):
وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام
11 - وقال بعض الرجاز (من الرجز):
هل يغلبني واحد أقاتله ... ريم على لباته سلاسله
سلاحه يوم الوغى مكاحله
أخذه أبو الطيب فأكمل الوصف وأظهر الغرض حيث قال (من الكامل):
من طاعني ثغر الرجال جآذر ... ومن الرماح دمالج وخلاخل
ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل
12 - وقال أبو تمام (من الكامل):
غربت خلائقه وأغرب شاعر ... فيه فأبدع مغرب في مغرب
أخذه أبو الطيب فقال (من الخفيف):
شاعر المجد خدنه شاعر اللفظ ... كلانا رب المعاني الدقاق
13 - وقال أبو تمام (من الطويل):
يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف قواطع
أخذه أبو الطيب فأوقع التشبيه على الجملة حيث قال (من الطويل):
همام إذ ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل
14 - وقال ابن الرومي (من السربع):
لا قدست نعمي تسربلتها ... كم حجة فيها لزنديق
أخذه أبو الطيب فقال (من البسيط):
(1/55)
________________________________________
فإنه حجة يؤذي القلوب بها ... من دينه الدهر والتعطيل والقدم
15 - ولابن الرومي وأجاد (من الطويل):
وأحسن من عقد العقيلة جيدها ... وأحسن من سربالها المتجرد
أخذه أبو الطيب فقال (من الرجز):
ورب قبح وحلي ثقال ... أحسن منها الحسن في المعطال
16 - وقال عبيد الله بن طاهر (من الطويل):
وجربت حتى لا أرى الدهر مغربا ... علي بشيء لم يكن في تجاربي
أخذه أبو الطيب فقال (من الخفيف):
قد بلوت الخطوب حلواً ومراً ... وسلكت الأيام حزنا وسهلا
وقتلت الزمان علما فما يغرب ... قولا ولا يجدد فعلا
وكرر هذا المعنى فقال (من الطويل):
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتنا لم تزدني بها علما
17 - وكتب ابن المعتز إلى عبيد الله بن سلمان يعزيه عن ابنه أبي محمد ويسليه ببقاء أبي الحسين القاسم أبياتا منها (من الكامل):
ولقد غبنت الدهر إذ شاطرته ... بأبي الحسين وقد ربحت عليه
وأبو محمد الجليل مصابه ... لكن يمنى المرء خير يديه
فأخذ أبو الطيب هذا المعنى، وقال لسيف الدولة من قصيدة يعزيه بها عن أخته الصغرى، ويسليه ببقاء الكبرى حيث قال (من الخفيف):
قاسمتك المنون شخصين جورا ... جعل القسم نفسه فيك عدلا
فإذا قست ما أخذن بما غادرن ... سرى عن الفؤاد وسلي
وتيقنت أن حظك أوفى ... وتبينت أن جدك أعلى
18 - وكان أبو الطيب كثير الأخذ من ابن المعتز، على تركه الإقرار بالنظر
(1/56)
________________________________________
في شعر المحدثين: فما أخذه منه قوله (من البسيط):
وتكسب الشمس منك النور طالعة ... كما تكسب منها نورها القمر
وهو معنى قول ابن المعتز (من السريع):
البدر من شمس الضحى نوره ... والشمس من نورك تستملى
19 - وأخذ قوله، وهو من قلائده، ولعله أمير شعره (من البسيط):
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... أتنثني وبياض الصبح يغري بي
من مصراع لابن المعتز، ذكر ابن جنى قال: حدثني المتنبي - وقت القراءة عليه
- (قال): قال لي ابن حنزابة وزير: أحضرت كتبي كلها وجماعة من الأدباء يطلبون لي من أين أخذت هذا المعنى، فلم يظفروا بذلك! وكان أكثر من رأيت كتبا. قال ابن جنى: ثم إني عثرت بالموضع الذي أخذه منه، إذ وجدت لابن المعتز مصراعا بلفظ لين صغير جدا فيه معنى بيت المتنبي كله على جلالة لفظه وحسن تقسيمه، وهو قوله (من البسيط):
فالشمس نمامة والليل قواد
ولن يخلو المتنبي من إحدى ثلاث: إما أن يكون ألم بهذا المصراع فحسنه وزينه، وصار أولى به، وإما أن يكون قد عثر بالموضع الذي عثر به ابن المعتز فأربى عليه في جودة الأخذ، وإما أن يكون قد اخترع المعنى وابتدعه وتفرد به، فلله دره! وناهيك بشرف. وبراعة نسجه!. وما أحسن ما جمع فيه أربع مطابقات في بيت واحد، وما أراه سبق إلى مثلها.
وما زال الناس يعجبون من جمع البحتري ثلاث مطابقات في قوله
(من البسيط):
وأمه كان قبح الجور يسخطها ... دهراً فأصبح حسن العدل يرضيها
(1/57)
________________________________________
حتى جاء أبو الطيب فزاد عليه مع عذوبة اللفظ ورشاقة الصنعة. ولبعض أهل العصر بيت خمس مطابقات. ولكنه لا يستقل إلا بإنشاد بيتين قبله، وهي (من الطويل):
عذيري من الأيام مدت صروفها ... إلى وجه من أهوى يد النسخ والمحو
وأبدت بوجهي طالعات أرى بها ... سهام أبى يحيي مسددة نحوي
فداك سواد الحظ ينهي عن الهوى ... وهذا بياض الوخط يأمر بالصحو
20 - وقال ابن الرومي (من الطويل):
أرى فضل مال المرء داء لعرضه ... كما أن فضل الزاد داء لجسمه
فليس لداء العرض شيء كبذله ... وليس لداء الجسم شيء كجسمه
ألم أبو الطيب فقال (من الخفيف):
يتداوى من كثرة المال بالإقلال ... جودا كأن مالا سقام
بعض ما تكرر في شعره من معانيه
1 - قال (في سيف الدولة) (من الوافر):
وأنت المرء تمرضه الحشايا ... لهمته، وتشفيه الحروب.
وقال (يذكر الحمى التي كانت تغشاه بمصر) (من الوافر):
وما في طيه أني جواد ... أضر بجسمه طول الحمام
2 - وقال (يمدح بدر بن عمار) (من الكامل):
ليت ****** الهاجري هجر الكرى ... من غير جرم واصلي صلة الضنا
وقال (يمدح طاهر بن الحسين) (من الطويل)
(1/58)
________________________________________
فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب
3 - وقال (يمدح المغيث بن بشر العجلي) (من البسيط):
إذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه ستر إذا احتجبا
وقال (وقد حجبه بدر عمار) (من الكامل):
أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة ... هيهات لست على الحجاب بقادر
من كان ضوء جبينه ونواله ... لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر
فإذا احتجبت فأنت غير محجب ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر
4 - وقال (من قصيدة يمدحه بها) (من المتقارب):
أمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يجودا
وقال (من الوافر):
ألا إن الندى أضحى أميرا ... على مال الأمير أبي الحسين
5 - وقال (يمدح بدر بن عمار) (من المتقارب):
ومال وهبت بلا موعد ... وقرن سبقت إليه الوعيدا
وقال (من القصيدة التي كتبها إلى السلطان من حبسه) (من المتقارب):
لقد حال بالسيف دون الوعيد ... وحالت عطاياه دون الوعود
6 - وقال (من قصيدة يمدح بها كافورا) (من الطويل):
وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده
وقال (من قصيدة يمدح بها أبا العشائر) (من الوافر):
فسرت إليك في طلب المعالي ... وسار سواي في طلب المعاش
7 - وقال (يمدح سعيد بن عبد الله) (من البسيط):
قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى وألف في ذا القلب أحزانا
وقال (في خلاص أبي وائل) (من المتقارب):
(1/59)
________________________________________
كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل
8 - وقال (يمدح بدر بن عمار) (من المتقارب):
كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموت في الحرب تبغي الخلودا
وقال (في الحسين بن إسحاق التنوخي) (من الطويل):
كأنك في الإعطاء للمال مبغض ... وفي كل حرب للمنية عاشق
9 - وقال (من الخفيف):
الذي زلت عنه شرقا وغربا ... ونداه مقابلي ما يزول
وقال (في سيف الدولة) (من الطويل):
ومن فر من إحسانه حسداً له ... تلقاه منه حيث ما سار نائل
10 - وقال (يمدح أبا أيوب أحمد بن عمران) (من الكامل):
فكأنما نتجت قياما تحتهم ... وكأنما ولدوا على صهواتها
وقال (في الحسين بن عبيد الله بن طغج) (من الطويل):
وطعن غطاريف كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصم
11 - وقال (يشكو الحمى بمصر) (من الوافر):
جرحت مجر حالم يبق منه ... مكان للسيوف وللسهام
وقال (في مرثية والدة سيف الدولة) (من الوافر):
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
12 - وقال (يمدح أبا علي هارون بن عبد الله الكاتب) (من الكامل):
وشكيتي فقد السهام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء
وقال (قبيل مسيره من مصر يهجو كافوراً) (من البسيط):
لم يترك الدهر من قلبي ومن كبدي ... شيئاً تنيمه عين ولا جيد
13 - وقال (يصف مدينة مرعش) (من الطويل):
تصد الرياح الهوج عنها مخافة ... وتفزع فيها الطير أن تلقط الحبا
(1/60)
________________________________________
وقال (من قصيدة في مدح كافور) (من البسيط):
إذا أتتها الرياح النكب في بلد ... فما تهب بها إلا بترتيب
14 - وقال (من يمدح الحسن بن عبيد الله بن طغج) (من الطويل):
إذا ضوؤها لقي من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم
وقال (من كلمة يمدح فيها عضد الدولة) (من الوافر):
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيراً تفر من البنان
وقال (يمدح أبا شجاع محمد بن أوس) (من الكامل):
ولقد بكيت على الشباب ولمتى ... مسودة، ولما وجهي رونق
حذراً عليه قبل يوم فراقه ... حتى لكدت بماء جفني أشرق
15 - وقال (وقد أهداه عبد الله بن خراسان هدية) (من المنسرح):
هدية ما رأيت مهديها ... إلا رأيت العباد في رجل
وقال (يمدح بدر بن عمار) (من المتقارب):
(أحلما نرى أم زمانا جديدا) ... أم الخلق في شخص حي أعيدا
ومثله (في الحسين بن إسحاق التنوخي) (من الطويل):
(هي الغرض الأقصى، ورؤيتك المنى) ... ومنزلك الدنيا، وأنت الخلائق
ثم كرره وزاد فيه فقال (من كلمة يمدح فيها ابن العميد) (من الكامل):
ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصر
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
والأصل فيه قول أبي نؤاس (من السريع):
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وقال (من البسيط):
متى تخطى إليه الرجل سالمة ... تستجمع الخلق في تمثال إنسان
(1/61)
________________________________________
16 - وقال (في سيف الدولة) (من البسيط):
هو الشجاع يعد البخل من جبن ... وهو الجواد يعد الجبن من بخل
وقال (وقد ضرب أبو العساكر خيمة على الطريق فكثر سؤاله وغاشيته) (من المنسرح):
فقلت إن الفتى شجاعته ... تريه في الشح صورة الفرق
والأصل فيه قول أبي تمام (من الكامل):
أيقنت أن من السماح شجاعة ... تدمى، وأن من الشجاعة جودا
17 - وقال (يمدح أبا شجاع عضد الدولة) (من الوافر):
ومن اعتاض منك إذا افترقنا؟ ... وكل الناس زور ما خلاكا
وقال في مثله فتبرد وبالغ (من الخفيف):
إنما الناس أنت، وما الناس ... بناس في موضع منك خال
18 - وقال (في سيف الدولة) (من الطويل):
إذا أعتل الدولة اعتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم والمحض
وقال (فيه أيضا) (من البسيط):
وما أخصك في برء بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا
19 - وقال (يمدح كافوراً ولم يلقه بعد) (من الطويل):
تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأحسن ما يثني ما عليه يعاب
وقال (في عبد الله بن البحتري) (من البسيط):
وعظم قدرك في الآفاق أوهمني ... أني بقلة ما أثنيت أهجوكا
وقال (يعزي عضد الدولة وقد ماتت عمته) (من السريع):
وكان من عدد إحسانه ... كأنه أسرف في سبه
والأصل في هذا قول البحتري (من الخفيف):
(1/62)
________________________________________
جل عن مذهب المديح فقد كاد ... يكون المديح فيه هجاء
20 - وقال (وهو مما سبق إليه) (من مخلع البسيط):
نال الذي نلت منه منى ... الله ما تصنع الخمور وقال (من الطويل):
أفيكم فتى حي فيخبر ناعبا ... بما شربت مشروبة الراح من ذهني
21 - وقال (يمدح سيف الدولة) (من الطويل):
عليم بأسرار الديانات واللغى ... له خطرات تفضح الناس والكتبا
وقال (في أبي العشائر علي بن الحسين) (من الوافر):
كأنك ناظر في كل قلب ... فما يخفي عليك محل غاش
وقال (من البسيط):
ووكل الظن بالأسرار فانكشفت ... له سرائر أهل السهل والجبل
22 - وقال (لبدر بن عمار يمدحه) (من الكامل):
فاغفر فدى لك واحبني من بعدها ... لتخصني بعطية منها أنا
وقال (من المنسرح):
له أياد إلى سالفة ... أعد منها ولا أعددها
23 - وقال وهو من قلائده (من الخفيف):
خير أعضائنا الرؤس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
وقال (من المتقارب):
وإن القيام الألى حوله ... لتحسد أرجلها الأرؤس
24 - وقال (من قصيدة في مدح سيف الدولة) (من الطويل):
وما الحسن في وجه الفتى شرف له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
وقال في وصف الخيل (من الطويل):
(1/63)
________________________________________
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
وقريب منه قوله (من الوافر):
يحب العاقلون على التصافي ... وحب الجاهلين على الوسام
25 - وقال في معنى قد تصرفت فيه الشعراء (من الخفيف):
ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام
وقال (في صباه) (من الخفيف):
عش عزيزاً أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
26 - وقال (لعلي بن إبراهيم التنوخي يمدحه) (من الوافر):
إذا ما لم تسر جيشاً إليهم ... أسرت إلى قلوبهم الهلوعا
وقال (من الخفيف):
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي
وقال (من البسيط):
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المهابة ما لا يصنع البهم
وقال (من الخفيف):
أبصروا الطعن في القلوب دراكا ... قبل أن يبصروا الرماح خيالا
وقال (من الطويل):
صيام بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصهم في قلب خائفهم تعدو
وقال (من البسيط):
تغير عنه على الغارات هيبته ... وماله بأقاصي البر إهمال
والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم (نصرت بالرعب) ثم أكثر الناس منه، ومن أوجز ما قالوا قول على بن جبلة العكوك (من الهزج):
غدا مجتمع العزم ... له جند من الرعب
(1/64)
________________________________________
27 - وقال أبو الطيب (من الطويل):
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده
وقال (من الطويل):
لحي الله الدنيا مناخاً لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب
28 - وقال (من الخفيف):
ومعال إذا ادعاها سواهم ... لزمته خيانة السراق
وقال (من الكامل):
مسكية النفحات إلا أنها ... وحشية بسواهم لاتعبق
والآن حين أذكر ما ينعى على أبي الطيب من معائب شعره ومقابحه:
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها ... كفى المرء فضلا أن تعد معائبه
ثم اقفي على آثارها بمحاسنه وسياق بدائعه
وفرائده:
فحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب

