#1  
قديم 11-25-2020, 02:23 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 25,467
افتراضي علم المستقبل قراءة في ضرورة التأسيس


علم المستقبل قراءة في ضرورة التأسيس



سعيد عبد الهادي



كلما حاصرنا الحاضر توجهنا نحو الماضي ،ما زال الماضي يحركنا وفي كل عقد نعود من جديد لقراءة التاريخ علنا نكتشف سر تخلفنا ،هذا الامر نعيشه اليوم بشكل فاضح مع تزايد موجات التطرف وارتباطه بالاسلام في ظل وضع كهذا يكون الغياب شبه الكلي للدراسات المستقبلية امرا طبيعيا برغم ان النظام المباد اعتمد خلال العقد السبعيني الخطط الخمسية وهي خطط مستقبلية نقلت عن التجربة السوفيتية

التي كانت تبني خططها على وفق تخطيط طويل المدى يتراوح بين 10 - 15 سنة مع ارتباط المخطط اللاحق بالسابق في اطار برنامج شامل للتنمية وقبل ان تحل البيروسترويكا في ذلك الاتحاد انهارت الخطط الخمسية العراقية بفعل حرب الخليج الاولى وتحول الخزبية باتجاه الحرب ،ففي ظل حاضر متفجر يبقى المستقبل غريبا لكون الدراسات المستقبلية في اساسها اجتهادا علميا منظما يرمي الى صوغ مجموعة من التنبؤات المشروطة تشمل المعالم الرئيسة لاوضاع مجتمع ما عبر عقدين او اكثر وتنطلق من بعض الافتراضات الخاصة حول الحاضر والماضي لاستكشاف اثر دخول عناصر مستقبلية على المجتمع هكذا نرى انها تعتمد منطقا اختباريا هذا المنطق كما هو واضح يتعارض انشاؤه وزمن الحروب التي أكلت العراق وما زالت.

ولاهمية تفعيل هذا النمط من الدراسات في عراق اليوم نحاول ان نفتح نافذة باتجاهها اذ لم تحفل صحافتنا واعلامنا ببيان طبيعتها لانها اعتادت على كون هذا النمط من الدراسات حكرا على المؤسسات الرسمية ولم نبتغ في هذه الدراسة الا بيان التطور التاريخي والاتجاهات لرسم صورة واضحة تفتح الباب امام المشاركة في تحديد هذا المجال على مستوياته كافة من قبل المعنيين والمهتمين به.

المستقبليات futuribles هذا الاصطلاح كان وليد اجتهاد المؤرخ الالماني اوسيب، ك فليتشتايم الذي استخدمه عنوانا لكتابه (التاريخ وعلم المستقبل) الصادر عام 1949 فاتحا بذلك المجال امام الدراسات التي حاولت بناء استراتيجيات شاملة بعيدة المدى في مختلف المجالات .. قبل هذا التاريخ كان اعضاء رابطة رواية الخيال العلمي في انجلترا قد اقترحوا وزارة للمستقبل ومنذ الثلاثينيات كانت مجلتهم الغد منبرا للدراسات المستقبلية .

وقد رسموا صورة لوزير المستقبل تشي بما كانوا يخططون له سيكون مثل العنكبوت جالسا في شبكته ويجذب نحوه المعارف جميعها ويستخرج تصوراته على وفق خطوط التأثير الذي ستتركه اخر التطورات والاكتشافات على الجنس البشري .. ترى في هذا التصور ثمة بعداً كونياً لمعرفة المستقبل هذا البعد لم يترسخ الا مع الفيلسوف والمستثمر الفرنسي غاستون بيرجيه الذي افتتح عام 1957 المركز الدولي للمستقبل المنظور وفي حينها اطلق على علم المستقبل اصطلاح علم الريادة prospestive واصدر مجلة بالاسم نفسه وقد حدده بيرجيه بالقول انه تأمل في المستقبل القصد منه ابراز معالمه بهدف التوصل الى عناصر منهج كلي يمكن تطبيقه على عالمنا المنطلق بسرعة متزايدة وقد ترك بيرجيه اثرا كبيرا على مستوى البحث في هذا المجال حين وسع تلميذه بيير ماسيه.

هذا المجال البحثي بتشكيله عام 1963 لجنة 1985 التي رسم من خلالها صورة عن مستقبل فرنسا على المستويين الاقتصادي والاجتماعي في الوقت نفسه اعطى مواطنه برتراند دي جوفينيل بعدا عالميا (futuribles) للمستقبليات اذ عمل على مشروع المستقبليات بدعم من مؤسسة فورد الاميركية وقد عمل جوفينيل على استكتاب اوسع مجموعة من علماء المستقبليات لتقديم تصور شامل عن مستقبل العالم بالتركيز على مجال السياسة في الوقت نفسه قدم جوفينيل اطارا معرفيا منهجيا لطرائق وسبل التكهن بالمستقبل في :كتابه فن التكهن بالمستقبل ثم اسس مع زوجته ( هيلين ) رابطة المستقبليات الدولية التي مازالت تعمل ويرأســــها حاليا ابنه ( هيوغس ) وتصدر عنها مجلة ( المستقبليات ).

في العقدنفسه برزت على المستوى الرسمي في فرنسا ( وكالة التخطيط الاقليمي الفرنسي ).

في اميركا نشأ علم المستقبل محكوما بمنظومة المعايير البراجماتية التي حكمت الفضاء الاميركي فكان طبيعيا ولادة هذا المجال البحثي داخل المؤسسة العسكرية لاستغلاله في مجال تطوير الاستراتيجيات والاسلحة المتطورة وقد عززت الحرب الباردة هذا المجال ودفعته الى الامام.وقد برز في هذا المجال الجنرال ( هـ.هـ. ارنولد ) القائد العام لسلاح الطيران بانشائه ( مصنع الفكر ) الذي ضم نخبة مختارة من الدارسين وكان الدور الاكبر لـ ( ثيودور فان كارمان ) اذا أجرى استطلاعا عن قدرات اميركا التكنولوجية في تقريره ( نحو آفاق جديدة ) قاد الى تشكيل انشاء مركز التنبؤ التكنولوجي بعيد المدى للجيش وبين ايضا من خلاله ان التنبؤ بالقدرات التكنولوجية ليس ممكنا فحسب بل ضروريا ثم جاء مشروع تنبؤ القوات الجوية ) عام 1963 اذ اجتمعت فيه جهود سبعين مؤسسة بحثية واربعين هيئة فضلا عن ست وعشرين جامعة ليخرج المشروع لـ” اربعة عشر مجلدا “ حول الخصائص التكنولوجية للقوى التي يمكن ان تقدم الدعم لوزارة الدفاع الاميركية لمرحلة ما بعد 1970 .

ثم كان لاعمال مؤسسة رائد وما قدمه عالم الرياضيات اولان هيلمر في بحثه نظرية المعرفة للعلوم غير الدقيقة دور كبير في بناء قاعدة (غطاء نظري) فلسفية للدراسات المستقبلية بالاعتماد على تقنية دلفي التي تذهب الى ضرورة اخذ رأي كل خبير بصورة غير معلنة بحيث لا يعرف من يستكتب ان غيره ايضا استكتب ثم تتم مقارنة الاراء وتحليلها .

بعدها اشرف على النشرة التمهيدية الصادرة عن معهد المستقبل عام 1966 .

وكان الدور الابرز لهذا المعهد يتمثل بالتخلي عن الحتمية والقول بان هناك العديد من أشكال المستقبل المحتملة، وان التدخل الملائم يمكن ان يخلق اختلافاً في ارجحيتها، وهذا يحدد السبل الدقيقة لعملية ارتياد المستقبل واستكشافه، والبحث عن طرق للتأثير في اتجاهه، وقد ضم هذا المعهد ثلة من الاكاديميين على رأسهم”بول باران وأرنولد كراميش وفرانك ديفرسون “، فضلاً عن معهد المستقبل، هناك معهد هدسن انشأه هيرمان كاهن واتبع تقنية السيناريوهات، اذ يتم الاستناد الى حركة المتغيرات الرئيسة ودورها في تشكيل صورة المستقبل.ومنطق احتمالات المستقبل، ومن أبرز المؤلفات التي قدمت في هذا المعهد حول التصعيد: المجازات والسيناريوهات والتفكير فيما لا يفكر فيه “ تم نشر عنه ايضاً عام 1967 انتوني وينز” العالم عام 2000 “.وفي المجال الاجتماعي قدم عالم النفس الاجتماعي”دونالد. بن. مايكل “ كتاباً بعنوان”الجيل الجديد: المنظورات المستقبلية لشباب اليوم والغد “، وقدم كينيث بولدنغ وهو عالم اقتصاد معروف”معنى القرن العشرين “، فيما قدم المؤرخ”آرثر واسكوف “ كتابه”ملاحظات من سنة 1999 “.