[المعايب]
فمنها
قبح المطالع
وحقه الحسن والعذوبة لفظاً، والبراعة والجودة معنى، لأنه أول ما يقرع الأذن ويصافح الذهن، فإذا كانت حاله على الضد مجه السمع، وزجه القلب،
ونيت عنه النفس، وجرى أوله على ما تقوله العامة (أول الدن دردي) ولأبي الطيب ابتداءات ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي - كما نعاها عليه العائبون - مستشنعة لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب لها بابه، كقوله (من الكامل):
هذي بزرت لنا فهجت رسيسا ... ثم انصرفت وما شفيت نسيسا
(1/65)
________________________________________
فإنه لم يرض بحذف علامة النداء من (هذي)، وهو غير جائز عند النحويين، حتى ذكر الرسيس والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرد، وكقوله (من المنسرح):
أوه بديل من قولتي واها
وهو برقية العقرب أشبه منه بافتتاح كلام في مخاطبة ملك. وكقوله - وهو مما تكلف له اللفظ المتعقد، والترتيب المتعسف، لغير معنى بديع يفي وغرابته بالتعب في استخراجه، ولا تقوم فائدة الانتفاع به بازاء التأذي باستماعه (من الطويل):
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وكقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أول لقية (من الطويل):
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا
وفي الابتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة، التي تنفر منها السوقة، فضلا عن الملوك. حكى الصاحب قال: ذكر الأستاذ الرئيس يوما الشعر، فقال: وإن أول ما يحتاج فيه إليه حسن المطلع، فأن ابن أبي الشباك أنشدني في يوم نيروز قصيدة ابتداؤها (من الطويل):
أقبر وما طلت ثراك يد الطل؟
فتطيرت من افتتاحه بالقبر، وتنغصت باليوم والشعر، فقلت: كذاك كانت حال ابن مقاتل لما مدح الداعي بقوله (من الرمل):
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان
فإن نفر من قوله (لا تقل بشرى) أشد نفار، وقال: أعمى وتبتدئ بهذا في يوم مهرجان؟! قال الصاحب: ومن عنوان قصائده التي تحير الأفهام، وتفوت الأوهام،
(1/66)
________________________________________
وتجمع من الحساب مالا يدرك بالأرتيماطيقي، وبالأعداد الموضوعة للموسيقي (من الوافر):
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتنادي
وهذا كلام الحكل ورطانة الزط ... وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع ً
من مادحه فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة والمعاني المنبوذة؟ فأي هزة تبقى هناك؟ وأي أريحية تثبت هنا؟ وقد خطأه في اللفظ والمعنى كثير من أهل اللغة وأصحاب المعاني، حتى احتيج في الاعتذار له، والنضح عنه، إلى كلام لا يستأهله هذا البيت، ولا يتسع له هذا الباب.
ومن ابتداءاته البشعة التي تنكرها بديهة السماع قوله (من الوافر):
ملث القطر أعطشها ربوعا ... (وإلا فاسقها السم النجيعا)
وقوله (من الكامل):
أثلت فإنا أيها الطلل ... (نبكي وترزم تحتنا الإبل)
وقوله (من الوافر):
بقائي شاء ليس هم ارتحالا ... (وحسن الصبر زموا لا الرحالا)
قال الصاحب: ومن افتتاحاته العجيبة قوله لسيف الدولة في التسلية عند المصيبة (من الطويل):
لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ من حالاته بنصيب
قال الصاحب: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبي بنصيب من القلق!

ومنها
اتباع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء
والإفصاح بذلك في شعره عن كثرة التفاوت، وقلة التناسب، وتنافر الأطراف، وتخالف الأبيات، وما أكثر ما يحوم حول هذه الطريقة، ويعود لهذه العادة السيئة،
(1/67)
________________________________________
ويجمع البديع النادر والضعيف الساقط. فبينا، هو يصوغ أفخر حلي، وينظم أحسن عقد، وينسخ أنفس وشيء، ويختال في حديقة ورد، إذا به وقد رمى بالبيت والبيتين في إبعاد الاستعارة، أو تعويص اللفظ، أو تعقيد المعنى، إلى المبالغة في التكليف، والزيادة في التعمق، والخروج إلى الإفراط والإحالة والسفسفة، والركاكة والتبرد والتوحش، باستعمال الكلمات الشاذة، فمحا تلك المحاسن، وكدر صفاءها، وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها، واستهدف لسهام العائبين، وتحكك بألسنة الطاعنين: فمن متمثل بقول الشارع (من الكامل):
أنت العروس لها جمال رائق ... لكنها في كل يوم تصرع
ومن مشبه إياه بمن يقدم مائدة تشتمل على غرائب المأكولات وبدائع الطيبات، ثم يتبعها بطعام وضر، وشراب عكر، أومن يتبخر بالند المعشب المثلث، المركب من العود الهندي والمسك الأصهب والعنبر الأشهب، ثم يرنقه بإسار الريح الخبيثة، ويفسده بالرائحة الردية، أو بالواحد من عقلاء المجانين ينطق بنوادر الكلم، وطرائف الحكم، ثم يعتريه سكرة الجنون فيكون أصلح أحواله وأمثل أقواله أن يقول: اعذرني فإن العذرة متعذر فمما نشر أبو الطيب من هذا النمط قوله (من
الخفيف):
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في الآقي؟
وهو ابتداء ما سمع بمثله، ومعنى تفرد بابتداعه، ثم شفعه بما لا يبالي العاقل أن يسقطه من شعره فقال:
كيف ترثي التي كل جفن ... راءها غير جفنها غير راقي
وقوله (من الطويل):
ليالي بعد الظاعنين شكول ... طوال، وليل العاشقين طويل
(1/68)
________________________________________
بين لي البدر الذي لا أريده ... ويخفين بدراً ما إليه وصول
وما عشت من بعد الأحبة سلوة ... ولكنني للنائبات حمول
وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الخليط نزول
يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه سبيل
من قصيدة اخترع لأكثر معانيها، وتسهل في ألفاظها، فجاءت مصنوعة، ثم اعترضته تلك العادة المذمومة، فقال:
أغركم طول الجيوش وعرضها ... على شروب للجيوش أكول
إذا لم تكن لليث إلا فريسة ... غذاه ولم ينفعك أنك فيل
ثم أتى بما هو أطم منه فقال، وذكر الصاحب أنه من أوبده التي لا يسمع طول الأبد بمثلها:
إذا كان بعض الناس سيفا ًلدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول
فإن تكن الدولات قسما فإنها ... لمن ورد الموت الزؤام تدول
قال الصاحب: قوله (الدولات) و (تدول) من الألفاظ التي لو رزق فضل السكوت عنها لكان سعيدا. وقال من قصيدة جمع فيها الشذرة والبعرة، والدرة والآجرة (من الكامل):
لك يا منازل في الفؤاد منازل ... أفقرت أنت، وهن منك أواهل
وهذا ابتداء حسن ومعنى لطيف، ثم قال:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل
وهو وإن كان مأخوذا من قول دعبل (من الكامل):
لا تطلبا بظلامتي أحدا ... طرفي وقلبي في دمى اشتراكا
فإنه آخذ بأطراف الرشاقة والملاحة، ثم استمر في قصيدته، فجاء بالمتوسط المقارب والبديع الناذر والرديء النافر، حيث قال:
(1/69)
________________________________________
ولذا أسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل
وهذا معنى في نهاية الحسن واللطف لو ساعده اللفظ، ثم قال:
كم وقفة سجرتك شوقا بعدما ... غري الرقيب بنا ولج العاذل
فلم يحسن موقع قوله (سجرتك) أي ملأتك (هكذا الرواية بالجيم، ولو كانت بالحاء من ***** لم يكن بأس) ثم قال وملح:
دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدفهما وضم الشاكل
أي: قريب بعضنا من بعض، ولم نتعانق خوف الرقيب. ثم قال فأحسن غاية الإحسان:
للهو آونة تمر كأنها ... قبل يزودها حبيب راحل
جمح الزمان فما لذيذ خالص ... مما يشوب، ولا سرور كامل
حتى أبو الفضل بن عبد الله ... رؤيته المنى وهو المقام الهائل
قال ابن جني: وهذا خروج غريب ظريف حسن، ما أعرفه لغيره، يقول إن المنى رؤيته إلا أن هيبته تهول. ثم قال فجمع أوصافها في بيت واحد:
للشمس فيه وللرياح وللسحاب ... وللبحار وللأسود شمائل
ثم قال وتحذق وتبرد:
ولديه ملعقيان والأدب المفاد ... وملحياة وملمات مناهل
وإنما ألم في صدر هذا البيت بقول أبي تمام (من المنسرح)
نأخذ من ماله ومن أدبه
ثم قال:
علامة العلماء واللج الذي ... لا ينتهي، ولكل لج ساحل
(1/70)
________________________________________
ثم قال فأحال:
لو طاب مولد كل حي مثله ... ولد النساء وما لهن قوابل
قال القاضي أبو الحسن: إن طيب المولد لا يستغني به عن القابلة، وإن استغنى عنها كان ماذا؟ وأي فخر فيه؟ وأي شرف ينال به؟ ثم توسط وقارب فقال:
ليزد بنو الحسن الشراف تواضعا ... هيهات تكتم في الظلام مشاعل
ستروا الندى ستر الغراب سفاده ... فبدا، وهل يخفى الرباب الهاطل؟
ثم قال وتوحش وتبغض ما شاء الحاسد:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل
يريد بالجفخ الفخر والبذخ، ثم قال:
يا افخر الناس فيك ثلاثة: ... مستعظم، أو حاسد، أو جاهل
أي: يا هذا افخر، فحذف المنادي، وتباغض وتبادي ثم قال:
لا تجسر الفضحاء تنشد هاهنا ... شعرا، ولكني الهزبر الباسل
ثم قال وأرسله مثلا سائرا، وأحسن جدا:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
ما نال أهل الجاهلية كلهم ... شعري، ولا سمعت بسحري بابل
ثم قال وتعسف في اللفظ:
أما وحقك وهو غاية مقسم ... للحق أنت، وما سواك الباطل
(1/71)
________________________________________
الطيب أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وتقدير الكلام: الطيب أنت طيبه إذا أصابك، والماء أنت غاسله إذا اغتسلت به، وإنما ألم فيه بقول القائل (من الخفيف):
وتزيدين طيب طيباً ... إن تمسيه، أين مثلك أينا؟!
وقال من قصيدة كهذه التي تقدمت (من البسيط):
قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمي، وألف في ذا القلب أحزانا
أملت ساعة ساروا كشف معصمها ... ليلبث الحي دون السير حيرانا
بالوخدات وحاديها وبي قمر ... يظل من وخدها في الخدر حشيانا
وحشيان - بالحاء المهملة - من الغريب الوحشي، الذي لا يأنس به السمع ولا يقبله القلب. يقال: حشي الرجل حشيا، إذا أخذه البهر يقول: إذا وخدت الإبل تحت هذا القمر أخذه لترفه. ومن المؤدبين من يروي خشيانا بالخاء معجمة من الخشية ثم قال، وأحسن ولطف وظرف:
قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيز بعدكم هانا
ثم أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا، فأتى - كما قال الصاحب - بأخزى الخزايا، فقال:
لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
قال الصاحب: ومن الناس أمه، فهل ينشط لركوبها؟ والممدوح لعل له عصبة لا يريد أن يركبوا إليه. فهل في الأرض أفحش من هذا السخف وأوضع من هذا التبسط؟ ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله:
فالعيس أعقل من قوم رأيتهم ... عما يراه من الإحسان عميانا
(1/72)
________________________________________
وقال، ثم قال وأجاد في مدح الممدوح:
إن كوتبوا، أولقوا، أوحوربوا، وجدوا ... في الخط واللفظ والهجاء فرسانا
كأن ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا
كأنهم يردون الموت من ظمإ ... أو ينشقون من الخطي ريحانا
ثم قال:
خلائق لو حواها الزنج لانقلبوا ... ظمى الشفاه جعاد الشعر غرانا
والزنجي لا توجد إلا جعد الشعر، فكيف ينقلون عن الجعودة إلى الجعودة؟ وقد احتج عنه أصحاب المعاني بما يطول ذكره. والعجب كل العجب من خاطر يقدح بمثل قوله في قصيدة (من المتقارب):
وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل
يفاجئ جيشاً بها حينه ... وينذر جيشاً بها القسطل
ثم يتصور في هذا الكلام الغث الرث فيتبعه به حيث يقول:
جعلتك في القلب لي عدة ... لأنك باليد لا تجعل
ولو قاله بعض صبيان المكاتب لاستحيا له منه

ومنها
استكراه اللفظ وتعقيد المعنى
وهو أحد مراكبه الخشنة التي يتسنمها، ويأخذ عليها في الطرق الوعرة فيضل ويضل وَيتعب ويتعب ولا ينجح، إذ يقول في وصف الناقة (من الكامل):
فتبيت تسئد مسئداً في نيها ... إستادها في المهمه الأنضاء
وتقديره: فتبيت تسئد مسئد الأنضاء في نيها إسآدها في المهمه: أي كلما قطعت
(1/73)
________________________________________
الأرض قطعت الأرض شحمها على احتذاء ومثال هذا بهذا ويقول في المدح (من الكامل):
أني يكون أبا البرايا آدم ... وأبوك، والثقلان أنت، محمد
وتقديره: أني يكون آدم أبا البرايا وأبوك محمد وأنت الثقلان وقال من نسيت قصيدة (من الطويل):
إذا عذلوا فيها أجبت بأنة ... حبيبتا قلبي فؤادي هيا جمل
أراد (يا حبيبتي) ثم أبدل الياء من حبيبتي ألفا تخفيفا، و (قلبي) منصوب لأنه بدل من حبيبتا، (فؤادي) بدل من قلبي، وهذا كقولك: أخي سيدي مولاي، نداء بعد نداء، ويقال في النداء: يا زيد، وأيا زيد، وهيا زيد وأشباه هذه الأبيات كثيرة في شعره كقوله (من الطويل):
لساني وعيني والفؤاد وهمتي ... أود اللواتي ذا اسمها منك والشطر
وقوله (من الطويل):
فتى ألف جزء رأيه في زمانه ... أقل جزى بعضه الرأي أجمع
وقوله (من الكامل):
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء
وهو مما اعتل لفظه، ولم يصح معناه، فإذا قرع السمع لم يصل إلى القلب إلا بعد إتعاب الفكر، وكد الخاطر، والحمل على القريحة. (ثم إن ظفر بعد العناء والمشقة فقلما يحصل على طائل