مع العقد السبعيني انتشرت الجمعيات والمؤسسات البحثية، كان من ابرزها”الجمعية العالمية لدراسة المستقبل “ تصدر عنها مجلة”المستقبلي “ لعموم القراء و”نشرة الجمعية العالمية لدراسات المستقبل “ للنخبة، ولها فروع متعددة متوزعة بين أكثر من مائة بلدة، وقامت باصدار كتاب محرر شارك في تحريره معظم المتخصصين في الدراسات المستقبلية عام 1975 بعنوان”السنوات الخمس والعشرين القادمة “.

وقد تجاوز عدد المراكز المعنية بدراسات المستقبل اكثر من”600 “ مركز في أميركا، فيما وصل عددها في اوروبا الى”300 “ مركز خلال بدايات العقد السبعيني.

تتوزع مناهج الدراسات المستقبلية بين أربعة اتجاهات رئيسة، الاتجاه الاول يقوم اصحابه بانتقاء بعض المتغيرات التي يعتقد بوجود اهمية خاصة لها، وتتبع مساراتها كالمتغير السكاني ومتغير الموارد، فيما ذهب اصحاب الاتجاه الثاني الى القول بأن اعتماد النبؤات هو الاساس لبناء قاعدة صلبة من المقدمات تبنى عليها نتائج مستخلصة منها، وبهذا يكون اقرب الى”الخططية “ التي شاعت في المعسكر الاشتراكي.

وهناك اتجاه الاستعانة بالدراسات التي تركز على ما تشهده التقنية من تقدم، فيما ركز اصحاب الاتجاه الأخير على منهج التحليل المستقبلي الاستشرافي، الذي لا يسعى الى نبوءة او تخطيط، بل يقوم بمجموعة من التنبؤات المشروطة التي تفترض الواقع تارة او المأمول فيه تارة اخرى من دون ان تنتهي الى قرار بتحقيق اي من هذه الصور.

لا ندري هل يستطيع هذا العرض الميتسر ان يعطي صورة واضحة تساعد في تحفيز الساحة العراقية الرسمية والشعبية على دعم وتنشيط مراكز الدراســات المستقبلية التي آن لها ان تولد بعد موت الدكتاتورية، وهل يكون هذا العرض فاعلاً في ادامة التواصل بيننا وهذه المراكز لتأسيس وادامة صفحة ثابتة للدراسات المستقبلية، لتضع القارئ العراقي في قلب الجهود المحلية والعالمية المعنية بهذا المجال.

انه ليس مجالاً حديثاً لكنه مجهول ومغيب، وقد آن له أن يفتح نوافذ ضرورته الراهنة على آفاق حاضرنا الحافل بالمعطيات.


المصدر : جريدة الصباح التاريخ: Friday, August 05- 2006
المصدر: ملتقى شذرات

__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المستقبل, التأسيس, ضرورة, قراءة


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه للموضوع علم المستقبل قراءة في ضرورة التأسيس
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ضرورة في القلوب عبدالناصر محمود الملتقى العام 0 11-08-2018 08:20 AM
صناعات المستقبل.. المستقبل يشهد تنازع الاختصاص بين الإنسان والروبوت Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 04-04-2017 02:08 PM
و من اصدق من الله قيلا-التأسيس و معرفة حقيقة الله د. علي محمود التويجري الكاتب د. علي محمود التويجري 0 11-05-2015 11:58 PM
ضرورة الحل في اليمن .. د/عبدالله الشمراني مقالات 4 08-07-2015 06:11 AM
ضرورة النسبية الخاصة Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 11-15-2013 09:40 PM

   
|
 
 

  sitemap 

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:43 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59