ومنها
عسف اللغة والإعراب
وهو مما سبق إلى القلوب إنكاره، إن كان عند المحتجين عنه الاعتذار له والمناضلة دونه، كقوله (من الطويل):
(1/74)
________________________________________
فدى من على الغبراء أولهم أنا ... لهذا الأبي الماجد الجائد القرم
ولم يحك عن العرب (الجائد) وإنما المحكي رجل جواد، وفرس جواد، ومطر
جواد وكقوله (من الطويل):
فأرحام شعر تتصلن لدنه ... وأرحام مال لا تني تتقطع
وتشديد النون من (لدن) غير معروف في لغة العرب وكقوله (من الوافر):
شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل
والمعروف عند العرب الأترج، والترنج مما يغلط فيه العامة. قال الصاحب:
لا أدري الاستهلال أحسن، أم المعنى أبدع، أم قوله ترنج أفصح؟ وكقوله (من الكامل):
بيضاء يمنعها تكلم دلها ... تيها، ويمنعها الحياء تميسا
فنصب (تميس) مع حذف أن. وهو ضعيف عن أكثر النحويين. وكقوله (من الكامل):
وتكرمت ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه ليس مسكاً أذفرا
فجمع الركبات ثم انتقل إلى التثنية فقال (تقعان) وهو ضعيف وغير سديد في صناعة الإعراب وكقوله (من الخفيف):
ليس إلاك يا علي همام ... سيفه دون عرضه مسلول
وكقوله (من السريع):
لم تر من نادمت إلا كا ... لا لسوى ودك لي ذاكا
(1/75)
________________________________________
فوصل الضمير بإلا، وحقه أن ينفصل عنه كما قال الله تعالى: (ضل من تدعون إلا إياه) وكقوله (من الطويل):
لأنت أسود في عيني من الظلم
وألف التعجب لا تدخل على أفعل، وإنما يقال: أشد سواد وحمرة وخضرة وكقوله (من الكامل):
جللاكما بي فليك التبريح
وحذف النون من (يكن) إذا استقبلها الألف واللام خطأ عند النحويين لأنها تتحرك إلى الكسر، وإنما تحذف استخفافا إذا سكنت وكقوله (من الطويل):
أمط عنك تشبيهي بما وكأنه
والتشبيه بما محال وكقوله (من الكامل):
لعظمت حتى لو تكون أمانة ... ما كان مؤتمنا بها جبرين
قال الصاحب: وقلب هذه اللام إلى النون، أبغض من وجه المنون، ولا أحسب جبرائيل عليه السلام يرضي منه بهذا المجاز، هذا على ما في البيت من الفساد والقبح
(1/76)
________________________________________
وكقوله (من الطويل):
حملت إليه من ثنائي حديقة ... سقاها الحجا سقي الرياض السحائب
أي: سقي السحائب الرياض

ومنها
الخروج عن الوزن
كقوله (من الطويل):
تفكر علم، ومنطقه حكم ... وباطنه دين، وظاهره ظرف
وقد خرج فيه عن الوزن لأنه لم يجيء عن العرب (مفاعيلن) في عروض الطويل غير مصرع، وإنما جاء (مفاعلن) قال الصاحب: ونحن نحاكمه إلى كل شعر للقدماء والمحدثين على بحر الطويل، فما نجد له على خطئه مساعدا قال القاضي أبو الحسن: وقد عيب أيضا بقوله (من الرمل):
إنما بدر بن عمار سحاب ... هطل فيه ثواب وعقاب
لأنه أخرج الرمل على (فاعلاتن) وأجرى جميع القصيدة على ذلك في الأبيات غير المصرعة، وإنما جاء الشعر على (فاعلن) وإن كان أصله في الدائرة فاعلاتن

ومنها
استعمال الغريب الوحشي
وإذا كان المتنبي من المحدثين، بل من العصريين، وجرى على رسومهم في اختيار الألفاظ المعتادة المألوفه بينهم، بل ربما انحط عنهم بالركاكة والسفسفة ثم تعاطي الغريب الوحشي، والشاذ البدوي، بل ربما زاد في ذلك على أقحاح المتقدمين حصل كلامه بين طرفي نقيض، وتعرض لاعتراض الطاعنين.
(1/77)
________________________________________
فمن ذلك الفن الذي ينادي على نفسه، ويقلق موقعه في شعره وشعر غيره من أبناء عصره قوله (من الوافر):
وما أرضي لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا
والابتشاك: الكذب، ولم أسمع فيه شعراً قديما ولا محدثا سوى هذا البيت وقله في وصف الغيث (من الوافر):
لساحيه على الأجداث حفش ... كأيدي الخيل أبصرت المخالي
الساحي: القاشر، ومنه سميت المسحاة لأنها تقشر وجه الأرض، والحفش: مصدر حفش السيل حفشياً، إذا جمع الماء من كل جانب إلى مستنقع وقوله في وصف السيف (من الخفيف):
ودقيق قدى الهباء أنيق ... متوال في مستو هزهاز
قدى: بمعنى مقدار، يقال: بينهما قيد رمح، وقدى رمح وقوله (من الكامل):
تطس الخدود كما تطسن اليرمعا
تطسن: أي تدق، واليرمع: الحجارة الرخوة وقوله (من الكامل):
وإلى حصى أرض أقام بها ... بالناس من تقبيلها يلل
اليلل: إقبال الأسنان وانعطافها على باطن الفم، ولم أسمعه في غير شعره وقوله (من الكامل):
الشمس تشرق والسحاب كنهوراً
الكنهور: القطع من السحاب العظيمة وقوله (من البسيط):
(وكيف أستر ما أوليت من حسن) ... وقد غمرت نوالا أيها النال
والنال: المعطي
وقوله (من الوافر):
(1/78)
________________________________________
أسائلها عن المتديريها
قال الصاحب: لفظة (المتديريها) لو وقعت في بحر صاف لكدرته، ولو ألقى ثقلها على جبل سام لهده، وليس وليس للمقت فيها نهاية، ولا للبرد معها غاية. المتديروها: المتخذوها داراً قال الصاحب: ومن أطم ما يتعاطاه التفاصح بالألفاظ
النافرة، والكلمات الشاذة، حتى كأنه وليد خباء، وغذي لبن، لم يطأ الحضر، ولم يعرف المدر فمن ذلك قوله (من الطويل):
أيفطمه التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
وليس ذلك ساءغا لمثله، وهو وليد قرية، ومعلم صبية ومن الجموع الغريبة التي يوردها قوله في جمع الأرض (من الوافر):
أروض الناس من ترب وخوف ... وأرض أبي شجاع من أمان
وقوله في جمع اللغة (من الطويل):
علم بأسرار الديانات واللغى
وقوله في جمع الدنيا (من الطويل)
أعز مكان في الدني سرج سابح
وقوله في جمع الأخ (من الخفيف):
كل آخائه كرام بني الدنيا
قال الصاحب: لو وقع (الآخاء) في رائية الشماخ لا ستثقل، فكيف مع أبيات منها:
قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرة في المنام
والكلام إذا لم يتناسب زيفته جهابذته، وبهرجته نقاده
(1/79)
________________________________________
ومنها
الركاكة والسفسفة
بألفاظ العامة والسوقة ومعانيهم
كقوله (من الطويل):
رماني خساس الناس من صائب أسنه ... وآخر قطن من يديه الجنادل
وقوله (من الوافر):
وإن ما ريتني فاركب حصانا ... ومثله تخر له صريعا
وقوله (من الكامل):
إن كان لا يدعي الفتى إلا كذا ... رجلا فسم الناس طرا إصبعا
وقوله (من الوافر):
قسا فالأسد تفزع من يديه ... ورق فنحن نفزع أن يذوبا
وقوله (من الوافر):
تألم درزه والدرز لين ... كما يتألم العضب الصنيعا
وعلى ذكر الدرز فقد حكى الصاحب في كتاب الروزنامجة من حديث لحظة الطولونية المغنية ما يشبه معنى هذا البيت، وهو أنه قال: سمعتها تقول: يا جارية، على بالقميص المعمول في النسج، فقد آذاني نقل الدروز وقوله (من الخفيف):
لسرى لباسه خشن القطن ... ومروى مرو لبس القرود
وقوله (من المجتث):
ما أنصف القوم ضبه ... وأمه الطرطبه
رموا برأس أبيه ... وباكوا الأم غلبه
وقوله (من البسيط):
بياض وجه يريك الشمس طالعة ... ودر لفظ يريك الدر مخشلبا
وقوله (من الكامل):
(1/80)
________________________________________
إن كان مثلك كان أو هو كائن ... فبرئت حينئذ من الإسلام
قال الصاحب: (حينئذ)، هاهنا أنفر من غير منفلت. قال: ومن ركيك صنعه، في وصف شعره، والزراية على غيره، قوله (من الخفيف):
إن بعضاً من القريض هراء ... ليس شيئاً، وبعضه أحكام
منه ما ي*** البراعة والذهن، ... ومنه ما ي*** البرسام
وقال: وههنا بيت نرضي باتباعه فيه، وما ظنك بمحكم مناويه ثقة بظهور حقه وإيراء زنده؟، ولو لم يكن التحكيم بعد أبي موسى من موجب العزم، ومقتضى الحزم، وهو (من الباطل):
أطعناك طوع الدهر يا بن ابن يوسف ... بشهوتها والحاسدو لك بالرغم
وقوله (من الخفيف):
تقضم الجمر والحديد الأعادي ... دونه قضم سكر الأهواز
وقوله (من الكامل):
فكأنما حسب الأسنة حلوة ... أوطنها البرني والآزاذا
قال الصاحب: إذا جمع السكر إلى البرني والأزاد تم الأمر. قال: وكانت الشعراء تصف المآزر، تنزيها لألفاظها عما يستشنع ذكره، حتى تخطى هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح الذي لم يهتد له له غيره فقال (من الكامل):
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
وكثير من العهر أحسن من هذا العفاف
قال القاضي: ومن أمثاله العامية قوله (من المتقارب):
(1/81)
________________________________________
وكل مكان أتاه الفتى ... على قدر الرجل فيه الخطي
ومنها إبعاد الاستعارة، والخروج بها عن حدها
كقوله (من البسيط):
مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب
وقوله (من المنسرح):
تجمعت في فؤائدهم همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها
وقوله (من الكامل):
لم يحك نائلك السحاب، وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء
وقوله (من البسيط):
إلا يشب فلقد شابت له كبد ... شيباً إذا خضبته سلوة نصلا
وقوله (من الطويل):
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل
فجعل للطيب والبيض واليلب قلوبا، وللسحاب حمى، وللزمان فؤاداً وللكبد شيباً، وهذه استعارات لم تجر شبه قريب ولا بعيد، وإنما تصح الاستعارة وتحسن على وجه من الوجوه المناسبة، وطرق من الشبه والمقاربة قال الصاحب: وما زلنا نتعجب من قول أبي تمام (من الكامل):
لا تسقني ماء الملام (فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي)
فحف علينا بحلواء البنين.
(1/82)
________________________________________
ومنها الاستكثار من قول (ذا)
قال القاضي: وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف، وربما وافقت موضعا تليق به فاكتست قبولا، فأما في مثل قوله (من الخفيف):
قد بلغت الذي أردت من البر ... ومن حق ذا الشريف عليكا
وإذا لم تسر إلى الدار في وقتك ... ذا خفت أن تسير إليكا
وقوله (من الكامل):
ولو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء
وقوله (من الكامل):
عن ذا الذي حرم الليوث كماله ... تنسى الفريسة حوفه لجماله
وقوله (من المنسرح):
وإن بكينا له فلا عجب ... ذا الحرز في البحر غير معهود
وقوله (من الطويل):
أفي كل يوم ذا ألد مستق مقدم ... قفاه على الإقدام للوجه لائم
وقوله (من الطويل):
أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقاً ... إليه، وذا الوقت الذي كنت راجيا
وقوله (من الطويل):
وأعجب من ذا الهجر، والوصل أعجب
وقوله (من البسيط):
أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه في نفسه الزمن
وقوله (من الطويل):
يضاحك في ذا اليوم كل حبيبة
فهو - كما تراه - سخافة وضعف، ولو تصفحت شعره لو جدت فيه أضعاف
(1/83)
________________________________________
ما ذكرناه من هذه الإشارة، وأنت لا تجد منها عدة دواوين جاهلية حرفاً، والمحدثون أكثر استعانة بها، لكن في الفرط والندرة، أو على سبيل الغلط والفلتة.
ومنها الإفراط في المبالغة، والخروج فيه إلى الإحالة كقوله (من الوافر):
ونالوا ما اشتهوا بالحزم هونا ... وصاد الوحش نملهم دبيبا
وقوله (من البسيط):
وضاقت الأرض حتى صارها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
فبعد وإلى ذا اليوم لو ركضت ... بالخيل في لهوات الطفل ما سعلا
وقوله (من الوافر):
وأعجب منك كيف قدرت تنشا ... وقد أعطيت في المهد الكمالا
وأقسم لو صلحت يمين شيء ... لما صلح العباد له شمالا
وقوله (من الطويل):
بمن أضرب الأمثال؟ أم من أقيسه ... إليك وأهل الدهر دونك والدهر؟
وقوله (من الطويل):
ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب
وقوله (من البسيط):
من بعد ما كان ليلي لا صباح له ... كأن أول يوم الحشر آخره
فهو مما يستهجن في صنعة الشعر، على أن كثيرا من النقدة لا يرتضون هذا الإفراط كله.
(1/84)
________________________________________
ومنها
تكرير اللفظ
في البيت الواحد من غير تحسين
كقوله (من الطويل):
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل
وقوله في هذه القصيدة:
فقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عسي كلهن قلاقل
قال الصاحب: وما زال الناس يستبشعون قول مسلم (من الكامل):
سلت وسلت ثم سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا
حتى جاء هذا المبدع فقال (من الوافر):
وأفجع من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال
وأظن المصيبة في الرائي أعظم منها في المرثى. وقوله (من الطويل):
عظمت فلما لم تكلم مهابة ... تواضعت وهو العظم عظما عن العظم
قال الصاحب: وما أحسن ما قال الأصمعي لمن أنشده (من الطويل):
فما للنوى جد النوى قطع النوى ... كذاك النوى قطاعة لوصال
لو سلط الله تعالى على هذا البيت شاة فأكلت هذا النوى كله! وقوله (من الطويل):
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
وقوله (من الوافر):
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام
وقوله (من البسيط):
العارض الهتن ابن العارض الهتن ... ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن
وقوله (من الطويل):
(1/85)
________________________________________
وإني وإن كان الدفين حبيبه ... حبيب إلى قلبي حبيب حبيبي
وقوله (من الطويل):
لك الخير غيري رام غيرك الغني ... وغيري بغير اللاذقية لاحق
وقوله (من المنسرح):
ملولة ما تدوم ليس لها ... من ملل دائم بها ملل
وقوله (من الوافر):
قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام
وقوله (من الوافر):
وكلكم أتى مأتي أبيه ... فكل فعال كلكم عجاب
وقوله (من الطويل):
وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن شعري فيك من نفسه شعر
وقوله (من الخفيف):
إنما الناس حيث أنت، وما الناس ... بناس في موضع منك خالي
وقوله (من الطويل):
ولولا تولي نفسه حمل حمله ... عن الأرض لانهدت وناء بها الحمل
وقوله (الوافر):
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل النهب من نهب القماش
وقوله (من الطويل):
وطعن كأن الطعن لا طعن عنده
وقوله (من الطويل):
أراه صغيرا قدرها عظم قدره ... فما لعظيم قدره عنده قدر
وقوله (من الوافر):
(1/86)
________________________________________
جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا ألالا
قال الصاحب: ما قدرت أن مثل هذا البيت يلج سمعا، وقد سمعت الفأفاء، ولم أسمع باللألا، حتى رأيت هذا المتكلف المتعسف، الذي لا يقف حيث يعرف.

ومنها
إساءة الأدب بالأدب
كقوله (من الكامل):
فغدا أسير قد بللت ثيابه ... بدم، وبل ببوله الأفخاذا
وقوله (من المتقارب):
وما بين كاذتي المستغير ... كما بين كاذتي البائل
وقوله (من الطويل):
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
ويقال: لما أنكر عليه (حاضت) غيره فجعله (ذابت)، وذكر البول والحيض مما لا
يحسن وقوعه في مخاطبة الملوك والرؤساء وأقبح موقعا من ذلك قوله في قصيدة يرثي بها أخت سيف الدولة، ويعزيه عنها حيث يقول (من البسيط):
وهل سمعت سلاما لي ألم بها ... فقد أطلت وما سلمت عن كثب
وما باله يسلم على حرم الملوك، ويذكر منهن ما يذكره المتغزل في قوله (من البسيط):
يعلمن حين تحيي مبسمها ... وليس يعلم إلا الله بالشيب
(1/87)
________________________________________
وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: لو عزاني إنسان عن حرمة لي بمثل هذا لألحقته بها، وضربت عنقه على قبرها. قال الصاحب: ولقد مررت على مرثية له في أم سيف الدولة تدل مع فساد الحس، على سوء أدب النفس وما ظنك بمن يخاطب بمن يخاطب ملكا في أمه بقوله (من الوافر):
بعيشك هل سلوت فإن قلبي ... وإن جانبت أرضك غير سالي؟
فيتشوق إليها، ويخطئ خطأ لم يسبق إليه، وإنما يقول مثل ذلك من يرئى أهله، فأما استعمال إياه في هذا الموضع فدال على ضعف البصر بمواقع الكلام. وفي هذه القصيدة:
رواق العز فوقك مسبطر ... وملك على ابنك في كمال
ولعل لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخذلان الرقيق الصفيق المتبر قال: ولما أبدع في هذه القصيدة واخترع قال:
صلاة الله خالفتا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال
فلا بد أدرى هذه الاستعارة أحسن أم وصفه وجه والدة ملك يرثها بالجمال أم قوله في وصف قرابتها وجواريها
أتتهن المصائب غافلات ... فدمع الحزن في دمع الدلال!؟

ومنها
الإيضاح عن ضعف العقيدة ورقة الدين
على أن الديانة ليست عيارا على الشعراء، ولا سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، ولكن للإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به قولا وفعلا ونظما ونثرا، ومن استهان بأمره، ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في موضع استحقاقه، فقد باء بغضب من الله تعالى، وتعرض لمقته في وقته، وكثيرا ما قرع المتنبي هذا الباب بمثل قوله (من الخفيف):
(1/88)
________________________________________
يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد
وقوله (من الطويل):
ونصفي الذي يكني أبا الحسن الهوى ... ونرضي الذي يسمى الإله ولا يكني
وقوله من قصيدة مدح بها العلوي (من الطويل):
وأبهر آيات التهامي أنه ... أبوكم، وإحدى ما لكم من مناقب
وقوله (من الكامل):
تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... مثل الذي الأفلاك فيه والدنا
وقد أفرط جداً؛ لأن الذي الأفلاك فيه والدنا هو علم الله عز وجل. وقوله (من المنسرح):
الناس كالعابدين آله ... وعبده كالموحد اللاها
وقوله (من الكامل):
لو كان علمك بالإله مقسما ... في الناس ما بعث الإله رسولا
أو كان لفظك فيهم ما أنزل ... التوارة والفرقان والإنجيلا
وقوله (من الكامل):
لو كان ذو القرنين أعمل رأيه ... لما أتى الظلمات صرن شموساً
أو كان صادف رأٍس عازر سيفه ... في يوم معركة لأعيا عيسى
عازر: اسم الرجل الذي أحياه المسيح عليه الصلاة والسلام، بإذن الله عز وجل.
أو كان لج البحر مثل يمينه ... ما انشق حتى جاز فيه موسى
وكأن المعاني أعيته حتى التجأ إلى استصغار أمور الأنبياء، وفي هذه القصيدة:
يا من نلوذ من الزمان بظله ... أبداً، ونطرد باسمه إبلسنا
وقوله وقد جاوز حد الإساءة (من مجزوء الرجز):
أي محل أرتقي؟! ... أي عظيم أتقي؟!
(1/89)
________________________________________
وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق
محتقر في همتي كشعرة في مفرقي
وقبيح بمن أوله نطفة مذرة، وآخر جيفة قذرة، وهو فيما بينهما حامل بول وعذرة، أن يقول مثل هذا الكلام الذي لا تسعه معذرة.

ومنها
الغلط بوضع الكلام في موضعه
كقوله (من الوافر):
أغار من الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحسين
وهذه الغيرة إنما تكون بين المحب ومحبوبه، كما قال أبو الفتح كشاجم وأحسن (من الوافر):
أغار إذا دنت من فيه كأس ... على در يقلبه الزجاج
فأما الأمراء والملوك فلا معنى للغيرة على شفاهها! وكقوله (من المتقارب):
وغر الدمستق قول الوشاة ... إن علياً ثقيل وصب
فجعل الأمراء يوشي بهم، وإنما الوشاية السعاية ونحوها (من الرعية)،
ومن شأن الممدوح أن يفضل على عدوه، ويجري العدو مجرى بعض أصحابه وليس في اللغة أن يقال: وشي فلان بالسلطان إلى بعض رعيته. وكقوله في وصف الحمى المعرقة (من الوافر):
إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام
وليس الحرام أخص بالاغتسال منه من الحلال. وكقوله في وصف مهره (من الرجز):
وزاد في الأذن على الخرانق
(1/90)
________________________________________
وأذن الفرس يستحب فيها الدقة والانتصاب، وتشبه بطرف القلم، وأذن الأرنب، على الضد من هذا الوصف.

ومنها
امتثال ألفاظ المتصوفة
واستعمال كلماتهم المعقدة، ومعانيهم، في مثل قوله في وصف فرس (من الطويل):
(تسعدني في غمرة بعد غمرة) ... سبوح لها منها شواهد
وقوله (من الوافر):
إذا ما الكأس أرعشت اليدين ... صحوت فلم تحل بيني وبيني
وقوله (من الطويل):
أفيكم فتى حي يخبرني عني ... بما شربت مشروبة الراح من ذهني
وقوله (من مخلع البسيط):
نال الذي نلت منه مني ... لله ما تصنع الخمور!
وقوله (من الكامل):
كبر العيان على حتى إنه ... صار اليقين من العيان توهما
وقوله (من الكامل):
وبه يضن على البرية، لا بها ... وعليه منها، لا عليها، يوسى
وقوله (من الوافر):
ولولا أنني في غير نوم ... لكنت أظنني مني خيالا
قال الصاحب: ولو وقع قوله (من الخفيف):
نحن من ضايق الزمان له فيك، ... وخانته قربك الأيام
في عبارات الجنيد والشبلي لتنازعته المتصوفة دهرا بعيدا
ومن أشد قاله في هذا المعنى قوله (من الطويل):
ولكنك الدنيا إلى حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب
(1/91)
________________________________________
ومنها
الخروج عن طريق الشعر
إلى طريق الفلسفة
كقوله (من الكامل):
ولجدت حتى كدت تبخل حائلا ... للمنتهى، ومن السرور بكاء
وقوله (من الخفيف):
والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون قبل الفراق
وقوله (من الخفيف):
إلف هذا الهواء أوقع في الأنفس ... أن الحمام مر المذاق
وقوله (من البسيط) ك
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شحب والخلف في الشجب
فيقل: تخلص نفس المرء سالمة، ... وقيل: تشرك جسم المرء في العطب
وقوله (من الكامل):
خلف ت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا
وقوله (من الوافر):
تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كري تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
قال ابن جني: أرجو أن لا يكون أراد بذلك أن نومة القبر لا انتباه لها.
(1/92)
________________________________________
ومنها
استكراه التخلص
قال القاضي: لعلك لا تجد في شعره تخلصا مستكرها إلا قوله (من الوافر):
أحبك أو يقولوا: جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا
فأما قوله (من الطويل):
فأفني وما أفتنه نفسي، كأنما ... أبو الفرج القاضي دونها كهف
وقوله (من البسيط):
لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
وقوله (من الطويل):
أعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب
وبحر أبو المسك الخضم الذي له ... على كل بحر زخرة وعباب
فهي وإن لم تسكن مستحسنة مختارة فليست بالمستهجن الساقط.

ومنها
قبح المقاطع
كقوله بعد أبيات أحسن فيها غاية الإحسان، وترقى الدرجة العالية، وهي (من الطويل):
ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان
أتلتمس الأعداء بعد الذي رأت ... قيام دليل أو وضوح بيان؟
رأت كل من ينوي لك الغدر يبتلى ... بغدر حياة أو بغدر زمان
قضى الله يا كافور أنك واحد ... وليس يقاض أن يرى لك ثاني
فما لك تختار القسي، وإنما ... عن السعد ترمي دونك الثقلان
(1/93)
________________________________________
وما لك تعنى بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنان؟!
ولم تحمل السيف الطويل نجاده ... وأنت غني عنه بالحدثان
أرد لي جميلا جدت أو لم تجد به ... فإنك ما أجببت في أتاني

هذا البيت الذي هو عوذتها
لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيء عن الدوران

وقوله في قصيدة منها [من الكامل]
في خطة من كل قلب شهوة ... حتى كأن مداده الأهواء
ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء

هذا البيت الذي جعله المقطع
لو لم تكن من ذا الورى الذي منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء

وكقوله في آخر قصيدة [من الكامل]
خلت البلاد من الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كي لا تحزنا
* * *

[المحاسن]
هذا آخر المقابح والمعائب. وأول المحاسن والروائع والبدائع والقلائد والفرائد التي زاد فيها على ما تقدم. وسبق جميع من تأخر

فمنها حسن المطالع
كقوله [من الطويل]
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا ... فإن كنت الشرق للشمس والغربا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به كربا

وقوله [من الكامل]
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
(1/94)
________________________________________
فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان
وقوله (من الطويل):
إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعراً متيم؟
لحب ابن عبد الله أولى: فإنه ... به يبدأ الذكر الجميل ويختم
وقوله (من البسيط):
أعلى الممالك ما بيني على الأسل ... والطعن عند محبيهن كالقبل
وقوله (من الوافر):
فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما يهب اللئام
وقوله (من البسيط):
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
وقوله (من الكامل):
اليوم عهدكم فأين الموعد ... هيهات ليس ليوم عهدكم غد؟
الموت أقرب مخلبا من بينكم ... والعيش أبعد لا تبعدوا لا تبعدوا
وقوله (من البسيط):
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم

ومنها
حسن الخروج والتخلص
وكقوله (من البسيط):
مرت بنا بين فقلت لها: ... من أين جانس هذا الشادن العربا
(1/95)
________________________________________
فاستضحكت ثم قالت: كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا
وقوله (من الطويل):
وغيث ظننا تحته أن عامرا ... علا لم يمت أوفى السحاب له قبر
وقوله (من الطويل):
وإلا فخانتني القوافي، وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
إذا صلت لم أترك مصالا لصائل ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالم
وقوله (من الطويل):
نودعهم والبين فينا كأنه ... قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق
وقوله (من الكامل):
ومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحش كن من أقواتها
أقبلتها غرر البلاد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
وقوله (من الكامل):
حدق يذم من القواتل غيرها ... بدر بن عمار بن إسماعيلا
وقوله (من المتقارب):
ولو كنت في أسر غير الهوى ... ضمنت ضمان أبي وائل
فدى نفسه بضمان النضار ... وأعطى صدور القنا الذابل
(1/96)
________________________________________
ومنها
النسيب بالأعرابيات
وكقوله (من البسيط):
من الجآذر في زي الأعاريب ... حمر الحلي والمطايا والجلابيب؟
إن كنت تسأل شكا في معارفها ... فمن بلاك بتسهيد وتعذيب؟
سوائر ربما سارت هوادجها ... منيعة بين مطعون ومضروب
أي: لكثرة الرغبة فيهن، وشدة الذب عنهن، والمحاربة دونهن
وربما وخدت أيدي المطي بها ... على نجيع من الفرسان مصبوب
كم زورة لي في الأعراب خافية ... أدهى وقدر قدوا من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
قد وقع التنبيه على هذا البيت في شرف لفظه ومعناه، وجودة تقسمه، وكونه أمير شعره
قدوا فقوا الوحش في سكني مراتعها ... وخالفوها بتقويض وتطنيب
فؤاد كل محب في بيوتهم ... ومال كل أخيذ المال محروب
ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب
ومن هوى كل من ليست مموهة ... تركت لون مشيبي غير مخضوب
ومن هوى الصدق في قولي وعادته ... رغبت عن شعر في الوجه مكذوب
وناهيك بهذه الأبيات جزالة في وصف البدويات قد تفرد بحسنها وأجاد ما شاء فيها، فمنها قوله (من البسيط):
(1/97)
________________________________________
هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتاً من القلب لم تضرب به طنبا
مظلومة القد في تشبهه غصنا ... مظلومة الريق في تشبيهه ضربا
وقوله (من الكامل):
إن الذين أقمت واحتملوا ... أيامهم لديارهم دول
الحسن يرحل كلما رحلوا ... معهم، وينزل حيثما نزلوا
في مقلتي رشأ تديرهما ... بدوية فتنت بها الحلل
تشكو المطاعم طول هجرتها ... وصدودها ومن الذي تصل
وصفها بقلة الطعم، وهي محمودة في نساء العرب
ما أسارت في القعب من لبن ... تركته وهو المسك والعسل
قالت ألا تصحو فقلت لها ... أعلمتني أن الهوى ثمل
وقوله (من الطويل):
ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم
حسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسادهن النواعم
ويبسمن عن در تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسم

ومنها
حسن التصرف في سائر الغزل
كقوله (من الكامل):
قد كان يمنعني الحياء من البكا ... فالآن يمنعه البكا أن يمنعا
حتى كأن لكل عظم رنة ... في جلده ولكل عرق مدمعا
(1/98)
________________________________________
سفرت وبرقعها الحياء بصفرة ... سترت محاسنها ولم تك برقعا
فكأنها والدمع يقطر فوقها ... ذهب بسمطي لؤلؤ قد رصعا
كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
وهي مما يتغنى به لرشاقتها وبلوغها كل مبلغ من حسن اللفظ وجودة المعنى، واستحكام الصنعة وكقوله (من الوافر):
أيدري الربع أي دم أراقا؟ ... وأي قلوب هذا الركب شاقا؟
لنا ولأهله أبداً قلوب ... تلاقي في جسوم ما تلاقي
معناه بنظر إلى قول ابن المعتز (من الرجز):
إنا على البعاد والتفرق ... لنلتقي بالذكر إن لم نلتقي

ومنها:
فليت هوى الأحبة كان عدلا ... فحمل كل قلب ما أطاقا

ومنها:
وقد أخذ التمام البدر فيهم ... وأعطاني من السقم المحاقا
وبين الفرع والقدمين نور ... يقود بلا أزمتها النياقا
وطرف إن سقي العشاق كأساً ... بها نقص سقانيها دهاقا
وخصر تثبت الأحداق فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا
وقوله (من المنسرح):
كأنما قدها إذا انفتلت ... سكران من خمر طرفها ثمل
يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنه من فراقها وجل
(1/99)
________________________________________
وقوله (من الكامل):
مثلت عينك في حشاى جراحة ... فتشابها كلتاهما نجلاء
نفذت على السابري، وربما ... تندق فيه الصعدة السمراء
وكقوله (من الوافر):
كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا
لبسن الوشى لا متجملات ... ولكن كي يصن به الجمالا
وضفرن الغدائر لا لحسن ... ولكن خفن في الشعر الضلالا

ومنها
حسن التشبيه بغير أداة التشبيه
كقوله (من الوافر):
بدت قمراً، ومالت غصن بان ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا
وقوله (من البسيط):
ترنو إلى بعين الظبي مجهشة ... وتمسح الطل فوق الورد بالعنم
وقوله (من الكامل):
قمراً ترى وسحابتين بموضع ... من وجهه ويمينه وشماله
وقوله (من البسيط):
أعارني سقم عينيه وحملني ... من الهوى ثقل ما تحوى مآزره
وقوله (من الوافر):
عرفت نوائب الحدثان حتى ... لو انتسبت لكنت لها نقيبا
(1/100)
________________________________________
وقوله (من الكامل):
فأتيت معتزما ولا أسد ... ومضيت منهزما ولا وعل
وقوله في وصف الخيل (من المتقارب):
خرجنا من النقع في عارض ... ومن عرق الركض في وابل
وقوله (من الخفيف):
وجياد يدخلن في الحرب أعراء ... ويخرجن من دم في جلال
واستعار الحديد لونا وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال

ومنها
الإبداع في سائر التشبيهات والتمثيلات
كقوله (من الطويل):
وإن نهاري ليلة مدلهة ... على مقلة من فقدكم في غياهب
بعيد ما بين الجفون كأنما ... عقدتم أعالي كل هدب بحاجب
ذكر ابن جني أنه مثل قول بشار (من الوافر):
جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار
وذكر القاضي أنه مأخوذ من قول الطرمي في رطاناته (من الطويل):
ورأسي مرفوع إلى النجم كأنما ... قفاي إلى صلبي بخيط مخيط
وقوله (من الطويل):
كأن سهاد يعشق مقلتي ... فبينهما في كل هجر لنا وصل
وقوله (من الطويل):
رأيت الحميا في الزجاج بكفه ... فشبهتها بالشمس في البدر في البحر
(1/101)
________________________________________
وقوله في الحمى (من الوافر):
وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا بالظلام
بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي
وقوله في وصف الظبي (من الرجز):
أغناه حسن الجيد عن لبس الحلى ... وعادة العرى عن التفضل
كأنه مضمخ بصندل
وقوله في سرعه الأوبة وتقليل اللبث (من الوافر):
وما أنا غير سهم في هواء ... يعود ولم يجد فيه امتساكا
قال: ابن جني: قد اختلف أهل النظر في هذا الموضع، فقال قوم: إن السهم والحجر ونحوهما إذا رمى به صعدا فتناهي صعوده كانت له آخر ذلك لبثة ما، ثم يتصوب منحدرا، وقال آخرون: لا لبثة له هناك، وإنما أول وقت انحداره آخر
وقت صعوده. وقوله - وهو أحسن ما قيل في وصف محنة نهكت صاحبها، واشتدت به، ثم عاد إلى حال السلامة وقد هذبته تلك وزادته صفاء وسهولة (من الوافر):
وربتما شفيت غليل صدري ... بسير أو مقام أو حسام
وضاقت خطة فخرجت منها ... خروج الخمر من نسج الفدام
وقوله وهو مما لم يسبق إليه (من الطويل):
كريم نفضت الناس لما لقيته ... كأنهم ما جف من زاد قادم
وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركه في عمري المتقادم
وقوله وهو من بدائعه (من الوافر):
رضوا بك كالرضا بالشيب قسراً ... وقد وخط النواصي والفروعا
(1/102)
________________________________________
وقوله في وصف الشعر (من البسيط):
إذا خلعت على عرض له حللا ... وجدتها منه في أبهى من الحلل
بذي الغباوة من إنشادها ضرر ... كما نضر رياح الورد بالجعل
وذلك أن الجعل إذا طرح عليه الورد غشى عليه

ومنها
التمثيل بما هو من جنس صناعته
كقوله (من البسيط):
وإنما نحن في جيل سواسية ... شر على الحر من سقم على البدن
حولي بكل مكان منهم خلق ... تخطى إذا جئت في استفهامها بمن
(من) إنما يستفهم بها يعقل بها عمن يعقل، يقول: هؤلاء كالبهائم، فقولك لهم (من أنتم) خطأ، إنما ينبغي أن يقال لهم (ما أنتم) لأن موضع (ما) لما لا يعقل، ويحكي
أن جريرا لما قال (من البسيط):
يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا
قال الفرزدق: ولو كان ساكنه قروداً؟ فقال له جرير: لو أردت هذا لقلت ما كان ولم أقل من كانا. وكقوله (من البسيط):
نتاج رأيك في وقت على عجل ... كالفظ حرف وعاه سامع فهم
وقوله (من البسيط):
من اقتضى بسوي الهندي حاجته ... أجاب سؤال عن هل بلم
وقوله (من الكامل):
أمضى إرادته فسوف له قد ... واستقرب الأقصى فثم له هنا
(سوف) للاستقبال، و (قد) موضوعة للمضي ومقاربة الحال، يقول:
(1/103)
________________________________________
إذا نوى أمراً فكأنما نيته. وقوله (من الكامل):
دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقهما وضم الشاكل
وقوله (من الوافر):
ولولا كونكم في الناس كانوا ... وهراء كالكلام بلا معان
وقوله (من الطويل):
قشير وبلعجان فيها خفية ... كراءين في ألفاظ ألثغ ناطق
وقوله (من الطويل):
إذا كان ما تنويه فعلا مضارعاً ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
المضارع ما كان في أوله إحدى الزوائد الأربع، مثل: أقوم، ونقوم، وتقوم، ويقوم. يقول: إذا نويت فعلا أوقعته قبل فوته، وقبل أن يقال لم يفعل، وأن يفعل، وقوله (من الوافر):
وكان ابنا عدو كأثراه ... له يآءي حروف أنيسيان
(أنيسيان) تصغير إنسان وتحقيره، وإنسان عدد حروفه خمسة، وهو اسم مكبر، فإذا صغرته زدت عليه ياءين فزادت حروفه ونقص معناه، فكذاك إذا كان لعدوه ابنان فكأثره بهما، فيكونان زائدين في عدده ولكن ناقصين، لسقوطهما وتخلفهما

ومنها
المدح الموجه
كالثوب له وجهان ما منهما إلاحسن، كقوله (من الطويل):
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
(1/104)
________________________________________
قال ابن جني: لو لم يمدح أبو الطيب سيف الدولة إلا بهذا البيت وحده لكان قد بقى فيه ما لا يخافه الزمان، وهذا هو المدح الموجه، لأنه بنى البيت على ذكر كثرة ما استباحه من أعمار أعدائه، ثم تلقاه من آخر البيت بذكر سرور الدنيا ببقائه، واتصال أيامه. وكقوله (من البسيط):
عمر العدو إذا لاقاه في رهج ... أقل من عمر ما يحوى إذا وهبا
مال كأن غراب البين يرقبه ... فكلما قيل هذا مجتد نعبا
وقوله (من المنسرح):
تشرق تيجانه بغرته ... إشراق ألفاظه بمعناها
وقوله (من المنسرح):
تشرق أعراضهم وأوجهم ... كأنما في نفوسهم شيم
وقوله (من الطويل):
إلى كم ترد الرسل فيما أتوا له ... كأنهم فيما وهبت ملام
وقوله (من الطويل):
يخيل لي أن البلاد مسامعي ... وأني فيها ما تقول العواذل
وقوله (من البسيط):
كأن ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا

ومنها
التصرف في مدح سيف الدولة بجنس السيفية
كقوله (من المتقارب):
لقد رفع الله من دولة ... لها منك يا سيفها منصل
وقوله (من الكامل):
لولا سمي سيوفه ومضاؤه ... لما سللن لكن كالأجفان
(1/105)
________________________________________
وقوله (من الطويل):
عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل
وقوله (من البسيط):
يسمى الحسام وليست من مشابهة ... وكيف يشتبه المخدوم والخدم
كل السيوف إذا طال الضراب بها ... يمسها - غير سيف الدولة - السأم
وقوله (من الطويل):
تهاب سيوف الهند وهي حدائد ... فكيف إذا كانت نزارية عربا
وقوله (من الطويل):
تحير في سيف: ربيعة أصله ... وطابعه الرحمن، والمجد صاقل
وقوله (من الخفيف):
قلد الله دولة سيفها أنت ... حساما بالمكرمات محلى
فإذا اهتز للندى كان بحراً ... وإذا اهتز للعدا كان نصلا
وقوله (من الطويل):
وأنت حسام الملك والله ضارب ... وأنت لواء الدين والله عاقد
وقوله (من الطويل):
لقد سل سيف الدولة المجد معلما ... فلا المجد مخفيه ولا الضرب ثالمه
على عاتق الملك الأغر نجاده ... وفي يد جبار السموات قائمه
وإن الذي سمي عليا لمنصف ... وإن الذي سماه سيفا لظالمه
وما كل سيف يقطع الهام حده ... وتقطع لزبات الزمان مكارمه
وقوله (من الكامل):
إن الخليفة لم يسمك سيفه ... حتى بلاك فكنت عين الصارم
وإذا تتوج كنت درة تاجه ... وإذا تختم كنت فص الخاتم
(1/106)
________________________________________
وقوله (من الكامل):
من للسيوف بأن تكون سميها ... في أصله وفرنده ووفائه
طبع الحديد فكان من أجناسه ... وعلى المطبوع من آبائه

ومنها
الإبداع في سائر مدائحه
كقوله (من الكامل):
ملك سنان قناته وبنانه ... يتباريان دما وعرفا ساكبا
يستصغر الخطر الكبير لوفده ... ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالشمس في كبد السماء وضوؤها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
كالبحر يقذف القريب جواهرا ... جودا، ويبعث للبعيد سحائبا
وقوله (من الكامل):
ليس التعجب من مواهب ماله ... بل من سلامتها إلى أوقاتها
عجباً له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
لو مر يركض في سطور كتابه ... أحصى بحافر مهره ميماتها
كرم تبين في كلامك مائلا ... ويبين عتق الخيل في أصواتها
أعيا زوالك عن محل نلته ... لا تخرج الأقمار من هالاتها
فيه مدح، ومثل مضروب، وتشيبه نادر
ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... أنت البديع الفرد من أبياتها
وهذا البديع الفرد من أبيات هذه القصيدة، وكقوله (من الطويل):
ومازلت حتى قادني الشوق نحوه ... يسايرني في كل ركب له ذكر
(1/107)
________________________________________
واستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر
هذا ضد قولهم (تسمع بالمعيدي خبر من أن تراه)
أزالت بك الأيام عتبي كأنما ... بنوها لها ذنب وأنت لها عذر
وكقوله (من الطويل):
ألا أيها المال الذي قد أباده ... تعز فهذا فعله بالكتاب
لعلك في وقت شغلت فؤاده ... عن الجود أو أكثرت جيش محارب
وقوله (من الخفيف):
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي
وتكاد الظبا لما عودوها ... تنتضي نفسها إلى الأعناق
كل ذمر يزيد في الموت حسناً ... كبدور تمامها في المحاق
كرم خشن الجوانب منهم ... فهو كالماء في الشفار الرقاق
ومعال إذا ادعاها سواهم ... لزمته جناية السراق
وكقوله (من الخفيف):
خير أعضائنا الرءوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
وكقوله (من المنسرح):
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم
كأنما يولد الندى معهم ... لاصغرن عاذر ولا هرم
إذا تولوا عداوة كشفوا ... وإن تولوا صنعية كتموا
تظن من فقدك اعتداهم ... بأنهم أنعموا وما علموا
إن برقوا فالحتوف حاضرة ... أو نطقوا فالصواب والحكم
أو شهدوا الحرب لاقحاً أخذوا ... من مهج الدارعين ما احتكموا
أو حلفوا بالغموس واجتهدوا ... فقولهم (خاب سائلي) القسم
(1/108)
________________________________________
أو ركبوا الخيل غير مسرجة ... فإن أفخاذهم لها حزم
تشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها في نفوسهم شيم
أعيذكم من صروف دهركم ... فانه في الكرام متهم
وكقوله (من المنسرح):
الناس ما لم يروك أشباه ... والدهر لفظ وأنت معناه
والجود عين وأنت ناظره ... والبأس باع وأنت يمناه
يا راحلا كل من يودعه ... مودع دينه وديناه
إن كان فيما تراه من كرم ... فيك مزيد فزادك الله
وكقوله (من البسيط):
تمشى الكرام على آثارهم غيرهم ... وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
من كان فوق ومحل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
وكقوله (من الطويل):
فلما رأوه وحده دون جيشه ... دروا أن كل العالمين فضول
وكقوله (من الطويل):
وأوردهم صدر الحصان وسيفه ... فتى بأسه مثل العطاء جزيل
جواد على العلات بالمال كله ... ولكنه بالدارعين بخيل
وكقوله (من الطويل):
أرى كل ذي ملك إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول
إذا أمطرت منهم ومنك سحابة ... فوابلهم طل وطلك وابل
وقوله (من الطويل):
ودانت له الدنيا فأصبح جالساً ... وأيامه فيما يريد قيام
وكل أناس يتبعون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام
(1/109)
________________________________________
ورب جواب عن كتاب بعثته ... وعنوانه للناظرين قتام
وكقوله (من الطويل):
هم المحسنون الكر في حومة الوغى ... وأحسن منهم كرهم في المكارم
ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدوة في البهائم
وكقوله (من المنسرح):
أغر أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكثروا الذي فعلوا
إنك من معشر إذا وهبوا ... ما دون أعمارهم فقد بخلوا
كتيبة لست ربها نفل ... وبلدة لست حليها عطل
وكقوله (من المنسرح):
لو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... منفعة عندهم ولا جاها
وكقوله (من الطويل):
فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضاً خلفها ومآقيا
وهذا أحسن ما يمدح به ملك أسود، ولا نهاية لحسنه، وشرف معناه، وجودة تشبيه وتمثيله:
ترفع عن عون المكارم فعله ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا
أبا الطيب، لا أبا المسك وحده، ... وكل سحاب لا أخص الغواديا
يدل بمعنى واحد كل فاخر ... وقد جمع الرحمن فيك المعانيا
(1/110)
________________________________________
ألم فيه يقال أبي نواس (من المجتث):
كأنما أنت شيء ... حوى جميع المعاني

ومنها
مخاطبة الممدوح من الملوك
بمثل مخاطبة المحبوب والصديق، مع الإحسان
والإبداع
وهو مذهب له: تفرد به، واستكثر من سلوكه، اقتدار منه، وتبحراً في الألفاظ والمعاني، ورفعا لنفسه عن درجة الشعراء، وتدريجا لها إلى مماثلة الملوك، في قوله لكافور (من الطويل):
وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغي عليه ثواب
وما شئت إلا أن أدل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب
وأعلم قوماً خالفوني فشرقوا ... وغربت، أني قد ظفرت وخابوا
إذا نلت منك الود فالمال هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
وقوله له (وقد أهداه مهرا أسود) (من الطويل):
فلو لم تكن في مصر ما سرت نحوها ... بقلب المشوق المستهام المتيم
وقوله لابن العميد (يودعه) (من الطويل):
تفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد
فجد لي بقلب إن رحلت فإنني ... مخلف قلبي عند من فضله عندي
وقوله لعضد الدولة (من الوافر):
أروح وقد ختمت على فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت حفظت طرفي ... فلم أبصر به حتى أراكا
من قصيدة تشتمل على أبيات من هذا الطراز، سأكتبها في آخر الباب وكقوله لسيف الدولة (من البسيط):
(1/111)
________________________________________
مالي أكتم حباً قد بري جسدي ... وتدعي حب سيف الدولة الأمم؟
إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام، وأنت الخصم والحكم
إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح - إذا أرضاكم - ألم
وبيننا، لو رعيتم ذاك، معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي تقتضي كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخادة الرسم
لئن تركنا ضميراً عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم
شر البلاد بلاد لا صديق بها ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
وهي - على براعتها، واستقلال أكثر أبياتها بأنفسها - تكاد تدخل في باب إسادة الأدب بالأدب، وقد تقدم ذكره.
(1/112)
________________________________________
ومنها
استعمال ألفاظ الغزل والنسيب
في أوصاف الحرب والجد
وهو أيضا مما لم يسبق إليه، وتفرد به، وأظهر فيه الحذق بحسن النقل، وأعرب عن جودة التصرف والتلعب بالكلام. كقوله (من البسيط):
أعلى المماليك ما بيني على الأسل ... والطعن عند محبيهن كالقبل
وقوله، وهو من فرائده (من الطويل):
شجاع كأن الحرب عاشقة له ... إذا زارها فدته بالخبل والرجل
وكقوله (من البسيط):
وكم رجال بلا أرض لكثرتهم ... تركت جمعهم أرضاً بلا رجل
ما زال طرفكٍ يجري في دمائهم ... حتى مشى الشارب الثمل
وكقوله (من المنسرح):
والطعن شرر والأرض واجفة ... كأنما في فؤادها وهل
قد صبغت خدها الدماء كما ... يصبغ خد الخريدة الخجل
والخيل تبكي جلودها عرقا ... بأدمع ما تسحها مقل
وكقوله (من الطويل):
تعود أن لا تقضم الحب خليه ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق
ولا ترد الغدران إلا وماؤها ... من الدم كالريحان تحت الشقائق
وكقوله (من الكامل):
فأتتك دامية الأظل كأنما ... حذيت قوائمها العقيق الأحمرا
وإذا الحمائل ما يخدن بنفنف ... إلا شققن عليه برداً أخضرا
وكقوله (من الكامل):
قد سودت شجر الجبال شعورهم ... فكأن فيه مسفة الغربان
(1/113)
________________________________________
وجرى على الورق النجيع القاني ... فكأنه النارنج في الأغصان
وكقوله (من الوافر):
حمى أطراف فارس شمري ... يحض على التباقي في التفاني
بضرب هاج أطراب المنايا ... سوى ضرب المثالث والمثاني
كأن دم الجماجم في العناصي ... كسا البلدان ريش الحيقطان
فلو طرحت قلوب العشق فيها ... لما خافت من الحدق الحسان
وكقوله (من الطويل):
كر عن بسبت في إناء من الورد

ومنها
حسن التقسيم
حكى أبو القاسم الآمدي في كتاب الموازنة بين شعري الطائيين، قال: سمع بعض الشيوخ من نقدة الشعر قول العباس بن الأحنف (من الطويل):
وصالكم هجر، وحبكم قلى ... وعطفكم صد، وسلمكم حرب
وأنتم بحمد الله فيكم فظاظة ... وكل ذلول من مراكبكم صعب
فقال: هذا أحسن من التقسيمات إقليدس، وقول أبي الطيب المتنبي في هذا الفن أولى بهذا الوصف (من البسيط):
ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك ... ملء الزمان وملء السهل والجبل
(1/114)
________________________________________
فنحن في جذل، والروم في وجل ... والبر في شغل، والبحر في خجل
وكقوله (من البسيط):
والدهر معتذر، والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا، والقتل ما ولدوا، ... والنهب ما جمعوا، والنار ما زرعوا
وقوله (من الطويل):
فلم يخل من نصر له من له يد ... ولم يخل من شكر له من له فم
ولم يخل من أسمائه عود منبر ... ولم يخل دينار ولم يخل درهم
وقوله (من الوافر):
قليل عائدي، سقم فؤادي، ... كثير حاسدي، صعب مرامي
عليل الجسم ممتنع القيام ... شديد السكر من غير المدام
وقوله (من المتقارب):
بمصر ملوك لهم ماله ... ولكنهم ما لهم همه
فأجود من جودهم بخله ... وأحمد من حمدهم ذمه
وأشرف من عيشهم موته ... وأنفع من وجدهم عدمه
وقوله (من البسيط):
لم نفتقد بك من مزن سوى لثق ... ولا من البحر غير الريح والسفن
ولا من الليث إلا قبح منظره ... ومن سواه سوى ما ليس بالحسن
وقوله (من الطويل):
يجل عن التشبيه: لا الكف لجة ... ولا هو ضرغام، ولا الرأي مخذم
ولا جرحه يؤسي، ولا غوره يرى ... ولا حده ينبو ولا يتثلم
محلك مقصود، وشانيك مفحم ... ومثلك مفقود، ونيلك خضرم
(1/115)
________________________________________
وقوله (من الطويل):
أذم إلى هذا الزمان أهيله ... فأعلمهم فدم، وأحزمهم وغد
وأكرمهم كلب، وأبصرهم عم، ... وأسهدهم فهد، وأشجعهم قرد
وقوله (من الكامل):
وغناك مسألة، وطيشك نفحة ... ورضاك فيشلة، وربك درهم
وقوله (من الخفيف):
عربي لسانه، فلسفي ... رأيه، فارسية أعياده
وقوله (من الطويل):
سقتني بها القطربلي مليحة ... على كاذب من وعدها ضوء صادق
سهاد لأجفان، وشمس لناظر، ... وسقم لأبدان، ومسك لناشق
وأغيد يهوى نفسه كل عاقل ... عفيف، ويهوى جسمه كل فاسق

ومنها
حسن سياقة الأعداد
وكقوله (من الطويل):
على ذا مضى الناس: اجتماع وفرقة ... وميت ومولود، وقال ووامق
وقوله (من الطويل):
ألا أيها السيف ليس مغمداً ... ولا فيه مرتاب، ولا منه عاصم
هنيئا لضرب الهام والمجد والعلا ... وراجيك والإسلام أنك سالم
وقوله (من الكامل):
لا بستحي أحد يقال له ... فضلوك آل بويه أو فضلوا
(1/116)
________________________________________
قدروا عفوا، وعدوا وفوا، سئلوا ... أغنوا، علوا أعلموا، ولوا عدلوا
وقوله (من قصيدة يمدح بها سيف الدولة) (من الطويل):
ورب جواب عن كتاب بعثته ... وعنوانه للناظرين قتام
حرف هجاء الناس فيه ثلاثة: ... جواد، ورمح ذابل، وحسام
لم سمى الجيش جوابا جعل حروفه جواداً ورمحاً وحساماً، اقتداراً واتساعا في الصنعة. وقوله (من البسيط):
ومرهف سرت بين الجحفلين به ... حتى ضربت وموج الموت يلتطم
فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
قال ابن جني: قد سبق الناس إلى ذكر ما جمعه في هذا البيت، ولكن لم يجتمع مثله في بيت ما علمت، وقد قال البحتري (من الخفيف):
اطلبا ثالثاً سواي فإني ... رابع العيس والدجى والبيد
وهذا اللفظ عذب، ولكن ليس فيه جميع ما في بيت المتنبي، وقوله (من البسيط):
أنت الجواد بلا من ولا كدر ... ولا مطال ولا وعد ولا مذل
وقوله (من المنسرح):
بي حر شوق إلى ترشفها ... ينفصل الصبر حين يتصل
فالثغر والفجر والمخلخل والمعصم ... دائي، والفاحم الرجل
وقوله (من الطويل):
ولكن بالفسطاط بحراً أزرته ... حياتي ونصحي والهوى والقوافيا
وقوله (من الطويل):
أميناً وإخلافا وغدرا وخسة ... وجبنا، أشخصاً لحت لي أم مخازيا؟
(1/117)
________________________________________
ومنها
إرسال المثل في أنصاف الأبيات
كقوله (من الطويل):
مصائب قوم عند قوم فوائد
وقوله (من الطويل):
ومن قصد البحر استقل السواقيا
وقوله (من الطويل):
وخير جليس في الزمان كتاب
وقوله (من البسيط):
إن المعارف في أهل النهى ذمم
وقوله (من البسيط):
وربما صحت الأجسام بالعلل
وقله (من الوافر):
وفي الماضي لمن بقي اعتبار
وقوله (من المتقارب):
وتأبى الطباع على الناقل
وقوله (من المتقارب):
ومنفعة الغوث قبل العطب
وقوله (من الكامل):
هيهات تكتم في الظلام مشاعل
وقوله (من المنسرح):
ومخطئ من رميه القمر
(1/118)
________________________________________
وقوله (من الوافر):
وما خير الحياة بلا سرور
وقوله (من البسيط):
بجبهة العير يفدي حافر الفرس
وقوله (من المتقارب):
ولا رأى في الحب للعاقل
وقوله (من الطويل):
ولكن طبع النفس للنفس قائد
وقوله (من البسيط):
وليس يأكل إلا الميت الضبع
وقوله (من الخفيف):
كل ما يمنح الشريف الشريف
وقوله (من المنسرح):
والجوع يرضي الأسود بالجيف
وقوله (من المتقارب):
ومن فرح النفس ما يقتل
وقوله (من الطويل):
ويستصحب الإنسان من لا يلائمه
وقوله (من البسيط):
إن النفيس غريب حيثما كانا
وقوله (من الكامل):
فمن الرديف وقد ركبت غضنفراً
(1/119)
________________________________________
وقوله (من الطويل):
إذا عظم المطلوب قل المساعد
وقوله (من البسيط):
ومن يسد طريق العارض الهطل
وقوله (من الوافر):
وأدنى الشرك في نسب جوار
وقوله (من الطويل):
لا تخرج الأقمار من هالاتها
وقوله (من الرجز):
إن النفوس عدد الآجال
وقوله (من الطويل):
ولكن صدم الشر بالشر أحزم
وقوله (من البسيط):
أنا الغريق فما خوفي من البلل
وقوله (من الطويل):
أشد من السقم الذي أذهب السقما
وقوله (من الوافر):
فإن الرفق بالجاني عتاب
وقوله (من الكامل):
إن القليل من ****** كثير
(1/120)
________________________________________
وقوله (من الطويل):
بغيض إلى الجاهل المتعاقل
وقوله (من البسيط):
وليس كل ذوات المخلب السبع
وقوله (من البسيط):
وللسيوف كما للناس آجال
وقوله (من البسيط):
في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
وقوله (من الوافر):
فأول قرح الخيل المهار
وقوله (من البسيط):
والبر أوسع والدنيا لمن غلبا
وقوله (من البسيط):
ليس التكحل في العينين كالحكل
وقوله (من الكامل):
ويبين عتق الخيل في أصواتها

ومنها
إرسال المثالين في مصراعي البيت الواحد
كقوله (من الطويل):
وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينسب العز طيب
وقوله (من المنسرح):
في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل
(1/121)
________________________________________
وقوله (من الكامل):
الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشق ما أعلنا
وقوله من الخفيف:
ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
وقوله (من الطويل):
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا
وقوله (من البسيط):
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
وقوله (من الطويل):
وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل
وقوله (من البسيط):
لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاس مناكيد
وقوله (من الطويل):
إذ أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا
(1/122)
________________________________________
ومنها
إرسال المثل والاستملاء والموعظة
وشكوى الدهر والدنيا والناس.
وما يجري مجراها.
كقوله (من الطويل):
وما الجمع بين الماء والنار في يدى ... بأصعب من أن أجمع الجد والفهما
وقوله (من الكامل):
يخفي العداوة وهي غير خفية ... نظر العدو بما أسر يبوح
وقوله (من المنسرح)
والأمر لله، رب مجتهد ... ما خاب إلا لأنه جاهد
وقوله (من الطويل):
إليك فإني لست ممن إذا اتقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقارب
وقوله (من الكامل):
خير الطيور على القصور، وشرها ... يأوى الخراب ويسكن الناووسا
وقوله (من البسيط)
ليس الجمال لوجه صح مارنه ... أنف العزيز بقطع العز يجتدع
وقوله (من الوافر):
وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
قال ابن جنى: هذا كما يقول أهل الجدل (من شك في المشاهدات فليس بكامل العقل).
وقوله (من الطويل):
وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه
(1/123)
________________________________________
وقوله (من الطويل):
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام
وقوله (من البسيط):
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
وقوله (من الكامل):
وأحب أني لو هويت فراقكم ... فارقته والدهر أخبث صاحب
وقوله (من الكامل):
من خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئا يحمد
وقوله (من الطويل):
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بد
وقوله (من الخفيف):
وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام
وقوله (من الكامل):
تلف الذي اتخذ الشجاعة جنة ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا
وقوله (من الطويل):
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللاتي سررن ألوف
وقوله (من الكامل):
وإذا خفيت على الغبي فغادر ... أن تراني مقله عمياء
وقوله (من البسيط):
إن كنت ترضى بأن يعطوا الجزى بذلوا ... منهار ضاك، ومن للعور بالحول؟!
وقوله (من الوافر):
فآجرك الإله على مريض ... بعثت به إلى عيسى طبيبا
وقوله (من الوافر):
إذا أتت الإساءة من لئيم ... ولم المسيء فمن ألوم
(1/124)
________________________________________
وقوله (من الكامل):
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل
وقوله (من المتقارب):
إذا ما قدرت على نطقة ... فإني عل تركها أقدر
وقوله (من الخفيف):
واحتمال الأذى ورؤية جانبه ... غذاء تضوي به الأجسام
وقوله (من الكامل):
وتوهموا اللعب الوغى والطعن في ... الهيجاء غير الطعن في البدن
وقوله (من الخفيف):
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
وقوله (من الخفيف):
ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام
وقوله (من الطويل):
وليس الذي يتبع الوبل رائداً ... كمن جاءه في داره رائد الوبل
وقوله (من المنسرح):
أبلغ ما يطلب النجاح به الطبع ... ، وعند التعمق الزلل
وقوله (من البسيط):
كم مخلص وعلا في خوض مهلكة ... وقتلة فرنت بالذم في الجبن
وقوله (من المتقارب):
وما قلت للبدر أنت اللجين ... ولا قلت للشمس أنت الذهب
ومن ركب الثور بعد الجواد ... أنكر أظلافه والغبب
وقوله (من البسيط):
(1/125)
________________________________________
فقر الجهول بلا قلب إلى أدب ... فقر الحمار بلا رأس إلى رسن
لا يعجبن مضيما حسن بزنه ... وهل يروق دفينا جودة الكفن
وقوله (من الوافر):
إذا ما الناس جربهم لبيب ... فإني قد أكلتهم وذاقا
فلم أر ودهم إلا خداعا ... ولم أر دينهم إلا نفاقا
وقوله (من الطويل):
ذريني أنل مالا ينال من العلا ... فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل
تريدين لقيان المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل
وقوله (من الطويل):
تمن يلذ المستهام بمثله ... وإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي
وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القد
وقوله (من الكامل):
ومكائد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتني
لعنت مقاربة اللئيم فإنها ... ضيف يجر من الندامة ضيفنا
وقوله (من الطويل):
وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
وقوله (من الكامل):
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
كأنه مأخوذ من قول لبيد (من الرمل):
(1/126)
________________________________________
أكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل
وكقوله (من الطويل):
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده
فلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده
ودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زنده
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
إذا كنت في شك من السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعده
وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده
وقوله (من الخفيف):
إنما تنجح المقالة في المرء ... إذا وافقت هوى في الفؤاد
وإذا الحلم لم يكن في طباع ... لم يحلم تقادم الميلاد
إنما أنت والد، والأب القاطع ... أختي من واصل الأولاد
وقوله (من الطويل):
وما الحسن في وجه الفتى شرفاً له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
وجائزة دعوى المحبة والهوى ... وإن كان لا يخفي كلام النافق
وما يوجع الحرمان من كف حارم ... كما يوجع الحرمان من كف رزاق
وقوله (من الخفيف):
إنما أنفس الأنيس سباع ... يتفارسن جهرة واغتيالا
من أطاق التماس شيء غلابا ... وافتساراً لم يلتمسه سؤالا
كل غاد لحاجة يتمنى ... أن يكون الغضنفر الرئبالا
وقوله (من البسيط):
ولولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال
(1/127)
________________________________________
وقلما يبلغ الإنسان غايته ... ما كل ماشية بالرجل شملال
إنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال
ذكر الفتى عمره الثاني، وحاجته ... ما قاته، وفضول العيش أشغال
وقوله (من الوافر):
يرى الجبناء أن العجز حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وكل شجاعة في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم
قيل له: أنى يكون الشجاع حكيما؟ فقال: هذا علي بن أبي طالب كرم الله وجه!.
وكم من عائب قولا صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الأذهان منه ... على قدر القرائح والعلوم
وقوله (من الكامل):
ولقد رأيت الحادثان فلا أرى ... يققاً يميت ولا سواداً يعصم
والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم
ذو العقل يشقي في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
لا يخدعنك من عدو دمعه ... وارحم شبابك من عدو يرحم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
قال ابن جني: أشهد بالله لو لم يقل غير هذا البيت لتقدم به أكثر المحدثين
(1/128)
________________________________________
وهذه الأبيات كلها غرر وفرائد، لا يصدر مثلها إلا عن فضل باهر،
وقدرة على الإبداع ظاهرة.
والظلم من شيم النفوس، فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم
ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن جهلة، وخطاب من لا يفهم
ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلم
وقوله (من الطويل):
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصاً عليها مستهاماً بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقي ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا
ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا
وقوله (من الوافر):
وفيك إذا جنى الجاني أناة ... تظن كرامة وهي احتقار
بنو كعب وما أثرت فيهم ... يد لم يدمها إلا السوار
بها من قطعة ألم ونقص ... وفيها من جلالته افتخار
لهم حق بشركك في نزار ... وأدنى الشرك في نسب جوار
لعل بينهم لبنيك جند ... فأول قرح الخيل المهار
وما في سطوة الأرباب عيب ... ولا في ذلة العبدان عار
وقوله (من البسيط):
من اقتضى بسوي الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
(1/129)
________________________________________
هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم
لا تشكون إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرنك منهم ثغر مبتسم
وقت يضيع وعمر أنت مدته ... في غير أمته من سائر الأمم
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
وقوله (من الكامل):
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول، وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أٌقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
وقوله (يمدح كافورا) (من الطويل):
لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب!
أليت شعري هل أقول قصيدة ... ولا أشتكى فيها ولا أتعب!؟
وبي ما يذود الشعر عني أقله ... ولكن قلبي، يا ابنة القوم، قلب
أما تغلط الأيام في بأن أرى ... بغيضاً تنائي أو حبيبا تقرب؟
وقوله (يمدح أيضا) (من الطويل):
أبي خلق الدنيا حبيباً تديمه ... فما طلبي منها حبيبا ترده؟
وأسرع مفعول فعلت تغيرا ... تكلف شيء في طباعك ضده
وقوله (يمدحه أيضا) (من الطويل):
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم
وعادي محبيه يقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم
(1/130)
________________________________________
ومنها:
وما كل هاو للجميل بفاعل ... ولا كل فعال له بمتمم

ومنها:
فأحسن وجه في الورى وجه محسن ... وأيمن كف فيهم كف منعم
وأشرفهم من كان أشرف همه ... وأكثر إقداماً على كل معظم
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو مساءة مجرم؟
وقوله (يمدح المغيث بن علي العجلي) (من الوافر):
فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما يهب اللئام
ودهر ناسه ناس صغار ... وإن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام
وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام
ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتام
ولو حيز الحفاظ بغير عقل ... تجنب عنق صيقله الحسام
وقوله (من الخفيف):
أبداً تسترد ما تهب الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلا
فكفت كون فرحة تورث الغم ... وخل يغادر الوجد خلا
وهي معشوقة على الغدر لا تحفظ ... عهداً ولا تتمم وصلا
كل دمع يسيل منها عليها ... وبفك اليدين عنها تخلى
أي: كل من أبكته الدنيا فإنما يبكي لفوت شيء منها، ولا يخليها الإنسان إلا قسرا بفك يديه.
شيم الغانيات فيها فلا أدرى ... لذا أنت اسمها الناس أم لا؟
(1/131)
________________________________________
ولذيذ الحياة أنفس في النفس ... وأشهى من أن يمل وأحلى
وإذا الشيح قال أف فما مل ... حياة وإنما الضعيف ملا
آلة العيش صحة وشبا ... فإذا وليا عن المرء ولي

ومنها
افتضاضه أبكار المعاني
في المراثي والتعازي
كقوله (من المنسرح):
سالم أهل الوداد بعدهم ... يسلم للحزن لا لتخليد
أي: إذا مات الصديق يسلم صديقه للحزن لا للخلود، لأن كلا ميت
فما ترجى الخلود من زمن ... أحمد حاليه غير محمود
أي: أحمد حاليك أن تبقى مع صديقك، وهو مع ذلك غير محمود لتعجيل الحزن وانتظار الأجل.
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش بها الكريم الأروع
والناس أنزل في زمانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
قبحاً لوجهك يا زمان؛ فإنه ... وجه له من كل قبح برقع
أيموت مثل أبي شجاع فاتك ... ويعيش حاسده الخصى الأوكع؟
وقوله (من البسيط):
عدمته وكأني سرت أطلبه ... فما تزيدني الدنيا على العدم
من لا يشابهه الأحياء في شيم ... أمسى يشابهه الأموات في الرمم
أحسن ولله وأبدع ما شاء!.
وقوله (من الطويل):
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب
(1/132)
________________________________________
سبقنا إلى، فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب
تملكها الآتي تملك سالب ... وفارقها الماضي فراق سليب
هذا كقول بعضهم في الموعظة: (وإن ما في أيديكم أسلاب الهالكين، ويستخلفها الباقون كما تركها الماضون)
علينا لك الإسعاد إن كان نافعا ... بشق قلوب لا يشق جيوب
فرب كئيب ليس تندى جفونه ... ورب كثير الدمع غير كثيب
وللواجد المكروب من زفراته ... سكون عزاء أو سكون لغوب
وقوله (من الكامل):
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى ... أن الكواكب في التراب تغور
ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى ... رضوى على أيدي الرجال تسير
خرجوا به، ولكل باك خلفه ... صعقات موسى يوم دك الطور
حتى أتوا جدنا كأن ضريحه ... في كل قلب موحد محفور
كفل الثناء له برد حياته ... لما انطوى فكأنه منشور
وقوله في تعزية سيف الدولة عن أخته (من الخفيف):
ولعمري لقد شغلت المنايا ... بالأعادي فكيف يطلبن شغلا
وكم انتشت بالسيوف من الدهر ... أسير وبالنوال مقلا
خطبة للحمام ليس لها رد ... وإن كانت المساة ثكلا
وإذا لم تجد من الناس كفواً ... ذات خدر أرادت الموت بعلا
(1/133)
________________________________________
هذا أحسن ما قبل في مرثية حرم الملوك، وقوله في مرثية طفل لسيف الدولة وتعزيته عنه (من الطويل):
فإن تك في قبر فإنك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يبكي على قدر سنه ... ولكن على قدر المخيلة والفضل
عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل، والشدائد للنصل
ولم أر أعصى فيك للحزن عبرة ... وأثبت عقلا، والقلوب بلا عقل
تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل
ويبقى على مر الحوادث صبره ... ويبدو كما يبدو الفرند على الصقل
وما الموت إلا سارق رق شخصه ... يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
يرد أبو الشبل الخميس عن ابنه ... ويسلمه عند الولادة للنمل
إذ ما تأملت الزمان وصرفه ... تيقنت أن الموت ضرب من القتل
وما الدهر أهل أن يؤمل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل
وقوله (من السريع):
نحن بنو الدنيا فما بالنا ... نعاب ما لا بد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه
لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه
لم ير قرن الشمس في شرقه ... فشكت الأنفس في غربه
يموت راعي الضأن في جهله ... موته جالينوس في طبه
وربما زاد على عمره ... وازداد في الأمن على سربه
وغاية المفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه؟
فلا قضى حاجته طالب ... فؤاده يخفق من رعبه!
(1/134)
________________________________________
ومنها
الإيجاع في الهجاء
كقوله (من المجتث):
إن أوحشتك المعالي ... فإنها دار غربه
أو آنستك المخازي ... فإنها لك نسبه
وقوله (من البسيط):
إني نزلت بكذابين ضيفهم ... عن القرى وعن الترحال محدود
جود الرجال من الأيدي، وجودهم ... من اللسان، فلا كانوا ولا الجود!
ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم ... إلا وفي يده من نتنها عود
يعني العود الذي يتناوله المعالج للشيء القذر ليكون واسطة بينه وبين يده وقوله (من البسيط):
العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو أنه في ثياب الحر مولود
لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاس منا كيد
من علم الأسود المخصى مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد؟
أم أذنه في يد النخاس دامية ... أم قدره وهو بالفلسين مردود؟
وذاك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود
كأنه من قول أبي علي البصير (من الخفيف):
عجز الراكب البصير، وأولى ... منه بالعجز راجل مكفوف
وقوله (من السريع):
فلا ترج الخير عند امرئ ... مرت يد النخاس في رأسه
وقوله (من الوافر):
أخذت يمدحه فرأيت لهواً ... مقالي للأحميق يا حكيم
ولما أن هجوت رأيت عيا ... مقالي لابن آوى يا حليم
(1/135)
________________________________________
فهل من أغادر في ذا وهذا ... فمدفوع إلى السقم السقيم
وقوله (من المتقارب):
لقد كنت أحسب قبل الخصى ... بأن الرءوس مقر النهى
فلما نظرت إلى عقله ... رأيت النهى كلها في الخصى
وقوله (يهجو بن إبراهيم بن كيغلغ) (من الكامل):
يمشي بأربعة على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراء يلجم
وجفونه ما تستقر كأنها ... مطروفة أوفت فيها حصرم
وتراه أصغر ما تراه ناطقا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم
وإذا أشار مكلما فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
يقلي مفارقة الأكف قذاله ... حتى يكاد على يد يتعمم

ومنها
إبراز المعاني اللطيفة
في معارض الألفاظ الرشيقة الشريفة والرمز
بالطرف والملح
كقوله في الجمع بين مدح سيف الدولة وقد فارقه، وبين مدح كافور وقد قصده في بيت واحد (من الطويل):
فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت خير ميمم
ثم قال معرضا بسيف الدولة:
وما منزل اللذات عندي بمنزل ... إذا لم أبخل عنده وأكرم
رحلت فكم باك بأجفان شادن ... على، وكم باك بأجفان ضيغم
(1/136)
________________________________________
المصراع الثاني تصديق لقوله:
ليحدثن لمن ودعتهم ندم
وما ربة القرط المليح مكانه ... بأجزع من رب الحسام المصمم
فلو كان ما بي من حبيب مقنع ... عذرت، ولكن من حبيب معمم
وهذا أيضا مما نبهت عليه من إجرائه الممدوح من الملوك مجرى المحبوب في كثير من شعره:
رمى واتقى رمي، ومن دون ما اتقى ... هوى كاسر كفى وقوسى وأسهمى
وكقوله في مدح كافور والتعريض بالقدح في سيف الدولة (من البسيط):
قالوا: هجرت إليه الغيث؟ قلت لهم: ... إلى غيوث يديه والشآبيب
إلى الذي تهب الدولات راحته ... ولا يمن على آثار موهوب
ولا يروع بمغرور به أحدا ... ولا يفزع موفورا بمنكوب
يا أيها الملك الغاني بتسمية ... في الشرق والغرب عن نعت وتلقيب
يعني أنا مستغن عن لقب كلقب سيف الدولة
أنت ****** ولكني أعوذ به ... من أن أكون محباً غير محبوب
وهذا أيضا من ذاك. وقوله من قصيدة لسيف الدولة بعد ما فارق حضرته يعرض بستزادة يومه وشكر أمسه، وهو من فرائده (من المتقارب):
وإن فارقتني أمطاره ... فأكثرت غدرانها ما نضب
وإني لأتبع تذكاره ... صلاة الإله وسقى السحب

ومنها
في التعريض بكافور
ومن ركب الثور بعد الجواد ... أنكر أظلافه والغبب
وقوله في هز كافور والتعريض باستزادته (من الطويل):
(1/137)
________________________________________
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغني منذ حين وتشرب
يقول: مديحي إياك يطربك كما يطرب الغناء الشارب، فقد حان أن تسقيني من فضل كأسك
وهبت على مقدار كفى زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلب
وقوله أيضاً في التعريض بالاستزادة (من الطويل):
أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب؟
أقل سلامي حب ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب
وكقوله في وصف الفرس (من الطويل):
ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب
وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب
أي: كأنه قطعة من الليل، وكأن الغرة في وجهه كوكب، وعينه إلى أذنه لأن كامن لا يرى شيئاً، فهو ينظر إلى أذني فرسه، فان رآه قد توجس بهما تأهب في أمره وأخذ لنفسه، وذلك أن أذن الفرس تقوم مقام عينيه، وتقول العرب: أذن الوحشي أصدق من عينيه
له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب
شققت به الظلماء أدنى عنانه ... فيطغى، وأرخيه مراراً فيلعب
أي: إذا جذبت عنانه طغى برأسه لطماحه وعزة نفسه، وإذا أرخيت عنانه لعب برأسه
وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب
وكقوله في التوديع (من الوافر):
(1/138)
________________________________________
وأني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي في فنائك غير غاد
محبك حيث ما اتجهت أركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد
وكقوله (من الكامل):
سر حيث شئت يحله النوار ... وأراد فيك مرادك المقدار
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار
وأراك دهرك ما تحاول في العدا ... حتى كأن صروفه أنصار
أنت الذي بحج الزمان بذكره ... وتزينت بحديثه الأسمار
وكقوله في اللطف بالصديق والعنف بالعدو (من الكامل):
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسن نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب العداة جراءة ... ويلم بي عتب الصديق فأجزع
وكقوله في حسن الكناية (من الخفيف):
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشوق ... إلينا، والشوق حيث النحول
وإنما كنى عن تكذيبها ولم يصرح به: أي أنا أشتكي الشوق ونحول يدل على ذلك، وهي غير ناحلة فليست مشتاقة وكقوله (من الرجز):
أبيض ما في تاجه ميمونه ... عفيف ما في ثوبه مأمونه
أي: عفيف الفرج، فكنى به. وكقوله في حسن الحشو (من الكامل):
صلى عليك الله غير مودع ... وسقى ثرى أبويك صوب غمام
(غير مودع) حشو، ولكنه حسن وكقوله (من الطويل):
ويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها، وحاشك، فانيا
(1/139)
________________________________________
سبحان الله! ما أحسن الحشو بقوله (حاشاك)!. وكقوله (من البسيط):
إذا خلت منك حمص، لا خلت أبدا! ... فلا سقاها من الوسمي باكره
وكقوله في العيادة (من الكامل):
لا نعذل المرض الذي بك، شائق ... أنت الرجال، وشائق علاتها
ومنازل الحمى الجسوم، فقل لنا: ... ما عذرها في تركها خيراتها؟
أي: لا عذر للحمى في تركها جسمك، إذ هو أفضل الجسوم. وكقوله (من المنسرح):
قصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك البلاد والسبل
لم تبق إلا قليل عافية ... قد وفدت تجتديكها العلل
وقوله (من الوافر):
تجشمك الزمان هوى وودا ... وقد يؤذي من المقت ******
وكيف تعلك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب؟
وكيف تنوبك الشكوى بداء ... وأنت المستجار لما ينوب؟
وكقوله في التهنئة وهي تهنئة الدولة (من البسيط):
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم
وما أخصك في برء بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا
وكقوله (من الخفيف):
إنما التهنئات للأكفاء ... ولمن يدني من البعداء
(1/140)
________________________________________
وأنا منك لا يهنئ عضو ... بالمسرات سائر الأعضاء
وكقوله (من البسيط):
الصوم والفطر والأعياد والعصر ... منيرة بك، حتى الشمس والقمر
ما الدهر إلا روضة أنف ... يا من شمائله في دهره زهر
ما ينتهي لك في أيامه كرم ... فلا انتهى لك في أعوامه عمر
فإن حظك من تكرارها شرف ... وحظ غيرك منها النوم والسهر
وكقوله (من الطويل):
تغير حالي والليالي بحالها ... وشبت وما شاب الزمان الغرانق
وكقوله (من البسيط):
تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر واللمم
وكان حالهما في الحكم واحدة ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم
وقوله (من الطويل):
مشب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقيه وبانيه هادمه
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح، ولكن أحسن الشعر فاحمه

ومنها
حسن المقطع
وكقوله (من البسيط):
قد شرف الله أرضاً أنت ساكنها ... وشرف الناس إّذ سواك إنسانا
قال ابن جني: لا يعجبني قوله (سواك إنسانا) لأنه لا يليق بشرف ألفاظه، ولو قال (أنشاك) أو نحو ذلك لكان أليق بالحال.
(1/141)
________________________________________
قلت أنا: ولو قال غير ما قاله لم يكن فصيحا شريفا، لأن في القرآن (ثم سواك رجلا) ولا أفصح ولا أشرف مما ينطق به كتاب الله عز ذكره وكقوله (من المتقارب):
سما بك همي فوق الهموم ... فلست أعد يساراً يسارا
ومن كنت بحرا له يا علي ... لم يقبل الدر إلا كبارا
وكقوله (يمدح سيف الدولة) (من المتقارب):
أنلت عبادك ما أملوا ... أنالك ربك ما تأمل
وكقوله (في المغيث بن علي العجلي) (من الوافر):
وأعطيت الذي لم يعط خلق ... عليك صلاة ربك والسلام

ذكر آخر شعره وأمره
لما أنجحت سفرته، وربحت تجارته بحضرة عضد الدولة، ووصل إليه من صلاته أكثر من مائتي ألف درهم استأذنه في المسير عنها ليقضي حوائج في نفسه، ثم إليها فأذن له، وأمر بأن نخلع عليه الخلع الخاصة، ويقاد إليه الحملان الخاص، وتعاد صلته بالمال الكثير، فامتثل، وأنشده أبو الطيب الكافية التي هي آخر شعره، وفي أضعافها كلام جرى على لسانه كأنه ينعى فيه نفسه، وإن لم يقصد ذلك، فمنه قوله (من الوافر):
فلو أني استطعت خفضت طرفي ... فلم أبصر به حتى أراكا
وهذه لفظة يتطير منها. ومنه
إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمت لا صاحبت فاكا
(1/142)
________________________________________
ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا مناكا
أي: لو أن أكثر ما تمنى أن يعاودك لقلت له: ولا بلغت أنت أيضاً مناك، وهذا أيضاً من ذاك. ومنه:
وقد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا
أي: قد أضمر يا قلب إلى أهلك، وكان ذلك داء لك، فاستشفيت منه بأن فارقت عضد الدولة، ومفارقته داء أيضا أعظم من داء شوقك إلى أهلك، وهذا سبه قول النبي صلى الله عليه وسلم (كفى بالسلامة داء) وقول حميد بن ثور (من الطويل):
وحسبك داء أن تصح وتسلما
و (أقتل ما أعلك ما شفاكا) من ألفاظ الطيرة أيضا، ومنه:
وكم دون الثوية من حزين ... يقول له قدومي ذا بذاكا
الثوية: من الكوفة، يقول له (قدومي ذا بذاك) أي هذا القدوم بتلك الغيبة، وهذا السرور بذلك الحزن، لم يقل (إن شاء الله تعالى) ومنه:
ومن عذب الرضاب إذا أنخنا ... يقبل رحل تروك والوراكا
تروك: اسم ناقة لم ير مثلها لعضد الدولة أمر له بها، والوراك: شيء يتخذه الراكب كالمخدة تحت وركه
يحرم أن يمس الطيب بعدي ... وقد عبق العبير به وصاكا
وهذا أيضا من تلك الألفاظ. ومنه:
وفي الأحباب مختص بوجد ... وآخر يدعي معه اشتراكا
إذا اشتبهت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى
(1/143)
________________________________________
وهذا أيضا من ذاك. ومنه:
فزل يا بعد عن أيدي ركاب ... لها وقع الأسنة في حشاكا
هذه استعارة حسنة لأنه خاطب البعد وجعل حشا. ومنه:
وأياً شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا
جعل قافية البيت الهلاك فهلك، وذلك أنه ارتحل عن شيراز بحسن حال ووفور ما، فلما فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمر به كاستمرارها في مملكة عضد الدولة، ولم يقبل ما أشير به عليه من الاحتياط باستصحاب الخفراء والمبذرقين، فجرى ما هو مشهور من خروج سرية من الأعراب عليه ومحاربتهم إياه، وتكشف الوقعة عن قتلة وابنه محسد ونفر من غلمانه، وفاز الأعراب بأمواله وذلك في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة أنشدني أبو القاسم المظفر بن علي الطبسي الكاتب لنفسه في مرئية المتنبي (من الخفيف):
لا رعى الله سرب هذا الزمان ... إذ دهانا في مثل ذاك اللسان
ما رأى الناس ثاني المتنبي ... أي ثان يرى لبكر الزمان؟
كان من نفسه الكبيرة في جيش ... وفي كبرياء ذي سلطان
كان في لفظه نبياً، ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني
فصل - وقد جمح بي القلم في إشباع هذا الباب وتذليله، وتصيره كتابا برأسه في أخبار أبي الطيب والاختيار من أشعاره والتنبيه على محاسنه ومساويه، وقد كان بعض الأصدقاء سألني عمل ذلك، وله الآن فيه كفاية، وبه غنية، فإن أحب إفراده عن الأبواب كان كتابا على حدة، وإن نشط لانتساخ الجميع تضاعفت الفوائد لديه، وانثالت القلائد عليه، بمشيئة الله وإرادته.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
(1/144)
________________________________________



http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة
المصدر: ملتقى شذرات

__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المتنبي, الطيب, عليه


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه للموضوع أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أخبرني المتنبي محمد خطاب مقالات 0 06-07-2019 01:16 AM
نقض دالية المتنبي!! عبدالناصر محمود أخبار ومختارات أدبية 0 09-01-2014 07:10 AM
أبو الطيب المتنبي Eng.Jordan شخصيات عربية وإسلامية 0 03-10-2013 03:04 PM
نقض دالية المتنبي يقيني بالله يقيني أخبار ومختارات أدبية 2 04-22-2012 05:59 PM
أبو الطيب المتنبي في الشـعر العربي المعاصر Eng.Jordan دراسات و مراجع و بحوث أدبية ولغوية 1 04-21-2012 11:34 PM

     
 

  sitemap 

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:34 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع